Indexed OCR Text

Pages 41-60

:
٤١
سورة النساء
لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه. والمقصود من كل ذلك الاحتياط فى حفظ أموال الضعفاء
والعاجزين))(١).
وقيل : إن الخطاب فى الآية الكريمة للأباء، والمراد من السفهاء الأولاد الذين لا يستقلون
يحفظ المال وإصلاحه، بل إذا أعطى لهم أفسدوه وأتلفوه.
وعلى هذا الرأى تكون إضافة الأموال إلى المخاطبين على سبيل الحقيقة.
ويكون المعنى : لا تؤتوا أيها الأباء أموالكم لأولادكم السفهاء؛ لأن فى إعطائكم إياها لهم
إفسادا لهم مع أن فيها قوام حياتكم وصلاح أحوالكم.
والذى نراه أن الخطاب فى الآية الكريمة لجميع المكلفين حاكمين ومحكومين ليأخذ كل من
يصلح لهذا الحكم حظه من الامتثال. وأن المراد بالسفهاء كل من لا يحسن المحافظة على ماله
لصغره، أو لضعف عقله، أو لسوء تصرفاته سواءً أكان من اليتامى أم من غيرهم؛ لأن التعميم
فى الخطاب وفى الألفاظ - عند عدم وجود المخصص - أولى، لأنه أوفر معنى، وأوسع تشريعا.
وفى إضافة الأموال إلى جميع المخاطبين المكلفين من المسلمين إشارة بديعة إلى أن المال
المتداول بينهم هو حق لمالكيه المختصين به فى ظاهر الأمر، ولكنه عند التأمل تلوح فيه حقوق
الأمة جمعاء؛ لأن وضعه فى المواضع التى أمر الله بها منفعة للأمة كلها، وفى وضعه فى المواضع
التى نهى الله عنها مضرة بالأمة كلها، وتعاليم الإِسلام التى تجعل المسلمين جميعا أمة واحدة
متكافلة متراحمة تعتبر مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين.
وبعد أن نهى - سبحانه - عن إيتاء المال للسفهاء، أمر بثلاثة أشياء، أولها وثانيها قوله
- تعالى - ﴿وارزقوهم فيها واكسوهم﴾.
أى اجعلوا هذه الأموال مكانا لرزقهم وكسوتهم، بأن تتجروا فيها حتى تكون نفقاتهم من
الأرباح لا من أصل المال لئلا يفنيه الإِنفاق منه.
وإنما قال: ﴿وارزقوهم فيها﴾ ولم يقل ((منها))؛ لئلا يكون ذلك أمرا بأن يجعلوا بعض
أموالهم رزقا لهم، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويستثمروها
فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال.
أما الأمر الثالث فهو قوله - تعالى -: ﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾.
والقول المعروف هو كل ما تسكن إليه النفس لموافقته للشرع وللعقول السليمة، كأن
يكلموهم كلاما لينا تطيب به نفوسهم، وكأن يعدوهم عدة حسنة بأن يقولوا لهم : إذا صلحتم
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٩ ص١٣.

٤٢
المجلد الثالث
ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم. وكأن ينصحوهم بما يصلحهم ويبعدهم عن السفه وسوء
التصرف .
وفى أمره - سبحانه - للمخاطبين بأن يقولوا لهؤلاء السفهاء قولا معروفا، بعد أمره لهم
برزقهم وكسوتهم، إشعار بأن من الواجب عليهم أن يقدموا إليهم الرزق والكسوة مصحوبين
بوجه طلق، وبقول جميل بعيد عن المن والأذى، فقد جرت عادة من تحت يده المال أن يستثقل
إخراجه لمن سأله إياه .
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب المحافظة على الأموال
وعدم تضييعها.
قال صاحب الكشاف : وكان السلف يقولون : المال سلاح المؤمن. ولأن أترك مالا يحاسبنى
الله عليه، خير من أن أحتاج إلى الناس. وعن سفيان - وكانت له بضاعة يقلبها - : لولاها
لتمندل بى بنوالعباس - أى لولاها لأتخذونى كالمنديل يسخروننى لمصالحهم -. وقيل لأبى
الزناد: لم تحب الدراهم وهى تدنيك من الدنيا؟ فقال : لئن أدنتنى من الدنيا فقد صانتنى عنها.
وكانوا يقولون : اتجروا واكتسبوا فإنکم فى زمان إذا احتاج أحدکم کان أول ما یأکل دينه. وربما
رأوا رجلا فى جنازة، فقالوا له: اذهب إلى دكانك))(١).
وقال بعض العلماء : ولنقف عند قوله - تعالى - ﴿ولاتؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله
لكم قياما﴾ لنعلم ما يوحى به من تكافل الأمة ومسئولية بعضها عن بعض. ومن أن االمال
الذى فى يد بعض الأفراد ((قوام للجميع)) ينتفعون به فى المشروعات العامة، ويفرجون به
أزماتهم وضائقاتهم الخاصة عن طريق الزكاة، وعن طريق التعاون وتبادل المنافع. وهذا هو
الوضع المالى فى نظر الشريعة الإسلامية، فليس لأحد أن يقول: مالى مالى. هو مالى وحدى
لا ينتفع به سواى، ليس لأحد أن يقول هذا أو ذاك. فالمال مال الجميع، والمال مال الله، ينتفع
به الجميع عن الطريق الذى شرعه الله فى سد الحاجات ودفع الملمات. وهو ملك لصاحبه
يتصرف فيه لا کما يشاء ویهوی بل كما رسم الله وبين فى كتابه، حتى إذا ما أخل بذلك فأسرف
وبذر أو ضن وقتر حجر عليه))(٢).
كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب الحجر على السفهاء،
لأن الله - تعالى - قد أمر بذلك. ووجوب إقامة الوصى والولى والكفيل على الأيتام الصغار
ومن فى حكمهم ممن لا يحسنون التصرف.
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص٤٧٢.
(٢) تفسير القرآن الكريم ص ١٩٠ لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت.
٢٠٠

٤٣
سورة النساء
ثم بين - سبحانه - الوقت الذى يتم فيه تسليم أموال اليتامى إليهم، وكيف تجب حياطتهم
والعناية بهم وبأموالهم فقال - تعالى - :
وَآَبْئِلُواْ
اُلْيَنَ حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشِّدًا فَدْفَعُواْ
٠٠٠
إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبُ وأَوَمَنْ كَانَ
غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْ كُلُّ بِالْمَعْرُوفِّ فَإِذَا
دَفَعْتُمْ إِلَّهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشِْدُ واْعَلَيْهِمْ وَكَفَى بِلَّهِ حَسِيبًا
وقوله - تعالى - ﴿وابتلوا﴾ من الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان.
والخطاب للأولياء والأوصياء وكل من له صلة باليتامى.
والمراد ببلوغ النكاح هنا : بلوغ الحلم المذكور فى قوله - تعالى -: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم
الحلم فليستأذنوا﴾
وقوله ﴿آنستم﴾ أى تبينتم وشاهدتم وأحسستم.
قال القرطبى : ﴿آنستم﴾ أى أبصرتم ورأيتم ومنه قوله - تعالى - : ﴿فلما قضى موسى
الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارًا﴾ أى أبصر ورأى. وتقول العرب: اذهب
فاستأنس هل ترى أحدا. معناه : تبصر. وقيل : آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحد(١).
والمعنى : عليكم أيها الأولياء والأوصياء أن تختبروا اليتامى، وذلك بتتبع أحوالهم فى الاهتداء
إلى ضبط الأمور، وحسن التصرف فى الأموال وبتمرينهم على ما يليق بأحوالهم حتى لا يجىء
وقت بلوغهم إلا وقد صاروا فى قدرتهم أن يصرفوا أموالهم تصريفًا حسنًا. فإن شاهدتم
وأحسستم منهم ﴿رشدا﴾ أى صلاحا فى عقولهم، وحفظا لأموالهم، فادفعوها إليهم من غير
تأخير أو مماطلة.
و﴿حتى﴾ هنا للغاية، وهى داخلة على الجملة، فهى تبين نهاية الصغر، والجملة التى دخلت
عليها ظرفية فى معنى الشرط.
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٦.

٤٤
المجلد الثالث
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: كيف نظم الكلام؟ قلت : مابعد ﴿حتى﴾ إلى قوله :
﴿فادفعوا إليهم أموالهم﴾ جعل غاية للابتلاء، وهى ﴿حتى﴾ التى تقع بعدها الجمل. والجملة
الواقعة بعدها جملة شرطية، لأن إذا متضمنة معنى الشرط. وفعل الشرط ﴿بلغوا النكاح﴾
وقوله ﴿فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ جملة من شرط وجزاء واقعة جوابًا للشرط
الأول الذى هو إذا بلغوا النكاح. فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، فاستحقاقهم
دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم.
فإن قلت: فما معنى تنكير الرشد؟ قلت : معناه نوعا من الرشد وهو الرشد فى التصرف
والتجارة. أو طرفا من الرشد ومخيلة من مخايله حتى لا ينتظر به تمام الرشد))(١).
ثم نهى - سبحانه - الأوصياء وغيرهم عن الطمع فى شىء من مال اليتامى فقال
- تعالى - :
ولا تأكلوها إسرافًا وبدارا أن يكبروا﴾.
أى: ادفعوا أيها الأولياء والأوصياء إلى اليتامى أموالهم من غير تأخير عن حد البلوغ،
ولا تأكلوها مسرفين فى الأكل ومبادرين بالأخذ خشية أن يكبروا، بأن تفرطوا فى إنفاقها
وتقولوا : ننفقها كما تريد قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا.
والإِسراف فى الأصل - كما يقول الألوسى - تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح. وربما كان ذلك
فى الإِفراط وربما كان فى التقصير. غير أنه إذا كان فى الإِفراط منه يقال : أسرف يسرف إسرافًا.
وإذا كان فى التقصير يقال: سرف يسرف سرفا))(٢).
وقوله ﴿بدارًا﴾ مفاعلة من البدر وهو العجلة إلى الشىء والمسارعة إليه. وهما - أى قوله
﴿إسرافًا وبدارٍ﴾ منصوبان على الحال من الفاعل فى قوله ﴿تأكلوها﴾ أى: ولا تأكلوها مسرفين
ومبادرين كبرهم. أو منصوبان على أنهما مفعول لأجله، أى ولا تأكلوها لإِسرافكم ومبادرتكم
کېرهم.
والمراد من هذه الجملة الكريمة بيان أشنع الأحوال التى تقع من الأوصياء أو الأولياء وهى أن
يأكلوا أموال اليتامى بإسراف وتعجل مخافة أن يبلغ الأيتام رشدهم، فتؤخذ من أولئك الأوصياء
تلك الأموال لترد إلى أصحابها وهم اليتامى بعد أن يبلغوا سن الرشد.
ثم بين - سبحانه - ما ينبغى على الوصى إن كان غنيا وما ينبغى له إن كان فقيرًا فقال :
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤٧٣ بتصرف وتلخيص.
· (٢) تفسير الآلوسى جـ ٤ ص ٧٠١.

٤٥
سورة النساء
﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾.
والاستعفاف عن الشىء تركه. يقال: عف الرجل عن الشىء واستعف إذا أمسك عنه.
والعفة: الامتناع عما لا يجل.
أى: ومن كان من الأولياء أو الأوصياء على أموال اليتامى غنيا فليستعفف أى فليتنزه عن
أكل مال اليتيم، وليقنع بما أعطاه الله من رزق وفير إشفاقا على مال اليتيم. ومن كان فقيرًا من
هؤلاء الأوصياء فليأكل بالمعروف، بأن يأخذ من مال اليتيم على قدر حاجته الضرورية وأجر
سعيه وخدمته له. فقد روى أبوداود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً أتى
النبی ګ فقال : إنى فقير ليس لی شیء ولی یتیم. قال فقال له النبی پاپر: کل من مال یتیمك
غير مسرف ولامبادر ولا متأثل))(١). أى غير مسرف فى الأخذ، ولامبادر أى متعجل، ولا جامع
منه ما يتجاوز حاجتك.
ثم بين - سبحانه - ما ينبغى على الأوصياء عند انتهاء وصايتهم على اليتامى وعند دفع
أموالهم إليهم فقال: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا﴾.
أى: فإذا أردتم أيها الأولياء أن تدفعوا إلى اليتامى أموالهم التى تحت أيديكم بعد البلوغ
والرشد، فأشهدوا عليهم عند الدفع بأنهم قبضوها وبرئت عنها ذممكم، لأن هذا الإِشهاد أبعد
عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأدخل فى الأمانة وبراءة الساحة.
وقوله - تعالى - ﴿وكفى بالله حسيبًا﴾ أى كفى بالله محاسبا لكم على أعمالكم وشاهدا
عليكم فى أقوالكم وأفعالكم، ومجازيا إياكم بما تستحقون من خير أو شر، لأنه - سبحانه -
لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء. وإنكم إن أفلتم من حساب الناس فى الدنيا فلن
تفلتوا من حساب الله الذى لا يغادر صغيرة ولاكبيرة إلا أحصاها، فعليكم أن تتحروا الحلال فى
كل تصرفاتكم. ففى هذا التذييل وعيد شديد لكل جاحد لحق غيره، ولكل معتد على أموال
الناس وحقوقهم، ولاسيما اليتامى الذين فقدوا الناصر والمعين.
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة جملة من الأحكام منها :
١ - أن على الأوصياء أن يختبروا اليتامى بتتبع أحوالهم فى الاهتداء إلى ضبط الأموال وحسن
التصرف فيها، وأن يمرنوهم على ذلك بحسب ما يليق بأحوالهم.
ويرى جمهور العلماء أن هذا الاختبار يكون قبل البلوغ. ويرى بعضهم أن هذا الاختبار
يكون بعد البلوغ.
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٤١.
نـ

٤٦
المجلد الثالث
وقد قال القرطبى فى بيان كيفية هذا الأختبار ما ملخصه: لابأس فى أن يدفع الولى إلى
اليتيم شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب
على الوصى تسليم جميع ماله إليه - أى بعد بلوغه - وإن أساء النظر وجب عليه إمساك المال
عنه ..
وقال جماعة من الفقهاء : الصغير لا يخلو من أن يكون غلاما أو جارية، فإن كان غلاما رد
النظر إليه فى نفقة الدار شهرا، وأعطاه شيئا نزرا ليتصرف فيه؛ ليعرف كيف تدبيره وتصرفه،
وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه، فإذا رآه متوخيا الإِصلاح سلم إليه ماله عند البلوغ وأشهد
علیه .
وإن كان جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه فإن رآها رشيدة سلم
إليها مالها وأشهد عليها وإلابقيا تحت الحجر))(١).
وقد بنى الإِمام أبو حنيفة على هذا الاختبار أن تصرفات الصبى العاقل المميز بإذن الولى
صحيحة، لأن ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولى فى البيع والشراء - مثلا - وهذا يقتضى
صحة تصرفاته.
ويرى الإمام الشافعى أن الاختبار لا يقتضى الإِذن فى التصرف ولا يتوقف عليه، بل يكون
الاختبار بدون التصرف على حسب ما يليق بحال الصبى فابن التاجر - مثلا - يختبر فى البيع
والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد وحينئذ يعقد الولى إن أراد .
٢ - كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أن الأوصياء لا يدفعون أموال اليتامى إليهم إلا بتحقيق
أمرين :
أحدهما : بلوغ النكاح.
والثانى : إيناس الرشد.
والمراد ببلوغ النكاح بلوغ وقته وهو التزوج، وهو كناية عن الخروج من حالة الصبا للذكر
والأنثى، بأن توجد المظاهر التى تدل على الرجولة فى الغلام، والتى تدل على مبلغ بلوغ النساء
فى الفتاة، وذلك يكون بالاحتلام أوبالحيض بالنسبة للفتاة أوببلوغ سن معينة قدرها بعضهم
بخمس عشرة سنة بالنسبة للذكر والأنثى على السواء.
وقدرها أبو حنيفة بسبع عشرة سنة بالنسبة للفتاة، وبثمانى عشرة سنة بالنسبة للفتى.
ومن بلاغة القرآن الكريم أنه عبر عن حالة البلوغ بقوله: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ لأن
(١) تفسير القرطبى جـ١ ص ٣٤.

٤٧
سورة النساء
هذا الوقت يختلف باختلاف البلاد فى الحرارة والبرودة، وباختلاف أمزجة أهل البلد الواحد فى
القوة والضعف، والصحة والمرض.
والمراد بإيناس الرشد : أن يتبين الأولياء من اليتامى الصلاح فى العقل والخلق والتصرف فى
الأموال.
ويرى جمهور العلماء أن اليتيم لا يدفع إليه ماله مهما بلغت سنه ما لم يؤنس منه الرشد لأن الله
- تعالى - يقول: ﴿ولاتؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما﴾.
ويقول: ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ ومعنى ذلك أنه إذا لم يؤنس منهم
الرشد لا تدفع إليهم أموالهم، بل يستمرون تحت ولاية الأولياء عليهم لأنهم ما زالوا سفهاء لم
یتبین رشدهم.
وقد خالف الإِمام أبو حنيفة جمهور الفقهاء فقال. لا يدفع إلى اليتيم ماله إذا بلغ ولم يؤنس منه
الرشد حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها عاقلا ولو غير رشيد فليس لأحد عليه سبيل،
ويجب أن يدفع الوصى إليه ماله ولو كان فاسقا أو مبذرا.
قالوا : وإنما اختار أبو حنيفة هذه السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده ثمانى عشرة سنة، فإذا زيد
عليها سبع سنين - وهى مدة معتبرة فى تغير أحوال الإِنسان - فعند ذلك يدفع إليه ماله أونس
منه الرشد أو لم يؤنس، لأن اسم الرشد واقع على العقل فى الجملة، والله - تعالى - شرط رشدا
منكرا ولم يشترط سائر ضروب الرشد، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو
الشرط المذكور فى هذه الآية(١).
٣ - كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أن الوصى على اليتيم إذا كان غنيا فعليه أن
يتحرى العفاف. وألا يأخذ شيئا من مال اليتيم، لأن أخذه مع غناه يتنافى مع العفاف الذى
يجب أن يتحلى به الأوصياء، ويعتبر من باب الطمع فى مال اليتيم.
أما إذا كان الوصى فقيرًا فقد أذن الله له أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف أى بالقدر الذى
تقتضيه حاجته الضرورية، ولا يستنكره الشرع ولا العقل.
وقد بسط الإِمام الرازى القول فى هذه المسألة فقال ما ملخصه: اختلف العلماء فى أن
الوصى هل له أن ينتفع بمال اليتيم أولا؟
فمنهم من يرى أن للوصى أن يأخذ من مال اليتيم بقدر أجر عمله؛ لأن قوله - تعالى -
﴿ولا تأكلوها إسرافا﴾ مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة. ولأن قوله - تعالى - ﴿إن الذين
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ١٨٩ - بتصرف وتلخيص.

٤٨
المجلد الثالث
يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ يدل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، ولو لم يكن ذلك
: لم يكن لقوله ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ فائدة. فهذا يدل على أن للوصى المحتاج
أن يأكل من ماله بالمعروف. ولأن الوصى لما تكفل بإصلاح مهمات الصبى وجب أن يتمكن من
أن يأكل من ماله بقدر عمله قياسا على الساعى فى أخذ الصدقات وجمعها؛ فإنه يضرب له فى
تلك الصدقات بسهم فكذا ههنا.
ومنهم من يرى أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم قرضا، ثم إذا أيسر قضاه،
وإن مات ولم يقدر على القضاء بأن كان معسرا فلا شيء عليه))(١).
ويشهد لهذا الرأى قول عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -: إنى أنزلت نفسى من هذا المال
منزلة والى اليتيم. إن استغنيت استعففت. وإن احتجت استقرضت. فإذا أيسرت
قضیت))(٢).
٤ - كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية أن على الأوصياء عندما يدفعون
أموال اليتامى إليهم أن يشهدوا على دفعها، منعا للخصومات والمنازعات، وإبراء الذمة
الأوصياء، ولكى يكون اليتامى على بينة من أمرهم.
وقد اختلف العلماء فى أن الوصى إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع إليه ماله هل
يصدق؟ وكذلك إذا قال: أنفقت عليه فى صغره هل يصدق؟
أما الشافعية والمالكية والحنابلة فيرون أنه لا يصدق؛ لأن الآية الكريمة تقول : ﴿فإذا دفعتم
إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ وقوله ﴿فأشهدوا عليهم﴾ أمر. وظاهر الأمر أنه للوجوب.
وليس معنى الوجوب هنا أنه يأثم إذا لم يشهد. بل معناه أن الاشهاد لابد منه فى براءة ذمته بأن
يدفع له ماله أمام رجلین أو رجل وامرأتین حتى إذا دفع المال ولم يشهد ثم طالبه الیتیم فحينئذ
يكون القول ما قاله اليتيم بعد أن يقسم على أن الوصى لم يدفع إليه ماله.
ويرى الإمام أبو حنيفة أن الأمر فى قوله - قوله - ﴿فأشهدوا عليهم﴾ للندب. وأن الوصى
إذا ادعى ذلك يصدق ويكتفى فى تصديقه بيمينه؛ لأنه أمين لم تعرف خيانته، إذ لو عرفت
خيانته لعزل. والأمين يصدق باليمين إذا كان هناك خلاف بينه وبين من ائتمنه. ولأن قوله
- تعالى - بعد ذلك ﴿وكفى بالله حسيبا﴾ يؤيد أن البينة ليست لازمة؛ إذ معناه أنه لاشاهد
أفضل من الله - تعالى - فيما بينكم وبينهم.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ١٩٠.
(٢) تفسير ابن کثیر جـ١ ص ٤٥٤.

٤٩
سورة النساء
ثم شرع - سبحانه - فى بيان أحكام المواريث بعد أن بين الأحكام التى تتعلق بأموال
اليتامى فساق - سبحانه - قاعدة عامة لأصل التوريث فى الإِسلام هى أن الرجال لا يختصون
بالميراث، بل للنساء معهم حظ مقسوم، ونصيب مفروض، سواء أكان الشىء الموروث قليلا أم
كثيرا فقال تعالى :
لِّلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّاتَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ
مِّمَّاتَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَا قَلَّ مِنْهُ أَوَكَتُرَ نَصِيبًا
٧
مَّفْرُوضًا
قال القرطبى ما ملخصه : نزلت هذه الآية فى أوس بن ثابت الأنصارى. توفى وترك امرأة
يقال لها : أم كُجّة وثلاث بنات له منها؛ فقام رجلان هما أبنا عم الميت ووصياه يقال لهما : سويد
وعرفجة؛ فأخذا ماله ولم يعطيا أمرأته وبناته شيئا. وكانوا فى الجاهلية لايورثون النساء
ولا الصغير وإن كان ذكرا ويقولون: لايعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرمح،
وضارب بالسيف، وحاز الغنيمة. فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله وَلقوله: فدعاهما فقالا: يا
رسول الله، ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كلا، ولاينكأ عدوا. فقال ◌َله: ((انصرفا حتى
أنظر مايحدث الله لى فيهن، فأنزل الله هذه الآية.
ثم قال: قال علماؤنا: فى هذه الآية فوائد ثلاث :
إحداها : بيان علة الميراث وهى القرابة.
الثانية : عموم القرابة كيفما تصرفت من قريب أوبعيد.
الثالثة : إجمال النصيب المفروض. وذلك مبين فى آية المواريث؛ فكأن هذه الآية توطئة
للحكم، وإبطال لذلك الرأى الفاسد حتى وقع البيان الشافى))(١).
هذا، ومن العلماء من أبقى هذه الآية الكريمة على ظاهرها، فجعل المراد من الرجال :
الذكور البالغين. والمراد من الوالدين: الأب والأم بلا واسطة والمراد من الأقربين: الأقارب
الأموات الذين يرثهم أقاربهم المستحقون لذلك والمراد من النساء الإناث البالغات.
والمعنى على هذا الرأى: للذكور البالغين نصيب أى حظ مما ترك آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٤٦.

٥٠
i
المجلد الثالث
كإخوتهم وأخواتهم وأعمامهم وعماتهم وللاناث البالغات كذلك نصيب مما ترك آباؤهن
وأمهاتهن وأقاربهن ... ألخ.
وبهذا تكون الآية الكريمة قد اقتصرت على بيان أن الإِرث غير مختص بالرجال كما كان
الجاهليون يفعلون، بل هو أمر مشترك بين الرجال والنساء، ثم جاءت آيات المواريث بعد ذلك
فبينت نصيب كل وارث.
قال الإِمام الرازى: ذكر الله - تعالى - فى هذه الآية هذا القدر، وهو أن الإِرث مشترك بين
الرجال والنساء - ثم ذكر التفصيل بعد ذلك - فى آيات المواريث - ، لأنه - سبحانه - أراد أن
ينقلهم عن تلك العادة وهى توريث الرجال دون النساء - قليلا قليلا على التدريج، لأن
الانتقال عن العادة شاق ثقيل على الطبع. فإذا كان دفعة عظم وقعه على القلب، وإذا كان على
التدريج سهل. فلهذا المعنى ذكر الله - تعالى - هذا المجمل أولا ثم أردفه بالتفصيل))(١) ومن
العلماء من يرى أن المراد بالرجال الصغار من الذكور ومن النساء الصغار من الإِناث، وعلل
مراده هذا بأن فيه عناية بشأن اليتامى، وفيه رد صريح على ما تعوده أهل الجاهلية من توريث
الكبار من الرجال دون الصغار سواء أكانوا ذكورا أم إناثا. ومنهم من عمهم فى الرجال والنساء
فجعل المراد من الرجال الذكور مطلقا سواء أكانوا كبارا أم صغارا. وجعل المراد من النساء
الإِناث مطلقا سواء أكن كبارًا أم صغارًا.
ويكون المعنى: للذكور نصيب مما تركه الوالدان والأقربون من متاع، وللإِناث كذلك
نصيب مما تركه الوالدان والأقربون.
وعليه يكون المقصود من الآية الكريمة التسوية بين الذكور والإناث فى أن لكل منهما حقا فيها
ترك الوالدان والأقربون.
ويبدو لنا أن هذا الرأى الثالث أولى، لأنه أعم من غيره، وأشمل فى الرد على ما كان يفعله
أهل الجاهلية من عدم توريثهم للنساء مطلقا ولا للصغار وإن كانوا ذكورًا، ولأنه يشمل سسبب
نزول الآية نصا، فقد ذكرنا فى سبب النزول أنها نزلت فى شأن بنات أوس بن ثابت وزوجته.
وقد أكد - سبحانه - حق النساء فى الميراث بأن اختار هذا الأسلوب التفصيلى فقال :
﴿للرجال نَصَييب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب﴾ مع أنه كان يكفى أن يقول :
للرجال والنساء نصيب، مما ترك الوالدان والأقربون، وذلك للإِيذان بأصالتهن فى استحقاق
الارث، وللإِشعار بأنه حق مستقل عن حق الرجال، وأن هذا الحق قد ثبت لهن استقلالا
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ١٩٥ - بتصرف وتلخيص.
-

٥١
سورة النساء
بالقرابة كما ثبت للرجال، حتى لا يتوهم أحد أن حقهن تابع لحقهم بأى نوع من أنواع التبعية .
ثم أكد - سبحانه - هذا الحق مرة أخرى بقوله ﴿مما قل منه أوكثر﴾ أى أن حق النساء ثابت
فيما تركه المتوفى من مال سواء أكان هذا المتروك قليلا أم كثيرًا، لأن الذكور والإِناث يتساويان فى
أن لكل منهما حقا فيما ترك الوالدان والأقربون حتى ولو كان هذا المتروك شيئًا قليلا.
فقوله ﴿مما قل منه أو كثر﴾ عطف بيان من قوله ﴿مما ترك الوالدان﴾ لقصد التعميم
والتنصيص على أن حق النساء متعلق بكل جزء من المال الذى تركه الوالدان والأقربون ثم أكد
- سبحانه - حق النساء فى الميراث مرة ثالثة بقوله ﴿نصيبا مفروضا﴾ لأن قوله ﴿نصيبا﴾
منصوب على الاختصاص والاختصاص يفيد العناية.
أى أن لكل من الرجال والنساء نصيبا فيما تركه الوالدان والأقربون، وهذا النصيب قد
فرضه الله - تعالى - فلاسبيل إلى التهاون فيه، بل لابد من إعطائه لمن يستحقه كاملا غير
منقوص؛ لأن الله هو الذى شرعه، ومن خالف شرع الله كان أهلا للعقوبة منه - سبحانه - .
قال صاحب الكشاف : وقوله: ﴿نصيبا مفروضا﴾ نصب على الاختصاص بمعنى : أعنى
نصيبا مفروضا مقطوعا واجبا لابد لهم من أن يحوزوه ولا يستأثر به بعضهم دون بعض، ويجوز
أن ينتصب انتصاب المصدر المؤكد كقوله: ﴿فريضة من الله﴾ كأنه قيل: قسمة مفروضة))(١).
هذا، وقد استدل الأحناف بهذه الآية على توريث ذوى الأرحام؛ لأن العمات والخالات
وأولاد البنات ونحوهن من الأقربين، فوجب دخولهم تحت قوله تعالى: ﴿لَلرجال نصيب مما
ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب﴾. الآية)) وثبت كونهم مستحقين الأصل النصيب
بهذه الآية، وأما المقدار فمستفاد من آيات أخرى كما هو الشأن فى غيرهم.
أما المخالفون للأحناف فيما ذهبوا إليه فيرون أن المراد من الأقربين الوالدان والأولاد
ونحوهم وحينئذ لا يدخل فيهم ذوو الأرحام. وعلى رأى هؤلاء المخالفين يكون عطف الأقربين
على الوالدين من باب عطف العام على الخاص.
كذلك استدل الأحناف بهذه الآية على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه - قبل استحقاقه -
لم يسقط حقه (٢).
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤٧٦.
(٢) تفسير الألوسى جـ ٤ ص ١١٢.

٥٢
المجلد الثالث
ثم أمر الله تعالى عباده بالتعاطف والتراحم، ولاسيما عند تقسيم الميراث، وإعطاء كل ذى
حق حقه فقال تعالى :
وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَاَلْيَنَ
وَاُلْمَسَكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْلَمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا
والمراد بالقسمة : التركة التى تقسم بين الورثة.
والمراد بذوى القربى هنا - عند جمهور المفسرين - : الأقارب الذين لا ميراث لهم فى التركة.
والمراد باليتامى والمساكين : الأجانب الذين لاقرابة بينهم وبين الورثة.
والمعنى : وإذا حضر قسمة التركة ذوو القربى ممن لانصيب لهم فى الميراث، واليتامى الذين
فقدوا العائل والنصير، والمساكين الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم وصاروا فى حاجة إلى العون
والمساعدة ﴿فارزقوهم منه﴾ أى فأعطوهم من الميراث الذى تقتسمونه شيئا يعينهم على سد
حاجتهم، وتفريج ضائقتهم ﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾ أى قولوا لهم قولا جميلا يرضاه الشرع،
ويستحسنه العقل، بأن تقولوا لهم - مثلا - : خذوا هذا الشىء بارك الله لكم فيه، أو بأن
تعتذروا لمن لم تعطوه شيئا. والآية الكريمة معطوفة على الآية السابقة عليها وهى قوله - تعالى -
﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ .. الخ.
٠
وليس المراد من حضور ذوى القربى واليتامى والمساكين أن يكونوا مشاهدين للقسمة،
جالسين مع الورثة، لأن قسمة الأموال لاتكون عادة فى حضرة هؤلاء الضعفاء، وإنما المراد من
حضورهم العلم بهم من جانب الذين يقتسمون التركة، والدراية بأحوالهم، وأنهم فى حاجة إلى
العون والمساعدة.
وقدم ذوى القربى على اليتامى والمساكين، لأنهم أولى بالصدقة لقرابتهم، ولأن إعطاءهم
بجانب أنه صدقة، فهو صلة للرحم التى أمر الله تعالى بصلتها. وقدم اليتامى على المساكين؛
لأن ضعف اليتامى أكثر، وحاجتهم أشد.
والضمير المجرور فى قوله ﴿فارزقوهم منه﴾ يعود إلى ما ترك الوالدان والأقربون. أو إلى
القسمة بمعنى المقسوم باعتبار معناها لا باعتبار لفظها. أى ارزقوهم من هذا الميراث أو المال
المقسوم .
والأمر فى قوله : ﴿فارزقوهم﴾ يرى بعض العلماء أنه للوجوب، لأنه هو المستفاد من ظاهر

٥٣
سورة النساء
الأمر، وعليه فمن الواجب على الوارث الكبير وعلى ولى الصغير أن يعطيا لذوى القربى واليتامى
والمساكين شيئا من المال تطيب به نفوسهم.
ومن أصحاب هذا الرأى من قال: إن من الواجب على الوارث الكبير أن يعطى هؤلاء
المحتاجين شيئا من المال المقسوم. أما إذا كان الورثة صغارا فعلى الولى أن يعتذر لهؤلاء
المحتاجين، بأن يقول لهم: إنى لا أملك هذا المال المقسوم، لأنه لهؤلاء الصغار وعندما يكبرون
فسيعرفون لكم حقكم وهذا هو القول المعروف.
ويرى كثير من العلماء أن هذا الأمر بالإِعطاء للندب لا للوجوب، وأن هذا الندب إنما
يحصل إذا كان الورثة كبارا، أما إذا كانوا صغارا فليس على أوليائهم إلا القول المعروف.
ومن حجج هؤلاء القائلين بأن هذا الأمر للندب والاستحباب : أنه لو كان لأولئك
المحتاجين من ذوى القربى واليتامى والمساكين حق معين لبينه الله - تعالى - كما بين سائر
الحقوق، وحيث لم يبين علمنا أنه غير واجب. وأيضا لو كان واجبا لتوفرت الدواعى على نقله؛
لشدة حرص الفقراء والمساكين على تقديره، ولو كان الأمر كذلك لثبت نقله إلينا، ولما لم يكن
الأمر كذلك علمنا أنه غير واجب.
وقد رجح القرطبى كون الأمر للندب لا للوجوب فقال: والصحيح أن هذا على الندب؛
لأنه لو كان فرضا لكان استحقاقًّا فى التركة ومشاركة فى الميراث، لأحد الجهتين معلوم، وللآخر
مجهول. وذلك مناقض للحكمة، وسبب للتنازع والتقاطع.
ثم قال: وذهبت فرقة إلى أن المخاطب والمراد فى الآية المحتضرون الذين يقسمون أموالهم
بالوصية لا الورثة. فإذا أراد المريض أن يفرق ماله بالوصايا وحضره من لايرث ينبغى له
ألا يحرمه. وهذا - والله أعلم - يتنزل حيث كانت الوصية واجبة، ولم تنزل آية الميراث.
والصحيح الأول - وهو أن الآية فى قسمة التركة وأن المخاطبين بها هم المقتسمون للتركة -
وعليه المعول))(١).
هذا، ومن العلماء من قال : إن هذه الآية قد نسخت بآية المواريث التى بعدها وهى قوله
تعالى: ﴿يوصيكم الله فى أولادكم﴾ .. الخ.
وقد حكى هذا القول - أيضا - ورد عليه الإِمام القرطبى فقال ما ملخصه : بين الله
- تعالى - فى هذه الآية أن من لم يستحق شيئا وحضر القسمة وكان من الأقارب أو اليتامى
والفقراء الذين لايرثون أن يكرموا ولا يحرموا إن كان المال كثيرًا؛ والاعتذار إليهم إن كان عقارا
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٤٩.

٥٤
المجلد الثالث
أو قليلا لا يقبل الرضخ - أى العطاء القليل - فالآية على هذا القول محكمة. قاله ابن عباس.
وامتثل ذلك جماعة من التابعين: عروة بن الزبير وغيره. وأمر به أبوموسى الأشعرى.
وروى عن ابن عباس انها منسوخة نسخها قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله فى أولادكم﴾.
وممن قال إنها منسوخة : أبومالك وعكرمة والضحاك.
والأول أصح؛ فإنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لانصيب له
ممن حضرهم.
وفى البخارى عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية: هى محكمة وليست بمنسوخة.
وفى رواية قال: إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت، لا والله مانسخت، ولكنها مما
تهاون به الناس))(١).
وقال عبدالرزاق أخبرنا ابن جريج أن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبى بكر الصديق قسم
ميراث أبيه عبدالرحمن، وعائشة حية. فلم يدع فى الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من
ميراث أبيه وتلا هذه الآية: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى﴾ .. الخ. (٢).
والخلاصة، أن الذى تطمئن إليه النفس هو قول من قال: إن الآية محكمة وليست
بمنسوخة، لأنه أثر عن بعض الصحابة والتابعين أنهم كانوا يفعلون ذلك ويأمرون به. ولأن
الروايات القائلة بأنها منسوخة روايات مضطربة، بخلاف الروايات القائلة بأنها محكمة فهى
ثابتة فى صحيح البخارى؛ ولأن الآية الكريمة لاتتعارض مع آية المواريث لأنها إنما تأمر بما يؤدى
إلى التعاطف والتراحم بين الناس، وهذا أمر لاينسخ، بل هو ثابت فى كل زمان ومكان.
ونرى كذلك أن الأمر فى قوله ﴿فارزقوهم منه﴾ على سبيل الندب والاستحباب، لا علی
سبيل الفرض والإِيجاب - كما سبق أن بينا - .
ثم أمر الله - تعالى - عباده بتقواه، وبالتمسك بالأقوال السديدة فقال تعالى :
وَلْيَخْشَ اُلَّذِينَ لَوْتَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا
خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْاللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا
4
: (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٤٩.
(٢) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٥٥.

٥٥
سورة النساء
وللمفسرين فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال :
أولها : أن الآية الكريمة أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه فى أمر اليتامى، فيفعلوا
بهم مثل ما يحبون أن يفعل بذريتهم الضعاف بعد وفاتهم.
فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال فى قوله تعالى: ﴿وليخش الذين لو تركوا﴾ ..
الخ .
يعنى بذلك الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف يخاف عليهم العيلة والضيعة، ويخاف بعده
ألا يحسن إليهم من يليهم يقول: فإن ولى مثل ذريته ضعافا يتامى، فليحسن إليهم ولا يأكل
أموالهم إسرافا وبدارا خشية أن يكبروا .. (١).
قال الألوسى: ((والآية الكريمة على هذا الوجه تكون مرتبطة بما قبلها، لأن قوله تعالى :
﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ .. الخ. فى معنى الأمر للورثة. أى أعطوهم
حقهم دفعا لأمر الجاهلية، وليحفظ الأوصياء ما أعطوه ويخافوا عليهم كما يخافون على
أولادهم(٢).
وعلى هذا الوجه يكون المقصود من الآية الكريمة حض الأوصياء على المحافظة على أموال
اليتامى بأبلغ تعبير، لأنه سبحانه قد نبههم بحال أنفسهم وذرياتهم من بعدهم ليتصوروها
ويعرفوا مكان العبرة فيها، ولاشك أن ذلك من أقوى الدواعى والبواعث فى هذا المقصود؛ لأنه
سبحانه كأنه يقول لهم : افعلوا باليتامى الفعل الذى تحبون أن يفعل مع ذرياتكم الضعاف من
بعدكم، فجعل - سبحانه - من شعورهم بالحنان على ذرياتهم باعثا لهم على الحنان على
أیتامهم .
هذا، ومن المفسرين الذين استحسنوا هذا القول الإِمام ابن كثير، فقد قال بعد أن حكى
هذا القول: وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد فى أكل أموال اليتامى ظلما(٣).
أما القول الثانى : فيرى أصحابه أن الآية الكريمة أمر لمن حضر المريض من العواد عند
الإِيصاء بأن يخشوا ربهم؛ فيوصوا المريض فى أولاده خيرًا ويشفقوا عليهم كما يشفقون على
أولادهم.
وقد وضح هذا القول الإِمام الرازى فقال : إن هذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض
فيقولون له : إن ذريتك لايغنون عنك من الله شيئا، فأوص بمالك لفلان وفلان. ولايزالون
(١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٢٧٢ .
(٢) تفسير الآلوسي جـ ٤ ص ٢١٣ .
(٣) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٥٦.

٥٦
المجلد الثالث
يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لايبقى من ماله للورثة شىء أصلا. فقيل لهم : كما أنكم
تكرهون بقاء أولادكم فى الضعف والجوع من غير مال، فاخشوا الله ولا تحملوا المريض على أن
يحرم أولاده الضعفاء من ماله.
وحاصل الكلام أنك لاترضى مثل هذا الفعل لنفسك، فلاترضه لأخيك المسلم. فعن أنس
قال: قال النبى وَلّ: ((لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))(١).
وقد رجح هذا الوجه الإِمام ابن جرير فقال : وأولى التأويلات بالآية قول من قال : تأويل
ذلك : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم العيلة لو كانوا فرقوا
أموالهم فى حياتهم، أوقسموها وصية منهم لأولى قرابتهم، وأهل اليتم والمسكنة؛ فأبقوا أموالهم
لولدهم خشية العيلة عليهم من بعدهم، فليأمروا من حضروه - وهو يوصى لذوى قرابته وفى
اليتامى والمساكين وفى غير ذلك - بما له بالعدل، وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا، وهو أن
يعرفوه ما أباحه الله له من الوصية، وما اختاره المؤمنون من أهل الإِيمان بالله وبكتابه
وسنته))(٢).
والقول الثالث : يرى أصحابه أن الخطاب فى الآية للموصين، وأن الآية تأمرهم بأن يشفقوا
على ورثتهم، فلا يسرفوا فى الوصية لغيرهم؛ لأن الإسراف فى ذلك يؤدى إلى ترك الورثة فقراء.
ولقد قال النبى وَّر لسعد بن أبى وقاص: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة
یتکففون الناس)).
والذى نراه أن الأمر بالخشية من الله يتناول جميع الأصناف المتقدمة : من الأوصياء، وعواد
المريض، والموصين وغيرهم ممن هو أهل لهذا الخطاب؛ لأن هؤلاء جميعا داخلون تحت الأمر
بالخشية من الله - تعالى -، وبالقول السديد الذى يحبه سبحانه ويرضاه.
وقوله تعالى ﴿وليخش﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ومفعوله محذوف لتذهب نفس
السامع فى تقديره كل مذهب، فينظر كل سامع بحسب الاهم عنده مما يخشى أن يصيب ذريته.
والجملة الشرطية وهى قوله تعالى ﴿لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم﴾ صلة
للموصول وهو قوله ﴿الذين﴾ وجملة ﴿خافوا عليهم) جواب ﴿لو﴾.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى وقوع ﴿لو تركوا﴾ وجوابه صلة للذين؟.
قلت : معناه : وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا من خلفهم ذرية
ضعافا - وذلك عند احتضارهم - خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم))(٣).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٩ ص ١٩٨.
(٢) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٢٧٢ .
(٣) تفسير الكشاف جـ١ ص٤٧٨.

٥٧
سورة النساء
قال صاحب الانتصاف: وإنما لجأ الزمخشرى إلى تقدير ﴿تركوا﴾ بقوله شارفوا أن يتركوا؛
لأن جوابه قوله ﴿خافوا عليهم﴾ والخوف عليهم إنما يكون قبل تركهم إياهم. وذلك فى دار
الدنيا. فقد دل على أن المراد بالترك الإِشراف عليه ضرورة، وإلا لزم وقوع الجواب قبل الشرط
وهو باطل. ونظيره ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف﴾ أى.
شارفن بلوغ الأجل.
ثم قال: ولهذا المجاز فى التعبير عن المشارفة على الترك بالترك سر بديع. وهو التخويف
بالحالة التى لا يبقى معها مطمع فى الحياة، ولا فى الذب عن الذرية الضعاف. وهى الحالة التى
وإن كانت من الدنيا، إلا أنها لقربها من الآخرة، ولصوقها بالمفارقة، صارت من حيزها،
ومعبرا عنها بما يعبر به عن الحالة الكائنة بعد المفارقة من الترك(١).
وقوله ﴿ضعافا﴾ صفة لذرية. وفى وصف الذرية بذلك بعث على الترحم وحض على امتثال
ما أمر الله به.
والفاء فى قوله ﴿فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها. فقد رتب
الأمر بالتقوى على الأمر بالخشية وإن كانا أمرين متقاربين لأن الأمر الأول لما عضد بالحجة -
وهى الخوف على ذريتهم - اعتبر كالحاصل فصح التفريع عليه.
والمعنى : فليتقوا الله فى كل شأن من شئونهم وفى أموال اليتامى فلا يعتدوا عليها. وليقولوا
لغيرهم قولا عادلا قويما مصيبا للحق وبعيدا عن الباطل.
قال الألوسى وقوله ﴿وليقولوا﴾ أى لليتامى أوللمريض أو لحاضرى القسمة، أوليقولوا فى
الوصية ﴿قولا سديدا﴾ فيقول الوصى لليتيم مايقول لولده من القول الجميل الهادى له إلى
حسن الآداب ومحاسن الأفعال. ويقول عائد المريض للمريض : مايذكره بالتوبة وحسن الظن
بالله، ومايصده عن الإسراف فى الوصية وتضييع الورثة. ويقول الوارث لحاضر القسمة :
مايزيل وحشته أويزيد مسرته. ويقول الموصى فى إيصائه: مالا يؤدى إلى تجاوز الثلث.
ثم قال، والسديد: المصيب العدل الموافق للشرع. يقال : سد قوله يسد - بالكسر - إذا
صار سديدا والسداد - بالفتح - الاستقامة والصواب. وأما السداد - بالكسر - فهو مايسد به
الشىء))(٢).
قال بعض العلماء : وفى الآية الكريمة ما يبعث الناس كلهم على أن يغضبوا للحق من
(١) هامش تفسير الكشاف جـ١ ص ٤٧٨.
(٢) تفسير الآلوسي جـ ٤ ص ٢١٤ . - بتصرف وتلخيص -.

٥٨
المجلد الثالث
الظلم، وأن يأخذوا على أيدى أولياء السوء، وأن يحرسوا أموال اليتامى، ويبلغوا حقوق
الضعفاء إليه، لأنهم إن أضاعوا ذلك يوشك أن يلحق أبناءهم وأموالهم مثل ذلك. وأن يأكل
قويهم ضعيفهم؛ فإن اعتياد السوء ينسى الناس شناعته، ويكسب النفوس ضراوة على
عمله))(١).
ثم توعد سبحانه الذين يعتدون على حقوق اليتامى بأشد أنواع الوعيد فقال تعالى :
إِنَّالَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى
بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيرَان
وقوله : ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ استئناف مسوق لتقرير ما فصل من الأوامر
والنواهى السابقة التى تتعلق بحقوق اليتامى.
قال الفخر الرازى: أعلم أنه -تعالى- أكد الوعد فى أكل مال اليتيم ظلما، وقد كثر الوعيد
فى هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك كقوله ﴿وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا
الخبيث بالطيب﴾ وكقوله: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا﴾.
ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة فى وعيد من يأكل أموالهم، وذلك كله رحمة من الله تعالى
باليتامى؛ لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة. وما أشد
دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله؛ لأن اليتامى لما بلغوا فى الضعف إلى الغاية
القصوى، بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى)) (٢).
وقوله ﴿ظلما﴾ أى يأكلونها على وجه الظلم سواء أكان الآكل من الورثة أو من أولياء السوء
من غيرهم.
وقال سبحانه ﴿ظلما﴾ لكمال التشنيع على الآكلين؛ لأنهم يظلمون اليتامى الضعفاء الذين
ليس فى قدرتهم الدفاع عن أنفسهم.
أو أنه سبحانه قيد الأكل بحالة الظلم، للدلالة على أن مال اليتيم قد يؤكل ولكن لا على
وجه الظلم بل على وجه الاستحقاق كما فى حالة أخذ الولى الفقير أجرته من مال اليتيم
(١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٤ ص ٢٥٣ للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ١٠٠.

٥٩
سورة النساء
أوالاستقراض منه فإن ذلك لا يكون ظلما ولا يسمى الآكل ظالما. قال تعالى: ﴿ومن كان غنيا
فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾.
وقوله ﴿ظلما﴾ حال من الضمير فى ﴿يأكلون﴾ أى يأكلونها ظالمين. أومفعول لأجله. أى
يأكلونها لأجل الظلم.
قال القرطبى : روى أن هذه الآية نزلت فى رجل من غطفان يقال له : مرثد بن زيد، ولى
مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله؛ فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية. ولهذا قال الجمهور: إن
المراد الأوصياء الذين يأكلون مالم يبح لهم من مال اليتيم))(١).
وقوله : ﴿إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ بيان لسوء مصيرهم، وتصوير
لأضرار الأكل عليهم.
وللمفسرين فى تفسير قوله - تعالى - ﴿إنما يأكلون فى بطونهم نارًا﴾ اتجاهان.
أولهما : أن الآية على ظاهرها، وأن الآكلين لمال اليتامى ظلما سيأكلون النار يوم القيامة
حقيقة .
وقد استدل أصحاب هذا الاتجاه على صحة ماذهبوا إليه بآثار منها مارواه ابن حبان فى
صحيحه وابن مردويه وابن أبى حاتم عن أبي برزة أن رسول الله وَالر قال: يبعث يوم القيامة
.. قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا. قيل يارسول الله من هم؟ قال ◌َير: ألم تر أن الله قال:
﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ الآية))(٢).
وروى ابن أبى حاتم عن أبى سعيد الخدرى قال : قلنا يارسول الله مارأيت ليلة أسرى بك؟
قال : انطلق بى إلى خلق من خلق الله كثير. رجال كل رجل منهم له مشفر كمشفر البعير، وهم
موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم، ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف فى أفواههم حتى تخرج
من أسفلهم ولهم جوار وصراخ. قلت : ياجبريل من هؤلاء؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون أموال
اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا))(٣).
ثانيهما : يرى أصحابه أن الكلام على المجاز لا على الحقيقة وأن المراد إنما يأكلون فى بطونهم
المال الحرام الذى يفضى بهم إلى النار.
وعليه فكلمة ﴿نارا﴾ مجاز مرسل من باب ذكر المسبب وإرادة السبب.
والمراد بالأكل فى قوله ﴿إن الذين يأكلون﴾ مطلق الأخذ على سبيل الظلم والتعدى.
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٥٣.
(٢، ٣) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٥٦.

٦٠
المجلد الثالث
وإنما ذكر الأكل وأراد به مطلق الإِتلاف على سبيل الظلم؛ لأن الأكل عن طريقه تكون
معظم تصرفات الإنسان، ولأن عامة مال اليتامى فى ذلك الوقت هو الأنعام التى تؤكل لحومها
وتشرب ألبانها فخرج الكلام على عادتهم، ولأن فى ذكر الأكل تشنيعا على الآكل لمال اليتيم
ظلما، إذ هو أبشع الأحوال التى يتناول مال اليتيم فيها؛ ولأن فى ذكر الأكل مناسبة للجزاء
المذكور فى قوله ﴿إِنما يأكلون فى بطونهم نارا﴾ حيث يكون الجزاء من جنس العمل.
قال ﴿فى بطونهم﴾ مع أن الأكل لا يكون إلا فى البطن، إما لأنه قد شاع فى استعمالهم أن
يقولوا : أكل فلان فى بطنه يريدون ملء بطنه فكأنه قيل: إنما يأكلون ملء بطونهم نارا حتى
يبشموا بها. ومثله ﴿وقد بدت البغضاء من أفواههم﴾ أى شرقوا بها وقالوها بملء أفواههم،
ويكون المراد بذكر البطون تصوير الأكل للسامع حتى تتأكد عنده بشاعة هذا الجرم بمزيد
تصویر.
وإما أن يكون المراد بذكر البطون التأكيد والمبالغة كما فى قوله تعالى ﴿ولاطائر يطير بجناحيه﴾
والطيران لا يكون إلا بالجناح. والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة.
وقوله تعالى ﴿وسيصلون سعيرا﴾ تأكيد لسوء عاقبتهم يوم القيامة.
و﴿يصلون﴾ مضارع صلى كرضى إذا قاسى حر النار بشدة.
وقرأ ابن عامر وأبوبكر عن عاصم ﴿وسيصلون﴾ بضم ياء المضارعة والباقون بفتحها.
والسعير: هو النار المستعرة. يقال: سعرت النار أسعرها سعرا فهى مسعورة إذا أوقدتها
وألهبتها .
وإنما قال ﴿سعيرا﴾ بالتنكير لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله
تعالى: أى؛ وسيدخلون نارا هائلة لا يعلم مقدار شدتها إلا الله عز وجل.
أخرج أبوداود والنسائى والحاكم وغيرهم أنه لما نزلت هذه الآية انطلق من كان عنده يتيم
فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه. فجعل يفضل له الشىء من طعامه، فیحبس له حتى
يأكله أويفسد فاشتد عليهم ذلك. فذكروا ذلك لرسول الله وَ التّر، فأنزل الله تعالى ﴿ويسألونك
عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ الآية. فخلطوا طعامهم بطعامهم
وشرابهم بشرابهم(١).
قال الفخر الرازى: ومن الجهال من فال: صارت هذه الآية منسوخة بتلك. وهو بعيد،
لأن هذه الآية فى المنع من الظلم. وهذا لا يصير منسوخا. بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٥٧.
: