Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ سورة المائدة سواك لا يغنى ولا يشبع. وقد جمع عيسى فى دعائه بين لفظى ((اللهم وربنا)) إظهارا لنهاية التضرع وشدة الخضوع، حتى يكون تضرعه أهلا للقبول والإِجابة. وعبر عن مجىء المائدة بالإنزال من السماء للإشارة إلى أنها هبة رفيعة، ونعمة شريفة، آتية من مكان عال مرتفع فى الحس والمعنى، فيجب أن تقابل بالشكر لواهبها - عز وجل - وبتمام الخضوع والإِخلاص له. وقوله ﴿تکون لنا عيدًا﴾ صفة ثانية لمائدة، وقوله ﴿لنا﴾ خبر کان وقوله ﴿عیدًا﴾ حال من الضمير فى الظرف. قال الفخر الرازى: تأمل فى هذا الترتيب، فإن الحواربين لما سألوا المائدة ذكروا فى طلبها أغراضا، فقدموا ذكر الأكل فقالوا ﴿نريد أن نأكل منها﴾ وأخروا الأغراض الدينية الروحانية. فأما عيسى فإنه لما ذكر المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال: ﴿وارزقنا﴾ وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح فى كون بعضها روحية، وبعضها جسمانية. ثم إن عيسى لشدة صفاء دينه لما ذكر الرزق انتقل إلى الرازق بقوله ﴿وارزقنا﴾ لم يقف عليه : بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال: ﴿وأنت خير الرازقين﴾. فقوله: ﴿ربنا﴾ ابتداء منه بذكر الحق. وقوله ﴿أنزل علينا﴾ انتقال من الذات إلى الصفات. وقوله ﴿تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها صادرة من المنعم. وقوله: ﴿وآية منك﴾ إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال. وقوله : ﴿وارزقنا﴾ إشارة إلى حصة النفس. ثم قال الإِمام الرازى: فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدون فالأدون ثم قال: ﴿وأنت خير الرازقين) وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، ومن غير الله إلى الله، وعند ذلك تلوح لك سمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية إلى الكمالات الإلهية ونزولها(١). ثم ختم - سبحانه - حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى والحواريين من (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢ ص ١٣١ ٣٤٢ المجلد الرابع أقوال فقال - تعالى -: ﴿قال الله إنى منزلها عليكم، فمن يكفر بعد منكم فإنى أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين﴾ . وقوله : ﴿منزلها﴾ ورد فيه قراءتان متواتران. إحداهما : منزلها - بتشديد الزاى - من التنزيل وهى تفيد التكثير أو التدريج كما تنبىء عن ذلك صيغة التفعيل. وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وعاصم ونافع. وقرأ الباقون ﴿منزلها﴾ بكسر الزاى - من الإنزال المفيد لنزولها دفعة واحدة. والمعنى : قال الله -تعالى- إنى منزل عليكم المائدة من السماء إجابة الدعاء رسولى عيسى -عليه السلام- ﴿فمن يكفر بعد منكم﴾ أى فمن يكفر بعد نزولها منكم أيها الطالبون لها ﴿فإنى أعذبه عذابا لا أعذبه أحدًا من العالمين﴾ أى: فان الله - تعالى - يعذب هذا الكافر بآياته عذابًا لا يعذب مثله أحدًا من عالمى زمانه أو من العالمين جميعًا. وقد أكد - سبحانه - عذابه للكافر بآيات الله بعد ظهورها وقيام الأدلة على صحتها بمؤكدات منها : حرف إن فى قوله ﴿فإنى أعذبه﴾ ومنها: المصدر فى قوله ﴿فإنى أعذبه عذابًا﴾ إذ المفعول المطلق هنا لتأكيد وقوع الفعل وهو العذاب. ومنها : وصف هذا العذاب بأنه لا يعذب مثله لأحد من العالمين. وهذه المؤكدات لوقوع العذاب على الكافر بآيات الله بعد وضوحها من أسبابه : أن الكفر بعد إجابة ما طلبوه، وبعد رؤيته ومشاهدته؛ وبعد قيام الأدلة على وحدانية الله وكمال قدرته، وبعد ظهور البراهين الدالة على صدق رسوله. أقول : الكفر بعد كل ذلك يكون سببه الجحود والعناد والحسد، والجاحد والمعاند والحاسد يستحقون أشد العذاب، وأعظم العقاب. هذا، وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريمة، نرى من الخير أن نتحدث عنهما بشىء من التفصيل . المسألة الأولى: آراء العلماء فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم. المسألة الثانية : آراء العلماء فى نزول المائدة وعدم نزولها. وللاجابة على المسألة الأولى نقول : لعل منشأ الخلاف فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾؟ فإن هذا القول يشعر بشكهم فى قدرة الله على إنزال هذه المائدة. وقد ذهب فريق من العلماء - وعلى رأسهم الزمخشرى - إلى عدم إيمانهم، وجعلوا الظرف فى : ٣٤٣ سورة المائدة قوله : ﴿إذ قال الحواريون﴾ متعلقا بقوله قبل ذلك ﴿قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾. أى : أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون، فى الوقت الذى قالوا له فيه ﴿هل يستطيع ربك﴾ فكأنهم ادعو الإِيمان والاسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان، وإلا فلو كانوا صادقين فى دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام: ﴿هل يستطيع ربك﴾. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قالوا: ﴿هل يستطيع ربك﴾ بعد إيمانهم وإخلاصهم؟ قلت : ما وصفهم الله بالايمان والاخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم اتبعه بقوله : ﴿إذا قالوا﴾ فإذن دعواهم كانت باطلة، وانهم كانوا شاكين، وقوله: ﴿هل يستطيع ربك﴾ كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم. وكذلك قول عيسى لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا فى اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ماتشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أى: إن كانت دعواكم للايمان صحيحة(١). وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عندما قالوا لعيسى ﴿هل يستطيع ربك﴾ كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها : ١ - أن الظرف فى قوله: ﴿إذ قال الحواريون﴾ ليس متعلقا بقوله: ﴿قالوا آمنا﴾ وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر، وهذا مارجحه العلامة أبو السعود فى تفسيره فقد قال : قوله : ﴿إِذ قال الحواريون﴾ كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ماجرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله، كما ينبىء عنه الإِظهار فى موضع الاضمار وإذ منصوب بمضمر. وقيل : هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الايمان والاخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم))(٢). ٢ - أن قول الحواريين لعيسى ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾ لا يسحب عنهم الايمان، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات منها ( أ ) أن قولهم لم يكن من باب الشك فى قدرة الله، وإنما هو من باب زيادة الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظرى بدليل أنهم قالوا بعد ذلك ﴿نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا﴾. وشبيه بهذا قول إبراهيم ﴿رب أرنى كيف تحبى الموتى، قال أو لم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبى﴾. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٩٣ (٢) تفسير أبى السعود جـ ٢ ص ٧٢. ٣٤٤ المجلد الرابع قال القرطبى ما ملخصه: ((الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم ﴿رب أرنى كيف تحبى الموتى﴾ وقد كان إبراهيم علم ذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التى لا يدخلها ريب ولا شبهة؛ لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لا يدخله شىء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: ﴿وتطمئن قلوبنا﴾ كما قال إبراهيم ﴿ولكن ليطمئن قلبى﴾(١). (ب) أن السؤال إنما هو عن الفعل لا عن القدرة عليه، وقد بسط الألوسى هذا المعنى فقال: إن معنى ﴿هل يستطيع ربك﴾ هل يفعل ربك كما تقول للقادر على القيام: هل تستطيع أن تقوم معى مبالغة فى التقاضى. والتعبير عن الفعل بالاستطاعة من باب التعبير عن المسبب بالسبب، إذ هى - أى الاستطاعة - من أسباب الإيجاد(٢). (جـ) أن الاستطاعة هنا بمعنى الإِطاعة - كما سبق أن أشرنا - ويشهد لذلك قول الفخر الرازى: قال السدى؛ قوله ﴿هل يستطيع ربك﴾. أى: هل يطيعك ربك إن سألته. وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة(٣). والذى نراه أن رأی الجمهور أرجح للأدلة التى ذكرناها، ولأن الله - تعالى - قد ذکر قبل هذه الآية أنه قد امتن عليهم بإلهامهم الإِيمان فقال : ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولى﴾ ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين لكشف الله عن حقيقتهم، فقد جرت سنته - سبحانه - مع أنبيائه أن يظهر لهم نفاق المنافقين حتى يحذروهم. ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين، لما أمر الله أتباع النبى له بالتأسى بهم فى إخلاصهم ورسوخ يقيتهم قال - تعالى - : ﴿يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواربين من أنصارى إلى الله؟ قال الحواريون نحن أنصار الله﴾ (٤). (١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٦٥ (٢) تفسير الآلوسى جـ ٧ ص ٥٩ (٣) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ١٢٩ (٤) الآية الأخيرة من سورة الصف. ٣٤٥ سورة المائدة وقال - تعالى - ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله؟ قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون﴾(١). فهاتان الآيتان صريحتان فى مدح الحواريين وفى أنهم قوم التفوا حول عيسى - عليه السلام - وناصروه مناصرة صادقة، وآمنوا به إيمانا سليما من الشك والتردد. وأما المسألة الثانية: وهى آراء العلماء فى نزول المائدة: فالجمهور على أنها نزلت. وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه : والصواب من القول عندنا فى ذلك أن يقال : إن الله أنزل المائدة .. لأن الله لا يخلف وعده، ولا يقع فى خبره الخلف وقد قال -تعالى- مخبرا فی کتابه عن إجابة نبيه عيسى حين سأله ما سأله من ذلك ﴿إنى منزلها عليكم﴾ وغير جائز أن يقول الله إنى منزلها عليكم ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه - تعالى - خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر(٢). وقد علق ابن كثير على مارجحه ابن جرير فقال: وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم. ومن الآثار ما خرجه الترمذى عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ◌َلو أنزلت المائدة من السماء خبزًا ولحما، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد: فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخهم قردة وخنازير. قال الترمذى: وقد روى عن عمار من طريق موقوفا وهو أصح. وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم قالوا له ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها. عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم(٣). والذى يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيرًا عما كان على المائدة من أصناف الطعام، وعن كيفية نزولها ومكانه، وعن كيفية استقبالها وكشف غطائها، والأكل منها والباقى عليها بعد الأكل. وهذا الكلام الكثير رأينا من الخير أن نضرب عنه صفحا، لضعف أسانيده، ولأنه لا يخلو عن غرابة ونكارة - كما قال ابن كثير - فقد ذكر - رحمه الله - أثرا طويلا فى هذا المعنى ثم قال فى نهايته : هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم فى مواضع من هذه القصة، وقد جمعته (١) سورة آل عمران. الآية ٥٢. (٢) تفسير ابن جرير جـ ٧ ص ١٣٥ (٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١١٦ ٣٤٦ المجلد الرابع أنا ليكون سياقه أتم))(١). ويعجبنى فى هذا المقام قول ابن جرير: وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول. وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا وخبزًا، وجائز أن يكون من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالى الآية بظاهر ما احتمله التنزيل(٢). ويرى الحسن ومجاهد أن المائدة لم تنزل، فقد روى ابن جرير - بسنده - عن قتادة قال : كان الحسن يقول: لما قيل لهم: ﴿فمن يكفر بعد منكم﴾ قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل. وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضًا أنه قال فى المائدة: إنها لم تنزل. وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد قال : هو مثل ضربه الله ولم ينزل شىء. أى: مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه. قال الحافظ ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوی ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. وليس فى كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعى على نقله. وكان يكون موجودًا فى كتابهم متواترًا ولا أقل من الآحاد)) (٣). وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال : ولنا أن نقول : إن هذا الاستدلال إن كان يعنى عدم نزولها فقط، فقد يكون له شىء من الوجاهة وإن كان يعنى أنها لم تنزل ولم يسأل، فهو محل نظر كبير، لأن السؤال مالم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعى على نقله، لاسيما وعيسى فى بيثة محصورة : جماعة سألوا وأجيبوا، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم تواتر سؤالها فى كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا منها. وتذوقوا طعامها، ولم يذكر عن ذلك شىء. وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب، ولا يلزم أن يكون كل ما قصه الله - تعالى - فى القرآن قد قصه فى غيره من الكتب المتقدمة، ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شىء حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التى لم تنته بحادث کونی حتى يكون عدم ذكرهم إياها فى أنا جيلهم - التى وضعوها - دليلا على عدم سؤالها. فقصة السؤال إذن لم (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١١٩ (٢) تفسير ابن جرير جـ ٧ ص ١٣٥ (٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١١٩ ٣٤٧ سورة المائدة ترد فيما عند النصارى ولكنهاوردت فيها عند المسلمين. ومن الجائز أن تكون مما ورد فى الأناجيل، وأن تكون مما أخفاه أهل الكتاب، أو ضاع منهم علمه بسبب ما . والقرآن كما وصف نفسه مهيمن على كتبهم التى وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيرًا منها، وأنه يبين لهم كثيرًا مما كانوا يخفون))(١). هذا ومما سبق يتبين لنا أن العلماء متفقون على أن الحواريين قد سألوا عيسى أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، وأن عيسى قد دعا ربه فعلا أن ينزلها، كما جاء فى الآية الكريمة . ومحل الخلاف بينهم أنزلت أم لا؟ فالجمهور يرون أنها نزلت لأن الله وعد بذلك فى قوله ﴿إنى منزلها عليكم﴾ والحسن ومجاهد يريان أنها لم تنزل، لأن الوعد بنزولها مقيد بما رتب عليه من وقوع العذاب بهم إذا لم يؤمنوا بعد نزولها، وأن القوم بعد أن سمعوا هذا الشرط قالوا : لا حاجة لنا فيها. فلم تنزل. ويبدو لنا أن رأى الجمهور أقرب إلى الصواب، لأن ظاهر الآيات يؤيده، وكذلك الآثار التى وردت فى ذلك. ثم حكت السورة الكريمة ما سيقوله الله لعيسى يوم القيامة، وما سيرد به عيسى على خالقه - عز وجل - حتى تزداد حسرة الذين وصفوا المسيح وأمه. بما هما بريئان منه فقال - تعالى - : وَإِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ وَأُمِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَايَكُونُ لِيِّ أَنْ أَقُولَ مَالَيْسَ لِى بِحَفِّ إِن كُنْتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلِمْتَهُ نَعْلَمُ مَا فِى مَا (١١٦ نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ ! قُلْتُ لَهُمْ إِلَّمَا أَمَرْتَنِ بِ أَنِ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ رَبِ وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِهِمٌّ فَمَّا تَوَقَيْتَنِ كُنْتَ أَنْتَ الَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ (®) إِن تُعَذِّبُهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ١١٨ (١) تفسير القرآن الكريم ص ٢٨١، لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم الشيخ محمود شلتوت. ٣٤٨ المجلد الرابع وقوله : ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله﴾ معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿إِذ قال الحواريون﴾. والخطاب للنبى وَ ر وهذا القول إنما يكون فى الآخرة - على الصحيح - والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم وليذكر معك كل مكلف وقت أن يسأل الله - تعالى - عبده ورسوله عيسى فيقول له يا عيسى: أأنت قلت للناس ﴿اتخذون﴾ أى: اجعلونى ﴿وأمی إلهين من دون الله﴾ أى من غير الله. قال القرطبى : اختلف فى وقت هذه المقالة، فقال قتادة وابن جريج وأكثر المفسرين : إنما يقول له هذا يوم القيامة. وقال السدى وقطرب : قال له ذلك حين رفعه إلى السماء وقالت النصارى فيه ما قالت فإن ﴿إِذ﴾ فى كلام العرب لما مضى والأول أصح، يدل عليه ما قبله من قوله ﴿يوم يجمع الله الرسل) الآية. كما يدل عليه ما بعده وهو قوله: ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾. وعلى هذا تكون إذ بمعنى إذا كما فى قوله: ﴿ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت﴾ أى: إذا فزعوا فعبر عن المستقبل بلفظ الماضى. لأنه لتحقيق أمره وظهور برهانه. كأنه قد وقع(١). وكان النداء بقوله - سبحانه - ﴿يا عيسى ابن مريم﴾ أى: بغير ذكر النبوة، للإشارة إلى الولادة الطبيعية التى تنفى أن يكون إلها أو ابن إله أو فيه عنصر الألوهية بأى وضع من الأوضاع لأن الألوهية والبشرية نقيضان لا يجتمعان فلا يمكن أن يكون البشر فيه ألوهية، ولا إله فيه بشرية . والتعبير بقوله ﴿اتخذوني﴾ يدل على أنه ليس له حقيقة، بل هو فى ذاته اتخاذ بما لا أصل له. والمقصود بالاستفهام فى قوله : ﴿أأنت قلت﴾ توبيخ للكفرة من قومه وتبکیت كل من نسب إلى عيسى وأمه ما ليس من حقهما، وفضيحتهم على رءوس الأشهاد فى ذلك اليوم العصيب، لأن عيسى سينفى عن نفسه أمامهم أنه قال ذلك ((وإنما هو أمرهم بعبادة الله وحده. ولا شك أن النفى يعد السؤال أبلغ فى التكذيب وأشد فى التوبيخ والتقريع وادعى لقيام الحجة على من وصفوه بما هو برىء منه. قال الألوسى: واستشكلت الآية بأنه لا يعلم أن أحدًا من النصارى اتخذ مريم إلها. وأجيب عنه بأجوبة الأول : أنهم لما جعلوا عيسى إلها لزمهم أن يجعلوا والدته أيضًا كذلك لأن الولد من جنس (١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٧٤ ٣٤٩ سورة المائدة من يلده، فذكر ﴿إِلهين﴾ على طريق الإلزام لهم. والثانى: أنهم لما عظموها تعظيم الإِله أطلق عليها اسم الإِله كما أطلق اسم الرب على الأحبار والرهبان فى قوله: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾. والثالث : أنه يحتمل أن يكون فيهم من قال بذلك. ويعضد هذا القول ما حكاه أبو جعفر الإِمامى عن بعض النصارى أنه قد كان فيما مضى قوم يقال لهم: المريمية، يعتقدون فى مريم الألوهية وهو أولى الأوجه عندى(١). وقوله - تعالى - ﴿قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق﴾ بيان لما أجاب به عيسى على خالقه - عز وجل -. أى: قال عيسى مجيبا ربه بكل أدب وإذعان: تنزيها لك - يا إلهى - عن أن أقول هذا القول، فإنه ليس من حقى ولا من حق أحد أن ينطق به. فأنت ترى أن سيدنا عيسى - عليه السلام - قد صدر كلامه بالتنزيه المطلق الله - عز وجل - ثم عقب ذلك بتأكيد هذا التنزيه، بأن أعلن بأنه ليس من حقه أن يقول هذا القول، لأنه عبد له - تعالى - ومخلوق بقدرته. ومرسل منه لهداية الناس فكيف يليق بمن كان شأنه كذلك أن يقول لمن أرسل إليهم ﴿اتخذونى وأمى إلهين من دون الله﴾. ثم أضاف إلى كل ذلك الاستشهاد بالله - تعالى - على براءته، وإظهار ضعفه المطلق أمام علم خالقه وقدرته فقال - كما حكى القرآن عنه - ﴿إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك إنك أنت علام الغيوب﴾. أى: إن كنت قلت هذا القول وهو ﴿اتخذونى وأمى إلهين من دون الله﴾ فأنت تعلمه ولا يخفى عليك منه شىء - لأنك أنت - يا إلهى - تعلم مافى ﴿نفسى﴾ أى ما فى ذاتى، ولا أعلم ما فى ذاتك. والمراد : تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم، وتعلم ما فى غيبى ولا أعلم ما فى غيبك، وتعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل إنك أنت - يا إلهى - علام الغيوب. فهذه الجملة الكريمة بجانب تأكیدها لنفی ما سئل عنه عيسى - عليه السلام - تدل بأبلغ تعبير على إثبات شمول علم الله - تعالى - بكل شىء، وقد أكد عيسى ذلك، بإن المؤكدة وبالضمير أنت، وبصيغة المبالغة ((علّم)) وبصيغة الجمع للفظ ((الغيوب)) فهو لم يقل: إنك أنت عالم الغيب وإنما قال - كما حكى القرآن عنه - ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ بكل أنواعها، (١) تفسير الألوسى جـ ٧ ص ٦٥ ٣٥٠ المجلد الرابع وبكل ما يتعلق بالكائنات كلها. وبعد هذا التنزيه من عيسى - عليه السلام - لله عز وجل -، وبعد هذا النفى المؤكد لما سئل عنه بعد كل ذلك يحكى القرآن ما قاله عيسى لقومه فيقول : ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به أن اعبدوا الله ربي وربكم، وكنت عليهم شهيدًا مادمت فيهم﴾ أى: ما قلت لهم - يا إلهى - ﴿اتخذونى وأمى إلهين من دون الله﴾ وإنما القول الذى قلته لهم هو الذى أمرتنى أن أبلغهم إياه وهو عبادتك وحدك لا شريك لك، فأنت ربى وربهم، وأنت الذى خلقتنى وخلقتهم، فيجب أن ندين لك جميعًا بالعبادة والخضوع والطاعة، وأنت تعلم يا الهى - أننى لم أقصر فى ذلك، وأننى كنت رقيبًا وشهيدًا على قومى، وداعيًا لهم إلى اخلاص العبادات لك والعمل بموجب أمرك مدة بقائى فيهم. قال الفخر الرازى : وأن فى قوله ﴿أن اعبدوا الله﴾ مفسرة والمفسر هو الهاء فى (به) من قوله. ﴿إلا ما أمرتنى به﴾ وهو يعود إلى القول المأمور به. والمعنى : ما قلت لهم إلا قولا أمرتنى به، وذلك القول هو أن : اعبدوا الله ربي وربكم. واعلم أنه كان الأصل أن يقال : ما أمرتهم إلا بما أمرتنى به إلا أنه وضع القول موضع الأمر، نزولا على موجب الأدب الحسن لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معا، ودل على الأصل بذكر أن المفسرة(١). وقوله : ﴿فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد﴾ بيان لانتهاء مهمته بعد فراقه لقومه. أى: أنت تعلم يا إلهى بأنى ما أمرتهم إلا بعبادتك وبأنى ما قصرت فى حملهم على طاعتك مدة وجودى معهم، ﴿فلما توفيتنى﴾ يا إلهى أى: قبضتنى بالرفع إلى السماء حيا، كنت أنت الرقيب عليهم، أى : كنت أنت وحدك الحفيظ عليهم المراقب لأحوالهم، العليم بتصرفاتهم. الخبير بمن أحسن منهم وبمن أساء وأنت - يا إلهى - عل كل شىء شهيد، لا تخفى عليك خافية من أمور خلفك. هذا. وما ذهبنا إليه من أن معنى ﴿فلما توفيتنى﴾ أى: قبضتنى بالرفع إلى السماء حيا قول جمهور العلماء. ومنهم من يرى أن معنى ﴿فلما توفيتنى﴾ أى: أمتنى وزعموا أن رفعه إلى السماء كان بعد موته . . (١) الفخر الرازى جـ١٢ ص ١٢٥ المطبعة البهية. ،۔۔ ٣٥١ سورة المائدة قال بعض العلماء مؤيدا ما ذهب أليه الجمهور قوله : ﴿فلما توفيتنى﴾ أی فلما أخذتنى وافيا بالرفع إلى السماء حيا، إنجاء لى ممادبروه من قتلى، من التوفى وهو أخذ الشىء وافيا أى كاملا. وقد جاء التوفى بهذا المعنى فى قوله -تعالى- ﴿ياعيسى إنى متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا ... ﴾. ولا يصح أن يحمل التوفى على الإماتة، لأن إماتة عيسى فى وقت حصار أعدائه له ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها، ورفعه إلى السماء جثة هامدة سخف من القول، وقد نزه الله السماء أن تكون قبرا لجثث الموتى، وإن كان الرفع بالروح فقط، فأى مزية لعيسى فى ذلك على سائر الأنبياء، والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة فالحق أنه - عليه السلام - رفع إلى السماء حيا بجسده وروحه وقد جعله الله آية، والله على كل شىء قدير))(١). وقال الشيخ القاسمى : وقد دلت الآية الكريمة على أن الأنبياء بعد استيفاء أجلهم الدنيوى، ونقلهم إلى البرزخ لايعلمون أعمال أمتهم وقد روى البخارى هنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خطب رسول الله وسلم فقال وسلم: (( يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا)) أى غير مختونين - ثم قال: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾. ثم قال : ((ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ألا وإنه يجاء برجال من أمتى فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يارب أصحابى فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح، وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم، فيقال لى: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم))(٢). وبعد أن أجاب عيسى على سؤال ربه تلك الإِجابة الموفقة. فوض الأمر إليه - سبحانه - فى شأن قومه. فقال - كما حكى القرآن عنه ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وان تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾. أى: إن تعذب - يا إلهى - قومى، فإنك تعذب عبادك الذين خلقتهم بقدرتك، والذين تملكهم ملكا تاما، ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بمملوكه. وإن تغفر لهم، وتستر سيئاتهم وتصفح عنهم فذلك إليك وحدك، لأن صفحك عمن تشاء من عبادك هو صفح القوى القاهر الغالب الذى لا يعجزه شىء. والذى يضع الأمور فى مواضعها بمقتضى حكمته السامية وقد قال بعض المفسرين هنا: كيف جاز لعيسى أن يقول : ﴿وإن تغفر لهم﴾ والله - تعالى - لا يغفر أن يشرك به ؟ (١) تفسير صفوة البيان لمعانى القرآن ص٢١٣ لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف. (٢) تفسير القاسمى جـ٦ ص٢٢٢٣. ٣٥٢ المجلد الرابع وقد أجاب عن ذلك الإمام القرطبى بقوله : قول عيسى ﴿وإن تغفر لهم﴾ قاله على وجه الاستعطاف لهم، والرأفة بهم، كما يستعطف السيد لعبده، ولهذا لم يقل: فإنهم عصوك. وقيل قاله على وجه التسليم لأمره، والاستجارة من عذابه، وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر وقيل. الهاء والميم فى ﴿إن تعذبهم﴾ لمن مات منهم على الكفر. والهاء والميم فى قوله: ﴿وإن تغفر لهم﴾ لمن تاب منهم قبل الموت. وهذا وجه حسن))(١). أقول: هذا الوجه الثالث الذى ذكره القرطبى قد اكتفى به بعض المفسرين فقال: قوله : ﴿إن تعذبهم﴾ أى: من أقام على الكفر منهم ﴿فإنهم عبادك﴾ وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك ﴿وإن تغفر لهم﴾ أى: لمن آمن منهم ﴿فإنك أنت العزيز﴾ الغالب على أمره ﴿الحكيم﴾ فى صنعه(٢). ومع وجاهة هذا الوجه فإننا نرى أن الآية الكريمة حكاية للتفويض المطلق الذى فوضه عيسى إلى ربه - سبحانه - فى شأن قومه ولهذا قال ابن كثير: هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله - تعالى - فإنه الفعال لما يشاء الذی لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويتضمن التبرى من النصارى الذين كذبوا على الله وكذبوا على رسوله، وجعلوا لله ندا وصاحبة وولدا. وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب، وقد ورد فى الحديث أن النبى وَ لاي قام بها ليلة حتى الصباح يرددها. فقد روى الإمام أحمد عن أبى ذر قال: صلى النبى وَّ# ذات ليلة: فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ الآية فلما أصبح قلت: يارسول الله ألم تزل تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال : إنى سألت ربي - عز وجل الشفاعة لأمتى فأعطانيها - وهى نائلة - إن شاء الله - لمن لا يشرك بالله شيئًا))(٣). وبعد أن حكى القرآن الكريم مارد به عيسى عليه السلام - على قول ربه وخالقه - سبحانه - ﴿أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله﴾ وقد تضمن هذا الرد - كما سبق أن بينا - التنزيه المطلق الله - تعالى -، والنفى التام لأن يكون عيسى قد قال هذا القول. بعد كل ذلك ختم - سبحانه تلك المجاوبة ببيان حسن عاقبة الصادقين يوم القيامة فقال - تعالى - : (١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٧٨ (٢) تفسير الجلالين - ومعه حاشية الجمل - جـ ١ ص ٥٤٦ (٣) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ١٢١ ٣٥٣ سورة المائدة قَالَ اَللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْفُهُمْ لَمْ جَنَّاتٌ تَخْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا أَبَدَا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنَّهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَافِنٌّ وَهُوَ عَلَى كُلِ شَىْءٍ قَدِيرًالـ ١٢٠ قال الآلوسی : ﴿قال الله﴾ كلام مستأنف ختم به - سبحانه - حكاية ما حكى مما يقع يوم يجمع الله الرسل. وأشير إلى نتيجته ومآله. والمراد بقول الله -تعالى- عقيب جواب عيسى الإِشارة إلى صدقه ضمن بيان حال الصادقين الذين هو فى زمرتهم(١). والمراد باليوم فى قوله ﴿هذا يوم﴾ يوم القيامة الذی تجازى فيه كل نفس بما كسبت وقد قرأ الجمهور برفع ﴿يوم﴾ من غير تنوين على أنه خبر لاسم الإشارة أى: قال الله - تعالى - : إن هذا اليوم هو اليوم الذى ينتفع الصادقون فيه بصدقهم فى إيمانهم وأعمالهم، لأنه يوم الجزاء والعطاء على ما قدموا من خيرات فى دنياهم. أى أن صدقهم فى الدنيا ينفعهم يوم القيامة، بخلاف صدق الكفار يوم القيامة فإنه لا ينفعهم، لأنهم لم يكونوا مؤمنين فى دنياهم. وقرأ نافع (يوم) بالنصب من غير تنوين على أنه ظرف لقال. أى: قال الله - تعالى - هذا القول لعيسى يوم ينفع الصادقين صدقهم. وقوله: ﴿لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا﴾ جملة مستأنفه لبيان مظاهر النفع الذى ظفر به الصادقون فى هذا اليوم. أى: أن هؤلاء الصادقين فى دنياهم قد نالوا فى آخرتهم جنات تجرى من تحت أشجارها وسررها الأنهار ﴿خالدين فيها أبدًا﴾ أى: مقيمين فيها إقامة دائمة لا يعتريها انقطاع وقوله : ﴿رضى الله عنهم ورضوا عنه﴾ أى: رضى الله عنهم فأعطاهم بسبب إيمانهم الصادق وعملهم الصالح عطاء هو نهاية الآمال والأمانى. ورضوا عنه بسبب هذا العطاء الجزيل الذى لا تحيط العبارة بوصفه. واسم الإشارة فى قوله: ﴿ذلك الفوز العظيم﴾ يعود إلى ما انتفع به الصادقون من جنات (١) تفسير الآلوسى جـ٧ ص٧١ ٣٥٤ المجلد الرابع تجرى من تحتها الأنهار. ومن رضا الله عنهم. أى: إلى النعيم الجثمانى المتمثل فى الجنات وما يتبعها من عيشةٍ هنيئة، وإلى النعيم الروحانى المتمثل فى رضا الله عنهم. قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما أخبر أن صدق الصادقين فى الدنيا ينفعهم فى القيامة شرح كيفية ذلك النفع وهو الثواب. وحقيقة الثواب : أنها منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فقوله : ﴿لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار﴾ إشارة إلى المنفعة الخالصة عن الغموم والهموم، وقوله ﴿خالدين فيها أبدا﴾ إشارة إلى الدوام. واعتبر هذه الدقيقة: فإنه أينما ذكر الثواب قال ﴿خالدين فيها أبدًا﴾ وأينما ذكر العقاب للفساق من أهل الإِيمان، ذكر لفظ الخلود ولم يذكر معه التأبيد، وأما قوله : ﴿رضى الله عنهم ورضوا عنه﴾ فتحته أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا الله من أهلها))(١). ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الدالة على شمول ملكه لكل شىء فى هذا الكون فقال: ﴿لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير﴾ أى: لله -تعالى- وحده دون أحد سواه الملك الكامل السموات والأرض ولما فيهن من كل كائن وهو - سبحانه - على كل شىء قدير لا يعجزه أمر أراده، ومن زعم أن له شريكا - سواء أكان هذا الشريك عيسى أو أمه أو غيرهما - فقد أعظم الفرية وتسربل بالجهل، وكان مستحقا لخزى الدنيا، وعذاب الآخرة. وقال - سبحانه - ﴿وما فيهن﴾ فغلب غير العقلاء، للإشارة إلى أن كل المخلوقات مسخرة فى قبضة قهره وقدرته وقضائه وقدره وهم فى ذلك التسخير كالجمادات التى لا قدرة لها. إذ أن قدرة سائر المخلوقات بالنسبة لقدرة الله كلا قدرة. وإن هذه الآية الكريمة، لمتسقة كل الاتساق مع الآية التى قبلها، لأنه - سبحانه - بعد أن بين جزاء الصادقين فى دنياهم عقبه ببيان سعة ملكه، وشمول قدرته الدالين على أن هذا الجزاء لا يقدر عليه أحد سواه - سبحانه -. وإن هذه الآية الكريمة - أيضًا - لمتسقة كل الاتساق لأن تكون خاتمة لهذه السورة التى ساقت ماساقت من تشريعات وأحكام وآداب وهدايات ومن حجج حكيمة، وأدلة ساطعة دحضت بها الأقوال الباطلة التى افتراها أهل الكتاب - وخصوصا النصارى - على عيسى وأمه مريم، وبرهنت على أن عيسى وأمه ما هما إلا عبدان من عباد الله، يدينان له بالعبادة والطاعة والخضوع، ويأمران غيرهما بأن ينهج نهجهما فى ذلك. (١) تفسير الفخر الرازى جـ١٢ ص١٣٨ المطبعة البهية. ٣٥٥ سورة المائدة ثم أما بعد : فهذا ما وفقنى الله - تعالى - لكتابته فى تفسير سورة المائدة، تلك السورة التى اشتملت - من بين ما اشتملت - على كثير من التشريعات التى تتعلق بالحلال والحرام وبالعبادات والحدود والقصاص والأيمان. كما اشتملت على كثير من الآيات التى تتعلق بأهل الكتاب فذكرت حكم أطعمتهم وحكم الزواج بالمحصنات من نسائهم، كماذكرت أقوالهم الباطلة فى شأن عيسى وأمه وردت على مزاعمهم بما يدحض مفترياتهم فى هذا الشأن وفى غيره . والله أسأل أن يجعل ما كتبناه خالصا لوجهه، ونافعا وشفيعًا لنا يوم نلقاه ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم﴾. والحمد لله الذى هدانا لهذا وماكنا لنهتدى لولا أن هدانا الله. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واتباعه إلى يوم الدين. د. محمد السيد طنطاوى مفتى جمهورية مصر العربية ٣٥٦ فهرس إجمالى لتفسير سورة ((المائدة رقم الآية الآية المفسرة مقدمة ٥ تمهید ٧ يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ٢١ ٢ يأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر ٢٥ ٣ حرمت علیکم الميتة والدم ٣٣ ٤ يسألونك ماذا أحل لهم ٤٦ ٥ اليوم أحل لكم الطيبات ٥٠ يأيها الذين آمنوا إذا قمتم ٥٧ ٧ واذكروا نعمة الله علیکم ٧٠ یأيها الذين آمنوا كونوا قوامين ٨ ٧٢ ٩ وعد الله الذين آمنوا وعملوا ٧٤ ١٠ والذین کفروا وكذبوا ٧٥ يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة ٧٥ ١١ ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل ١٢ ٨١ فبما نقضهم میثاقهم ٨٥ ١٥ یا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا ٩٠ پہدی به الله من اتبع ١٦ ٩١ ١٩ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا وإذ قال موسی لقومه. ١٠١ ٢١ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة ١٠٥ ٢٠ ١٨ وقالت اليهود والنصارى ٩٨ ٩٥ ١٧ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ١٤ ومن الذین قالوا إنا نصارى ٨٨ ١٣ الصفحة ١ ٦ ٣٥٧ رقم الآية الآية المفسرة ١٠٧ قالوا یا موسی إن فيها قوما جبارین ٢٢ ٢٣ قال رجلان من الذین یخافون ١٠٨ قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ٢٤ ١٠٩ ٢٥ قال رب إنى لا أملك إلا ١١٠ ٢٦ قال فإنها محرمة عليهم ١١١ ٢٧ واتل عليهم نبأ ابنى آدم ١١٧ ٢٨ لئن بسطت إلى يدك ١٢٠ ١٢٠ إنى أريد أن تبوء ٢٩ ٣٠ فطوعت له نفسه ١٢٢ ٣٢ من أجل ذلك كتبنا على ١٢٥ إنما جزاء الذين يحاربون ٣٣ ١٣٧ ٣٥ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ١٤٢ ٣٦ إن الذين كفروا لو أن لهم ١٤٤ ٣٧ ٣٨ والسارق والسارقة فاقطعوا ١٤٦ ٣٩ ٤٠ ألم تعلم أن الله له ملك ١٤٦ ٤١ یایها الرسول لا يحزنك ١٥٠ ٤٢ سماعون للكذب أکالون ١٥٨ ١٦٢ وکیف یحکونك وعندهم ٤٣ إنا أنزلنا التوراة ٤٤ وكتبنا عليهم فيها أن ٤٥ ١٦٣ ١٦٩ ٤٦ وقفینا على آثارهم بعیسی ١٧٤ ولیحکم أهل الإِنجيل ٤٧ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ٤٨ ١٧٧ ١٧٨ فبعث الله غرابا يبحث ٣١ ١٢٣ ٣٤ إلا الذين تابوا من قبل ١٣٨ ١٢٩ یریدون أن يخرجوا من النار ١٤٤ فمن تاب من بعد ظلمه الصفحة ٣٥٨ الصفحة الآية المفسرة رقم الآية ٤٩ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ١٨٤ ٥٠ أفحكم الجاهلية يبغون . ١٨٦ ٥١ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ١٨٨ ٥٢ فتری الذین فی قلوبهم مرض ١٩١ ٥٣ ويقول الذين آمنوا ١٩٣ ٥٤ يأيها الذين آمنوا من يرتد ١٩٦ ٢٠٠ ٥٥ إنما ولیکم الله ورسوله ٢٠٢ ٥٦ ومن يتول الله ورسوله ٥٧ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ٢٠٣ ٥٨ وإذا ناديتم إلى الصلاة ٢٠٤ ٢٠٥ ٥٩ قل يا أهل الكتاب ٢٠٨ ٦٠ قل هل أنبئكم بشر من ذلك وإذا جاءوكم قالوا آمنا ٢٠٩ ٦١ ٢١١ ٦٢ وترى كثيرًا منهم يسارعون ٢١٢ لو لا ينهاهم الربانيون ٦٣ ٢١٤ وقالت اليهود يد الله مغلولة ٢١٩ ٦٤ ولو أن أهل الكتاب ولو أنهم أقاموا التوراة ٢٢٠ ٢٢٢ ٦٨ ٢٢٨ لقد أخذنا میثاق ٢٣٠ ٧٠ وحسبوا أن لا تكون فتنة ٧١ ٢٣٣ ٧٢ لقد كفر الذين قالوا ٢٣٦ ٧٣ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ٢٣٨ أفلا يتوبون إلی الله ٧٤ ٢٤٠ ما المسيح ابن مريم إلا رسول ٧٥ ٢٤٢ ٦٥ ٦٦ یأيها الرسول بلغ ٦٧ قل يا أهل الكتاب ٢٢٦ إن الذين آمنوا ٦٩ ٣٥٩ رقم الآية الآية المفسرة ٢٤٣ ٧٦ قل أتعبدون من دون الله · قل يا أهل الكتاب لاتغلو ٧٧ ٢٤٧ ٢٤٥ ٧٨ ٧٩ كانوا لا يتناهون ٢٤٩ ٨٠ تری کثیرًا منهم ٢٥١ ٨١ ولو کانوا یؤمنون ٢٥٢ ٢٥٣ ٨٣ وإذا سمعوا ما أنزل ٢٥٧ ومالنا لا نؤمن بالله ٨٤ ٢٥٨ ٨٥ ٨٦ والذین کفروا و کذبوا يأيها الذين آمنوا لا تحرموا ٢٥٩ ٨٧ ٨٨ وكلوا مما رزقكم الله ٢٦١ ٨٩ لا يؤاخذكم الله باللغو ٢٦٤ ٩٠ يأيها الذين آمنوا إنما الخمر ٢٧٤ ٩١ ٩٢ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ٢٧٩ ٩٣ ليس على الذين آمنوا وعملوا ٢٨٥ ٩٤ يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله ٢٩٠ ٩٥ يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد ٩٦ أحل لكم صيد البحر وطعامه ٣٠١ ٢٩٨ ٩٧ جعل الله الكعبة البيت الحرام ٣٠٥ اعلموا أن الله شديد العقاب ٩١ ٩٩ ما على الرسول إلا البلاغ ٣٠٥ ١٠٠ قل لا يستوى الخبيث والطيب ٣٠٦ ١٠١ يأيها الذين آمنوا لا تسألوا ٣٠٧ ١٠٢ قد سألها قوم من قبلكم ٣١١ الصفحة لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل ٨٢ لتجدن أشد الناس ٢٥٦ فأثابهم الله بما قالوا ٢٥٩ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ٢٧٨ ٢٩٢ ٣٦٠ رقم الآية الآية المفسرة الصفحة ١٠٣ ماجعل الله من بحيرة ٣١٤ ١٠٤ وإذا قيل لهم تعالوا ٣١٧ ١٠٥ يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ٣١٨ ١٠٦ یأيها الذين آمنوا شهادة بینکم ٣٢٠ ١٠٧ فإن عثر على أنهما استحقا . ٣٢٥ ١٠٨ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة ٣٢٦ ١٠٩ يوم يجمع الله الرسل ٣٣٠ ١١٠ إذ قال الله ياعيسى ابن مريم ٣٣٢ ١١١ وإذ أوحيت إلى الحواريين ٣٣٥ ١١٢ إذاقال الحواريون ٣٣٨ ١١٣ قالوا نريد أن نأكل منها ٣٣٩ ١١٤ قال عيسى ابن مريم ٣٤٠ ١١٥ قال الله إنى منزلها عليكم ٣٤٢ ١١٦ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ٣٤٧ -٠ ١١٧ ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به ٣٥٠ ١١٨ إن تعذبهم فإنهم عبادك ٣٥١ ١١٩ قال الله هذا يوم ينفع الصادقين ٣٥٣ ١٢٠ لله ملك السموات والأرض ٣٥٤ رقم الإبداع ٨٨٠٠ / ١٩٩٢ الترقيم الدولي 977-02-3860-0 ISBN ١/٩١/٣٦٣ طبع بمطابع دار المعارف (ج.م.ع.)