Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ سورة النساء ومثل الإِيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه)). وإننا لهذا نقول: إن النفاق فى داخل الإِسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد فى الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام(١). ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقین فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه کل من یرید - أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله، وأخلصوا دينهم الله، فأولئك مع المؤمنين، وسوف يؤت الله المؤمنين أجرًا عظيما﴾. أى: هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم ﴿واعتصموا بالله﴾ أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين ﴿وأخلصوا دينهم الله﴾ بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثويته، ﴿فأولئك﴾ الذين فعلوا ذلك ﴿مع المؤمنين﴾ الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى: معهم فى فضيلة الإِيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. ((وسوف يؤت الله المؤمنين أجرًا عظیا)) لا یقادر قدره، ولا یکتنه کنهه. فقوله : ﴿إلا الذين تابوا﴾ استثناء من المنافقين فى قوله ﴿إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار﴾ . قال الفخر الرازى ما ملخصه: اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أمورًا أربعة : أولها : التوبة. وثانيها: إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإقدام على الحسن. وثالثها: الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله . (١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة أستاذنا الجليل الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام السنة ١٧ العدد ١٢. ٣٦٢ المجلد الثالث ورابعها: الإِخلاص: بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر(١). والإِشارة فى قوله ﴿فأولئك مع المؤمنين﴾ تعود إلى الاسم الموصول وهو ﴿الذين﴾ باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة. والمقصود بالمعية فى قوله ((مع المؤمنين)) التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير ((بسوف)) لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى. أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه. ونكر - سبحانه - الأجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإِفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه. ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال - تعالى - : ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرًا عليما﴾. و ﴿ما﴾ استفهامية. والمراد بالاستفهام هنا النفى والإنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشىء آخر. والمعنى : أی منفعة له - سبحانه - فی عذابکم وعقوبتكم إن شکرتم نعمه، وأدیتم حقها، وآمنتم به حق الإِيمان؟ لا شك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإِيمان واقعين منكم؛ فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : قوله ﴿ما يفعل الله بعذابكم﴾ أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضررًا؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شىء من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسىء. فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب(٢). و﴿ما﴾ فى محل نصب ب﴿يفعل﴾ لأن الاستفهام له الصدارة. والباء فى قوله ((بعذابكم)) سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفى كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإشارة إلى أنه - سبحانه - رتب الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٨٨. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٨١ - بتصرف يسير -. ٣٦٣ سورة النساء وقوله : ﴿إن شكرتم﴾ جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وآمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟ وقدم الشكر على الإِيمان، لأن الشكر سبب فى الإِيمان، إذ الإنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإِيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإِيمان والإِيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإِيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب. وقوله : ﴿وكان الله شاكرا عليما﴾ تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين. أى: وكان الله شاكرًا لعباده على طاعتهم. أى مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه. وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكرًا منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده أن يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإِمام ابن القيم حيث يقول : لكن يضاعفه بلا حسبان وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم هو أوجب الأجر العظيم الشأن ما للعباد عليه حق واجب إن كان بالإِخلاص والإِحسان كلا ولا عمل لديه بضائع فبفضله، والحمد للرحمن إن عذبوا فبعدله، أو نعموا وإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى -: ﴿بشر المنافقين﴾ قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع الإِسلامى، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجىء تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجىء الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنی الحمید، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين ٣٦٤ المجلد الثالث بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله - تعالى -: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما﴾ إنها لآية كريمة تحض الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن؛ ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعیدا﴾ . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك، وتوعد الكافرين به وبرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق الإِيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى - : لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّ مَنْ ظُلِّ وَكَانَ اَللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ◌ِنَّ) إِن تُبْدُ واْخَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْتَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوا قَدِيرًا ﴾ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِ» وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُ وابَيِّنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَكَّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابً مُهِينًا (١٥) وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ ١٥٢ يُؤْتِهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًارَحِيمًا وقوله - تعالى -: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ نهى للمؤمنين عن الاسترسال فى الجهر بالسوء إلا عندما يوجد المقتضى لهذا الجهر. وعدم محبته - سبحانه - لشىء كناية عن غضبه على فاعله وعدم رضاه عنه، والجهر بالقول ٣٦٥ سورة النساء معناه : النطق به فى إعلان، ونشره بين الناس، وإذاعته فيهم فهو يقابل السر والإِخفاء. والقول السوء: هو الذى يسوء من يقال فيه ويؤذيه فى شرفه، أو عرضه أو غير ذلك مما يلحق به شرا. والمعنى : لا يحب الله - تعالى - لأحد من عباده أن يجهر بالأقوال السيئة أو الأفعال السيئة، إلا من وقع عليه الظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول فى الحدود التى تمكنه من رفع الظلم عنه دون أن يتجاوز ذلك، كأن يجهر الخصم بما ارتكبه خصمه فى حقه من مآثم. وكأن يذكر المظلوم الظالم بالقول السىء فى المجالس العامة والخاصة متحريا البعد عن الكذب والبهتان . قال القرطبى ما ملخصه: والذى يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه - ولكن مع اقتصاد - إن كان مؤمنا، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا، وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء كما فعل النبى وَلّر حيث قال: ((اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف)). وإن كان مجاهرا بالظلم دعا عليه الداعى جهرا، ولم يكن لهذا المجاهر عرض محترم، ولا بدن محترم ولا مال محترم. وقد روى أبو داود عن عائشة أنها قالت : سرق لها شىء فجعلت تدعو عليه - أى على السارق - فقال رسول الله وَ طير((لا تسبخى عنه)) أى: لا تخففى عنه العقوبة بدعائك عليه. وروى أبو داود - أيضا - عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول وَلي قال: ((لى الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته)) أى: المماطلة من القادر على دفع الحقوق لأصحابها ظلم يبيح للناس أن يذكروه بالسوء(١). وقول السوء بدون مقتض يبغضه الله سواء أكان هذا القول سرا أو جهرا إلا أنه - سبحانه - خص الجهر بالذكر لأنه أشد فحشا، ولأنه أكثر جلبا للعداوة بين الناس، وأشد تأثيرا فى إشاعة الجرائم فى المجتمع، فإن كثرة سماع الناس للكلام السىء. وللقول الماجن، يغرى الكثير منهم بترديد ما سمعوه، وبحكايته فى أول الأمر بشىء من الحياء، ثم لا يلبث هذا الحياء أن يزول بسبب إلف الناس للكثير من الألفاظ النابية، والأقوال السيئة. وأنت تقرأ القرآن فتراه فى عشرات الآيات يأمر أتباعه بالمداومة على النطق بالكلام الطيب حتى تنتشر بينهم المحبة والمودة. ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن، إن الشيطان ينزع بينهم إن الشيطان كان للانسان عدوا مبينا﴾(٢). (١) تفسير القرطبى جـ٦ ص٣. (٢) سورة الأسراء الآية ٥٣. ٣٦٦ المجلد الثالث والخلاصة أن الإِسلام يحب لأتباعه أن يلتزموا النطق بالكلمة الطيبة، ويكره لهم أن يجهروا بالسوء من القول إلا فى حالة وقوع ظلم عليهم، ففى هذه الحالة يجوز لهم أن يجهروا بالسوء من القول حتى يرتدع الظالم عن ظلمه. والاستثناء فى قوله ﴿إلا من ظلم﴾ استثناء منقطع، فتكون إلا بمعنى لكن. أى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن من ظلم له أن يجهر بالسوء لكى يدفع ما وقع عليه من ظلم. ويحتمل أن يكون متصلا فيكون المعنى : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من أحد إلا ممن ظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول لرفع الظلم عنه فيكون الاستثناء من الفاعل المحذوف وهو - من أحد - أو: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا جهر من ظلم فإنه ليس بخارج عن محبة الله لأن دفع الظلم واجب. فيكون الكلام على تقدير مضاف محذوف. وقوله : ﴿وكان الله سميعا عليما﴾ تذييل قصد به التحذير من التعدى فى الجهر المأذون فيه، ووعد للمظلوم بأنه - تعالى - يسمع شكواه ودعاءه، ويعلم ظلم ظالمه. أى: وكان الله سميعا لكل ما يسر به المسرون أو يجهر به المجاهرون، عليما بما يدور فى النفوس من بواعث وهواجس، وسيجازى كل إنسان بأقواله وأعماله، إن خيرا فخير، وإن شرًّا فشر. ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى، وحض على العفو والصفح وفعل الخير فقال : ﴿إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء، فإن الله كان عفوا قديرا﴾. أى: إن تظهروا - أيها الناس - ﴿خيرا﴾ من طاعة وبر وقول حسن، وفعل حسن، أو ﴿تخفوه﴾ أى، تخفوا هذا الخير بأن تعملوه سرا ﴿أو تعفوا عن سوء﴾ بأن تصفحوا عمن أساء إلكم، يكافئكم الله - تعالى - على ذلك مكافأة حسنة، ویتجاوز عن خطایاکم، ﴿فإن الله كان عفوا قديرا﴾ أى: كثير العفو عن العصاة مع كمال قدرته على مؤاخذتهم ومعاقبتهم فاقتدوا بهذه الصفات الحميدة لتنالوا محبة الله ورضاه. فالآية الكريمة تدعو الناس إلى الإكثار من فعل الخير سواء أكان سرا أو جهرا، كما تدعو إلى ... العفو عن المسيئين إليهم. قال ابن كثير: وفى الحديث الصحيح: ((ما نقص مال من صدقة. وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا. وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله))(١). (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٥٧١. ٣٦٧ . سورة النساء وقال الفخر الرازى: اعلم أن معاقد الخير على كثرتها محصورة فى أمرين : صدق مع الحق وخلق مع الخلق. والذى يتعلق بالخلق محصور فى قسمين : إيصال نفع إليهم ودفع ضرر عنهم. فقوله. ﴿إِن تبدو خيرًا أو تخفوه﴾ إشارة إلى إيصال النفع إليهم. وقوله: ﴿أو تعفوا عن سوء﴾ إشارة إلى دفع الضرر عنهم. فدخل فى هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر(١). ثم بين - سبحانه - رذائل أهل الكتاب وأباطيلهم وسوء مصيرهم بعد حديثه القريب عن المنافقين .. فقال - تعالى - ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله﴾ بأن يجحدوا وحدانية الله، وينكروا صدق رسله - عليهم الصلاة والسلام - ﴿ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله﴾ أى يريدون أن يفرقوا بين الإِيمان بالله - تعالى - وبين الإِيمان برسله، بأن يعلنوا إيمانهم بوجود الله - تعالى - وأنه خالق هذا الكون، إلا أنهم يكفرون برسله أو ببعضهم. قال القرطبى : نص - سبحانه - على أن التفريق بين الإِيمان بالله والإِيمان برسله كفر، وإنما - كان كفرًا لأن الله سبحانه - فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا رسالة الرسل فقد ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التى أمروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع - سبحانه - وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية. وكذلك التفريق بين رسله فى الإِيمان بهم كفر(٢). وقوله - تعالى - ﴿ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض﴾ حكاية لما نطقوا به من كفر وجحود. أى. ويقولون على سبيل التبجح والعناد : نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعضهم كما قال اليهود نؤمن بموسى والتوراة ونكفر بما وراء ذلك. وكما قال النصارى. نؤمن بعيسى والإِنجيل ونكفر بما سوى ذلك. وقوله ﴿ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا﴾ أى ويريدون بقولهم هذا أن يتخذوا بين الإِيمان بالبعض والكفر بالبعض طريقا يسلكونه، ودينا يتبعونه مع أنه لا واسطة بينهما قطعا، لأن الرسل جميعا قد بعثهم الله - تعالى - لدعوة الناس إلى توحيده، وإخلاص العبادة له ونشر مكارم الأخلاق فى الأرض. فمن كفر بواحد منهم كفر بهم جميعا. وقوله ﴿أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾ إخبار عن سوء مصيرهم، وشناعة عاقبتهم. أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات القبيحة هم الكافرون الكاملون فى الكفر، (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٩٠. (٢) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٤. ٣٦٨ المجلد الثالث الراسخون فى ظلماته، وأعتدنا أى وهيأنا وادخرنا للكافرين جميعا عذابا يهينهم ويذلهم جزاء كفرهم وجحودهم. وقوله ﴿حقا﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، وعامله محذوف أى: أولئك الكافرون حق ذلك حقا. ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف. أى أولئك هم الكافرون كفرا حقا أى : كفرا كاملا لا شك فى وقوعه منهم وانغماسهم فيه. هذا هو شأن الكافرين بالله ورسله، وتلك هى عاقبتهم أما المؤمنين الصادقون فقد بشرهم الله بقوله: ﴿والذين آمنوا بالله﴾ حق الإِيمان وآمنوا ﴿برسله﴾ جميعا ﴿ولم يفرقوا بين أحد منهم﴾ أى: لم يفرقوا فى الإِيمان بين رسول ورسول بل آمنوا بهم جميعا. ﴿أولئك﴾ الذين استقر الإِيمان الكامل فى قلوبهم، والذين وصفهم الله - تعالى - بتلك الأوصاف الحميدة ﴿سوف يؤتيهم﴾ الله - تعالى - ﴿أجورهم﴾ التى وعدهم بها ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ أى: وكان الله وما زال كثير المغفرة والرحمة لمن هذه صفاتهم، وتلك نعوتهم. والتعبير بسوف لتأكيد الأجر الذى وعدهم الله به، وللدلالة على أنه كائن لا محاولة وإن تراخى. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد قابلت بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين؛ ليقلع الناس عن الكفر والمعاصى، ويستجيبوا لأوامر الله لينالوا رضاه. ثم حكى - سبحانه - جانبا من الأسئلة المتعنتة التى كان اليهود يوجهونها إلى النبى مير ومن النعم التي أنعم - سبحانه - بها عليهم ومن المنكرات التى قالوها وفعلوها، ومن العقوبات التى عاقبهم الله بها بسبب ظلمهم وفسوقهم .. استمع إلى القرآن وهو يحكى كل ذلك فيقول: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَنْ تَنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَبًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىّ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الضَّحِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّا تَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تْهُمُ اُلْبَغِنَتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكٌ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًّا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الُوَرَ بِمِثَقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْ خُلُوْبَابَ سُجَّدًا ٣٦٩ سورة النساء ١٥٤) وَقُلْنَالَهُمْ لَا تَعْدُ واْ فِى السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِتَقًّا غَلًِّا فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَيَشَقَهُمْ وَكُفْرِهِم ◌ِثَايَتِ اللَّهِ وَقَبْلِهِمُ الْأَّتِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْاِهِمْ قُلُوبُنَا غُلّفٌ بَلْ طَبَعَاللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٥)، وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَّا عَظِيمًا () وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُّبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شٍَّ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلََّ انِبَعَ الَّنَّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنَا (٦) بَلِ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ـ﴾ وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّ لَيُؤْ مِنَنَّبِهِ قَبْلَ مُوْنِ، وَيَوْمَ ١٥٨ اَلْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا () فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١) وَأَخَذِ هِمُ الْرِّبَوْ وَقَدْ تُهُواْعَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَالنَّاسِ بِالْبَطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٦) لَكِنِ الَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ وَالْمُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ أُوْلَكَ سَنُؤْقِبِهِمْ أَجْرَاً عَظِيمًا ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿يسألك أهل الكتاب﴾ .. الخ ذكروا روايات منها : ما أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظى قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول ٣٧٠ المجلد الثالث اللّه ◌َل﴾ فقالوا: يا محمد، إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا أنت بالألواح من عند الله حتى نصدقك. فأنزل الله - تعالى - ﴿يسألك أهل الكتاب﴾. إلى قوله ﴿وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾ وعن السدى: قالت اليهود: يا محمد، إن كنت صادقا فأتنا بكتاب من السماء كما جاء به موسى. وعن قتادة: أنهم سألوه أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا، تأمر بتصديقه واتباعه(١). والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة، بدليل سياق الآيات الكريمة التى ذكرت أوصافا تنطبق عليهم، وبدليل ما ذكرناه فى سبب نزول الآيات. والمعنى يسألك اليهود يا محمد على سبيل التعنت والعناد، أن تنزل عليهم كتابا من السماء مكتوبا جملة كما جاء موسى لآبائهم بالتوراة مكتوبة فى الألواح جملة. أو يسألونك أن تنزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا من السماء تأمرهم بتصديقك، وسؤالهم هذا مقصدهم من ورائه التعنت والجحود، ولو كانوا يريدون الإِيمان حقا لما وجهوا إليك هذه الأسئلة المتعنتة؛ لأن الأدلة القاطعة قد قامت على صدقك. وعبر بالمضارع فى قوله ﴿يسألك﴾ لقصد استحضار حالتهم العجيبة فى هذا السؤال، حتى لكأن السامع يراهم، وللدلالة على تكرار أسئلتهم وتجددها المرة تلو الأخرى بدون حياء أو خجل. وقوله : ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة﴾ بيان للون من رذائلهم وقبائحهم، وتسلية للرسول وي عما لحقه منهم من أذى وسوء أدب. والفاء فى قوله ﴿فقد سألوا﴾ معطوفة على جملة محذوفة والتقدير: لا تبتئس يا محمد من أقوال هؤلاء اليهود، ولا تهتم بأسئلتهم، فتلك شنشنة قديمة معروفة عن آبائهم، فقد سأل آباؤهم موسى أسئلة أكبر من ذلك فقالوا له : أرنا الله جهرة أى رؤية ظاهرة بحيث نعاينه ونشاهده بأبصارنا ويطلب إلينا الإِيمان بك. ويصح أن تكون الفاء واقعة فى جواب شرط مقدر، وإليه أشار صاحب الكشاف بقوله : ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذلك﴾، جواب لشرط مقدر معناه (إن استكبرت ما سألوك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم فى أيام موسى وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم، وراضين بسؤالهم. ومضاهين لهم فى التعنت(٢). أى: أن حاضر هؤلاء اليهود الذين يعيشون معك يا محمد كماضى آبائهم الأقدمين، (١) تفسير ابن جرير جـ٦ ص ٧. (٢) تفسير الكشاف جـ١ ص ٥٨٥. ٣٧١ سورة النساء وأخلاق الأبناء صورة من أخلاق الآباء، وجميعهم لا يبغون من سؤالهم الاهتداء إلى الحق وإنما يبغون إعنات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - والإِساءة إليهم. والفاء فى قوله: ﴿فقالوا أرنا الله جهرة﴾ تفسيرية كما فى قولهم: توضأ فغسل وجهه. وقوله: ﴿جهرة﴾ من الجهر الذى هو ضد الإِخفاء. يقال جهر البئر - كمنع - واجتهرها، إذا أظهر ماءها. وجهر الشىء: كشفه، وجهر الرجل: رآه بلا حجاب. أى: أرنا الله جهارا عيانا بحاسة البصر فيكون قوله ﴿جهرة﴾ مفعولا مطلقا، لأن لفظ ﴿جهرة﴾ نوع من مطلق الرؤية فيلاقى عامله فى الفعل. ويصح أن يكون حالا من المفعول الأول أى: أرنا الله مجاهرين معاينين وقوله: ((فأخذتهم الصاعقة بظلمهم)) بيان للعقوبة التى حلت بهم نتيجة سوء أدبهم وجرأتهم على خالقهم وعلى أنبيائهم . والصاعقة - كما يقول ابن جرير - : كل أمر هائل رآه الرائى أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة(١). وقال الراغب : الصاعقة على ثلاثة أوجه : الموت كقوله : ﴿فصعق من فى السموات ومن فى الأرض﴾. والعذاب كقوله: ﴿أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾، والنار كقوله: ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ وما ذكره - سبحانه إنما هى أشياء حاصلة من الصاعقة؛ فإن الصاعقة هى الصوت الشديد فى الجو، ثم يكون منه نار فقط، أو عذاب، أو موت، وهى فى ذاتها شىء واحد. وهذه الأشياء تأثيرات منها(٢). ويبدو أن المراد بالصاعقة هنا : ذلك الصوت الشديد المجلجل المزلزل المصحوب بنار هائلة، والذى كان من آثاره أن صعقوا: أى خروا مغشيا عليهم أو هلكوا، بسبب ظلمهم وعنادهم وفسوقهم عن أمر الله. وقوله: ﴿ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانًا مبينًا﴾ بيان لنوع ثالث من جرائمهم، ولمظهر من مظاهر رحمة الله بهم. أى: أن هؤلاء الذين سألوا موسى رؤية الله جهرة، أخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٩٠ (٢) المفردات فى غريب القرآن ص ٢٨١ للراغب الأصفهانى. ٣٧٢ المجلد الثالث ظلمهم، لم يرتدعوا ولم ينزجروا، بل لجوا فى طغيانهم وضلالهم فاتخذوا العجل معبودا لهم من دون الله ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾ أى من بعد ما جاءتهم الدلائل القاطعة على وحدانية الله وصدق أنبيائه. وقوله: ﴿فعفونا عن ذلك﴾ أى. عفونا عن اتخاذهم العجل إلها بعد أن تابوا وأقلعوا عن عبادته، لأن التوبة تجب ما قبلها. وقوله. ﴿وآتينا موسى سلطانا مبينا﴾ أى. أعطينا موسى بفضلنا ومنتنا حججا بينات ومعجزات باهرات، وقوه وقدرة على الانتصار على من خالفه و (ثم) فى قوله. ﴿ثم اتخذوا العجل﴾ للتراخى الرتبى؛ لأن اتخاذهم العجل إلها أعظم جرما مما حكاه الله عنهم من جرائم قبل ذلك. وقوله ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾ بيان لفرط ضلالهم وانطماس بصيرتهم، لأنهم لم يعبدوا العجل عن جهالة، وإنما عبدوه من بعد ما وصلت إلى أسماعهم وعقولهم الدلائل الواضحة وعلى وحدانية الله، وعلى أن عبادة العجل لا يقدم عليها إنسان فيه شىء من التعقل وحسن الإِدراك. واسم الإِشارة فى قوله ﴿فعفونا عن ذلك﴾ يعود إلى اتخاذ العجل معبودا من دون الله. والجملة الكريمة حض لليهود المعاصرين للعهد النبوى على الدخول فى الإِسلام فإنهم متى فعلوا ذلك غفر الله لهم ما سلف من ذنوبهم كما غفر لآبائهم بعد أن تابوا من عبادة العجل. هذا، وما حكته هذه الآية الكريمة من جرائم بنى إسرائيل بصورة مجملة قد جاء مفصلا فى مواطن أخرى ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم. وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾(١). ثم بين - سبحانه - لونا آخر من عنادهم وجحودهم فقال: ﴿ورفعنا فوقهم الطور میثاقهم﴾. قال ابن كثير: وذلك أنهم حين امتنعوا عن الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاء به موسى - عليه السلام - رفع الله على رءوسهم جبلا. ثم ألزموا فالتزموا، وسجدوا، (١) سورة البقرة الآيات من ٥٤، ٥٦ وراجع تفسيرها فى كتابنا (بنو إسرائيل فى القرآن والسنة) جـ ١ ص ٤٦٢. ٣٧٣ سورة النساء وجعلوا ينظرون إلى ما فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم. كما قال - تعالى -: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ .. الآية (١). وقوله - تعالى -: ﴿وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا﴾ أى: وقلنا لهم على لسان أنبيائهم ادخلوا باب القرية التى أمرناكم بدخولها ساجدين لله، أى: ادخلوها متواضعين خاضعين لله، شاكرين له فضله وكرمه، ولكنهم خالفوا ما أمرهم الله مخالفة تامة. والمراد بالقرية التى أمرهم الله بدخول بابها ساجدين: قيل: هى بيت المقدس وقيل : إيلياء، وقيل: أريجاء. وقد أبهمها الله - تعالى - لأنه لا يتعلق بذكرها مقصد أو غرض. ولم يرد فى السنة الصحيحة بيان لها. وقد تحدث القرآن عن قصة أمرهم بدخول هذه القرية ساجدين بصورة أكثر تفصيلا فى سورتى البقرة والأعراف، فقال - تعالى - فى سورة البقرة : ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدًا، وأدخلوا الباب سجدًا، وقولوا حطه، نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ٥٨ فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم. فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون﴾ ٥٩. وقوله: ﴿وقلنا لهم لا تعدوا فى السبت﴾ أى: وقلنا لهم كذلك لا تتجاوزوا الحدود التى أمركم الله بالتزامها فى يوم السبت والتى منها: ألا تصطادوا فى هذا اليوم، ولكنهم خالفوا أمر الله، وتحايلوا على استحلال محارمه. وقصة اعتداء اليهود على محارم الله فى يوم السبت قد جاء ذكرها فى كثير من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله - تعالى - فى سورة البقرة: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين ٦٥ فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين﴾ ٦٦. وقال - تعالى - فى سورة الأعراف: ﴿واسألهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر، إذ يعدون فى السبت، إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم : كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون﴾. الآية ١٦٣. وقوله ﴿وأخذنا منهم ميثاقا غليظا﴾ أى: وأخذنا منهم عهدا مؤكدا كل التأكيد، وموثقًا كل التوثيق، بأن يعملوا بما أمرهم الله به، ويتركوا ما نهاهم عنه. ولكنهم نقضوا عهودهم، وكفروا بآيات الله، ونبذوها وراء ظهورهم. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٧٣. ٣٧٤ المجلد الثالث وأضاف - سبحانه - الأخذ إلى ذاته الكريمة تقوية لأمر هذا الميثاق، وتنويها بشأنه، وإشعارًا بوجوب الوفاء به؛ لأن ما أخذه الله على عباده من مواثيق من واجبهم أن يفوا بها إذ هو - سبحانه - وحده سيجازيهم على نكثهم ونقضهم لعهودهم. ووصف - سبحانه - الميثاق الذى أخذه عليهم بالغلظ أى : بالشدة والقوة؛ لأنه كان قويا فى معناه وفى موضوعه وفى كل ما اشتمل عليه من أوامر ونواه وأحكام، ولأن نفوسهم كانت منغمسة فى الجحود والعناد فكان من المناسب لها تأكيد العهد وتوثيقه لعلها ترعوى عن ضلالها وفسوقها عن أمر الله. ثم عدد - سبحانه - ألوانا أخرى من جرائمهم التى عاقبهم عليها عقابا شديدا فقال - تعالى -: ﴿فيما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق. وقولهم قلوبنا غلف، بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾. والفاء فى قوله ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ للتفريع على ما تقدم من قوله ﴿وأخذنا منهم ميثاقا غليظا﴾ والباء للسببية، وما هنا مزيدة لتأكيد نقضهم للميثاق. والجر والمجرور متعلق بمحذوف لتذهب نفس السامع فى تقديره كل مذهب فى التهويل والتشنيع على هؤلاء الناقضين لعهودهم مع الله - تعالى - فيكون المعنى : فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم وبسبب كفرهم بآياتنا، وبسبب قتلهم لأنبيائنا، وبسبب أقوالهم الكاذبة. بسبب كل ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من أنواع العقوبات الشديدة، وأنزلنا بهم ما أنزلنا من ذل ومهانة وصغار ومسخ .... الخ. ١ ويرى بعضهم أن الجار والمجرور متعلق بقوله - تعالى - بعد ذلك ﴿حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ ... أى: فبسبب نقضهم للميثاق. وكفرهم بآيات الله حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. قال الفخر الرازى: واعلم أن القول الأول أولى ويدل عليه وجهان : أحدهما: أن الكلام طويل جدًّا من قوله: ﴿فيما نقضهم ميثاقهم﴾ إلى قوله: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾. الثانى: أن تلك الجنايات المذكورة بعد قوله - تعالى - ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ عظيمة جدا. لأن كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، وإنكارهم للتكليف بقولهم : قلوبنا غلف، أعظم الذنوب، وذكر الذنوب العظيمة، إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة، وتحريم ٣٧٥ سورة النساء بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات الكبيرة))(١). فأنت ترى أن الله - تعالى - قد لعن بنى إسرائيل كما جاء فى قوله - تعالى - ﴿فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم﴾ ومسخهم قردة وخنازير كما جاء فى قوله - تعالى - ﴿فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ وكما فى قوله - تعالى - ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مئوية عند الله، من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت﴾. وتلك العقوبات كلها إنما كانت بسبب الجنايات والمنكرات التى سجلتها عليهم الآيات القرآنية؛ والتى من أجمعها هذه الآيات التى معنا. فالآيات التى معنا تسجل عليهم نقضهم للمواثيق، ثم تسجل عليهم - ثانيا - كفرهم بآيات الله . وقد عطف - سبحانه - كفرهم بآياته على نقضهم للميثاق الذى أخذه عليهم مع أن ذلك الكفر من ثمرات النقض، للاشعار بأن النقض فى ذاته إثم عظيم والكفر فى ذاته إثم عظيم - أيضا - من غير التفات إلى أن له سببًا أو ليس له سبب. وسجل عليهم - ثالثا - قتلهم الأنبياء بغير حق. فقد قتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من رسل الله - تعالى - ولا شك أن قتل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يدل على شناعة جريمة من قتلهم وعلى توغله فى الجحود والعناد والفجور إلى درجة تعجز العبارات عن وصفها، لأنه بقتله للدعاة إلى الحق، لا يريد للحق أن يظهر ولا للفضيلة أن تنتشر، ولا للخير أن يسود، وإنما يريد أن تكون الأباطيل والرذائل والشرور هى السائدة فى الأرض. وقوله : ﴿بغير حق﴾ ليس قيدا؛ لأن قتل النبيين لا يكون بحق أبدًا، وإنما المراد من قوله: ﴿بغير حق﴾ بيان أن هؤلاء القاتلين قد بلغوا النهاية فى الظلم والفجور والتعدى. لأنهم قد قتلوا أنبياء الله بدون أى مسوغ يسوغ ذلك، وبدون أية شبهة تحملهم على ارتكاب ما ارتكبوا، وإنما فعلوا ما فعلوا لمجرد إرضاء أحقادهم وشهواتهم وأهوائهم ... وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله، فإن قلت : وقتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ قلت. معناه أنهم قتلوهم بغير حق عندهم - ولا عند غيرهم -، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا فى الأرض فيقتلوا. وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم. فلوسئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل(٢). (١) تفسير الفخر الرازى جـ١١ ص٩٧ (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤١٦ ٣٧٦ المجلد الثالث ثم سجل عليهم - رابعا - قولهم ﴿قلوبنا غلف﴾. وقوله: ﴿غلف﴾ جمع أغلف - كحمر جمع أحمر - والشىء الأغلف هو الذى جعل عليه شىء يمنع وصول شىء آخر إليه. والمعنى: أن هؤلاء الجاحدين قد قالوا عندما دعاهم الرسول ﴿ إلى الحق إن قلوبنا قد خلقها الله مغطاة بأغطية غليظة، وهذه الأغطية جعلتنا لانعى شيئا مما تقوله يا محمد، ولا نفقه شيئا مما تدعونا إليه، فهم بهذا الكلام الذى حكاه القرآن عنهم، يريدون أن يتنصلوا من مسئوليتهم عن كفرهم، لأنهم يزعمون أن قلوبهم قد خلقها الله بهذه الطريقة التى حالت بينهم وبين فهم ما يراد منهم. وقريب من هذا قوله - تعالى - حكاية عن المشركين: ﴿وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه، وفى آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون﴾(١). وقيل : إن قوله: وغلف : جمع غلاف - ككتب وكتاب - وعليه يكون المعنى : أنهم قالوا إن قلوبنا غلف أى أوعية للعلم شأنها فى ذلك شأن الكتب، فلا حاجة بنا يا محمد إلى ما تدعونا إليه، لأننا عندنا ما يكفينا. والذى يبدو لنا أن التأويل الأول أولى، لأنه أقرب إلى سياق الآية، فقد رد الله عليهم بقوله: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾. والطبع معناه. إحكام الغلق على الشىء وختمه بحيث لا ينفذ إليه شىء آخر. والمعنى: أن هؤلاء القائلين إن قلوبهم غلف كاذبون فيما يقولون، وتخليهم عن مسئولية الکفر لیس صحیحا. لأن کفرهم لیس سببه أن قلوبهم قد خلقت مغطاة بأغطیة تحجب عنها إدراك الحق - كما يزعمون - بل الحق أن الله - تعالى - ختم عليها، وطمس معالم الحق فيها، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة. فهو - سبحانه - قد خلق القلوب على الفطرة، بحيث تتمكن من اختيار الخير والشر، إلا أن هؤلاء اليهود قد أعرضوا عن الخير إلى الشر، واختاروا الكفر على الإِيمان نتيجة انقيادهم لأهوائهم وشهواتهم. فالله - تعالى - طبع على قلوبهم بسبب إيثارهم سبيل الغى على سبيل الرشد، فصاروا لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا قيمة له عند الله -تعالى -. فقوله ﴿إلا قليلا﴾ نعت لمصدر محذوف أى إلا إيمانا قليلا. كإيمانهم بنبوة موسى - عليه السلام - وإنما كان إيمانهم هذا لا قيمة له عند الله، لأن الإِيمان ببعض الأنبياء والكفر. (١) سورة فصلت. الآية ٥ ٣٧٧ سورة النساء ببعضهم، يعتبره الإِسلام كفرا بالكل كما سبق أن بينا فى قوله - تعالى - ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله، ویریدون أن يفرقوا بين الله ورسله ویقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. أولئك هم الكافرون حقا﴾. ومنهم من جعل قوله ﴿إلا قليلا﴾ صفة لزمان محذوف أى: فلا يؤمنون إلا زمانا قليلا. ومنهم من جعل الاستثناء فى قوله ﴿إلا قليلا﴾ من جماعة اليهود المدلول عليهم بالواو فى قوله ﴿فلا يؤمنون﴾ أى: فلا يؤمنون إلا عددا قليلا منهم كعبد الله بن سلام وأشباهه. والجملة الكريمة وهى قوله: ﴿طبع الله عليها بكفرهم﴾ معترضة بين الجمل المتعاطفة. وقد جىء بها للمسارعة إلى رد مزاعمهم الفاسدة، وأقاربهم الباطلة. ثم سجل عليهم - خامسا وسادسا - جريمتين شنيعتين فقال: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾. والمراد بالكفر هنا: كفرهم بعيسى - عليه السلام - وهو غير الكفر المذكور قبل ذلك فى قوله: ﴿طبع الله عليها بكفرهم﴾ لأن المراد به هنا مطلق الجحود الذى لا يجعل الشخص يستقر على شىء، فهو إنكار مطلق للحق. وقد أشار إلى هذا المعنى الألوسى بقوله: وقوله: ﴿وبكفرهم﴾ عطف على ﴿بكفرهم﴾ الذى قبله - وهو قوله - تعالى - ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم) - ولا يتوهم أنه من عطف الشىء على نفسه ولا فائدة فيه؛ لأن المراد بالكفر المعطوف: الكفر بعيسى. والمراد بالكفر المعطوف عليه: إما الكفر المطلق. أو الكفر بمحمد - ٣ -؛ لاقترانه بقوله - تعالى - ﴿قلوبنا غلف﴾. وقد حكى الله عنهم هذه المقالة فى مواجهتهم له - عليه الصلاة والسلام - فى مواضع. ففى العطف إيذان بصلاحية كل من الكفرين للسببية ويجوز أن يكون قوله : ﴿ويكفرهم﴾ معطوف على قوله ﴿فيما نقضهم﴾(١). والبهتان : هو الكذب الشديد الذى لا تقبله العقول، بل يحيرها ويدهشها لغرابته وبعده عن الحقيقة. يقال: بهت فلان فلانا، إذا قال فيه قولا يدهشه ويحيره لغرابته وشناعته فى الكذب والافتراء. والمعنى : إن من أسباب لعن اليهود وضرب الذلة والمسكنة عليهم، كفرهم بعيسى - عليه السلام -، وهو الرسول المبعوث إليهم ليهديهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم. وافتراؤهم الكذب على مريم أم عيسى، ورميهم لها بما هى بريئة منه، وغافلة عنه، فقد اتهموها بالفاحشة (١) تفسير الالوسى جـ ٦ ص ٩ ٣٧٨ المجلد الثالث لولادتها لعيسى من غير أب. وقد برأها الله - تعالى - مما نسبوه إليها. فى قوله - تعالى - ﴿ومريم ابنة عمران التى أحصنت فرجها، فنفخنا فيه من روحنا، وصدقت بكلمات وبها وكتبه وكانت من القانتين﴾(١). وقوله: ﴿بهتانا﴾ منصوب على أنه مفعول به لقوله - تعالى - ﴿وقولهم﴾، فإنه متضمن معنى كلام نحو: قلت خطبة وشعرا. ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف، أى: وبكفرهم وقولهم على مريم قولا بهتانا. أو هو مصدر فى موضع الحال أى: مباهتين. ووصفه بالعظم الشناعته وبلوغه النهاية فى الكذب والافتراء. ثم سجل عليهم بعد ذلك رذيلة سابعة ورد عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويفضحهم على رءوس الأشهاد فى كل زمان ومكان فقال: ﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ والمسيح: لقب تشريف وتكريم لعيسى - عليه السلام - قيل : لقب بذلك لأنه ممسوح من كل خلق ذميم. وقيل : لأنه مسح بالبركة كما فى قوله - تعالى -: ﴿وجعلنى مباركا أينما كنت﴾ وقيل لأن الله مسح عنه الذنوب. أى : وبسبب قولهم على سبيل التبجح والتفاخر إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، لعنهم الله وغضب عليهم، كما لعنهم وغضب عليهم - أيضا - بسبب جرائمهم السابقة. وهذا القول الذى صدر عنهم هو فى ذاته جريمة؛ لأنهم قالوه على سبيل التبجح والتفاخر لقتلهم - فى زعمهم - نبيا من أنبياء الله، ورسولا من أولى العزم من الرسل. وقولهم هذا وإن كان يخالف الحقيقة والواقع، إلا أنه يدل على أنهم أرادوا قتله فعلا، وسلكوا كل السبل لبلوغ غايتهم الدنيئة، فدسوا عليه عند الرومان، ووصفوه بالدجل والشعوذة، وحاولوا أن يسلموه لأعدائه ليصلبوه، بل زعموا أنهم أسلموه فعلا لهم، ولكن الله - تعالى - خيب سعيهم، وأبطل مكرهم، وحال بينهم وبين ما يشتهون، حيث نجى عيسى - عليه السلام - من شرورهم، ورفعه إليه دون أن يمسه سوء منهم. ولا شك أن ما صدر عن اليهود فى حق عيسى - عليه السلام - من محاولة قتله، واتخاذ كل وسيلة لتنفيذ غايتهم، ثم تفاخرهم بأنهم قتلوه وصلبوه، لا شك أن كل ذلك يعتبر من أكبر الجرائم؛ لأنه من المقرر فى الشرائع والقوانين أن من شرع فى ارتكاب جريمة من الجرائم واتخذ كل الوسائل لتنفيذها، ولكنها لم تتم لأمر خارج عن إرادته، فإنه يعد من المجرمين الذين يستحقون العقاب الشديد. (١) سورة التحريم الآية ١٢ ٣٧٩ . ٠ سورة النساء واليهود قد اتخذوا كافة الطرق لقتل عيسى -عليه السلام- كما بينا -، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون لأسباب خارجة عن طاقتهم. ومعنى هذا أنه لوبقيت لهم أية وسيلة لإِتمام جريمتهم النكراء لما تقاعسوا عنها، ولأسرعوا فى تنفيذها فهم يستحقون عقوبة المجرم فى تفكيره، وفى نيته، وفى شروعه الأثيم، لارتكاب ما نهى الله عنه. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كانوا كافرين بعيسى - عليه السلام - أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، فكيف قالوا: ﴿إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾؟ قلت: قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون ﴿إن رسولكم الذى أرسل إليكم المجنون﴾. ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح فى الحكاية عنهم، رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به، وتعظيما لما أرادوا بمثله كقوله: ﴿ليقولن خلقهن العزيز العليم. الذى جعل لكم الأرض مهدا﴾(١). وقوله - تعالى - ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ رد على مزاعمم الكاذبة، وأقاويلهم الباطلة التى تفاخروا بها بأنهم قتلوا عيسى - عليه السلام -. أى: إن ما قاله اليهود متفاخرين به، وهو زعمهم أنه قتلوا عيسى - عليه السلام -، هو من باب أكاذيبهم المعروفة عنهم؛ فإنهم ما قتلوه، وما صلبوه ولكن الحق أنهم قتلوا رجلا آخر يشبه عيسى - عليه السلام - فى الخلقة فظنوه إياه وقتلوه وصلبوه، ثم قالوا. إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله . قال الفخر الرازى: قوله: ﴿شبه﴾ مسندا إلى ماذا؟ إن جعلته مسندًا إلى المسيح فهو مشبه به وليس بمشبه. وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر؟ والجواب من وجهين : الأول : أنه مسند إلى الجار والمجرور. وهو كقولك : خيل إليه. كأنه قيل : ولكن وقع لهم الشبه. الثانى: أن يسند إلى ضمير المقتول، لأن قوله : ﴿وما قتلوه﴾ يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكورا بهذا الطريق فحسن إسناد ﴿شبه﴾ إليه(٢). وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف قوله: ﴿وما قتلوه وما صلبوه﴾ زعم أكثر اليهود أنهم قتلوا المسيح وصلبوه، فأكذبهم الله - تعالى - فى ذلك وقال: ﴿ولكن شبه لهم﴾. أى : شبه لهم المقتول بأن ألقى عليه شبه المسيح فلما دخلوا عليه ليقتلوه - أى ليقتلوا المسيح - وجدوا الشبيه فقتلوه وصلبوه، يظنونه المسيح وما هو فى الواقع، إذ قد رفع الله عيسى إلى السماء، ونجاه من شر الأعداء. (١) وتفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٨٧ (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٩٩ ٣٨٠ المجلد الثالث وقيل المعنى: ولكن التبس عليهم الأمر حيث ظنوا المقتول عيسى كما أوهمهم بذلك أحبارهم(١). هذا، وللمفسرين فى بيان كيفية التشبيه لهم وجوه من أهمها اثنان : الأول : أن الله - تعالى - ألقى شبه عيسى - عليه السلام - على أحد الذين خانوه ودبروا قتله وهو (يهوذا الإِسخربوطى) الذى كان عينا وجاسوسا على المسيح، والذى أرشد الجند الذين أرادوا قتله إلى مكانه، وقال لهم: من أقبله أمامكم يكون هو المسيح، فاقبضوا عليه لتقتلوه، فدخل بيت عيسى ليدلهم عليه ليقتلوه فرفع الله عيسى، وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى. وهذا الوجه قد جاء مفصلا فى بعض الأناجيل وأشار إليه الآلوسى بقوله : كان رجل من الحواربين ينافس عيسى - عليه السلام - فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، وأخذ على ذلك ثلاثين درهما، فدخل بيت عيسى - عليه السلام - فرفع الله عيسى، وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه، وهم يظنون أنه عيسى(٢). الثانى: أن الله - تعالى - ألقى شبه المسيح على أحد تلاميذه المخلصين حينما أجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه سیرفعه إليه، فقال لأصحابه أیکم یرضی أن يلقى عليه شبهی فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم أنا. فألقى الله صورة عيسى عليه، فقتل ذلك الرجل وصلب. وقد أطال الإِمام ابن كثير فى ذكر الروايات التى تؤيد هذا الوجه، ومنها قوله: عن ابن عباس قال : لما أراد الله - تعالى - أن يرفع عیسی إلى السماء، خرج على أصحابه وفى البيت اثنا عشر رجلا من الحواربين فقال لهم إن منكم من يكفر بعدى اثنتى عشرة مرة بعد أن آمن بى. قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهى فيقتل مكانى، ويكون معى فى درجتی؟ فقام شاب من أحدثهم سنا. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام ذلك الشاب. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام ذلك الشاب. فقال: أنا. فقال له عيسى، هو أنت ذاك. فألقى عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة فى البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتى عشرة مرة بعد أن آمن. قال ابن کثیر: وهذا إسناد صحيح عن ابن عباس، ورواه النسائی عن أبی کریب عن أبى معاوية، وقال (١) تفسير صفوة البيان ص ١٧٨ لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين مخلوف. (٢) تفسير الألوسى جـ ٦ ص ١٠.