Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سورة المائدة والاستفهام هنا يتضمن حضهم على التوبة والرجوع إلى الحق وتوبيخهم على ما كان منهم من ضلال والتعجيب من استمرارهم على كفرهم وعقائدهم الفاسدة التى لا يقبلها عقل سلیم، ولا تصور قویم. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام. أى: أيسمعون ما يسمعون من الحق الذى يزهق باطلهم ومن النذر التى ترقق القلوب فلا يحملهم ذلك على التوبة والرجوع إلى الله وطلب مغفرته، والحال أنه - سبحانه - عظيم المغفرة واسع الرحمة لمن آمن وعمل صالحا. إن إصرارهم على كفرهم بعد تفنيده وإبطاله، وبعد تحذيرهم من سوء عاقبة الكافرين ليدل على أنهم قوم ضالون خاسرون يستحقون أن يكونوا محل عجب الناس وإهمالهم. قال أبو السعود : وقوله ﴿والله غفور رحيم﴾ جملة حالية من فاعل ﴿يستغفرونه﴾ مؤكدة للإنكار والتعجيب من إصرارهم على الكفر وعدم مسارعتهم إلى الاستغفار. أى: والحال أن الله : - تعالى - مبالغ فى المغفرة. فيغفر لهم عند استغفارهم ويمنحهم من فضله)»(١). وقال ابن كثير: هذا من كرمه - تعالى - وجوده ولطفه ورحمته بخلقه. مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإِفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. فكل من تاب إليه تاب عليه. كما قال ﴿والله غفور رحيم﴾ فيغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم(٢). ثم بين - سبحانه - حقيقة عيسى عليه السلام - وحقيقة أمه مريم حتى يزيل عن ساحتهما ما افتراه عليهما المفترون فقال - تعالى: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾. وقوله ﴿صديقة﴾ صيغة مبالغة فى التمسك بفضيلة الصدق مثل شريب ومسيك مبالغة فى الشرب والمسك. قال الراغب: والصديق من كثر منه الصدق، وقيل : بل يقال لمن لم يكذب قط : وقيل : بل لمن لا يأتى منه الكذب لتعوده الصدق. وقيل، لمن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله .. قال تعالى - ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ فالصديقون هم قوم دون الأنبياء فى الفضيلة(٣). = (١) تفسير أبو السعود جـ ٧ ص ٠٥٠ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٨١ . (٣) المفردات فى غريب القرآن الكريم ص ٢٧٧ ٢٤٢ المجلد الرابع والمعنى : إن الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة. قد قالوا منكراوزورا، إذ ليس الألوهية إلا الله وحده وليس المسيح عيسى ابن مريم سوى بشر من البشر ورسول مثل الرسل الذين سبقوه كنوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من الرسل الذين مضوا دون أن يدعى واحد منهم الألوهية. وأما أم عيسى مريم فما هى إلا أمة من إماء الله كسائر النساء ديدنها الصدق مع خالقها - عز وجل - أو التصديق له فى سائر أمورها. وهما - أى عيسى وأمه مريم - عبدان من عباد الله كانا يأكلان الطعام، ويشربان الشراب ويتصرفان كما يتصرف سائر البشر فكيف ساغ لكم - يا معشر النصارى - أن تصفوهما بأنهما إلهين مع أن طبيعتهما الظاهرة أمامكم تتنافى تنافيا تاما مع صفات الألوهية : إن وصفكم لهما بالألوهية لدليل واضح على فساد عقولکم وضلال تفكيركم، وعظيم جهلكم. . وقوله ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول﴾ جملة مشتملة على قصر موصوف على صفة، وهو قصر إضافى، أى أن المسيح مقصور على صفة الرسالة لا يتجاوزها إلى غيرها وهى الألوهية فالقصر قصر قلب لرد اعتقاد النصارى فى عيسى أنه الله، أو أنه جزء من الله أو أنه أحد آلهة ثلاثة . وقوله : ﴿قد خلت من قبله الرسل﴾ صفة للرسول وهو عيسى أريد بها بيان أنه مساو للرسل الكرام الذين سبقوه فى تبليغ رسالة الله إلى الناس؛ وأنه ليس بدعا فى هذا الوصف وإذا فلا شبهة للذين زعموا أنه إله ((لأنه لم يجىء بشىء زائد على ما جاء به الرسل)). وقوله. ﴿وأمه صديقة﴾ معطوف على قوله: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول﴾ والقصد من وصف مريم بذلك مدحها والثناء عليها، ونفى أن يكون لها وصف أعلى من ذلك، فهى ليست إلها. كما أنها ليست رسولا . ولذا قال ابن كثير: دلت الآية على أن مريم ليست بنبية - كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم عيسى ونبوة أم موسى - استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم وبقوله : ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ والذى عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلا من الرجال - قال تعالى - ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل القرى﴾(١). وقوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾ جملة مستأنفة لبيان خواصها الآدمية بعد بيان منزلتهما السامية عند الله - تعالى - وقد اختيرت هذه الصفة لهما من بين صفات كثيرة كالمشرب والملبس. لأنها صفة واضحة (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص٨١ ٢٤٣ سورة المائدة ظاهرة للناس، ودالة على احتياجهما لغيرهما فى مطلب حياتهما، ومن يحتاج إلى غيره لا يكون الها. وقال صاحب الكشاف : لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة .. وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام وحاشا للإله أن يكون كذلك(١). ففى هذه الجمل الكريمة رد على ما زعمه النصارى فى شأن عیسی وأمه بأبلغ وجه وأحکمه، ولذا عجب الله - تعالى - رسوله وكل من يصلح للخطاب من جهلهم وبعدهم عن الحق مع وضوحه وظهوره فقال: ﴿انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون﴾ أى: يصرفون. يقال أفكه يأفكه إذا صرفه عن الشىء. أى: انظر - يا محمد - كيف تبين لهم الأدلة المنوعة على حقيقة عيسى وأمه بيانا واضحًا ظاهرًا. ثم انظر بعد ذلك كيف ينصرفون عن الإِصاخة إليها والتأمل فيها لسوء تفكيرهم، وإستيلاء الجهل والوهم والعناد على عقولهم. فالجملتان الكريمتان تعجيب لكل عاقل من أحوال النصارى الذين زعموا أن الله هو المسيح ابن مريم، أو أن الله ثالث ثلاثة. مع أنه - سبحانه - أقام لهم الأدلة المتعددة على بطلان ذلك. وكرر الله - سبحانه - الأمر بالنظر للمبالغة فى التعجيب من أحوالهم الغريبة وجىء بثم المفيدة للتراخى فى قوله ﴿ثم انظر أنى يؤفكون﴾ لإظهار ما بين وضوح الآيات وانصرافهم عنها من تفاوت شديد أى : أن بياننا للآيات أمر بديع فى بابه بحيث يجعل كل عاقل يستجيب لها، ويخضع لما تدعو إليه من هدايات وخيرات. وانصراف هؤلاء الضالين عنها - مع وضوحها وتعاضد ما يوجب قبولها - أمر يدعو إلى العجب الشديد من جهلهم وضلالهم وسوء تفكيرهم. ثم تابع - سبحانه - حديثه عن ضلال أهل الكتاب وجهالتهم فأمر رسوله - وم# أن يوبخهم على عنادهم وغفلتهم وأن يواصل دعوتهم إلى الدين الحق فقال - تعالى : قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَالسَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٧٦ قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ غَيْرَ اُلْحَقِّ (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٦٥ ٢٤٤ المجلد الرابع وَلَا تَتَّبِعُوْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ ٧٧ كَثِيرًا وَضَلُواْ عَنِ سَوَآءِ السَّبِيلِ والاستفهام فى قوله ﴿أتعبدون﴾ لإنكار واقعهم والتعجيب مما وقع منهم، وتوبيخهم على جهلهم وغفلتهم. و ﴿ما﴾ فى قوله ﴿ما لا يملك﴾ يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذى وأن تكون نكرة موصوفة. والجملة بعدها صلة فلا محل لها أو صفة فمحلها النصب. وقوله ﴿يملك﴾ من الملك بمعنى حيازة الشىء والتمكن من التصرف فيه بدون عجز. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الضالين من النصارى وأشباههم فى الكفر والشرك قل لهم : أتعبدون معبودات غير الله - تعالى - هذه المعبودات لا تملك أن تصيبكم بشىء من الضرر كالمرض والفقر، ولا تملك أيضًا أن تنفعكم بشىء من النفع كبسط الرزق ودفع الضر وغير ذلك مما أنتم فى حاجة إليه. فالمراد بما لا يملك : كل ما عبد من دون الله من حجر أو وثن أو غيرهما فتكون ((ما)) للعموم وليست كناية عن عيسى وأمه فحسب. وقد سار على هذا المعنى ابن كثير فقال: يقول - تعالى - منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأوثان والأنداد، ومبينا له أنها لا تستحق شيئًا من الألوهية فقال - تعالى - ﴿قل) أى : يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بنى آدم ودخل فى ذلك النصارى وغيرهم ﴿أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضرًّا ولا نفعا﴾(١). ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله: ﴿مالا يملك﴾ عيسى - عليه السلام - أو هو وأمه لأن الكلام مع النصارى الذين قال بعضهم: إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال آخرون منهم : إن الله ثالث ثلاثة، فتكون الآية دليلا آخر - بعد الأدلة السابقة - على فساد أقوال النصارى فى عيسى وأمه مريم. والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء النصارى أتعبدون - من دون الله - عيسى وأمه وهما لا يستطيعان أن يضراكم بشىء من الضرر فى الأنفس والأموال، ولا أن ينفعاكم بشىء من النفع كإيجاد الصحة والخصب والسعة، لأن الضر والنفع من الله وحده وكل ما يستطيعه البشر من المضار أو المنافع هو بتمكين الله لهم وليس بقدرتهم الذاتية. (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٨٢ ٢٤٥ سورة المائدة وأوثرت ((ما)) على ((من)) لتحقيق ما هو المراد من كونهما بمعزل من الألوهية رأسا، ببيان انتظامهما فى مسلك الأشياء التى لا قدرة لها على شىء أصلا ولا شك أن من صفات الرب أن يكون قادرًا على كل شىء، فقول النصارى بأن الله هو المسيح ابن مريم أو هو ثالث ثلاثة، قول ظاهر البطلان واضح الفساد. وعلى كلا القوالين فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك إله سوى الله - تعالى - يستحق العبادة والخضوع، لأنه - سبحانه - هو المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾. وقدم - سبحانه - الضر على النفع فقال: ﴿مالا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا﴾ لأن النفوس. أشد تطلعا إلى دفعه من تطلعها إلى جلب الخير، ولأنهم كانوا يعبدون غير الله - تعالى - وهمهم الأكبر أن هذا المعبود يستطيع أن يقربهم إلى الله زلفى، وأن يمنع عنهم المصائب والأضرار. وقوله: ﴿والله هو السميع العليم) فى محل نصب على الحال. من فاعل ﴿أتعبدون﴾ أى أتعبدون آلهة سوى الله لا تملك ضرركم أو نفعكم وتتركون عبادة الله والحال أن الله وحده هو السميع لكل ما تنطقون به، العليم بجميع أحوالكم وأعمالكم، وسيحاسبكم على ذلك وسيجازيكم على أقوالكم الباطلة وعقائدكم الزائفة، بما تستحقون من عذاب أليم. ثم أرشدهم - سبحانه - إلى طريق الحق، ونهاهم عن الغلو الباطل فقال: ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلو فى دينكم غير الحق، ولا تتبعوا أهواء قوم﴾ والغلو مصدر غلا فى الأمر: إذا تجاوز الحد. وهو نقيض التقصير. وقد نهى النبى - وَلّر عن الغلو حتى فى الدين، فقد روى الإِمام أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن ابن عباس أن النبى وسلم قال: ((إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قلبكم بالغلو فی الدین))(١). وروى البخارى عن عمر بن الخطاب أن رسول الله وَ لثم قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله))(٢). وروى مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله والفر قال: ((هلك المتنطعون. قالها ثلاثة))(٣) والمتنطعون هم المتشددون المتجاوزون للحدود التى جاءت بها تعاليم الإسلام. (١) مسند الإمام أحمد جـ ٢ حديث رقم ٢٢٥ طبعة الحلبى. (٢) صحيح البخارى باب واذكر فى الكتاب مريم من كتاب الأنبياء جـ٤ ص ٣٠٤ (٣) صحيح مسلم كتاب العلم جـ ٨ ص ٥٨ ٢٤٦ المجلد الرابع وقد غالى أهل الكتاب فى شأن عيسى - عليه السلام - أما اليهود فقد كفروا به ونسبوه إلى الزنا وافتروا عليه وعلى أمه افتراء شديدًا وأما النصارى فقد وصفوه بالألوهية فوضعوه فى غير موضعه الذى وضعه الله فيه وهو منصب الرسالة. وكما غالوا فى شأن عيسى عليه السلام - فقد غالوا أيضا فى تمسكهم بعقائدهم الزائفة، مع أن الدلائل الواضحة قد دلت على بطلانها وفسادها. وقوله ﴿غير الحق﴾ منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف. أى: لا تغلوا فى دينكم غلوا غير الحق : أى: غلوا باطلا. وقوله: ﴿ولا تتبعوا أهواء قوم﴾ معطوف على قوله: ﴿لا تغلوا﴾ قال الفخر الرازى: الأهواء - ههنا - المذاهب التى تدعو إليها الشهوة دون الحجة. قال الشعبى : ماذكر الله لفظ الهوى فى القرآن إلا ذمه. قال : ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ وقال: ﴿واتبع هواه فتردى﴾ وقال: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ وقال: ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾. وقال أبو عبيدة : لم نجد الهوى يوضع إلا فى الشر لا يقال: فلان يهوى الخير إنما يقال يريد الخير ويحبه. وقيل : سمى الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه فى النار. وأنشد فى ذم الهوى : فإذا هويت فقد لقيت هوانًا إن الهوى الهوان بعينه وقال رجل لابن عباس : الحمد الله الذى جعل هو اى على هواك. فقال ابن عباس : كل هوی ضلالة))(١). والمعنى : قل يا محمد لأهل الكتاب الذين تجاوزوا الحدود التى تقرها الشرائع والعقول السليمة، قل لهم يا أهل الكتاب : ﴿لا تغلوا في دينكم غير الحق﴾ أى: لا تتجاوزوا حدود الله تجاوزا باطلا، كأن تعبدوا سواه مع أنه هو الذى خلقكم ورزقكم، وكأن تصفوا عيسى بأوصاف هو بریء منها. وقل لهم أيضًا: ﴿ولا تتبعوا أهواء قوم﴾ أى: ولا تتبعوا شهوات وأقوال قوم من أسلافكم وعلمائكم ورؤسائكم ﴿قد ضلوا من قبل﴾ أى: قد ضلوا من قبل بعثة النبى وَّر بتحريفهم للكتب السماوية وتركهم لتعاليمها جريًا وراء شهواتهم وأهوائهم ﴿وأضلوا كثيرًا﴾ أى أنهم لم يكتفوا بضلال أنفسهم بل أضلوا أناسًا كثيرين سواهم ممن قلدهم ووافقهم على أكاذيبهم وقوله: ﴿وضلوا عن سواء السبيل﴾ معطوف على قوله ﴿قد ضلوا من قبل﴾. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٦٣ ٢٤٧ سورة المائدة أى أنهم قد ضلوا من قبل البعثة النبوية الشريفة، وضلوا من بعدها عن ﴿سواء السبيل﴾ أى: عن الطريق الواضح الذى أتى به النبى ◌ّله وهو طريق الإِسلام وذلك لأنهم لم يتبعوه وَّل مع معرفتهم بصدقه؛ بل كفروا به حسدا له على ما آتاه الله من فضله. فأنت ترى أنه - تعالى - قد وصفهم - كما يقول الإِمام الرازى - بثلاث درجات فى الضلال : فبين أنهم كانوا ضالين من قبل، ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى الآن ضالون كما كانوا ولانجد حالة أقرب إلى البعد من الله والقرب من عقابه من هذه الحالة ويحتمل أنهم ضلوا وأضلوا ثم ضلوا بسبب اعتقادهم فى ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق(١). هذا، ومما أخذه العلماء من هذه الآية الكريمة أن الغلو فى الدين لا يجوز وهو مجاوزة الحق إلى الباطل وقد سقنا من الآثار ما يشهد بذلك عند تفسيرنا لصدر الآية الكريمة. قال صاحب الكشاف ما ملخصه دلت الآية على أن الغلو فى الدين غلوان ((غلو حق)» وهو أن يفحص عن حقائقه، ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد فى تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون. وغلو باطل، وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإِعراض عن الأدلة واتباع الشبه. كما يفعل أهل الأهواء والبدع والضلال(٢). ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض الرذائل التى شاعت فى بنى إسرائيل، والتى بسببها استحقوا اللعن والطرد من رحمة الله فقال - تعالى - : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِى نَ إِسْرَّاءِ يلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوايَعْتَّدُونَ VA كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ كِ تَرَى كَثِيرًامِّنْهُمْ ٧٩ مَا كَانُواْيَفْعَلُونَ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِنْسَ مَاقَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٦٤ (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٦٦ ٢٤٨ المجلد الرابع أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِ الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ ٨٠ وَلَوْ كَانُوْيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ (٨١ وقوله ﴿لعن﴾ من اللعن بمعنى الطرد من رحمة الله فالملعون هو المحروم من رحمته - سبحانه - ولطفه وعنايته. والمعنى : لعن الله - تعالى - الذين كفروا من بنى إسرائيل بأن طردهم من رحمته، على لسان نبيين كريمين هما داود وعيسى - عليهما السلام - وقد جاء الفعل ((لعن)) بالبناء للمجهول لأن الفاعل معلوم وهو الله - تعالى - ولأن الأنبياء ومنهم داود وعيسى لا يلعنون أحدا إلا بإذن الله - سبحانه - وقوله: ﴿من بنى إسرائيل﴾ فى محل نصب على الحال من الذين كفروا أو من فاعل ﴿كفروا﴾ وهو واو الجماعة. وقوله: ﴿على لسان داود وعيسى ابن مريم﴾ متعلق بلعن. أى: لعنهم - سبحانه - فى الزبور والإِنجيل على لسان هذين النبيين الكريمين اللذين كان أولهما - بجانب منصب الرسالة - قائدا مظفرا قادهم إلى النصر بعد الهزيمة. وكان ثانيهما وهو عيسى - عليه السلام - رسولا مسالما جاءهم ليحل لهم بعض الذى حرم عليهم. قال الآلوسي: لعنهم الله - تعالى - فى الزبور والإِنجيل على لسان داود وعيسى ابن مريم بأن أنزل فى هذين الكتابين ((ملعون من يكفر من بنى إسرائيل بالله أو بأحد من رسله)). وقيل : إن أهل أيلة لما اعتدوا فى السبت قال داود: اللهم ألبسهم اللعن مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين فمسخهم الله قردة. وأصحاب المائدة لما كفروا بعيسى قال: اللهم عذب من كفر من المائدة عذابا لم تعذبه أحدًا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت))(١). وقوله: ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ بيان لسبب لعنهم وطردهم من رحمة الله. واسم الإشارة ﴿ذلك﴾ يعود إلى اللعن المذكور. (١) تفسير الآلوسي جـ ٦ ص ٢١١ ٢٤٩ سورة المائدة أى: ذلك اللعن للكافرين من بنى إسرائيل سببه عصيانهم لله ولرسله، وعدوانهم على الذين يأمرونهم بالقسط من الناس. أى أن لعنهم لم يكن اعتباطًا أو جزافًا، وإنما كان بسبب أقوالهم القبيحة وأفعالهم المنكرة، وسلوكهم السىء. وقوله : ﴿ذلك بما عصوا﴾ جملة من مبتدأ وخبر. وقوله: ﴿وكانوا يعتدون﴾ معطوف على صلة ما وهو ﴿عصوا﴾ فيكون داخلا فى حيز السبب الذى أدى إلى لعنهم والجملة المكونة من اسم الإِشارة ﴿ذلك﴾ وما بعدها مستأنفة واقعة موقع الجواب لسؤال تقديره لماذا لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل؟ وقد أفاد اسم الإِشارة مع باء السببية ومع وقوع الجملة فى جواب سؤال مقدر أفاد مجموع ذلك ما يشبه القصر. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾. أى: لم يكن ذلك اللعن الشنيع إلا لأجل المعصية والاعتداء لا لشىء آخر، (١). وعبر - سبحانه - عن عصيانهم بالماضى فقال ﴿ذلك بما عصوا﴾ للإشارة إلى استقرار العصيان فى طبائعهم، وثباته فى نفوسهم وجوارحهم. وعبر عن عدوانهم بالمضارع، للإِيذان بأنه مستمر قائم، فهم لم يتركوا نبيًّا إلا وآذوه، ولم يتركوا مصلحا إلا واعتدوا عليه فاعتداؤهم على المصلحين مستمر فى كل زمان ومكان. ثم فسر - سبحانه - عصيانهم وعدوانهم بقوله ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون﴾. وقوله ﴿يتناهون﴾ من التناهى. قال الفخر الرازى: وللتناهى ههنا معنيان : أحدهما: وهو الذى عليه الجمهور - أنه تفاعل من النهى. أى: كانوا لا ينهى بعضهم بعضًا. روى ابن مسعود عن النبى ◌َلو أنه قال: ((من رضى عمل قوم فهو منهم. ومن كثر سواد قوم فھو منهم)» . والمعنى الثانى: فى التناهى أنه بمعنى الانتهاء عن الأمر، تناهى عنه إذا كف عنه))(٢). (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٦٧ (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٦٤ . ٢٥٠ المجلد الرابع والمنكر: هو كل ما تنكره الشرائع والعقول من الأقوال والأفعال. أى أن مظاهر عصيان الكافرين من بنى إسرائيل وتعديهم مما أدى إلى لعنهم وطردهم من رحمة الله أنهم كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن اقتراف المنكرات. واجتراح السيئات، بل كانوا يرون المنكرات ترتكب فيسكتون عليها بدون استنكار مع قدرتهم على منعها قبل وقوعها. وهذا شر ما تصاب به الأمم حاضرها ومستقبلها : أن تفشو فيها المنكرات والسيئات والرذائل فلا تجد من يستطيع تغييرها وإزالتها. وقوله : ﴿لبئس ما كانوا يفعلون﴾ ذم لهم على كثرة ولو غهم فى المعاصى والمنكرات وتعجب من سوء فعلهم. واللام فى قوله ﴿لبئس﴾ لام القسم فكأنه - سبحانه - قال: أقسم لبئس ما كانوا يفعلون وهو ارتكاب المعاصى والعدوان وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. قال صاحب الكشاف : قوله : ﴿لبئس ما كانوا يفعلون﴾ للتعجيب من سوء فعلهم مؤكدا لذلك بالقسم. فياحسرة على المسلمين فى إعراضهم عن باب التناهى عن المناكير، وقلة عبئهم به، كأنه ليس من ملة الإِسلام فى شىء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات فى هذا الباب . فإن قلت ما معنى وصف المنكر بفعلوه، ولا يكون النهى بعد الفعل؟ قلت: معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله كماترى أمارات الخوض فى الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فتنكر))(١). هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لأنهما قوام الأمم وسياج الدين ولاصلاح لأمة من الأمم إلا بالقيام بحقهما. وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث فى هذا المعنى. ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَلقوله: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان)). وروى الإمام أحمد فى معنى الآية عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَ له(( لما وقعت بنو إسرائيل فى المعاصى نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم فى مجالسهم أو فى أسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)). (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٦٦٧. ٢٥١ سورة المائدة قال ابن مسعود: وكان رسول الله ول﴿ متكئا فجلس فقال: ((لا والذی نفسى بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا - أى تحملوهم على التزام الحق وتعطفوهم عليه)). وروى الترمذى عن حذيفة بن اليمان: أن النبى وَل ◌َ قال: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده ثم لتدعنه فلا یستجیب لكم)). وروى الإمام أحمد عن عدى بن عميرة - رضى الله عنه - قال: سمعت رسول الله وَ ه يقول: ((إن الله - لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه. فإذا فعلوا ذلك لعن الله العامة والخاصة)). وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال يارسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟ قال : ((إذا ظهر فيكم ماظهر فى الأمم قبلكم قلنا: يارسول الله، وما الذى ظهر فى الأمم قبلنا؟ قال ◌َير: الملك فى صغاركم، والفاحشة فى كباركم، والعلم فى رذالتكم))(١) أى فى فساقكم. هذا جانب من الأحاديث التى وردت فى وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. فعلى الأمة الاسلامية أن تقوم بحقها حتى تكون مستحقة لمدح الله -تعالى- لها بقوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾(٢). ثم حكى - سبحانه - ما كان يقوم به اليهود فى العهد النبوى من تحالف مع المشركين ضد المسلمين فقال: ﴿ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا﴾. أى: ترى - أيها الرسول الكريم - كثيرا من بنى إسرائيل المعاصرين لك يوالون الكافرين ويحالفونهم عليك؛ بسبب حسدهم لك على ما آتاك الله من فضله وبسبب كراهتهم للإِسلام والمسلمين. والذى يقرأ تاريخ الدعوة الاسلامية يرى أن اليهود كانوا دائما يضعون العراقيل فى طريقها، ويناصرون كل محارب لها، ففى غزوة الأحزاب انضم بنو قريظة إلى المشركين ولم يقيموا وزنا للعهود والمواثيق التى كانت بينهم وبين المسلمين(٣). وفى كل زمان ومكان نرى أن اليهود يحاربون الاسلام والمسلمين، ويؤيدون كل من يريد لهما الشرور والأضرار. (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٨٣ (٢) سورة آل عمران الآية ١١٠ (٣) راجع كتابنا بنو إسرائيل فى القرآن والسنة جـ ٤ ص ٣٠٧ مبحث تحالفهم مع المنافقين ضد المسلمين. ٢٥٢ . المجلد الرابع وقوله : ﴿لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون﴾ ذم لهم على موالاتهم للمشركين وبيان لما حاق بهم من سوء المصير بسبب مناصرتهم لأعداء الله، ومحاربتهم لأوليائه. أى: لبئس ما قدمت لهم أنفسهم من أقوال كاذبة وأعمال قبيحة وأفعال منكرة استحقوا بسببها سخط الله عليهم، ولعنه إياهم كما استحقوا أيضًا بسببها الخلود الدائم فى العذاب المهين. قال الجمل : و﴿ما﴾ فى قوله ﴿لبئس ما قدمت لهم أنفسهم﴾ هى الفاعل، وقوله: ﴿وفى العذاب هم خالدون﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها فهى من جملة المخصوص بالذم. فالتقدير: سخط الله عليهم وخلدهم فى العذاب(١). ثم بين - سبحانه - الدوافع التى حملت هؤلاء الفاسقين من أهل الكتاب على ولاية الكافرين ومصادقتهم ومعاونتهم على حرب المسلمين فقال : ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء، ولكن كثيرا منهم فاسقون﴾ . فالضمير فى قوله ﴿كانوا﴾ يعود إلى أولئك الكثيرين من أهل الكتاب الذين حملهم حقدهم وبغضهم للنبى ◌َ﴿ ولأتباعه على موالاة الكافرين. والمراد - هنا - بالنبى : موسى - عليه السلام - وبما أنزل إليه التوراة، لأن الحديث مع الكافرين من بنى إسرائيل الذين يزعمون أنهم من أتباع موسى. وقيل المراد به النبى ◌َّر؛ والمراد بما أنزل إليه: القرآن. أى: ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله إيمانا حقا، ويؤمنون بنبيهم موسى إيمانا صادقا ويؤمنون بالتوراة التى أنزلها الله عليه إيمانا سليما، لو كانوا مؤمنين هذا الإِيمان الصادق، لكفوا عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصفياء، لأن تحريم موالاة المشركين متأكدة فى التوراة وفى كل شريعة أنزلها الله على نبى من أنبيائه. وقوله : ﴿ولكن كثيرا منهم فاسقون﴾ استدراك لبيان حالهم، ولبيان سبب موالاتهم للكافرين وعداوتهم للمسلمين. أى: ولكن كثيرًا من هؤلاء اليهود فاسقون، أى: خارجون عن الدين الحق إلى الأديان الباطلة، فدفعهم هذا الفسق وما صاحبه من حقد وعناد على موالاة الكافرين ومعاداة المؤمنين. وقد كرر سبحانه وصف الكثيرين منهم بالصفات الذميمة، إنصافا للقلة التى آمنت وتمييزا لها عن تلك الكثرة الكافرة الفاسقة .. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٦ ص ٦٥١ ٢٥٣ سورة المائدة وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت ما عليه الكافرون من بنى إسرائيل من صفات ذميمة، أفضت إلى لعنهم وطردهم من رحمة الله، حتى يحذرهم المسلمون ويجتنبوا سلوكهم السىء، وخلقهم القبيح . وبعد هذا الحديث الطويل الذى طوفت فيه سورة المائدة مع أهل الكتاب بصفة عامة ومع اليهود بصفة خاصة، والذى تحدثت خلاله عن علاقة المؤمنين بهم وعن العهود التى أخذها الله عليهم وموقفهم منها، وعن دعاواهم الباطلة وكيف رد القرآن عليها، وعن أخلاقهم السيئة، وعن مسالكهم الخبيثة لكيد الإِسلام والمسلمين، وعن المصير السىء الذى ينتظرهم إذا ما استمروا على كفرهم وضلالهم، وعن المنهاج القويم الذى استعمله القرآن معهم فى دعوتهم إلى الدين الحق، بعد هذا الحديث الطويل معهم فى تلك الموضوعات وفى غيرها نرى السورة الكريمة فى نهاية المطاف تحدثنا عن أشد الناس عداوة للمؤمنين وعن أقربهم مودة لهم فتقول : *الَتَجِدَنَ أَشَدَّالنَّاسِ عَدَوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْوَلَتَجِدَتَّ أَقْرَبَهُمْ قَوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانَا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ٨٢ وَإِذَا سَمِعُواْمَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلَّمْعِ مِمَا عَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَاَءَامَنَّا فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ ﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَاجَآءَ نَامِنَ الْحَقِّ (٨٣) وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْ خِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ﴾ فَأَثَبَهُمُ اَللَّهُ بِمَا قَالُواْجَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَالَّذِينَ كَفَرُ واْوَ كَذَّبُواْ ٨٥ وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ بِثَايَتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ اْجَحِيمِ ٨٦ ٢٥٤ المجلد الرابع أخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشى وفدا إلى رسول # فأسلموا، قال: فأنزل الله فيهم: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود﴾ إلى آخر الآية. قال: فرجعوا إلى النجاشى فأخبروه فأسلم النجاشى فلم يزل مسلما حتى مات، فقال رسول الله الطيار: إن أخاكم النجاشى قد مات فصلوا عليه فصلى عليه رسول الله وَلقر بالمدينة والنجاشى بالحبشه. ثم قال ابن جرير بعد أن ساق روايات أخرى فى سبب نزول هذه الآيات : والصواب فى ذلك من القول عندى، أن الله - تعالى - وصف صفة قوم قالوا: إنا نصارى، وأن نبى الله ولو يجدهم أقرب الناس مودة لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يسم لنا أسماءهم وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشى ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإِسلام فأسلموا، لما سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه))(١). فقوله - تعالى - ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ جملة مستأنفة لتقرير ماقبلها من آيات سجلت على اليهود كثيرًا من الصفات القبيحة والمسالك الخبيثة . وقد أكد - سبحانه - هذه الجملة بلام القسم اعتناء ببيان تحقق مضمونها، والخطاب للنبى - * ويصح أن يكون لكل من يصلح للخطاب للإيذان بأن حالهم لا تخفى على أحد من الناس. والمعنى : أقسم لك يا محمد بأنك عند مخالطتك للناس ودعوتهم إلى الدين الحق، ستجد أشدهم عداوة لك ولأتباعك فريقين منهم : وهما اليهود والذين اشركوا، لأن عداوتهم منشؤها الحقد والحسد والعناد والغرور. وهذه الرذائل متى تمكنت فى النفس حالت بينها وبين الهداية والإِيمان بالحق. وقوله ﴿أشد الناس﴾ مفعول أول لقوله ﴿لتجدن﴾ ومفعوله الثانى ﴿اليهود) وقوله ﴿عداوة﴾ تمييز. قال الألوسى: والظاهر أن المراد من اليهود العموم، أى من كان منهم بحضرة الرسول الله وَلّ من يهود المدينة وغيرهم ويؤيده ما أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله وَلفي ((ماخلا يهودى بمسلم إلا هم بقتله)) وقيل المراد بهم يهود المدينة وفيه بعد، وكما اختلف فى عموم اليهود اختلف فى عموم الذين أشركوا. والمراد من ﴿الناس﴾. كما قال أبو حيان - الكفار : أى لتجدن أشد الكفار عداوة هؤلاء. ووصفهم - سبحانه - بذلك لشدة كفرهم، وانهماكهم فى اتباع الهوى، وقربهم إلى (١) تفسير ابن جرير جـ ٧ ص ٣ ٢٥٥ سورة المائدة التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على الأنبياء، وقد قيل : إن من مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم فى الدين بأى طريق كان وفى تقديم اليهود على المشركين إشعار بتقدمهم عليهم فى العداوة))(١). وقوله : ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ معطوف على ما قبله لزيادة التوضيح والبيان . أى: لتجدن يا محمد أشد الناس عداوة لك ولأتباعك - اليهود - والذين أشركوا. ولتجدن أقربهم مودة ومحبة لك ولأتباعك الذين قالوا إنا نصارى. قال ابن كثير: أى الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله فى الجملة: وما ذاك إلا لما فى قلوبهم - من لين عريكة - إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال - تعالى - ﴿وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية﴾ وفى كتابهم: ((من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر)) وليس القتال (٢) مشروعا فى ملتهم" ٠ وقال الجمل : فإن قلت : كفر النصارى أشد من كفر اليهود لأن النصارى ينازعون فى الألوهية فيدعون أن الله ولدا، واليهود ينازعون فى النبوة فينكرون نبوة بعض الأنبياء فلم ذم اليهود ومدح النصارى؟ قلت: هذا مدح فى مقابلة ذم وليس مدخًا على إطلاقه، وإيضًا الكلام فى عداوة المسلمين وقرب مودتهم لا فى شدة الكفر وضعفه (٣) وقوله : ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ تعليل لقرب مودة النصارى للمؤمنين . والقسيسين : جمع قسيس. وأصله من قس إذا تتبع الشىء فطلبه، وهم علماء النصارى والمرشدون لهم. والرهبان : جمع راهب كركبان جمع راكب وتطلق كلمة رهبان على المفرد كما تطلق على الجمع، والراهب هو الرجل العابد الزاهد المنصرف عن الدنيا، مأخوذ من الرهبة بمعنى الخوف. يقال : رهب فلان ربه يرهبه، أى: خافه. ٠ (١) تفسير الآلوسي جـ ٧ ص ١ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥١٧ (٣) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٥١٧ ٢٥٦ المجلد الرابع والمعنى : ولتجدن يا محمد أقرب الناس مودة لك ولأتباعك الذين قالوا إنا نصارى، وذلك لأن منهم القسيسين الذين يرغبون فى طلب العلم ويرشدون غيرهم إليه، ومنهم الرهبان الذين تفرغوا لعبادة الله وانصرفوا عن ملاذ الدنيا وشهواتهم وأيضًا فلأن هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى من صفاتهم أنهم لا يستكبرون عن اتباع الحق والانقياد له إذا فهموه أو أنهم متواضعون وليسوا مغرورين أو متكبرين. وفى ذلك تعريض باليهود والمشركين لأن غرورهم واستكبارهم جعلهم ينصرفون عن الحق فاليهود يرون أنفسهم شعب الله المختار، وأن النبوة يجب أن تكون فيهم والمشركون يرون أن النبوة يجب أن تكون فى أغنيائهم وزعمائهم. وقد حملهم هذا الغرور على الكفر بالنبى وله لأنهم وجدوا أكثر أتباعه من الفقراء. قال الألوسى: وفى الآية دليل على أن صفات التواضع والإِقبال على العلم والعمل والإِعراض عن الشهوات محمودة أينما كانت. ثم حكى - سبحانه - ما كان منهم عند سماعهم لما أنزل الله - تعالى - على رسوله من هدايات فقال: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ والمراد بالرسول: محمد و ليل وبما أنزل إليه: القرآن الكريم. والجملة الكريمة معطوفة على قوله؛ ﴿وأنهم لا يستكبرون﴾ والضمير فى قوله ﴿سمعوا﴾ يعود على الذين قالوا إنا نصارى بعد أن عرفوا الحق وآمنوا به. . أى، أن من صفات هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى زيادة على ما تقدم، أنهم إذا سمعوا ما أنزل على رسول الله وَلخر من قرآن تأثرت قلوبهم. وخشعت نفوسهم وسالت الدموع من أعينهم بغزارة وكثرة من أجل ما عرفوه من الحق الذى بينه لهم القرآن الكريم بعد أن كانوا غافلین عنه . وفى التعبير عنهم بقوله: ﴿ترى﴾ الدالة على الرؤية البصرية والتى هى أقوى أسباب العلم الحسى، مبالغة فى مدحهم، حيث يراهم الرائى وهم على تلك الصورة من رقة القلب وشدة التأثر عند سماع الحق. فلقد كانوا يحسون أنهم فى ظلام وضلال فلما سمعوا الحق أشرقت له نفوسهم ودخلوا فى نوره وهدايته وأعينهم تتدفق بالدموع من شدة تأثرهم به وحبهم له. وقوله ﴿تفيض﴾ من الفيض وهو انصباب عن امتلاء: يقال فاض الإِناء إذا امتلأحين سال من جوانبه . وقد أجاد صاحب الكشاف فى تصوير هذا المعنى فقال : فإن قلت : ما معنى قوله : ﴿تفيض ٢٥٧ سورة المائدة من الدمع﴾ قلت: معناه تمتلىء من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلىء الإِناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه. فوضع الفيض الذى هو من الامتلاء موضع الامتلاء وهو من إقامة المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة فى وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم کأنها تفيض بأنفسها. أى: تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك: دمعت عينه دمعا .. فإن قلت: أى فرق بين من ومن فى قوله: ﴿مما عرفوا من الحق﴾؟ قلت: الأولى لابتداء الغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق وكان من أجله وبسببه، والثانية لتبيين الموصول الذى هو ما عرفوا وتحتمل معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق، فأبكاهم وبلغ منهم فكيف إذا عرفوه كله وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنة؟(١). ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بعد سماعهم للحق فقال: ﴿يقولون ربنا آمنا فاكتينا مع الشاهدين﴾ . أى: يقولون بعد أن سمعوا الحق : ياربنا إننا آمنا بما سمعنا إيمانا صادقا فاكتبنا مع أمة محمد * التى آمنت به وشهدت بصدق رسولك محمد زهير وبصدق كل رسول أرسلته إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك عنهم ما علمه منهم من إصرارهم على الدخول فی الدین الحق، فقال. ﴿ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين﴾ . فالآية الكريمة من تتمة قولهم. والاستفهام هنا لإِنكار انتفاء الإِيمان منهم مع قيام موجباته، وظهور أماراته ووضوح أدلته وشواهده. والمعنى : وأى مانع يمنعنا من الإِيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، وبما جاءنا على لسان رسوله محمد وَّه من قرآن يهدى إلى الرشد ومن توجيهات توصل إلى السعادة ونحن نطمع أن يدخلنا ربنا - بسبب إيماننا - مع القوم الذين صلحت أنفسهم بالعقيدة السليمة، وبالعبادات الصحيحة وبالأخلاق الفاضلة وهم أتباع هذا النبى الأمى محمد والتر فأنت تراهم بعد أن استمعوا إلى القرآن تأثرت نفوسهم به تأثرًا شديداً فاضت معه أعينهم بالدمع. ثم بعد ذلك التمسوا من الله - تعالى - أن يكتبهم مع الأمة الإسلامية التى تشهد على غيرها يوم القيامة. ثم بعد ذلك استنكروا واستبعدوا أن يعوقهم معوق عن الإيمان الصحيح مع قيام موجباته. وهذا (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٧٠ ٢٥٨ المجلد الرابع كله يدل على صفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم ومسارعتهم إلى قبول الحق عند ظهوره بدون تردد أو تقاعس : وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - ﴿ونطمع أن يدخلنا﴾ يدل على قوة إيمانهم، وصدق يقينهم، لأنهم مع هذا الإِقبال الشديد على الدين الحق والمسارعة إلى العمل الصالح، لم يجزموا بحسن عاقبتهم، بل التمسوا من الله - تعالى - الطمع فى مغفرته، وفى أن يجعلهم مع القوم الصالحين من أمة محمد دولار . وهكذا المؤمن الصادق يستصغر عمله بجانب فضل الله ونعمه، ويقف من جزائه وثوابه - سبحانه - موقف الخوف والرجاء. ولقد كان ما أعده الله - تعالى - لهؤلاء الأصفياء من ثواب شيئًا عظيما، عبر عنه - سبحانه - بقوله : ﴿فأثابهم الله بما قالوا جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها؛ وذلك جزاء المحسنين﴾ . أى: فكافأهم الله - تعالى - بسبب أقوالهم الطيبة الدالة على إيمانهم وإخلاصهم، جنات تجرى من تحت بساتينها وأشجارها الأنهار ﴿خالدين فيها﴾ أى: باقين فى تلك الجنات بقاء لا موت معه، ﴿وذلك﴾ العطاء الجزيل الذى منحه الله لهم ﴿جزاء المحسنين) أى: المؤمنين المخلصين فى أقوالهم وأعمالهم. والمراد بقوله ﴿بما قالوا﴾: ما سبق أن حكاه عنهم -سبحانه- من قولهم: ﴿ربنا آمنا فاکتبنا مع الشاهدين﴾ ورتب الثواب المذكور على القول: لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم، وعلى صدق يقينهم، والقول إذا اقترن بذلك فهو الإِيمان. قال الألوسى: قوله. ﴿فأثابهم الله بما قالوا﴾ أى بسبب قولهم أو بالذى قالوه عن اعتقاد، فإن القول إذا لم يقيد بالخلو عن الاعتقاد يكون المراد به المقارن له، كما إذا قيل : هذا قول فلان، لأن القول إنما يصدر عن صاحبه الإفادة الاعتقاد. وقيل : إن القول هنا مجاز عن الرأى والاعتقاد والمذهب كما يقال : هذا قول الامام الأعظم أى: هذا مذهبه واعتقاده. وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بهذا القول قولهم : ﴿ربنا آمنا﴾. وقولهم ﴿ومالنا لا نؤمن﴾(١) وقد بينت هذه الآية الكريمة أنه - سبحانه - قد أجابهم إلى ما طلبوا، بل أكبر مما طلبوا، فقد كانوا يطمعون فى أن يكونوا مع القوم الصالحين، وأن يكتبهم مع الشاهدين. فأعطاهم - (١) تفسير الآلوسي جـ ٧ ص ٦ ٢٥٩ سورة المائدة سبحانه - جنات تجرى من تحتها الأنهار. وسماهم محسنين. والإِحسان أعلى درجات الإِيمان، وأكرم أوصاف المتقين . هذا جزاء الذين سمعوا ما أنزل إلى الرسول وَ ﴿ فآمنوا به، وقالوا ما قالوا مما يشهد بصفاء. نفوسهم. أما الذين سمعوا فأعرضوا وجحدوا فقد بين - سبحانه - مصيرهم السيىء بقوله : ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾. أى: والذين كفروا وجحدوا الحق الذى جاءهم، وكذبوا بآياتنا الدالة على وحدانیتنا وصدق رسلنا فأولئك أصحاب الجحيم، أى: النار الشديدة الاتقاد. يقال: جحم فلان النار إذا شدد إيقادها. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت أولئك الذين قالوا إنا نصارى، لأنهم تأثروا بالقرآن . عند سماعه فدخلوا فى الدين الحق بسرعة ورغبة، فأكرمهم الله غاية الإِكرام، وهذا ينطبق على كل نصرانى ينهج نهجهم، ويسلك مسلكهم، فيدخل فى الدين الحق كما دخل هؤلاء المحسنون . أما الذين كفروا وكذبوا بآيات الله وحججه فأولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير. ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم عن تحريم الطيبات التى أحلها الله لهم، وأمرهم أن يتمتعوا بما رزقهم من رزق طيب حلال فقال - تعالى : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيَِّتِ مَا أَحَلَّ الَهُ لَكُمْ وَلَا تَعْنَّدُ وَأَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ، وَكُواْ مِمَارَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَلًا طَيِّبًاً ٨٨ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ قال صاحب المنار بدأ الله - هذه السورة بآيات من أحكام الحلال والحرام والنسك. ثم جاء بهذا السياق الطويل فى بيان أحوال أهل الكتاب ومحاجتهم، فكان أوفى وأتم ماورد فى القرآن من ذلك، ولم يتخلله إلا قليل من الأحكام. وهاتان الآيتان وما بعدهما عود إلى أحكام الحلال والحرام والنسك التى بدئت بها السورة. وإنما لم تجعل آيات الأحكام كلها فى أول السورة وتجعل الآيات فى أهل الكتاب مفصلا . ٢٦٠ المجلد الرابع بعضها ببعض فى باقيها. لما بيناه غير مرة من حكمة مزج المسائل والموضوعات فى القرآن من حيث هو مثانى تتلى دائما للاهتداء بها، لاكتابا فنيًّا ولا قانونا يتخذ لأجل مراجعة كل مسألة من كل طائفة من المعانى فى باب معين . على أن نظمه وترتيب آياته يدهش أصحاب الأفهام الدقيقة بحسنه وتنسيقه كما ترى فى مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما مباشرة. ذلك أنه - تعالى - ذكر أن النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا وذكر من سبب ذلك أن منهم قسيسين ورهبانا فكان من مقتضى هذا أن يرغب المؤمنون فى الرهبانية ويظن الميالون للتقشف والزهد أنها مرتبة كمال تقربهم إلى الله - تعالى - وهى إنما تتحقق بتحريم التمتع بالطيبات. وقد أزال الله - تعالى - هذا الظن وقطع طريق تلك الرغبة بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾(١). هذا، وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات متعدة منها ما أخرجه الترمذى وابن جرير عن ابن عباس: أن رجلا أتى النبى ◌َله فقال: إنى إذا أكلت انتشرت للنساء، وأخذتنى شهوتى فحرمت على اللحم. فأنزل الله - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا لاتحرموا﴾. الآية(٢) . وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال، كان: أناس من أصحاب النبى وَ لغير هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية ﴿يأيها الذين آمنوا لاتحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ وعن أبى قلابة قال: أراد أناس من أصحاب النبى ◌َلتر أن يرفضوا الدنيا، ويتركوا النساء ويترهبوا فقام رسول الله وَير فغلظ فيهم المقالة. ثم قال: ((إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم فى الديار والصوامع، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وحجوا واعتمروا واستقيموا)). قال: ونزلت فيهم: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تحرموا﴾ الآية وعن أبي طلحة عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية فى رهط من أصحاب النبى وَلتر قالوا : نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح فى الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبى ﴿ فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك فقالوا: نعم. فقال النبى ◌َّ: ((لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتى فهو منى، ومن لم يأخذ بسنتى فليس منى)). وقد وجه سبحانه النداء للمؤمنين بوصف الإِيمان؛ لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم حتى يمتثلوا أوامر الله ونواهيه. (١) تفسير المنار جـ٧ ص١٨ بتصرف وبتلخيص : (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٨٧