Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة المائدة
والمعنى : ﴿إنى أريد﴾ بامتناعى عن التعرض لك ببسط يدى ﴿أن تبوء بإثمى وإثمك﴾
أى: ترجع إلى بإثم قتلك إياى، وبإثمك الذى قد كان منك قبل قتلى، والذى بسببه لم
يتقبل قربانك ﴿فتكون﴾ بسبب الإِثمين ﴿من أصحاب النار﴾ فى الآخرة ﴿وذلك﴾ أى:
كينونتك من أصحاب النار ﴿جزاء الظالمين﴾ الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم.
قال الإِمام الرازى: فإن قيل: كما لا يجوز للإنسان أن يريد من نفسه أن يعصى الله،
فكذلك لا يجوز له أن يريد من غيره أن يعصى الله، فلم قال : ﴿إنى أريد أن تبوء بإثمی
وإثمك﴾ ؟
فالجواب : أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله، وكان
ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل به، وكأنه لما وعظه ونصحه قال له : وإن كنت لا تنزجر
عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصحية فلابد وأن تترصد قتلى فى وقت أكون غافلا عنك وعاجزا
عن دفعك فحيئذ لا يمكننى أن أدفعك عن قتلى إلا إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان.
وهذا منى كبيرة ومعصية وإذا دار الأمر بين أن يكون فاعل هذه المعصية أنا، وبين أن يكون
أنت، فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لى.
ومن المعلوم أن إرادة صدور الذنب من الغير فى هذه الحالة، وعلى هذا الشرط لا يكون
حراما. ويجوز أن يكون المراد: إنى أريد أن تبوء بعقوبة قتلى. ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن
يريد من الله عقاب ظالمه))(١).
وقال صاحب الانتصاف : فأما إرادته - أى إرادة هابيل - لإِثم أخيه وعقوبته - فى قوله -
تعالى ﴿إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك﴾ - فمعناه: إنى لا أريد أن أقتلك فأعاقب. ولما لم يكن
بد من إرادة أحد الأمرين إما إثمه بتقدير أن يدفع عن نفسه فيقتل أخاه، وإما إثم أخيه بتقدير
أن يستسلم وكان غير مريد للأول. اضطر إلى الثانى.
فهو لم يرد إذا إثم أخيه لعينه، وإنما أراد أن الإِثم هو بالمدافعة المؤدية إلى القتل - ولم تكن
حينئذ مشروعة - فلزم من ذلك إرادة إثم أخيه. وهذا كما يتمنى الإِنسان الشهادة. ومعناه أن
يبوء الكافر بقتله وبما عليه فى ذلك من الإِثم، ولكن لم يقصد هو إثم الكافر لعينه، وإنما أراد أن
يبذل نفسه فى سبيل الله))(٢).
وإلى هنا نرى. أن هابيل قد استعمل فى صرف أخيه عن جريمة القتل وسائل متنوعة فهو
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٢٠٧ - بتصرف وتلخيص,
: (٢) حاشية تفسير الكشاف جـ١ ص٢٥.
:
٠٠٠

١٢٢
المجلد الرابع
أولا أرشده إلى أن الله - تعالى - إنما يتقبل الأعمال من المتقين، فإذا أراد أن يتقبل قربانه فعليه
أن يكون منهم.
وأرشده ثانيا إلى حقوق الأخوة وما تقتضيه من محبة ومودة وتسامح .
وأرشده ثالثا إلى أنه لا يمنعه من بسط يده إليه إلا الخوف من الله رب العالمين.
وأرشده رابعًا إلى أن ارتكابه لجريمة القتل سيؤدى به إلى عذاب النار يوم القيامة، بسبب قتله
لأخيه ظلما وحسدًا.
فماذا كان وَقْعُ هذا النصح الحكيم، والإِرشاد القويم فى نفس ذلك الإِنسان الحاسد الظالم؟
لقد بين الله ذلك بقوله: ﴿فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين﴾.
قال القرطبى : قوله ﴿فطوعت له نفسه﴾: أى: سولت وسهلت نفسه له الأمر. وشجعته
وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل. يقال: طاع الشىء يطوع أى: سهل وانقاد. ((وطوعه
فلان له أى سهله))(١).
والمعنى : أن قابيل سهلت له نفسه وزينت له - بعد هذه المواعظ - ﴿قتل أخيه فقتله فأصبح
من الخاسرين﴾ فى دنياه وفى أخراه.
أصبح من الخاسرين فى دنياه لأنه قتل أخاه، والأخ سند لأخيه وعون له، لما بينهما من رحم
قوية ورابطة متينة.
وأصبح من الخاسرين فى آخرته، لأنه ارتكب جريمة من أكبر الجرائم وأشنعها وقد توعد الله
مرتكبها بالغضب واللعنة والعذاب العظيم.
والتعبير بقوله - تعالى ﴿فطوعت) تعبير دقيق بليغ، فإن هذه الصيغة - صيغة التفعيل -
تشير إلى أنه كانت هناك بواعث متعددة تتجاذب نفسه، كانت هناك بواعث الشر التى تدعوه إلى
الاقدام على قتله، ودوافع الخير التى تمنعه من الاقدام على قتل أخيه، وأخيرا تغلبت دوافع الشر
على دوافع الخير فقتل أخاه.
وقد صور الإِمام الرازى هذا المعنى تصويرا حسنا فقال :
قال المفسرون : فطوعت، أى: سهلت له نفسه قتل أخيه، وتحقيق الكلام ان الإِنسان إذا
تصور القتل العمد العدوان وكونه من اعظم الكبائر فهذا الاعتقاد يصير صارفا له عن فعله
فيكون هذا الفعل كالشىء العاصى المتمرد عليه الذى لا يطيعه بوجه ألبتة. فإذا أوردت النفس
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٣٨
......
. .

١٢٣
سورة المائدة
أنواع وساوسها، صار هذا الفعل سهلا عليه، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا
الفعل كالمطيع له، بعد أن كان كالعاصى المتمرد عليه، فهذا هو المراد بقوله : ﴿فطوعت له
نفسه قتل أخيه﴾(١).
هذا، والآية الكريمة بعد كل ذلك، تشير إلى شناعة الجريمة فى ذاتها من حيث الباعث
عليها، إذ الباعث عليها هو الحسد ومن حيث الصلة بين القاتل والمقتول إذ هى صلة أخوة
تقتضى المحبة والمودة والتراحم ومن حيث ذات الفعل فإنه أكبر جريمة بعد الاشراك بالله -
تعالى - .
قال الألوسى : أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود - رضى الله عنه - قال : قال رسول
الله - وَ﴾ (( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها. لأنه أول من سن
القتل)) وأخرج ابن جرير والبيهقى فى شعب الإِيمان عن ابن عمر - رضى الله عنه - قال: ((إنا
لنجد ابن آدم القاتل، يقاسم أهل النار العذاب. عليه شطر عذابهم))(٢).
ثم حكى القرآن بعض ما حدث بعد قتل الأخ أخاه فقال: ﴿فبعث الله غرابا يبحث فى
الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى
سوءة أخى فأصبح من النادمين﴾.
وقوله: ﴿فبعث﴾ من البعث بمعنى الإِرسال. وهو هنا مستعمل فى الإلهام بالطير إلى ذلك
المكان بحيث يراه قابيل.
والغراب: طائر معروف. قالوا: والحكمة فى كونه المبعوث دون غيره من الطيور أو
الحيوان، لأنه يتشاءم به فى الفراق والاغتراب. أو لأن من عادة الغراب دفن الأشياء.
وقوله: ﴿يبحث فى الأرض﴾ أى: ينبش التراب بمنقاره ورجليه بحيث يستخرجه من
الأرض، ليعمل مايشبه الحفرة.
والتعبير بالمضارع، للإشارة إلى أن البحث قد مكث وقتا، وكان مجال استمرار.
وقوله : ﴿ليريه﴾ إما متعلق بقوله ﴿بعث﴾ فيكون الضمير فى الفعل لله - تعالى - أو متعلق
بقوله : ﴿يبحث﴾ فيكون الضمير للغراب.
قال القرطبى : قال مجاهد: بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر ثم حفر
فدفنه - فتعلم قابيل ذلك من الغراب - وكان ابن آدم هذا أول من قتل. وقيل إن الغراب
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٢٠٧
(٢) تفسير الألوسى جـ ٦ ص ١١٥

١٢٤
المجلد الرابع
بحث الأرض على طعمه - أى: أكله - ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه، لأن عادة الغراب فعل
ذلك، فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه))(١).
((والسوءة)) ما تسوء رؤيته من الجسد، والمراد بها هنا: جميع جسد الميت وقيل: المراد بها
العورة، لأنها تسوء ناظرها. وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها، لأن
سترها آكد.
وهذه الآية الكريمة مرتبطة بكلام يسبقها لم يذكره القرآن الكريم لفهمه من السياق.
والتقدير: أن القاتل بعد أن ارتكب جريمته. ورأى جثة أخيه أمامه ملقاة فى العراء. تحير
ماذا يفعل فيها حتى لا يتركها عرضة لنهش السباع والطيور. ﴿فبعث الله غرابًا يبحث﴾ أى :
يحفر وينبش بمنقاره ورجليه متعمقا ﴿فى الأرض﴾ ﴿ليريه﴾ أى: ليعلم ذلك القاتل ويعرفه
﴿كيف يوارى سوءة أخيه﴾ أى: كيف يستر فى التراب جسم أخيه بعد أن فارقته الحياة،
وأصبح عرضة للتغير والتعفن.
وقوله - تعالى - ﴿قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوءة أخى﴾ بيان
لما اعترى هذا القاتل من تحسر وندم.
وكلمة ﴿ياويلتى﴾ أصلها: ياويلتى. وهى كلمة جزع وتحسر. تستعمل عند وقوع المصيبة
العظيمة كأن المتحسر ينادى ويلته ويطلب حضورها، بعد تنزيلها منزلة من ينادى. ولا يكون
ذلك إلا فى أشد الأحوال ألما، والويلة كالويل: ومعناهما الفضيحة والبلية والهلاك.
أى: قال القاتل لأخيه ظلما وحسدا بجزع وحسرة - بعد أن أرى غرابا يحفر حفرة ليدفن
فيها شيئا - قال ﴿يا ويلتى﴾ أى: يا فضحيتي وبليتى أقبلى فهذا وقتك، لأنى قد نزلت بى
أسبابك .
وقوله : ﴿أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوءة أخى﴾ أى: أضعفت عن
الحيلة التى تجعلنى مثل هذا الغراب فأستر جسد أخى فى التراب كما دفن الغراب بمنقاره ورجليه
فى الأرض ما أراد دفنه؟! والاستفهام فى ﴿أعجزت﴾ للتعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى
إليه الغراب، مع أنه إنسان فيه عقل، والغراب طائر من أخس الطيور.
وقوله : ﴿فأوارى﴾ معطوف على قوله: ﴿أن أكون﴾.
وقوله: ﴿فأصبح من النادمين﴾، تذييل قصد به بيان ما أصاب قابيل بعد أن قتل أخاه
عدوانا وحسدا، ولم يعرف كيف يستر جثته إلا من الغراب.
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٢٥
:
:

١٢٥
سورة المائدة
والندم : أسف الفاعل على فعل صدر منه.
قال الراغب : الندم والندامة التحسر من تغير رأى فى أمر فائت. قال - تعالى - : ﴿فأصبح
من النادمين). وأصله من منادمة الحزن له وملازمته إياه))(١).
والمعنى : فأصبح قابيل الذى قتل أخاه هابيل بغيا وحسدا من النادمين على ما اقترف من
فواحش تدل على جهله، وبغيه، وتمكن الحقد من نفسه.
قال صاحب المنار: والندم الذى ندمه - قابيل - هو ما يعرض لكل إنسان عقب ما يصدر
عنه من الخطأ فى فعل فعله إذا ظهر له أن فعله كان شرا له لا خيرا. وقد يكون الندم توبة إذا
كان سببه الخوف من الله، والتألم من تعدى حدوده، وهذا هو المراد بحديث ((الندم توبة)) -
رواه أحمد والبخارى فى تاريخه والحاكم والبيهقى.
وأما الندم الطبيعى الذى أشرنا إليه فلا يعد وحده توبة. وفى حديث ابن مسعود فى
الصحيحين مرفوعا: ((لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل - أى نصيب - من دمها؛
لأنه أول من سن القتل))(٢).
ثم بين - سبحانه - بعد أن ساق ما جرى بين ابنى آدم - ما شرعه من شرائع تردع
المعتدى، وتبشر التقى فقال - تعالى - : ﴿من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل
نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس
جميعا﴾ .
وأصل معنى الأجل: الجناية التى يخشى منها آجلا. يقال: أجل الرجل على أهله شرًّا
يأجله - بضم الجيم وكسرها - أجلا إذا جناه أو أثاره وهيجه، ثم استعمل فى تعليل الجنايات
كما فى قولهم: من أجلك فعلت كذا. أى بسببك، ثم اتسع فيه فاستعمل فى كل تعليل.
والجار والمجرور ﴿من أجل﴾ متعلق بالفعل ﴿كتبنا﴾ واسم الإشارة ﴿ذلك﴾ يعود إلى
ما ذكر فى تضاعيف قصة ابن آدم من أنواع المفاسد المترتبة على هذا القتل الحرام.
والمعنى: بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل حسدًا وظلما، ومن أجل ما يترتب على القتل بغير
حق من مفاسد ﴿كتبنا﴾ أى فرضنا وأوجبنا ﴿على بنى إسرائيل﴾ فى التوراة ما يردع المعتدى
وما يبشر المتقى.
قال الجمل : قال بعضهم : إن قوله: ﴿من أجل ذلك﴾ من تمام الكلام الذى قبله - أى أنه
(١) مفردات القرآن للراغب الاصفهاني جـ ٤٨٦.
(٢) تفسير المنار جـ ٦ ص ٣٤٧.

١٢٦
المجلد الرابع
متعلق بقوله : ﴿فأصبح من النادمين) - والمعنى: فأصبح من النادمين من أجل ذلك. يعنى
من أجل أنه قتل أخاه هابيل ولم يواره، ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله : من أجل
ذلك ويجعله من تمام الكلام الأول، ولكن جمهور المفسرين وأصحاب المعانى على أن قوله ﴿من
أجل ذلك﴾ ابتداء كلام متعلق بقوله ﴿كتبنا﴾ فلا يوقف عليه(١).
و﴿من﴾ هنا للسببية. أى: بسبب هذه الجنايه شرعنا ما شرعنا من أحكام لدفع الشر
وإشاعة الخير.
وعبر - سبحانه - عن السببيه. بمن لبيان الابتداء فى الحكم. وأنه اقترن بوقوع تلك الجريمة
النكراء التى ستكون آثارها سيئة إذا لم تشرع الأحكام لمنعها.
وقدم الجار والمجرور على ما تعلق به وهو ﴿كتبنا﴾ لإفادة الحصر أى: من ذلك ابتدىء
الكتب ومنه نشأ لا من شىء آخر.
وعبر - سبحانه - بقوله ﴿كتبنا﴾ للإشارة إلى أن الأحكام التى كتبها، قد سجلت بحيث
لا تقبل المحو أو التبديل، بل من الواجب على الناس أن يلتزموا بها، ولا يفرطوا فى شىء منها.
وخص بنو إسرائيل بالذكر مع أن الحكم عام - لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم فى قتل
الأنفس مكتوبا، وكان قبل ذلك قولا مطلقا، ولأنهم أكثر الناس سفكا للدماء، وقتلا
للمصلحين، فقد قتلوا كثيرا من الأنبياء، كما قتلوا أكثر المرشدين والناصحين، ولأن الأسباب
التى أدت إلى قتل قابيل هابيل من أهمها الحسد، وهو رذيلة معروفة فيهم، فقد حملهم حسدهم
للنبى 18 على الكفر به مع أنهم يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم، كما حملهم على محاولة قتله
ولكن الله - تعالى نجاه من شرورهم.
وما أشبههم فى قتلهم للذين يأمرونهم بالخير بقابيل الذى قتل أخاه هابيل؛ لأنه أرشده إلى ما
يصلحه .
وقوله - تعالى - : ﴿أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس
جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾ بيان لما كتبه - سبحانه - من أحكام تسعد الناس
متى اتبعوها.
والمعنى : بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل ظلما وعدوانا، كتبنا فى التوراة على بنى إسرائيل
﴿أنه﴾ أى: الحال والشأن ﴿من قتل نفسا﴾ واحدة من النفوس الإنسانية ﴿بغير نفس﴾.
أى : بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص منه ﴿أو فساد فى الأرض﴾ أى: أو بغير فساد فى
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ١ ص ٤٨٥ - بتصرف يسير.

١٢٧
سورة المائدة
الأرض يوجب إهدار الدم - كالردة وزنا المحصن - ﴿فكأنما قتل الناس جميعا﴾ لأن الذى يقتل
نفسا بغير حق، يكون قد استباح دما مصونا قد حماه الإِسلام بشرائعه وأحكامه، ومن استباح
هذا الدم فى نفس واحدة، فكأنه قد استباحه فى نفوس الناس جميعا، إذ النفس الواحدة تمثل
النوع الإِنسانى كله. ﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾ أى: ومن تسبب فى إحيائها
وصيانتها من العدوان عليها، كأن استنقذها مما يؤدى بها إلى الهلاك والأذى الشديد، أو مكن
الحاكم من إقامة الحد على قاتلها بغير حق، من فعل ذلك فكأنما تسبب فى إحياء الناس جميعا.
وفى هذه الجملة الكريمة أسمى ألوان الترغيب فى صيانة الدماء، وحفظ النفوس من العدوان
عليها، حيث شبه - سبحانه - قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعا، وإحياءها بإحياء الناس
جميعا.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف شبه الواحد بالجميع، وجعل حكمه كحكمهم؟
قلت : لأن كل إنسان يدلى بما يدلى به الآخر من الكرامة على الله، وثبوت الحرمة. فإذا قتل فقد
أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته، وعلى العكس. فلا فرق إذًا بين الواحد والجميع فى
ذلك.
فإن قلت : فما الفائدة فى ذكر ذلك؟ قلت : تعظيم قتل النفس وإحيائها فى القلوب وليشمئز
الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا فى المحاماة على حرمتها، لأن المتعرض لقتل النفس إذا
تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا، عظم ذلك عليه فثبطه - عن القتل - وكذلك الذى أراد
إحياءها(١))).
وقال الإِمام ابن كثير: قال الحسن وقتادة فى قوله - تعالى - ﴿أنه من قتل نفسا﴾ .. الخ.
هذا تعظيم لتعاطى القتل. قال قتادة: عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها. وقيل
للحسن: هذه الآية لنا كما كانت لبنى إسرائيل؟ فقال: إى والذى لا إله غيره - هى لنا -
كما كانت لهم. وما جعل - سبحانه - دماءهم أكرم من دمائنا (٢))).
وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه يكون المراد بالنفس فى قوله ﴿أنه من قتل نفسا﴾ :
العموم أى: نفسا يحرم قتلها من بنى الإِنسان.
وبعضهم يرى أن المراد نفس الامام العادل، لأن القتل فى هذه الحالة يؤدى إلى اضطراب
أحوال الجماعة، وإشاعة الفتنة فيها. قال القرطبى : روى عن ابن عباس أنه قال : المعنى :
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦١٧ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٥١.
۔۔۔

١٢٨
المجلد الرابع
من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره، فكأنما أحيا
الناس جميعا))(١).
ويبدو لنا أن تفسير النفس بالعموم أولى، لأنه هو الذى عليه جمهور العلماء، ولأنه أدعى
لحفظ الدماء الانسانية، وإعطائها ما تستحقه من صيانة واحترام.
وقوله. ﴿بغير نفس﴾ متعلق بالفعل قبله وهو (قتل). وقوله ﴿أو فساد﴾ مجرور عطفا على
نفس المجرورة بإضافة غير إليها.
و ((ما)) فى قوله ﴿فكأنما﴾ كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها.
وقوله - تعالى - : ﴿ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم فى الأرض لمسرفون﴾
بيان لموقف بنى إسرائيل القبيح مما جاءهم من هدايات على أيدى أنبيائهم ومرشديهم.
أى: ولقد جاءت رسلنا لبنى إسرائيل بالآيات البينات، والمعجزات الواضحات، ﴿ثم إن
كثيرا منهم بعد ذلك﴾ أى: بعد الذى كتبناه عليهم من شرائع، وبعد مجىء الرسل إليهم
بالبينات ﴿فى الأرض لمسرفون﴾ أى: لمجاوزون الحد فى ارتكاب المعاصى والآثام، إذ الاسراف
مجاوزة حدود الحق والعدل بدون مبالاة أو اهتمام بهما. وأكد - سبحانه - جملة ﴿ولقد جاءتهم
رسلنا﴾ بالقسم، لكمال العناية بمضمونها، ولبيان أن الرسل - عليهم السلام - ما قصروا فى
إرشاد بنى إسرائيل إلى ما يسعدهم ويهديهم، فقد جاء وهم بالشرائع البينة الواضحة التى تحمل
فى نفسها دليل صلاحها. والتعبير ((بجاءتهم)) يشير إلى أن الرسل - عليهم السلام - وصلوا
إليهم، وصاروا قريبين منهم، بحيث يرونهم ويخاطبونهم ولا يتركون أمرًا يهمهم إلا بينوه لهم.
وجملة ﴿ثم إن كثيرا منهم﴾ معطوفة على جملة ﴿ولقد جاءتهم﴾.
وكان العطف ((بثم)) المفيدة هنا للتراخى فى الرتبة، للإشارة إلى الفرق الشاسع بين
ما جاءتهم به الرسل من بينات وهدايات، وبين ما كان عليه بنو إسرائيل من جحود وعناد
وإفساد فى الأرض.
واسم الإشارة ((ذلك)) يعود إلى المذكور من مجىء الرسل إليهم بالبينات ومن كتابة الشرائع
عليهم. وفى وصف الكثيرين من بنى إسرائيل بالاسراف احتراس فى الحكم، وإنصاف للقلة
التى آمنت منهم، وهذا من عدالة القرآن الكريم فى أحكامه، ودقته فى تعبيراته.
وذكر - سبحانه - أن إسراف الكثيرين منهم ﴿فى الأرض﴾ مع أنه لا يكون إلا فيها،
للإيذان بأن فسادهم وإسرافهم فى القتل والمعاصى لم يكن فيما بينهم فحسب، بل انتشرو شره فى
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٤٦

١٢٩
سورة المائدة
الأرض، وسرى إلى غيرهم من سكانها المنتشرين فيها. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد
حكت لنا ما دار بين ابنى آدم من محاورات أدت إلى قتل أحدهما للآخر ظلما وحسدا، إذ الحسد
يأكل القلوب، ويشعلها بالشر كما تشتعل النار فى الحطب، وبسببه ارتكبت أول جريمة قتل على
ظهر الأرض، وبسببه كانت أكثر الجرائم فى كل زمان ومكان .. كما حكت لنا أن بنى
إسرائيل - مع علمهم بشناعة جريمة القتل - قد أسرفوا فى قتل الأنبياء والمصلحين مما يدل على
قسوة قلوبهم، وفى كل ذلك تسلية للنبى وَله ولأصحابه عما كانوا يلاقونه من اليهود المعاصرين
لهم من عناد ومكر وأذى.
وبعد أن ذكر سبحانه - تغليظ الإِثم فى قتل النفس بغير حق، وتعظيم الأجر لمن عمل على
إحيائها، أتبع ذلك ببيان الفساد المبيح للقتل، فقال -تعالى - :
إِنَّمَا
جَزَُّؤْأُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ
فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْأَوْيُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِّ ذَلِكَ
لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيًّاً وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ
﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَأَعْلَمُوْ
٣٤
أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ
قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية؟ فقال بعضهم : نزلت فى قوم :
من أهل الكتاب كانوا أهل موادعة لرسول الله وَلتر فنقضوا العهد، وأفسدوا فى الأرض، فعرف
الله نبيه الحكم فيهم ...
وقال آخرون : نزلت فى قوم من المشركين.
وقال آخرون : بل نزلت فى قوم من عرينة وعكل - بضم العين وسكون الكاف - ارتدوا
عن الإِسلام، وحاربوا الله ورسوله، فعن أنس أن رهطا من عكل وعرينة أتوا النبى وَيَّة
فقالوا : يا رسول الله إنا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، وإنا استوخمنا المدينة - أى : وجدناها

١٣٠
المجلد الرابع
رديئة المناخ - فأمر لهم النبى وَ ل بذود وراع - أى: بعدد من الإِبل ومعهم راع -، وأمرهم أن
يخرجوا بها، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا الراعى، واستاقوا الذود، وكفروا بعد
إسلامهم، فأتى بهم إلى النبى وَله فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم فى الحرة
حتى ماتوا، فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم.
ثم قال ابن جرير: وأولى الأقوال فى ذلك عندى أن يقال : أنزل الله هذه الآية على نبيه
وَلجر: لمعرفة حكمه على من حارب الله ورسوله، وسعى فى الأرض فسادا، بعد الذى كان من
فعل رسول الله (وَل﴿ بالعرنيين))(١).
والذى يراه ابن جرير أولى هو الذى تطمئن إليه النفس، فإن الآية الكريمة تبين عقاب قطاع
الطرق الذين يحاربون النظام القائم للأمة، ويرتكبون جرائم القتل والنهب والسلب والسرقة
سواء أكانوا من المشركين أم من غيرهم؟ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقوله : سبحانه ﴿يحاربون﴾ من المحاربه. والمحاربة: مفاعلة من الحرب وهى ضد
السلم، والأصل فى معنى كلمة الحرب : الأخذ والسلب. يقال: حربه، إذا سلبه ماله، والمراد
بالمحاربة هنا : قطع الطريق على الآمنين بالاعتداء عليهم بالقتل أو السلب أو ما يشبه ذلك من
الجرائم التى حرمها الله - تعالى - :
ومحاربة الناس لله - تعالى - على وجه الحقيقة غير ممكنة، لتنزهه - سبحانه - عن أن يكون
من الجواهر والأجسام التى تُقَاتلَ؛ ولأن، المحاربة تستلزم أن يكون كل من المتحاربين فى وجهة
ومكان والله منزه عن ذلك، فيكون التعبير مجازًا عن المخالفة لشرع الله، وارتكاب ما يغضبه أو
المعنى : يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله وهم المسلمون؛ فيكون الكلام على تقدير حذف
مضاف.
وصدر - سبحانه - الآية بلفظ ﴿إنما﴾ المفيد للقصر، لتأكيد العقاب، ولبيان أنه عقاب
لاهوادة فيه، لأنه حد من حدود الله - تعالى - على تلك الجريمة النكراء التى تقوض بنيان
الجماعة، وتهدم أمنها، وتزلزل كيانها، وتبعث الرعب والخوف فى نفوس أفرادها.
وعبر - سبحانه - عمن يحارب أولياءه وشرعه بأنهم محاربون له ولرسوله لزيادة التشنيع
عليهم، ولبيان أن كل من يهدد أمن المسلمين ويعتدى عليهم يكون محاربًا لله ولرسوله ومستحقًا
لغضبه - سبحانه - وعقوبته .
وقوله : ﴿ويسعون فى الأرض فسادًا﴾ معطوف على قوله ﴿يحاربون﴾.
(١) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ٢٠٨.

ء
سورة المائدة
١٣١
وقوله : ﴿ويسعون﴾ من السعى وهو الحركة السريعة المستمرة.
والفساد : ضد الصلاح. فكل ما خرج عن وضعه الذى يكون به صالحًا نافعًا، يقال إنه قد
فسد. والسعى فى الأرض بالفساد المراد به هنا: قطع الطريق على الناس، وتهديد أمنهم،
والتعرض لهم بالأذى فى أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم.
وقوله : ﴿فسادًا﴾ مفعول لأجله أى: يحاربون ويسعون لأجل الفساد. أو هو حال من فاعل
(يسعون﴾ بتأويله بمفسدين، أو ذوى فساد.
وقوله: ﴿أن يقتّلوا أو يصلّبوا﴾ ألخ. خبر عن المبتدأ الذى هو ﴿جزاء﴾
والمعنى: ﴿إنما جزاء﴾ أى: عقاب ﴿الذين يحاربون الله ورسوله﴾ أى: يخالفونهما ويعصون
أمرهما، ويعتدون على أوليائهما ﴿ويسعون فى الأرض فسادًا﴾ أى: يعملون بسرعة ونشاط فى
الأرض لا من أجل الإصلاح وإنما من أجل الإِفساد فيها عن طريق تهديد أمن الناس،
والاعتداء على أموالهم وأنفسهم. جزاء هؤلاء ﴿أن يقتلوا﴾ والتقتيل هو القتل، إلا أنه ذكر
بصيغة التضعيف لإفادة الشدة فى القتل وعدم التهاون فى إيقاعه عليهم لكونه حق الشرع
وللإشارة إلى الاستمرار فى قتلهم ماداموا مستمرين فى الجريمة فكلما كان منهم قتل قتلوا.
﴿أو يصلبوا﴾ والتصليب: وضع الجانى الذى يراد قتله مشدودا على مكان مرتفع بحيث
يرى بعد القتل ليكون عبرة لغيره، وردعًا له عن ارتكاب المعاصى والجرائم. قالوا : ويكون
الصلب لمدة ثلاثة أيام وقيل : لمدة يوم واحد. وجىء هنا أيضًا بصيغة التضعيف لإفادة التشديد
فى تنفيذ هذه العقوبة وإثبات أنه لاهوادة فيها.
﴿أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف﴾ أى: تقطع مختلفة، فقوله ﴿من خلاف﴾ حال من
أيديهم وأرجلهم أى: لا تكون اليد والرجل المقطوعتان من جانب واحد بل تكونان من جانبين
مختلفین.
﴿أو ينفوا من الأرض﴾ أى، يطردوا من الأرض التى اتفقوا فيها على الإجرام إلى أرض
أخرى ليتشتت شملهم، ويتفرق جمعهم، مع مراقبتهم والتضييق عليهم. وفسر بعضهم النفى
بالحبس فى السجون، لأن فيه إبعادا لهم وتفريقا لجمعهم.
وإسم الإِشارة فى قوله - تعالى - ﴿ذلك لهم خزى فى الدنيا﴾ يعود إلى العقاب المذكور فى
الآية من القتل والصلب .. الخ.
والخزى: الذل والفضيحة أى ذلك العقاب المذكور ﴿لهم خزى فى الدنيا﴾ أى: ذل
وفضيحة وعار عليهم، لأنه كشف أمرهم، وهتك سترهم، وجعلهم عبرة لغيرهم.

١٣٢
المجلد الرابع
هذا هو عقاب الدنيا أما عقاب الآخرة فقد بينه - سبحانه - بقوله: ﴿ولهم فى الآخرة
عذاب عظيم﴾ أى: لهم فى الآخرة عذاب عظيم فى شدته وآلامه جزاء ما اقترفوا من جرائم.
وقوله : ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ بيان لحكم
هؤلاء المحاربين إذا ما تابوا قبل القدرة عليهم.
أى نفذوا - أيها المسلمون - هذه العقوبات على هؤلاء المحاربين لأولياء الله وأولياء رسوله،
والساعين فى الأرض بالفساد ماداموا مستمرين فى غيهم وعدوانهم ﴿إلا الذين تابوا﴾ منهم
﴿من قبل أن تقدروا عليهم﴾ أى: من قبل أن تتمكنوا من أخذهم، بأن أتوكم طائعين
.. نادمين، ﴿فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ أى واسع المغفرة والرحمة بعباده.
هذا وهناك مسائل تتعلق بهاتين الآيتين من أهمها ما يأتى :
١ - احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء فى أن المحاربة فى الأمصار وفى القرى وفى
الصحراء على السواء، فحيثما تحققت إخافة المسلمين، كان الفاعلون لتلك الإِخافة محاربين لله
ولرسوله ويجب إنزال العقاب بهم، لقوله - تعالى - ﴿ويسعون فى الأرض فسادًا﴾ وكل هذه
الأماكن من الأرض. وعلى هذا الرأى سار الإِمام مالك والشافعى وأحمد وغيرهم.
ويرى الإِمام أبو حنيفة أن قطع الطريق لا يتصور فى داخل المصر، إذ يمكن الإِغاثة عند
الإستغاثة ويد السلطان مبسوطة فى داخل الأمصار والقرى وإنما يتصور قطع الطريق فى
الصحراء وخارج المدن والقرى.
والذى نراه متفقا مع الآية الكريمة أنه حيثما تحقق الوصف - وهو محاربة الآمنين؛ واستلاب
أموالهم، والاعتداء على أرواحهم - كانت الحرابة، ولزمت العقوبة التى تردع هؤلاء المعتدين
على أموال الناس وأنفسهم.
قال القرطبى : واختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة. فقال مالك : المحارب عندنا
من حمل على الناس فى مصر أو فى برية وكابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة(١).
قال ابن المنذر: اختلف عن مالك فى هذه المسألة فأثبت المحاربة فى المصر مرة ونفى ذلك
مرة. وقالت طائفة حكم ذلك فى المصر أو فى المنازل والطرق، وديار أهل البادية والقرى سواء
وحدودهم واحدة.
قال ابن المنذر: كذلك هو، لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة. والآية على العموم. وليس
(١) نائرة: أى هاجّة يقال: نارت نارِّه فى الناس بمعنى: هاجت هائجة.

١٣٣
سورة المائدة
لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة. وقالت طائفة : لا تكون المحاربة فى المصر إنما
تكون خارجة عن المصر (١).
وقال ابن العربى : والذى نختاره أن الحرابة عامة فى المصر والقفر، وإن كان بعضها أفحش
من بعض. ولكن اسم الحرابة يتناولها، ومعنى الحرابة موجود فيها. ولو خرج بعض من فى
المصر لقتل بالسيف. ويؤخذ فيه بأشد ذلك لا بأيسره. فإنه سلب وغيلة، وفعل الغيلة أقبح من
فعل الظاهرة ولذلك دخل العفو فى قتل المجاهرة فكان قصاصا، ولم يدخل فى قتل الغيلة وكان
حدا))(٢)
٢ - اختلف الفقهاء فى معنى التخيير فى قوله - تعالى - ﴿أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع
أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض﴾.
فقال قوم من السلف: الآية تدل على التخيير بين هذه الأجزية. فمتى خرج المحاربون
بقطع الطريق، وقدر الإِمام عليهم، فهو مخير بين أن يوقع بهم أى نوع من العقاب من هذه
الأنواع الأربعة : القتل أو الصلب أوالتقطيع أوالنفى، حتى ولو لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا،
ماداموا قد اجتمعوا وقصدوا تهديد أمن الناس. فالمسألة متروكة لتقدير الحاكم، وعليه أن يوقع
بهم مايراه مناسبًا لزجرهم وردعهم وجعلهم عبرة لغيرهم حتى لا يستشرى الشر فى الأمة.
قال ابن كثير: قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس فيمن شهر السلاح فى قبة الإِسلام.
وأخاف السبيل ثم ظفر به الإِمام وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار : إن شاء قتله وإن شاء
صلبه وإن شاء قطع يده ورجله، وكذا قال: سعيد بن المسيب ومجاهد، وعطاء، والحسن
البصرى، وإبراهيم النخعى، والضحاك، كما رواه ابن جرير عن أنس - وهو مذهب المالكية.
ومستند هذا القول أن ظاهر ﴿أو﴾ للتخيير كما فى نظائر ذلك من القرآن، كما فى قوله -
تعالى - فى كفارة الفدية: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو
صدقة أو نسك﴾ فأوهنا للتخيير، وكذلك فى الآية التى معنا))(٣).
وقال قوم آخرون من السلف : الآية تدل على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها من
الجنايات. أى: أن ﴿أو﴾ لتنويع العقوبات على حسب طبيعة الجرائم. فإذا قتل هؤلاء
المحاربون غيرهم وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا فقط قتلوا، وإذا أخذوا المال فحسب
قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا تجمعوا واتفقوا على ارتكاب الجرائم من غير أن
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٥١.
(٢) أحكام القرآن لابن العربى جـ٢ ص ٥٩٥.
(٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥١ - بتلخيص يسير -

١٣٤
المجلد الرابع
يرتكبوا بالفعل نفوا من الأرض.
وبهذا الرأى قال ابن عباس وقتادة والأوزاعى، وهو مذهب الشافعية والأحناف والحنابلة .
قال ابن كثير: وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال، فعن ابن عباس أنه قال فى
قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم
يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم
يأخذوا المال نفوا من الأرض.
ثم قال ابن كثير: ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذى رواه ابن جرير فى تفسيره أن
عبدالله بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره أنها نزلت فى
أولئك النفر العرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعى، واستاقوا الإِبل وأخافوا
السبيل .. قال أنس: فسأل رسول الله وَ ﴿ جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال جبريل:
من سرق مالا وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته ومن قتل فاقتله. ومن قتل
وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه))(١).
وقال الفخر الرازى: والذى يدل على ضعف القول الأول وجهان :
الأول: أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإِمام من الاقتصار على النفى،
ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد من الآية التخيير.
الثانى: أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقدهمّ بالمعصية ولم يفعل، وذلك
لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصى فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير، فيجب أن
يضمر فى كل فعل على حدة فعلا على حدة، فصار التقدير: أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن
جمعوا بين أخذ المال والقتل أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال. أو
ينفوا من الأرض إن أخافوا السبيل))(٢).
والخلاصة أن أصحاب هذا الرأى الثانى يستدلون بأدلة نقلية - سبق بيانها - كما يستدلون
بأدلة عقلية منها ما ذكر الإِمام الرازى ومنها أن العقل يقضى أن يكون الجزاء مناسبا للجناية
بحيث يزداد بازديادها، وينقص بنقصها، وليس من المعقول أن تكون جريمة الاتفاق على
الإرهاب بدون تنفيذ، متساوية مع جريمة الإرهاب والقتل والسلب. إذاً فالعدالة توجب تنويع
العقوبة .
(١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٥١.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص٢١٦.

١٣٥
سورة المائدة
ومنها أن التخيير الوارد فى الأحكام المختلفة بحرف التخيير إنما يجرى على ظاهره إذا كان
سبب الوجوب واحدًا كما فى كفارة اليمين وكفارة الفدية، أما إذا كان السبب مختلفا فإنه يخرج
التخيير عن ظاهره - كما هنا -، ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد فى نفسه، وذلك لأن
قطع الطريق متنوع وبين أنواعه تتفاوت الجريمة : فقد يكون باستلاب المال فقط، وقد يكون
بالقتل فقط، وقد يكون بهما ومادام الأمر كذلك وجب أن يكون العقاب مختلفًا ووجب أن يحمل
ظاهر النص على غير التخيير. بأن يحمل على بيان الحكم لكل نوع.
قالوا: ونظير ذلك قوله - تعالى - ﴿قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم
حسنا﴾ فإنه ليس الغرض التخيير وإنما الغرض : ليكن شأنك مع قومك تعذیب من جحد
وظلم، والإِحسان إلى من آمن وعمل صالحا.
وإنما قلنا : ليس الغرض التخيير، لأنه لا يمكن أن يكون له الحق فى أى الأمرين من غير
مرجح لأحدهما فى الاعتبار، إذ منطق العدالة يقتضى أن يكون العذاب لمن فسق وجحد، وأن
يكون الإِحسان لمن آمن واستقام.
قال بعض العلماء: ((وإن الفقه فى التفرقة بين الرأيين أن الرأى الثانى يحدد جرائم معينة،
ويعتبرها موضوع قطع بفعلها أو بالشروع فيها وهى القتل والسرقة. وأن الجرائم لا تخلو عن
ذلك، ولذلك كانت العقوبات مترددة بين القطع والقتل، وأنه يكون ثمة تغليظ إذا ارتكبت
الجريمتان معا.
وإن كان الشروع بالتجمع واتخاذ الأسباب، فإن العقوبة تكون بمنع الجريمة من الوقوع باتخاذ
أسباب الوقاية بالنفى من الأرض، ولذلك كان التنويع، وكان تخريج حرف ﴿أو﴾ على ذلك
الأساس، ليكون التكافؤ بين الجريمة والعقوبة، وإن لم تكن جريمة كانت الوقاية.
أما الرأى الأول فهو يتجه إلى أن عقوبة الحرابة لذات الحرابة والسعى فى الأرض بالفساد،
ومنع الناس من السير والاستمتاع بأموالهم وحرياتهم الشخصية. وظاهر هذا الرأى أنه لا ينظر
إلا إلى ذات الحرابة التى هى التخويف والإرهاب، ولا ينظر إلى الجرائم التى ارتكبوها فعلا،
ولذلك يعمم الجرائم ولا يقصرها على القتل والسرقة كالرأى الثانى.
ويرى أن العقوبات فى جملتها هى لعلاج ذلك الشر، وحسم مادته، والقضاء على التفكير
لمن يهم بمحاكاة من وقعوا فيه، ولذلك يجب إطلاق يدولى الأمر واعتبار تلك العقوبات فى يده
كالدواء بين يدى الطبيب، يختار من أصنافه ما يراه أنجح فى علاج الآفة التى أصابت الجسم
الاجتماعى .
وإنا نرى الرأى الثانى بالنسبة لتنويع العقاب، ونرى الرأى الأول بالنسبة لتعميم الجرائم

١٣٦
المجلد الرابع
التى تفسد المجتمع. فإذا كانت عصابة تعمل لجمع الرجال على النساء وتخطف النساء لذلك
الغرض، أو كانت عصابة لتجميع المواد المخدرة المحرم دينا وقانونا تناولها، فإنهم يكونون
كقطاع الطريق، ويدخلون فى باب الحرابة(١).
٣ - تدل الآية بظاهرها على أن المحاربين يعاقبون فى الدنيا والآخرة، ولا يكون العقاب
الدنيوى طهرة لهم ولو كانوا مسلمين لقوله - تعالى - ﴿ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة
عذاب عظيم﴾.
قال القرطبى : فقوله: ﴿ذلك لهم خزى فى الدنيا﴾ لشناعة المحاربة، وعظم ضررها وإنما
كانت المحاربة عظيمة الضرر، لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس. لأنه إذا أخيف الطريق
انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، فانسد باب التجارة عليهم، وانقطعت
أكسابهم، فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة، وذلك الخزى فى الدنيا ردعا لهم عن
سوء فعلهم، وفتحا لباب التجارة التى أباحها الله لعباده. وتكون هذه المعصية خارجة عن
المعاصى ومستثناة من حديث عبادة بن الصامت فى قول النبى وَ لير: ((فمن أصاب من ذلك شيئا
فعوقب به فى الدنيا فهو كفارة له)).
ويحتمل أن يكون الخزى لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم فى الدنيا، ويجرى هذا الذنب
مجرى غيره. ولا خلود لمؤمن فى النار على ما تقدم، ولكن يعظم عقابه لعظم ذنبه، ثم يخرج إما
بالشفاعة وإما بالقبضة وهذا الوعيد كغيره مقيد بالمشيئة، وله - تعالى - أن يغفر هذا
الذنب))(٢).
٤ - دل قوله - تعالى -: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ على أن توبة
المحاربين قبل الظفر بهم، تسقط عنهم حد المحاربين المذكور فى الآية، إلا أن كثيرا من الفقهاء
قالوا إن الذى يسقط عنهم هو ما يتعلق بحقوق الله، أما ما يتعلق بحقوق العباد فلا يسقط
عنهم بالتوبة قبل القدرة عليهم.
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم): استثنى -
جل شأنه - التائبين قبل أن يقدر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله : ﴿فاعلموا أن الله
غفور رحيم﴾. أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط، وظاهر الآية أن من تاب بعد القدرة
عليه فتوبته لا تنفع، وتقام الحدود عليه كما تقدم))(٣).
(١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام العدد السابع. السنة العشرون.
(٢) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٥٧.
(٣) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٨٥.

١٣٧
سورة المائدة
وقال الألوسى : قوله : ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ استثناء مخصوص بما هو
من حقوق الله - تعالى - كما ينبىء عنه قوله ﴿فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾. وأما ما هو من
حقوق العباد - كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه - فيسقط بالتوبة وجوبه على الإِمام من
حيث كونه حدا، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث كونه قصاصا؛ فإنهم إن شاءوا
عفوا، وإن أحبوا استوفوا))(١).
ويرى ابن جرير وابن كثير أن توبة المحاربين قبل القدرة عليهم تسقط عنهم جميع الحدود.
فقد قال ابن جرير - بعد أن ساق الأقوال فى ذلك -: ((وأولى هذه الأقوال بالصواب
عندى، قول من قال : توبة المحارب الممتنع بنفسه، أو بجماعة معه، قبل القدرة عليه، تضع
عنه تبعات الدنيا التى كانت لزمته أيام حربه وحرابته، من حدود الله، وغرم لازم، وقود
وقصاص، إلا ما كان قائما فى يده من أموال المسلمين والمعاهدين فيرد على أهله))(٢).
وقال ابن كثير: وقوله - تعالى - ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ أما على قول
من قال إنها فى أهل الشرك، فظاهر . - أى: فإنهم إذا آمنوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم
جميع الحدود المذكورة -. وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم
تحتم القتل والصلب وقطع الرجل.
وهل يسقط قطع اليد؟ فيه قولان للعلماء. وظاهر الآية يقتضى سقوط الجميع، وعليه عمل
الصحابة .
ثم ساق آثارا فى هذا المعنى منها : ما رواه ابن أبى حاتم عن الشعبى قال : كان حارثة بن
بدر التميمى من أهل البصرة - وكان قد أفسد فى الأرض وحارب - فكلم رجالا من قريش
فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه. فأتى سعيد بن قيس الهمدانى فخلفه فى داره ثم أتى عليا فقال :
يا أمير المؤمنين: أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى فى الأرض فسادا، فقرأ حتى بلغ
﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) فقال على: اكتب له أمانا .. ))(٣).
وبعد، فهذه بعض الأحكام التى تتعلق بقطاع الطريق الذين سماهم الله - تعالى - محاربين
لله ولرسوله، وسمى الفقهاء عملهم حرابة.
وقد رأينا أن الله - تعالى - قد عاقبهم بتلك العقوبات الرادعة فى الدنيا. وأعد لهم العذاب
(١) تفسير الآلوسى جـ ٦ ص ١٢٠.
(٢) تفسير ابن جرير جـ٦ ص ٢٢٥.
(٣) تفسير ابن كثير جـ٢ ص٥٢.

١٣٨
المجلد الرابع
العظيم فى الآخرة، ما داموا مستمرين فى عدوانهم وتهديدهم لأمن الناس، واستلابهم
لأموالهم .
وإن المقصد من هذه العقوبات الشديدة، أن يكف المعتدون عن عدوانهم، وأن يحس الناس
فى حياتهم بالأمان والاطمئنان على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فإن الأمة التى ترتكب فيها
الجرائم بدون خوف أو وجل، ويفتقد أبناؤها الأمان والاطمئنان، هذه الأمة التى هذا شأنها،
لابد أن تضطرب كلمتها، ويهون أمرها، وتنتزع الثقة بين الحاكمين والمحكومين فيها، لذا فقد
أوجب الإِسلام على أتباعه أن يتكاتفوا ويتعاونوا للقضاء على كل من يحاول إثارة الفتن
والاضطراب بين صفوفهم، حتى يعيشوا آمنين مطمئنين، مؤدين لما يجب عليهم نحو دينهم
ودنياهم بدون خوف أو إزعاج.
وقد قال القرطبى فى هذا المعنى: ((وإذا أخاف المحاربون السبيل، وقطعوا الطريق، وجب
على الإِمام قتالهم من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن
أذى المسلمين، فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبرًا إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا، فإن كان كذلك
أتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته(١).
وبعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة المحاربين له ولرسوله وَيليه وأخرج منهم من تاب إليه -
سبحانه - قبل القدرة عليه بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بتقواه،
وبالتقرب إليه بالعمل الصالح فقال - تعالى - :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُوْإِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُ واْفِسَبِيلِهِ.
٣٥
لَعَلَّككُمْ تُفْلِحُونَ
وقوله : ﴿اتقوا﴾ من التقوى بمعنى صيانة النفس عن كل ما يبغضه الله - تعالى -.
وقوله : ﴿وابتغوا﴾ من الابتغاء وهو الاجتهاد فى طلب الشىء.
و ﴿الوسيلة﴾ على وزن فعيلة بمعنى ما يتوصل به ويتقرب به إلى الله - تعالى -، من فعل
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٥٥.
:

١٣٩
سورة المائدة
الطاعات، واجتناب المعاصى، مأخوذة من وسل إلى كذا، أى. تقرب إليه بشىء. وقيل :
الوسيلة الحاجة.
قال الراغب : الوسيلة : التوصل إلى الشىء برغبة، وهى أخص من الوصيلة، لتضمنها
معنى الرغبة، وحقيقة الوسيلة إلى الله مراعاة سبيله بالعلم والعبادة وتحرى مكارم الشريعة،
وهى كالقربة. والواسل: الراغب إلى الله - تعالى ... (١).
والمعنى: يأيها الذين آمنوا بالحق الذى جاء به محمد وَله ﴿اتقوا الله﴾ أى: خافوه وصونوا
أنفسكم عن كل مالا يرضيه ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾: أى: اطلبوا باجتهاد ونشاط الزلفى
والقربى إليه عن طريق مداومتكم على فعل الطاعات، والتزود من الأعمال الصالحات،
واجتناب المعاصى والمنكرات.
﴿وجاهدوا فى سبيله لعلكم تفلحون﴾ أى: وجاهدوا أنفسكم بكفها عن الأهواء، وكذلك
جاهدوا أعداءكم حتى تكون كلمة الله هى العليا، رجاء أن تفوزوا بالفلاح والسعادة فى الدنيا
والآخرة. وقد ناداهم - سبحانه - بصفة الإِيمان، لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم وتوجيه
عقولهم إلى ما يستدعيه الإِيمان من طاعة وإخلاص.
وقوله: ﴿إليه﴾ متعلق بالفعل قبله وهو ﴿وابتغوا﴾. أو بلفظ ﴿الوسيلة﴾ لأنها بمعنى
المتوسل به، وقدم الجار والمجرور لإِفادة التخصيص.
أى. اطلبوا برغبة وشدة ما يقربكم إلى الله من الأعمال الصالحة، ولا تتقربوا إلى غيره إلا فى
ظل طلب رضاه - سبحانه -.
أو: اطلبوا متوجهين إليه - سبحانه - حاجتكم، فإن بيده مقاليد السموات والأرض،
ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره.
وقد جاء لفظ الوسيلة فى الأحاديث النبوية على أنه اسم لأعلى الدرجات فى الجنة، وهذا
المعنى متلاق مع أصل المعنى، وهو التقرب إلى الله والتوسل إليه وحده بالطاعات، لأن من
يفعل ذلك ينال من الله - تعالى - أسمى الدرجات.
وقد ساق الامام ابن كثير جملة من الأحاديث فى هذا المعنى فقال ما ملخصه :
والوسيلة : القربة. كذا قال ابن عباس ومجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وغير واحد.
قال قتادة: أى تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه.
والوسيلة أيضًا: علم على أعلى منزلة فى الجنة وهى منزلة رسول الله #* وداره فى الجنة،
(١) المرادات فى غريب القرآن ص ٥٢٣.

١٤٠
المجلد الرابع
وهى أقرب أمكنة الجنة إلى العرش. وقد ثبت فى صحيح البخارى عن جابر بن عبد الله قال :
قال رسول الله وَالر: ((من قال حين سمع النداء - أى الأذان -: اللهم رب هذه الدعوة
التامة، والصلاة القائمة. آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذى وعدته حلت
له شفاعتی يوم القيامة )).
وثبت فى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه سمع النبى - وسلم يقول: ((إذا سمعتم
المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على، فإنه من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم
سلوا لى الوسيلة فإنها منزلة فى الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو. فمن
سأل الوسيلة حلت له شفاعتي))(١).
والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد أرشدت المؤمنين إلى ما يسعدهم بأن ذكرت لهم ثلاث
وسائل وغاية،، أو ثلاث مقدمات ونتيجة.
أما الوسائل الثلاث أو المقدمات الثلاث فهى : تقوى الله، والتقرب إليه بما يرضيه، والجهاد
فى سبيله. وأما الغاية أو النتيجة لكل ذلك فهى الفلاح والفوز والنجاح.
ولو أن المسلمين تمسكوا بهذه الوسائل حق التمسك لو صلوا إلى ما يسعدهم فى دنياهم وفى
آخرتهم .
هذا، وللعلماء كلام طويل فى التوسل والوسيلة، نرى أنه لا بأس من ذكر جانب منه.
قال الامام ابن تيمية : إن لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه، يجب أن تعرف معانيه
ويعطى كل ذى حق حقه. فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه : وما كان يتكلم
به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك، ويعرف ما أحدثه المحدثون فى هذا اللفظ ومعناه فإن كثيرًا
من اضطراب الناس فى هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإِجمال والاشتراك فى الألفاظ ومعانيها
حتى تجد أكثرهم لا يعرف فى هذا الباب فصل الخطاب.
إن لفظ الوسيلة ورد فى القرآن ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا.
إليه الوسيلة﴾.
الوسيلة التى أمر الله أن تبتغى إليه. هى ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات.
فجماع الوسيلة التى أمر الله الخلق بابتغائها، هو التوسل إليه باتباع ماجاء به الرسول،
لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك.
ولفظ الوسيلة ورد - أيضًا - فى الأحاديث الصحيحة كقوله وَّله « سلوا الله لى الوسيلة فإنها
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٣