Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة المائدة
﴿ورسوله﴾ الذى أخرجكم - بإذنه تعالى - من ظلمات الكفر إلى نور التوحيد. ﴿والذين
آمنوا﴾ الذين هم منكم وأنتم منهم والذين ﴿يقيمون الصلاة) فى مواقيتها بخشوع وإخلاص
﴿ويؤتون الزكاة﴾ لمستحقيها بسماحة وطيب نفس ﴿وهم راكعون﴾ أى: خاشعون متواضعون
لله، وليسوا مرائين أو منانين.
وقوله : ﴿إنما وليكم الله﴾ جملة من مبتدأ وخبر. وقوله: ﴿ورسوله والذين آمنوا﴾ معطوف
على الخبر.
قال صاحب الكشاف: ومعنى ﴿إنما﴾ وجوب اختصاصهم بالموالاة. فإن قلت قد ذكرت -
الآية - جماعة فهلا قيل إنما أولياؤكم؟ قلت : أصل الكلام إنما وليكم الله، فجعلت الولاية الله
على طريق الأصالة، ثم نظم فى سلك إثباتها له، إثباتها لرسوله وللمؤمنين على سبيل التبع. ولو
قيل: إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا، لم يكن فى الكلام أصل وتبع(١).
والمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وليس فردا معينا منهم.
قال - تعالى -: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز
حکیم﴾(٢).
وما ورد من آثار تفيد أن المراد بالذين آمنوا شخصا معينا وهو على بن أبى طالب - رضى الله
عنه - لا يعتمد عليها، لأنها كما يقول ابن كثير - ((لم يصح شىء منها بالكلية لضعف أسانيدها
وجهالة رجالها)).
وقد توسع الإِمام الرازى فى الرد على الشيعة الذين وضعوا هذه الآثار فارجع إليه إن
شئت(٣).
وقوله: ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة﴾ بدل من الذين آمنوا.
وهما وصفان لهم ساقهما - سبحانه - على سبيل الثناء عليهم والمدح لهم.
وقوله: ﴿وهم راكعون﴾ حال من فاعل الفعلين - يقيمون ويؤتون -
أى: يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون خاضعون الله -تعالى- إذ
الركوع قد يطلق بمعنى الخضوع لله - تعالى - :
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٤٨.
(٢) سورة التوبة الآية ٧١.
(٣) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص٢٦ وما بعدها.
أ

٢٠٢
المجلد الرابع
قال الراغب : الركوع : الانحناء وتارة يستعمل فى الهيئة المخصوصة فى الصلاة، وتارة
يستعمل فى التذلل والتواضع إما فى العبادة وإما فى غيرها))(١).
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الذين يوالون الله ورسوله والمؤمنين فقال: ﴿ومن يتول الله
ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾. والحزب معناه الجمع من الناس يجتمعون
. على رأى واحد من أجل أمر حَزَبهم أى أهمهم وشغلهم.
والمعنى : ﴿ومن يتول الله﴾ - تعالى - بأن يطيعه ويتوكل عليه، ويتول ﴿رسوله﴾ بأن يتبعه
ويتأسى به، ويتول ﴿الذين آمنوا﴾ بأن يناصرهم ويشد أزرهم ويتعاون معهم على البر
والتقوى، من يفعل ذلك لا شك فى حسن عاقبته وظفره بالفلاح والنصر ((فإن حزب الله هم
الغالبون)) لغيرهم من الأحزاب الأخرى التى استحوذ عليها الشيطان.
و﴿من﴾ فى قوله ﴿ومن يتول الله﴾ شرطية، وقوله: ﴿فإن حزب الله هم الغالبون ﴾دليل
على جواب الشرط.
أى: ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا يكن من حزب الله المنتصر القوى، فإن حزب الله
هم الغالبون.
وقال - سبحانه - فإن حزب الله، ولم يقل حزب الله ورسوله، للإشارة إلى أن الرسول ودليل
لا يعمل إلا بأمر من الله - تعالى - وأنه وَ له لا يستمد العون والنصرة إلا منه - سبحانه -.
قال بعض العلماء: وقوله - تعالى - ﴿فإن حزب الله هم الغالبون﴾ معناه: فإنهم
الغالبون .
فوضع الظاهر موضع الضمير العائد إلى ﴿من﴾ دلالة على علة الغلبة.
وهو أنهم حزب الله. فكأنه قيل: ومن يتول هؤلاء فهو حزب الله،
وحزب الله هم الغالبون. تنويها بذكرهم، وتعظيما لشأنهم، وتشريفا لهم بهذا الاسم،
وتعريضا لمن يوالى غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان))(٢).
وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين نهيا شديدا عن موالاة أعداء الله، لأن
موالاتهم قد تجر إلى الارتداد عن الدين الحق، ومن يرتد عن الدين الحق فلن يضر الله شيئا،
لأنه سبحانه - قادر على أن يأتى بقوم آخرين صادقين فى إيمانهم بدل أولئك الذين ارتدوا على
(١) المفردات فى غريب القرآن ص٢٢ .
(٢) تفسير القاسمى جـ ٦ ص ٢٠٤٥.

٢٠٣
سورة المائدة
أعقابهم. كما نراها قد أرشدت المؤمنين إلى من تجب موالاتهم، وبشرتهم بالفلاح والنصر متى
جعلوا ولايتهم لله ولرسوله ولإخوانهم فى العقيدة والدين.
ثم كرر - سبحانه - نهى المؤمنين عن موالاة أعدائه وأعدائهم الذين استخفوا بتعاليم
الإِسلام، وشعائر دينه فقال - تعالى - :
يَمُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُ واْدِيَنَّكُمْ هُوًا وَلَعِبَا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءُ وَّقُواْاللَّهَ إِنَ كُمُؤْمِنِينَ
٥٧
وَإِذَانَا دَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ أَتَّخَذُوهَا هُوَا وَلَعِبَّا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ
٥٨
لَا يَعْقِلُونَ
قال الآلوسي : أخرج ابن إسحاق وجماعة عن ابن عباس قال : كان رفاعة بن زيد بن
التابوت، وسويد بن الحارث قد أظهرا الإِسلام ونافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما.
فأنزل الله - تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا﴾ ... الآية (١).
والدين : هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة. فهو عنوان عقل المتدين،
ورائد آماله، وباعث أعماله. والذى يتخذ دين امرىء هزوا ولعبا، فقد اتخذ ذلك المتدين بهذا
الدين هزوا ولعبا.
وقوله: ﴿هزوا﴾ أى سخرية يقال: فلان هزىء من فلان إذا سخر منه، واستخف به.
وأصله هزءًا، فأبدلت الهمزة واوا لضم ما قبلها.
وقوله: ﴿لعبا﴾ أى ملهاة وعبثا. وأصله من لعاب الطفل. يقال عن الطفل لعب - بفتح
العين - إذا سال لعابه .
والمعنى: يأيها الذين اتصفوا بالإِيمان ﴿لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم) الذى هو سر
سعادتكم وعزتكم ﴿هزوا ولعبا﴾ أى: اتخذوه مادة لسخريتهم وتهكمهم، وموضعا لعبثهم
وهوهم.
(١) تفسير الآلوسى جـ ٦ ص ١٧١ .
".

٢٠٤
المجلد الرابع
و﴿من﴾ فى قوله: ﴿من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء﴾ بيانية.
أى: مبينة لأولئك الذين يستهزئون بدين الله ويجعلونه موضع عبثهم.
والمراد بالذين أوتوا الكتاب : اليهود والنصارى.
وسموا بذلك؛ لأن أصل شرعهم ينتمى إلى كتاب منزل هو التوراة والإنجيل.
وفى وصفهم بذلك هنا، توبيخ لهم، حيث إنهم استهزؤوا بالدين الحق، مع أن كتابهم
ینهاهم عن ذلك.
والمراد بالكفار هنا المشركون الذين لا كتاب لهم.
وقرأ الجمهور ﴿الكفار﴾ بالنصب عطفا على ﴿الذين اتخذوا دينكم﴾ المبين بقوله: ﴿من
الذين أوتوا الكتاب﴾.
وقرأ أبو عمرو والكسائى ﴿الكفار﴾ بالجر عطفا على ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾.
وقوله: ﴿أولياء﴾ أى: نصراء وأصفاء. وهو المفعول الثانى لقوله ﴿لا تتخذوا﴾ والآية
الكريمة تنهى المؤمنين عن ولاية كل عدو الله - تعالى - ولهم سواء أكان هذا العدو من أهل
الكتاب أم من المشركين؛ لأن الجميع يشتركون فى الاستهزاء بتعاليم الإسلام، وفى العبث
بشعائره .
وقوله: ﴿واتقوا الله إن كنتم مؤمنين) تذييل قصد به استنهاض همتهم لامتثال أمر الله
-تعالى- وإلهاب نفوسهم حتى يتركوا موالاة أعدائهم بسرعة ونشاط.
أى : واتقوا الله فى سائر ما أمركم به وما نهاكم عنه، فلا تضعوا موالاتكم فى غير موضعها،
ولا تخالفوا لله أمرًا. إن كنتم مؤمنين حقا، ممثلين صدقا، فإن وصفكم بالإِيمان يحتم عليكم
الطاعة التامة لله رب العالمين.
ثم ذكر - سبحانه - بعض مظاهر استهزاء أولئك الضالين بالدين وشعائره، فقال -
تعالى -: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا﴾.
والمراد بالنداء للصلاة : الإِعلام بها عن طريق الأذان.
قال القرطبى : كان إذا أذن المؤذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود : قاموا لا قاموا،
وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا. وقالوا فى حق الأذان: لقد ابتدعت شيئا لم
نسمع به فيما مضى من الأمم. فمن أين لك صياح مثل صياح العير؟ فما أقبحه من صوت،
وما أسمجه من أمر(١).
(١) تفسير القرطبى جـ٦ ص ٢٢٤.

٢٠٥
سورة المائدة
وروى ابن جرير وابن أبى حاتم عن السدى فى قوله : ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها
هزوا ولعبا﴾ قال: كان رجل من النصارى بالمدينة، إذا سمع المنادى ينادى: أشهد أن محمدا
رسول الله. قال: حرق الكاذب. فدخل خادمه ليلا من الليالى بنار، وهو نائم وأهله نیام،
فسقطت شرارة فأحرقت البيت. فاحترق هو وأهله))(١).
وقيل : كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس منها.
أى: وإذا ناديتم - أيها المؤمنون - بعضكم بعضا إلى الصلاة عن طريق الأذان، اتخذ هؤلاء
الضالون الصلاة والمناداة بها موضعا لسخريتهم وعبثهم وتهكمهم.
واسم الإِشارة فى قوله : ﴿ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ يعود إلى ما كان منهم من استهزاء
وسخرية .
أی : ذلك الذی صدر عنهم من استهزاء وعبث سببه أنهم قوم سفهاء جهلاء، لا يدركون
الأمور على وجهها الصحيح، ولا يستجيبون للحق الذى ظهر لهم بسبب عنادهم وأحقادهم.
قال ابن كثير: هذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام من الكتابيين والمشركين الذين يتخذون
أفضل ما يعمله العاملون وهى شرائع الإسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوى
وأخروى، يتخذونها هزوا يستهزئون بها، ولعبا يعتقدون أنها نوع من اللعب فى نظرهم
الفاسد، وفكرهم البارد، كما قال القائل.
وآفته من الفهم السقيم(٢)
وکم من عائب قولا صحيحا
وبعد أن حذر - سبحانه - المؤمنين تحذيرا شديدا من موالاة أعدائه. عقب ذلك بتوبيخ
أهل الكتاب على عنادهم وحسدهم، ووصفهم بجملة من الصفات القبيحة التى ينأى عنها
العقلاء وأصحاب المروءة فقال - تعالى - :
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنِقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْءَامَنَّا
بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَّكُمْ فَسِفُونَ (٥)قُلْ
هَلْ أَنَّبِّئُكُمْ بِشَرِّن ذَلِكَ مَتُوبَةٌ عِندَ اللّهِ مَنْ لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ
عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيَرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْ لَئِكَ شَرٌ
(١) تفسير ابن كثير جـ٦ ص٢٩١.
(٢) تفسير ابن کثیر جـ ٣ ص٧٢.

٢٠٦
المجلد الرابع
وَإِذَاجَآءُ وَكُمْ قَالُوَاْءَامَنَّا
٦٠
مَكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ!
وَقَدَدَّ خَلُواْ بِالْكُفْرِوَهُمْ قَدْ خَرَ جُواْبِهٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوْيَكْتُمُونَ
﴿ وَرَىَ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِ آلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ
السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦) لَوْلَا يَنْهَهُمُ الرََِّّيُونَ
وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ
يَصْنَعُونَ
(٦٣
قال القرطبى : قال ابن عباس: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله چچور فسألوه عمن يؤمن به
من الرسل - عليهم السلام - فقال: نؤمن بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم
وإسماعيل إلى قوله: ونحن له مسلمون)). فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم
أهل دين أقل حظا فى الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرًّا من دينكم. فنزلت هذه الآية
وما بعدها.
وتنقمون معناه : تسخطون. وقيل تكرهون. وقيل تنكرون. والمعنى متقارب يقال : نقم من
كذا ينقم ونقم ينقم والأول أكثر .. وفى التنزيل وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز
الحميد)). وانتقم منه أى: عاقبه: والأسم النقمة والجمع نقم(١)
والاستفهام، للانكار والتعجب من حالهم حيث يعيبون على المؤمنين ما هو المدح والثناء
والتكريم .
والمعنى : قل يا محمد على سبيل التوبيخ لأهل الكتاب، والتعجيب من أحوالهم قل لهم :
﴿يا أهل الكتاب﴾. يا من كتابكم عرفكم مواطن الذم ﴿هل تنقمون منا﴾ أى: ما تعيبون
وتنكرون وتكرهون منا ﴿إلا أن آمنا بالله﴾ الذى يجب الإِيمان به، والخضوع له، لأنه الخالق
لكل شىء، وآمنا بما أنزل إلينا من القرآن الكريم وآمنا بما أنزل من قبل من كتب سماوية
كالتوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب التى أنزلها الله على أنبيائه قبل إنزال القرآن
الكريم .
(١) تفسير القرطبى جـ٦ ص ٢٣٣.

٢٠٧
سورة المائدة
ولا شك أن إيماننا بذلك لا يعاب ولا ينكر، بل يمدح ويشكر، ولكن لأن ﴿أكثركم
فاسقون﴾ - أى: خارجون عن دائرة هذا الايمان الحق - كرهتم منا ذلك، وأنكرتموه علینا،
وحسدتمونا على توفيق الله إيانا لما يحبه ويرضاه.
وقال الجمل ما ملخصه : وقوله : ﴿إلا أن آمنا﴾ مفعول لقوله ﴿تنقمون﴾ بمعنى تكرهون.
وهو استثناء مفرغ. وقوله : ﴿منا﴾ متعلق به. أى ما تكرهون من جهتنا إلا الإِيمان بالله وبما
! أنزل إلينا وأصل نقم أن يتعدى بعلى. تقول: نقمت عليه بكذا. وإنما عدى هنا بمن؛ لتضمنه
معنی تکرهون وتنکرون.
وقوله : ﴿وأن أكثركم فاسقون﴾ يحتمل أن يكون فى محل رفع أو نصب أو جر فالرفع على أن
يكون مبتدأ والخبر محذوف أى: وفسقكم ثابت عندكم، لأنكم علمتم أنا على الحق وأنكم على
الباطل إلا أن حب الرياسة وجمع الأموال حملكم على العناد.
والنصب على أن يكون معطوفا على قوله ﴿أن آمنا﴾ ولكن الكلام فيه مضاف محذوف لفهم
المعنى. والتقدير: واعتقاد أن أكثركم فاسقون وهو معنى واضح فإن الكفار ينقمون اعتقاد
المؤمنين أنهم - أى الكفار - فاسقون - أى: ما تعيبون منا إلا إيماننا بالله وما أنزل إلينا.
واعتقادنا أن أكثركم فاسقون ..
وأما الجر فعلى أن يكون معطوفًا على علة محذوفة والتقدير: ما تنقمون منا إلا الايمان بالله وبما
أنزل. لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم شهواتكم))(١).
هذا ومن بلاغة القرآن الكريم، وإنصافه فى الأحكام، واحتراسه فى التعبير أنه لم يعمم
الحكم بالفسق على جميعهم. بل جعل الحكم بالفسق منصبًا على الأكثرين منهم، حتى يخرج
عن هذا الحكم القلة المؤمنة من أهل الكتاب.
وشبيه بهذا قوله فى آية أخرى: ﴿منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون﴾.
قال بعض العلماء : فى الآية تسجيل على أهل الكتاب بكمال المكابرة والتعكيس، حيث
جعلوا الإِيمان بما ذكر، موجبا للنقمة، مع كونه فى نفسه موجبا للقبول والرضا. وهذا مما تقصد
العرب فى مثله تأكيد النفى والمبالغة فيه بإثبات شىء وذلك الشىء لا يقتضى إثباته فهو منتف
أبدًا. ويسمى مثل ذلك عند علماء البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس. فمن الأول قول
القائل :
بهن فلول من قراع الكتائب
ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ١ ص ٥٠٥.

٢٠٨
المجلد الرابع
وقول الآخر :
جواد ، فما يبقى من المال باقيًا
فتى كملت أخلاقه غير أنه
ومن الثانى هذه الآية وما يشبهها. أى: ما ينبغى لهم أن ينقموا شيئًا إلا هذا، وهذا
لا يوجب لهم أن ينقموا شيئًا إذًا فليس هناك شىء ينقمونه، وما دام الأمر كذلك، فينبغى لهم
أن يؤمنوا ولا يكفروا. وفيه أيضًا تقريع لهم حيث قابلوا الإِحسان بسوء الصنيع))(١).
ثم تابع - سبحانه - التهكم بهم، وتعجب الناس من أفن رأيهم، مع تذكيرهم بسوء
مصيرهم فقال : - ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله﴾؟
والمشار إليه بقوله: ﴿ذلك﴾ يعود إلى ما نقمه اليهود على المؤمنين من إيمانهم بالله وبالكتب
السماوية وقيل يعود إلى الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب المعبر عنها بقوله : ﴿وأن أكثركم
فاسقون﴾. وتوحيد اسم الإشارة لكونه يشار به إلى الواحد وغيره. أو لتأويله بالمذكور ونحوه.
والخطاب لأهل الكتاب المتقدم ذكرهم وقيل للكفار مطلقا، وقيل للمؤمنين.
والمثوبة: مصدر ميمى بمعنى الثواب الثابت على العمل، وأكثر استعمالها فى الخير.
وقد استعملت هنا بمعنى العقوبة على طريقة التهكم بهم كما فى قوله - تعالى: ﴿فبشرهم
بعذاب أليم) وهى منصوبة على أنها تمييز لقوله ﴿بشر﴾.
وقوله : ﴿من لعنه الله﴾ خبر لمبتدأ محذوف أى: هو من لعنه الله: والمراد اليهود لأن
الصفات التى ذكرت فى الآية لاتنطبق إلا عليهم.
والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين عابوا على المؤمنين إيمانهم بالله وبما أنزله من كتب
سماوية والذين قالوا لكم : ما نعلم أهل دين أقل حظا فى الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا
من دينكم قل لهم على سبيل التبكيت والتنبيه على ضلالهم : هل أخبركم بشر من أهل ذلك
الدين عقوبة عند الله يوم القيامة؟ هو من ﴿لعنه الله﴾ أى أبعده من رحمته ﴿وغضب عليه﴾
بأن منع عنه رضاه ﴿وجعل منهم القردة والخنازير﴾ بأن مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير
وجعل منهم من عبد الطاغوت)) أى: من عبد كل معبود باطل من دون الله كالأصنام والأوثان
وغير ذلك من المعبودات الباطلة التى اتبعوها بسبب طغيانهم وفساد نفوسهم.
فإن قيل: إن قوله -﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة﴾ يفيد أن ماعابه اليهود على
المؤمنين من إيمانهم بالله فيه شر. إلا أن ما عليه اليهود أشد شرا، مع أن إيمان المؤمنين لا شر فيه
ألبتة بل هو عين الخير فكيف ذلك؟.
(١) تفسير القاسمى جـ٦ ص٢٥١ وما بعدها بتصرف يسير.

٢٠٩
سورة المائدة
فالجواب، أن الكلام مسوق على سبيل المشاكلة، والمجاراة لتفكير اليهود الفاسد، وزعمهم
الباطل، فكأنه - سبحانه - يقول لنبيه # إن هؤلاء اليهود - يا محمد - ينكرون عليكم
إيمانكم بالله وبالكتب السماوية ويعتبرون ذلك شرًا - مع أنه عين الخير - قل لهم على سبيل
التبكيت وإلزامهم الحجة :
لئن كنتم تعييون علينا إيماننا وتعتبرونه شرا لا خير فيه - فى زعمكم فشر منه عاقبة ومآلا
ما أنتم عليه من لعن وطرد من رحمة الله، وما أصاب أسلافكم من مسخ بعضهم قردة،
وبعضهم خنازير، وما عرف عنكم من عبادة لغير الله ... وشبيه بهذه الآية فى مجاراة الخصم فى
زعمه قوله - تعالى - ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين﴾(١).
وقوله: ﴿أولئك شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل﴾ بيان لسوء عاقبتهم وقبح مكانتهم ..
أى: أولئك المتصفون بما ذكر من الفسوق واللعن والطرد من رحمة الله أولئك المتصفون
بذلك ﴿شر مكانا﴾ من غيرهم وأكثر ضلالا عن طريق الحق المستقيم من سواهم، فهم فى
الدنيا يشركون بالله، وينتهكون محارمه وفى الآخرة مأواهم النار وبئس القرار.
وقوله ﴿أولئك﴾ مبتدأ وقوله ﴿شر﴾ خبره، وقوله ﴿مكانا﴾ تمييز محول عن الفاعل.
وأثبت - سبحانه - الشرية لمكانهم ليكون أبلغ فى الدلالة على كثرة شرورهم، إذ أن إثبات
الشرية لمكان الشىء كناية عن إثباتها للشىء نفسه. فكأن شرهم قد أثر فى مكانهم، أو عظم
وضخم حتى صار متجسما.
وقوله : ﴿وأضل﴾ معطوف على ﴿شر﴾ مقرر له. والمقصود من صيغتى التفضيل فى قوله :
﴿أولئك شر مكانا وأضل﴾ الزيادة مطلقا من غير نظر إلى مشاركة غيرهم فى ذلك. أو بالنسبة
إلى غيرهم من الكفار الذين لم يفجروا فجورهم، ولم يحقدوا على المؤمنين حقدهم.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر نفاقهم وخداعهم فقال: ﴿وإذا جاءوكم
قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به﴾.
قال الآلوسی : نزلت كما قال قتادة والسدی - فى ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول
الله وَ ل﴿ فيظهرون له الإِيمان والرضا بما جاء به نفاقا.
والخطاب للنبى وَله وأصحابه. والضمير فى ﴿جاءوكم﴾ يعود على اليهود المعاصرين للنبى
(١) سورة سبأ الآية ٢٤.

٢١٠
المجلد الرابع
أى: وإذا جاء إليكم - أيها المؤمنون - أولئك اليهود أظهروا أمامكم الإِسلام، وقالوا لكم
آمنا بأنكم على حق، وحالهم وحقيقتهم أنهم قد دخلوا إليكم وهم متلبسون بالكفر، وخرجوا
من عندكم وهم متلبسون به - أيضا - فهم يدخلون عليكم ويخرجون من عندكم وقلوبهم كما
هى لا تتأثر بالمواعظ التى يلقيها الرسول ويلر لأنهم قد قست قلوبهم، وفسدت نفوسهم.
وقوله : ﴿وقد دخلوا بالكفر، وهم قد خرجوا به﴾ جملتان فى موضع الحال من ضمير الجمع
فى﴿ قالوا﴾ .
والباء فى قوله: ﴿بالكفر) وقوله: ﴿به﴾ للملابسة. أى: دخلوا وخرجوا وهم متلبسون
بالكفر من غير نقصان منه ولا تغيير فيه ألبتة.
قال الفخر الرازى: وذكر عند الدخول كلمة ﴿قد﴾ وذكر عند الخروج كلمة (هم) لأن ..
الفائدة من ذكر كلمة ﴿قد﴾ تقريب الماضى من الحال. والفائدة من ذكر كلمة (هم) التأكيد
فى إضافة الكفر إليهم، ونفى أن يكون للنبى ◌ّله فى ذلك فعل، أى: لم يسمعوا منك يا محمد
عند جلوسهم معك ما يوجب كفرا، فتكون أنت الذى ألقيتهم فى الكفر، بل هم الذين خرجوا
بالكفر باختيار أنفسهم»(١).
ويبدو لنا أنه عبر عن دخولهم بقوله ﴿وقد دخلوا بالكفر﴾ وعبر عن خروجهم بقوله: ﴿وهم
قد خرجوا به﴾ بإضافة ضمیرهم مع قد، للإشارة إلى أنهم عند خروجهم كانوا أشد کفرًا،
وأقسى قلوبا منهم عند دخولهم.
وهذا شأن الجاحدين المنافقين، لا تؤثر فيهم العظات مهما كانت بليغة، ولا النذر مهما كانت
قوية، بخلاف قلوب المؤمنين فإن المواعظ تزيدها يقينا على يقينها، وإيمانا على إيمانها. ألا ترى
إلى قوله - تعالى - :
﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا
وهم يستبشرون. وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم
كافرون﴾(٢).
وقوله - تعالى - ﴿والله أعلم بما كانوا يكتمون﴾ وعيد شديد لهم على كفرهم ونفاقهم.
أى: والله - تعالى - أعلم بما كانوا يخفونه من نفاق وخداع عند دخولهم وعند خروجهم،
لأنه - سبحانه - لا تخفى عليه خافية من أحوالهم.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ١٢ ص ٢٨.
(٢) سورة التوبة. الآيتان ١٢٤ و١٢٥.

٢١١
سورة المائدة
ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من رذائلهم فقال: ﴿وترى كثيرا منهم يسارعون فى الإِثم
والعدوان وأكلهم السحت﴾.
والرؤية فى قوله: ﴿وترى﴾ بصرية.
والإِثم : هو كل قول أو عمل لا يرضاه الله - تعالى -.
والعدوان : مجاوزة الحد فى الظلم والتعدى. والسحت: هو المال الحرام كالرشوة وغيرها.
أى: وترى - أيها الرسول الكريم أو أيها السامع - كثيرا من هؤلاء اليهود، يسارعون فى
ارتكاب الآثام وفى التعدى والظلم وأكل المال الحرام بدون تردد أو تريث. والتعبير بقوله :
﴿وترى﴾ يفيد أن ارتكابهم لهذه المنكرات لم يكن خافيا أو مستورًا، وإنما هم يرتكبونها مجاهرة
وعلانية، لأن فضيلة الحياء قد نضبت من وجوههم.
والمسارعة فى الشىء: المبادرة إليه بسرعة وخفة ونشاط، وأكثر استعمالها فى الخير كما قال -
تعالى - ﴿أولئك يسارعون في الخيرات﴾(١) ﴿نسارع لهم فى الخيرات﴾(٢) وقد استعملت هنا فى
مسارعتهم فى الإثم والعدوان وأكلهم السحت، للإشارة إلى أنهم كانوا يقدمون على هذه
المنكرات وكأنهم محقون فيها.
والتعدية بحرف ﴿فى﴾ تؤذن بأنهم مغمورون فى الآثام؛ وأنهم يتنقلون فيها من حال إلى
حال أخرى شر منها، حتى لكأن السير فى طريق الحق والصدق والفضيلة صار غير مألوف
عندهم .
وقوله : ﴿لبئس ما كانوا يعملون﴾ تذييل قصد به تقبيح أعمالهم التى يأباها الدين والخلق
الكريم.
أى: لبئس شيئا كانوا يعملونه هذه المنكرات التى منها مسارعتهم فى الإثم والعدوان وأكلهم
السحت.
وهذه الجملة هى حكم من الله - تعالى - عليهم بذم أعمالهم. وقد جمع - سبحانه - فى
حكمه بين صيغة الماضى ﴿كانوا﴾ وصيغة المضارع ﴿يعملون﴾ للإشارة إلى أن هذا العمل
القبيح كان منهم فى الماضى، وأنهم قد استمروا عليه فى حاضرهم ومستقبلهم بدون توبة أو
ندم .
وقد أكد - سبحانه - هذا الحكم بالقسم، وباللام الموطئة للقسم، وبكلمة بئس الدالة على
(١) سورة المؤمنون. الآية ٦١.
(٢) سورة المؤمنون الآية ٥٦.

٢١٢
المجلد الرابع
شدة الذم. أى: أقسم لبئس العمل الذى كان هؤلاء يعملونه من مسارعتهم فى الإِثم
والعدوان وأكلهم السحت.
ثم وبخ - سبحانه - رؤساء هؤلاء اليهود على سكوتهم على المنكر فقال :
﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإِثم وأكلهم السحت﴾.
و﴿لولا﴾ هنا للحض على الفعل فى المستقبل، وللتوبيخ على تركه فى الماضى فهى لتوبيخ
علماء اليهود على تركهم فضيلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى الماضى. ولحضهم على
مباشرتها فى المستقبل. وهى هنا بمعنى هلا.
والربانيون : كما يقول ابن جرير - جمع ربانى. وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس،
وتدبير أمورهم، والقيام بمصالحهم.
والأحبار - جمع حبر - وهم علماء اليهود وفقهاؤهم المفسرون لما ورد فى التوراة من أقوال
وأحكام .
والمعنى : إن هؤلاء اليهود دأبهم المسارعة إلى اقتراف الآثام وإلى أكل المال الحرام، فهلا
ينهاهم علماؤهم عن هذه الأقوال الكاذبة الباطلة، وعن تلك المآكل الخبيثة التى أكلوها عن
طريق السحت.
، والسحت - كما سبق أن بينا - هو المال الحرام كالربا والرشوة. سمئ سحتا من سحته إذا
استأصله لأنه مسحوت البركة أى مقطوعها. أو لأنه يذهب فضيلة الإِنسان ويستأصلها.
واليهود أرغب الناس فى المال الحرام وأحرصهم عليه.
وقد وبخ الله - تعالى - علماء اليهود وفقهاءهم على عدم نهيهم لهم عن قولهم الإِثم وأكلهم
السحت، لأن هاتين الرذيلتين هما جماع الرذائل، إذ القول الباطل الكاذب إذا ما تعود عليه
الإِنسان هانت عليه الفضائل، وقال فى الناس ما ليس فيهم بدون تحرج أو حياء. وأكل
السحت يقتل فى نفسه المروءة والشرف، ويجعله يستهين بحقوق الناس وأموالهم.
ولقد ألف علماء اليهود أكل أموال الناس بالباطل بدعوى أن هذا الأكل سيغفره الله لهم،
ألا ترى قول الله - تعالى - : ﴿فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا
الأدنى ويقولون سيغفر لنا﴾(١).
قال بعض العلماء : واقتصر - سبحانه - فى توبيخ الربانيين على ترك نهيهم عن قول الإِثم
(١) سورة الأعراف الآية ١٦٩.

٢١٣
سورة المائدة
وأكل السحت، ولم يذكر العدوان - الذى ورد فى الآية السابقة إيماء إلى أن العدوان يزجرهم
عنه المسلمون ولا يلتجئون فى زجرهم إلى غيرهم لأن الاعتماد فى النصرة على غير المجنى عليه
ضعف )»(١).
وقوله : ﴿لبئس ما كانوا يصنعون﴾ تذييل قصد به ذم علماء اليهود بسبب تركهم لفضيلة
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وقوله : ﴿يصنعون﴾ من الصنع وهو العمل بدقة ومهارة وإحكام.
أى: والله لبئس الصنع صنعهم حيث تركوا نهى عامتهم عن قول الإِثم وأكل السحت.
وقد تكلم المفسرون عن السر فى أن الله تعالى - ذم اليهود بقوله : ﴿لبئس ما كانوا
يعملون﴾ وذم علماءهم وفقهاءهم بقوله: ﴿لبئس ما كانوا يصنعون﴾.
وقد أجاد الكلام عن ذلك الإِمام الرازى فقال: والمعنى، أن الله - تعالى - استبعد من علماء
أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصى، وذلك يدل على أن تارك النهى عن
المنكر بمنزلة مرتكبه، لأنه - تعالى - ذم الفريقين .. بل نقول: إن ذم تارك النهى عن المنكر
أقوى، لأنه - سبحانه - قال فى المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت ﴿لبئس ما كانوا
يعملون﴾ وقال فى العلماء التاركين للنهى عن المنكر ﴿لبئس ما كانوا يصنعون﴾ والصنع أقوى
من العمل، لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار راسخا متمكنا، فجعل جرم العاملين ذنبا
غير راسخ. وذنب التاركين للنهى عن المنكر ذنبا راسخا. والأمر فى الحقيقة كذلك، لأن
المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ومازالت
المعصية كان كمثل المرض الذى شرب صاحبه الدواء إلا أن المرض بقى كما هو))(٢).
وقال ابن جرير: كان العلماء يقولون : ما فى القرآن آية أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية،
ولا أخوف عليهم منها(٣).
وقال ابن كثير: روى الإِمام أحمد عن جرير قال: قال رسول الله وَلقر ما من قوم يكون بين
أظهرهم من يعمل بالمعاصى، هم أعز منه وأمنع، ولم يغيروا، إلا أصابهم الله منه بعذاب.
وروى ابن أبى حاتم عن يحيى بن يعمر قال : خطب على بن أبى طالب، فحمد الله وأثنى
عليه ثم قال: أيها الناس !! إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصى ولم ينههم الربانيون
(١) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور جـ ٦ ص ٢٤٨
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٣٩
(٣) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ٢٩٨

٢١٤
المجلد الرابع
والأحبار. فلما تمادوا أخذتهم العقوبات. فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم
مثل الذى نزل بهم. واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يقطع رزقا، ولا يقرب
أجلا(١).
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد وبخت اليهود على حسدهم للمؤمنين على ما آتاهم الله
من فضله، ووصفتهم بجملة من الصفات الذميمة حتى يحذرهم المؤمنون، ويجعلوا ولاءهم لله
ولرسوله ولإِخوانهم فى العقيدة والدين.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك لونا آخر من سوء معتقد اليهود، وخبث طويتهم، وسوء
أدبهم مع الله - تعالى - فقال :
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِ هِمْ وَلُعِنُواْ
ج
بِمَا قَالُأُ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا
مِنْهُم ◌َّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ◌ُغْيَنًا وَكُفْرًا وَأَلْفَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ
وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُ واْنَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَ هَا اللَّهُ
٦٤
وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
قال ابن عباس : قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس : يا محمد إن ربك بخيل
لا ينفق. فأنزل الله هذه الآية(٢).
وقد أضاف - سبحانه - المقالة إلى اليهود جميعا، لأنهم لم ينكروا على القائل ما قاله ورضوا
به .
وقال عكرمة : إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء وأصحابه. فقد كانت لهم أموال فلما كفروا
بالنبى ◌َّر قل ما لهم، فقالوا ما قالوا.
وقيل: إنهم لما رأوا النبى وَّه فى فقر وقلة مال وسمعوا ﴿من ذا الذى يقرض الله قرضا
حسنا﴾ قالوا: إن إله محمد بخيل(٣).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٧٤
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٧٥
(٣) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٢٣٨

٢١٥
سورة المائدة
وقوله - تعالى - حكاية عنهم: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ إخبار من الله عن جراءة
اليهود عليه - سبحانه - وسوء أدبهم معه، وتوبيخ لهم على جحودهم نعمه التى لا تحصى.
١٣ -
وأرادوا بقولهم: ﴿يد الله مغلولة﴾: أنه - سبحانه - بخيل عليهم، ممسك خيره عنهم،
مانع فضله عن أن يصل إليهم، حابس عطاءه عن الاتساع لهم، كالمغلولة يده الذى لا يقدر أن
يبسطها بعطاء ولا بذل معروف.
وأصل الغل - كما يقول الراغب - تدرع الشىء وتوسطه، ومنه الغلل للماء الجارى بين
الشجر. والغل مختص بما يقيد به الشخص فيجعل الأعضاء وسطه، وجمعه أغلال(١).
وليس المراد باليد هنا الجارحة المعروفة بهذا الاسم، لأن الله - تعالى - منزه عن مشابهة
الحوادث. وإنما غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن التقتير والعطاء.
والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال، لا سيما فى دفع المال وإنفاقه. فأطلقوا اسم السبب
على المسبب، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والكف فقيل للجواد فياض اليد، مبسوط الكف،
وقيل للبخيل : مقبوض اليد، كز الكف.
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله: ((غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود،
ومنه قوله - تعالى - ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ ولا يقصد من
یتکلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط. ولا فرق عنده بین هذا الكلام وبین ما وقع مجازا عنه،
لأنهما كلامان معتقبان على حقيقة واحدة، حتى إنه يستعمله فى ملك لا يعطى عطاء قط
ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وقبضها وبسطها. ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء
جزيلا لقالوا : ما أبسط يده بالنوال، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان معاقبتان البخل والجود.
وقد استعملوهما حيث لا تصح اليد كقول القائل :
شكرت نداه تلاعه ووهاده
جاد الحمى بسط اليدين بوابل
ويقال : بسط اليأس كفيه فى صدرى، فجعلت لليأس الذى هو من المعانى لا من الأعيان
کفین.
وقد علق صاحب الانتصاف على قول صاحب الكشاف ((غل اليد وبسطها مجاز)) فقال :
والنكتة فى استعمال هذا المجاز تصوير الحقيقة المعنوية بصورة حسية تلزمها غالبا، وهى بسط
اليد للجود وقبضها للبخل، ولا شىء أثبت من الصور الحسية فى الذهن، فلما كان الجود
(١) المفردات فى غريب القرآن ص ٢٦٣

٢١٦
المجلد الرابع
والبخل معنيين لا يدر كان بالحس. عبر عنهما بلازمهما لفائدة الإِيضاح والانتقال من المعنويات
إلى المحسوسات(١).
وقوله: ﴿غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا﴾ دعاء عليهم بالشح المرير والبخل الشنيع بأن
يخلق - سبحانه - فيهم الشح الذى يجعلهم منبوذين من الناس ومن ثم كان اليهود أبخل خلق
الله، وحكم عليهم بالطرد من رحمة الله - تعالى - بسبب سوء أدبهم معه - سبحانه - وجحودهم
لنعمه .
وهذه الجملة تعليم من الله لنا بأن ندعو على من فسدت قلوبهم، وأساءوا الأدب مع خالقهم
ورازقهم، فقالوا فى شأنه ماهو منزه عنه - ﴿تعالى الله عما يقولون علوا كبيرًا﴾.
قال الألوسى ما ملخصه : ويجوز أن يكون المراد بغل الأيدى الحقيقة، بأن یغلوا فى الدنيا
أسارى - وفى الآخرة معذبين فى أغلال جهنم. ومناسبة هذا لما قبله حينئذ من حيث اللفظ فقط
فيكون تجنيسا. وقيل من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما تقوله : سبنى سب الله دابره أى
قطعه، لأن السب أصله القطع(٢).
وقوله : ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ معطوف على مقدر يقتضيه المقام، وتكذيب لهم فيما قالوه من
باطل .
والمعنى : كلا - أيها اليهود - ليس الأمر كما زعمتم من قول باطل، بل هو - سبحانه -
الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذى ما من شىء إلا عنده خزائنه.
فبسط اليد هنا كناية عن الجود والفضل والإنعام منه - سبحانه - على خلقه.
وعبر بالمثنى فقال : ﴿بل يداه﴾ للإشارة إلى كثرة الفيض والإِنعام، لأن الجواد السخى إذا
أراد أن يبالغ فى العطاء أعطى بكلتا يديه.
قال ابن كثير قوله: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ أى: بل هو الواسع الفضل. الذى ما يخلقه من
نعمة فمنه وحده لا شريك له. كما قال: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم
كفار﴾ والآيات فى هذا كثيرة.
وقد روى الإمام أحمد والشيخان عن أبى هريرة قال: قال رسول الله وَلفيه: ((إن يمين الله ملأى
لا يغيضها نفقة - أى لا ينقصها الإِنفاق - سحاء - أى مليئة - الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق
منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما فى يمينه. وكان عرشه على الماء، وفى يده الأخرى
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٥٥
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٦ ص ١٠٨

٢١٧
سورة المائدة
الفيض - أو القبض - يرفع ويخفض وقال: يقول الله - تعالى -: أنفق أنفق عليك))(١).
وقوله : ﴿ينفق كيف يشاء﴾ جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده، والدلالة على أنه على
مقتضى حكمته ومشيئته فهو - سبحانه - يبسط الرزق لمن يشاء أن يبسطه له ويقبضه عمن يشاء
أن يقبضه عنه، وقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه لا ينافى سعة كرمه، لأنه يعطى ويمنع على
حسب مشيئته التى أقام بها نظام خلقه.
ثم بين - سبحانه - موقفهم الجحودى مما أنزله على رسوله وَ ل# فقال: ﴿ولیزیدن كثيرًا منهم
ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرا﴾.
أى: إن ما أنزلنا عليك يا محمد من قرآن كريم، وما أطلعناك عليه من خفى أمور هؤلاء
اليهود، ومن أحوال سلفهم كل ذلك ليزيدن الكثيرين منهم كفرا على كفرهم، وطغيانا على
طغيانهم، وذلك لأنهم قوم أكل الحقد قلوبهم، واستولى الحسد على نفوسهم.
وإذا كان ما أنزلناه إليك يا محمد فيه الشفاء لنفوس المؤمنين، فإنه بالنسبة لهؤلاء اليهود
يزيدهم بغيا وظلما وكفراً.
قال - تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين
إلا خسارًا﴾(٢).
فالجملة الكريمة بيان لموقف اليهود الجحودى من الآيات التى أنزلها الله على رسوله وَالقر وهى
فى الوقت ذاته تسلية له ولا عما يلقاه منهم.
وقد أكد - سبحانه - هذه الجملة بالقسم المطوى، وباللام الموطئة له، ونون التوكيد الثقيلة
لكى ينتفى الرجاء فى إيمانهم، وليعاملهم النبى وَه وأتباعه على أساس مكنون نفوسهم الخبيثة،
وقلوبهم المريضة بالحسد والخداع.
وقوله ﴿كثيرًا﴾ هو المفعول الأول لقوله ﴿وليزيدن﴾ وفاعله ما الموصولة فى قوله ﴿ما أنزل﴾
وقوله ﴿طغبانا﴾ هو المفعول الثانى.
ثم زاد - سبحانه - فى تسلية رسوله # فأصدر حكمه فيهم بدوام العدواة والبغضاء بين
طوائفهم وفرقهم فقال: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ فالضمير فى قوله
﴿بينهم﴾ يعود إلى فرق اليهود المختلفة من فريسيين وصدوقيين وقرائين، وكتبة وغير ذلك من
فرقهم المتعددة.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٧٥
(٢) سورة الإسراء الآية ٨٢

٢١٨
المجلد الرابع
وقيل : الضمير يعود إلى طائفتى اليهود والنصارى.
والأول أرجح لأن الحديث فى هذه الآية عن اليهود الذين وصفوا الله - تعالى - بما هو منزه
عنه .
والعداوة والبغضاء يرى بعضهم أنهما اسمان لمعنى واحد.
ويرى آخرون أن معناهما مختلف. فالعداوة معناها المناوأة الظاهرة، والبغضاء هى الكراهية
التى تكون فى القلب. فهما معنيان متغايران وإن كانا متلازمين أحيانا. فلا عداوة من غير
بغضاء، ولكن قد يفترقان فتوجد البغضاء من غير إعلان للعداوة.
قال أبوحيان : والعداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يبغض من ليس
بعدو. وقال ابن عطية. وكأن العداوة شىء يشهد، يكون عنه عمل وحرب، والبغضاء
لاتتجاوز النفوس(١).
والمعنى : وألقينا بين طوائف اليهود المتعددة العداوة الدائمة، والبغضاء المستمرة، فأنت
تراهم كلمتهم مختلفة، وقلوبهم شتى وكل فرقة منهم تلصق النقائص بالأخرى، وهم على هذه
الحال إلى يوم القيامة.
وما أظهره اليهود فى هذا العصر من تعاون وتساند جعلهم ينشئون دولة لهم بفلسطين، هو
أمر مؤقت، فإن هذه الدولة لن تستمر طويلا، بل ستعود إلى أهلها المسلمين متى صدقوا فى
جهادهم واتبعوا تعالیم دینهم.
قال الفخر الرازى: واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها، هو أنه - تعالى - بين أن هؤلاء
اليهود إنما ينكرون نبوته وي طهر بعد ظهور الدلائل على صحتها، لأجل الحسد. ولأجل حب الجاه
والمال. ثم إنه - تعالى - بين أنهم لما رجحوا الدنيا على الآخرة، لا جرم أنه - تعالى - كما
حرمهم سعادة الدين، فكذلك حرمهم سعادة الدنيا، لأن كل فريق منهم بقى مصرا على مذهبه
ومقالته .. فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم. وانتهى الأمر فيه
إلى أن بعضهم يكفر بعضا. ويحارب بعضهم بعضًا.
فإن قلت : فهذا المعنى حاصل أيضًا بين فرق المسلمين فكيف يمكن جعله عيبا على الكتابيين
حتى يذموا عليه؟
قلنا : بدعة التفرق التى حصلت فى المسلمين إنما حدثت بعد عصر النبوة وعصر الصحابة
والتابعين. أما فى الصدر الأول فلم يكن شىء من ذلك حاصلا بينهم فحسن جعل ذلك عيبًا
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ٣ ص ٥٢٤

٢١٩
سورة المائدة
على الكتابيين فى ذلك العصر الذى نزل فيه القرآن))(١).
وقوله: ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾ أى: كلما أرادوا حرب الرسول بَّل والمؤمنين
وهيأوا الأسباب لذلك وحاولوا تفريق كلمتهم وإثارة العداوة بينهم. كلما فعلوا ذلك أفسد الله .
عليهم خطتهم، وأحبط مكرهم، وألقى الرعب فى قلوبهم.
والتعبير بهذه الجملة الكريمة جاء على وفق ما جرى عليه العرب من أنهم كانوا إذا أرادوا
حربًا بالإِغارة على غيرهم أوقدوا نارًا يسمونها نار الحرب . .
والتعبير هنا لذلك على سبيل المجاز إذ عبر - سبحانه - عن إثارة الحروب بإيقاد نارها.
باعتبار أن الحروب فى ذاتها وبما تشتمل عليه من مذابح بشرية تشبه النار المستعرة فى أخطارها
ومصائبها .
وقوله: ﴿ويسعون فى الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين) تذييل مقرر لما قبله من
الصفات الذميمة التى دمغ الله - تعالى - بها اليهود.
أى: أن حال هؤلاء اليهود أنهم يجتهدون فى الكيد للإسلام وأهله وأنهم يسعون سعيا حثيثًا
للافساد فى الأرض عن طريق إثارة الفتن، وإيقاظ الاحقاد بين الناس. والله - تعالى - لا يحب
المفسدين بل يبغضهم ويمقتهم، لإِيثارهم الضلالة على الهدى، والشر على الخير.
وبهذا نرى الآية الكريمة قد ردت على اليهود فى نسبتهم البخل إلى الله - تعالى - وبينت
أنه - سبحانه - هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء وكشفت عن جوانب من رذائلهم وعنادهم
وأوضحت أنه - سبحانه - يبغضهم لأنهم يفسدون فى الأرض ولا يصلحون.
ولقد بسطنا القول فى مظاهر فسادهم فى الأرض فى غير هذا الموطن فارجع إليه إن شئت(٢).
وبعد أن حكى - سبحانه - ما حكى من رذائل أهل الكتاب وخصوصًا اليهود عقب ذلك
بفتح باب الخير لهم متى آمنوا واتقوا فقال - تعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْلَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْ خَلْتَهُمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ (٥)، وَلَوْ أَّهُمْ أَقَامُواْ
التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٤٥
(٢) راجع كتابنا ((بنو إسرائيل فى القرآن والسنة)) جـ ٢ من ص ٢٨٨ إلى ص ٣٢٠

٢٢٠
المجلد الرابع
فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِرُ مِنْهُمْ
٦٦
سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ
1
والمعنى: ﴿ولو أن أهل الكتاب﴾ من اليهود والنصارى ﴿آمنوا﴾ برسول الله - رَصل وبما جاء
به من حق ونور ﴿واتقوا﴾ الله - تعالى - بأن صانوا أنفسهم عن كل مالا يرضاه. لو أنهم فعلوا
ذلك ﴿لكفرنا عنهم سيئاتهم﴾ بأن رفعنا عنهم العقاب وسترنا عليهم معاصيهم فلم نحاسبهم
عليها، ﴿ولأدخلناهم جنات النعيم) فى الآخرة.
قال الفخر الرازى: واعلم أنه - سبحانه - لما بالغ فى ذمهم وفى تهجين طريقتهم عقب
ذلك ببيان أنهم لو آمنوا واتقوا لوجدوا سعادات الآخرة والدنيا. أما سعادات الآخرة فهى
محصورة فى نوعين :
أحدهما : رفع العقاب.
والثانى : إيصال الثواب.
أما رفع العقاب فهو المراد بقوله: ﴿لكفرنا عنهم سيئاتهم﴾. وأما إيصال التواب فهو المراد
بقوله: ﴿ولأدخلناهم جنات النعيم).
وأما سعادات الدنيا فقد ذكرها فى قوله بعد ذلك: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة﴾(١).
وكرر - سبحانه - اللام فى قوله: ﴿لكفرنا﴾. ﴿ولأدخلناهم﴾ لتأكيد الوعد. وفيه تنبيه إلى
كثرة ذنوبهم ومعاصيهم وإلى أن الإسلام يجب ما قبله من ذنوب مهما كثرت.
وفى إضافة الجنات إلى النعيم إشارة إلى ما يستحقونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويتقوا.
وجمع - سبحانه - بين الإِيمان والتقوى، للإيذان بأن الإِيمان الذى ينجى صاحبه، ويرفع
درجاته، هو ما كان نابعا عن يقين وإخلاص وخشية من الله، لا إيمان المنافقين الذين يدعون
الإِيمان وهو منهم بریء
والضمير فى قوله: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل﴾ يعود إلى أهل الكتاب من اليهود
والنصارى الذين فتح الله لهم باب الإِيمان ليدخلوا فيه كى ينالوا رضاه.
والمراد بإقامة التوراة والإنجيل: العمل بما فيها من بشارات بصدق النبى وَّر وحضهم على
(١) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٤٦ - بتصريف وتلخيص -