Indexed OCR Text

Pages 281-300

1
سورة النساء
٢٨١
وقال الشيخ القاسمى ماملخصه: قال الحافظ بن حجر فى ((الفتح)): الهجرة الترك.
والهجرة إلى الشىء الانتقال إليه عن غيره. وفى الشرع: ترك مانهى الله عنه.
وقد وقعت فى الإِسلام على وجهين :
الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن. كما فى هجرت الحبشة وابتداء الهجرة من
مكة إلى المدينة.
الثانى: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِيمان. وذلك بعد أن استقر النبى عليه بالمدينة وهاجر
إليه من أمكنه ذلك من المسلمين. وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالمدينة إلى أن فتحت مكة
فانقطع الاختصاص وبقى عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا.
ثم قال الشيخ القاسمى : وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإِسماعيلى بلفظ :
انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله و8﴿ ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار. أى: ما دام فى
الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشى أن يفتن فى دينه.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن معاوية قال: سمعت رسول الله وَلهم يقول: ((لا تنقطع
، الهجرة حتى تنقطع التوبة. ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها))(١).
٢ - أن من خرج للهجرة فى سبيل الله ومات فى الطريق أعطاه الله - تعالى - أجر المهاجرين
ببركة نيته الصادقة، ويدل على ذلك ما جاء فى الصحيحين عن عمر بن الخطاب أن رسول الله
وَ لّه قال: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله
فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى
ما هاجر إليه)).
وقال صاحب الكشاف: كل هجرة لغرض دينى - من طلب علم أو حج أو جهاد أو فرار
إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهدا فى الدنيا أو ابتغاء رزق طيب - فهى هجرة إلى الله
ورسوله. وإن أدركه الموت فى طريقه فأجره واقع على الله(٢).
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد وبخت الذين رضوا أن يقيموا مع الكافرين فى ذلة
وهوان مع قدرتهم على الهجرة، وتوعدتهم على ضعف إيمانهم، بسوء المصير، وحرضت المؤمنين
فى كل زمان ومكان على الهجرة فى سبيل الله بأسمى ألوان التحريض وأشدها، ووعدت المهاجر
(١) تفسير القاسمى جـ ٥ ص ١٤٩٢
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٥٧

٢٨٢
المجلد الثالث
من أجل إعلاء كلمة الحق بالخير الوفير، والأجر الجزيل. ((وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله
ذو الفضل العظيم.
وبعد أن حض - سبحانه - عباده على الهجرة فى سبيله أتبع ذلك ببيان جانب من مظاهر
رحمته فى التيسير عليهم فيما شرعه لهم من عبادات، حيث أباح لهم قصر الصلاة فى حالة
السفر، وعرفهم كيف يؤدونها فى حالة الجهاد والخوف من مباغتة العدو لهم فقال - تعالى - :
وَإِذَا ضَرَيْتُمْ
فِ اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمُ
أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّالْكَفِرِينَ كَانُوْ لَكُمْ عَدُوَّاُِّينًا
١٠١
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ
مِنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُ واْ فَلْيَكُونُواْ
مِن وَرَابِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُواْ
فَلْيُصَلُواْ مَغَكَ وَلْيَأْخُذُ واْحِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّالَّذِينَ
كَفَرُواْلَوْتَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِّكُمْ فَيَمِيلُونَ
عَلَيْكُمْ مَّيْلَةٌ وَحِدَةً وَلَا ◌ُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ
أَذٌَّ مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ
وَخُذُ واْ حِذْرَ كُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَذَ لِلْكَفِرِينَ عَذَابَمُهِينًا
١٠٢١
قوله ﴿وإذا ضربتم فى الأرض﴾ أى: إذا سافرتم، وأطلق الضرب فى الأرض على السفر؛
لأن المسافر يضرب برجله وبراحلته على الأرض.
والمراد من الأرض : ما يشمل البر والبحر. أى إذا سافرتم - أيها المؤمنون - فى أى مكان

٢٨٣
سورة النساء
يسافر فيه من بر أو بحر ﴿فليس عليكم جناح﴾ أى: حرج أو إثم فى ﴿أن تقصروا من
الصلاة﴾ أى فى أن تنقصوا منها ما خففه الله عنكم رحمة بكم.
وقوله ﴿تقصروا﴾ من القصر وهو ضد المد. يقال قصرت الشىء أى جعلته قصيرا بحذف .
بعض أجزائه أو أوصافه.
ومن فى قوله ﴿من الصلاة﴾ يجوز أن تكون زائدة للتأكيد فيكون لفظ الصلاة مفعولا به
لتقصروا. ويجوز أن تكون للتبعيض فيكون المفعول محذوفا. والجار والمجرور فى موضع الصفة .
أى: فليس عليكم جناح فى أن تقصروا شيئا من الصلاة.
وقوله ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ جملة شرطية وجوابها محذوف دل عليه ما قبله.
والمراد بالفتنة هنا : إنزال الأذى بالمؤمنين.
أى : إن خفتم أن يتعرض لكم المشركون بما تكرهونه من القتال أو غيره حين سفركم فليس
عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة.
وقوله ﴿إِن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا﴾ تعليل لتأكيد أخذ الحذر من الكفار دائما، لأن
عداوتهم للمؤمنين ظاهرة، وكراهتهم لهم شديدة.
أى: إن الكافرين كانوا ومازالوا بالنسبة لكم - أيها المؤمنون - يظهرون العداوة، وما تخفيه
صدورهم لكم من أحقاد وكراهية أشد وأكبر.
وقد أكد - سبحانه - هذه العداوة بإن الدالة على التوكيد، وبكان المفيدة للدوام
والاستمرار، وبوصف هذه العداوة بالسفور والظهور، لكى يحترس المسلمون منهم أشد
الاحتراس.
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
١ - أن قصر الصلاة فى السفر سنة. ومنهم من يرى أن المصلى مخير فيه كما يخير فى
الكفارات. ومنهم من يرى أنه فرض.
قال القرطبى ماملخصه : واختلف العلماء فى حكم القصر فى السفر؛ فروى عن جماعة أنه
فرض وهو قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين. واحتجوا بحديث عائشة ((فرضت الصلاة
ركعتين ركعتين)) ولا حجة فيه لمخالفتها له؛ فإنها كانت تتم فى السفر وذلك يوهنه ...
وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض. ومشهور مذهبه وجل
أصحابه، وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة. وهو الصحيح.
-".

٢٨٤
المجلد الثالث
ومذهب عامة البغداديين من المالكيين أن الفرض التخيير. ثم اختلفوا فى أيهما أفضل، فقال
بعضهم: القصر أفضل .. وقيل: الإِتمام أفضل))(١).
أما بالنسبة لمسافة السفر التى يجوز معها قصر الصلاة للعلماء فيها أقوال منها : أن السفر الذى
يسوغ القصر هو ما كان مسيرة ثلاثة أيام بلياليها بالسير المعتاد.
وهذا رأى الأحناف. ومن حججهم قوله ◌َّلر: ((يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام
بلياليها)) وأيضا ورد أن النبى وَّ منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم، فدل
هذا على أن ما دون الثلاث لا يعد سفرا، بل هو فى حكم الإقامة، حيث جعل الثلاث فاصلا
بين الخروج بدون محرم وعدمه. وأيضا فقد جرى عرف العرب أن الرجل كان لا يعتبر مسافرا
إلا بسير نحو ثلاثة أيام.
أما المالكية والشافعية وأكثر الأئمة فيرون أن السفر الذى تقصر فيه الصلاة هو ما كان مسيرة
يوم وليلة وقيل يوم فقط، وذلك لما رواه ابن عباس أن النبى وسلم قال: ((يا أهل مكة لا تقصروا
فى أدنى من أربعة برد. من مكة إلى عسفان، وقد قدرت هذه المسافة بمسيرة يوم وليلة أو يوم
فقط .
ويرى داود الظاهرى وأتباعه أن القصر فى كل ما يسمى سفرا، سواء أكان قصيرا أم طويلا؛
لأن المدار عندهم فى تحقيق القصر على تحقيق شرطه وهو الضرب فى الأرض، ولأن كلمة
الضرب فى الأرض قد جاءت على إطلاقها من غير تقييد بمدة معلومة ولا مسافة محدودة.
وقد رد جمهور العلماء عليهم بردود منها : أن الضرب فى الأرض حقيقته الانتقال من مكان
إلى مكان. وظاهر أن مجرد الانتقال من مكان إلى آخر لا يكون سببا فى الرخصة، فلابد أن
يكون السفر المرخص فيه بالقصر سفرا مخصوصا، وقد بينت السنة النبوية الشريفة مقداره على
خلاف فى الروايات.
هذا، وقد حكى القرطبى أقوال بعض العلماء فى نقد أولئك الذين يأخذون الأمور بظواهرها
بدون فهم سليم فقال :
قال ابن العربى: وقد تلاعب قوم بالدين فقالوا : إن من خرج من البلد إلى ظاهره أكل
وقصر وقائل هذا أعجمى لا يعرف السفر عند العرب، أو مستخف بالدين. ولولا أن العلماء
ذكروه لما رضيت أن ألمحه بمؤخر عينى، ولا أفكر فيه بفضول قلبى. ولم يذكر حد السفر الذى
يقع به القصر لا فى القرآن ولا فى السنة. وإنما كان كذلك، لأنها كانت لفظة عربية مستقر
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٥١.

٢٨٥
سورة النساء
علمها عند العرب الذين خاطبهم الله بالقرآن؛ فنحن نعلم قطعا أن من برز عن الدور لبعض
الأمور أنه لا يكون مسافرا لا لغة ولا شرعا. وإن من مشى مسافرا ثلاثة أيام فإنه يكون مسافرا
قطعا. كما أننا نحكم على من مشى يوما وليلة أنه كان مسافرا، لحديث ((لا يحل لامرأة تؤمن
بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها)) وهذا هو الصحيح لأنه وسط بين
الحالين. وعليه عول مالك. ولكنه لم يجد هذا الحديث متفقا عليه، فقد روى مرة ((يوما وليلة))
ومرة ((ثلاثة أيام)) ...
ثم قال القرطبى : واختلفوا فى نوع السفر الذى تقصر فيه الصلاة. فأجمع الناس على الجهاد
والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم .. واختلفوا فيما سوى ذلك. فالجمهور على جواز
القصر فى السفر المباح كالتجارة وغيرها. وعلى أنه لا قصر فى سفر المعصية كالباغى وقاطع
الطريق وما فى معناهما.
ثم قال: واختلف العلماء فى مدة الإقامة التى إذا نواها المسافر أتم. فقال مالك والشافعى
والليث بن سعد: إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا نوى الإقامة خمس عشرة ليلة أتم، وإن كان أقل من ذلك
قصر(١).
٢ - ذهب جمهور العلماء إلى أن الآية الكريمة المقصود منها تشريع صلاة السفر، وأن المراد
بالقصر فى قوله ((أن تقصروا من الصلاة)) هو القصر فى الكمية أی فی عدد الركعات، بأن يصلى
المسافر الصلاة الرباعية ركعتين، وأن حكمها للمسافر فى حال الأمن كحكمها فى حال الخوف
لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقا.
وقد وضح هذه المسألة الإِمام ابن كثير توضيحا حسنا فقال ما ملخصه : وقوله - تعالى -
﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ الشرط فيه خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية. إذ
كانت أسفارهم بعد الهجرة فى مبدئها مخوفة. بل كانوا لا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو سرية
خاصة، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله. والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.
كقوله - تعالى - ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا﴾ وقوله - تعالى - ﴿وربائیکم
اللاتى فى حجوركم من نسائكم﴾.
ومما يشهد بأن للمسافر أن يقصر سواء أكان آمنا أم خائفا ما رواه الترمذى والنسائى عن ابن
عباس. أن النبى ◌َله: خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله رب العالمين فصلى ركعتين.
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٥٤ وما بعدها.

٢٨٦
المجلد الثالث
وروى البخارى عن حارثة بن وهب الخزاعى قال: صلى بنا رسول الله وَغير آمن ما كان بمنى
رکعتین .
وروى البخارى عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله وَليل من المدينة إلى مكة. فكان يصلى
ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة.
وروى مسلم وأحمد وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال : سألت عمر بن الخطاب. قلت له :
قوله - تعالى -: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين
كفروا﴾. وقد أمن الناس؟ فقال لى عمر: عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله والله عن
ذلك فقال: ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)).
وروى أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى حنظلة الحذاء قال : سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟
فقال: ركعتان، فقلت له : أين قوله، ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ ونحن آمنون؟
فقال: سنة رسول الله وَلير(١).
فأنت ترى من هذه النصوص أنها تدل على أن الآية الكريمة مسوقة فى تشريع صلاة السفر
سواء أكان المسافر آمنا أم خائفا، وأن قوله - نعالى - ﴿أن تقصروا من الصلاة﴾ المراد من
القصر هنا قصر عدد الركعات من أربع إلى اثنين كما كان يفعل النبى محمد فى أسفاره، وأن
القصر للصلاة فى السفر بالنظر لما كانت عليه فى الحضر.
قالوا : ومما يدل على أن لفظ القصر كان مخصوصا فى عرفهم بنقص عدد الركعات، ما رواه
البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله وَ له ((انصرف من اثنتين - أى صلى الصلاة الرباعية
ركعتين عن سهو - فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ ....
هذا؛ ويرى بعض العلماء أن هذه الآية نزلت فى صلاة الخوف، وأن المقصود بالقصر هنا هو
قصر الكيفية لا الكمية - أى تخفيف ما اشتملت عليه من قراءة وتسبيح وغير ذلك - لأنهم
يرون أن كمية صلاة المسافر ركعتان فهى تمام غير قصر.
قال ابن كثير ما ملخصه : ومن العلماء من قال: إن المراد من القصر ها هنا إنما هو قصر
الكيفية لا الكمية وهو قول مجاهد والضحاك والسدى واعتقدوا بما رواه الإِمام مالك عن عائشة
أنها قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فى السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيد فى
صلاة الحضر.
قالوا : فإذا كان أصل الصلاة فى السفر هى اثنتين فكيف يكون المراد بالقصر هنا قصر
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٤٤.

٢٨٧
سورة النساء
الكمية. لأن ما هو الأصل لا يقال فيه ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾. وروى
الإِمام أحمد والنسائي وابن ماجه عن عمر - رضى الله عنه - قال : صلاة السفر ركعتان؛
وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على
لسان نبيكم محمد مدير(١))).
وقال القرطبى : وذهب جماعة إلى أن هذه الآية إنما هى مبيحة للقصر فى السفر للخائف من
· العدو فمن كان آمنا فلا قصر له. روى عن عائشة أنها كانت تقول فى السفر: أتموا صلاتكم.
فقالوا: إن رسول اللّه و18َّ كان يقصر. فقالت: إنه كان فى حرب وكان يخاف وهل أنتم
تخافون؟ ...
وذهب جماعة إلى أن الله - تعالى - لم يبح القصر فى كتابه إلا بشرطين : السفر والخوف وفى
غير الخوف بالسنة(٢).
ويبدو لنا أن الأولى ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الآية الكريمة المقصود منها تشريع صلاة
السفر؛ وأن المراد بالقصر فيها قصر كمية الصلاة بحيث يصلى المسافر الصلاة الرباعية ركعتين
تخفيفا من الله - تعالى - عليه، سواء أكان فى حالة أمن أم حالة خوف، لأن النصوص التى
ساقها الجمهور لتأييد رأيهم صريحة فى صحة ما ذهبوا إليه، ولأن القصر فى اللغة معناه أن
تقتصر من الشىء على بعضه، وهذا أظهر ما يكون فى قصر الركعات على اثنين بدل أربع،
أما القصر فى الصفة أو الكيفية فهو تغيير فى الصلاة لا إتيان بالبعض، إذ هو إحلال للإِيماء محل
الركوع والسجود - مثلا -. وأيضا فإن ﴿من﴾ فى قوله ﴿أن تقصروا من الصلاة﴾ تكون أظهر
فى الاقتصار على بعض الركعات عند من يجعل هذا الحرف للتبعيض.
ومن أراد مزيد بيان لتلك المسائل فليرجع إلى أمهات كتب الفقه والتفسير.
ثم شرع - سبحانه - فى بيان صفة صلاة الخوف فى جماعة فقال - تعالى - ﴿وإذا كنت فيهم
فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من
ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾.
والمعنى: وإذا كنت يا محمد فى أصحابك وشهدت معهم القتال ((فأقمت لهم الصلاة)) أى :
فأردت أن تقيم لهم الصلاة فى جماعة لتزدادوا أجرًا ورعاية من الله وأنتم تقاتلون أعداءه،
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٤٥
(٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٦٢

٢٨٨
المجلد الثالث
فعليك فى هذه الحالة أن تقسم أصحابك إلى قسمين، ثم بعد ذلك ﴿فلتقم طائفة منهم معك﴾
أى فلتقم جماعة من أصحابك معك فى الصلاة، أما الطائفة الأخرى فلتكن بإزاء العدو
ليحرسوكم منهم.
والضمير فى قوله ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ يعود إلى الرجال الذين معه فى الصلاة .. أى:
ولتأخذ الطائفة القائمة معك فى الصلاة أسلحتها معها وهى فى الصلاة حتى تكون على أهبة
القتال دائما.
وقوله ﴿فإذا سجدوا﴾ أى: الرجال القائمون معك فى الصلاة سجدوا فى الركعة الأولى
وأتموا الركعة ﴿فليكونوا من ورائكم﴾ أى: فلينصرفوا بعد ذلك من صلاتهم ليكونوا فى مقابلة
العدو للحراسة: فالضمير فى الكل يعود إلى المصلين معه.
وقيل المعنى: فإذا سجد الرجال الذين قاموا معك للصلاة، فليكن الرجال الآخرون الذين
ليسوا فى الصلاة من ورائكم لحماية ظهوركم، ولمنع نزول الأذى بكم من أعدائكم. وعلييه
فيكون الضمير فى قوله ﴿فليكونوا﴾ يعود إلى الطائفة الثانية التى ليست فى الصلاة.
وقوله : ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ بيان
لما يجب أن تفعله الطائفة الأخرى التى لم تدخل فى الصلاة بعد. أى: فإذا ما انصرفت الطائفة
الأولى للحراسة فلتأت الطائفة التى كانت قبل ذلك فى الحراسة والتى لم تصل بعد ﴿فليصلوا
معك﴾ الركعة الأولى وأنت يا محمد فى الركعة الثانية. وعليهم أيضا أن يكونوا كمن سبقهم
حاملين لأسلحتهم التى لا تشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر وما يشبه ذلك، حتى إذا
ما باغتكم المشركون بالهجوم كنتم دائما على استعداد لمواجهتهم، وكنتم دائما على يقظة من
مکرهم.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أمر المؤمنين بالمحافظة على الصلاة حتى فى حالة الحرب،
وأمرهم فى الوقت ذاته بأن يكونوا يقظين آخذين حذرهم وأسلحتهم من مباغتة أعدائهم لهم
حتى لا يتوهم أولئك الأعداء أن الصلاة ستشغل المؤمنين عن الدفاع عن أنفسهم.
وقوله ﴿وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ استعمل لفظ الأخذ فيه فى الحقيقة والمجاز. لأن
أخذ الحذر كناية عن شدة اليقظة ودوام الترقب. وأخذ الأسلحة حقيقة فى حملها للدفاع بها عن
النفس.
وقدم - سبحانه - الأمر بأخذ الحذر على أخذ الأسلحة؛ لأن أخذ الأسلحة نوع من الحذر،
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٥١ وما بعدها. وتفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٤٤ وما بعدها.
i

٢٨٩
سورة النساء
ولأن الحذر عند انتقال الصفوف وتحركها واجب حتى لايباغتهم الأعداء وهم يتحولون من
مكان إلى مكان، وهذا أشبه بتغيير الخطط وقت القتال، وهو أمر له خطورته فوجب أن تشتد
يقظة المسلمين حينئذ . .
وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله : فإن قلت لم ذكر فى أول الآية الأسلحة فقط، وذكر هنا
الحذر والأسلحة؟ قلت : لأن العدو قلما يتنبه للمسلمين فى أول الصلاة بل يظنون كونهم
قائمين فى المحاربة والمقاتلة. فإذا قاموا إلى الركعة الثانية ظهر للكفار أن المسلمين فى الصلاة،
فحينئذ ينتهزون الفرصة فى الإقدام على المسلمين فلا جرم أن الله - تعالى - أمرهم فى هذا
الموضع بزيادة الحذر من الكفار مع أخذ الأسلحة(١).
وقوله - تعالى - ﴿ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة
واحدة﴾ بيان لما من أجله أمروا بأخذ الحذر والسلاح. والخطاب لجميع المؤمنين.
وقوله ﴿ود﴾ من الود وهو محبة الشىء وتمنى حصوله.
والأسلحة : جمع سلاح. وهو اسم جنس لآلات الحرب التى يستعملها الناس فى حروبهم
وقتالهم.
والأمتعة : جمع متاع. وهو كل ما ينتفع به من عروض وأثاث. والمراد به هنا : ما يكون مع
المحاربين من أشياء لاغنى لهم عنها كبعض ملابسهم وأطعمتهم ومعداتهم.
و﴿لو﴾ فى قوله ﴿لو تغفلون﴾ مصدرية. وقوله ﴿ميلة﴾ منصوب على المفعول المطلق لبيان
العدد.
والمعنى : كونوا دائما - أيها المؤمنون - فى أقصى درجات التنبه والتيقظ والحذر، فإن أعداءكم
الكافرين يودون ويحبون غفلتكم وعدم انتباهكم عن أسلحتكم وأمتعتكم التى تستعملونها فى
قتالكم لهم، وفى هذه الحالة يحملون عليكم حملة واحدة قوية شديدة ليقتلوا منكم من
يستطيعون قتله. فعليكم - أيها المؤمنون - أن تجمعوا بين الصلاة والجهاد جمعا مناسبا حكيما
بحيث لا يشغلكم أحد الأمرين عن الآخر أو عن حسن الاستعداد لمجابهة أعدائكم الذين
يتربصون بكم الدوائر.
فالآية الكريمة من مطلعها إلى هنا تراها تأمر بشدة وتكرار بأخذ الحذر وحمل السلاح لمجابهة
أى مباغتة من المشركين. ومع هذا فقد رخص الله - تعالى - للمؤمنين بوضع السلاح فى أحوال
معينة دون أن يرخص لهم فى أخذ الحذر فقال - تعالى -؛ ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤٢٠ - نقلا عن الخازن -

٢٩٠
المجلد الثالث
من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم؛
أى: ولا حرج ولا إثم عليكم - أيها المؤمنون - فى أن تضعوا أسلحتكم فى أغمادها
فلا تحملوها ﴿إن كان بكم أذى من مطر﴾ يثقل معه حمل السلاح ﴿أو كنتم مرضى﴾ بحيث
يشق عليكم حملها، ومع كل هذا فلابد من أخذ الحذر من أعدائكم، بأن تكونوا على يقظة تامة
من مكرهم، وعلى أحسن استعداد لدحرهم إذا ما باغتوكم بالهجوم.
وقوله ﴿إن الله أعد للكافرين عذابا أليما﴾ تذييل قصد به تشجيع المؤمنين على مقاتلة
أعدائهم وأخذ الحذر منهم.
أى: إن الله - تعالى - أعد لأعدائكم الكافرين عذابا مذلا لهم فى الدنيا والآخرة. أما فى
الدنيا فبنصركم عليهم وإذهاب صولتهم ودولتهم، كما قال - تعالى - ﴿قاتلوهم يعذبهم الله
بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾.
وأما فى الآخرة فبالعذاب الذى يهينهم ويذلهم ولا يستطيعون منه نجاة أو مهربا. وإذا كان
الأمر كذلك فباشروا - أيها المؤمنون - الأسباب التى توصلكم إلى النصر عليهم.
هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى:
١ - قال الألوسى: تعلق بظاهر قوله - تعالى - ﴿وإذا كنت فيهم﴾. من خص صلاة
الخوف بحضرته ﴿ كالحسن بن زيد ونسب ذلك أيضا لأبى يوسف، ونقله عنه الجصاص فى
كتاب الأحكام، وعامة الفقهاء على خلافه فإن الأئمة بعده بَّ نوابه، وقوام بما كان يقوم به
فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له عليه الصلاة والسلام كما فى قوله ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾
وقد أخرجه أبو داود والنسائى وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن زهدم. قال : كنا مع سعيد بن
العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلاة الخوف؟ فقال حذيفة : أنا. ثم
وصف له ذلك فصلوا كما وصف، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد منهم. وهم
الذين لا تأخذهم فى الله لومة لائم، وهذا يحل محل الإِجماع(١).
٢ - أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة مشروعية صلاة الخوف وصفتها وأنه يطلب فيها حمل
السلاح إلا لعذر. وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الإِمام
أحمد وأبو داود والنسائى وغيرهم عن أبى عياش الزرقى قال: كنا مع رسول الله وم طلوبعسفان ...
فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد. وهم بيننا وبين القبلة. فصلى بنا النبى وَالقر الظهر
فقالوا : قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ثم قالوا : تأتى عليهم الآن صلاة هى أحب إليهم
(١) تفسير الألوسى جـ ٥ ص ١٣٤ - بتصريف يسير -

٢٩١
سورة النساء
من أبنائهم وأنفسهم. فنزل جبريل بهذه الآية ﴿وإذا كنت فيهم﴾ .. إلخ بين الظهر
والعصر(١))).
٣- وردت روايات متعددة يؤخذ منها أن النبى وَ ل قد صلى صلاة الخوف على هيئات مختلفة
وفى مواضع متعددة. ويشهد لهذا قول القرطبى. وقد اختلفت الروايات فى هيئة صلاة الخوف.
واختلف العلماء لاختلافها. فذكر ابن القصار أنه وَ ر صلاها فى عشر مواضع. وقال ابن
العربى: روى عن النبى ◌َلهم أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة. وقال الإِمام أحمد بن
حنبل - وهو إمام أهل الحديث والمقدم فى معرفة علل النقل فيه - لا أعلم أنه روى فى صلاة
الخوف إلا حديث ثابت. وهى كلها صحاح ثابتة. فعلى أى حديث صلى منها المصلى صلاة
الخوف أجزأه إن شاء الله(٢).
وقال ابن كثير: صلاة الخوف أنواع كثيرة فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون فى
غير صوبها، ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون
فرادى مستقبلى القبلة وغير مستقبليها لعذر القتال كما أخر النبى وَله يوم الأحزاب صلاة الظهر
والعصر فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب والعشاء. وأما الجمهور فقالوا هذا
منسوخ بصلاة الخوف فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك(٣). ونظرا
لاختلاف الروايات الواردة فى كيفية صلاة الخوف، فقد اختلف الفقهاء فى كيفية أدائها تبعا
لما فهمه كل فريق من تلك الروايات. وهاك بعض مذاهبهم :
(أ) ذهب الإِمام أبو حنيفة ومن تابعه إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يقسم الإِمام الناس
طائفتين : طائفة تكون مع الإِمام والأخرى بإزاء العدو. فيصلى بالذين معه ركعة ثم ينصرفون .
إلى مقام أصحابهم ثم تأتى الطائفة الأخرى التى كانت بإزاء العدو فيصلى بهم الإِمام الركعة
الثانية ويسلم هو.
ثم تأتى الطائفة الأولى فتصلى ركعة بغير قراءة، لأنها فى رأيهم لاحقة. أى كأنها وراء الإِمام
حكما طول الصلاة، ولا قراءة عندهم وراء الإِمام ثم تتشهد وتسلم. وتذهب إلى وجه العدو
فتأتى الطائفة الثانية فتقضى ركعة بقراءة ثم تتشهد وتسلم. وإنما صلت هذه ركعتها بقراءة لأنها
عندهم مسبوقة، فتكون كمن أدرك آخر صلاة الإِمام وفاتته ركعة. فتكون القراءة واجبة فى
حقها .
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٤٨
(٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٦٥
(٣) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٤٧
!

٢٩٢
المجلد الثالث
وهذه الكيفية لصلاة الخوف التى أخذ بها الإِمام أبو حنيفة قد وردت فى روايات عن ابن
مسعود وابن عباس وغيرهما عن النبى وَّ .
(ب) أما الإِمام مالك فيرى أن كيفية صلاة الخوف تكون كالآتى: أن يقسم الإِمام الناس
إلى طائفتين : طائفة تكون معه وطائفة تكون بإزاء العدو. ثم يصلى بالطائفة التى معه ركعة
ولا يسلم وتتم هى الركعة الثانية وحدها ثم تتشهد وتسلم وتذهب إلى مكان الطائفة الثانية،
وتأتى الطائفة الثانية فتقف خلف الإمام فيصلى معها الركعة الثانية ثم يجلسون للتشهد ويسلم
الإِمام وحده أماهم فيقومون فيصلون وحدهم الركعة التى بقيت ثم يتشهدون ويسلمون.
وقريب من هذه الكيفية ماذهب إليه الإِمام الشافعى فهو يوافق المالكية فيما ذهبوا إليه إلا أنه
قال: لا يسلم الإِمام حتى تتم الطائفة الثانية صلاتها ثم يسلم معهم.
ويذهب الإِمام أحمد بن حنبل فى كيفية صلاة الخوف إلى ماذهب إليه الإِمام مالك.
وفى رواية عنه أنه يوافق ما ذهب إليه الشافعية.
وهذا كله فيما إذا كانت الصلاة ثنائية فى الأصل كالفجر أو رباعية فإنها تقصر إلى ثنائية.
أما إذا كانت صلاة الخوف فى المغرب فيرى جمهور الفقهاء أن الإِمام يصلى بالطائفة الأولى
ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعة ثم تتم كل طائفة ما بقى عليها بالطريقة التى سبق ذكرها عند
الأئمة، والتى بسطها العلماء فى كتب الفقه.
٤ - ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية أهمية صلاة الجماعة، لأن الله -
تعالى - أمر المسلمين بأن يؤدوا الصلاة فى جماعة حتى وهم فى حالة الاستعداد للقاء أعدائهم.
قال ابن كثير: ما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة.
حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة. فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك.
٥ - كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية أن الإِسلام دين يأمر أتباعه بأداء
الصلاة حتى ولو كانوا فى ساحة المعركة، وذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وربه، ومتى حسنت
هذه الصلة بين المجاهد وخالقه، فإنه - سبحانه - يكلؤه بعين رعايته، ويمده بنصره وتأييده.
وأن الإِسلام بجانب هذا الاهتمام الشديد بشأن الصلاة فإنه يهتم أيضا بأن يأمر أتباعه بالحذر
من مكر أعدائهم ومن مباغتهم لهم، بأن يكون المؤمنون مستعدين لصدهم وردهم على
أعقابهم، وأن لا يغفلوا عن حمل أسلحتهم حتى ولو كانوا قائمين للصلاة.
وبهذا نرى أن الإِسلام يربى أتباعه تربية روحية وعقلية وبدنية من شأنها أن توصلهم - متى
حافظوا عليها - إلى ما يعلى كلمتهم فى الدنيا، ويرفع درجاتهم فى الآخرة.

٢٩٣
سورة النساء
ثم أمر الله - تعالى - المؤمنين بالإكثار من ذكره بعد الانتهاء من صلاتهم، وشجعهم على
مواصلة قتال أعدائهم بدون خوف أو ملل فقال - تعالى - :
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَاذْكُرُ واْ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى
جُنُوبِكُمْ فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّالصَّلَوَةَ
كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا قَوْقُوتًا (®)، وَلَاتَهِنُواْ
فِى أَبْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا
تَأْلَمُونٌَ وَتَرْجُونَ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا يَرْجُونٌ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
١٠٤
حَكِيمًا
والمعنى : فإذا أديتم صلاة الخوف - أيها المؤمنون - على الوجه الذی بینته لكم وفرغتم منها
﴿فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾ أى: فداوموا على الإكثار من ذكر الله فى كل
أحوالكم سواء أكنتم قائمين فى ميدان القتال، أم قاعدين مستريحين، أم مضطجعين على
جنوبكم، فإن ذكر الله - تعالى - الذى يتناول كل قول أو عمل يرضى الله - هو العبادة
المستمرة التى بها تصفو النفوس، وتنشرح الصدور، وتطمئن القلوب. قال - تعالى - ﴿الذين
آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.
وإنما أمرهم - سبحانه - بالإكثار من ذكره فى هذه الأحوال بصفة خاصة، مع أن الإكثار من
ذكر الله مطلوب فى كل وقت، لأن الإِنسان فى حالة الخوف ومقابلة الأعداء أحوج ما يكون إلى
عون الله وتأييده ونصره، والتضرع إلى الله بالدعاء فى هذه الأحوال يكون جديرا بالقبول
والاستجابة .
قال - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا ا كثيرًا لعلكم تفلحون﴾ .
والفاء فى قوله ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ للتفريع على ما قبله.
أى: فإذا ما سكنت نفوسكم من الخوف، وأقمتم فى مساكنكم بعد أن وضعت الحرب
أوزارها، فداوموا على أداء الصلاة على وجهها الذى كانت عليه قبل حالة الحرب، وأتموا
أركانها وشروطها وآدابها وخشوعها.

٢٩٤
المجلد الثالث
وقوله ((إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا)» تذييل المقصود به تأكيد ما قبله من الأمر
بالمحافظة على الصلاة.
أى: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضا محددا بأوقات لا يجوز مجاوزتها بل لابد من أدائها
فى أوقاتها سفرا وحضرا، وأمنا وخوفا.
والمراد بالكتاب هنا: المكتوب. وبالموقوت : المحدد بأوقات من وقت كمضروب من
ضرب.
وقد رجح ابن جرير هذا المعنى بقوله: وأولى المعانى بتأويل الكلمة قول من قال: إن
الصلاة كانت على المؤمنين فرضا موقوتا. أى فرضا وقت لهم وقت وجوب أدائه. لأن الموقوت
إنما هو مفعول من قول القائل : وقت الله عليك فرضه فهويقته. ففرضه عليك موقوت، إذا
أخبر أنه جعل له وقتا يجب عليك أداؤه(١).
وقد أكد الله - تعالى - فرضية الصلاة ووجوب أدائها فى أوقاتها بإن المفيدة للتأكيد، وبكان
المفيدة للدوام والاستمرار. وبالتعبير عن الصلاة بأنها كتاب، وهو تعبير عن الوصف بالمصدر
فيفيد فضل توكيد، وبقوله ﴿على المؤمنين) فإن هذا التركيب يفيد الإِلزام والحتمية. وكل ذلك
لكى يحافظ المؤمنون عليها محافظة تامة دون أن يشغلهم عنها شاغل، أو يحول بينهم وبين أدائها
حائل.
وقوله ﴿ولا تهنوا فى ابتغاء القوم﴾ تشجيع للمؤمنين على مواصلة قتال أعدائهم بصبر
وعزيمة .
وقوله ﴿تهنوا﴾ من الوهن وهو الضعف والتخاذل. والابتغاء مصدر ابتغى بمعنى بغى
المتعدى أى طلب.
أى: ولا تضعفوا - أيها المؤمنون - فى ابتغاء العدو وطلبه، ولا تقعد بكم الآلام عن متابعته
وملاحقته حتى يتم الله لكم النصر عليه.
ثم رغبهم - سبحانه - فى مواصلة طلب أعدائهم بأسلوب منطقى رصين فقال: ﴿إن
تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله مالا يرجون﴾.
أى: لا تتوانوا - أيها المؤمنون - عن ملاحقة أعدائكم ومقاتلتهم مهما تحملتم من آلام،
وما أصبتم به من جراح، لأن ما أصابكم من آلام وجراح قد أصيب أعداؤكم بمثله أو أكثر
منه، ولأن الآلام التى تحسونها هم يحسون مثلها أو أكثر منها. وفضلا عن ذلك فأنتم ترجون
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٢٦٢ بتصرف وتلخيص.

٢٩٥
سورة النساء
بقتالكم لهم رضا الله، وإعلاء كلمته، وحسن مثوبته، وإظهار دينه. أما هم فإنهم يقاتلونكم
ولا رجاء لهم فى شىء من ذلك. وإنما رجاؤهم فى تحقيق شهواتهم، وإرضاء شياطينهم، وانتصار
باطلهم على حقكم.
وشتان بين من يقاتل وغايته ورجاؤه نصرة الحق. ومن يقاتل وغايته ورجاؤه نصرة الباطل.
ومادام الأمر كذلك فانهضوا - أيها المؤمنون - لقتال أعداء الله وأعدائكم، دون أن يحول
بينكم وبين قتالهم ما تحسون به من آلام، فإن الله - تعالى - قد جعل العاقبة لكم، والنصر فى
ركابكم . .
وقريب من هذه الآية قوله - تعالى - فى سورة آل عمران: ﴿إِن يمسسكم قرح فقد مس
القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ﴿وکان الله علیما حكيما﴾ أى: وكان الله ومازال عليما بكل
شىء من أحوالكم وأحوالهم، حكيما فى كل ما يقضيه ويأمر به أو ينهى عنه، فسيروا - أيها
المؤمنون - فى الطريق التى أمركم - سبحانه - بالسير فيها لتنالوا تأييده ورضاه.
هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما ذكره القرطبى
من أنها نزلت فى أعقاب حرب أحد حيث أمر النبى ◌ّ المؤمنين بالخروج فى آثار المشركين،
وكان بالمسلمين جراحات. وكان قد أمر ألا يخرج معه إلا من كان قد حضر القتال فى غزوة
أحد(١).
وهذا السبب الذى ذكره القرطبى فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها إذ العبرة بعموم
اللفظ لا بخصوص السبب، وعليه فإن الآيتين الكريمتين تأمران المسلمين فى كل زمان ومكان
بالمحافظة على فرائض الله ولاسيما الصلاة، وبالإكثار من ذكره فى جميع أحوالهم، وبالإِقدام على
قتال أعدائهم بعزيمة صادقة، وهمة عالية، دون أن يحول بينهم وبين هذا القتال ما يشعرون به
من آلام، فإن الله - تعالى - قد تكفل بنصر المؤمنين، ودحر المشركين.
***
وبعد أن أمر الله - تعالى - المؤمنين بالمحافظة على فرائضه وبأخذ حذرهم من الأعداء.
وبالاستعداد لإِبطال مكرهم، وبمواصلة قتالهم حتى تعلو كلمة الحق، بعد كل هذا أمر -
سبحانه - المؤمنين فى شخص نبيهم وير بأن يلتزموا الحق فى كل شئونهم وأحوالهم، لأن عدم
التقيد بالحق والعدل يؤدى إلى ضعف الأمة واضمحلالها. وقد ساق -سبحانه- فى آيات كريمة
ما يهدى القلوب إلى صراطه المستقيم فقال - تعالى - :
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٧٤. بتصرف يسير.

٢٩٦
المجلد الثالث
إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ
النَّاسِ بِمَا أَرَفَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَايِنِينَ خَصِيمًا ﴾
١٠٥
وَأَسْتَغْفِ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٢) وَلَا تُحَدِلْ
عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ
خَوَّانَا أَشِمًا (٦) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ
مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ
اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا
هَأَ نتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَ لْتُمْ
١٠٨٠)
عَنْهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ
الْقِيَمَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا () وَمَن يَعْمَلْ
سُوَءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا
رَّحِيمًا (١) وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُعَلَ نَفْسِهِ.
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)، وَمَن يَكْسِبْ خَطِيَّةً أَوْإِئْمًا
ثُمَّ يَرِّمِ يِهِ بَرِيْئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَنًا وَ إِثْمَّا مُّبِينًا () وَلَوْلَا
فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَنْ
يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمِّ وَمَا يَضُرُونَكَ مِن
شَىْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ
مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
١١٣

٢٩٧
سورة النساء
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات مختلفة السياق إلا أنها متقاربة المعانى.
ومن ذلك ما ذكره صاحب الكشاف من أن رجلا اسمه طعمة بن أبيرق - أحد بنى ظفر -
سرق درعا من جار له أسمه قتادة ابن النعمان فى جراب دقيق. فجعل الدقيق ينتثر من خرق
فيه. وخبأ طعمة الدرع عند رجل من اليهود اسمه زيد بن السمين ..
فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها، وماله بها علم. فتركوه واتبعوا أثر
الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودی فأخذوها. فقال الیهودی : دفعها إلى طعمة وشهد له ناس
من اليهود. فقالت بنو ظفر - أقارب طعمة -: انطلقوا بنا إلى رسول الله وَليّ فلما وصلوا إليه
سألوه أن يجادل - أى يدافع - عن صاحبهم طعمة وقالوا : إن لم تفعل هلك وافتضح وبرىء
اليهودى. فهم رسول الله وَّر أن يفعل وأن يعاقب اليهودى. وقيل هم أن يقطع يده
فنزلت(١).
وهذه الآيات الكريمة وإن كانت قد نزلت فى حادثة معينة، إلا أن توجيهاتها وأحكامها تتناول
جميع المكلفين فى كل زمان ومكان.
وقوله تعالى ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ تشريف للنبى
وَلَّه وإرشاد إلى ما يجب أن يكون عليه الحاكم أو القاضى من عدالة ونزاهة.
أى: إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن الكريم، إنزالا ملتبسا بالحق وبالعدل لكى تحكم بين
الناس فى قضاياهم بما أراك الله. أى بما عرفك وأعلمك وأوحى به إليك وقوله ﴿بالحق﴾ فى
محل نصب على الحال المؤكدة فيتعلق بمحذوف. وصاحب الحال هو الكتاب. أى: أنزلناه
ملتبسا بالحق .
وقوله ﴿بما أراك﴾ الفعل هنا متعد لاثنين أحدهما العائد المحذوف والآخر كاف الخطاب
أى: بما أراكه الله. أى: بما عرفك وأعلمك.
وسمى ذلك العلم بالرؤية، لأن العلم اليقينى المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا مجرى
الرؤية فى القوة والظهور.
قال ابن كثير: احتج من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان ◌َّ له أن يحكم بالاجتهاد
بهذه الآية. وبما ثبت فى الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله (ص18 سمع جلبة خصوم بباب
حجرته فخرج إليهم فقال: ((ألا إنما أنا بشر. وإنما أقضى بنحو مما أسمع. ولعل أحدكم أن
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٦١ بتصريف يسير.

٢٩٨
المجلد الثالث
يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعة من النار،
فليحملها أو ليذرها)).
وفى رواية للإِمام أحمد عن السيدة أم سلمة - أيضا- قالت: جاء رجلان من الأنصار
يختصمان إلى رسول الله وَله فى مواريث بينهما قد درست. ليس عندهما بينه. فقال
رسول الله وَل: ((إنكم تختصمون إلى وإنما أنا بشر. ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض.
فإنى أقضى بينكم على نحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له
قطعة من النار .. فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقى لأخى. فقال رسول الله وَل أما إذا
قلتما ذلك فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق بينكما ثم استهما. ثم ليحلل كل واحد منكما
صاحبه)»(١).
وقوله ((ولا تكن للخائنين خصيما)) معطوف على كلام مقدر يفهم من المقام. والخصيم هنا
بمعنى المنتصر المدافع عن غيره فهو اسم فاعل بمعنى مخاصم وجمعه الخصماء. وأصله من الخصم
وهو ناحية الشىء وطرفه. وقيل للخصمين خصمان، لأن كل واحد منهما فى ناحية من الحجة
والدعوى.
والمعنى : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاحكم به ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما للبرآء، بأن
تجعل فكرك ينحاز إلى أولئك الخائنين - الذين يظهرون الإِسلام - قبل سماع البينات الهادية
المرشدة إلى الحق.
وسماهم - سبحانه - خائنين، لأنهم فى علمه - تعالى - كانوا كذلك وقد أخبر نبيه
بخيانتهم ليحذرهم ولا يحسن الظن بهم.
قال القرطبى : قال العلماء : لا ينبغى إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريق منهم.
فريقا عنهم ليحموهم ويدفعوا عنهم. فإن هذا قد وقع على عهد النبى وَّ وفيهم نزل قوله -
تعالى - ﴿ولا تكن للخائنين خصيما﴾. وقوله: ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم).
والخطاب للنبى وَلاّ والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين :
أحدهما : أنه - تعالى - أبان ذلك بما ذكره بعد بقوله ﴿هأنتم هؤلاء جادلتم عنهم فى الحياة
الدنيا﴾. والآخر: أن النبى و ﴿ كان حكما فيما بينهم، ولذلك كان يعتذر إليه ولا يعتذر هو إلى
غيره فدل على أن القصد لغيره(١).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٥١
(٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٧٧
۔

٢٩٩
سورة النساء
ثم قال - تعالى - ﴿واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما). أى: واستغفر الله مما هممت به
من تبرئة طعمة وإدانة اليهودى، حيث إن ظاهر الأمر يقتضى ذلك، وهذا وإن لم يكن ذنبا،
إلا أنه - سبحانه - أمر نبيه سم بالاستغفار من ذلك، لعلو مقامه على حد قول العلماء:
حسنات الأبرار سيئات المقربين.
أو المعنى : واستغفر الله لهؤلاء الخائنين لكى يتوبوا إلى الله - تعالى - ببركة استغفارك لهم،
إن الله - تعالى - كان كثير المغفرة لمن تاب إليه، وكثير الرحمة لمن آمن به واتقاه. وهذا الأمر.
بالاستغفار والإِنابة إلى الله موجه إلى كل مكلف فى شخص النبى وَ لّ ثم قال - تعالى -
﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيما﴾.
أى: ولا تخاصم وتدافع عن هؤلاء الذين ((يختانون أنفسهم)) أى يخونونها بشدة وإصرار إن :-
الله - تعالى - لا يحب ولا يرضى عمن كانت الخيانة وصفا من أوصافه، وخلقا من أخلاقه،
وكذلك لا يحب ولا يرضى عمن كان الانهماك فى الإِثم والمعصية عادة من عاداته.
وجاء - سبحانه - بلفظ ﴿يختانون﴾ بمعنى يخونون، لقصد وصفهم بالمبالغة فى الخيانة لأن
مادة الافتعال تدل على التكلف والمحاولة.
وجعلت خيانة هؤلاء لغيرهم خيانة لأنفسهم، لأن سوء عاقبة هذه الخيانة سيعود عليهم.
ولأن المسلمين جميعا كالجسد الواحد؛ فمن تظاهر بأنه منهم ثم خان أحدهم فكأنما خان نفسه،
وأوردها موارد البوار والتهلكة باعتدائه على حقوق الجماعة الإِسلامية، وزعزعة أمنها
واستقرارها.
والمراد بالموصول فى قوله ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ طعمة وأمثاله من الخائنين
: أو هو ومن عاونه وشهد ببراءته من أبناء عشيرته.
وقال - سبحانه - ﴿إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما﴾ بصيغة المبالغة؛ لإفادة أن الخيانة
والإِثم صارا وصفا ملازما لهؤلاء الخائنين الآثمين.
أى أن صيغة المبالغة هنا ليست للتخصيص حتى لا يتوهم متوهم أن الله - تعالى - يحب من
عنده أصل الخيانة والاثم.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: فإن قلت: لم قيل ((خوانا أثيمًا)) على
المبالغة؟ قلت: كان الله عالما من طعمة بالإِفراط فى الخيانة وركوب المآثم، ومن كانت تلك
خاتمة أمره لم يشك فى حاله. وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. وعن
عمر - رضى الله عنه - أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكى وتقول : هذه أول سرقة

٣٠٠
المجلد الثالث
سرقها فاعف عنه. فقال لها كذبت. إن الله لا يؤاخذ عبده فى أول مرة (١).
وقوله ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله﴾ بيان لأحوالهم القبيحة التى تجعلهم
محل غضب الله وسخطه.
والاستخفاء معناه الاستتار. يقال استخفيت من فلان. أى: تواريت منه واسنترت.
أى: أن هؤلاء الذين من طبيعتهم الخيانة والوقوع فى الآثام يستترون من الناس عندما
يقعون فى المنكرات حياء منهم وخوفا من ضررهم ﴿ولا يستخفون من الله﴾ أى: ولا يشعرون
برقابة الله عليهم، واطلاعه على جميع أحوالهم، بل يرتكبون ما يرتكبون من آثام بدون حياء منه
مع أنه - سبحانه - هو الأحق بأن يستحى منه، ويخشى من عقابه.
وقوله ﴿وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا﴾ بيان لشمول
علمه - سبحانه - بكل حركاتهم وسكناتهم.
أى: أن هؤلاء الخائنين يرتكبون السوء بدون حياء من الله، مع أنه - سبحانه - معهم فى
كل حركاتهم وسكْناتهم بعلمه واطلاعه على أقوالهم وأعمالهم ولا يخفى عليه شيء من أمرهم
حين ((يبيتون)) أى يضمرون ويدبرون ويقدرون فى أذهانهم مالا يرضاه الله - من القول كأن
يرتكبوا المنكرات ثم يمسحونها فى غيرهم حتى لا يفتضح أمرهم.
قال صاحب الكشاف : وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ماهم فيه من قلة الحياء والخشية
من ربهم، مع علمهم - إن كانوا مؤمنين - أنهم فى حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة، وليس
إلا الكشف الصريح والافتضاح.
وقوله ﴿يبيتون﴾ أى: يدبرون ويزورون وأصله أن يكون ليلا ﴿ما لا يرضى من القول﴾
وهو تدبير طعمة أن يرمى الدرع فى دار غيره.
فإن قلت : كيف سمى التدبير قولا وإنما هو معنى فى النفس ؟ قلت : لما حدث بذلك نفسه
سمى قولا على المجاز. ويجوز أن يكون المراد بالقول : الحلف الكاذب الذى حلف به طعمة
بعد أن بيته وتوريكه الذنب على اليهودى(٢).
وقوله ﴿وكان الله بما يعملون محيطا﴾ تذييل قصد به التهديد والوعيد. أى وكان الله -
تعالى - محيطا إحاطة تامة بما يعمله هؤلاء الخائنون وغيرهم ولا يغيب عن علمه شيء من
تصرفاتهم، وسيحاسبهم عليها يوم القيامة.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٦٣
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٦٣. وقوله ((وتوريكه الذنب)) يقال: ورك فلان ذنبه على غيره أى رماه به.
٠