Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ سورة النساء فلا يقع منه فى المستقبل ما وقع منه فى الماضى، ولهذا قال الإِمام الزيلعى : ((وبهذا النوع من القتل أى القتل الخطأ - لا يأثم إثم القتل، وإنما يأثم إثم ترك التحرز. والمبالغة فى التثبت، لأن الأفعال المباحة لا تجوز مباشرتها إلا بشرط ألا تؤذى أحدا. فإذا آذى أحدا فقد تحقق ترك الحرز)). وقوله ﴿وكان الله عليما حكيما﴾ تذييل قصد به زجر الناس عن اتباع الهوى وعن مخالفة شريعته. أی : وکان الله وما زال علیما بالنفوس وخباياها وحركاتها وبكل شىء فى هذا الكون : حكيما فى كل ما شرع وقضى. وسيحاسب الناس على أقوالهم. وأعمالهم يوم القيامة. وسيجازيههم بما يستحقون من خير أو من شر. وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد بينت أن المؤمن إذا قتل على سبيل الخطأ أخاه المؤمن أو قتل رجلا من قوم كافرين ولكن بيننا وبينهم ميثاق أمان فعليه فى كل حالة من هاتين الحالتين عتق رقبة ودية. أما إذا قتل المؤمن رجلا مؤمنا ولكن كان من قوم كافرين محاربين لنا وليس بيننا وبينهم عهد ولا ميثاق فعلى القاتل تحرير رقبة فقط. فإن لم يستطع تحرير رقبة فعليه صيام شهرين متتابعين توبة من الله. وبهذه الأحكام الحكيمة تربى النفوس على الاحتراس والاحتياط وأخذ الحذر، وتصان الدماء عن أن تذهب هدرا، وتعوض أسرة القتيل عن فقيدها بما يخفف " آلامها، ويجبر خاطرها، وتعوض الجماعة الإسلامية بتحرير رقبة مؤمنة تعمل لصالح الجماعة. بحرية وانطلاق بعد أن كانت تعمل لخدمة سيدها فحسب. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة من يقتل مؤمنا متعمدًا فقال: ﴿ومن يقتل مؤمنا" متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾. أى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا﴾ قتله ﴿فجزاؤه) الذى يستحقه بسبب هذه الجناية الكبيرة" ((جهنم خالدًا فيها)) أى باقيا فيها مدة طويلة لا يعلم مقدارها إلا الله ﴿وغضب الله عليه﴾ بسبب ما ارتكبه من منكر ﴿ولعنه﴾ أى طرده من رحمته ﴿وأعد له﴾ من وراء ذلك كله ﴿عذابا عظيما﴾ يوم القيامة. هذا وقد ساق المفسرون جملة من الآيات والأحاديث التى تهدد مرتكب هذه الكبيرة بالعذاب الشديد؛ واختلفوا فى حكمها هل هى منسوخة أولا؟ وهل للقاتل عمدًا توبة أولا؟ وقد أفاض الإِمام ابن كثير فى بيان كل ذلك فقال ما ملخصه : ((هذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم والذى هو مقرون بالشرك بالله : ٢٦٢ المجلد الثالث فى غير ما آية. قال - تعالى - ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق﴾ . والأحاديث فى تحريم القتل كثيرة جدا. فمن ذلك ما ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَالر: ((أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء)) وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله وسلم قال: ((لا يزال المؤمن معتقا - أى خفيف الظهر، سريع السير - ما لم يصب دما حراما. فإذا أصاب دما حراما بلح)) أى: أعيا وانقطع. وفى حديث آخر: ((لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم)). ثم قال: وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدا. وقال البخارى: حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا المغيرة بن النعمان قال : سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة. فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها. فقال: نزلت هذه الآية. ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا﴾ هى آخر ما نزل وما نسخها شىء. وروى ابن جرير أيضا عن سعيد بن جبير قال. سألت ابن عباس عن قوله - تعالى - ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا﴾. فقال: إن الرجل إذا عرف الإِسلام، وشرائع الإِسلام، ثم قتل مؤمنا متعمدًا فجزاؤه جهنم؛ ولا توبه له. ثم قال : والذى عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها. أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله - تعالى - فإن تاب وأناب وخشع وخضع وعمل عملا صالحا بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن ظلامته. قال الله - تعالى - ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فهذه الآية عامة فى جميع الذنوب ما عدا الشرك. وهى مذكورة فى هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها لتقوية الرجاء. والمراد بالخلود هنا المكث الطويل. وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله يقول أنه يخرج من النار من كان فى قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان. وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر والتوبة لا أنه يعتقد بطلان توبته(١). والآية الكريمة ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾. الصواب فى معناها : أن جزاءه (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٥٣٦. ٢٦٣ سورة النساء جهنم. فقد يجازى بذلك وقد يجازى بغيره. وقد لا يجازى بل يعفى عنه. فإن قتل عمدا: مستحلا بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد. يخلد فى جهنم بالإجماع. وإن كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص. مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم خالدا فيها. ولكن تفضل - سبحانه - فأخبر أنه لا يخلد فيها من مات موحدًا فلا يخلد هذا. وقد يعفى عنه ولا يدخل النار " أصلا. وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر العصاة الموحدين. ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد فى النار. فهذا هو الصواب فى معنى الآية(١). وبهذا نرى أن الآية الكريمة تنهى المؤمن نهيا قاطعا عن أن يمد يده بالسوء لقتل نفس حرم الله قتلها إلا بالحق، وتتوعد الذى يفعل ذلك بغضب اللّه عليه وطرده من رحمته، وإلحاق العذاب العظيم به يوم القيامة . وبعد هذا التحذير الشديد من قتل النفس بغير حق، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه ... عن القتل بدون تبين أو تثبت من أجل التوصل إلى عرض من أعراض الدنيا الفانية، فقال - تعالى - : يَتَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَ بْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْ مِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ! كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ ج ٩٤ فَتَبَيِّنُوْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات متعددة إلا أنها متقاربة فى المعنى. وقد حكى معظمها الإِمام القرطبى فقال ما ملخصه : . هذه الآية نزلت فى قوم من المسلمين مروا فى سفرهم برجل معه جمل وغنيمة يبيعها فسلم (١) تفسير القاسمى جـ ٥ ص ١٤٥٨. : ٢٦٤ المجلد الثالث : على القوم وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله - ظنا منه أن المقتول نطق بالشهادتين ليأمن القتل - فلما ذكر ذلك للنبي * شق عليه ونزلت الآية فحمل رسول الله وَجري ديته إلى أهله ورد عليه غنيماته. وقد قيل : إن القاتل محلم بن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط. وقيل : إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك من بنى مرة من أهل فدك. وفى سنن ابن ماجه عن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله وَلقر جيشا من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالا شديدا فمنح المشركون المسلمين أكتافهم. فحمل رجل من المسلمين على رجل من المشركين بالرمح. فلما غشيه قال: أشهد أن لا إله إلا الله إنى مسلم. فطعنه فقتله . فأتى رسول الله ﴿ فقال: يا رسول الله هلكت. قال: ((وما الذى صنعت)) مرة أو مرتين. فأخبره بالذى صنع. فقال له رسول الله *: ((فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما فى قلبه))؟ فقال: ((يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما فى قلبه؟ قال : لا فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما فى قلبه)» ... ثم قال القرطبى : ولعل هذه الأحوال جرت فى زمان متقارب فنزلت الآية فى الجميع(١). والضرب فى الأرض: السير فيها. تقول العرب: ضربت فى الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره. وكأن السير فى الأرض سمى بذلك؛ لأنه يضرب الأرض برجليه فى سيره. والمراد بالضرب فى الأرض هنا: السفر والسير فيها من أجل الجهاد فى سبيل الله. وقوله ﴿فتبينوا﴾ معناه: فتثبتوا وتأكدوا وتأملوا فيما تأتون وتذرون. وقرأ حمزة ((فتثبتوا)). قال القرطبى: والسلم والسلم والسلام بمعنى واحد. قال البخارى. وقرىء بها كلها. واختار أبو عبيد ((السلام)). وخالفه أهل النظر فقالوا؛ السلم هنا أشبه؛ لأنه بمعنى الانقياد والاستسلام. كما قال - تعالى - ((فألقوا السلم ماكنا نعمل من سوء)). والمعنى: يأيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق، إذا خرجتم من بيوتكم وسرتم فى الأرض من أجل الجهاد فى سبيل الله وإعلاء كلمته ﴿فتبينوا﴾ أى فاطلبوا بيان الأمر فى كل ما تأتون وما تذرون، واحذروا أن تضعوا سيوفكم فى غير موضعها. فإن الأصل فى الدماء الحرمة والصيانة وعدم الاعتداء عليها، وقد حرم الله - تعالى - قتل النفس إلا بالحق. (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٦٣. ٢٦٥ سورة النساء والتبين والتثبت فى القتل واجب حضرًا وسفرا. وإنما خص السفر بالذكر لأن الحادثة التى نزلت فيها الآية وقعت فى السفر. وقوله ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا﴾ أى: تأكدوا - أيها المؤمنون - وتثبتوا فى كل أحكامكم وأفعالكم، ولا تقولوا لمن أظهر الانقياد لدعوتكم ودينكم فنطق بالشهادتين أو حياكم بتحية الإِسلام. لا تقولوا له لست مؤمنا حقا وإنما قلت ما قلت بلسانك فقط لتأمن القتل. بل الواجب عليكم أن تقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه؛ فإن علم السرائر والبواطن إنما هو الله - تعالى - وحده. وجملة ﴿لست مؤمنا﴾ مقول لقوله ﴿لا تقولوا): أى لا تنفوا عنه الإِيمان وهو يظهره أمامكم وفى هذا من الفقه - كما يقول القرطبى - باب عظيم، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر. ولقد كان عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - ينهى عن قتل من أعلن الاستسلام ويحذر من يقتله بأنه سيقتله به، وقد أرسل بذلك إلى قواد جيوشه لأن الذين يقتلون من يطلب الأمان طمعا فى ماله لا يكون جهادهم خالصا لله، ولا تكون أعمالهم محل رضا الله - تعالى - ولذا قال - سبحانه - : ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة﴾. والابتغاء: الطلب الشديد والرغبة الملحة . وعرض الحياة الدنيا : جميع متاعها وأموالها. وسمى متاع الدنيا عرضا، لأنه مهما كثر فهو زائل غير دائم، وعارض غير باق. قال الراغب: والعرض- بفتح الراء والعين - مالا يكون له ثبات. ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر. وقيل: الدنيا عرض حاضر تنبيها على أنه لا ثبات لها(١)، والمغانم : جمع مغنم ويطلق على ما يؤخذ من مال العدو، من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول. والمعنى: تثبتوا - أيها المؤمنون - فى كل أقوالكم وأعمالكم، ولا تتعجلوا فى أحكامكم، ولا تقولوا لمن حياكم بتحية الإسلام أو نطق بالشهادتين لست مؤمنا، وإنما فعلت ذلك تقية؛ ثم تقتلونه. مبتغين من وراء قتله متاع الدنيا الزائل، وعرضها الفانى، إن هذا المسلك يتنافى مع الإِيمان الصادق والجهاد الخالص. ومن كان منكم يريد متاع الدنيا فليطلبه من الله وحده - فإن (١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ٣٣١. ٢٦٦ المجلد الثالث خزائنه لا تنفد، وعطاءه لا يحد - ولا يطلبه عن طريق الاعتداء على من أظهر الإِسلام أو التمس منكم الأمان. وقوله ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾ حال من فاعل ﴿لا تقولوا﴾ لكن لا على أن يكون النهى راجعا للقيد فقط كما فى قولك: لا تطلب العلم تبتغى به الجاه والتفاخر، بل على أنه راجع إليهما جميعا. أى: لا تقولوا له ذلك ولا تبتغوا العرض الفانى. فالمقصود بهذه الجملة الكريمة توبيخهم على حرصهم على متاع الدنيا بطريقة لا تتناسب مع الإِيمان الكامل، ومع الهدف الذى خرجوا من أجله: وهو إعلاء كلمة الله تعالى - وضم أكبر عدد من الناس إلى دعوة الحق التى جاء بها النبى وَلّ . وقوله ﴿فعند الله مغانم كثيرة﴾ تعليل للنهى عن ابتغاء عرض الحياة الدنيا بهذا الأسلوب فكأنه قال : لا تعودوا إلى ما فعلتموه من قتل من ألقى إليكم السلام طلبا لما له، فإن الله - تعالى - عنده مغانم كثيرة، وفى مقدوره أن يغنيكم من فضله؛ فالجأوا إلى جنابه وحده، وخصوه بالسؤال، وأخلصوا له العمل. وقوله ﴿كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا﴾ تعليل للنهى عما قالوه وما فعلوه. أى: أنتم - أيها المؤمنون - كنتم من قبل مثل ذلك الذى ألقى إليكم السلام، فقد كنتم فى أول إسلامكم لا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من النطق بالشهادتين وتبادل تحية الإِسلام، فمن الله عليكم بأن قبل منكم تلك المرتبة وعصم بها دماءكم وأموالكم ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم. وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقد قال: قوله ﴿كذلك كنتم من قبل﴾ أول ما دخلتم فى الإِسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت من دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم بالاستقامة والاشتهار بالإِيمان فعليكم أن تفعلوا بالداخلين فى الإِسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإِسلام فى المكانة، ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سبيلا إلى استباحة دمه وماله وقد حرمهما الله (١). فاسم الإِشارة راجع إلى ﴿من﴾ فى قوله: ﴿لمن ألقى إليكم السلم﴾. ويجوز أن يكون اسم الإِشارة راجعا إلى الحالة التى كانوا عليها فى ابتداء إسلامهم. أى كحال هذا الذى يسر إيمانه ويخفيه عن قومه كنتم من قبل. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٥٣. - ٠٠ ٢٦٧ سورة النساء وقد رجح هذا المعنى ابن جرير فقال ما ملخصه : قوله ﴿كذلك كنتم من قبل﴾ أى كذلك كنتم تخفون إيمانكم فى وقومكم من المشركين، وأنتم مقيمون بين أظهرهم، كما كان هذا الذى قتلتموه مقيما بين أظهر قومه من المشركين مستخفيا بدينه منهم ﴿فمن الله عليكم﴾ أى: فرفع منكم ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيده وعبادته ... (١). والذى يبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع لهذين التفسيرين، إلا أن التفسير الأول الذى جرى عليه صاحب الكشاف أشمل وأنسب لسياق الآية؛ لأن المقصد الرئيسى الذى تدعو إليه الآية الكريمة هو نهى المؤمنين عن سوء الظن بمن أظهر الإِسلام وعن الاعتداء عليه. وأمرهم بان يعاملوا الناس بظواهرهم أما بواطنهم فأمرها إلى الله وحده. والفاء فى قوله ﴿فتبينوا﴾ فصيحة. أى: إذا كان الأمر كذلك فتبينوا نعمة الله عليكم وداوموا على شكرها، وقيسوا أحوال غيركم بما سبق من أحوالكم، واقبلوا ظواهر الناس بدون فحص عن بواطنهم، ولا تصدروا أحكامكم عليهم إلا بعد التثبت والتأكد من صحتها ولا تشهروا سيوفكم فى وجوههم إلا بعد التأكد من كفرهم وعدوانهم. وقوله : ﴿إن الله كان بما تعملون خبيرا﴾ تذييل قصد به تحذيرهم من مخالفة أمره. أى: إن الله مطلع على دقيق الأمور وجليلها، خبير بما تسره نفوسكم وما تعلنه، لا يخفى عليه شىء من ظواهركم وبواطنكم، وسيحاسبكم على كل ذلك، وسيجازيكم بما تستحقون ...... من خير أو شر. هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الكافر إذا نطق بالشهادتين حرم قتله؛ لأنه قد اعتصم بعصام الإِسلام المانع من إهدار دمه وماله وأهله. كما أخذوا منها وجوب التثبت فى الأحكام وفى الأقوال. وأخذ الناس بظواهرهم حتى يثبت خلاف ذلك. قال الفخر الرازى: اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة فى تحريم قتل المؤمنين. وأمر المجاهدين بالتثبت فيه، لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف(٢). وقال بعض العلماء : وقد دلت الآية على حكمة عظيمة فى حفظ الجامعة الدينية، وهى بث الثقة والأمان بين أفراد الأمة وطرح ما من شأنه إدخال الشك لأنه إذا فتح هذا الباب عسر .. (١) تفسير الطبرى جـ ٥ ص ٢٢٦. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص٢. ٢٦٨ المجلد الثالث سده، وكما يتهم المتهم غيره فللغير أن يتهم من اتهمه. وبذلك ترتفع الثقة، ويسهل على ضعفاء الإِيمان المروق، إذ قد أصبحت التهمة تظل الصادق والمنافق. وانظر معاملة النبى وَل المنافقين معاملة المسلمين. على أن هذا الدين سريع السريان فى القلوب فيكتفى أهله بدخول الداخلين فيه من غير مناقشة. إذ لا يلبثون أن يألفوه وتخالط بشاشته قلوبهم. فهم يقتحمونه على شك وتردد فيصير إيمانا راسخا. ومما يعين على ذلك ثقة السابقين فيه باللاحقين. ومن أجل ذلك أعاد الله الأمر فقال ﴿فتبينوا﴾ تأكيدا لقوله ﴿فتبينوا﴾ المذكور قبله ... (١). *: وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين بأن يعاملوا الناس على حسب ظواهرهم ونهاهم عند جهادهم عن التعجل فى القتل. أتبع ذلك ببيان فضل المجاهدين المخلصين فقال - تعالى - لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ الَهُالْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلَّا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَاللّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرَ اً عَظِيمًا (٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًارَّحِيمَانَنا قال الآلوسي : قوله - تعالى - ﴿لا يستوى القاعدون﴾. شروع فى الحث على الجهاد ليأنفوا عن تركه، وليرغبوا عما يوجب خللا فيه. والمراد بالقاعدين : الذين أذن لهم فى القعود عن الجهاد اكتفاء بغيرهم. وروى البخارى عن ابن عباس: هم القاعدون عن بدر وهو الظاهر الموافق للتاريخ على ما قيل. وقال أبو حمزة: إنهم المتخلفون عن تبوك. وروى أن الآية نزلت فى كعب بن مالك من بنى سلمة ومرارة بن الربيع من بنى عمرو بن عوف. وهلال بن أمية من بنی واقف حين تخلفوا عن رسول الله - ﴿ فى تلك الغزوة))(٢). (١) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور جـ ٥ ص١٦٨. (٢) تفسير الآلوسى جـ٥ ص ١٢١. ٢٦٩ سورة النساء وقوله ﴿غير أولى الضرر﴾ جملة معترضة جىء بها لبيان أنهم غير مقصودين بعدم المساواة مع المجاهدين فى الأجر. والضرر: مصد ضَرِر مثل مرض. وهذه الزنة تجىء - غالبا - فى العاهات ونحوها، مثل عمى وحصر وعرج ورمد. والمراد بقوله ﴿غير أولى الضرر﴾ أى: غير أصحاب العلل والأمراض التى تحول بينهم وبين الجهاد فى سبيل الله من عمى أو عرج أو ضعف أو غير ذلك من الأعذار. وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿غير أولى الضرر﴾ روايات منها ما أخرجه البخارى عن البراء قال: لما نزلت ﴿لا يستوى القاعدون من المؤمنين﴾. دعا رسول اللّه الي زيدا فكتبها فجاء ابن أم مكتوب فشكا ضرارته. فأنزل الله: ﴿غير أولى الضرر﴾(١). وقال القرطبى : روى الأئمة - واللفظ لأبي داود عن زيد بن ثابت قال : كنت إلى جنب رسول الله وَلقر فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله مليار على فخذى فما وجدت ثقل شىء أثقل من فخذ رسول الله وَّر ثم سرى عنه فقال: ((أكتب)) فكتبت فى كتف - أى فى عظم عريض كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم - ﴿لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل الله﴾ .. الآية. فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال : يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله السكينة فوقعت فخذه على فخذى. ووجدت من ثقلها فى المرة الثانية كما وجدت فى المرة الأولى ثم سرى عن رسول الله وَ فقال: اقرأ يا زيد. فقرأت: ﴿لا يستوى الأقاعدون من المؤمنين). فقال رسول الله صل ﴿غير أولى الضرر﴾ الآية كلها. قال زيد: فأنزلها الله وحدها فألحقتها. والذى نفسى بيده لكأنى أنظر إلى ملحقها عند صدع فى كتف(٢). والمعنى : لا يستوى عند الله - تعالى - الذين قعدوا عن الجهاد لإعلاء كلمة الحق دون أن يكون عندهم من الأعذار ما يمنعهم من ذلك، لا يستوى هؤلاء مع الذين جاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. أما الذين قعدوا عن الجهاد لأعذار تمنعهم عن مباشرته، فإن نيتهم الصادقة " (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٤٠. (٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٣٢. ٢٧٠ المجلد الثالث سترفع منزلتهم عند الله - تعالى -، وستجعلهم فى مصاف المجاهدين بأموالهم وأنفسهم أو قریبین منهم. ويشهد لذلك ما رواه البخارى وأبو داود عن أنس أن رسول الله وسالقر قال - وهو يسير إلى تبوك: ((إن بالمدينة أقواما ما سرتم من سير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه. قالوا : يا رسول الله، وهم بالمدينة قال: نعم حبسهم العذر)). قال ابن كثير: وفى هذا المعنى قال الشاعر : سرتم جسومًا وسرنا نحن أرواحا يا راحلين إلى البيت العتيق لقد ومن أقام على عذر كمن راحا إنا أقمنا على عذر وعن قدر وقوله : ﴿لا يستوى﴾ نفى لاستواء المجاهدين والقاعدين، والمقصود بهذا النفى التعريض بالمفضول لتفريطه وزهده فى الخير، وحض على الاقتداء بمن هو أفضل منه، إذ من المعروف أن القاعد عن الجهاد لا يساوى المجاهد فى الفضل والثواب. فتعين أن يكون المراد بهذا التعبير التعريض بالقاعدين ليتأسوا بالمجاهدين، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان فما فائدة نفى الاستواء؟ قلت : معناه الإِذكار بما بينهما من التفاوت العظيم، والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته. فيهتز للجهاد ويرغب فيه، وفى ارتفاع طبقته، ، ونحوه : ﴿هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ أريد به التحريك من الجهل إلى التعلم. ولينهض الشخص بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم. وقوله ﴿من المؤمنين﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من القاعدين. وفائدة قوله : ﴿من المؤمنين﴾ الإِيذان من أول الأمر بأن قعودهم عن الجهاد لم يمنعهم عن الوصف بالإِيمان، لأن قعودهم عن الجهاد لم يكن عن نفاق أو عن ضعف فى دينهم، وإنما كان عن تراخ أو اشتغال ببعض الأمور الدنيوية. قال الجمل وقوله : ﴿غير أولى الضرر﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم ﴿غير﴾ بالرفع : وقرأ الباقون بالنصب. وقرأ الأعمش بالجر. فالرفع على وجهين : أظهرهما أنه على البدل من ﴿القاعدون﴾. وإنما كان هذا أظهر لأن الكلام نفى والبدل معه أرجح . والثانى : أنه رفع على أنه صفة لقوله ﴿القاعدون﴾ لأنهم لما لم يكونوا أناسًا بأعيانهم بل أريد ٢٧١ سورة النساء بهم الجنس أشبهوا النكرة فوصفوا بها. وأما النصب فعلى: الاستثناء من ﴿القاعدون﴾ وهو الأظهر، لأنه المحدث عنه. وأما الجر فعلى أنه صفة للمؤمنين(١). وقوله : ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى﴾ بيان لمزية المجاهدين على غيرهم. والمراد بالقاعدين هنا - الذين قعدوا عن الجهاد لسبب مانع من مباشرته أى : فضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم من أجل إعزاز دينه، فضلهم درجة على القاعدين بأعذار، لأن المجاهدين قد عرضوا أنفسهم للمخاطر والأهوال ، وبذلوا أرواحهم وأموالهم فى سبيل إعلاء كلمة الله. والدرجة هنا مستعارة للعلو المعنوى أى أن المراد بها هو الفضل، ووفرة الأجر وزيادة الثواب. والتنوين فيها للتعظيم. قال ابن جرير: فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من أولى الضرر درجة واحدة، يعنى فضيلة واحدة. وذلك بفضل جهادهم بأنفسهم فأما فيما سوى ذلك فهما مستویان))(٢). وقوله ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ جملة معترضة جىء بها تداركا لما عسى أن يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول. أى : وكل واحد من فريقى المجاهدين والقاعدين من أهل الضرر وعده الله المثوبة الحسنى وهى الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم، وإنما التفاوت فى زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب . وقوله ﴿كلا﴾ مفعول أول لما يعقبه قدم عليه لإفادة القصر تأكيدا للوعد وتنوينه عوض عن المضاف إليه. وقوله ﴿الحسنى﴾ مفعول ثان. ثم بين - سبحانه - أنه قد فضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات عظيمة فقال ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما﴾. أى: وفضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين دون أن يكون هناك (١) حاشية الجمل على الجليلين جـ ١ ص ٤١٥ (٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٣١ ٢٧٢ المجلد الثالث عذر يمنعهم عن الجهاد، فضل الله المجاهدين على هؤلاء القاعدين بالأجر العظيم والثواب . الجزيل، والمنزلة الرفيعة. وقوله ﴿أجرا عظيما﴾ منصوب على النيابة عن المفعول المطلق المبين للنوع، لأن الأجر هو ذلك التفضيل. أو على نزع الخافض أى فضلهم بأجر عظيم. أو على أنه مفعول ثان بتضمين فضل معنى أعطى أى أعطاهم أجرا تفضلا منه. ثم فصل - سبحانه - هذا الأجر العظيم فقال ﴿درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا أى فضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين عن الجهاد بغير عذر بالأجر العظيم؛ الذى يرفعهم عند الله - تعالى - درجات عالية ويقربهم من مقامات قدسه، ويغفر لهم ما فرط منهم، ويتغمدهم بسابغ رحمته وكان الله كثير الغفران لأوليائه واسع الرحمة بأهل طاعته. وقوله ﴿درجات منه﴾ بدل أو عطف بيان من قوله ﴿أجرا عظيما﴾. وقوله ﴿منه﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لدرجات. ونكرت الدرجات للإِشعار بأنها درجات عظيمة لا يحدها الحصر، ولا يعينها المقدار، بل هى شرف عظيم لا يناله إلا المقربون الأبرار. هذا، وما جرينا عليه من أن المجاهدين يمتازون عن القاعدين بعذر بدرجة، ويمتازون عن القاعدين بغير عذر بدرجات هو رأى كثير من المفسرين، وقد عبر عنه صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : قد ذكر الله - تعالى - مفضلين درجة ومفضلين درجات فمن هم؟ قلت : أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء. وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم فى التخلف اكتفاء بغيرهم، لأن الغزو فرض کفایة(١). ومن المفسرين من يرى أن الذين فضل الله عليهم المجاهدين بدرجة وبدرجات هم صنف واحد، وهم الذين قعدوا عن الجهاد بدون عذر. أما الذين قعدوا بعذر فهم متساوون فى الأجر مع المجاهدين. وعلى هذا الرأى سار الألوسى فى تفسيره فقد قال ما ملخصه: ((فضل الله المجاهدين)) فى سبيله ((بأموالهم وأنفسهم على القاعدين)) من المؤمنين غير أولى الضرر ﴿درجة﴾ لا يقادر (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٥٤ ٢٧٣ سورة النساء قدرها. ﴿وكلا﴾ أى: كل واحد من الفريقين المجاهدين والقاعدين (وعد الله الحسنى). وقوله ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين﴾ عطف على ما قبله ﴿أجرا عظيما﴾. ثم قال : ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبىء عن المغايرة. وتقييده تارة بدرجة وتارة بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه. إما لتنزيل الاختلاف العنوانى بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتى تمهيدًا لسلوك طريق الإِبهام ثم التفسير ... وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين والدرجة والدرجات(١). وقد حكى الإِمام القرطبى هذين الوجهين فقال: قوله - تعالى - ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾ وقد قال بعد هذا: ﴿درجات منه ومغفرة ورحمة﴾ فقال قوم : التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد. وقيل : فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر بدرجة واحدة. وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات(٢). والذى نراه أولى من هذين القولين قول من قال بأن الله - تعالى - فضل المجاهدين على القاعدين بعذر بدرجة، وفضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات، وذلك لأن هذا التفسير هو المأثور عن ابن عباس وغيره من الصحابة. فقد قال ابن عباس فى قوله - تعالى - ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾ أراد بالقاعدين هنا أولى الضرر(٣) ولأن القاعدين بعذر وإن كانوا لهم من حسن النية ما يرفع منزلتهم إلا أن المجاهدين الذين باشروا الجهاد وعرضوا أنفسهم لأخطار القتال يفوقونهم منزلة وأجرًا. وهذا ما يقتضيه منطق العقول البشرية، أما عطاء الله بعد ذلك لكل فريق فمرجعه إليه وحده على حسب ما تقتضيه حكمته وسعة رحمته. هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أن الجهاد من أفضل الأعمال وأن المجاهدين لهم عند الله - تعالى - منازل عالية. ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله وَلهم قال: ((إن فى الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين فى سبيله. بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ومنه تتفجر أنهار الجنة)). (١) تفسير الألوسى جـ ٥ ص ١٢٣ (٢) تفسير القرطبی جـ ٥ ص ٢٤٤ (٣) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤١٥ ٢٧٤ المجلد الثالث وبعد أن رفع - سبحانه - من شأن المجاهدين، وبين حال القاعدين عن الجهاد يعذر أو بغير عذر، أتبع ذلك ببيان حال القاعدين فى دار الكفر بدون هجرة إلى دار الإِسلام، ووعد المهاجرين فى سبيل الله بحسن العاقبة فقال - تعالى - : إِنَّالَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَكَتِكَةُ ظَالِى أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُواْكُنَا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضَِّ قَالُواْأَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَكَ مَأْوَنُهُمْ جَهَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًّا (٣) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨ ٩٩ فَأُوْلَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا ج /٤/٠/٤ وَمَن يُهَاجِرْ فِ سَبِيلِ اللَّهِيَجِدْ فِ الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيِّتِهِ، مُهَا جِّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّيُدْرِكُهُ اَلْوْتُ ١٠٠ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ, عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمَالُ روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿إن الذين توفاهم﴾ روايات منها ما أخرجه البخارى عن ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله وَسير يأتى السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله. أو يضرب فيقتل. فأنزل الله : ﴿إن الذين توفاهم﴾ ... الآية. ومنها ما أخرجه الطبرانى عن ابن عباس قال: كان قوم بمكة قد أسلموا. فلما هاجر رسول الله كرهوا أن يهاجروا - خوفا على أموالهم ونفورا من مفارقة أوطانهم - فأنزل الله الآية. ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا. وكانوا يخفون الإِسلام. فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر. فأصيب بعضهم. فقال المسلمون : هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت الآية(١). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٤٢ وتفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٢٠١ ٢٧٥ سورة النساء قال ابن كثير - بعد ذكره لهذه الروايات - : هذه الآية الكريمة عامة فى كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراما بالإِجماع وبنص هذه الآية .. وقوله : ﴿توفاهم﴾ يحتمل أن يكون فعلا ماضيا، وتركت علامة التأنيث للفصل، ولأن الفاعل ليس مؤنثًا تأنيثًا حقيقيًّا. ويحتمل أن يكون فعلا مضارعا وأصله ((تتوفاهم)) فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا. وهو من توفى الشىء إذا أخذه وافيا تاما. والمراد من التوفى: قبض أرواحهم وإماتتهم. وقيل المراد به: حشرهم إلى جهنم. والمراد من الملائكة : ملك الموت وأعوانه الذين يتولون قبض الأرواح بإذن الله وأمره. وظلم النفس معناه : أن يفعل الإِنسان فعلا يؤدى إلى مضرته وسوء عاقبته سواء أكان هذا الفعل كفرًا أم معصية. وإنما كان ظالما لنفسه لأنه قال قولا أو فعل فعلا ليس من شأن العقلاء أن يقولوه أو يفعلوه لو خامة عقباه. والمعنى : إن الذين تقبض الملائكة أرواحهم وتميتهم حال كونهم قد ظلموا أنفسهم بسبب رضاهم بالذل والهوان، وإقامتهم فى أرض لم يستطيعوا أن يباشروا تعاليم دينهم فيها، وعدم هجرتهم إلى الأرض التى يقيم فيها إخوانهم فى العقيدة مع قدرتهم على الهجرة ... إن الذين تتوفاهم الملائكة وهم بهذه الحال، تسألهم الملائكة سؤال تقريع وتوبيخ عند قبض أرواحهم أو يوم القيامة فتقول لهم: ((فيم كنتم)) أى: فى أى حال كنتم؟ أكنتم فى عزة أم فى ذلة؟ وكيف رضيتم البقاء مع الكافرين الذين أذلوكم وسخروا من دينكم؟ أو المعنى : فى أى شىء كنتم من أمور دينكم؟ ﴿قالوا كنا مستضعفين فى الأرض﴾ أى: قال الذين ظلموا أنفسهم للملائكة : كنا فى الدنيا يستضعفنا أهل الشرك فى أرضنا وبلادنا، وصيرونا أذلاء لا نملك من أمرنا شيئًا. وهو اعتذار قبيح يدل على هوان المعتذرين به وضعف نفوسهم، ولذلك لم تقبل منهم الملائكة هذا العذر، بل ردت عليهم بما حكاه الله - تعالى - فى قوله: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾؟ فالاستفهام الإنكار عذرهم، وعدم الاعتداد به. أى أن الملائكة تقول لهم - كما يقول الألوسى - : إن عذركم عن ذلك التقصير بحلولكم بين أهل تلك الأرض أبرد من الزمهرير، إذ يمكنكم حل عقدة هذا الأمر الذى أخل بدينكم بالرحيل إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعل من هاجر إلى ٢٧٦ المجلد الثالث الحبشة وإلى المدينة. أو إن تعللكم عن الخروج مع أعداء الله - تعالى - بأنكم مقهورون غير مقبول، لأنكم متمكنون من المهاجرة ومن الخروج من تحت أيديهم(١). وقوله ﴿ظالى أنفسهم) جملة حالية من ضمير المفعول فى قوله: ﴿توفاهم﴾ أى: تتوفاهم الملائكة فى حال ظلمهم لأنفسهم. والإِضافة فيه لفظية فلا تفيده تعريفًا. والأصل ظالمين أنفسهم فحذفت النون تخفيفا. قال الجمل ماملخصه: وخبر إن فى قوله ﴿إن الذين توفاهم﴾. محذوف تقديره: إن الذین توفاهم الملائكة هلكوا. ويكون قوله: ﴿قالوا فيم كنتم﴾ مبينا لتلك الجملة المحذوفة. أو يكون الخبر قوله ﴿فأولئك مأواهم جهنم﴾ ودخلت الفاء فى الخبر تشبيها للموصول باسم الشرط ... (٢). وقوله ﴿قالوا كنا مستضعفين فى الأرض﴾ جملة مستأنفة جوابًا عن سؤال مقدر فكأنه قيل: فماذا قال أولئك الذين ظلموا أنفسهم للملائكة؟ فكان الجواب : كنا مستضعفين فى الأرض. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف صح وقوع قوله ((كنا مستضعفين فى الأرض)) جوابًا عن قولهم: فيم كنتم وكان حق الجواب : كنا فى كذا أو لم نكن فى شىء؟ قلت معنى ((فيم كنتم)) التوبيخ بأنهم لم يكونوا فى شىء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا. فقالوا : كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به، واعتلالا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا فى شىء. فبكتتهم الملائكة بقولهم: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾، أرادوا: إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التى تمنعون فيها من إظهار دينكم. وهذا دليل على أن الرجل إذا كان فى بلد لا يتمكن فيه من إقامة دينه كما يجب لبعض الأسباب - والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر - أو علم أنه فى غير بلده أقوم بحق الله وأدوم للعبادة حقت عليه المهاجرة. ويبدو أن الإِمام الزمخشرى كان عند تفسيره لهذه الآية قد هاجر من موطنه للإقامة بجوار بيت الله الحرام، فقد قال خلال تفسيره لها ((اللهم إن كنت تعلم أن هجرت إليك لم تكن إلا للفرار بدينى فاجعلها سببا فى خاتمة الخير، ودرك المرجو من فضلك، والمبتغى من رحمتك. وصل جوارى لك بعكوفى عند بيتك بجوارك فى دار كرامتك يا واسع المغفرة))(٣). (١) تفسير الآلوسى جـ ٥ ص ١٢٦ - بتصرف يسير. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤١٦. (٣) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٥٥ ٢٧٧ سورة النساء وقال القرطبى : ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم فى تركهم الهجرة، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شىء من هذا. وإنما أضرب عن ذكرهم فى الصحابة لشدة ما واقعوه(١). وقوله ﴿فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا﴾ بيان لسوء عاقبة هؤلاء الذين آثروا العيش فى أرض الكفر مع الذل على الهجرة إلى أرض الإِسلام. أى: فأولئك الذين ماتوا ظالمين لأنفسهم ﴿مأواهم جهنم﴾ أى: مسكنهم الذى يأوون إليه فى الآخرة جهنم، وهى مصيرهم الذى سيصيرون إليه ﴿وساءت مصيرا﴾ أى: وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها مصيرا ومسكنا ومأوى، لأنهم سيذوقون فيها العذاب الأليم. وجىء باسم الإِشارة ﴿أولئك﴾ للاشعار بأنهم جديرون بالحكم الوارد بعده للصفات التى وصفوا بها قبله، فهم كانوا قادرين على الهجرة لكنهم لم يهاجروا لضعف نفوسهم وحرصهم على أموالهم ومصالحهم. والمخصوص بالذم فى قوله ﴿وساءت مصيرا﴾ محذوف. أى: جهنم. ثم استثنى - سبحانه - من هذا المصير السىء لمن ظلموا أنفسهم ثلاثة أصناف من الناس فقال : ﴿إِلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان﴾. أى: أن هذا المصير السىء والعذاب المهين هو للذين ظلموا أنفسهم بترك الهجرة إلى المسلمين مع قدرتهم عليها، لكن هناك طوائف من الناس خارجون من هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ومن هذا المصير الأليم، وهم أولئك الرجال الذين عجزوا حقا عن الهجرة لضعفهم أو مرضهم أو شيخوختهم .. أو النساء اللائى لا يستطعن الخروج وحدهن خشية من الاعتداء عليهن أو الولدان الذين لم يبلغوا الحلم بعد، أو بلغوه بلوغا قريبا لكنهم لا يستطيعون الهجرة بمفردهم لقلة ذات يدهم أو لغير ذلك من الأعذار الصحيحة. وقوله ﴿لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا﴾ جملة مستأنفة موضحة لمعنى الاستضعاف. حتى لا يتوهم متوهم أن استضعاف هؤلاء كالاستضعاف الذى تذرع به أولئك الذين ظلموا أنفسهم عندما قالوا - كما حكى القرآن عنهم - ﴿كنا مستضعفين فى الأرض﴾. ويصح أن تكون حالا من المستضعفين. أى: ليس مندرجا مع الذين ظلموا أنفسهم فاستحقوا المصير السىء أولئك الضعفاء من الرجال والنساء والولدان؛ لأنهم ﴿لا يستطيعون حيلة﴾ فى الخروج؛ إذ لا قوة لهم على الخروج (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٤٦ ٢٧٨ م المجلد الثالث ولا نفقة معهم توصلهم مبتغاهم ﴿ولا يهتدون سبيلا﴾ أى: ولا يعرفون الطريق التى توصلهم إلى دار هجرتهم. قال القرطبى : والحيلة : لفظ عام لأنواع أسباب التخلص. والسبيل : سبيل المدينة. فيما ذكر مجاهد والسدى وغيرهما. والصواب أنه عام فى جميع السبل. والاستثناء فى قوله ﴿إلا المستضعفين﴾ منقطع - على الصحيح - لأن هؤلاء الذين قعدوا عن الهجرة لعجزهم، خارجون من أولئك الذين ظلموا أنفسهم بقعودهم عن الهجرة مع قدرتهم على ذلك. وفى ذكر الولدان مبالغة فى أمر الهجرة حتى لكأنها لو استطاعها غير المكلفين لقاموا بها، وإشعار بأن على أوليائهم أن يهاجروا بهم معهم متى تمكنوا من ذلك. وقوله ﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾. بيان لحكم هؤلاء المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. أى: أن هؤلاء الذين قعدوا عن الهجرة الأعذار حالت بينهم وبينها ((عسى الله أن يعفو عنهم)) أى: يتجاوز عنهم بفضله ورحمته بسبب عدم استطاعتهم للهجرة. قال الجمل : وعسى ولعل فى كلام الله واجبتان، وإن كانتا رجاء وطمعا فى كلام المخلوقين، لأن المخلوق هو الذى تعرض له الشكوك والظنون. والبارى منزه عن ذلك، وإذا أطمع - سبحانه - عبده وصله(١). وقال الآلوسي : وفى قوله ﴿عسى الله أن يعفو عنهم﴾ إيذان بأن ترك الهجرة أمر خطير حتى ان المضطر الذى تحقق عدم وجوبها عليه ينبغى له أن يعد تركها ذنبا، ولا يأمن. ويترصد الفرصة ويعلق قلبه بها))(٢). وقوله ﴿وكان الله عفوًّا غفورًا﴾ تذييل مقرر لما قبله بأتم وجه أى وكان الله - تعالى -. وما زال كثير العفو عن عباده فيما يقعون فيه من تقصير، كثير المغفرة لمن تاب إليه وأناب. ثم رغب - سبحانه - فى الهجرة من أجل إعلاء دينه بأسمى ألوان الترغيب فقال : ﴿ومن . يهاجر فى سبيل الله يجد فى الأرض مراغما كثيرا وسعة﴾. وقوله: ﴿مراغما﴾ اسم مكان أى يجد فى الأرض متحولا ومهاجرا. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤١٨ (٢) تفسیر الالوسی جـ ٥ ص ١٢٧ ٢٧٩ سورة النساء قال القرطبى ما ملخصه : اختلف فى تأويل المراغم فقال مجاهد : المراغم : المتزحزح. وقال ابن عباس: المراغم: المتحول والمذهب. وقال ابن زيد: المراغم : المهاجر. وهذه الأقوال متفقة المعانى وهو اسم الموضع الذى يراغم فيه. وهو مشتق من الرغام أى التراب ورغم أنف فلان أى لصق بالتراب. وراغمت فلانا هجرته وعاديته. وهذا كله تفسير بالمعنى. فأما الخاص باللفظة فهو أن المراغم موضع المراغمة كما ذكرناه وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده. فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قریش لحصوله فى منعة منهم، فتلك المنعة هى موضع المراغمة (١) . والمعنى: ومن يهاجر تاركا دار إقامته من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، يجد فى الأرض أماكن كثيرة يأمن فيها مكر أعدائه وظلمهم، ويجد فيها من الخير والنعمة والسعة فى الرزق ما يكون سببا لرغم أنف أعدائه الذين فارقهم كراهة لصحبتهم القبيحة، ومعاملتهم السيئة. قال الفخر الرازى: وذلك لأن من فارق بلده وذهب إلى بلدة أجنبية، فإذا استقام أمره فى تلك البلدة الأجنبية، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم له ورغمت أنوفهم - أى أصابهم الذل - بسبب ذلك. فكأنه قيل. يأيها الإنسان إنك كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفا من أن تقع فى المشقة والمحنة والسفر، فلا تخف فإن الله - تعالى - سيعطيك من النعم الجليلة، والمراتب العظيمة، فى دار هجرتك ما يصير سببا لرغم أنوف أعدائك، ويكون سببا لسعة عيشك. وإنما قدم - سبحانه - ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش؛ لأن ابتهاج الإِنسان الذى يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم له بدولته من حيث إنها تصير سببا لرغم أنوف الأعداء. أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سببا لسعة العيش عليه(٢). وقوله ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ تنويه عظيم بشأن الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله، حيث جعل - سبحانه - ثوابها حاصلا حتى ولو لم يصل المهاجر إلى مقصده. أى: ومن يخرج من بيته تاركا أهله ووطنه، فارا بدينه إلى المكان الذى تعلو فيه كلمة الله وكلمة رسوله، قاصدا بذلك نصرة الحق وأهله، من يفعل ذلك ﴿ثم يدركه الموت﴾ وهو فى ٠٠% (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٤٨ (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٥ طبعة عبد الرحمن محمد. ٢٨٠ المجلد الثالث طريقه قبل أن يصل إلى مكان هجرته ((فقد وقع أجره على الله)) أى: فقد ثبت ووجب له الأجر عند الله - تعالى - تفضلا منه - سبحانه - وكرما ﴿وكان الله غفورا رحيما) فيغفر لهذا المهاجر ما فرط منه من تقصير، ويرحمه برحمته الواسعة. وقوله ﴿ثم يدركه﴾ بالجزم عطفا على فعل الشرط وهو ﴿ومن يخرج﴾. وجوابه قوله : ﴿فقد وقع أجره على الله﴾. قال الألوسى: وقرىء ﴿ثم يدركه﴾ بالرفع. وخرجه ابن جنى على أنه فعل مضارع مرفوع والموت فاعله. والجملة خبر لمبتدأ محذوف أى: ثم هو يدركه الموت(١). وفى التعبير بقوله ﴿فقد وقع أجره على الله﴾ بعث للطمأنينة فى قلوب المهاجرين، وحفز لهم على الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله؛ لأنهم إذا وصلوا إلى دار هجرتهم فقد راغموا أنف أعدائهم ورزقهم الله بالخير من فضله، وإن ماتوا قبل أن يصلوا أعطاهم - سبحانه - ثواب المهاجرين كاملا ببركة حسن نياتهم، وكافأهم على ذلك أجرا جزيلا لا يعلم مقداره إلا هو. وقد وردت روايات فى سبب نزول هذه الآية الكريمة منها ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها نزلت فى جندب بن ضمرة وكان قد بلغه وهو بمكة قوله - تعالى -: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالى أنفسهم﴾ .. الآية فقال لبنيه: أحملونى فإنى لست من المستضعفين، وإنى لأهتدى إلى الطريق، وإنى لا أبيت الليلة بمكة. فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة - وكان شيخا كبيرا، فمات بالتنعيم - وهو موضع قرب مكة - ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على شماله ويقول: اللهم هذه لك. وهذه لرسولك # أبايعك على ما بايع عليه رسولك - ثم مات - ولما بلغ خبر موته الصحابة قالوا: ليته مات بالمدينة فنزلت الآية(٢). هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : ١ - وجوب الهجرة من دار لا يستطيع المسلم فيها أن يؤدى شعائر دينه. قال القرطبى : فى هذه الآيات دليل على هجران الأرض التى يعمل فيها بالمعاصى. وقال سعيد بن جبير: إذا عمل بالمعاصى فى أرض فاخرج منها. وتلا ﴿ألم تكن أرض الله واسعة :* فتهاجروا فيها﴾. وقال مالك: هذه الآيات دالة على أنه ليس لأحد المقام فى أرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق (٣). (١) تفسير الآلوسى جـ ٥ ,ص ١٢٧. (٢) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ١٢٩ (٣) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٤٨