Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ سورة آل عمران والمعنى : ما صح ولا استقام لنبى من الأنبياء أن يخون فى المغنم، لأن الخيانة تتنافى مع مقام النبوة الذى هو أشرف المقامات ﴿ومن يغلل﴾ أى ومن يرتكب شيئًا من ذلك، ﴿يأت بما غل يوم القيامة﴾ أى يأت بما غله يوم القيامة حاملا إياه ليكون فضيحة له يوم الحشر، ليؤخذ بإثم غلوله وخيانته . وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه أبو داود والترمذى عن ابن عباس قال: ((نزلت هذه الآية)) ﴿وماكان لنبى أن يغل﴾ فى قطيفة حمراء فقدت يوم بدر. فقال بعض الناس: لعل رسول الله - بَير - أخذها، وأكثروا فى ذلك فأنزل الله الآية)). وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أيضًا أن المنافقين اتهموا رسول الله وَّر بشىء فُقِد، فأنزل الله - تعالى - ﴿وما كان لنبى أن يغل﴾. قال ابن كثير - بعد أن ساق هاتين الروايتين - وهذا تنزيه له بكثير من جميع وجوه الخيانة فى أداء الأمانة وقسمة الغنيمة وغير ذلك(١). وفى ورود هذه الآية الكريمة فى سياق الحديث عن غزوة أحد، حكمة عظيمة، وتأديب من الله للمؤمنين، وتحذير لهم من الغلول، ذلك أن الرماة الذين تركوا أماكنهم مخالفين أمر رسول الله وَير قد دفعهم لذلك خشيتهم من أن ينفرد المقاتلون بالغنائم، ففعلوا ما فعلوا، ولقد روى أن الرسول وَ ل﴿ قال للرماة: ((أظننتم أنا نغل ولانقسم لكم))(٢). وقد نهى ◌َّ فى كثير من الأحاديث عن الغلول ومن ذلك ما أخرجه الإِمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال: ((قام فينا رسول اللّه ◌َ ليل ذات يوم، فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثنى، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يارسول الله أغثنى فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثنى فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك. لا ألفين أحكم يجىء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول : يارسول الله أغثنى فأقول: لا أملك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق - أى ثياب - فيقول يارسول الله أغثنى فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته صامت - أى ذهب وفضة - فيقول: يا رسول الله أغثنى فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك)). (١) تفسير ابن كثير ص ٤٢١. (٢) تفسير الآلوسي جـ ٤ ص ١٠٩. ٣٢٢ المجلد الثانى هذا، وجمهور العلماء على أن الغال يأتى بما غله يوم القيامة بعينه على سبيل الحقيقة لأن ظواهر النصوص من الكتاب والسنة نؤيد ذلك. ولأنه لا موجب لصرف الألفاظ عن ظواهرها. ومن العلماء من جعل الإِتيان بالغلول يوم القيامة مجاز عن الإتيان بإثمه تعبيرًا بما غل عما لزمه من الإِثم مجازا. قال الفخر الرازى: ((واعلم أن هذا التأويل - المجازى - يحتمل، إلا أن الأصل المعتبر فى علم القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة إلا إذا قام دليل يمنع منه. وهنا لا مانع من هذا الظاهر فوجب إثباته))(١). ومن المفسرين الذين حملوا الإِتيان على ظاهره الإِمام القرطبى فقد قال عند تفسيره لقوله -تعالى- ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ أى يأتى به حاملا له على ظهره ورقبته معذبًا بحماه وثقله ومرعوبًا بصوته، وموبخًا بإظهار خيانته على رءوس الاشهاد. وقال بعد إيراده للحديث السابق الذى رواه مسلم عن أبى هريرة : قيل الخبر محمول على شهرة الأمر. أى يأتى يوم القيامة قد شهر الله أمره كما يشهر لو حمل بعيرًا له رغاء أو فرسًا له حمحمة. قلت: وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه، وإذا دار الكلام بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل - كما فى كتب الأصول - وقد أخبر النبي ◌َّهر بالحقيقة ولا عطر بعد عروس»(٢). ثم نبه - سبحانه - على العقوبة التى ستحل بالخائن، بعد أن بين ما سيناله من فضيحة وخزى فقال : ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ أى: ثم تعطى كل نفس يوم القيامة جزاء ما كسبت من خير أو شر وافيا تامًا، وهم لا يظلمون شيئًا، لأن الحاكم بينهم هو ربك الذى لا يظلم أحدًا. وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها وقوله ﴿ومن يغلل﴾ وجاء العطف بثم المفيدة للتراخى، للإشعار بالتفاوت الشديد بين حمله ما غل وبين جزائه وسوء عاقبته يوم القيامة. وقال - سبحانه - ﴿ثم توفى كل نفس﴾ .. بصيغة العموم، ولم يقل ثم يوفى الغال مثلا - لأن من فوائد ذكر هذا الجزاء بصيغة العموم، الاعلام والإخبار للغال وغيره من جميع الكاسبين (١) تفسير الفخر الرازى جـ٩ ص٧٣. (٢) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٢٥٧. ٣٢٣ سورة آل عمران بأن كل إنسان سيجازى على عمله سواء أكان خيرا أو شرًا. فيندرج الغال تحت هذا العموم أيضًا فكأنه قد ذكر مرتين. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : هلا قيل ثم يوفى ما كسب ليتصل به؟ قلت : جىء بعام دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى، وهو أبلغ وأثبت، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيرًا أو شرًّا مجزى فموفى جزاءه، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب(١). ثم أكد - سبحانه - نفى الظلم عن ذاته فقال: ﴿أفمن أتبع رضوان الله﴾ بأن واظب على مايرضيه، والتزم طاعته، وترك كل ما نهى عنه من غلول وغيره ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ أى كمن رجع بغضب عظيم عليه من الله بسبب غلوله وخيانته وارتكابه لما نهى الله عنه من أقوال وأفعال ؟ فالآية الكريمة تفريع على قوله - تعالى - قبل ذلك ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ وتأكيد لبيان أنه لا يستوى المحسن والمسىء والأمين والخائن. والاستفهام إنكارى بمعنى النفى، أى لا يستوى من اتبع رضوان الله مع من باء بسخط منه. وقد ساق - سبحانه - هذا الكلام الحكيم بصيغة الاستفهام الإنكارى، للتنبيه على أن عدم المساواة بين المحسن والمسىء أمر بدهى واضح لا تختلف فيه العقول والأفهام، وأن أى إنسان عاقل لو سئل عن ذلك لأجاب بأنه لا يستوى من اتبع رضوان الله مع من رجع بسخط عظيم منه بسبب كفره أو فسقه وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا. لا يستوون وقوله ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض﴾(٣)؟ والفاء فى قوله ﴿أفمن اتبع﴾ للعطف على محذوف والتقدير، أمن اتقى فاتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله؟ ثم أعقب - سبحانه - ذكر سخطه بذكر عقوبته فقال: ﴿ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ أى أن هذا الذى رجع بغضب عظيم عليه من الله - تعالى - بسبب كفره أو فسوقه أو خيانته، سيكون مثواه ومصيره إلى النار وبئس ذلك المصير الذى صار إليه وكان له مرجعا ونهاية . (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٣٥. (٢) سورة السجدة الآية ١٨. (٣) سورة ص الآية ٢٨. ٣٢٤ المجلد الثانى ؤهم ثم بين - سبحانه - النتيجة التى ترتبت على عدم تساوى المحسن والمسىء فقال درجات عند الله، والله بصير بما يعملون﴾. والضمير ﴿هم﴾ يعود على ﴿من﴾ فى قوله ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾ وقوله ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ أى على الفريقين. وبعضهم جعل مرجعه إلى الفريق الأول فقط. والدرجات : جمع درجة وهى الرتبة والمنزلة، ومنه الدرج بمعنى السلم لأنه يصعد عليه درجة بعد درجة . وأكثر ما تستعمل الدرجة فى القرآن فى المنزلة الرفيعة، كما فى قوله - تعالى - ﴿ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات﴾(١). بخلاف الدركة فإنها تستعمل فى عكس ذلك، كما فى قوله - تعالى - ﴿إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار﴾(٢). ولذا قال الراغب: ((الدرك كالدرج لكن الدرج يقال اعتبارا بالصعود، والدرك اعتبارا بالحدور، ولهذا قيل: درجات الجنة ودركات النار ولتصور الحدور فى النار سميت هاوية .. ))(٣). والمعنى : هم أى الأخيار الذين اتبعوا رضوان الله، والأشرار الذين رجعوا بسخط منه متفاوتون فى الثواب والعقاب على حسب أعمالهم كما تتفاوت الدرجات وإطلاق الدرجات على الفريقين من باب التغليب للأخيار على الأشرار والمراد إن الذين اتبعوا رضوان الله يتفاوتون فى الثواب الذى يمنحهم الله إياه على حسب قوة إيمانهم، وحسن أعمالهم. كما أن الذين باءوا بسخط منه يتفاوتون فى العقاب الذى ينزل بهم على حسب ما اقترفوه من شرور وآثام، فمن أوغل فى الشرور والآثام كان عقابه أشد من عقاب من لم يفعل فعله وهكذا. والذين قالوا إن الضمير ﴿هم﴾ يعود على الفريق الأول فقط احتجوا بأن التعبير بالدرجات يستعمل فى الغالب فى الثواب، وبأن الله قد أضاف هذه الدرجات لنفسه فدل ذلك على أن المقصود بقوله : هم الذين اتبعوا رضوان الله. وبأن هؤلاء الذين اتبعوا رضوان الله قد فضل الله بعضهم على بعض كما جاء فى بعض الآيات ومنها قوله : ﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على (١) سورة الزخرف الآية ٣٢ (٢) سورة النساء الآية ١٤٥ (٣) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ١٦٧ ٣٢٥ سورة آل عمران بعض، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا﴾(١). والذى نراه أن عودة الضمير ((هم)) على الفريقين أقرب إلى الحق، لأن تفاوت الدرجات موجود بين الأخيار كما أن تفاوت العقوبات موجود بين الأشرار، فالذين أدوا جميع ما كلفهم الله به من طاعات ليسوا كالذين اكتفوا بأداء الفرائض. والذين انحدروا فى المعاصى إلى النهاية ليسوا كالذين وقعوا فى بعضها. وقوله ﴿عند الله﴾ أى فى حكمه وعلمه وهو تشريف لهم والظرف متعلق بدرجات على المعنى، أو متعلق بمحذوف وقع صفة لها. أى درجات كائنة عند الله. وقوله ﴿والله بصير بما يعملون﴾ أى مطلع على أعمال العباد صغيرها وكبيرها ظاهرها وخفيها، لا يغيب عنه شىء، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه على حسب عمله، بمقتضى علمه الكامل، وعدله الذى لاظلم معه. وبعد أن نزه الله - تعالى - نبيه وَ ل ﴿ عن الغلول وعن كل نقص، وبين أن الناس متفاوتون فى الثواب والعقاب على حسب أعمالهم . . بعد أن بين ذلك أتبعه ببيان فضله - سبحانه - على عباده فى أن بعث فيهم رسولا منهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور فقال - تعالى -: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم﴾ . قال الرازى: قال الواحدى: ((للمن فى كلام العرب معان: أحدها : الذى يسقط من السماء، وهو قوله: ﴿وأنزلنا عليكم المن والسلوى﴾. وثانيها: أن تمن بما أعطيت كما فى قوله ﴿لاتبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. وثالثها: القطع كما فى قوله ﴿وإن لك لأجرا غير ممنون﴾ ورابعها الإِنعام والإِحسان إلى من لاتطلب الجزاء منه - وهو المراد هنا))(٢). والمعنى: لقد أنعم الله على المؤمنين، وأحسن إليهم ﴿إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم﴾ أى بعث فيهم رسولا عظيم القدر، هو من العرب أنفسهم، وهم يعرفون حسبه ونسبه وشرفه وأمانته ◌َالد . وعلى هذا المعنى يكون المراد بقوله ﴿من أنفسهم﴾ أى من نفس العرب، ويكون المراد بالمؤمنين مؤمنى العرب، وقد بعثه الله عربيا مثلهم، ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع بتوجيهاته. (١) سورة الإسراء الآية ٢١ (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٨٧ ٣٢٦ المجلد الثانى ويصح أن يكون معنى قوله ﴿من أنفسهم﴾ أنه بشر مثل سائر البشر إلا أن الله - تعالى- وهبه النبوة والرسالة، ليخرج الناس - العربى منهم وغير العربى - من ظلمات الشرك إلى نور الإِيمان، وجعل رسالته عامة فقال: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). وخص الله - تعالى - منته وفضله بالمؤمنين، لأنهم هم الذين انتفعوا بنعمة الإسلام، الذى لن يقبل الله دينا سواه والذى جاء به محمد - عليه الصلاة والسلام. والجملة الكريمة جواب قسم محذوف والتقدير: والله ﴿لقد من الله على المؤمنين﴾. ثم بين - سبحانه - مظاهر هذه المنة والفضل ببعثة الرسول وخلق﴿ فقال: ﴿يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ والتلاوة : هى القراءة المتتابعة المرتلة التى يكون بعضها تلو بعض. والتزكية : هى التطهير والتنقية. أى لقد أعطى الله - تعالى - المؤمنين من النعم ما أعطى، لأنه قد بعث فيهم رسولا من جنسهم يقرأ عليهم آيات الله التى أنزلها لهدايتهم وسعادتهم، ﴿ويزكيهم﴾ أى يطهرهم من الكفر والذنوب. أو يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين طاهرين مما كانوا عليه من دنس الجاهلية، والاعتقادات الفاسدة. ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ بأن يبين لهم المقاصد التى من أجلها نزل القرآن الكريم، ويشرح لهم أحكامه، ويفسر لهم ما خفى عليهم من ألفاظه ومعانيه التى قد تخفى على مداركهم. فتعليم الكتاب غير تلاوته : لأن تلاوته قراءته مرتلا مفهوما أما تعليمه فمعناه بيان أحكامه وما اشتمل عليه من تشريعات وآداب. ويعلمهم كذلك ﴿الحكمة﴾ أى الفقه فی الدین ومعرفة أسراره وحكمه ومقاصده التی یکمل بها العلم بالكتاب. وهذه الآية الكريمة قد اشتملت على عدة صفات من الصفات الجليلة التى منحها الله تعالى - لنبيه محمد خلف. ثم بين - سبحانه - حال الناس قبل بعثة الرسول # فقال ﴿وإن كانوا من قبل لفى ضلام مبين﴾. أى: إن حال الناس وخصوصا العرب أنهم كانوا قبل بعثة الرسول ولا ير إليهم فى ضلال بين واضح لا يخفى أمره على أحد من ذوى العقول السليمة والأذواق المستقيمة. ٣٢٧ سورة آل عمران وحقا لقد كان الناس قبل أن يبزغ نور الإسلام الذى جاء به وي لتر من عند ربه فى ضلال واضح، وظلام دامس، فهم من ناحية العبادة كانوا يشركون مع الله آلهة أخرى، ومن ناحية الأخلاق تفشت فيهم الرذائل حتى صارت شيئًا مألوفا، ومن ناحية المعاملات كانوا لا يلتزمون الحق والعدل فى كثير من شئونهم. والخلاصة أن الضلال والجهل وغير ذلك من الرذائل، كانت قد استشرت فى العالم بصورة لا تخفى على عاقل. فكان من رحمة الله بالناس ومنته عليهم أن أرسل فيهم نبيه محمدا ويظهر لكى يخرجهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان إلى نور الهداية والاستقامة والإِيمان. ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن غزوة أحد فحكت ما قاله ضعاف الإِيمان فى أعقابها، وردت عليهم بما يبطل مقالتهم، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم فقال-تعالى: أَوَلَمَّا أَصَبَتْكُمْ مُصِيِبَةٌ قَدْأَصَبْتُم مِّثْلَتِهَا قُلْتُمْ أَّ هَذَّاً قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ١٦٥ وَمَا أَصَبَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِاللَّهِ أَوِآدْفَعُواْ قَالُوا لَوْنَعْلَمُ قِتَالًا لََّ تَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنْ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِمْ مَا لَيْسَ فى قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُونَ (٦) الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ قُلْ فَادْرَءُ واعَنْ أَنْفُسِكُمُ اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَدِّقِينَ ١٦٨ فقوله تعالى: ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا﴾ الخ كلام مستأنف مسوق لإبطال بعض ما نشأ من الظنون الفاسدة، إثر إبطال بعض آخر تقدم الحديث عنه من ٣٢٨ المجلد الثانى فوائد غزوة أحد أنها كشفت عن قوى الإِيمان من ضعيفه، ميزت الخبيث من الطيب. وإذا كان انتصار المسلمين فى بدر جعل كثيرًا من المنافقين يدخلون فى الإِسلام طمعا فى الغنائم .. فإن عدم انتصارهم فى أحد قد أظهر المنافقين على حقيقتهم، ويسر للمؤمنين معرفتهم والحذر منهم. والهمزة فى قوله ﴿أو لما﴾ للاستفهام الإِنكارى التعجيبى. و((الواو)) للعطف على محذوف و((لما)) ظرف بمعنى حين مضافة إلى ما بعدها مستعملة فى الشرط. والمصيبة: أصلها فى اللغة الرمية التى تصيب الهدف ولا تخطئه، ثم أطلقت على ما يصيب الإِنسان فى نفسه أو أهله أو ما له أو غير ذلك من مضار. وقوله ﴿مثليها﴾ أى ضعفها، فإن مثل الشىء ما يساويه. ومثليه ضعفه . والمعنى: أفعلتم ما فعلتم من أخطاء، وحين أصابكم من المشركين يوم أحد نصف ما أصابهم منكم قبل ذلك فى بدر تعجبتم وقلتم ﴿أنى هذا﴾ أى من أين لنا هذا القتل والخذلان ونحن مسلمون نقاتل فى سبيل الله، وفينا رسوله # وأعداؤنا الذين قتلوا منا من قَتلوا مشركون يقاتلون فى سبيل الطاغوت. فالجملة الكريمة توبيخ لهم على ما قالوه لأنه ما كان ينبغى أن يصدر عنهم. إذ هم قد قتلوا من المشركين فى بدر سبعين من صناديدهم وأسروا منهم قريبا من هذا العدد وفى أحد كذلك كان لهم النصر فى أول المعركة على المشركين، وقتلوا منهم قريبا من عشرين إلا أنهم حين خالفوا وصية رسولهم وَير وتطلعوا إلى الغنائم منع الله عنهم نصره، فقتل المشركون منهم قريبا من سبعین . وقوله ﴿قد أصبتم مثليها﴾ فى محل رفع صفة ((لمصيبة)). وفائدة هذا القول التنبيه على أن أمور الدنيا لا تبقى على حال واحدة، وإن من شأن الحرب أن تكون سجالا، إلا أن العاقبة جعلها الله للمتقين. وقوله ﴿قلتم أنى هذا﴾ هو موضع التوبيخ والتعجيب من شأنهم، لأن قولهم هذا يدل على أنهم لم يحسنوا وضع الأمور فى نصابها حيث ظنوا أن النصر لابد أن يكون حليفهم حتى ولو خالفوا أمر قائدهم ورسولهم -* - ولذا فقد رد الله - تعالى - عليهم بما من شأنه أن يعيد إليهم صوابهم وبما يعرفهم السبب الحقيقى فى هزيمتهم فقال: ﴿قل هو من عند أنفسكم﴾. أى قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا ما قالوا: إن ما أصابكم فى أحد سببه أنتم لا غيركم. ٣٢٩ سورة آل عمران فأنتم الذين أبيتم إلا الخروج من المدينة مع أن النبى # أشار عليكم بالبقاء فيها. وأنتم الذين خالفتم وصيته بترككم أما كنكم التى حددها لكم وأمركم بالثبات فيها. وأنتم الذين تطلعت أنفسكم إلى الغنائم فاشتغلتم بها وتركتم النصيحة، وأنتم الذين تفرقتم عن رسول الله * فى ساعة الشدة والعسرة فلهذه المخالفات التى نبعت من أنفسكم أصابكم ما أصابكم فى أحد، وكان الأولى بكم أن تعرفوا ذلك وأن تعتبروا وأن تقلعوا عن هذا القول التى لا يليق بالعقلاء، إذ العاقل هو الذى يحاسب نفسه عندما يفاجئه المكروه ويعمل على تدارك أخطائه ويقبل على حاضره ومستقبله بثبات وصبر مستفيدا بماضيه ومتعظا بما حدث له فيه. وما أحوج الناس فی کل زمان ومكان إلى الأخذ بهذا الدرس فإن كثيرا منهم يقصرون فى حق الله وفى حق أنفسهم وفى حق غيرهم، ولا يباشرون الأسباب التى شرعها الله للوصول إلى النصر .. بل يبنون حياتهم على الغرور والإهمال، فإذا ما أصابتهم الهزيمة مسحوا عيوبهم فى القضاء والقدر، أو فى غيرهم من الناس، أو شدهوا لهول ما أصابهم - بسبب تقصيرهم - ثم قالوا : أنى هذا؟ وما دروا لجلهلهم وغرورهم - أن الله - تعالى - قد جعل لكل شىء سبيا. فمن باشر أسباب النجاح وصل إليها بإذن الله ومن أعرض عنها حرمه الله - تعالى - من عونه ورعايته . ولقد أكد - سبحانه قدرته على كل شىء فقال: ﴿إن الله على كل شىء قدير﴾ أى إن الله تعالى - قدرته فوق كل شىء فهو القدير على نصركم وعلى خذلانكم وبما أنكم قد خالفتم نبيكم وَنثر فقد حرمكم الله نصره، وقرر لكم الخذلان، حتى تعتبروا ولا تعودوا إلى ما حدث من بعضكم فى غزوة أحد، ولتذكروا دائما قوله - تعالى - ﴿وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾(١). ثم أكد - سبحانه - عموم قدرته وإرادته فقال : ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله، وليعلم المؤمنين﴾. أى: وما أصابكم - أيها المؤمنون - من قتل وجراح وآلام يوم التقى جمعكم وجمع أعدائكم فى أحد، ﴿فبإذن الله﴾ أى فبإرادته وعلمه، إذ ما من شيء يقع فى هذا الكون إلا بتقدير الله وعلمه، فعليكم أن تستسلموا الإِرادة الله، وأن تعودوا إلى أنفسكم فتهذبوها وتروضوها على تقوى الله وطاعته، حتى تكونوا أهلا لنصرته وعونه. و ((ما)) موصولة بمعنى الذى فى محل رفع بالابتداء، وجملة ﴿أصابكم﴾ صلة الموصول، وقوله (١) سورة الشورى الآية ٣٠ ٣٣٠ المجلد الثانى ﴿فبإذن الله﴾ هو الخبر. ودخلت الفاء فى الخبر لشبه المبتدأ بالشرط. وقوله ﴿وليعلم المؤمنين﴾ بيان لبعض الحكم التى من أجلها حدث ما حدث فى غزوة أحد. والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرر فى الخارج لما قدره - سبحانه - فى الأزل أى أراد الله أن يحدث ما حدث فى غزوة أحد ليظهر للناس ويميز لهم المؤمنين من غيرهم. وقوله : ﴿وليعلم الذين نافقوا﴾ حكمة ثانية لما حدث فى غزوة أحد. أى: حدث ما حدث فى غزوة أحد ليعلم - سبحانه - المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية وظهور يتميز معه عند الناس كل فريق عن الآخر تميزا ظاهرا. إذ أن نصر المسلمين فى بدر فتح الطريق أمام المنافقين للتظاهر باعتناق الإِسلام. وعدم انتصارهم فى أحد، كشف عن هؤلاء المنافقين وأظهرهم على حقيقتهم، فإن من شأن الشدائد أنها تكشف عن معادن النفوس، وحنايا القلوب. ثم بين - سبحانه - بعض النصائح التى قيلت لهؤلاء المنافقين حتى يقلعوا عن نفاقهم، وحكى مارد به المنافقون على الناصحين فقال: ﴿وقيل لهم تعالوا قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا، قالوا لونعلم قتالا لا تبعناكم﴾. أى فعل - سبحانه - ما فعل فى أحد ليميز المؤمنين من المنافقين الذين قيل لهم من النبى والطير ومن بعض أصحابه : تعالوا معنا لتقاتلوا فى سبيل الله، فإن لم تقاتلوا فادفعوا أى فانضموا إلى صفوف المقاتلين، فيكثر عددهم بكم فإن كثرة العدد تزيد من خوف الأعداء. أو المعنى: تعالوا معنا لتقاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله، فإن لم تفعلوا ذلك لضعف إيمانكم، واستيلاء الشهوات والأهواء على نفوسكم، فلا أقل من أن تقاتلوا لتدفعوا عن أنفسكم وعن مدينتكم عار الهزيمة . أى إن لم تقاتلوا طلبا لمرضاة الله، فقاتلوا دفاعا عن أوطانكم وعزتكم. قال الجمل: وهذه الجملة وهى قوله - تعالى - ﴿وقيل لهم تعالوا﴾ تحتمل وجهين. أحدهما : أن تكون مستأنفة، أخبر الله أنهم مأمورون إما بالقتال وإما بالدفع أى تكثير سواد المسلمين - أى عددهم. والثانى: أن تكون معطوفة على ﴿نافقوا﴾ فتكون داخلة فى خبر الموصول. أى وليعلم الذين حصل منهم النفاق والقول المذكور وإنما لم يأت بحرف العطف بين تعالوا وقاتلوا، لأن المقصود أن تكون كل من الجملتين مقصودة بذاتها(١). (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٣٢٤. ٣٣١ سورة آل عمران وقوله ﴿قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم﴾ حكاية لردهم القبيح على من نصحهم بالبقاء مع المجاهدين. أى قال المنافقون - وهم عبد الله بن أبى وأتباعه - لو نعلم أنكم تقاتلون حقا لسرنا معكم، ولكن الذى نعلمه هو أنكم ستذهبون إلى أحد ثم تعودون بدون قتال لأى سبب من الأسباب. أو المعنى - كما يقول الزمخشرى - ((لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا ﴿لاتبعناكم) يعنون أن ما أنتم فيه لخطأ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشىء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالنفس إلى التهلكة، لأن رأى عبد الله بن أبى كان فى الإِقامة بالمدينة وما كان يستصوب الخروج))(١) .. وقال ابن جرير: «خرج رسول الله پڼ إلی احد فی ألف رجل من أصحابه وحتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة، انخذل عنهم عبد الله بن أبى ابن سلول بثلث الناس وقال. أطاعهم، أى رسول الله ﴿ فخرج وعصانى. والله ما ندرى علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق والريب، فاتبعهم عبدالله بن عمروبن حرام - أخو بنى سلمة - يقول لهم. يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم - وقاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا - فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكننا لا نرى أن يكون قتال . فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عن المؤمنين قال لهم. أبعدكم الله يا أعداء الله فسيغنى الله رسوله عنكم، ثم مضى مع رسول الله ﴾ ﴾(٢). هذا هو موقف المنافقين فى غزوة أحد، وهو موقف يدل على فساد قلوبهم، وخبث نفوسهم، وجبنهم عن لقاء الأعداء. ولقد كان المؤمنون الصادقون على نقيض ذلك، فلقد خرجوا مع رسول الله ويلتر وثبتوا إلى جانبه فكانوا ممن قال الله فيهم: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾ ولقد حكى لنا التاريخ أن بعض المؤمنين الذين كانت لهم أعذارهم التى تسقط عنهم الخروج للجهاد، كانوا يخرجون مع المجاهدين لتكثير عددهم . فعن أنس بن مالك قال: ((رأيت يوم القادسية - عبدالله بن أم مكتوم -وكان رجلا أعمی- (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٣٧. (٢) تفسير ابن کثیر جـ ٤ ص ١٦٨ ٣٣٢ المجلد الثانى وعليه درع يجر أطرافها وبيده راية سوداء، فقيل له: أليس قد أنزل الله عذرك؟ فقال: بلى ولكنى أحب أن أكثر المسلمين بنفسى(١). هذا، وقد أصدر - سبحانه - حكمه العادل على أولئك المنافقين فقال: ﴿هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإِيمان. يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم والله أعلم بما يكتمون﴾. أى هم يوم أن قالوا هذا القول الباطل قد بينوا حالهم، وهتكوا أستارهم وكشفوا عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مؤمنون، لأنهم قبل أن يقولوا: ((لو نعلم قتالا لانبعناكم)) كانوا يتظاهرون بالإِيمان، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإِيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر. أو المعنى: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإِيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخذال فيه تقوية للمشركين. قال الجمل: ((وقوله ﴿هم﴾ مبتدأ، وقوله ﴿أقرب﴾ خبره، وقوله ﴿للكفر) وقوله ﴿الإِيمان﴾ متعلقان بأقرب، لأن أفعل التفضيل فى قوة عاملين. فكأنه قيل: قربوا من الكفر وقربوا من الإِيمان، وقربهم للكفر فى هذا اليوم أشد لوجود العلامة وهى خذلانهم للمؤمنين)»(٢). وقوله ﴿يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم﴾ جملة مستأنفة مبينة لحالهم مطلقا لا فى ذلك اليوم فحسب. أى أن هؤلاء القوم من صفاتهم الذميمة أنهم يقولون بألسنتهم قولا يخالف ما انطوت عليه قلوبهم من كفر، وما امتلأت به نفوسهم من بغضاء لكم - أيها المؤمنون -. قال صاحب الكشاف : وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم، وأن إيمانهم موجود فى أفواههم معدوم فى قلوبهم، بخلاف صفة المؤمنين فى مواطأة قلوبهم لأفراههم))(٣). وقوله ﴿والله أعلم بما يكتمون﴾ تذييل قصد به زجرهم وتوعدهم بسوء المصير بسبب نفاقهم وخداعهم. أى والله - تعالى - أعلم منكم - أيها المؤمنون - بما يضمره هؤلاء المنافقون من كفر ومن كراهية لدينكم، لأنه - سبحانه - يعلم ما ظهر وما خفى من أمورهم، وقد كشف الله لكم (١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٢٦٦ (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٣٣٤ بتصرف يسير (٣) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٣٧. ٣٣٣ سورة آل عمران أحوالهم لكى تحذروهم، وسيحاسبهم يوم القيامة على أعمالهم، وسينزل بهم ما يستحقونه من عذاب مھین. ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من أراجيفهم وأكاذيبهم التى قصدوا من ورائها الإِساءة إلى المؤمنين، والتشكيك فى صدق تعاليم الإسلام فقال - تعالى -: ﴿الذين قالوا لإِخوانهم وقعدوا، لو أطاعونا ما قتلوا﴾. أى أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بما ارتكبوه من جنايات قبيل غزوة أحد وخلالها، بل إنهم بعد انتهاء المعركة قالوا لإِخوانهم الذين هم مثلهم فى المشرب والاتجاه، : قالوا لهم وقد قعدوا عن القتال: لو أن هؤلاء الذين استشهدوا فى أحد أطاعونا وقعدوا معنا فى المدينة لما أصابهم القتل، ولكنهم خالفونا فكان مصيرهم إلى القتل. ويجوز أن تكون اللام فى قوله ((لإِخوانهم)) للتعليل فيكون المعنى: أنهم قالوا من أجل إخوانهم الذين استشهدوا فى غزوة أحد، لو أن هؤلاء الذين قتلوا أطاعونا ولم يخرجوا لبقوا معنا على قيد الحياة، كما هو حالنا الآن، ولكنهم لم يستمعوا إلى نصحنا وخرجوا للقتال فقتلوا. وعلى كلا التفسيرين فقولهم هذا يدل على خبث نفوسهم، وانطماس بصيرتهم وجهلهم بقدرة الله ونفاذ إرادته، وشماتتهم فيما حل بالمسلمين من قتل وجراح يوم أحد. ولذا فقد رد الله عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويدحض قولهم، ويكشف عن جهلهم وسوء تفكيرهم فقال - تعالى - ((قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين)) . . . أى قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتهكم بعقولهم الفارغة : إذا كنتم تظنون أنكم دفعتم عن أنفسكم الموت بقعودكم فى بيوتكم، وامتناعكم عن الخروج للقتال، إذا كنتم تظنون ذلك ﴿فادر أوا﴾ أى ادفعوا عن أنفسكم الموت المكتوب عليكم، والذى سيدرككم ولو كنتم فى بروج مشيدة. فالمقصود من هذه الجملة الكريمة الرد عليهم بما يبطل أقوالهم عن طريق الحس والمشاهدة، وذلك ببيان أن القعود عن الجهاد لا يطيل الحياة، كما أن الخروج إلى ساحات القتال لا ينقص شيئا من الآجال، فكم من مجاهد عاد من جهاده سالما، وكم من قاعد أتاه الموت وهو فى عقر 1 داره . فزعم هؤلاء المنافقين بأن أولئك الذين استشهدوا فى أحد لو أطاعوهم ولم يخرجوا للقتال لما أصابهم القتل زعم باطل، وإلا فإن كانوا صادقين فى هذا الزعم فليدفعوا عن أنفسهم الموت الذی سینزل بهم حتما فى الوقت الذی یشاؤه الله، ولا شك أنهم لن يستطيعوا دفعه فثبت كذبهم وافتراؤهم. ٣٣٤ المجلد الثانى وقوله تعالى ﴿الذين قالوا لإخوانهم﴾ فى محل نصب بدل من قوله ﴿الذين نافقوا﴾. أو فى محل رفع بدل من الضمير فى قوله ﴿يكتمون﴾ فكأنه قيل: والله أعلم بما يكتم هؤلاء الذين قالوا لإِخوانهم وقعدوا ... وقوله ﴿وقعدوا﴾ حال من الضمير فى ﴿قالوا﴾ بتقدير حرف قد أى قالوا ما قالوا والحال أنهم قد قعدوا عن القتال. وجواب الشرط فى قوله ﴿إن كنتم صادقين﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو قوله ﴿فأدرأوا عن أنفسكم الموت﴾. والتقدير: إن كنتم صادقين فى زعمكم أن الذين قتلوا فى أحد لو أطاعوكم وقعدوا كما قعدتم لما أصابهم القتل، إن كنتم صادقين فى هذا الزعم فادرأوا عن أنفسكم الموت عند حلوله . قال الآلوسي. والمراد أن ما ادعيتموه سببا للنجاة ليس بمستقيم، ولو فرض استقامته فليس بمفيد، أما الأول : فلأن أسباب النجاة كثيرة. غايته أن القعود والنجاة وجدا معا وهو لا يدل على السببية. وأما الثانى : فلأن المهروب عنه بالذات هو الموت الذى القتل أحد أسبابه فإن صح ما ذكرتم فادفعوا سائر أسبابه، فإن أسباب الموت فى إمكان المدافعة بالحيل وامتناعها سواء، وأنفسكم أعز عليكم، وأمرها أهم لديكم))(١). وقال ابن القيم : وكان من الحكم التى اشتملت عليها غزوة أحد، أن تكلم المنافقون بما فى نفوسهم، فسمعه المؤمنون، وسمعوا رد الله عليهم، وجوابه لهم، وعرفوا مراد النفاق، وما يؤول إليه، كيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة .. فالله الله كم من حكمة فى ضمن هذه القصة بالغة، ونعمة على المؤمنين سابغة، وكم فيها من تحذير وتخويف وإرشاد وتنبيه، وتعريف بأسباب الخير والشر ومآلهما وعاقبتهما(١). وبعد هذا الحديث الكاشف عن طبيعة المنافقين وعن أحوالهم، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الشهداء وفضلهم وما أعده الله لهم من نعيم مقيم فقال -تعالى - : (١) تفسير الألوسى جـ ٤ ص ١٢٠ (٢) زاد المعاد لابن القيم. نقلا عن تفسير القاسمى ص ١٠٣٢. ٣٣٥ سورة آل عمران وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى ج سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْبَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ بِمَآءَ اتَهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ١٧٠ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ () الَّذِينَ أَسْتَجَابُوْلِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِمَآ (١٧٢ أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَتَّقَوْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ◌َ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَّكُمْ فَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ١٧٣) فَأَنْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَهٌ وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَنَّ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴿١) إِنَّمَا ذَ لِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ، فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنَ كُمْ مُؤْمِنِينَ ١٧٥ فقوله - تعالى - ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء﴾ كلام مستأنف ساقه الله - تعالى - لبيان أن القتل فى سبيل الله الذى يحذره المنافقون ويحذرون الناس منه ليس مما يحذر، بل هو أجل المطالب وأسناها، إثر بيان أن الحذر لا يدفع القدر، لأن من قدر الله له القتل لا يمكنه الاحتراز عنه. ومن لم يقدر له ذلك لا خوف عليه منه. فهذه الآيات الكريمة رد على شماتة المنافقين إثر الردود السابقة، وتحريض للمؤمنين على القتال، وتقرير لحقيقة إسلامية ثابتة هى أن الاستشهاد فى سبيل الله ليس فناء بل هو بقاء. والخطاب فى قوله ((ولا تحسبن)) للنبى ### أو لكل من بتأتى له الخطاب. ٣٣٦ المجلد الثانى والحسبان : الظن، والنهى بلا هنا منصب على هذا الظن، أى أنهاكم عن أن تظنوا أنهم أموات، ونون التوكيد فى قوله ((ولا تحسبن)) لتأكيد هذا النهى. أى: لا تحسين أيها الرسول الكريم، أو أيها المؤمن أن الذين قتلوا فى سبيل الله، من أجل إعلان كلمته، لا تحسبنهم أمواتا لا يحسون شيئًا ولا يلتذون ولا يتنعمون، بل هم أحياء عند ربهم، يرزقون رزق الأحياء، ويتنعمون بألوان النعم التى أسبغها الله عليهم، جزاء إخلاصهم وجهادهم وبذلهم أنفسهم فى سبيل الله. وقوله ﴿الذين﴾ مفعول أول لقوله: ﴿تحسبن) وقوله ﴿أمواتا﴾ مفعوله الثانى وقوله ﴿أحياء﴾ خبر لمبتدأ محذوف أى بل هم أحياء. وقوله ﴿عند ربهم﴾ يصح أن يكون خبرا ثانيا للمبتدأ المقدر أو صفة لأحياء أو ظرفا له لأن المعنى : يحيون عند ربهم. والمراد بالعندية هنا المجاز عن القرب والإكرام والتشريف، أى هم أحياء مقربون عنده، قد خصهم بالمنازل الرفيعة، والدرجات العالية، وليس المراد بها القرب المكانى لاستحالة ذلك فى حق الله - تعالى -. وقوله ﴿يرزقون﴾ صفة لقوله ﴿أحياء﴾ أو حال من الضمير فيه أى يحيون مرزوقين. هذا وقد وردت أحاديث متعددة تصرح بأن هذه الآيات الكريمة قد نزلت فى شهداء أحد، ويدخل فی حکمهم کل شهید فی سبیل الله، ومن هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله و لتر (( لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر تَرِد أنهار الجنة تأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة فى ظل العرش. فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا : من يبلغ إخواننا عنا أننا أحياء فى الجنة نرزق لئلا يزهدوا فى الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب. فقال الله - تعالى -: ((أنا أبلغهم عنكم. قال: فأنزل الله هؤلاء الآيات ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا﴾ ... إلخ الآيات . وأخرج الترمذى وابن ماجه عن جابر بن عبدالله قال: لقينى رسول الله والر فقال: ((يا جابر مالى أراك منكسًا مهتما))؟ قلت يا رسول الله استشهدأ بى - فى أحد - وترك عيالا وعليه دين . فقال: ألا أبشرك بما لقى الله - عز وجل - به أباك؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال : إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحًا - أى مواجهة ليس بينهما حجاب - وماكلم أحدًا قط إلا من وراء حجاب، فقال له يا عبدى تمن أعطك. قال يارب فردنى إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية. فقال ٣٣٧ سورة آل عمران الرب - تعالى - إنه قد سبق منى أنهم إليها لا يرجعون. قال : يارب فأبلغ من ورائى فأنزل الله - تعالى - ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتًا﴾ ... الآية. قال القرطبى - بعد أن ساق هذين الحديثين وغيرهما - ما ملخصه: ((فقد أخبر الله -تعالى- فى هذه الآيات عن الشهداء أنهم أحياء فى الجنة يرزقون. والذى عليه الكثيرون أن حياة الشهداء محققة. ثم منهم من يقول: ترد إليهم الأرواح فى قبورهم فينعمون، كما يحيا الكفار فى قبورهم فيعذبون. وصار قوم إلى أن هذا مجاز، والمعنى أنهم فى حكم الله مستحقون للتنعم فى الجنة. وقال آخرون أرواحهم فى أجواف طير خضر وأنهم يرزقون فى الجنة ويأكلون ويتنعمون. وهذا هو الصحيح من الأقوال، لأن ما صح به النقل فهو الواقع. وحديث ابن عباس - الذى سقناه قبل قليل - نص يرفع الخلاف))(١). والذى تطمئن إليه النفس: أن الآية الكريمة تنبه على أن للشهداء مزية خاصة تجعلهم يفضلون الموتى المعروفین لدى الناس، وهی أنهم فى حياة سارة، ونعیم لذيذ، ورزق حسن عند ربهم. وهذه الحياة الممتازة ترفعهم عن أن يقال فيهم كما يقال فى غيرهم: أموات، وإن كان المعنى اللغوى للموت - بمعنى مفارقة الروح للجسد فى ظاهر الأمر - حاصلا للشهداء كغيرهم من الموتى. إلا أن هذه الحياة البرزخية التى أخبر الله بها عن الشهداء نؤمن بها كما ذكرها الله - تعالى - ولا ندرك حقيقتها، إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى، فقد قال - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾ أى ولكن لا تحسون ولا تدركون حال هؤلاء الذين قتلوا فى سبيل الله بمشاعركم وحواسكم، لأنها من شئون الغيب التى لا طريق للعلم بها إلا بالوحى. ثم بين - سبحانه - ماهم فيه من مسرة وحبور فقال : ﴿فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾ أى فرحين فرحا عظيما بعد انتقالهم من الدنيا، بما أعطاهم الله فى حياتهم الجديدة من ضروب النعم المتعددة التى من بينها الثواب العظيم، والنعيم الدائم، والسعادة التى ليس بعدها سعادة . وقوله ﴿فرحين﴾ يصح أن يكون حالا من الضمير فى ﴿يرزقون﴾ أو من الضمير فى ((أحياء)) وقوله ﴿من فضله﴾ متعلق بآتاهم. و ﴿من﴾ يصح أن تكون للسببية أى الذى آتاهم متسبب عن فضله. أو لابتداء الغاية وقوله (١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٢٦٨. - ٣٣٨ المجلد الثانى ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾ معطوف على فرحين لتأويله بيفرحون. أو هو حال من الضمير فى ﴿فرحين﴾ بتقدير وهم يستبشرون ... وأصل الاستبشار: طلب البشارة وهو الخبر السار الذى تظهر آثاره على البشرة إلا أن المراد هنا السرور استعمالا للفظ فى لازم معناه. أى: أن هؤلاء الشهداء فرحين بما آتاهم الله من فضله من شرف الشهادة، ومن الفوز برضا الله، ويسرون بما تبين لهم من حسن مآل إخوانهم الذين تركوهم من خلفهم على قيد الحياة، لأن الأحياء عندما يموتون شهداء مثلهم سينالون رضا الله وكرامته، وسيظفرون بتلك الحياة الأبدية الكريمة كما ظفروا هم بها. فالمراد بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم : رفقاؤهم الذين كانوا يجاهدون معهم فى الدنيا ولم يظفروا بالشهادة بعد، لأنهم مازالوا على قيد الحياة. وفى هذا دلالة على أن أرواح هؤلاء الشهداء قد منحها الله - تعالى - من الكشف والصفاء ما جعلها تطلع على ما يسرها من أحوال الذين يهمهم شأنهم فى الدنيا. وقيل : إن معنى ﴿لم يلحقوا بهم﴾ لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم. وقوله ﴿من خلفهم﴾ متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿يلحقوا﴾ أى لم يلحقوهم متخلفين عنهم باقين بعد فى الدنيا. أو متعلق بقوله ﴿يلحقوا﴾ ذاته على معنى أنهم قد يقوا بعدهم وهؤلاء الشهداء قد تقدموهم. وقوله ﴿ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون﴾ بدل اشتمال من قوله ﴿الذين لم يلحقوا بهم﴾ مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم. والمعنى : ويستبشرون بما تبين لهم من حال الذين تركوهم من خلفهم فى الدنيا من رفقائهم المجاهدين، وهو أنهم لا خوف عليهم فى المستقبل ولا هم يحزنون على ما تركوه فى الدنيا، بل هم سيكونون آمنين مطمئنين بعد فراقهم للدنيا وعندما يبعثون يوم القيامة. ونفى عنهم الخوف والحزن، لأن الخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل فى المستقبل. والحزن يكون بسبب فوات المنافع التى كانت موجودة فى الماضى. فبين - سبحانه - أنه لا خوف عليهم فيما سيأتيهم من أحوال القيامة، ولا حزن لهم فيما فاتهم من متاع الدنيا. وقوله ﴿يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ استئناف مبين لماهم عليه من سرور يتعلق بذواتهم. بعد أن بين - سبحانه - سرورهم بحال الذين لم يلحقوا بهم. والمعنى أن هؤلاء الشهداء يستبشرون بحال إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم. ٣٣٩ سورة آل عمران كما أنهم يستبشرون أيضا لأنفسهم بسبب ما أنعم الله به عليهم من نعم جزيلة وبسبب ما تفضل به عليهم من زيادة الكرامة، وسمو المنزلة. وهذا يدل على أن هؤلاء الشهداء لا يهتمون بشأن أنفسهم فقط. وإنما يهتمون أيضا بأحوال إخوانهم الذين تركوهم فى الدنيا، وفى ذلك ما فيه من صفاء نفوسهم، وطهارة قلوبهم، حيث أحبوا الخير لغيرهم كما أحبوه لأنفسهم، بل إن تقديم استبشارهم بحال إخوانهم على استبشارهم بما يتعلق بأنفسهم ليشعر بأن اهتمامهم بحال إخوانهم أشد من اهتمامهم بحال أنفسهم . ويرى بعضهم أن الضمير فى قوله ﴿يستبشرون بنعمة﴾ يعود على الذين لم يلحقوا بهم فتكون جملة ﴿يستبشرون﴾ حالا من الذين لم يلحقوا بهم. وعليه يكون المعنى: أن هؤلاء الذين لم يلحقوا بهم لا خوف عليهم ولا حزن، فهم مستبشرون بنعمة من الله وفضل .. )). وقوله ﴿وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ معطوف على ﴿نعمة من الله وفضل﴾، وهذا على قراءة الجمهور بفتح همزة أن على معنى وبأن. والتقدير : يستبشرون بنعمة من الله وفضل وبأن الله - تعالى - لا يضيع أجر المؤمنين، وإنما سيعطيهم النصر والعزة والكرامة جزاء جهادهم. وقرأ الكسائى ((وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين))، بكسر همزة إن على الاستئناف والمقصود من الآية الكريمة بیان أن كل مؤمن یخاف مقام ربه وينهى نفسه عن الهوى، ويجاهد فى سبيل إعلاء كلمة الله فإن الله - تعالى - لا يضيع شيئا من أجره، بل يعطيه من الجزاء الحسن - بفضله وإحسانه - أكثر مما يستحق. ثم مدح - سبحانه - المؤمنين الصادقين الذين لم تمنعهم جراحهم وآلامهم عن الاستجابة لأمر رسولهم - ﴿ - فقال - تعالى -: ﴿الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾. قال الفخر الرازى ما ملخصه : اعلم أن الله - تعالى - مدح المؤمنين على غزوتين تعرف إحداهما : بغزوة حمراء الأسد، والثانية : بغزوة بدر الصغرى. وكلاهما متصلة بغزوة أحد. أما غزوة حمراء الأسد فهى المرادة من هذه الآية، فإن الأصح فى سبب نزولها أن أبا سفيان وأصحابه بعد أن انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء، ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فَلِم تركناهم؟ بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم، فهموا بالرجوع. فبلغ ذلك رسول الله#، فأراد أن برهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة. ٣٤٠ المجلد الثانى فندب أصحابه إلى الخروج فى طلب أبى سفيان وقال : لا أريد أن يخرج الآن معى إلا من كان معى فى القتال - فى أحد - . فخرج الرسول وَّر مع قوم من أصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد. وهى مكان على بعد ثمانية أميال من المدينة. فألقى الله الرعب فى قلوب المشركين فانهزموا. وروى أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة، ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى. وكان كل ذلك لإِثخان الجراح فيهم، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة. وقوله ﴿استجابوا﴾ بمعنى أجابوا. وقيل: استجابوا، أصلها طلبوا الإِجابة لأن الأصل فى الاستفعال طلب الفعل. والقرح: الجراح الشديدة. والمعنى : أن الله - تعالى - لا يضيع أجر هؤلاء المؤمنين الصادقين، الذين أجابوا داعى الله وأطاعوا رسوله، بأن خرجوا للجهاد فى سبيل عقيدتهم بدون وهن أو ضعف أو استكانة مع مابهم من جراح شديدة، وآلام مبرحة. ثم بين - سبحانه - جزاءهم فقال: ﴿للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾ أى للذين أحسنوا منهم بأن أدوا جميع المأمورات، واتقوا الله فى كل أحوالهم بأن صانوا أنفسهم عن جميع المنهيات، لهؤلاء أجر عظيم لا يعلم كنهه إلا الله - تعالى -. وقوله ﴿الذين استجابوا﴾ فى موضع رفع على الابتداء وخبره قوله ﴿الذين أحسنوا﴾ ويجوز أن يكون فى موضع جر على أنه صفة للمؤمنين فى قوله : ﴿وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾. قال صاحب الكشاف: و((من)) فى قوله ﴿للذين أحسنوا منهم﴾ للتبيين مثلها فى قوله - تعالى - ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا﴾. لأن الذين استجابوا الله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم(١). ثم مدحهم - سبحانه - على ثباتهم وشجاعتهم وحسن اعتمادهم على خالقهم -عز وجل-، بعد أن مدحهم قبل ذلك على حسن استجابتهم لله ولرسوله فقال - تعالى - : ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل﴾. قال الفخر الرازى ما ملخصه : نزلت هذه الآية فى غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان - (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٤١.