Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سورة النساء وجاز دخول الفاء الزائدة فى الخبر. لأن المبتدأ أشبه الشرط فى كونه موصولا عاما صلته فعل مستقبل . وعبر - سبحانه - عن ارتكاب فاحشة الزنا بقوله : ﴿يأتين﴾ لمزيد التقبيح والتشنيع على فاعلها : لأن مرتكبها كأنه ذهب إليها عن قصد حتى وصل إليها وباشرها. واشترط - سبحانه - شهادة أربعة من الرجال المسلمين الأحرار؛ لأن الرمى بالزنا من أفحش ما ترمى به المرأة والرجل، فكان من رحمة الله وعدله أن شدد فى إثبات هذه الفاحشة أبلغ ما يكون التشديد، فقرر عدم ثبوت هذه الجريمة إلا بشهادة أربعة من الرجال بحيث لا تقبل فى ذلك شهادة النساء. قال: الزهرى: مضت السنة من لدن رسول الله ورسله والخليفتين من بعده أن لا تقبل شهادة النساء فى الحدود. . وقرر أن تكون الشهادة بالمعاينة لا بالسماع، ولذا قال ﴿فإن شهدوا﴾ أى إن ذكروا أنهم عاينوا ارتكاب هذه الجريمة من مرتكبيها. وشهدوا على ما عاينوه وأبصروه ﴿فأمسكوهن فى البيوت﴾. وحتى فى قوله. ﴿حتى يتوفاهن الموت﴾ بمعنى إلى. والفعل بعدها منصوب بإضمار أن. وهى متعلقة بقوله ﴿فأمسكوهن﴾ غاية له. والمراد بالتوفى أصل معناه أى الاستيفاء وهو القبض تقول: توفيت مالى الذى على فلان واستوفيته إذا قبضته. وإسناده إلى الموت باعتبار تشبيهه بشخص يفعل ذلك. والكلام على حذف مضاف أى: حتى يقبض أرواحهن الموت. أو حتى يتوفاهن ملائكة الموت و((أو)) فى قوله ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾، للعطف، فقد عطفت قوله ﴿يجعل﴾ على قوله : ﴿يتوفاهن﴾ فيكون الجعل غاية الإمساكهن أيضا. فيكون المعنى. أمسكوهن فى البيوت إلى أن يتوفاهن الموت، أو إلى أن يجعل الله لهن سبيلا أى مخرجا من هذه العقوبة. وقد جعل الله - تعالى - هذا المخرج بما شرعه بعد ذلك من حدود بأن جعل عقوبة الزانى البكر: الجلد. وجعل عقوبة الزانى الثيب: الرجم وقد رجم النبى - ◌َّ - ماعز بن مالك الأسلمى، ورجم الغامدية، وكانا محصنين. قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : كان الحكم فى ابتداء الإِسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست فى بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ولهذا قال - تعالى -: ﴿واللاتى ٨٢ المجلد الثالث يأتين الفاحشة من نسائكم) الآية. فالسبيل الذى جعله الله هو الناسخ لذلك - أى لإِمساكهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت -. قال ابن عباس : كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور فنسخه بالجلد أو الرجم. وكذلك روى عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك أنها منسوخة. وهو أمر متفق عليه. روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال: ((كان النبى ◌َ * إذا نزل عليه الوحى أثر عليه وکرب لذلك وتغير وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال : خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب. والبكر بالبكر. الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة. والبكر جلد مائة ونفى سنة)). وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عبادة بن الصامت))(١). هذا وما ذكره ابن كثير من أن هذا الحكم كان فى ابتداء الإِسلام، ثم نسخ بما جاء فى سورة النور وبما جاء فى حديث عبادة بن الصامت، هو مذهب جمهور العلماء. وقال صاحب الكشاف : ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوما بالكتاب والسنة، ويوصى بإمساكهن فى البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال. ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا) هو النكاح الذى يستغنين به عن السفاح وقيل السبيل: الحد، لأنه لم يكن مشروعا فى ذلك الوقت))(٢). وقال أبو سليمان الخطاب : هذه الآية ليست منسوخة، لأن قوله ﴿فأمسكوهن فى البيوت﴾ ألخ، يدل على أن إمساكهن فى البيوت ممتد إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا، وذلك السبيل كان مجملا، فلما قال النبى وير خذوا عنى. ألخ، صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية لا ناسخا لها))(٣). ثم بين - سبحانه - حكما آخر فقال: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾. أى واللذان يأتيان فاحشة الزنا من رجالكم ونسائكم فآذوهما بالشتم والتوبيخ والزجر الشديد ليندما على ما فعلا، وليرتدع سواهما بهما. وقد اختلف العلماء فى المراد بقوله ﴿واللذان﴾. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٦٢. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٨٧ (٣) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٣٦٥. ٨٣ سورة النساء فمنهم من قال المراد بهما الرجل والمرأة البكران اللذان لم يحصنا. ومنهم من قال المراد بهما الرجلان يفعلان اللواط. ومنهم من قال المراد بهما الرجل والمرأة لا فرق بين بكر وثيب. والمختار عند كثير من العلماء هو الرأى الأول، قالوا: لأن الله - تعالى - ذكر فى هاتين الآيتين حكمين : أحدهما : الحبس فى البيوت. والثانى: الإِيذاء. ولا شك أن من حكم عليه بالأول خلاف من حكم عليه بالثانى، والشرع يخفف فى البكر ويشدد على الثيب، ولذلك لما نسخ هذا الحكم جعل للثيب الرجم وللبكر الجلد، فجعلنا الحكم الشديد وهو الحبس على الثيب، والحكم الأخف وهو الإِيذاء على البكر. قالوا : وقد نسخ حكم هذه الآية بآية النور، حيث جعل حكم الزانيين اللذين لم يحصنا جلد مائة. فقد أخرجه ابن جرير عن الحسن البصرى وعكرمة قالا فى قوله - تعالى - ﴿واللذان یأتیانها منكم فآذوهما﴾ الآية، نسخ ذلك بآية الجلد وهى قوله - تعالى - فى سورة النور: ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ الآية(١). ومن العلماء من قال بأن هذه الآية غير منسوخة بآية النور، فإن العقوبة ذكرت هنا مجملة غير واضحة المقدار لأنها مجرد الإيذاء، وذكرت بعد ذلك مفصلة بينة المقدار فى سورة النور. أى أن ما ذكر هنا من قبيل المجمل، وما ذكر فى سورة النور من قبيل المفصل، وأنه لا نسخ بين الآ یتین . هذا، ولأبى مسلم الأصفهانى رأى آخر فى تفسير هاتين الآيتين، فهو يرى أن المراد باللاتى فى قوله ﴿واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ النساء السحاقات اللاتي يستمتع بعضهن ببعض وحدهن الحبس، والمراد بقوله ﴿واللذان يأتيانها منكم﴾ اللائطون من الرجال وحدهم الإيذاء. وأما حكم الزناة فسيأتى فى سورة النور. قال الألوسى : وقد زيف هذا القول بأنه لم يقل به أحد، وبأن الصحابة قد اختلفوا فى حكم اللوطى ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على الحكم دليل على أن الآية ليست فى ذلك. وأيضًا جعل الحبس فى البيت عقوبة السحاق (١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٢٩٧ . ٠ ٨٤ المجلد الثالث لا معنى له. لأنه مما لا يتوقف على الخروج كالزنا. فلو كان المراد السحاقات لكانت العقوبة لهن عدم اختلاط بعضهن ببعض لا الحبس والمنع من الخروج. وحيث جعل هو عقوبة دل ذلك على أن المراد باللاقى يأتين الفاحشة الزانيات ... ))(١). والذى نراه أن هذا الحكم المذكور فى الآيتين منسوخ، بعضه بالكتاب وبعضه بالسنة. أما الكتاب فهو قوله - تعالى - فى سورة النور ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ الآية . وأما السنة فحديث عبادة بن الصامت الذى سبق ذكره. وإنما قلنا ذلك لأن ظاهر الآيتين يدل على أن ماذكر فيهما من الحبس والإِيذاء هو تمام العقوبة، مع أنه لم يثبت عن النبى - ◌َر - أنه عاقب أحدا من الزناة بالحبس أو بالإِيذاء بعد نزول آية سورة النور. بل الثابت عنه أنه كان يجلد البكر من الرجال والنساء، ويرجم المحصن منهما، ولم يضم إلى إحدى هاتين العقوبتين حبسا أو إيذاء، فثبت أن هذا الحكم المذكور فى الآیتین قد نسخ. ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا أقلع الزانى والزانية عن جريمتهما فقال : ﴿فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما﴾. أى فإن تابا عما فعلا من الفاحشة، وأصلحا أعمالهما ﴿فأعرضوا عنهما﴾ أى فاصفحوا عنهما وكفوا عن أذاهما ﴿إن الله كان توابا﴾ أى مبالغا فى قبول التوبة ممن تاب توبة صادقة نصوحا ﴿رحيما﴾ أى واسع الرحمة بعباده الذين لا يصرون على معصية بل يتوبون إليه منها توبة صادقة . وبعد أن وصف - سبحانه - ذاته بأنه هو التواب الرحيم عقب ذلك ببيان من تقبل منهم التوبة، ومن لا تقبل منهم فقال : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بَجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَكَ يَتُوبُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٥ ص ١٣٦ - طبعة منير الدمشقى. ٨٥ سورة النساء يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حََّ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ج قَالَ إِنَّى تُبْتُ اُلْثَلَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَالَمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ والتوبة : هى الرجوع إلى الله - تعالى - وإلى تعاليم دينه بعد التقصير فيها مع الندم على هذا التقصير والعزم على عدم العودة إليه. والمراد بها قبولها من العبد. فهى مصدر تاب عليه إذا قبل توبته. والمراد من الجهالة فى قوله ((يعملون السوء بجهالة)): الجهل والسفه بارتكاب مالا يليق بالعاقل، لا عدم العلم، لأن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة. قال مجاهد: كل من عصى الله عمدًا أو خطأ فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. وقال قتادة: اجتمع أصحاب النبى وَلّ فرأوا أن كل شىء عصى الله به فهو جهالة عمدا كان أو غيره))(١). قال - تعالى - حكاية عن يوسف - عليه السلام - : ﴿رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين﴾. وقال حكاية عن موسى - عليه السلام - ﴿أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾. وقال - سبحانه - مخاطبا نوحا - عليه السلام - ﴿فلا تسألن ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين﴾. ووجه تسمية العاصى جاهلا - وإن عصى عن علم - أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما عصى ربه، فلما لم يستعمل هذا العلم صار كأنه لا علم له، فسمى العاصى جاهلا لذلك، سواء ارتكب المعصية مع العلم بكونها معصية أم لا. والمعنى : إنما قبول التوبة كائن أو مستقر على الله - تعالى - لعباده الذين يعملون السوء، ويقعون فى المعاطى بجهالة أى يعملون السوء جاهلين سفهاء، لأن ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه والشهوة، لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل. وصدر - سبحانه - الآية الكريمة بإنما الدالة على الحصر، للإِشعار بأن هؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب، هم الذين يقبل الله توبتهم، ويقيل عثرتهم. (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٦٣. ٨٦ المجلد الثالث وعبر - سبحانه - بلفظ على فقال: ﴿إنما التوبة على الله﴾ للدلالة على تحقق الثبوت، حتى . لكأن قبول التوبة من هؤلاء الذين ﴿يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾ من الواجبات عليه، لأنه - سبحانه - قد وعد بقبول التوبة؛ وإذا وعد بشىء أنجزه، إذ الخلف ليس من صفاته - تعالى - بل هو محال فى حقه - عز وجل -. ولفظ ﴿التوبة﴾ مبتدأ. وقوله ﴿الذين يعملون السوء بجهالة﴾ متعلق بمحذوف خبر. وقوله ﴿على الله﴾ متعلق بمحذوف صفة للتوبة. أى: إنما التوبة الكائنة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ... وقوله ﴿بجهالة﴾ متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ﴿يعملون﴾ أى: يعملون السوء جاهلين سفهاء. أو متعلق بقوله ﴿يعملون﴾ فتكون الباء للسببية أى: يعملون السوء بسبب الجهالة. وقوله ﴿ثم يتوبون من قريب﴾ أى ثم يتوبون فى زمن قريب من وقت عمل السوء، ولا يسترسلون فى الشر استرسالا ويستمرئونه ويتعودون عليه بدون مبالاة بإرتكابه. ولا شك أنه متى جدد الإِنسان توبته الصادقة فى أعقاب ارتكابه للمعصية كان ذلك أرجى لقبولها عند الله - تعالى - وهذا ما يفيده ظاهر الآية. ومنهم من فسر قوله ﴿من قريب﴾ بما قبل حضور الموت. وإلى هذا المعنى ذهب صاحب الكشاف فقال: قوله: ﴿من قريب﴾ أى: من زمان قريب. والزمان القريب : ما قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن﴾. فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذى لا تقبل فيه التوبة، فبقى ما وراء ذلك فى حكم القريب. وعن ابن عباس: قبل أن ينزل به سلطان الموت. وعن الضحاك: كل توبة قبل الموت فهى قريب)) وفى الحديث الشريف: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)) - أى ما لم تتردد الروح فى الحلق(١). والذى نراه أن ماذكره صاحب الكشاف وغيره من أن قوله ﴿من قريب﴾ معناه: من قبل حضور الموت، لا يتعارض مع الرأى القائل بأن قوله ﴿من قريب﴾ معناه: تم يتوبون فى وقت قريب من وقت عمل السوء، لأن ما ذكره صاحب الكشاف وغيره بيان للوقت الذى تجوز التوبة فيه ولا تنفع بعده، أما الرأى الثانى فهو بيان للزمن الذى يكون أرجى قبولا لها عند الله . والعاقل من الناس هو الذى يبادر بالتوبة الصادقة عقب المعصية بلا تراخ، لأنه لا يدرى متى (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤٨٩. ٨٧ سورة النساء يفاجئه الموت، ولأن تأخبرها يؤدى إلى قسوة القلب، وضعف النفس، واستسلامها للأهواء والشهوات . وقوله: ﴿فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما﴾ بيان للوعد الحسن الذى وعد الله به عباده الذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من قريب. أى: فأولئك المتصفون بما ذكر، يقبل الله توبتهم، ويأخذ بيدهم إلى الهداية والتوفيق، ويطهر نفوسهم من أرجاس الذنوب، وكان الله عليها بأحوال عباده وبما هم عليه من ضعف، حكيما يضع الأمور فى مواضعها حسبما تقتضيه مشيئته ورحمته بهم. وقوله ﴿فأولئك﴾ مبتدأ. وقوله ﴿يتوب الله عليهم) خبره. وأشار إليهم بلفظ ﴿أولئك﴾ للإيذان بسمو مرتبتهم، وعلو مكانتهم، وللتنبيه على استحضارهم باعتبار أوصافهم المتقدمة الدالة على خوفهم من خالقهم عز وجل - وقوله ﴿وکان الله عليها حكيما﴾ جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها ثم بين - سبحانه - من لا تقبل توبتهم بعد بيانه لمن تقبل توبتهم فقال : ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن، ولا الذين يموتون وهم كفار﴾ . أى: وليست التوبة مقبولة عند الله بالنسبة للذين يعملون السيئات، ويقترفون المعاصى، ويستمرون على ذلك ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾. بأن شاهد الأحوال التى لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا، وانقطع منه حبل الرجاء فى الحياة ﴿قال إنى تبت الآن﴾ أى قال فى هذا الوقت الذى لا فائدة من التوبة فيه: إنى تبت الآن. وقوله : ﴿ولا الذين يموتون وهم كفار﴾ أى وليست التوبة مقبولة أيضا من الذين يموتون وهم على غير دين الإِسلام. فالآية الكريمة قد نفت قبول التوبة من فريقين من الناس. أولهما : الذين يرتكبون السيئات صغيرها وكبيرها، ويستمرون على ذلك بدون توبة أو ندم حتى إذا حضرهم الموت، ورأوا أهواله، قال قائلهم: إنى تبت الآن وقد كرر القرآن هذا المعنى فى كثير من آياته، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾(١). وقوله - تعالى - حكاية عن فرعون، ﴿حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذى (١) سورة غافر الآية: ص ٨٥. ٨٨ المجلد الثالث آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين * آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية﴾(١). وعدم قبول توبة هؤلاء فى هذا الوقت سببه أنهم نطقوا بها فى حالة الاضطرار لا فى حالة الاختيار، ولأنهم نطقوا بها فى غير وقت التكليف. وثانيهما : الذين يموتون وهم على غير دين الإِسلام. فقد أخرج الامام أحمد عن أبى ذر الغفارى أن رسول الله وسلم قال: إن يقبل توبة عبده مالم يقع الحجاب. قيل: وما الحجاب؟ قال أن تموت النفس وهى مشركة. وكثير من العلماء يرى أن المراد بالفريق الثانى: الكفار، لأن العطف يقتضى المغايرة. ومنهم من يرى أن الفريق الأول شامل للكفار ولعصاة المؤمنين فيكون عطف قوله ﴿ولا الذين يموتون وهم كفار﴾ من باب عطف الخاص على العام لإفادة التأكيد. و﴿حتى﴾ فى قوله: ﴿حتى إذا حضر﴾. حرف ابتداء .. والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها. أى ليست التوبة لقوم يعملون السيئات ويستمرون على ذلك فإذا حضر أحدهم الموت قال كيت وكيت. وقوله ﴿ولا الذين يموتون وهم كفار﴾ معطوف على الموصول قبله. أى ليس قبول التوبة لهؤلاء الذين يعملون السيئات ... ولا لهؤلاء الذين يموتون وهم كفار. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال - تعالى -: ﴿أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما﴾ أى أولئك الذين تابوا فى غير وقت قبول التوبة هيأنا لهم عذابا مؤلما موجعا بسبب ارتكاسهم فى المعاصى؛ وابتعادهم عن الصراط المستقيم الذى يرضاه - سبحانه - لعباده. * * ثم وجه القرآن نداء عاما إلى المؤمنين نهاهم فيه عما كان شائعا فى الجاهلية من ظلم للنساء؛ وإهدار لكرامتهن، وأمرهم بحسن معاشرتهن، وبعدم أخذ شىء من حقوقهن فقال - تعالى : - يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْالنِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ (١) سورة يونس الآيات: ٩١، ٩٢، ٩٣. ٨٩ سورة النساء لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَنْ يَأْتِيْنَ بِفَاحِشَةٍ ◌ُهِنَةٍ وَعَاشِرُ وهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا وَإِنْ أَرَدَ ◌ّثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجَ مَّكَانَ زَّوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَ هُنَّ قِنِطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ. بُهْتَنَّا وَ إِثْمًا مُبِينًا ، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ,وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْتَ مِنكُم مِيثَقًا غَلِیظًا قال القرطبى عند تفسيره للآية الأولى : اختلفت الروايات وأقوال المفسرين فى سبب نزولها؛ فروى البخارى عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾. وقال الزهرى وأبو مجلز: كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقى ابنه من غيرها أو أقرب" عصبة ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذى أصدقها الميت. وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن . شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها. فأنزل الله هذه الآية : ﴿يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾. الآية. وقيل : كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوقَ إلى الشابة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدى منه بمالها أو تموت فيرث مالها فنزلت هذه الآية. ٠ ثم قال القرطبى : والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه فى جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال .. (١). (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٩٤. هـ ٩٠ المجلد الثالث وهناك روايات أخرى فى سبب نزول هذه الآية ساقها ابن جرير وابن كثير وغيرهما، وهى قريبة فى معناها، مما أورده القرطبى، لذا اكتفينا بما ساقه القرطبى. وكلمة ﴿كرها﴾ قرأها حمزة والكسائى بضم الكاف. وقرأها الباقون بفتحها قال الكسائى: وهما لغتان بمعنى واحد. وقال الفراء: الكره - بفتح الكاف - بمعنى الإِكراه. وبالضم بمعنى المشقة. فما أكره عليه الإِنسان فهو كره - بالفتح - وما كان من جهة نفسه فهو كره - بالضم -. والمعنى : يأيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق الذى جاءهم من عند الله، لا يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإِرث وهن كارهات لذلك أو مكرهات عليه، لأن هذا الفعل من أفعال الجاهلية التى حرمها الإِسلام لما فيها من ظلم للمرأة وإهانة لكرامتها. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : ((كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا، ويظلموهن بأنواع من الظلم، فزجروا عن ذلك. فقيل : ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ أى: أن تأخذوهن على سبيل الإِرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكرهات))(١). وقد وجه - سبحانه - النداء إلى المؤمنين فقال: ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ ليعم الخطاب جميع الأمة، فيأخذ كل مكلف فيها بحظه منه سواء أكان هذا المكلف من أولياء المرأة أم من الأزواج أم من الحكام أم من غيرهم. وفى مخاطبتهم بصفة الإِيمان تحريك لحرارة العقيدة فى قلوبهم، وتحريض لهم على الاستجابة إلى ما يقتضيه الإِيمان من طاعة لشريعة الله - تعالى -. وصيغة ﴿لا يحل لكم﴾ صيغة تحريم صريح؛ لأن الحل هو الإباحة فى لسان العرب ولسان الشريعة. فنفيه يرادف معنى التحريم. وليس النهى فى قوله : ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ منصبا على إرث أموالهن كما هو المعتاد، وإنما النهى منصب على إرث المرأة ذاتها كما كانوا يفعلون فى الجاهلية؛ إذ كانوا يجعلون ذات المرأة كالمال فيرثونها من قريبهم كما يرثون ماله. وقوله ﴿کرها﴾ مصدر منصوب على أنه حال من النساء. أى حال كونهن كارهات لذلك أو مکرهات علیه. والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه، لأن تخصيص الشىء بالذكر لا يدل على نفى ما عداه، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾. (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤٩٠. ٩١ سورة النساء وقوله : ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ نهى آخر عن بعض الأعمال السيئة التى كان أهل الجاهلية يعاملون بها المرأة. وهو معطوف على قوله : ﴿أن ترثوا ... ). وأعيد حرف ((لا)) للتوكيد. أى: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا يحل لكم أن تعضلوهن. وأصل العضل : التضييق والحبس والمنع. يقال: عضلت الناقة بولدها، إذا نشب فى بطنها وتعسر عليه الخروج. وهو: أعضل به الأمر، إذا اشتد وتعسر. والمراد به هنا: منع المرأة من الزواج والتضييق عليها فى ذلك، سواء أكان هذا المنع والتضييق من الزوج أم من غيره. أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قوله - تعالى -: ﴿ولا تعضلوهن﴾. يقول: ولا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن، يعنى الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيؤذيها لتفتدى - أى : لتفتدى نفسها منه بأن تترك له مالها عليه من مهر أو مال -(١). وقيل : كان أولياء الميت يمنعون زوجته من التزوج بمن شاءت، ويتركونها على ذلك حتى تدفع لهم ما أخذت من ميراث الميت، أو حتى تموت فيرثوها. والمعنى : لا يحل لكم - أيها المؤمنون - أن ترثوا النساء كرها، ولا أن تمنعوهن من الزواج ﴿لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾ من الصداق أو غيره، بأن يدفعن إليكم بعضه اضطرارًا فتأخذوه منهن، فإن هذا الفعل يبغضه الله - تعالى -. ويبدو لنا من سياق الآية أن النهى عن عضل المرأة هنا - وإن كان يتناول جميع المكلفين -، إلا أن المعنى به الأزواج ابتداء، لأنهم - فى الغالب - هم الذين كانوا يفعلون ذلك. ولذا قال ابن جرير - بعد أن ذكر الأقوال فى المعنى بالخطاب فى قوله: ﴿ولا تعضلوهن﴾. ((وأولى الأقوال التى ذكرناها بالصحة فى تأويل قوله: ﴿ولا تعضلوهن﴾ قول من قال: (( نهى الله زوج المرأة عن التضييق عليها، والإِضرار بها، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محب، لتفتدى منه ببعض ما آتاها من الصداق. وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل المرأة إلا لأحد رجلين: إما لزوجها بالتضييق عليها ... ليأخذ منها ما آتاها ... أو لوليها الذى إليه إنكاحها. ولما كان (١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص٣٠٨. ٩٢ المجلد الثالث الولى معلوما أنه ليس ممن آتاها شيئا. كان معلوما أن الذى عنى الله - تعالى - بنهيه عن عضلها هو زوجها الذى له السبيل إلى عضلها ضرارا لتفتدى منه))(١). والاستثناء فى قوله ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ متصل من أعم العلل والأسباب، أى لا تعضلوهن لعلة من العلل أو لسبب من الأسباب إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. لسوء أخلاقهن، وكاشفة عن أحوالهن. كالزنا والنشوز، وسوء الخلق، وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء وفحش القول ونحوه، فلكم العذر فى هذه الأحوال فى طلب الخلع منهن، وأخذ ما آتيتموهن من المهر لوجود السبب من جهتهن لا من جهتكم. والأصل فى هذا الحكم قوله - تعالى - ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾. ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا منقطع فيكون المعنى : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن لكن إن يأتين بفاحشة مبينة يجل لكم أخذ المهر الذى آتيتموهن إياه أو أخذ بعضه. ثم أمر الله - تعالى - الرجال - وخصوصا الأزواج - بحسن معاشرة النساء فقال : ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾. والمعاشرة : مفاعلة من العشرة وهى المخالطة والمصاحبة. أى: وصاحبوهن وعاملوهن بالمعروف، أى بما حض عليه الشرع وارتضاه العقل من الأفعال الحميدة، والأقوال الحسنة. قال ابن كثير: قوله - تعالى - ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ أى: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم. كما تحب ذلك منها، فافعل أنت مثله. كما قال - تعالى - ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ وقال رسول الله ويشمل: ((خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم الأهلى)). وكان من أخلاقه وَّر أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويضاحك نساءه. حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين - رضى الله عنها - يتودد إليها بذلك. قالت: سابقنى رسول الله وَلّ فسبقته. وذلك قبل أن أحمل اللحم. ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقنى. فقال: هذه بتلك. وكان ◌َليل يجمع نساءه كل ليلة فى بيت التى يبيت عندها فيأكل معهن العشاء فى بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها. وكان ينام مع المرأة من نسائه فى شعار واحد. يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإِزار. (١) تفسير ابن جرير جـ ٤. ص ٣٠٩ - بتصرف وتلخيص. ٠٩٣ سورة النساء وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام. يؤانسهن بذلك المحلية . وقد قال - تعالى - ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة﴾(١). هذا، وللإِمام الغزالى كلام حسن فى كتابه الإِحياء عند حديثه عن آداب معاشرة النساء، فقد قال ما ملخصه: ومن آداب المعاشرة حسن الخلق معهن، واحتمال الأذى منهن، ترحما عليهن، لقصور عقلهن. قال - تعالى -: ﴿وعاشروهن بالمعروف). وقال فى تعظيم حقهن : ﴿وأخذن منكم ميثاقا غلبظا﴾. ثم قال: واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحلم عن طيشها وغضبها، اقتداء برسول الله وَّر. فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام. ومن آداب المعاشرة - أيضًا - أن يزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة والمزح والملاعبة، فهى التى تطيب قلوب النساء. وقد كان رسول الله صل﴾و يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن فى الأعمال. وقال عمر - رضى الله عنه - ينبغى للرجل أن يكون فى أهله مثل الصبى. فإذا التمسوا ما عنده وجدوه رجلا. وكان ابن عباس - رضى الله عنه - يقول: ((إنى - لأتزين لامرأتى كما تتزين لى))(٢). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أنه لا يصح للرجال أن يسترسلوا فى كراهية النساء ... إن عرضت لهم أسباب الكراهية، بل عليهم أن يغلبوا النظر إلى المحاسن، ويتغاضوا عن المكاره فقال - تعالى - : ﴿فإن کرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خیرًا کثیرًا﴾. أی : فإن کرهتم صحبتهن وإمساکهن فلا تتعجلوا فی مفارقتهن، فإنه عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله لكم فى الصبر عليه وعدم إنفاذه خيرًا كثيرًا فى الدنيا والآخرة. فالآية الكريمة ترشد إلى حكم عظيمة منها أن على العاقل أن ينظر إلى الحياة الزوجية من جميع نواحيها، لا من ناحية واحدة منها وهى ناحية البغض والحب .. وأن ينظر فى العلاقة التى بينه وبين زوجه بعين العقل والمصلحة المشتركة، لا بعين الهوى .. وأن يحكم دينه وضميره قبل أن يحكم عاطفته ووجدانه. فربما كرهت النفس ما هو أصلح فى الدين وأحمد وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك، وربما يكون الشىء الذى كرهته اليوم ولكنها لم تسترسل فى كراهيته سيجعل الله فيه خيرًا كثيرًا فى المستقبل. قال - تعالى - ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾. (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٦٦. (٢) من كتاب ((إحياء علوم الدين)) للغزالى جـ٢ ص٣٩. ٠ ٩٤ المجلد الثالث قال القرطبى: روى الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال قال رسول الله وَالطيار : ((لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر)) أى: لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها. أى لا ينبغى له ذلك، بل يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب . - والفرك البغض الكلى الذى تنسى معه كل المحاسن -. وقال مكحول: سمعت ابن عمر رضى الله عنهما - يقول: إن الرجل ليستخير الله - تعالى - فيخار له، فيسخط على ربه - عز وجل - فلا يلبث أن ينظر فى العاقبة فإذا هو قد خير له))(١). وبعد أن بين - سبحانه - أنه يجوز للرجل أن يأخذ من المرأة بعض ما أعطاها من صداق إذا أتت بفاحشة مبينة .. عقب ذلك ببيان الحكم فيما إذا كان الفراق من جانب الزوج دون أن تكون المرأة قد أتت بفاحشة فقال - تعالى - ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ والاستبدال: طلب البدل، بأن يطلق الرجل امرأة ویتزوج بأخرى. والقنطار: أصله من قنطرت الشىء إذا رفعته. ومنه القنطرة، لأنها بناء مرتفع مشيد. والمراد به هنا المال الكثير الذى هو أقصى ما يتصور من مهر يدفعه الرجل للمرأة. والمعنى: وإن أردتم أيها الأزواج ﴿استبدال زوج﴾ أى تزوج امرأة ترغبون فيها ((مكان زوج)) أى مكان امرأة لا ترغبون فيها، بل ترغبون فى طلاقها ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا﴾ أى أعطى أحدكم إحدى الزوجات التى تريدون طلاقها مالا كثيرًا على سبيل الصداق لها ﴿فلا تأخذوا منه شيئا﴾ أى فلا نأخذوا من المال الكثير الذى أعطيتموه لهن شيئا أيًا كان هذا الشىء، لأن فراقهن كان بسبب من جانبكم لا من جانبهن. وعبر - سبحانه - بـ ﴿إن﴾ التى تفيد الشك فى وقوع الفعل؛ للتنبيه على أن الإِرادة قد تكون غير سليمة، وغير مبنية على أسباب قوية، فعلى الزوج أن يتريث ويتثبت ويحسن التدبر فى عواقب الأمور. والمراد بالزوج فى قوله ﴿استبدال زوج مكان زوج﴾ الجنس الذى يصدق على جميع الأزواج . والمراد من الإِيتاء فى قوله ﴿وآتيتم﴾ الالتزام والضمان. أى: التزمتم وضمنتم أن تؤتوا إحداهن هذا المال الكثير. (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص٩٨. ٩٥ سورة النساء والجملة حالية بتقدير قد. أى: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج والحال أنكم قد آتيتم التى تريدون أن تطلقوها قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئا. والاستفهام فى قوله ﴿أتأخذونه بهتانا وإثما مبينًا﴾ للإنكار والتوبيخ، والبهتان: هو الكذب الذى يدهش ويحير لفظاعته. ويطلق على كل أمر كاذب يتحير العقل فى إدراك سببه أو لا يعرف مبررا لوقوعه، كمن يعتدى على الناس ويتقول عليهم الأقاويل، مع أنه ليست هناك عداوة سابقة بينه وبينهم. قال صاحب الكشاف : والبهتان : أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو برىء منه ولأنه یبهت عند ذلك. أی يتحیر. والإِثم : هو الذنب العظيم الذى يبعد صاحبه عن رضا الله - تعالى - ﴿والمبين) هو الشىء الواضح الذى يعلن عن نفسه بدون لبس أو خفاء. وقوله ﴿بهتانا وإثما﴾ مصدران منصوبان على الحالية بتأويل الوصف، أى: أتأخذون ما تريدون أخذه منهن باهتين، أى فاعلين فعلا تتحير العقول فى سببه، وآثمين بفعله إثما واضحا لا لبس فيه ولا خفاء؟! ويصح أن يكون المصدران مفعولين لأجله، ويكون ذلك أشد فى التوبيخ والإِنكار، إذ يكون المعنى عليه : أتأخذونه لأجل البهتان والإِثم المبين الذى يؤدى إلى غضب الله عليكم؟! إن إيمانكم يمنعكم من إرتكاب هذا الفعل الشنيع فى قبحه. قالوا : كان الرجل فى الجاهلية إذا أراد التزوج بأمرأة أخرى، بهت التى تحته - أى رماها بالفاحشة التى هى بريئة منها - حتى يلجئها إلى أن تطلب طلاقها منه فى نظير أن تترك له ما لها عليه من صداق أو غيره، فنهوا عن ذلك. ثم كرر - سبحانه - توبيخه لمن يحاول أخذ شىء من صداق زوجته التى خالطته فى حياته مدة طويلة فقال: ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظًا﴾ . وأصل أفضى - كما يقول الفخر الرازى - من الفضاء الذى هو السعة يقال : فضا يفضو فضوا وفضاء إذا اتسع. ويقال : أفضى فلان إلى فلان أى : وصل إليه وأصله أنه صار فى فرجته وفضائه . والمراد بالإِفضاء هنا : الوصول والمخالطة : لأن الوصول إلى الشىء قطع للفضاء الذى بين المتواصلين. ٩٦ المجلد الثالث والاستفهام فى قوله ﴿وكيف تأخذونه ... ﴾ للتعجب من حال من يأخذ شيئا مما أعطاه لزوجته بعد إنكار ذات الأخذ. والمراد بالميثاق الغليظ فى قوله ((وأخذن منكم ميثاقا غليظا)) هو ما أخذه الله للنساء على الرجال من حسن المعاشرة أو المفارقة بإحسان كما فى قوله - تعالى - : ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾. وليس أخذ شىء مما أعطاه الرجال للنساء من التسريح بإحسان، بل يكون من التسريح الذى صاحبه الظلم والإِساءة. والمراد بالميثاق الغليظ الذى أخذ: كلمة النكاح المعقودة على الصداق، والتى بها تستحل فروج النساء، ففى صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله وَلجر - قال فى خطبة حجة الوداع: ((استوصوا بالنساء خيرًا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله))(١). والمعنى : بأى وجه من الوجوه تستحلون يا معشر الرجال ان تأخذوا شيئا من الصداق الذى . أعطيتموه لنسائكم عند مفارقتهن؛ والحال أنكم قد اختلط بعضكم ببعض، وصار كل واحد .. منكم لباسا لصاحبه، وأخذن منكم عهدا وثيقا مؤكدا مزيد تأكيد؛ لا يحل لكم أن تنقضوه أو تخالفوه !! ؟ فأنت ترى أن الله - تعالى - قد منع الرجال من أخذ شىء من الصداق الذى أعطوه لنسائهم لسببين : أحدهما : الإِفضاء وخلوص كل زوج لنفس صاحبه حتى صارا كأنهما نفس واحدة. وثانيهما : الميثاق الغليظ الذى أخذ على الرجال بأن يعاملوا النساء معاملة كريمة. والضمير فى قوله ﴿واخذن﴾ للنساء. والآخذ فى الحقيقة إنما هو الله - تعالى - إلا أنه سبحانه - نسبه إليهن للمبالغة فى المحافظة على حقوقهن، حتى جعلهن كأنهن الآخذات له. قال بعضهم: وهذا الإِسناد مجاز عقلى، لأن الآخذ للعهد هو الله. أى: وقد أخذ الله عليكم العهد لأجلهن وبسبيهن. فهو مجاز عقلى من الإِسناد إلى السبب))(٢). ووصف - سبحانه - الميثاق بالغلظة لقوته وشدته. فقد قالوا : صحبة عشرين يوما قرابة. فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟! هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة ما يأتى : ١ - تكريم الإِسلام للمرأة، فقد كانت فى الجاهلية مهضومة الحق، يعتدى عليها بأنواع من (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٦٧. (٢) حاشية الجمل على الجلالين. جـ١ ص ٣٦٩. ٩٧ سورة النساء الاعتداء، فرفعها الله - تعالى - بما شرعه من تعاليم إسلامية من تلك الهوة التى كانت فيها، وقرر لها حقوقها، ونهى عن الاعتداء عليها. ومن مظاهر ذلك أنه حرم أن تكون موروثة كما يورث المال. وكذلك حرم عضلها وأخذ شىء من صداقها إلا إذا أتت بفاحشة مبينة. وأمر الرجال بأن يعاشروا النساء بالمعروف، وأن يصبروا على أخطائهن رحمة بهن. ٢ - جواز الإِصداق بالمال الكثير: لأن الله - تعالى - قال: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا﴾. والقنطار: المال الكثير الذى هو أقصى ما يتصور من مهور. قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا﴾ دليل على جواز المغالاة فى المهور، لأن الله - تعالى - لا يمثل إلا بمباح. وخطب عمر - رضى الله عنه - فقال: ألا لاتغالوا فى صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة فى الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله وَ طهر ولكن رسول الله وَله ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا من بناته فوق اثنتى عشرة أوقية. فقامت إليه امرأة فقالت: " يا عمر. يعطينا الله وتحرمنا !! أليس الله تعالى - يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئا﴾؟ فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر .. وفى رواية أنه أطرق ثم قال: امرأة أصابت ورجل أخطأ وترك الإِنكار. ثم قال القرطبى : وقال قوم: لا تعطى الآية جواز المغالاة فى المهور، لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة: كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذى لا يؤتيه أحد .. ولقد قال النبى ولو لإِبن أبى حدرد - وقد جاءه يستعين فى مهره فسأله عنه فقال : مائتين، فغضب وس﴿ وقال: كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة)) أى من ذلك المكان الذى به حجارة نخرة سود - فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة فى المهور))(١). والذى نراه ان الآية الكريمة وإن كانت تفيد جواز الإصداق بالمال الجزيل، إلا ان الأفضل عدم المغالاة فى ذلك، مع مراعاة أحوال الناس من حيث الغنى والفقر وغيرهما. ولقد ورد ما يفيد الندب إلى التيسير فى المهور. فقد أخرج أبو داود والحاكم من حديث عقبة " بن عامر قال: قال رسول الله :﴿ ((خير الصداق أيسره))(٢). ٣ - أن الرجل إذا أراد فراق امرأته. فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا مادام الفراق بسببه ومن (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٩٩ بتصرف وتلخيص. (٢) أخرجه أبو داود فى باب ((من تزوج ولم يسم صداقا حتى مات ((من كتاب النكاح جـ ٢ ص ٢٣١. ٩٨ المجلد الثالث جانبه : كما أنه لا ينبغى له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاه إياها إذا كان الفراق بسببها ومن جانبها . ٤ - اتفق العلماء على أن المهر يستقر بالوطء. واختلفوا فى استقراره بالخلوة المجردة. قال القرطبى والصحيح استقراره بالخلوة مطلقا. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. قالوا : إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة. دخل بها أو لم يدخل بها. لما رواه الدارقطنى عن ثوبان قال: قال رسول الله له ((من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق)). وقال مالك : إذا طال مكثه معها السنة ونحوها. واتفقا على ألا مسيس. وطلبت المهر كله كان لها))(١). ٠ وبعد أن نهى - سبحانه - عن ظلم المرأة فى حال الزوجية. وعن ظلمها بعد وفاة زوجها. وعن ظلمها فى حالة فراقها. وأمر بمعاشرتها بالمعروف بعد كل ذلك بين - سبحانه - من لا يحل الزواج بهن من النساء ومن يحل الزواج بهن حتى تبقى للأسرة فوتها ومودتها فقال - تعالى - : وَلَا شَنْكِحُواْ مَانَكَحَ ءَبَا ؤُكُم مِّنَ اَلْنِسَآءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةٌ وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا (@) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَاُّكُمْ وَبَنَاتُ اَلْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَّكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ مِنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ وَرَبَيِّبُكُمُ الَّتِ فِ حُجُورِكُمْ مِّنِنِّسَآپِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَِلُ أَبْنَّا بِكُمُ الَّذِينَ (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ١٠٢. ٠٠ ٩٩ سورة النساء مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اُلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَاقَدْ سَلَفَتْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ٢٣ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ كِتَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينٍ فَمَا أُسْتَمْتَعْثُمُپِهِ، مِنْهُنَّفَاتُوُهُنَّ أُجُورَهُنَ فَرِيضَةٌ وَلَا ◌ُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَضَيْتُمْ بِهِ، مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةٍ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ٢٤ أورد المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ الآية. ومن هذه الروايات ما رواه ابن أبى حاتم - بسنده - عن رجل من الأنصار قال : لما توفى أبو قيس - يعنى ابن الأسلت - وكان من صالحى الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته فقالت : إنما أعدك ولداً لى وأنت من صالحى قومك، ولكنى آتى رسول الله وَ لّ واستأمره. فأتت رسول الله وَ ل﴿ فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفى. فقال: ((خيرا)). ثم قالت إن ابنه قيسا خطبنى وهو من صالحى قومه، وإنما كنت أعده ولدا لى فماذا ترى؟ فقال لها : ((ارجعى إلى بيتك)) فنزلت: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾(١). وقال القرطبى : قوله - تعالى -: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ يقال: كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله - تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ حتى نزلت هذه الآية ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ فصار حراما فى الأحوال كلها، لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج، فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها يغير نكاح حرمت على ابنه. (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٦٨. ١٠٠ المجلد الثالث ثم قال : وقد كان فى العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه. وكانت هذه السيرة فى الأنصار لازمة، وكانت فى قريش مباحة على التراضى، فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة))(١). وقوله ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ الخ. معطوف على قوله: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ و﴿ما﴾ فى قوله ﴿ما نكح آباؤكم﴾ موصول اسمى مراد به الجنس. أى لا تنكحوا التى نكح آباؤكم. وقوله ﴿من النساء﴾ بيان لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ويرى بعضهم أن ((ما)) هنا مصدرية فيكون المعنى. ولا تنكحوا نكاحا مثل نكاح آبائكم الفاسد الذى كانوا يفعلونه فى الجاهلية. قال الألوسى. وإنما خص هذا النكاح بالنهى، ولم ينظم فى سلك نكاح المحرمات الآتية ((مبالغة فى الزجر عنه. حيث كان ذلك ديدنا لهم فى الجاهلية))(٢). فالآية الكريمة تحرم على الأبناء أن يتزوجوا من النساء اللائى كن أزواجا لآبائهم. وكلمة ﴿آباؤكم﴾ فى قوله ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ تشمل كل الأصول من الرجال. أى: تشمل الأجداد جميعا سواء أكانوا من جهة الأب أو من جهة الأم والاستثناء فى قوله ﴿إلا ما قد سلف﴾ استثناء منقطع. والمعنى: لا تنكحوا أيها المؤمنون ما نكح آباؤكم من النساء. لأنه من أفعال الجاهلية القبيحة، لكن ما قد سلف ومضى منه قبل نزول هذه الآية فلا تؤاخذون عليه، فمن كان متزوجا من امرأة كانت زوجة لأبيه من النسب أو من الرضاع، فإنها تصير حراما عليه من وقت نزول هذه الآية الكريمة، ويجب عليه أن يفارقها أما ما مضى من هذا النكاح القبيح فلا تثريب عليكم فيه، وتثبت به أحكام النكاح من النسب وغيره من الأحكام. ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا متصل مما يستلزمه النهى، ويستوجبه مباشرة المنهى عنه من العقاب. فكأنه قيل : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنه قبيح ومعاقب عليه من الله - تعالى -، إلا ما قد سلف ومضى، فإنه معفو عنه. وقد وجه صاحب الكشاف الاستثناء بوجه آخر فقال: فإن قلت : كيف استثنى ما قد سلف مما نكح آباؤهم؟ قلت: كما استثنى ((غير أن سيوفهم)) من قول الشاعر: بهن فلول من قراع الكتائب ((ولا عيب فيهم)) غير أن سيوفهم (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ١٠٣ بتصرف وتلخيص. : (٢) تفسير الإِلوسى جـ ٤ ص ٢٤٤.