Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة النساء
ولأنه يدل على النعمة السابغة عليهم، فحقهم أن يتقوه فى كفرانها والتفريط فيما يلزمهم من
القيام بشكرها. أو أراد بالتقوى تقوى خاصة، وهى أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم،
فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله فقيل : اتقوا ربكم الذى وصل بينكم؛ حيث جعلكم صنوانا
مفرعة من أرومة واحدة فيما يجب على بعضكم لبعض، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه وهذا
المعنى مطابق لمعانى السورة))(١).
وقوله : ﴿وخلق منها زوجها﴾ معطوف على قوله ﴿خلقكم من نفس واحدة﴾. أو معطوف
على محذوف والتقدير: خلقكم من نفس واحدة ابتدأها وخلق منها زوجها.
ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذا الازدواج من تناسل فقال : ﴿وبث منهما رجالا كثيرًا
ونساء﴾ .
والبث معناه : النشر والتفريق. يقال: بث الخيل فى الغارة، أى فرقها ونشرها. ويقال :
يثثت البسط إذا نشرتها. قال - تعالى - ﴿وزرابى مبثوثة﴾ أى منشورة.
والمعنى : ونشر وفرق من تلك النفس الواحدة وزوجها على وجه التوالد والتناسل، رجالا
كثيرا ونساء كثيرة.
والتعبير بالبث يفيد أن هؤلاء الذين توالدوا وتناسلوا عن تلك النفس وزوجها، قد تكاثروا
وانتشروا فى أقطار الأرض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم، وأن من الواجب عليهم مهما تباعدت
ديارهم، واختلفت ألسنتهم وأشكالهم أن يدركوا أنهم جميعا ينتمون إلى أصل واحد، وهذا
يقتضى تراحمهم وتعاطفهم فيما بينهم. وقوله ﴿كثيرا﴾ صفة لقوله ﴿رجالا﴾ وهو صفة مؤكدة لما
أفاده التنكير من معنى الكثرة. وجاء الوصف بصيغة الإِفراد، لأن ﴿كثيرا﴾ وإن كان مفردا لفظا
إلا أنه دال على معنى الجمع. واستغنى عن وصف النساء بالكثرة، اكتفاء بوصف الرجال
بذلك، ولأن الفعل ﴿بث﴾ يقتضى الكثرة والانتشار.
وقال الفخر الرازى : خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء، لأن شهرة الرجال أتم،
فكانت كثرتهم أظهر، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة. وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال
الرجال الاشتهار والخروج والبروز. واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول))(٢).
وقوله : ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ تكرير للأمر بالتقوى لتربية المهابة فى
النفس وتذكير ببعض آخر من الأمور الموجبة لخشية الله وامتثال أوامره. وقوله ﴿تساءلون﴾
أصلها تتساءلون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا. وهى قراءة عاصم وحمزة الكسائى.
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤٦٣.
. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ١٦٢.

٢٢
المجلد الثالث
وقرأ الباقون ((تساءلون)) بالتشديد بإدغام تاء التفاعل فى السين لتقاربهما فى الهمس.
والأرحام : جمع رحم وهى القرابة. مشتقة من الرحمة، لأن ذوى القرابة من شأنهم أن يتراحموا
ويعطف بعضهم على بعض.
وكلمة ﴿الأرحام﴾ قرأها الجمهور بالنصب عطفا على اسم الله تعالى.
والمعنى ؛ واتقوا الله الذى يسأل بعضكم بعضا به، بأن يقول له على سبيل الاستعطاف :
أسألك بالله أن تفعل كذا، أو أن تترك كذا. واتقوا الأرحام أن تقطعوها فلا تصلوها بالبر
والإِحسان، فإن قطيعتها وعدم صلتها مما يجب أن يتقى ويبتعد عنه، وإنما الذى يجب أن يفعل
هو صلتها وبرها.
وقرأها حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور فى (به). أى: اتقوا الله الذي تساءلون به
وبالأرحام بأن يقول بعضكم لبعض مستعطفا أسألك بالله وبالرحم أن تفعل كذا.
وقد كان من عادة العرب أن يقرنوا الأرحام بالله تعالى - فى المناشدة والسؤال فيقولون :
اسألك بالله وبالرحم.
ولم يرتض كثير من النحويين هذه القراءة من حمزة، وقالوا : إنها تخالف القواعد النحوية التى
تقول : إن عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور المتصل بدون إعادة الجار لا يصح، لأن
الضمير المجرور المتصل بمنزلة الحرف، والحرف لا يصح عطف الاسم الظاهر عليه، ولأن
الضمير المجرور كبعض الكلمة لشدة اتصاله بها، وكما أنه لا يجوز أن يعطف على بعض الكلمة
فكذلك لا يجوز أن يعطف عليه. إلى غير ذلك مما قالوه فى تضعيف هذه القراءة. وقد دافع كثير
من المفسرين عن هذه القراءة التى قرأها حمزة. وأنكروا على النحويين تشنيعهم عليه.
ومما قاله القرطبى فى دفاعه عن صحة هذه القراءة : ومثل هذا الكلام - أى من النحويين -
مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التى قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبى وَلّ تواترا يعرفه
أهل الصنعة، وإذا ثبت شىء عن النبى ◌َ ر فمن رد ذلك فقد رد على النبى وَّه واستقبح ما قرأ
به .
وهذا مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبى تَّ
ولا يشك أحد فى فصاحته.
ثم قال : والكوفى يجيز عطف الظاهر على الضمير المجرور ولا يمنع منه، ومنه قولهم :
فاذهب فما بك والأيام من عجب(١)
(١) تفسير القرطبى جـ١ ص ٣ وما بعدها - بتصرف وتلخيص.

٢٣
سورة النساء
ومما قاله الفخر الرازى فى ذلك : واعلم أن هذه الوجوه - أى التى احتج بها النحويون فى
تضعيف قراءة حمزة - ليست وجوها قوية فى رفع الروايات الواردة فى اللغات؛ وذلك لأن حمزة
أحد القراء السبعة، ولم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله وَلچ، وذلك
يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التى
هى أوهن من بيت العنكبوت.
وأيضا فلهذه القراءة وجهان :
أحدهما : أنها على تقدير تكرير الجار. كأنه قيل: تساءلون به وبالأرحام.
وثانيهما : أنه ورد ذلك فى الشعر ومنه :
نعلق فى مثل السوارى سيوفنا وما بينها والكعب غوط نفائف
ثم قال : والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بمثل هذه الأبيات
المجهولة، ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف فى
علم القرآن)) (١) .
هذا، وهناك قراءة بالرفع. قال الآلوسي: وقرأ ابن زيد ﴿والأرحام﴾ بالرفع على أنه مبتدأ
محذوف الخبر. أى والأرحام كذلك أى مما يتقى لقرينة ﴿اتقوا﴾. أو مما يتساءل به لقرينة
وتساءلون﴾(٢).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يحمل العقلاء على المبالغة فى تقوى الله، وفى صلة
الرحم فقال - تعالى: ﴿إن الله كان عليكم رقيبا﴾. أى حافظا يحصى عليكم كل شىء. من
ء
رقبه إذا حفظه.
أو مطلعا على جميع أحوالكم وأعمالكم، ومنه المرقب للمكان العالى الذى يشرف منه
الرقيب ليطلع على ما دونه.
وقد أكد - سبحانه - رقابته على خلقه، واطلاعه على جميع أحوالهم بأوثق المؤكدات. فقد
أكد - سبحانه - الجملة الكريمة بإن، وبتكرار لفظ الجلالة التى يبعث فى النفوس كل معانى
الخشية والعبودية له، وبالتعبير بكان الدالة على الدوام والاستمرار، وبذكر الفوقية التى يدل
عليها لفظ ﴿عليكم﴾ إذ هو يفيد معنى الاطلاع الدائم مع السيطرة والقهر، وبالإِتيان بصيغة
المبالغة وهى قوله : ﴿رقيبا﴾ أى شديد المراقبة لجميع أقوالكم وأعمالكم فهو يراها ويعلمها
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ١٦٣ - بتصرف وتلخيص.
(٢) تفسير الألوسى جـ ٤ ص ١٨٥.

٢٤
المجلد الثالث
وسيحاسبكم عليها يوم القيامة.
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب مراقبته - سبحانه - وخشيته وإخلاص
العبادة له، لأنه هو الذى أوجدهم من نفس واحدة، وهو الذى أوجد من هذه النفس الموحدة
زوجها، وهو الذى أوجد منها عن طريق التناسل الذكور والإِناث الذين يملؤون أقطار الأرض
على اختلاف صفاتهم وألوانهم ولغاتهم، وهو الذى لا تخفى عليه خافية من أحوالهم، بل هو
مطلع عليهم وسيحاسبهم على أعمالهم يوم الدين، ومن كان كذلك فمن حقه أن يتقى ويخشى
ويطاع ولا يعصى.
كما أخذوا منها جواز المسألة بالله - تعالى - لأنه - سبحانه - قد أقرهم على هذا التساؤل؛
لكونهم يعتقدون عظمته وقدرته.
وقد ورد فى هذا الباب أحاديث متعددة منها ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائى وابن
حبان عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه وَالر: من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله
فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه. ومن أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئون به
فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه)).
نعم من أداه التساؤل باسمه - تعالى - إلى التساهل فى شأنه، وجعله عرضة لعدم إجلاله،
فإنه يكون محظورا قطعا. وعليه يحمل ما ورد من أحاديث تصرح بلعن من سأل بوجه الله.
ومنها ما رواه الطبرانى عن أبى موسى الأشعرى مرفوعا: ملعون من سأل بوجه الله. وملعون من
سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرًا. أى ما لم يسأل أمرا قبيحا لا يليق.
كما أخذوا منها أيضا وجوب صلة الرحم، فقد جعل - سبحانه - الإِحسان إلى الآباء وإلى
الأقارب فى المنزلتين الثانية والثالثة بعد الأمر بعبادته فقال: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا
وبالوالدين إحسانا، وبذى القربى واليتامى والمساكين﴾(١).
ومن الأحاديث التى وردت فى وجوب صلة الرحم ما رواه البخارى عن أبى هريرة قال :
((سمعت رسول الله وَليل يقول: من سره أن يبسط له فى رزقه، وأن ينسأ له فى أجله، فليصل
رحمه .
وأخرج الإِمام مسلم فى صحيحه عن عائشة - رضى الله عنها - عن النبى وَّ قال : الرحم
معلقة بالعرش. تقول: من وصلنى وصله الله، ومن قطعنى قطعه الله.
وأخرج البخارى عن عبد الله بن عمرو عن النبى وَلقر أنه قال: ليس الواصل بالمكافىء.
(١) سورة النساء الآية ٣٦.
٠٤

٢٥
سورة النساء
ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها.
إلى غير ذلك من الأحاديث التى وردت فى الترغيب فى صلة الرحم والترهيب من قطيعتها .
.....
ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل موارد الاتقاء ومظانه، فابتدأ بأحق الناس بالرحمة والمودة،
وهم اليتامى فقال - تعالى - :
وَءَاتُوْ اَلْيَنْتَ أَمْوَلَهُمْ
وَلَا تَقَبَدَّلُوْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِّ وَلَا تَأْكُواْأَمْوَهُمْإِلىَ أَمْوَلِّكُمْ إِنَُّ.
كَانَ حُوبًا كَبِيرَانَ، وَإِنْ خِقْتُمْ أَلََّ نُفْسِطُواْ فِى الْيَى فَأَنْكِحُواْ
مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَ تُلَثَ وَرَُّعٌ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلََّنَعْدِلُواْ
فَوَحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ ذَلِكَ أَدْنَ أَلََّ تَعُولُواأَن)
والأمر فى قوله ﴿وآتوا﴾ يتناول كل من له ولاية أو وصاية أوصلة باليتيم، كما يتناول الجماعة
الإِسلامية بصفة عامة، لكى تتكاتف وتتعاون على تمكين اليتيم من وصول حقه إليه بدون
بخس أو مماطلة.
و﴿اليتامى﴾ جمع يتيم وهو الصغير الذى مات أبوه، مأخوذ من اليتم بمعنى الانفراد. ومنه
الدرة اليتيمة.
قال صاحب الكشاف وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن
الآباء، إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، فإذا استغنوا بأنفسهم عن
كافل وقائم عليهم، وانتصبوا كفاة يكفلون غيرهم ويقومون عليهم، زال عنهم هذا الاسم.
وكانت قريش تقول لرسول الله وَله: يتيم أبى طالب؛ إما على القياس، وإما حكاية للحال التى
كان عليها صغيرا فى حجر عمه. وأما قوله وَ لجر ((لا يتم بعد الحلم)) فهو تعليم شريعة لا لغة.
أى أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار))(١).
والمراد باليتامى هنا الصغار، والمراد بإيتائهم أموالهم حفظها لهم وعدم الطمع فى شىء منها
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤٦٣.

٢٦
المجلد الثالث
لا من قبل الورثة ولا من قبل الأوصياء ولا من قبل غيرهم وعلى هذا المعنى يكون لفظ الإِيتاء
قد أول بلازم معناه وهو الحفظ والرعاية لمال اليتامى، لا تسليم المال إليهم لأنه من المعروف.
شرعا ألا يسلم المال إليهم إلا بعد البلوغ، إذ هم فى حال الصغر لا يصلحون للتصرف.
ويكون هذا التعبير من باب الكناية بإطلاق اللازم - وهو الإِيتاء، وإرادة الملزوم وهو
الحفظ، أو من باب المجاز بالمآل إذ الحفظ يؤول إلى الإِيتاء.
ويرى بعضهم أن المراد باليتامى هنا الكبار الذين أونس منهم الرشد وأن المراد بالإِيتاء دفع
أموالهم إليهم على سبيل الحقيقة.
ويكون التعبير عنهم باليتامى - مع أنهم كبار - باعتبار أن اسم اليتيم يتناول لغة كل من فقد
أباه، أو باعتبار قرب عهدهم بالصغر، أو باعتبار ما كان أى الذين كانوا يتامى. قالوا : وفى
التعبير عنهم باليتامى مع أنهم كبار، إشارة إلى وجوب المسارعة فى تسليم أموالهم إليهم متى
أونس منهم الرشد، حتى لكأن اسم اليتيم ما زال باقيا عليهم، غير منفصل عنهم :
ويبدو لنا أن الرأى الأول أولى، لأن الأمر بدفع أموال اليتامى إليهم. بعد بلوغهم قد جاء
صريحا فى قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم
رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾.
فكان حمل الآية التى معنا على أن المراد باليتامى : الصغار، وبإيتاء أموالهم حفظها لهم، أولى
وأقرب إلى المنطق، لأنه على الرأى الأول يكون الأمر وما يذكر به تأسيسات أحكام، وعلى
الرأى الثانى يكون ما فى الآية الثانية مؤكدا لما فى الآية التى معنا. والتأسيس أولى من التأكيد.
ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك فى الآية التى معنا ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا
أموالهم إلى أموالكم﴾ - إنما هو تحذير للأوصياء والأولياء من الطمع فى مال اليتيم أو إضاعته
ما دام المال فى أيديهم واليتيم فى حجرهم، وهذا يؤيد هذا الرأى الأول القائل بأن المراد
باليتامى : الصغار، وبإيتاء أموالهم : حفظها ورعايتها حتى تسلم إليهم عند بلوغهم كاملة غير
منقوصة .
وقوله ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ معناه: لا تجعلوا ردىء المال لهم بدل الجيد، بأن
تأخذوا لأنفسكم كرائم الأموال ونفائسها، وتتركوا لهم الخسيس منها.
قال القرطبى : وكانوا فى الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى فكانوا
يأخذون الطيب من أموال اليتامى ويبدلونه بالردىء من أموالهم ويقولون اسم باسم، ورأس
برأس، فنهاهم الله عن ذلك. وهذا قول سعيد بن المسيب والزهرى والسدى والضحاك وهو

٢٧
سورة النساء
ظاهر الآية، إذ التبديل جعل شىء بدل شىء))(١).
ويرى صاحب الكشاف أن المراد بالخبيث: الحرام، وبالطيب: الحلال فقد قالوا :
﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ أى: ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم
وما ابيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث فى الأرض فتأكلوه مكانه، أو لا تستبدلوا الأمر
الخبيث وهو اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها))(٢).
وقوله - تعالى - ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ نهى آخر عن الاعتداء على أموال
اليتامى عن طريق خلط أموال اليتامى بأموال الأوصياء، والمراد من الأكل : مطلق الانتفاع
والتصرف وخص الأكل بالذكر، لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.
والمعنى : ولا تضموا أيها الأوصياء أموال اليتامى إلى أموالكم فى الإِنفاق فتأكلوها مع
أموالكم، وتسووا بينهما فى الانتفاع، لأن أموالكم احل الله لكم أكلها، أما أموال اليتامى فقد
حرم الله عليكم أكلها.
فالآية الكريمة صريحة فى النهى عن خلط مال اليتيم القاصر بمال الوصى عليه بقصد أكله،
لأن هذا لون من ألوان الاستيلاء المحرم على أموال اليتامى، كما أنها تتضمن النهى عن خلط
مال اليتيم بمال الوصى عليه ولو لم يقصد أكله، لأن هذا الخلط قد يؤدى إلى ضياعه وعدم تميزه
فقد يموت الوصى فلا يعرف مال اليتيم من ماله، فيؤدى الأمر إلى أكله وإن لم يكن مقصودا،
ولذا قال الفقهاء: إذا مات الوصى على اليتيم مجهلا مال اليتيم اعتبر مستهلكا له.
والخلاصة أن الآية الكريمة تحرم على الأولياء والأوصياء وغيرهم أن يتصرفوا فى أموال اليتامى
أى تصرف يؤدى إلى الإِضرار بها، بل عليهم أن يحفظوها لهم حتى يدفعوها إليهم سالمة عند
البلوغ .
هذا، وليس قيد ((إلى أموالكم)) محط النهى، بل النهى واقع على أكل أموال اليتامى مطلقا،
سواء أكان للآكل مال يضم إليه مال اليتيم أم لم يكن. ولكن لما كان الغالب وجود أموال
للأوصياء، وأنهم يريدون من أكل أموال اليتامى التكثر أو توفير أموالهم، جىء بهذا القيد رعاية
لهذا الغالب، ولیکون ذمهم على جشعهم وضعف دینهم أشد وأشنع حیث أكلوا حقوق الیتامی
مع أنهم فى غنى عنها بما رزقهم الله من أموال.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : قد حرم عليهم أكل مال اليتامى
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص٨.
(٢) تفسير الكشاف جـ١ ص ١٦٥.

٢٨
المجلد الثالث
وحده ومع أموالهم فلم ورد النهى عن أكله معها؟ قلت: لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال
اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال - وهم مع ذلك يطمعون فيها - كان القبح أبلغ والذم
أحق، ولأنهم كانوا يفعلون ذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم))(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿إنه كان حوبا كبيرًا﴾.
والحوب : اسم مصدر من حاب يحوب حوبا: إذا اكتسب إثما. يقال : فلان يتحوب أى
يتأثم. والحوباء : النفس المرتكبة للإِثم. ويقال فى الدعاء : اللهم اغفر حوبتى، أى إثمى.
وأصله الزجر للإِبل، فسمى الإِثم حوبا لأنه يزجر عنه وبه.
والضمير فى قوله ﴿إنه﴾ يعود إلى أكل مال اليتيم بأى طريق محرم.
والمعنى : إن أكل مال اليتيم بأى طريقة من الطرق المحرمة كان إثما كبيرًا، وذنبا عظيما، لأن
هذا الأكل اعتداء على نفس ضعيفة فقدت من يعولها ومن يدافع عنها، ومن اعتدى على نفس
ضعيفة، وضيع حقها، وخان الأمانة كان مرتكبا لذنب عظيم يؤدى به إلى العقوبة والعذاب
الأليم .
والجملة بمنزلة التعليل للنهى عن أكل مال اليتيم، وعن الطمع بدون وجه حق فيها.
ثم شرع - سبحانه - فى نهيهم عن منكر آخر كانوا يباشرونه فقال - تعالى - :
﴿وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾.
وقوله ﴿وإن خفتم﴾ شرط، وجوابه قوله ﴿فانكحوا﴾.
والمراد من الخوف: العلم، وعبر عنه بذلك للأشعار بكون المعلوم مخوفا محذورا. ويقوم
الظن الغالب مقام العلم.
وقوله ﴿تقسطوا﴾ من الإِقساط وهو العدل. يقال: أقسط الرجل إذا عدل. قال -
تعالى -: ﴿واقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ ويقال: قسط الرجل إذا جار وظلم صاحبه.
قال - تعالى - ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾.
والمراد ((باليتامى)): يتامى النساء. قال الزمخشرى: ويقال للاناث اليتامى كما يقال للذكور
وهو جمع يتيمة.
ومعنى ﴿ما طاب لكم﴾ ما مالت إليه نفوسكم واستطابته من النساء اللائى أحل الله لكم
نکاحھن.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٦٥.

٢٩
سورة النساء
هذا، وللعلماء أقوال فى تفسير هذه الآية الكريمة منها : ما رواه البخارى ومسلم وأبو داود
والنسائى وغيرهم عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة - رضى الله عنها - عن هذه الآية
فقالت : يا ابن أختى هى اليتيمة تكون فى حجر وليها تشركه فى ماله ويعحبه مالها وجمالها.
فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط فى صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره.
قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله وَ يقول بعد هذه الآية، فأنزل الله -
تعالى -: ﴿ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم فى الكتاب فی یتامی
النساء اللاتى لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾.
قالت عائشة : وقول الله - تعالى - ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته حين
تكون قليلة المال والجمال. قالت: فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا فى مالها وجمالها من يتامى
النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال(١))).
وعلى هذه الرواية التى ساقها أئمة المحدثين عن عائشة فى المراد من الآية الكريمة يكون
المعنى : وإن علمتم أيها الأولياء على النساء اليتامى أنكم لن تعدلوا فيهن إذا تزوجتم بهن - بأن
تسيئوا إليهن فى العشرة، أو بأن تمتنعوا عن إعطائهن الصداق المناسب لهن - إذا علمتم ذلك
فانكحوا غيرهن من النساء الحلائل اللائى تميل إليهن نفوسكم ولا تظلموا هؤلاء اليتامى
بنكاحهن دون أن تعطوهن حقوقهن؛ فإن الله - تعالى - قد وسع عليكم فى نكاح عيرهن.
فالمقصود من الآية الكريمة على هذا المعنى: نهى الأولياء عن نكاح النساء اليتامى اللائى
يلونهن عند خوف عدم العدل فيهن، إلا أنه أوثر التعبير عن ذلك بالأمر بنكاح النساء
الأجنبيات، كراهة للنهى الصريح عن نكاح اليتيمات، وتلطفا فى صرف المخاطبين عن نكاح
اليتامى حال العلم بعدم العدل فيهن.
فكأنه - سبحانه - يقول : إن علمتم أيها الأولياء الجور والظلم فى نكاح اليتامى اللائى فى
ولا يتكم فلا تنكحوهن، وانكحوا غيرهن مما طاب لكم من النساء.
وعلى هذا القول الذى أورده المحدثون عن عائشة - رضى الله عنها - سار كثير من المفسرين
فى تفسير الآية الكريمة. وبعضهم اقتصر عليه ولم يذكر سواه.
قال بعض العلماء: وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية. وهى وإن لم تسند ما قالته إلى
رسول الله، إلا أن سياق كلامها يؤذن بأنه عن توقيف؛ ولذلك أخرجه البخارى فى باب تفسير
سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة، اعتدادا بأنها ما قالت ذلك إلا عن معاينة حال النزول.
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٥٠.

٣٠
المجلد الثالث
لا سيما وقد قالت: ثم إن الناس استفتوا رسول الله - صل -؛ وعليه فيكون إيجاز لفظ الآية
اعتدادا بما فهمه الناس مما يعلمون من أحوالهم، وتكون قد جمعت إلى جانب حفظ حقوق
اليتامى فى أموالهم الموروثة، حفظ حقوقهم فى الأموال التى يستحقها النساء اليتامى کمهور لهن
عند الزواج بهن .. ))(١).
أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن الآية مسوقة للنهى عن نكاح ما فوق الأربع خوفا على
أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم.
وقد حكى هذا القول الإِمام ابن جرير فقال : وقال آخرون بل معنى ذلك : النهى عن
نكاح ما فوق الأربع، حذرا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم وذلك أن قريشا كان الرجل
منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدما مال على مال اليتيمة التى فى
حجره فأنفقه، أو تزوج به، فنهوا عن ذلك. وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن
تنفقوها فلا تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مؤن نسائكم، - إن خفتم
ذلك. فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربع. وإن خفتم أيضًا من الأربع
ألا تعدلوا فى أموالهم - أى أموال اليتامى -، فاقتصروا على الواحدة أو على ما ملكت
أيمانكم(٢) - أى إن كان زواجكم بالأربع يؤدى إلى الجور فى أموال اليتامى فاقتصروا على
الزواج بامرأة واحدة -)).
وقد انتصر ابن جرير لهذا القول وعده أرجح الأقوال، فقال ما ملخصه وإنما قلنا : إن ذلك
أولى بتأويل الآية؛ لأن الله - تعالى - افتتح الآية التى قبلها بالنهى عن أكل أموال اليتامى بغير
حقها. ثم أعلمهم - هنا - المخلص من الجور فى أموال اليتامى فقال : انكحوا إن أمنتم الجور
فى النساء على أنفسكم ما أبحت لكم منهن وحللته : مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم أيضًا الجور
على أنفسكم فى أمر الواحدة فلا تنكحوها، ولكن تسروا من المماليك، فإنكم أحرى ألا تجوروا
عليهن، لأنهن أملاككم وأموال، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذى يلزمكم للحرائر، فيكون
ذلك اقرب لكم إلى السلامة من الإِثم والجور))(٣).
وينسب هذا الرأى إلى ابن عباس وسعيد بن جبير، والسدى، وقتادة، وعكرمة.
وقال مجاهد: إن الآية الكريمة مسوقة للنهى عن الزنا. وقد حكى هذا الرأى صاحب
الكشاف فقال: كانوا لا يتحرجون من الزنا. ويتحرجون من ولاية اليتامى. فقيل لهم : إن
(١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٤ ص٢٢ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
(٢) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٢٢٣، طبعة الحلبى سنة ١٣٧٢ سنة ١٩٥٤ م.
(٣) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٢٣٥ - بتصرف وتلخيص -.

٣١
سورة النساء
خفتم الجور فى حق اليتامى، فخافوا الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء، ولا تحوموا حول
المحرمات))(١).
هذه أشهر الأقوال فى معنى الآية الكريمة، ويبدو لنا أن أرجحها أولها، لأنه هو الظاهر من
معنى الآية، ولأن الغالب أن السيدة عائشة - رضى الله عنها - ما فسرت الآية بهذا التفسير
الذى قالته لابن أختها عروة إلا عن توقيف ومعاينة لحال النزول، ولأن الملازمة بين الشرط
والجزاء فى الآية على هذا الوجه تكون ظاهرة. إذ التقدير وإن خفتم أيها الأولياء الجور والظلم
فى نكاح اليتامى اللاتى فى ولايتكم فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء.
أما على القول الثانى فمحل الملازمة بين الشرط والجزاء إنما هو فيما تفرع عن الجزاء وهو قوله
﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم).
وعلى قول مجاهد تضعف الملازمة بين الشرط والجزاء.
هذا، والأمر فى قوله ﴿فانكحوا﴾ - على التفسير الأول - للإِباحة كما فى قوله - تعالى -
﴿وكلوا واشربوا ... ﴾ خلافا للظاهرية الذين يرون أنه للوجوب. و﴿ما﴾ فى قوله - تعالى -
﴿ما طاب لكم﴾ موصولة أو موصوفة. وما بعدها صلتها أو صفتها. وأوثرت على ﴿من﴾ لأنها
أريد بها الصفة وهو الطيب من النساء بدون تحديد لذات معينة، ولو قال ﴿فانكحوا من طاب
لكم﴾ لتبادر إلى الذهن أن المراد نسوة طيبات معروفات بينهم.
وقوله - تعالى - ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ حال من فاعل ﴿طاب﴾ المستتر أو من مرجعه -
وهو ﴿ما﴾ -، أو بدل منه.
وهذه الكلمات الثلاث من ألفاظ العدد. وتدل كل واحدة منها على المكرر من نوعها. فمثنى
تدل على اثنين اثنين. وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة. ورباع تدل على أربعة أربعة.
والمراد منها هنا : الإِذن لكل من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه
ومختلفين.
والمعنى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء معدودات هذا العدد : ثنتين ثنتين. وثلاثا ثلاثا.
وأربعا أربعا. حسبما تريدون وتستطيعون.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: الذى أطلق للناكح فى الجمع أن يجمع بين ثنتين أو
ثلاث أو أربع. فما معنى التكرير فى مثنى وثلاث ورباع.
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤٦١.

٣٢
المجلد الثالث
قلت : الخطاب للجميع. فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد
الذى أطلق له. كما تقول للجماعة : اقتسموا هذا المال - وهو ألف درهم -: درهمین درهمین،
وثلاثة ثلاثة. وأربعة أربعة. ولو أفردت لم يكن له معنى.
فإن قلت: فلم جاء العطف بالواو دون أو؟
قلت: كما جاء بالواو فى المثال الذى حذوته لك. ولو ذهبت تقول: اقتسموا هذا المال
درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة؛ علمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد
أنواع هذه القسمة. وليس لهم أن يجمعوا بينها. فيجعلوا بعض القسم على تثنية، وبعضا على
تثليث، وبعضا على تربيع، وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذی دلت علیه الواو.
وتحريره : أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحهن من النساء على
طريق الجمع: إن شاؤا مختلفين فى تلك الأعداد، وإن شاؤا متفقين فيها، محظورًا عليهم
ما وراء ذلك))(١).
ثم بين - سببحاه - لعباده ما ينبغى عليهم فعله فى حال توقعهم عدم العدل بين الزوجات .
فقال - تعالى - ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم).
فالمراد بالعدل هنا: العدل بين الزوجات المتعددات.
أى: فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين الأكثر من الزوجة الواحدة فى القسم والنفقة وحقوق
الزوجية بحسب طاقتكم، كما علمتم فى حق اليتامى أنكم لا تعدلون - إذا علمتم ذلك فالزموا
زوجة واحدة، أو أى عدد شئتم من السرارى بالغة مابلغت.
فكأنه - سبحانه - لما وسع عليهم بأن أباح لهم الزواج بالمثنى والثلاث والرباع من النساء،
أتبأهم بأنه قد يلزم من هذه التوسعة خوف الميل وعدم العدل. فمن الواجب عليهم حينئذ أن
يحترزوا بالتقليل من عدد النساء فيقتصروا على الزوجة الواحدة.
ومفهومه : إباحة الزيادة على الواحدة إذا أمن الجور بين الزوجات المتعددات.
وقوله ﴿واحدة﴾ منصوب بفعل مضمر والتقدير: فالزموا واحدة أو فاختاروا واحدة فإن
الأمر كله يدور مع العدل، فأينما وجدتم العدل فعليكم به.
وقرىء بالرفع أى فحسبكم واحدة. ﴿أو﴾ للتسوية أى سوى - سبحانه - فى السهولة
واليسر بين نكاح الحرة الواحدة وبين السرارى من غير تقييد بعدد، لقلة تبعتهن، ولخفة
مؤنتهن، وعدم وجوب القسم فيهن.
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص٤٦٨.

٣٣
سورة النساء
وقوله ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ جملة مستأنفة بمنزلة التعليل مما قبلها.
واسم الإشارة ((ذلك)) يعود إلى اختيار الواحدة أو التسرى.
وقوله ﴿أدنى﴾ هنا بمعنى أقرب. وهو قرب مجازى. أى أحق وأعون على أن لا تعولوا.
وقوله ﴿تعولوا﴾ مأخوذ من العول وهو فى الأصل الميل المحسوس.
يقال. عال الميزان عولا إذا مال. ثم نقل إلى الميل المعنوى وهو الجور والظلم؛ ومنه عال
الحاكم إذا جار، والمراد هنا الميل المحظور المقابل للعدل.
والمعنى: أن ما ذكر من اختيار الزوجة الواحدة والتسرى، أقرب بالنسبة إلى ما عداهما إلى
العدل وإلى عدم الميل المحظور، لأن من اختار زوجة واحدة فقد انتفى عنه الميل والجور رأسا
لانتفاء محله ومن تسرى فقد انتفى عنه خطر الجور والميل. أما من اختار عددا من الحرائر فالميل
المحظور متوقع منه لتحقق المحل والخطر.
ولأن التعدد فى الزوجات يعرض المكلف غالبا للجور وإن بذل جهده فى العدل.
وهذا المعنى على تفسير (تعولوا) بمعنى تجوروا وتميلوا عن الحق. وهو اختيار أكثر المفسرين.
وقيل : إن معنى ﴿ألا تعولوا﴾ ألا تكثر عيالكم. يقال: عال يعول، إذا كثرت عياله. وقد
حكى صاحب الكشاف هذا المعنى عن الإِمام الشافعى فقال :
((والذى يحكى عن الشافعى - رحمه الله - أن فسر ﴿أن لا تعولوا﴾ بأن لا تكثر عيالكم.
فوجهه أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم كقولهم : ما نهم يمونهم إذا أنفق
عليهم. لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفى ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود
الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب.
ثم قال: وكلام مثله من أعلام العلم، وأئمة الشرع، ورءوس المجتهدين، حقيق بالحمل
على الصحة والسداد ..
وقرأ طاووس: أن لا تعيلوا من أعال الرجل إذا كثر عياله. وهذه القراءة تعضد تفسير
الشافعى من حيث المعنى الذى قصده))(١).
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها : جواز تعدد الزوجات إلى أربع بحيث
: لا يجوز الزيادة عليهن مجتمعات، لأن هذا العدد قد ذكر فى مقام التوسعة على المخاطبين، ولو
كانت تجوز الزيادة على هذا العدد لذكرها الله - تعالى -.
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص٤٦٨.

٣٤
المجلد الثالث
وقد أجمع الفقهاء على أنه لا تجوز الزيادة على الأربع، ولا يقدح فى هذا الإِجماع ما ذهب إليه
بعض المبتدعة من جواز الجمع بين ما هو أكثر من الأربع الحرائر، لأن ما ذهب إليه هؤلاء
المبتدعة لا يعتد به. إذ الإِجماع قد وقع وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور هؤلاء المبتدعين
المخالفين .
وقد رد العلماء على هؤلاء المخالفين بما يهدم أقوالهم، ومن العلماء الذين تولوا الرد عليهم
الإِمام القرطبى فقد قال - ما ملخصه - :
((أعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع. كما قاله من بعُد فهمه عن
الكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك
بأن النبى ◌ّ نكح تسعا، وجمع بينهن فى عصمته. والذى صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة
الرافضة وبعض أهل الظاهر، جعلوا مثنى مثل اثنين، وكذلك ثلاث ورباع.
وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإِجماع الأمة، إذ لا يسمع عن أحد من الصحابة
ولا التابعين أنه جمع فى عصمته أكثر من أربع.
وأخرج مالك فى الموطأ والنسائى والدارقطنى فى سننهما أن النبى وَّر قال لغيلان بن أمية
الثقفى وقد أسلم وتحته عشر نسوة ((اختر منهن أربعا وفارق سائرهن)).
وأما ما أبيح من ذلك للنبى وَلّ فذلك من خصوصياته.
وأما قولهم إن الواو جامعة. فقد قيل ذلك، ولكن الله - تعالى - خاطب العرب بأفصح
اللغات. والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة. وكذلك تستقبح ممن
يقول، أعط فلانا أربعة، ستة، ثمانية، ولا يقول: ثمانية عشر.
٠۴
وإنما الواو فى هذا الموضع بدل، أى أنکجوا ثلاث بدلا من مثنى، ورباع بدلا من ثلاث،
ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو. ولو جاء بأو لجاز ألا يكون لصاحب المثنى ثلاث،
ولا لصاحب الثلاث رباع.
وقد قال مالك والشافعى فى الذى يتزوج خامسة وعنده أربع : عليه الحد إن كان عالما.
وقال الزهرى : يرجم إن كان عالما، وإن كان جاهلا فعليه أدنى الحدين الذى هو الجلد، ولها
مهرها، ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا))(١).
كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة أن الله تعالى وإن كان قد أباح
التعدد وحدد غايته بأربع بحيث لا يجوز الزيادة عليهن، إلا أنه - سبحانه - قد قيد هذه الإباحة
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ١٧ .

٣٥
سورة النساء
بالعدل بينهم فيما يستطيع الإِنسان العدل فيه بحسب طاقته البشرية، بأن يعدل بينهن فى النفقة
والكسوة والمعاشرة الزوجية. فإن عجز عن ذلك لم يبح له التعدد.
وللإِمام الشيخ محمد عبده كلام حسن فى المعنى، فقد قال - رحمه الله - ((قد أباحت
الشريعة الإسلامية للرجل الاقتران بأربع من النسوة إن علم من نفسه القدرة على العدل
بينهن، وإلا فلا يجوز الاقتران بغير واحدة. قال - تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ فإن
الرجل إذا لم يستطع إعطاء كل منهن حقبها اختل نظام المنزل، وساءت معيشة العائلة إذ العماد.
القويم لتدبير المنزل هو بقاء الاتحاد والتآلف بين أفراد العائلة ..
وقد كان النبى وَالر، والخلفاء الراشدون، والعلماء الصالحون من كل قرن إلى هذا العهد
يجمعون بين النسوة مع المحافظة على حدود الله فى العدل بينهن. فكان وَالل وأصحابه
والصالحون من أمته لا يأتون حجرة إحدى الزوجات فى نوبة الأخرى إلا بإذنها.
وقد قال رَسير: ((من كان له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل)).
وكان * يعتذر عن ميله القلبى بقوله: ((اللهم هذا - أى العدل فى البيات والعطاء -
جهدى فيما أملك، ولا طاقة لى فيما تملك ولاأملك - يعنى الميل القلبى)). وكان يقرع بينهم إذا
أراد سفرا.
٠
ثم قال فى نهاية حديثه : فعلى العقلاء أن يتبصروا قبل طلب التعدد فى الزوجات فيما يجب
عليهم شرعا من العدل وحفظ الألفة بين الأولاد، وحفظ النساء من الغوائل التى تؤدى بهن إلى
الأعمال التى لا تليق بمسلمة(١).
هذا، وقد ذكر العلماء حكما كثيرة لمشروعية تعدد الزوجات، ومن هذه الحكم أن فى هذا
التعدد وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد عدد المواليد فيها. ولاشك أن كثيرا من الأمم
الإِسلامية التى اتسعت أرضها، وتعددت موارد الثروة فيها، فى حاجة إلى تكثير عدد أفرادها
حتى تنتفع بما حباها الله من خيرات، وتستطيع الدفاع عن نفسها إذا ما طمع فيها الطامعون،
واعتدى عليها المعتدون.
ومنها أن التعدد يعين على كفالة النساء وحفظهن وصيانتهن من الوقوع فى الفاحشة، لاسيما
فى أعقاب الحروب التى - عادة - تقضى على الكثيرين من الرجال، ويصبح عدد النساء أكبر
بكثير من عدد الرجال.
ومنها أن الشريعة الإسلامية قد حرمت الزنا تحريما قاطعا، وعاقبت مرتكبه بأقسى أنواع
(١) تفسير المنار جـ٤ ص٣٦٤ وما بعدها - بتصرف وتلخيص -.

٣٦
المجلد الثالث
العقوبات وأزجرها، بسبب ما يجر إليه من فساد فى الأخلاق والأنساب ونظام الأسر، فناسب
أن توسع على الناس فى تعدد النساء لمن كان من الرجال ميالا للتعدد، مستطيعا لتكاليفه
ومطالبه .
ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق، فإن المرأة قد لا تكون قادرة على القيام بالمطالب الزوجية
التى تحتمها حياتها مع زوجها بسبب مرضها أو عجزها أو عقمها أو غير ذلك من الأسباب،
فيلجأ زوجها إلى الزواج بأخرى غيرها مع بقاء الزوجة الأولى فى عصمته بدل أن يطلقها فتفقد
حياتها الزوجية، وقد تكون هى فى حاجة إلى هذا الزوج الذى يقوم برعايتها وحمايتها والقيام
بشأنها .
والخلاصة أن الله - تعالى - قد علم أن مصلحة الرجال والنساء قد تستدعى تعدد
الزوجات، -بل قد توجبه فى بعض الحالات- فأباح لهم هذا التعدد، وحدد غايته بأربع بحیث
لا يجوز الزيادة عليهن، وقيد - سبحانه - هذه الإباحة بالعدل بينهن فيما يستطيع الإنسان العدل
فيه بحسب طاقته البشرية، فإن علم الإِنسان من نفسه عدم القدرة على العدل بينهن لم يبح له
التعدد .
ولو أن المسلمين ساروا على حسب ما شرع الله لهم لسعدوا فى دنياهم وفى آخرتهم؛ لأن الله
- تعالى - ما شرع لهم إلا ما فيه منفعتهم وسعادتهم.
ثم أمر الله تعالى الرجال أن يعطوا النساء مهورهن كاملة عن رضا وسماحة نفس،
وألا يطمعوا فى شىء مما أعطاه الله لهن فقال - تعالى - :
وَءَاتُواْ
اَلْنِسَآءَ صَدُ قَنِنَّ مِلَةٌ فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍمِّنْهُ نَفْسَا فَكُلُوهُ
هَنِيَعَامَي يَفَّار
٤
%
وقوله ﴿صدقاتهن﴾ جمع صدقة - بضم الدال - وهى ما يعطى للزوجة من المهر.
وقوله ﴿نحلة﴾ أى عطية واجبة وفريضة لازمة. إذ النحلة فى الأصل: العطية على سبيل
التبرع. يقال: نحله كذا نحلة ونحلا، إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا مقابلة عوض.
والمعنى : وأعطوا النساء مهورهن عطية عن طيب نفس منكم، لأن هذه المهور قد فرضها
الله لهن، فلا يجوز أن يطمع فيها طامع، أويغتالها مغتال، والخطاب للأزواج. قالوا : لأن
٠٠٠٠
....

٣٧
سورة النساء
الرجل كان يتزوج المرأة بلا مهر ويقول لها: أرثك وترثيننى؟ فتقول : نعم. فأمروا أن يسرعوا
إلى إعطاء المهور(١).
وقيل : الخطاب لأولياء النساء، وذلك لأن العرب فى الجاهلية كانت لا تعطى النساء من
مهورهن شيئا، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئا لك النافجة. أى هنيئا لك هذه
البنت التى تأخذ مهرها إبلا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أى تزيده وتكثره.
وقد رجح ابن جرير كون الخطاب للأزواج فقال: ((وذلك لأن الله - تعالى - ابتدأ ذكر هذه
الآية بخطاب الناكحين للنساء، ونهاهم عن ظلمهن. ولا دلالة فى الآية على أن الخطاب قد
صرف عنهم إلى غيرهم. فإذا كان ذلك كذلك؛ فمعلوم أن الذين قيل لهم: ﴿فانكحوا
ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ هم الذين قيل لهم: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن)
وأن معناه : وآتوا من نكحتم من النساء صدقاتهن نحلة، لأنه قال فى الأول : ﴿فانكحوا ما
طاب لكم من النساء﴾ .. ولم يقل ((فأنكحوا)) حتى يكون قوله: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾
مصروفا إلى أنه معنى به أولياء النساء دون أزواجهن. وهذا أمر من الله لأزواج النساء المسمى
لهن الصداق أن يؤتوهن صدقاتهن)) (٢) والذى نراه أن الخطاب فى الآية الكريمة يتناول كل من له
علاقة بالنساء من الأزواج أو الأولياء وغيرهم من الحكام الذين اليهم المرجع فى رد الحقوق إلى
ذويها، والضرب على أيدى المعتدين والطامعين فى حقوق النساء، وذلك لأن الخطاب من أول
السورة موجه إلى الأولياء والأزواج فناسب أن يكون الخطاب هنا شاملا لكليهما فإن أعطوهن
عن رضا كان حسنا وإلا أجبرهم الحكام على ذلك.
وقوله ﴿نحلة﴾ منصوب على الحالية من قوله ﴿صدقاتهن﴾ أى: منحولة معطاة عن طيب
نفس. أو منصوب على الحالية من المخاطبين. أى آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبى النفوس
بالإِعطاء.
وفى التعبير عن إيتاء المهور بالنحلة مع كونها واجبة الأداء. لإفادة معنى الإِيتاء عن كمال
الرضا وطيب الخاطر دون أن يكون لهذه النحلة مقابل.
وقوله- تعالى - ﴿فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ بيان للحكم فيما إذا
تنازل النساء عن شىء مما أعطوا عن طيب خاطر منهن أى عليكم أيها الرجال أن تدفعوا للنساء
مهورهن مناولة أو التزاما، فإن حدث وتنازل لكم النساء عن شىء من هذه المهور بسماحة
(١) تفسير الألوسى جـ٤ ص١٩٨.
(٢) تفسير ابن جرير جـ٤ ص٢٤٢ بتصرف يسير.

٣٨
المجلد الثالث
ورضا نفس، فكلوه أكلا سائغا، حميد المغبة، حلال الطعمة، خاليا من شائبة الحرام
والشبهات :
والضمير المجرور فى قوله ﴿منه﴾ يعود إلى الصدقات أى المهور.
وجىء به مفردًا مذكرا، لجريانه مجرى اسم الاشارة كأنه قيل : فإن طابت أنفسهن لكم عن
شىء من ذلك المذكور وهو الصدقات فكلوه.
قال صاحب الكشاف : وفى الآية دليل على ضيق المسلك فى ذلك ووجوب الاحتياط حيث
بنى الشرط على طيب النفس فقيل : فإن طبن ولم يقل فإن وهبن أو سمحن، إعلاما بأن المراعى
هو تجافى نفسها عن الموهوب عن طيب خاطر.
والمعنى : فإن وهبن لكم شيئا من الصداق، وتجافت عنه نفوسهن طيبات لا لحياء عرض لهن
منكم أو من غيركم، ولا لاضطرارهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم، وسوء معاشرتكم
فكلوه هنيئا مريئا))(١).
وقوله ﴿نفسا﴾ منصوب على التمييز من الضمير وهو نون النسوة فى قوله ﴿طبن﴾ .. وهو
محول عن الفاعل والأصل فان طابت أنفسهن عن شىء منه فكلوه.
وجىء به مفردًا لأن الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه كقولك : عندى عشرون درهما.
والمراد بالأكل فى قوله ﴿فكلوه﴾ مطلق التصرف والانتفاع.
وإنما خص الأكل بالذكر، لأنه معظم وجوه التصرفات المالية.
وقوله ﴿هنيئا مريئا﴾ حالان من الضمير المنصوب فى قوله ﴿فكلوه﴾ أو منصوبان على أنهما
نعت لمصدر محذوف. أى فكلوه أكلا هنيئا مريئا. وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ. يقال :
هنؤ الطعام وهنىء هناءة. إذا كان سائغا لا تنغيص فيه. وقيل الهنىء ما أناك بلامشقة ولاتبعة.
ويقال مرأ الطعام - بتثليث الراء - مراءة فهو مرىء، إذا كان حميد المغبة والمراد المبالغة فى
تحليل ما يأتيهم من نسائهم عن طيب خاطر منهن، فقد كانوا يتأنمون من أخذ شىء من مهور
نسائهم، فقال الله - تعالى - لهم: إن طابت نفوسهن بالتنازل عن شىء من مهورهن لكم
فكلوه هنيئا مريئا، لأنه حلال خالص من الشوائب.
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : أنه لابد فى النكاح من
صداق يعطى للمرأة سواء أسمى ذلك فى العقد أم لم يسم. قال القرطبى : وهو مجمع عليه ولا
خلاف عليه (٢).
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص٤٧١ بتصرف يسير.
(٢) تفسير القرطبى جـ٥ ص٢٤.

٣٩
سورة النساء
ومنها : أن هذا الصداق ملك لها، ومن حقها أن تتصرف فيه بما شاءت. ولم تفصل الآية
بين أن تقبضه أولا . ولذا قال بعض الفقهاء. لها أن تبيع مهرها قبل أن تقبضه لأنه ملك بلا
عوض وقال آخرون: ليس لها أن تبيعه حتى تقبضه لنهيه وضّر عن بيع مالم يقبض.
ومنها : أنه يجوز للمرأة أن تعطى زوجها - برضاها واختيارها - مهرها أو جزءًا منه سواء
أكان مقبوضا معينا أم كان فى الذمة. فشمل ذلك الهبة والإِبراء. وأنه ليس من حقها الرجوع
فيما أعطت لأنها قد طابت نفسها بذلك. وهذا رأى جمهور العلماء. ويرى بعض العلماء أن من
حقها الرجوع فيما أعطت.
قال الفخر الرازى : قال بعض العلماء : إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه
نفسا. وعن الشعبى : أن أمرأة جاءت مع زوجها إلى شريح القاضى فى عطية أعطتها إياه.
وهى تطلب الرجوع. فقال شريح: رد عليها عطيتها. فقال الرجل: أليس قد قال الله
- تعالى -: ﴿فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه﴾؟ فقال شريح: لو طابت نفسها لما
رجعت فيه .
وعن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أنه كتب إلى قضاته. أن النساء يعطين رغبة
ورهبة. فأيما امرأة اعطت ثم ارادت أن ترجع فذلك لها)(١).
ثم نهى - سبحانه - عن إيتاء الأموال للسفهاء، لدفع توهم إيجاب أن يؤتى كل مال لمالكه
ولو كان سفيها فقال تعالى :
وَلَا تُؤْتُواْالسُّفَهَاءَ أَمْوَ لَكُمُ الَّتِ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ
قِيَمَا وَأَزْزُقُوهُمْ فِيهَا وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُواْلَمْقَوْلًا مَّعْرُوَفَانٌ﴾
والسفهاء جمع سفيه. والسفه - كما يقول الراغب - : خفة فى البدن، ومنه قيل : زمام سفيه
أى كثير الاضطراب، وثوب سفيه ردىء النسج، واستعمل فى خفة النفس لنقصان العقل،
ويكون فى الأمور الدنيوية والأخروية، قال - تعالى - فى السفه الدنيوى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء
أموالكم﴾ وقال فى السفه الأخروى ﴿وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا﴾(٢).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٩ ص١٨٣.
(٢) المفردات فى غريب القرآن ص٣٥ للراغب الأصفهانى.

٤٠
المجلد الثالث
والمراد من السفهاء هنا: ضعاف العقول والأفكار الذين لا يحسنون التصرف.
والمراد من قوله ﴿قياما﴾ ما به القيام والتعيش. يقال فلان قيام أهله: أى يقيم شأنهم
ويصلهم. وهو المفعول الثانى لجعل. أما المفعول الأول لجعل فمحذوف ويرجع إلى ضمير
الأموال.
وقرأ نافع وابن عامر ﴿التى جعل الله لكم قيًا﴾ على أنه مصدر مثل الحول والعوض.
وقرأ ابن عمر ﴿قواما﴾ - بكسر القاف وبواو وألف -
قال الآلوسي : وفيه وجهان :
الأول : أنه مصدر قاومت قواما مثل لاوذت لواذا فصحت الواو فى المصدر كما صحت فى
الفعل .
والثانى: أنه اسم لما يقوم به الأمر وليس بمصدر))(١).
هذا، وقد اختلف المفسرون فى تعيين المخاطبين بقوله - تعالى - ﴿ولا تؤتوا السفهاء
أموالكم﴾ كما اختلفوا فى المراد من السفهاء على أقوال أشهرها :
أن المخاطبين بهذه الآية هم أولياء اليتامى، وأن المراد من السفهاء هم اليتامى الذين لم
يحسنوا التصرف فى أموالهم لصغرهم أو لضعف عقولهم، واضطراب أفكارهم. وأن المراد
بالأموال فى قوله ﴿أموالكم﴾ هى أموال هؤلاء اليتامى لا أموال الأولياء.
فيكون المقصود من الآية الكريمة نهى الأولياء عن إيتاء السفهاء من اليتامى أموالهم التى
جعلها الله مناط تعيشهم، خشية إساءة التصرف فيها لخفة أحلامهم.
وإنما أضيفت الأموال فى الآية الكريمة إلى ضمير المخاطبين وهم الأولياء، مع أن هذه الأموال
فى الحقيقة لليتامى :
للتنبيه إلى أن أموال اليتامى كأنها عين أموالهم، مبالغة فى حملهم على وجوب حفظها
وصيانتها من أى إتلاف أو إضرار بها.
قالى الفخر الرازى ما ملخصه : والدليل على أن الخطاب فى الآية الكريمة للأولياء قوله -
تعالى - بعد ذلك ﴿وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ وأيضا فعلى هذا القول يحسن تعليق هذه الآية
بما قبلها فكأنه - تعالى - يقول: إنى وإن كنت أمرتكم بإيتاء اليتامى أموالهم. فإنما قلت ذلك
إذا كانوا عاقلين بالغين متمكنين من حفظ أموالهم، فأما إذا كانوا غير بالغين أو غير عقلاء، أو.
إن كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مسرفين، فلا تدفعوا إليهم أموالهم وأمسكوها
. (١) تفسير الآلوسى جـ٤ ص١٠٢.