Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ سورة الأنعام ويقال إنه كان موجودًا فى زمن الملك ((آخاب)) ملك بنى إسرائيل فى حوالى سنة ٩١٨ ق م. ١١ - إسماعيل وهو الابن الأكبر لإبراهيم -عليهما السلام- وجد محمد الخ .. ١٢ - اليسع وهو ابن شافاط وكانت وفاته حوالى سنة ٨٤٠ ق م ودفن بالسامرة. ١٣ - يونس وهو ابن متى أرسله الله إلى أهل نينوى من بلاد آشور فى حوالى القرن الثامن قم. ١٤ - لوط وهو ابن هاران بن تارح فهو ابن أخى إبراهيم وكانت رسالته إلى أهل سدوم من شرق الأردن. وقوله ﴿وكلا فضلنا على العالمين﴾ أى: وكل واحد من هؤلاء الأنبياء المذكورين لا بعضهم دون بعض فضلناه بالنبوة على العالمين من أهل عصره. قال الجمل : اعلم أن الله -تعالى- ذكر هنا ثمانية عشر نبيًا من غير ترتيب لا بحسب الزمان ولا بحسب الفضل لأن الواو لا تقتضى الترتيب، ولكن هنا لطيفة فى هذا الترتيب وهى أن الله -تعالى- خص كل طائفة من الأنبياء بنوع من الكرامة والفضل، فذكر أولا نوحًا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أصول الأنبياء وإليهم يرجع حسبهم جميعًا. ثم من المراتب المعتبرة بعد النبوة الملك والقدرة والسلطان وقد أعطى الله من ذلك داود وسليمان حظًا وافرًا. ومن المراتب الصبر عند نزول البلاء والمحن والشدائد وقد خص الله بهذه أيوب. ثم عطف على هاتين المرتبتين من جمع بينهما وهو يوسف فإنه صبر على البلاء والشدة إلى أن آتاه الله ملك مصر مع النبوة، ثم من المراتب المعتبرة فى تفضيل الأنبياء كثرة المعجزات وقوة البراهين وقد خص الله موسى وهارون من ذلك بالحظ الوافر، ومن المراتب المعتبرة الزهد فى الدنيا وقد خص الله بذلك زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، ثم ذكر الله بعد هؤلاء الأنبياء من لم يبق له أتباع ولا شريعة وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط فإذا اعتبرنا هذه اللطيفة كان هذا الترتيب حسنًا والله أعلم بمراده وأسرار كتابه(١))). ومن المعروف أن الأنبياء الذين يجب الإِيمان بهم على التفصيل خمسة وعشرون نبيًّا. وهم هؤلاء الثمانى عشرة الذين ذكروا فى هذه الآيات، يضاف إليهم سبعة نظمهم الناظم فى قوله : بأنبياء على التفصيل قد علموا حتم على كل ذى التكليف معرفة من بعد عشر ويبقى سبعة وهم فى تلك حجتنا منهم ثمانية ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا إدريس، هود، شعيب، صالح وكذا (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ٢ ص ٥٩. ن مے ١٢٢ المجلد الخامس ثم ذكر - سبحانه - فضائل من يتصل بهؤلاء الأنبياء الكرام فقال : ﴿ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم﴾ أى: ومن آباء هؤلاء الأنبياء وذرياتهم وإخوانهم من هديناه إلى الطريق المستقيم فمن هنا للتبعيض. والجملة معطوفة على ﴿كلا﴾ أى: كلا من هؤلاء الأنبياء فضلنا، وفضلنا بعض آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وهديناه. وجملة ﴿واجتبيناهم وهديناهم إلى صرامستقيم﴾ معطوفة على ﴿فضلنا﴾ أى: فضلنا هؤلاء الأنبياء واخترناهم وهديناهم إلى الطريق الواضح. قال الراغب: ((والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء قال - تعالى - ﴿فاجتباه ربه﴾ واجتباء العبد تخصيصه إياه بفيض إلهى يتحصل له منه أنواع من النعم بلا سعى من العبد وذلك للأنبياء وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء))(١). وقوله : ﴿ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده﴾ أى: ذلك الهدى إلى صراط مستقيم الذى اهتدى إليه أولئك الأخيار هو هدى الله الذى يهدى به من يشاء هدايته من عباده وهم المستعدون لذلك. وفى قوله ﴿من يشاء من عباده﴾ من الإبهام ما يبعث النفوس على طلب هدى الله -تعالى- والتعرض لنفحاته. وقوله ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾ أى، ولو فرض أن أشرك بالله أولئك المهديون المختارون لبطل وسقط عنهم ثواب ما كانوا يعملونه من أعمال صالحة فكيف بغیرهم. قال ابن كثير: فى هذه الآية تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته، كقوله - تعالى - ﴿ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ والشرط لا يقتضى جواز الوقوع، فهو كقوله، ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ وكقوله: ﴿لو أردنا أن نتخذ لهوا لأتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين﴾(٢). وقوله ﴿أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة﴾ اسم الإشارة فيه يعود إلى المذكورين من الأنبياءِ الثمانية عشرة والمعطوفين عليهم باعتبار اتصافهم بما ذكر من الهداية وغيرها من النعوت الجليلة. (١) مفردات القرآن جـ ٨٧ الراغب الأصفهانى. (١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ١٥٥ . - ١٢٣ سورة الأنعام وقصر بعضهم عودته على الأنبياء فحسب وإليه ذهب ابن جرير والرازى أى: أولئك المصطفون الأخيار هم الذين آتيناهم الكتاب أى جنسه المتحقق فى ضمن أى فرد كان من أفراد الكتب السماوية . والمراد بإيتائه : التفهيم التام لما اشتمل عليه من حقائق وأحكام، وذلك أعم من أن يكون بالإِنزال ابتداء أو بالإِيراث بقاء، فإن المذكورين لم ينزل على كل واحد منهم كتاب معين. والحكم أى: الحكمة وهى علم الكتاب ومعرفة ما فيه من الأحكام. أو الإصابة فى القول والعمل. أو القضاء بين الناس بالحق. و﴿النبوة﴾ أى: الرسالة. وقوله ﴿فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين﴾ أى: فإن يكفر بهذه الثلاث التى اجتمعت فيك يا محمد هؤلاء المشركون من أهل مكة، فلن يضرك كفرهم لأنا قد وفقنا للإِيمان بها قوما كراما ليسوا بها بكافرين فى وقت من الأوقات وإنما هم مستمرون على الإِيمان بك والتصديق برسالتك وفى ذلك ما فيه من التسلية لرسول الله وَلفر عن إعراض بعض قومه عن دعوته. والمراد بالقوم الذين وكلوا بالقيام بحق هذه الرسالة ووفقوا للإِيمان بها أصحاب النبى ومياه من المهاجرين والأنصار مطلقًا، لأنهم هم الذين دافعوا عن دعوة الإِسلام وبذلوا فى سبيل إعلانها نفوسهم وأموالهم، ويدخل معهم كل من سار على نهجهم فى كل زمان ومكان. وقيل : المراد بهم أهل المدينة من الأنصار. وقيل: المراد بهم الأنبياء المذكورون وأتباعهم، وقيل غير ذلك. والذى نراه أن الرأى الأول أرجح لأن أصحاب النبى # هم المقابلون لكفار قريش الذين کفروا بها. وفى التكنية عن توفيقهم للإِيمان بها بالتوكيل الذى أصله الحفظ للشىء ومراعاته، وإيذان بفخامة وعلو قدرها. قال الإِمام الرازى: ((دلت هذه الآية على أن الله - تعالى - سینصر نبيه، ویقوی دینه، ويجعله مستعليا على كل من عاداه، قاهرًا لكل من نازعه، وقد وقع هذا الذى أخبر الله عنه فى هذا الموضع، فكان جاريا مجرى الإخبار عن الغيب فيكون معجزًا))(١). ثم قال - تعالى - ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ أى: أولئك الأنبياء الذين (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ٨٦. ١٢٤ المجلد الخامس ، ذكرناهم لك - يا محمد - هم الذين هديناهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم فبهداهم، أى : فبطريقتهم فى الإِيمان بالله وفى تمسكهم بمكارم الأخلاق كن مقتديا ومتأسيا. والمقصود إنما هو التأسى بهم فى أصول الدين، أما الفروع القابلة للنسخ فإنهم يختلفون فيها ويجوز عدم الاقتداء بهم بالنسبة لها قال - تعالى - ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾. وتكرير اسم الإشارة لتأكيد تمييز المشار إليه، ولما يقتضيه للتكرير من الاهتمام بالخبر. وفى قوله ﴿فبهداهم اقتده﴾ تعريض بالمشركين إذ أن النبى وهو ما جاء إلا على سنة الرسل كلهم وأنه ما كان بدعا منهم، أما هم فقد اختلقوا لأنفسهم عبادات ما أنزل الله بها من سلطان. ثم ختم الله - تعالى - هذا السياق بقوله: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا﴾ أى: قل أيها الرسول الكريم لمن بعثت إليهم لا أطلب منكم على ما أدعوكم إليه من خير وما أبلغكم إياه من قرآن أجرا قليلا أو كثيرا. ﴿إن هو إلا ذكرى للعالمين﴾ أى: ما هذا القرآن إلا تذكيرا وموعظة للناس أجمعين فى كل زمان ومكان. قال بعضهم: وفى الآية دليل على أنه ويّله كان مبعوثًا إلى الجن والإِنس وأن دعوته قد عمت جميع الخلائق. وبعد أن بين - سبحانه - ما دار بين إبراهيم وقومه من مجالات تتعلق بإثبات وحدانية الله، وإبطال الشرك، وحکی جانبا من النعم التی أنعم بها على خلیله وعلی کل من سار على نهجه، وأخبر بأن هذا القرآن ما هو إلا تذكير للعالمين وأن المذكر به - لا يريد منهم أجرا على تبليغه، بعد كل ذلك أخذ القرآن فى الرد على منكرى نزول الكتب السماوية وفى بيان عاقبتهم الوخيمة بسبب هذا الجحود فقال - تعالى - : وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْقَا لُواْمَا أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرِمِّنْ شَىْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اُلْكِتَبَ الَّذِىِ جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُلَّى لِلنَّاسِّ تَجَعَلُونَهُ فَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ وَهَذَا كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ اُلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِوَلِنُنْذِرَ ١٢٥ سورة الأنعام أُمَّ الْقُرَى وَ مَنْ حَوْلَهَاً وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِّ، وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ () وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًاأَوْقَالَ أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُِّلُ مِثْلَ مَا أَنْزَّلَ اَللَّهُ وَلَوْتَرَىَّ إِذِالظِّلِمُونَ فِ غَمَرَتِ الْمَوْتِ وَالْمَئِكَةُ بَاسِطُواْأَيْدِيهِمْ أَخْرِ جُوَاْ أَنْفُسَكُمٌ أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَالْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (١) وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَا فَرَدَى كُمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَّكْتُمْ مَّا خَلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِيَكُمْ شُرَكَتُوَّأَ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنِكُمْ مَّاكُنْتُمْتَزْعُمُونَ ٩٤ قوله ﴿وما قدروا الله حق قدره إذا قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء﴾ كلمة ﴿قدروا﴾ مأخوذة من القدر - بفتح فسكون -، وأصل القدر معرفة مقدار الشىء بالسبر والحزر، يقال : قدر الشىء يقدره إذا سبره وحزره ليعرف مقداره، ثم استعمل فى معرفة الشىء على أتم الوجوه حتى صار حقيقة فيه. والمعنى: ما عظموا الله حق تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته فى اللطف بعباده وفى الرحمة بهم، بل أخلوا بحقوقه إخلالا عظيما، وضلوا ضلالا كبيرا، إذ أنكروا بعثة الرسل وإنزال الكتب، وقالوا تلك المقالة الشنعاء ما أنزل الله على بشر شيئًا من الأشياء، قاصدين بهذا القول الطعن فى نبوة النبى و ﴿ وفى أن القرآن من عند الله .. ولفظ ﴿حق﴾ منصوب على المصدرية، وهو فى الأصل صفة للمصدر، أى: قدره الحق فلما أضيف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب عليه. ثم أمر الله - تعالى - رسوله * أن يلزمهم بما يخرس ألسنتهم، وأن يرد على سلبهم العام. ٠٠ ١٢٦ المجلد الخامس بإثبات قضية جزئية بديهية التسليم فقال - تعالى -: ﴿قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسی نورًا وهدى للناس﴾ أى: قل يا محمد لهؤلاء الزاعمين بأن الله ما أنزل على بشر شيئًا من الأشياء : قل لهم من الذى أنزل التوراة وهو الكتاب الذى جاء به موسى ﴿نورًا وهدى للناس﴾ أى: ضياء من ظلمة الجهالة وهداية تعصم من الأباطيل والضلالة. وكلمة (نورا) حال من الضمير فى به أو من الكتاب. ثم بین - سبحانه - ما فعله الجاحدون بکتبه من تحریف وتغییر فقال: ﴿تجعلونه قراطیس تبدونها وتخفون کثیرا﴾. القراطيس : جمع قرطاس وهو ما يكتب فيه من ورق ونحوه. أى : تجعلون هذا الكتاب الذى أنزله الله نورا وهداية للناس أوراقا مكتوبة مفرقة لتتمكنوا من إظهار ما تريدون إظهاره منها، ومن إخفاء الكثير منها على حسب ما تمليه عليكم نفوسكم السقيمة وشهواتكم الأثيمة. فالمراد من هذه الجملة الكريمة ذم المحرفين لكتب الله، وتوبيخهم على هذا الفعل الشنيع، الذى قصدوا من ورائه الطعن فى نبوة النبى ٣ والتوصل إلى ما يبغونه من مطامع وأهواء. وقوله ﴿وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ أى: وعلمتم على لسان محمد خير ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم من المعارف التى لا يرتاب عاقل فى أنها تنزيل ربانى. وقوله ﴿قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون﴾. أى: قل أيها الرسول لهؤلاء الجاحدين : الله - تعالى - هو الذی أُنزل الكتاب على موسى، ثم بعد هذا القول الفصل ذرهم فى باطلهم الذى يخوضون فيه يلعبون، وفى غيهم يعمهون حتى يأتيهم من الله اليقين. وفى أمره ﴿ ﴿ بأن يجيب عنهم، إشعار بأن الجواب متعين لا يمكن غيره، وتنبيهه على أنهم بهتوا بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب. وكان العطف بثم فى قوله ﴿ثم ذرهم﴾ للدلالة على الترتيب الرتبى أى: أنهم لا تنجع فيهم الحجج والأدلة فتركهم وخوضهم بعد التبليغ هو الأولى، وإنما كان الاحتجاج عليهم لتبكيتهم وقطع معاذيرهم. هذا، وللمفسرين لهذه الآية قولان : الأول: أنها مكية النزول تبعًا للسورة، وأن الذين قالوا ﴿ما أنزل الله على بشر من شىء﴾ ٠ ١٢٧ سورة الأنعام مشركو مكة، وإنما ألزمهم الله بإنزال التوراة لأنهم كانوا يعرفون ذلك ولا ينكرون أن الله قد أنزلها على موسى. قال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب فى تأويل ذلك قول من قال: عنى بذلك ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ مشركو قريش. وذلك أن ذلك فى سياق الخبر عنهم. فأن يكون ذلك أيضًا خبرا عنهم أشبه من أن يكون خبرا عن اليهود ولما يجر لهم ذكر .. وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعروف من دين اليهود الإِقرار بصحف إبراهيم وموسى .. )(١). وقد تابع ابن کثیر رأى ابن جرير وقال : وهذا الرأى هو الأصح، لأن اليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وأما كفار قريش فكانوا ينكرون رسالة النبى وَ لأنه من البشر كما قال - تعالى - ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس﴾ وكذا قالوا هنا ﴿ما أنزل الله على بشر من شىءٍ﴾(٢). الثانى : أن هذه الآية مدنية النزول، وكون سورة الأنعام مكية لا يمنع من وجود بعض آيات منها مدنية كما نص عليه كثير من العلماء. وبما يؤيد كون هذه الآية مدنية ما ورد من آثار فى أسباب نزولها، ومن هذه الآثار ما أخرجه · ابن جرير من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قالت اليهود: والله ما أنزل الله من السماء كتابا) فنزل قوله - تعالى - ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ .. الخ وأخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير - مرسلا - قال: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف فخاصم النبى عليه فقال له النبى: ((أنشدك بالذى أنزل التوراة على موسى هل تجد فى التوراة أن الله يبغض الحبر السمين)) -وكان حبرا سمينا- فغضب وقال: (هل أنزل الله على بشر من شىء) فقال له أصحابه: ويحك ولا على موسى فأنزل الله ﴿وما قدروا الله حق قدره) الآية(٣). والذى نراه أن الآية الكريمة تصلح للرد على الفريقين : فريق المشركين وفريق اليهود إلا أن سياقها يجعلنا نرجح أن الخطاب فيها موجه بالأصالة إلى اليهود وإلى غيرهم بالتبع، لأنهم هم الذين جعلوا التوراة قراطيس أى أوراقا مفرقة ليظهروا منها ما يناسب أهواءهم وليخفوا منها ما فيه شهادة بصدق النبى سير ولأن هناك آثارا متعددة تثبت أنها نزلت فى شأنهم. وتوجيه الخطاب إلى اليهود لا يتنافى مع كونها مكية، لأنه ليس بلازم أن يكون كل قرآن مكى خطابا لغير اليهود. (١) تفسير ابن جرير جـ٧ ص١٧٨ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٥٦. (٣) لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطى هامش الجلالين ص٢٢٢ . * *وم ١٢٨ المجلد الخامس وبعد أن أبطل -سبحانه- بالدليل قول من قال ((ما أنزل الله على بشر من شىء)) أتبعه ببيان أن هذا القرآن من عند الله وأنه مصدق للكتب السماوية السابقة ومهيمن عليها فقال - تعالى - : ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذى بين يديه﴾. والمعنى: وهذا القرآن كتاب أنزلناه على قلبك يا محمد وهذا الكتاب من صفاته أنه مبارك أى: كثير الفوائد لاشتماله على منافع الدين والدنيا. والمبارك اسم مفعول من باركه وبارك فيه، إذا جعل له البركة، ومعناها كثرة الخير ونماؤه. وقدم هنا وصفه بالإِنزال على وصفه بالبركة بخلاف قوله ((وهذا ذكر مبارك أنزلناه)) لأن الأهم هنا وصفه بالإنزال، إذ جاء عقيب إنكارهم أن ينزل الله على بشر من شىء بخلافه هناك. ووقعت الصفة الأولى جملة فعلية لأن الإِنزال يتجدد وقتا فوقتا، والثانية اسمية لأن الاسم يدل على الثبوت والاستقرار وهو مقصود هنا أى: أن بركته ثابتة مستقرة. قال الإِمام الرازى: العلوم إما نظرية وإما عملية، أما العلوم النظرية فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه، ولا ترى فى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده فى هذا الكتاب، وأما العلوم العملية فالمطلوب إما أعمال الجوارح، وإما أعمال القلب، وهو المسمى بطهارة الأخلاق وتزكية النفس، ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده فى هذا الكتاب، ثم قد جرت سنة الله بأن الباحث فيه والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وسعادة الآخرة))(١). وقوله ﴿مصدق الذى بين يديه﴾ أى أن هذا القرآن موافق ومؤيد للكتب التى قبله فى إثبات التوحيد ونفى الشرك، وفى سائر أصول الشرائع التى لا تنسخ. وقوله : ﴿ولتنذر أم القرى ومن حولها﴾ أى: ولتنذر بهذا الكتاب أم القرى أى مكة، ومن حولها من أطراف الأرض شرقا وغربا لعموم بعثته و ﴿ قال - تعالى - ﴿وأوحى إلى هذا القرآن لأنذرکم به ومن بلغ﴾ وقال - تعالى - ﴿قل یأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا﴾، وسميت مكة بأم القرى لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنا وغيرها كالتبع لها كما يتبع الفرع الأصل، وفى ذكرها بهذا الاسم المنبىء عما ذكر إشعار بأن إنذار أهلها مستتبع لإِنذار أهل الأرض كافة . (١) تفسير الرازى جـ ٤ ص ٩٩ .. ١٢٩ سورة الأنعام ووجه الاقتصار على مكة ومن حولها فى هذه الآية أنهم الذين جرى الكلام والجدال معهم فى قوله - تعالى - قبل ذلك ﴿وكذب به قومك وهو الحق﴾. قال الألوسى: ويمكن أن يقال خصهم بالذكر لأنهم الأحق بإنذاره وَطاهر فهو كقوله - تعالى - : ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ ولذا أنزل كتاب كل رسول بلسان قومه))(١). وقال صاحب المنار ((وزعم بعض اليهود المتقدمين وغيرهم أن المراد بمن حولها بلاد العرب فخصه بمن قرب منها عرفا، واستدلوا به على أن بعثة النبي ◌َّ خاصة بقومه العرب. والاستدلال باطل وإن سلم التخصيص المذكور، فإن إرساله إلى قومه لا ينافى إرساله إلى غيرهم، وقد ثبت عموم بعثته ◌َّي من آيات أخرى كقوله - تعالى - ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا﴾(٢). وقوله ﴿والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به﴾. أى: والذين يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب يؤمنون بهذا الكتاب الذى أنزله الله هداية ورحمة لأن من صدق بالآخرة خاف العاقبة، وحرص على العمل الصالح الذى ينفعه. ثم ختمت الآية بهذا الثناء الجميل عليهم فقالت ﴿وهم على صلاتهم يحافظون﴾ أى يؤدونها فى أوقاتها مقيمين لأركانها وآدابها فى خشوع واطمئنان، وخصت الصلاة بالذكر لكونها أشرف العبادات وأعظمها خطرًا بعد الإِيمان. قال الإِمام الرازى: ((ويكفيها شرفا أنه لم يقع اسم الإِيمان على شىء من العبادات الظاهرة إلا عليها كما فى قوله - تعالى - ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أى صلاتكم، ولم يقع اسم الكفر على شىء من المعاصى إلا على ترك الصلاة، ففى الحديث الشريف ((من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر)) فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف لا جرم خصها الله بالذكر فى هذا المقام))(٣). وبعد أن بين - سبحانه - مزايا هذا القرآن أتبع ذلك ببيان عاقبة الذين يفترون الكذب على الله - تعالى -، وصور أحوالهم عند النزع الأخير وعندما يقفون أمام ربهم للحساب بصورة ترتجف لها الأفئدة فقال - تعالى - : ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء﴾. (١) تفسير الآلوسى جـ ٧ ص ٢١٢. (٢) تفسير المنار جـ٧ ص ٦٢٠. (٣) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ٩٣. ١٣٠ المجلد الخامس والمعنى لا أحد أشد ظلما ممن اختلق الكذب على الله فجعل له شركاء من خلقه، وأنكر ما جاء به النبى و9 من هدايات، وحلل وحرم بهواه ما لم يأذن به الله. والاستفهام إنكارى فهو فى معنى النفى. و﴿من﴾ اسم موصول والمراد به الجنس. أى: كل من افترى على الله كذبا، وليس المراد فردا معينا. ﴿أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء﴾ أى: قال بأن الله أوحى إلى بالرسالة أو النبوة مع أنه كاذب فى دعواه، فإن الله ما أوحى إليه شيئا، وهذا يصدق على ما ادعاه مسيلمة الكذاب والأسود العنسى من أنهما نبيان يوحى إليهما. ويصدق - أيضًا - على كل مدع للوحى والنبوة فى كل زمان ومكان. وهذه الجملة الكريمة معطوفة على صلة ﴿من﴾ من عطف الخاص على العام، لأن هذا القول هو نوع من أنواع افتراء الكذب. ﴿ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾ أى: ولا أحد أظلم - أيضًا - ممن قال بأنى قادر على أن أنزل قرآنا مثل الذى أنزله الله كالذين حكى القرآن عنهم قوله: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين﴾. وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد توعدت بأشد ألوان الوعيد كل مفتر على الله الكذب، وكل مدع أنه يوحى إليه شىء وكل من زعم أنه فى قدرته أن يأتى بقرآن مثل هذا القرآن كما حدث من النضر بن الحارث وعبد الله بن سعد بن أبى سرح. ثم بين - سبحانه - مصير كل ظالم أثيم فقال: ﴿ولو ترى إذ الظالمون فى غمرات الموت﴾ أى: ولو ترى أيها الرسول الكريم أو أيها العاقل حالة أولئك الظالمين وهم فى غمرات الموت أى : فى شدائده وكرباته وسكراته لرأيت شيئا فظيعا هائلا ترتعد منه الأبدان، فجواب الشرط محذوف. . والغمرات : جمع غمرة وهى الشدة. وأصلها الشىء الذى يغمر الأشياء فيغطيها، يقال غمره الماء إذا علاه وستره ثم استعمل فى الشدائد والمكاره. وتقييد الرؤية بهذا الوقت لإفادة أنه ليس المراد مجرد الرؤية، بل المراد رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر. وقوله ﴿والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾ أى والملائكة الموكلون بقبض أرواحهم باسطوا أيديهم إليهم بالإِماتة والعذاب قائلين لهم على سبيل التوبيخ والزجر: أخرجوا إلينا أرواحكم من أجسادكم. ١٣١ سورة الأنعام والأمر هنا للتعجيز أى: أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب إن استطعتم إلى ذلك سبيلا. قال الآلوسي: وذهب بعضهم إلى أن هذا تمثيل لفعل الملائكة فى قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه فى المطالبة ولا يمهله ويقول له : أخرج مالى عليك الساعة ولا أبرح مكانى حتى انتزعه منك(١). وفى الكشاف : أنه كناية عن العنف فى السياق والإلحاح والتشديد فى الإِزهاق من غير تنفيس وإمهال ولا بسط ولا قول حقيقة هناك واستظهر ابن المنير أنهم يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة على الصور المحكية وإذا أمكن البقاء على الحقيقة فلا معدل عنها)). ولعل مما يؤيد قول ابن المنير فى تعليقه على ما قال صاحب الكشاف ما جاء فى آية أخرى وهى قوله - تعالى - ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم﴾(٢). وقوله: ﴿اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون﴾ هذا القول من تتمة ما تقوله الملائكة لأولئك الظالمين. أى: تقول لهم أخرجوا أنفسكم، اليوم تلقون عذاب الذل والهوان لا بظلم من الرحمن، وإنما بسبب أنكم كنتم فى دنياكم تفترون على الله الكذب، وبسبب أنكم كنتم معرضين عن آياته، مستكبرين عنها ولا تتأملون فيها، ولاتعتبرون بها. والمراد باليوم مطلق الزمن لا اليوم المتعارف عليه، وهو إما حين الموت أو مايشمله ومابعده. والهون معناه: الهوان والذل، وفسره صاحب الكشاف، بالهوان الشديد وقال: ((وإضافة العذاب إليه كقولك، رجل سوء يريد العراقة فى الهوان والتمكن فيه))(٣). ثم صور - سبحانه - حالهم عندما يعرضون للحساب فقال: ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة﴾. أى: ولقد جئتمونا للحساب والجزاء منعزلين ومنفردين عن الأموال والأولاد وعن كل ما جمعتموه فى الدنيا من متاع، أو منفردين عن الأصنام والأوثان التى زعمتهم أنها شفعاؤكم عند الله. (١) تفسير الألوسى جـ ٧ ص ٢٢٤. (٢) سورة الأنفال الآية ٥٠. (٣) تفسير الكشاف جـ٢ ص٤٧. ١٣٢ المجلد الخامس وفرادی قیل هو جمع فرد، وفريد وقيل : هو اسم جمع لأن فردًا لا يجمع على فرادى وقول من قال إنه جمع: أراد أنه جمع له فى المعنى: وهذه الجملة الكريمة مستأنفة جاءت لبيان ما سيقوله الله لهؤلاء الظالمين يوم القيامة، بعد بيان ما تقوله ملائكة العذاب عند موتهم. وقوله: ﴿كما خلقناكم أول مرة﴾ تشبيه للمجىء أريد منه معنى الإحياء بعد الموت الذى " كانوا ينكرونه فقد رأوه رأى العين. أى: جئتمونا منعزلين عن كل ما كنتم تعتزون به فى الحياة الدنيا، مجيئا مثل مجيئكم يوم خلقناكم أول مرة حفاة عراة. فالكاف فى محل نصب صفة لمصدر محذوف. روى الشيخان عن ابن عباس قال: قام رسول الله ◌َ﴿ بموعظة فقال: ((أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾))(١). ورويا - أيضًا - عن عائشة قالت: قال رسول الله وَلافي ((تحشرون حفاه عراة غرلا. قالت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال ◌َ: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك))(٢). وروى الطبرانى بسنده عن عائشة أنها قالت قرأت قول الله -تعالى- ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة﴾ فقالت: يا رسول الله واسوأتاه! الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال رسول الله * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال، شُغل بعضهم عن بعض. قوله: ﴿وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم﴾ أى: تركتم ما أعطیناکم وملكناكم فى الدنيا من أموال وأولاد وغيرهما وراء ظهوركم ولم تحملوا منه معكم نقيرا عندما جئتمونا للحساب. الخول : ما أعطاه الله لعباده من النعم: يقال: خوله الشىء تخويلا، ملكه إياه ومكنه منه. ومنه التخول بمعنى التعهد. والجملة الكريمة تتضمن توبيخهم، لأنهم لم يقدموا منه شيئًا فى دنياهم ليكون نافعا لهم فى أخراهم، بل جمعوه وتركوه لغيرهم دون أن ينتفعوا به فى معاذهم. (١) أخرجه البخارى فى كتاب الأنبياء باب قوله - تعالى - ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا) وأخرجه مسلم فى كتاب الجنة وصفة نعيم أهلها. (٢) أخرجه البخارى فى كتاب الرقاق. باب كيف الحشر. a ١٣٣ سورة الأنعام وقد ثبت فى الصحيح أن رسول الله وسلم قال: ((يقول ابن آدم: مالى! مالى! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فهو ذاهب وتارکە للناس))(١). وقوله: ﴿وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء﴾ تقريع وتوبيخ لهم على شرکھم. أى: ما نرى وما نبصر معكم من زعمتم أنهم سيشفعون لكم عند الله من الأصنام والأوثان التى توهمتم أنهم شركاء لله تعالى فى ربوبيتكم واستحقاقه عبادتكم. وقوله ﴿لقد تقطع بينكم﴾ أى: لقد تقطع الاتصال الذى كان بينكم فى الدنيا واضمحل. ففاعل ﴿تقطع﴾ ضمير يعود على الاتصال المدلول عليه بلفظ ﴿شركاء﴾ و﴿بينكم) منصوب على الظرفية. ٠ وقرىء بالرفع أى: لقد تقطع شملكم فإن البين مصدر يستعمل فى الوصل وفى الفراق بالاشتراك؛ والأصل لقد تقطع ما بينكم وقد قرىء به أى: تقطع ما بينكم من الأسباب والصلات. ﴿وضل عنكم ما كنتم تزعمون﴾ أى: وغلب عنكم ما كنتم تزعمون من شفاعة الشفعاء، ورجاء الأنداد والأصنام. كما قال - تعالى - ﴿إِذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب *وقال الذين اتبعوا لو أن لناكرة فتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وماهم بخارجين من النار﴾(٢). وهكذا يسوق القرآن مشهد هؤلاء الظالمين بتلك الصورة التى تهز النفوس، وتحمل العقلاء على الإِيمان والعمل الصالح. وبعد أن ساق - سبحانه - ألوانًا من الدلائل على وحدانيته، وعلى صدق نبيه ێ فيما يبلغه عن ربه، شرع - سبحانه - فى سرد مظاهر قدرته، وكمال علمه وحكمته عن طريق التأمل فى هذا الكون العجيب، وفى بدائع مخلوقاته فقال - تعالى - : (١) أخرجه مسلم فى كتاب الزهد والرقائق. (٢) سورة البقرة الآيتان: ١٦٦، ١٦٧. أ ١٣٤ المجلد الخامس إِنَّ الَّهَ فَالِقُ اُلْحَبِّ وَالنَّوَىَّ يُخْرِجُ الْحَ مِنَ الْمَيْتِ وَمُخْرِجُ اُلْمَيِّتِ مِنَ آلْحَيَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَنَّى تُؤْفَكُونَ (٥) فَالِقُّ أَلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اُلَّيْلَ سَكَنَّا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ ◌ِهْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلُّمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فے وَهُوَ اُلَّذِىَ أَنشَأَكُمْ مِن نَّفْسِ وَحِدَةٍ فَمُسْتَفَرُّوُمُسْتَوْدَعٌ وَهُوَ اُلَّذِىّ أَنْزَلَ (٩٨ قَدْ فَصَّلْنَا الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجُنَامِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَرَاكِبًا وَ مِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَتَّتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَبِّةٍ أَنْظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِةِ، ◌ِنَّ فِ ذَلِكُمْ ٩٩ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ قوله: ﴿إن الله فالق الحب والنوى﴾. فالق : أى شاق، والفلق هو الشق وقيل، فالق بمعنى خالق وأنكر ابن جرير الطبرى ذلك وقال: لا يعرف فى كلام العرب فلق الشىء بمعنى خلق. والحب. ما ليس له نوى كالحنطة والشعير. والنوى: جمع نواة وهو الموجود فى داخل الثمرة، مثل نوى التمر وغيره. والمعنى: إن الله وحده هو الذى يشق الحبة اليابسة كالحنطة فيخرج منها النبات الأخضر النامى، ويشق النواة الصلبة فيخرج منها النخلة والشجرة النامية، وفى ذلك أكبر دلالة على قدرة الله التى لا تحد وعلى أنه هو المستحق للعبادة لا غيره. ١٣٥ سورة الأنعام هذا، وقد أفاض الإِمام الرازى وهو يتحدث عن هذه الآية فى بيان قدرة الله فقال ما ملخصه ((إذا عرفت هذا فتقول: إنه إذا وقعت الحبة أو النواة فى الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله - تعالى - فى تلك الحبة والنواة من أعلاها شقا ومن أسفلها شقا آخر، فالأول يخرج منها الشجرة الصاعدة إلى الهواء، والثانى يخرج منه الشجرة الهابطة فى الأرض ثم إن ها هنا عجائب. فإحداها : أن طبيعة تلك الشجرة إن كانت تقتضى الهوى فى عمق الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة فى الهواء؟ وإن كانت تقتضى الصعود فى الهواء فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة فى الأرض؟ فلما تولد منها الشجرتان مع أن الحس والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى - علمنا أن ذلك ليس بمقتضى الطبع والخاصية، بل بمقتضى الإيجاد والإبداع والتكوين. وثانيهما : أن باطن الأرض جرم كثيف صلب لا تنفذ المسلة القوية فيه ولا يغوص السكين الحاد القوى فيه، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق فى غاية الدقة واللطافة وبحيث لو دلكها الإنسان بإصبعه بأدنى قوة لصارت كالماء، ثم إنها مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ فى تلك الأرض الصلبة، والغوص فى بواطن تلك الأجرام الكثيفة. فحصول هذه القوى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة التى هى فى غاية اللطافة لابد وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم. ثم قال - رحمه الله - بعد كلام طويل : فانظر أيها المسكين بعين رأسك فى تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة، واعرف كيفية خلقة تلك العروق والأوتار فيها، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة فى الأرواح البشرية، فحينئذ ينفتح لك باب من المكاشفات لا آخر له، ويظهر لك أن أنواع نعم الله فى حقك غير متناهية كما قال: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقه تلك الورقة من الحبة والنواة))(١). وقوله ﴿يخرج الحى من الميت﴾ أى: يخرج ما ينمو من الحيوان والنبات والشجر مما لا ينمو كالنطفة والحبة . والجملة الكريمة مستأنفة مبينة لما قبلها ولذلك ترك العطف، وقيل خبر ثان ولم يعطف لاستقلاله فى الدلالة على عظمة الله - تعالى -. (١) تفسير الفخر الرازى جـ١ ص ٩٧. ١٣٦ المجلد الخامس وقوله: ﴿ومخرج الميت من الحى﴾ أى: مخرج الميت كالحب والنوى من النبات والبيضة والنطفة من الحيوان. قال صاحب المنار: فإن قيل إن علماء المواليد يزعمون أن فى كل أصول الأحياء حياة فكل ما ينبت من ذلك ذو حياة كامنة إذا عقم بالصناعة لا ينبت، قلنا: إن هذا اصطلاح لهم يسمون القوة أو الخاصية التى يكون بها الحب قابلا للإِنبات حياة، ولكن هذا لا يصح فى اللغة إلا بضرب من التجوز وإنما حقيقة الحياة فى اللغة ما يكون به الجسم متغذيًا ناميًّا بالفعل، وهذا أدنى مراتب الحياة عند العرب، ولها مراتب أخرى كالإِحساس والقدرة والإرادة والعلم والعقل والحكمة والنظام، وهذا أعلى مراتب الحياة فى المخلوق))(١). ونقل بعض المفسرين عن ابن عباس أن معنى الجملتين : يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ومثله إخراج البار من الفاجر والصالح من الطالح والعالم من الجاهل وعكسه، وذلك بحمله الحياة والموت على المعنوى منها كما فى قوله - تعالى - ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه﴾. ويبدو لنا أن حمل الحياة والموت هنا على المعنى المعنوى لا يناسبه سياق الآيات التى معنا، لأنها تتحدث عن آثار قدرة الله المحسوسة ليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ويتأمل كل ذى عقل فى مظاهر قدرة الله فى كونه يهتدى إلى طريق الحق والصواب. وقوله ﴿ومخرج الميت من الحى﴾ معطوف على ما قبله وهو قوله ﴿يخرج الحى من الميت﴾ لأنه إخبار بضد مضمونه وهو وضع آخر عجيب دال على كمال القدرة. وجىء بجملة (يخرج الحى من الميت﴾ فعليه الإرادة تصوير إخراج الحى من الميت واستحضاره فى ذهن السامع. وهذا التصوير والاستحضار إنما يتمكن فى أدائهما الفعل المضارع دون اسم الفاعل والماضى. ويرى صاحب الكشاف أن قوله: ﴿ومخرج الميت من الحى﴾ معطوف على ﴿فالق﴾ لا على ﴿يخرج﴾ لأنه بيان لفالق الحب والنوى. قال - رحمه الله: فإن قلت: كيف قال ﴿ومخرج الميت من الحى﴾ بلفظ اسم الفاعل بعد قوله : ﴿يخرج الحى من الميت﴾؟ قلت: عطفه على فالق الحب والنوى لا على الفعل، ويخرج الحى من الميت : موقعه موقع الجملة المبينة لقوله ﴿فالق الحب والنوى﴾ لأن فالق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحى من الميت، لأن النامى فى حكم الحيوان ألا ترى إلى قوله - تعالى - ﴿ويحيى الأرض بعد موتها﴾(٢). (١) تفسير المنار جـ٧ ص ٦٣١. (٢) تفسير الكشاف جـ٢ ص٤٨. ١٣٧ سورة الأنعام (ذلكم الله فأنى تؤفكون﴾ الأفك - بفتح الهمزة - مصدر أفكه یأفکه من باب ضرب إذا صرفه عن مكان أو عن عمل، ويقال أفكت الأرض أفكا: أى صرف عنها المطر. والإِشارة بذلكم لزيادة التمييز، وللتعريض بغباوة المخاطبين والمشركين لغفلتهم عن هذه الدلالة على أنه هو المستحق للعبادة. والمعنى : ذلكم المتصف بما ذكر من مقتضى الحكمة البالغة والقدرة النافذة هو الله خالق كل شىء فكيف تصرفون عن عبادة من يخلق إلى عبادة من لا يخلق، وتشركون معه من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرًا؟. قال الإِمام الرازى: والمقصود منه أن الحى والميت متضادان متنافيان، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية. أما حصول الضد من الضد فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية بل لابد أن يكون بتقدير المقدر الحكيم والمدبر العليم))(١). ثم بين - سبحانه - ألوانا أخرى من مظاهر قدرته وحكمته فقال: ﴿فالق الإصباح وجعل الليل سكنًا، والشمس والقمر حسبانا﴾. الإصباح : مصدر سمى به الصبح، أى: شاق ظلمة الصبح - وهى الغبش فى آخر الليل الذى يلى الفجر المستطيل الكاذب - عن بياض النهار فيضىء الوجود، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده، ويجىء النهار بضيائه. وجملة ((فالق الإصباح)) خبر لمبتدأ محذوف أى: هو فالق، أو خبر آخر لإنّ ﴿وجعل الليل سكنا﴾ أى وجعل الليل محلا لسكون الخلق فيه، وراحة لهم بعد معاشهم بالنهار وسعيهم للحصول على رزقهم. قال صاحب الكشاف : السكن : ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسا به واسترواحا إليه، من زوج أو حبيب. ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها، ألا تراهم سموها المؤنسة، واللیل یطمئن إليه المتعب بالنهار لاستراحته فیه، ويجوز أن يراد : وجعل الليل مسكونا فيه من قوله : ﴿لتسكنوا فيه﴾(٢). ﴿والشمس والقمر حسبانا﴾ الحسبان فى الأصل مصدر حسب - بفتح السين - كالغفران والشكران تقول حسبت المال حسبانا: أى أحصيته عددا. والمعنى: وجعل الشمس والقمر یجریا فی الفلك بحساب مقدر معلوم لا یتغیر ولا یضطرب حتی ینتھی إلى أقصى منازلهما بحيث (١) تفسير الكشاف جـ٢ ص٤٨. (٢) تفسير الكشاف جـ٢ ص ٤٩. ١٣٨ المجلد الخامس تتم الشمس دورتها فى سنة ويتم القمر دورته فى شهر، وبذلك تنتظم المصالح المتعلقة بالفصول الأربعة وغيرها، قال - تعالى - ﴿هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب﴾(١). وقوله ﴿ذلك تقدير العزيز العليم﴾ أى: ذلك الجعل والتسيير البديع الشأن تقدير العزيز، أى: الغالب القاهر الذى لا يتعاصاه شىء من الأشياء التى من جملتها تسييرهما على الوجه المخصوص، العليم بكل شىء فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء. قال الإِمام الرازى عند تفسيره لهذه الآية الكريمة ما ملخصه : ((اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته فالنوع المتقدم - أى قوله ﴿إن الله فالق﴾ ... إلخ - كان مأخوذا من دلالة أحوال النبات والحيوان، والنوع المذكور فى هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية، وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم فى كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر ولأن من المعلوم بالضرورة أن : الأحوال الفلكية أعظم فى القلوب وأكثر وقعًا من الأحوال الأرضية)). وبعد أن ساق - رحمه الله - الأدلة على ذلك قال: والعزيز إشارة إلى كمال قدرته، والعليم إشارة إلى كمال علمه، ومعناه: أن تقدير الأفلاك بصفاتها المخصوصة، وهيآتها المحدودة، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة فى البطء والسرعة، لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات، وعلم نافذ فى جميع المعلومات من الكليات والجزئيات، وذلك تصريح بأن حصول هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة، وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار والله أعلم))(٢). ثم ساق - سبحانه - نوعا ثالثا من الدلائل على كمال قدرته ورحمته وحكمته فقال - تعالى - ﴿وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر﴾ أى: وهو - سبحانه - وحده الذى أنشأ لكم هذه الكواكب النيرة لتهتدوا بها إلى الطرق والمسالك خلال سيركم فى ظلمات الليل بالبر والبحر حيث لا ترون شمسا ولا قمرا. وجملة ﴿لتهتدوا بها﴾ بدل اشتمال من ضمير ﴿لكم﴾ بإعادة العامل، فكأنه قيل: جعل النجوم لاهتدائكم. ﴿قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون﴾ أى: قد وضحنا وبينا الآيات الدالة على قدرته - تعالى- (١) سورة يونس: الآية ٥. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ٩٩. ١ ١٣٩ سورة الأنعام ورحمته بعباده، لقوم يعلمون وجه الاستدلال بها فيعملون بموجب علمهم، ويزدادون إيمانا على إيمانهم . فالجملة الكريمة مستأنفة للتسجيل والتبليغ وقطع معذرة من لم يؤمنوا. والتعريف فى الآيات للاستغراق فيشمل آية خلق النجوم وغيرها. ثم ساق - سبحانه - لونا رابعا من دلائل كمال قدرته ورحمته. فقال - تعالى - : ﴿وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع﴾. أى: وهو - سبحانه - الذى أوجدكم من نفس واحدة هى نفس أبيكم آدم - عليه السلام - قال - تعالى - ﴿يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾. وفى هذه الجملة الكريمة تذكير بنعمة أخرى من نعم الله على خلقه، لأن رجوع الناس إلى أصل واحد أقرب إلى التواد والتراحم والتعاطف، وفيها - أيضًا - دليل على عظيم قدرته - عز وجل -. والفاء فى قوله - تعالى - ﴿فمستقر ومستودع﴾ للتفريع عن أنشأكم. أى: أنشأكم من نفس واحدة فلكم موضع الاستقرار فى الأرحام أو فى الأرض وموضع استيداع فى الأصلاب أو فى القبور. وهذا التفسير مأثور عن ابن عباس، وقد زكاه الإِمام الرازى فقال : ومما يدل على قوة هذا القول أن النطقة الواحدة لا تبقى فى صلب الأب زمانا طويلا فالمستقر أقرب إلى الثبات من المستودع))(١). وقيل المستقر حالة الإِنسان بعد الموت لأنه إن كان سعيدا فقد استقرت تلك السعادة، وكذلك إن كان شقيا، والمستودع حالة قبل الموت لأن الكافر قد ينقلب مؤمنا. وقيل : المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر فيها، والمستودع الذى لم يخلق بعد وسيخلق. والذى نراه أن الرأى الأول هو الصحيح لأنه رأى جمهور المفسرين، ولأن شواهد القرآن تؤيده كما فى قوله - تعالى - ﴿ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾ وكما فى قوله - تعالى - ﴿ونقر فى الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى﴾. وقرىء ﴿فمستقر﴾ - بكسر القاف - أى: فمنكم مستقر فى الأرحام ومنكم مستودع. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ١٠٤. ١٤٠ المجلد الخامس وقوله ﴿قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون﴾ أى: قد فصلنا الآيات الدالة على قدرتنا ووضحناها لقوم يفقهون ما يتلى عليهم ويتدبرونه فينتفعون بذلك. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قيل ((يعلمون)) مع ذكر النجوم و﴿يفقهون﴾ مع ذكر إنشاء بنى آدم؟ قلت : كان إنشاء الإِنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا فكان ذكر الفقه الذى هو استعمال فطنته وتدقيق نظره مطابقا له(١). وقد علق صاحب الانتصاف على كلام الزمخشرى بما ملخصه: ((جواب الزغشرى صناعى، والتحقيق أنه لما أريد فصل كليهما بفاصلة تنبيها على استقلال كل واحدة منهما بالمقصود من الحجة، كره فصلهما بفاصلتين متساويتين فى اللفظ، لما فى ذلك من التكرار فعدل إلى فاصلة مخالفة تحسينًا للنظم واتساقا فى البلاغة، ويحتمل وجهًا آخر فى تخصيص الأولى بالعلم والثانية بالفقه وهو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات الله ولا يعتبر بمخلوقاته وكانت الآية الأولى خارجة عن أنفس النظار ومنافية لها، إذ النجوم والنظر فيها وعلم الحكمة الإلهية فى تدبيره لها أمر خارج عن نفس الناظر، ولا كذلك النظر فى إنشائهم من نفس واحدة، وتقلباتهم فى أطوار مختلفة فإنه نظر لا يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها، فإذا تمهد ذلك فجهل الإِنسان بنفسه وبأحواله أبشع من جهله بالأمور الخارجة عنه كالنجوم والأفلاك، فلما كان الفقه أدنى درجات العلم إذ هو عبارة عن الفهم نفى من أبشع القبيلين جهلا وهم الذين لا يتبصرون فى أنفسهم، ونفى الأدنى أبشع من نفى الأعلى درجة فخص به أسوأ الفريقين حالا .. وإذا قيل: فلان ((لا يفقه شيئًا)) كان أذم فى العرف من قولك: فلان لا يعلم شيئًا وكأن معنى قولك لا يفقه شيئًا ليست له أهلية الفهم وإن فهم، وأما قولك ((لا يعلم شيئًا)) فغايته نفى حصول العلم له، وقد يكون له أهلية الفهم والعلم لو يعلم))(٢). ثم ساق - سبحانه - حجة خامسة تدل دلالة واضحة على كمال قدرته وعلمه ورحمته وإحسانه إلى خلقه فقال - تعالى - : ﴿وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء﴾. أى: وهو - سبحانه - الذى أنزل من السحاب ماء فأخرجنا بسبب ذلك كل صنف من أصناف النبات والثمار المختلفة فى الكم والكيف والطعوم والألوان، قال - تعالى - ﴿وفى الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد (١) تفسير الكشاف جـ٢ ص ٥١. (٢) حاشية الانتصاف على تفسير الكشاف جـ٢ ص٥ لابن المنير.