Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ سورة آل عمران قال صاحب الكشاف: ((والضمير المجرور فى قوله ﴿فأنقذكم منها﴾ يعود للحفرة أو للنار أو للشفا، وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة - فاكتسب التأنيث من المضاف إليه - كما قال: كما شرقت صدر القناة من الدم .. وشفا الحفرة وشفتها: حرفها بالتذكير والتأنيث. فإن قلت : كيف جعلوا على حرف حفرة من النار؟ قلت : لو ماتوا على ماكانوا عليه وقعوا فى النار ((فمثلت حياتهم التى يتوقع بعدها الوقوع فى النار بالقعود على حرفها، مشفين - أى مشرفين - على الوقوع فيها))(١). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾. أی کهذا البیان الواضح الذی سمعتموه فی هذه الآیات، یبین الله لکم دائما من آياته ودلائله وحججه ما يسعدكم فى الدنيا والآخرة، وما يأخذ بيدكم إلى وسائل الهداية وأسبابها، رجاء أن تكونوا ممن رضى الله عنهم وأرضاهم بسبب اهتدائهم إلى الصراط المستقيم. وبعد أن أمرهم - سبحانه - بتكميل أنفسهم عن طريق خشيته وتقواه والاعتصام بدينه وبكتابه، عقب ذلك بأمرهم بالعمل على تكميل غيرهم وإصلاح شأنه عن طريق دعوته إلى الخير وإبعاده عن الشر فقال - تعالى -. ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾. الأمة : الجماعة التى تؤم وتقصد لأمر ما وتطلق على أتباع الأنبياء كما تقول : نحن من أمة محمد - وَله- وعلى الرجل الجامع للخير الذى يقتدى به كقوله - تعالى - ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا﴾(٢). وعلى الدين والملة كقوله - تعالى - ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾(٣) وعلى الحين والزمان كقوله - تعالى -: ﴿وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة﴾ (٤). والمراد بالأمة هنا الطائفة من الناس التى تصلح لمباشرة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. والمراد بالخير ما فيه صلاح للناس دينى أو دنيوى. والمراد بالمعروف ما حسنه الشرع وتعارف العقلاء على حسنه والمنكر ضد ذلك. والمعنى: ولتكن منكم أيها المؤمنون طائفة قوية الإِيمان عظيمة الإِخلاص، تبذل أقصى (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٩٦. (٢) سورة النحل الآية ١٢٠ . (٣) سورة الزخرف الآية ٢٢ (٤) سورة يوسف الآية ٤٥. ٢٠٢ المجلد الثانى طاقتها وجهدها فى الدعوة إلى الخير الذى يصلح من شأن الناس، وفى أمرهم بالتمسك بالتعاليم وبالأخلاق التى توافق الكتاب والسنة والعقول السليمة، وفى نهيهم عن المنكر الذى يأباه شرع الله، وتنفر منه الطباع الحسنة. وقوله: ﴿ولتكن﴾ صيغة وجوب من الله - تعالى - على كل من يصلح لمهمة الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وتكن إما من كان التامة أى: ولتوجد منكم أمة. فيكون قوله: ﴿أمة﴾ فاعلا لتكن وجملة ﴿يدعون﴾ صفة لأمة، و﴿منكم﴾ متعلق بتكن. وإما من كان الناقصة فيكون قوله: ﴿أمة﴾ اسمها، وجملة ﴿يدعون﴾ خبرها، وقوله ﴿منكم﴾ متعلق بكان الناقصة، أو بمحذوف وقع حالا من أمة. و﴿من﴾ فى قوله -تعالى- ﴿ولتكن منكم أمة) يرى أكثر العلماء أنها للتبعيض. أى: ليكن بعض منكم أمة أى طائفة تبذل جهدها فى تبليغ رسالات الله وفى دعوة الناس إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. وفى هذا التبعيض وتنكير أمة تنبيه على قلة العاملين بذلك وأنه لا يخاطب به إلا الخواص. ومن هذا الأسلوب قوله - تعالى -: ﴿اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾(١) فقد وجه الخطاب إلى نفس منكرة تنبيها على قلة الناظر فى معاده. وعلى هذا فكأن الآية الكريمة قد اشتملت على طلبين : أحدهما : وجه إلى الأمة كلها يطالبها بأن تعد طائفة من بينها لهذه المهمة السامية وهى دعوة الناس إلى الخير وأن تزود هذه الطائفة الصالحة لهذه المهمة بكل ما يمكنها من أداء مهمتها. وثانيهما : موجه إلى تلك الطائفة الصالحة لهذه المهمة، بأن تخلص فيها، وتؤديها على الوجه الأكمل الذى يرضى الله - تعالى - ويرى بعض العلماء أن ((من)) فى قوله - تعالى - ﴿ولتكن منكم أمة﴾ بيانية. فيكون المعنى أن الأمة كلها عليها واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا على سبيل الفرض الكفائى، بل على سبيل الفرض العينى. أى: لتكونوا أيها المؤمنون جميعا أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فمن هنا ليس المراد بها التبعيض على هذا الرأى بل المراد بها البيان، وذلك كقولك : لفلان من أولاده جند، وللأمير من غلمانه عسكر، تريد بذلك جميع أولاده وغلمانه . (١) سورة الحشر الآية ١٨ ٠ ٢٠٣ سورة آل عمران ويبدو لنا أن الرأى الأول وهو أن ((من)) للتبعيض أقرب إلى الصواب، لأن الأمة كلها برجالها ونسائها وشبابها وشيوخها لا تصلح لهذه المهمة السامية، وإنما يصلح لها من يجيدها ويحسنها بأن تكون عنده القدرة العقلية، والعلمية، والنفسية، والخلقية، لأدائها. ولذا قال صاحب الكشاف مرجحا أن ((من)) للتبعيض : قوله: ﴿ولتكن منكم أمة﴾ من للتبعيض، لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفايات، لأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر، وعلم كيف يرتب الأمر فى إقامته وكيف يباشره فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم فى مذهبه وجهله فى مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر. وقد يغلظ فى موضع اللين، ويلين فى موضع الغلظة وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا، أو على من الإِنكار عليه عبث. وقيل ((من)) للتبيين، بمعنى : وكونوا أمة تأمرون ، كقوله - تعالى - ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾(١). وقوله - تعالى - ﴿ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ معطوف على قوله: ﴿يدعون إلى الخير﴾ من باب عطف الخاص على العام. وفائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عاما ثم مفصلا على هذين الوجهين وهما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لأنهما أشرف ألوان الدعوة إلى الخير. وقوله: ﴿يدعون إلى الخير﴾ المفعول فيه محذوف وكذلك فى قوله: ﴿يأمرون وينهون﴾ والتقدير يدعون الناس إلى الخير ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر. وحذف المفعول للإيذان بظهوره. أو للقصد إلى إيجاد نفس الفعل. أى يفعلون الدعاء إلى الخير، أو لقصد التعميم أى يدعون كل من تتأتى له الدعوة. وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير هؤلاء الداعين إلى الخير بالفلاح فقال ﴿وأولئك هم المفلحون) والفلاح هو الظفر وإدراك البغية. أى: وأولئك القائمون بواجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هم الكاملون فى الفلاح والنجاح، ولا يمكن أن يفلح سواهم ممن لم يقم بهذا الواجب الذى هو مناط عزة الجماعات والأفراد، وأساس رفعتهم وقوتهم وسعادتهم. قال بعض العلماء : فى الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ووجوبه ثابت (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٩٧ : ٠ ٢٠٤ المجلد الثانى بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يرتفع سنامها ويكمل نظامها. وقال الإِمام الغزالى: فى هذه الآية بيان الإيجاب. فإن قوله: ﴿ولتكن﴾ أمر. وظاهر الأمر الإِيجاب، وفيها بيان أن الفلاح منوط به. إذ حصر وقال: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين وأنه إذا قام به البعض سقط الفرض عن الآخرين، إذ لم يقل كونوا كلكم آمرين بالمعروف، بل قال: ﴿ولتكن منكم أمة﴾ وإن تقاعد عنه الخلق جميعا عم الإِثم كافة القادرين عليه لا محالة(١). هذا وقد وردت أحاديث متعددة فى فضل الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفى بيان العاقبة السيئة التى تترتب على ترك هذا الواجب، ومن ذلك : ما رواه مسلم والترمذى وابن ماجه والنسائى عن أبى سعيد الخدرى قال : سمعت رسول الله ◌َلل يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطيع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان. وروى الترمذى عن جابر بن عبد الله عن النبى ◌َ أنه قال: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله. وروى الشيخان عن جرير بن عبد الله قال: با يعت النبى ◌َّر على السمع والطاعة فلقننى فيما استطعت والنصح لكل مسلم. وروى أبو داود والترمذى وابن ماجه والنسائى عن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ وإنى سمعت رسول الله و * يقول ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده))(٢). وبعد أن أمر الله - تعالى - بالمواظبة على الدعوة إلى الخير، عقب ذلك بنهيهم عن التفرق والاختلاف فقال: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾. أى : ولا تكونوا أيها المؤمنون كأولئك اليهود والنصارى وغيرهم من الذين تفرقوا شيعا وأحزابا، وصار ﴿كل حزب بمالديهم فرحون﴾ واختلفوا فيما بينهم اختلافا شنيعا، وقد ترتب على ذلك أن كفر بعضهم بعضا، وقاتل بعضهم بعضا، وزعم كل فريق منهم أنه على الحق : (١) تفسير القاسمى جـ ٤ ص ٩٢١. (٢) هذه الأحاديث من كتاب الترغيب والترهيب للمنذرى جـ ٣ ص ٢٢٣ وقد ذكر أحاديث أخرى فى هذا الموضوع فارجع إليه إن شئت. ٢٠٥ سورة آل عمران وغيره على الباطل، وأنه هو وحده الذى يستطيع أن يدرك مافى الكتب السماوية من حقائق، وهو وحده الذى يستطيع تفسيرها تفسيرا سليما. ولقد كان تفرقهم هذا واختلافهم ((من بعد ما جاءهم البينات)) أى الآيات والحجج والبراهين الدالة على الحق، والداعية إلى الاتحاد والوئام لا إلى التفرق والاختلاف. وقوله : ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا﴾ معطوف على قوله ﴿ولتكن منكم أمة يدعون﴾ ويرجع إلى قوله من قبل ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾ لما فيه من تمثيل حال التفرق فى أبشع صوره المعروفة لديهم من مطالعة أحوال اليهود وفيه إشارة إلى أن ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يفضى إلى التفرق والاختلاف إذ يترتب على هذا الترك أن تكثر المنازعات والأهواء والمظالم، وتنشق الأمة بسبب ذلك انشقاقا شديدا. والمقصود بهذا النهى إنما هو التفرق والاختلاف فى أصول الدين وأسسه، أما الفروع التى لا يصادم الخلاف فيها نصا صحيحا من نصوص الدين فلا تندرج تحت هذا النهى، فنحن نرى ... أن أصحاب النبى وَ ﴿ والتابعين من بعدهم قد اختلفوا فيما بينهم فى بعض المسائل التى لا تخالف نصا صحيحا من نصوص الشريعة وتأولها كل واحد أو كل فريق منهم على حسب فهمه الذى أداه إليه اجتهاده. ومن الأحاديث التى ذمت الاختلاف فى الدين مارواه أبو داود والإِمام أحمد عن أبى عامر عبد الله بن يحيى قال: ((حججنا مع معاوية بن أبى سفيان، فلما قدمنا مكة قام حين صلى الظهر فقال إن رسول الله ◌َ﴿ قال: إن أهل الكتابين افترقوا فى دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعنى الأهواء - كلها فى النار إلا واحدة - وهى الجماعة - وأنه سيخرج فى أمتى أقوام تجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه. لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله، والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاءكم به نبيكم - - لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به))(١). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان سوء عاقبة المتفرقين، والمختلفين فى الحق فقال ﴿وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ أى وأولئك الموصوفون بتلك الصفات الذميمة لهم عذاب عظيم بسبب تفرقهم واختلافهم الباطل. فأنت ترى أن القرآن الكريم قد نهى المؤمنين عن التفرق والاختلاف بأبلغ تعبير وألطف إشارة، وذلك بأن بين لهم حسن عاقبة المعتصمين بحبل الله دون أن يتفرقوا، وما بشر به (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٩٠. ٤ ٢٠٦ المجلد الثانى -سبحانه- المواظبين على الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من أنهم هم المفلحون الفائزون. ثم بين لهم بعد ذلك سوء عاقبة التفرقة والاختلاف الذى وقع فيه من سبقهم من اليهود والنصارى وكيف انه ترتب على تفرقهم واختلافهم أن كفر بعضهم بعضا. وقاتل بعضهم بعضا، ورمى بعضهم بعضا بالزيغ والضلال. هذا فى الدنيا، أما فى الآخرة فلهؤلاء المتفرقين والمختلفين العذاب العظيم من الله - تعالى - فالقرآن قد أتى بالأوامر ومعها الأسباب التى تدعو إلى الاستجابة لها، وأتى بالنواهى ومعها كذلك الأسباب التى تحمل على البعد عنها. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت مسلكا من مسالك اليهود الخبيثة لكيد الإِسلام والمسلمين، ووبختهم على ذلك توبيخا موجعا، وفضحتهم على مر العصور والدهور، وحذرت المؤمنين من شرورهم، وأرشدتهم إلى ما يعصمهم من كيدهم. وذكرتهم بنعم الله الجليلة عليهم، وأمرتهم بالمواظبة على الدعوة إلى الخير. ونهتهم عن التفرق والاختلاف لكى يسعدوا فی دینهم ودنياهم. ثم حذر الله - تعالى - الناس من أهوال يوم القيامة، وأمرهم بأن يتسلحوا بالإِيمان وبالعمل الصالح حتى ينجوا من عذابه فقال : يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَقَسْوَدُ وُجُوهُ فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْ تُم بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ فَذُ وقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿٢) وَأَمَّا الَّذِينَ أَبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ () تِلْكَ ءَايَتُ الَِّ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ ٨ وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَ إِلَى الَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ قوله - تعالى - ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾: بياض الوجوه وسوادها محمولان على ٢٠٧ سورة آل عمران الحقيقة عند جمهور العلماء. وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولا دليل يوجب ترك هذه الحقيقة فوجب الحمل على ذلك. قال الألوسى: قال بعضهم يوسم أهل الحق ببياض الوجه وإشراق البشرة تشريفًا لهم وإظهارا لآثار أعمالهم فى ذلك الجمع. ويوسم أهل الباطل بضد ذلك. والظاهر أن الابيضاض والأسوداد يكونان لجميع الجسد إلا أنهما أسندا للوجوه؛ لأن الوجه أول ما يلقاك من الشخص وتراه، وهو أشرف أعضائه واختلف فى وقت ذلك فقيل: وقت البعث من القبور وقيل وقت قراءة الصحف))(١). ويرى بعض العلماء أن بياض الوجوه هنا المراد منه لازمه وهو الفرح والسرور، كما أن سوادها المراد منه لازمه أيضًا وهو الحزن والغم وعليه يكون التعبير القرآنى محمولا على المجاز لا على الحقيقة. قال الفخر الرازى ما ملخصه : وهذا مجاز مشهور قال - تعالى - ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم﴾ ويقال: لفلان عندى يد بيضاء وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه : ابيض وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل .. ويقال لمن وصل إليه مكروه: أربَدّ وجهه واغبر لونه وتبدلت صورته .. وعلى هذا فمعنى الآية : أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه، فإن رأى ما يسره ابيض وجهه بمعنى أنه استبشر بنعم الله وفضله، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة عليه اسود وجهه بمعنى أنه يشتد حزنه وغمه))(٢). والظرف ((يوم)) فى قوله ﴿يوم تبيض﴾ إلخ منصوب على أنه مفعول به بفعل محذوف والتقدير : اذكر يوم تبيض وجوه وتسود وجوه والمراد الاعتبار والاتعاظ ويجوز أن يكون العامل فيه قوله ﴿عظيم﴾ فى قوله قبل ذلك ﴿وأولئك لهم عذاب عظيم﴾. أى أولئك الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات لهم عذاب فى هذا اليوم الهائل الشديد الذى تبيض فيه وجوه المؤمنين وتسود فيه وجوه الكافرين والفاسقين. وفى وصف هذا اليوم بأنه تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه تهويل لأمره. وتعظيم لشأنه وتشويق لما يرد بعد ذلك من تفصيل أصحاب الوجوه المبيضة وأصحاب الوجوه المسودة، وترغيب للمؤمنين فى الإكثار من التزود بالعمل الصالح وترهيب للكافرين من التمادى فى كفرهم وضلالهم. (١) تفسير الألوسى جـ ٤ ص ٢٥. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ١٨١. ٢٠٨ المجلد الثانى والتنكير فى قوله ﴿وجوه﴾ للتكثير. أی تبيض وجوه عدد كثير من المؤمنين وتسود وجوه كثيرة للكافرين . ٠٠ وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة﴾(١) وقوله - تعالى - ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة﴾(٢). ۔ ·قال صاحب الكشاف: ((البياض من النور والسواد من الظلمة. فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته، واشرقت، وسعى النور بين يديه وبيمينه. ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وکسوفه وکمده، واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به الظلمة من كل جانب. نعوذ بالله وبسعة رحمته من ظلمة الباطل وأهله))(٣). ثم بين - سبحانه - حال الذين أسودت وجوههم وسوء عاقبتهم فقال: ﴿فأما الذين اسودت وجوههم﴾ بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة فيقال لهم ﴿أكفرتم بعد إيمانكم﴾ وحذف هذا القول المقدر والذى هو جواب إما لدلالة الكلام عليه، ومثله كثير فى القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا﴾(٤). أى قائلين ربنا أبصرنا وسمعنا وقوله تعالى - ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾(٥). أى قائلين لهم: سلام عليكم. والاستفهام فى قوله: ﴿أكفرتم﴾ للتوبيخ والتعجب من حالهم. قال الآلوسى والظاهر من السياق أن هؤلاء هم أهل الكتاب وكفرهم بعد إيمانهم، هو كفرهم برسول الله وسير بعد الإِيمان به قبل مبعثه. وقيل هم جميع الكفار لإِعراضهم عما وجب عليهم من الإِقرار بالتوحيد حين أشهدهم على أنفسهم ﴿ألست بربكم؟ قالوا بلى﴾ ويحتمل أن يراد بالإِيمان الإِيمان بالقوة والفطرة، وكفر جميع الكفار كان بعد هذا الإِيمان؛ لتمكنهم بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البينة من الإِيمان بالله - تعالى -، وبرسوله وَ لات))(٦). وقوله ﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ أى فادخلوا جهنم وذوقوا مرارة العذاب وآلامه بسبب استمراركم على الكفر وموتكم عليه. (١) سورة الزمر الآية ٦٠. (٢) سورة القيامة الآيات من ٢٢ - ٢٥. (٣) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٩٩. (٤) سورة السجدة الاية ١٢ (٥) سورة الرعد الآية ٢٤ (٦) تفسير الآلوسي جـ ٤ ص ٢٦. 1 ٢٠٩ سورة آل عمران والأمر فى قوله ﴿فذوقوا﴾ للإهانة والإذلال، وهو من باب الاستعارة فى ﴿فذوقوا﴾ استعارة تبعية تخييلية. وفى العذاب استعارة مكنية : حيث شبه العذاب بشىء يدرك بحاسة الأكل والذوق تصويرًا له بصورة ما يذاق، وأثبت له الذوق تخييلا - وهو قرينة المكنية. وأل فى العذاب للعهد أى فذوقوا العذاب المعهود الموصوف بالعظم، والذى سبق أن حذركم الله - تعالى - منه، ولكنكم لم تعيروا التحذير انتباها، بل تماديتم فى كفركم وضلالكم حتى أدرككم الموت وأنتم على هذه الحال الشنيعة. ثم بين - سبحانه - حال الذين ابيضت وجوههم وحسن عاقبتهم فقال : ﴿وأما الذين ابيضت وجوههم﴾ ببركة إيمانهم وعملهم الصالح ﴿ففى رحمة الله﴾ أى ففى جنته. والتعبير عن الجنة بالرحمة من باب التعبير بالحال عن المحل فتكون الظرفية حقيقة. وإذا أريد برحمة الله ثوابه وجزاؤه تكون الظرفية مجازية. وفى التعبير عن الجنة بالرحمة إشعار بأن دخولها إنما هو بمحض فضل الله - تعالى - فهو - سبحانه- المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء. وقوله ﴿هم فيها خالدون﴾ بيان لما خصهم الله - تعالى - من خلود فى هذا النعيم الذى لا يجد بحد، ولا يرسم برسم، ولا تبلغ العقول مداه. أى هم فى الرحمة باقون دائمون فقد أعطاهم الله - تعالى - عطاء غير مجذوذ. وقد بدأ - سبحانه - كلامه عن الفريقين بالذين ابيضت وجوههم ثم قدم الحديث عن حال الذین آسودت وجوههم علی الذین ابيضت وجوههم، ليكون ابتداء الكلام واختتامه عن هؤلاء السعداء بما يسر القلب ويشرح الصدر ويغرى الناس بالتمسك بعرى الإِيمان وبالإِكثار من العمل الصالح الذى يوصلهم إلى رحمة الله ورضاه. ووصف - سبحانه - الذين ابيضت وجوههم بأنهم خالدون فى رحمته، ولم يصف الذين اسودت وجوههم بالخلود فى العذاب للتصريح فى غير هذا الموضع بخلودهم فى هذا العذاب كما فى قوله - تعالى - ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾(١). وللإشعار بأن باب رحمته - سبحانه - مفتوح أمام هؤلاء الضالين فعليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يقلعوا عن الكفر إلى الإيمان والعمل الصالح حتى ينجوا من عذاب الله وسخطه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. وبعد أن أفاض - سبحانه - فى الحديث عن أحوال السعداء وأحوال الأشقياء وعن رذائل : (١) سورة البينة الآية ٦. ٢١٠ المجلد الثانى الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم ممن أشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وبعد أن ساق - سبحانه- من التوجيهات الحكيمة، والإرشادات النافعة ما يشفى الصدور ويهدى النفوس، بعد كل ذلك، خاطب - سبحانه - نبيه## بقوله : ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق، وما الله يريد ظلماً للعالمين﴾. والمراد بالآيات ما سبق ذكره فى هذه السورة وغيرها من آيات قرآنية تهدى إلى الرشد وتشهد بوحدانية الله - تعالى - وبصدق رسوله وي فيما يبلغه عنه. وكانت الإِشارة بتلك الدالة على البعد للإشعار بعلو شأن هذه الآيات وسمو منزلتها وعظم قدرها . ومعنى ﴿نتلوها﴾ نقرؤها عليك يا محمد شيئًا فشيئًا قراءة واضحة جلية لتبلغها للناس على مكث وتدبر وروية. وأسند - سبحانه - التلاوة إليه مع أن التالى فى الحقيقة جبريل - عليه السلام - للتنيه على شرف هذه الآيات المتلوة، ولأن تلاوة جبريل إنما هى بأمر منه - سبحانه - وقال - سبحانه - ﴿تلك آيات الله نتلوها﴾ فأظهر لفظ الجلالة ولم يقل تلك آياتنا نتلوها، ليكون التصريح باسمه - سبحانه - مربيا فى النفوس المهابة والإجلال له، إذ هو المستحق وحده لوصف الألوهية فلا إله سواء ولا معبود بحق غيره، وهو ذو الجلال والإكرام، وهو المنشىء الموجد لهذا الكون وما فيه ومن فيه. فالتصريح باسمه - تعالى - يزيد البيان جلالا ويبعث فى النفوس الخشبية والمراقبة والبعد عما يوجب العقاب والإقبال على ما يوصل إلى الثواب. وقوله ﴿بالحق﴾ فى موضع الحال المؤكدة من الفاعل أو المفعول. أى نتلوها عليك متلبسة بالحق أو متلبسين بالصدق أو العدل فى كل ما دلت عليه هذه الآيات ونطقت به، مما لا تختلف فيه العقول السليمة، والمدارك القويمة. وقوله - تعالى ﴿وما الله يريد ظلما للعالمين) نفى للظلم بأبلغ وجه فإنه - سبحانه - لم ينف فقط الظلم عن ذاته بل نفى عن ذاته إرادة الظلم إذ هو أمر يليق به - سبحانه - ولا يتصور وقوعه منه . وكيف يريد الظلم من منح هذا العالم كله الوجود، وخلق هذا الكون برحمته وقدرته وعدله ؟ والظلم - كما يقول الراغب - وضع الشىء فى غير موضعه المختص به إما بزيادة أو بنقصان وإما بعدول عن وقته ومكانه ، ومن هذا يقال: ظلمت السقاء إذا تناولته فى غير وقته، ٢١١ سورة آل عمران وظلمت الأرض إذا حفرتها ولم تكن موضعًا للحفر. قال بعض الحكماء : الظلم ثلاثة أنواع : الأول : ظلم بين الإِنسان وبين الله - تعالى - وأعظمه الكفر والشرك والنفاق وإياه قصد -سبحانه- بقوله: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾. والثانى: طلم بينه وبين الناس وإياه قصد بقوله: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس﴾. والثالث: ظلم بينه وبين نفسه وإياه قصد بقوله: ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾(١) والظلم الذى نفى إرادته - سبحانه - عن ذاته عام لا يخص نوعا دون نوع، إذ من المعروف عند علماء اللغة أن النكرة فى سياق النفى تعم، وهنا جاء لفظ الظلم منكرا فى سياق النفى وهو ما. قال الجمل واللام فى قوله ﴿للعالمين﴾ زائدة لا تعلق لها بشىء زيدت فى مفعول المصدر وهو ((ظلم)) والفاعل محذوف. وهو فى التقدير ضمير البارىء - سبحانه - والمعنى ما الله يريد أن يظلم العالمين، فزيدت اللام تقوية للعامل كقوله ﴿فعال لما يريد﴾(٢). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه هو المالك لكل شىء وأنه هو وحده الذى إليه تصير الأمور فقال: ﴿والله ما فى السموات وما فى الأرض﴾ أى له - سبحانه - وحده ما فيهما من المخلوقات ملكا وخلقا وتدبيرا وتصرفا وإحياء وإماتة وإثابة وتعذيبًا. ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ أى إلى حكمه وقضائه تعود أمور الناس وشئونهم فيجازى الذين أساؤوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى، لأنه - سبحانه - منه المبدأ وإليه المآب فيجازى كل إنسان على حسب اعتقاده وعمله بدون ظلم أو محاباة. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت الناس من أهوال يوم القيامة الذى تبيض فيه وجوه وتسود وجوه وبينت الأسباب التى أدت إلى فوز من فاز وإلى شقاء من شقى، ونوهت بشأن الآيات التى أنزلها الله -تعالى- على نبيه# لتكون هداية للناس وصرحت بأن الله -تعالى- هو الخالق لكل شىء وإليه مرجع الأمور ومصيرها فيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. وبعد أن أمر الله - تعالى - المؤمنين بالدعوة إلى الخير ونهاهم عن التفرق والاختلاف المفضى إلى العذاب العظيم يوم القيامة، وبين لهم أن مصير الأمور إليه بعد كل ذلك ساق لهم ما يقوى إيمانهم ويثبت يقينهم، بأن بشرهم بحسن العقبى متى استقاموا على أمره، وأمروا بالمعروف (١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ٣١٦. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٣٠٣. ٢١٢ المجلد الثانى ونهوا عن المنكر، وأنذر الكافرين من أهل الكتاب بالهزيمة فى الدنيا، وبغضب الله - تعالى - فى الآخرة فقال - تعالى : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْءَامَنَ أَهْلُ اَلْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمَّ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُ هُمُ الْفَسِقُونَ (١) لَنْ يَضُرُوكُمْ إِلَّ أَذَىّ وَإِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّلَا يُنْصَرُونَ (١) ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الَّذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُواْإِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُ و بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ (١١٢ وقوله - تعالى - ﴿ كنتم﴾ يصح أن تكون من كان التامة التى بمعنى وجد وهى لا تحتاج إلى خبر فيكون المعنى وجدتم خير أمة أخرجت للناس، ويكون قوله ﴿خير أمة﴾ بمعنى الحال. وبهذا الرأى قال جمع من المفسرين. ويصح أن تكون من كان الناقصة التى هى - كما يقول الزمخشرى - عبارة عن وجود الشىء فى زمان ماض على سبيل الإِبهام وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طارىء فيكون المعنى : قدرتم فى علم الله - تعالى - خير أمة أخرجت للناس. ويجوز أن تكون بمعنى صار. أى تحولتم با معشر المؤمنين الذين عاصرتم النبى وَّر من جاهليتكم إلى أن صرتم خير أمة. وقيل: إن ((كان)) هنا زائدة، والتقدير: أنتم خير أمة. ورد هذا القول بأن كان لا تزاد فى أول الكلام . ٢١٣ سورة آل عمران والظاهر أن الرأى الأول الذى يقول إن ﴿كنتم﴾ هنا من كان التامة هو أقرب الأقوال إلى الصواب ((ويليه الرأى الثانى الذى يرى أصحابه أن ((كنتم)) هنا من ((كان)) الناقصة إلا أنها هنا تدل على تحقق شىء بصفة فى الزمان الماضى من غير دلالة على عدم سابق أو لا حق. والخطاب فى هذه الآية الكريمة بقوله - تعالى - ﴿كنتم﴾ للمؤمنين الذين عاصروا النبى بنهاية. ولمن أتى بعدهم واتبع تعاليم الإِسلام إلى يوم الدين. ولذا قال ابن كثير: والصحيح أن هذه الآية عامة فى جميع الأمة. كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله وَّر ثم الذين يلونهم، كما قال - سبحانه - فى الآية الأخرى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ . وقد وردت أحاديث متعددة فى فضل هذه الأمة الإسلامية، منها: ما جاء فى مسند الإِمام أحمد وفى سنن الترمذى وابن ماجه من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه قال: قال رسول الله - (18 - أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله - تعالى -))(١). والمعنى : وجدتم يا معشر المسلمين العاملين بتعاليم الإِسلام وآدابه وسنته وشريعته خير أمة أخرجت وأظهرت للناس، من أجل إعلاء كلمة الحق وإزهاق كلمة الباطل، ونشر الإصلاح والنفع فى الأرض. وقوله ﴿خير أمة﴾ خبر كنتم على أنها من كان الناقصة. وجملة ﴿أخرجت﴾ صفة لأمة، وقوله ﴿للناس﴾ متعلق بأخرجت، وحذف الفاعل من ﴿أخرجت﴾ للعلم به أى: خرجها الله - تعالى - لنفع الناس وهدايتهم إلى الصراط المستقيم. فالجملة الكريمة تنوه بشأن الأمة الإسلامية وتعلى من قدرها، فهل تعى الأمة الإِسلامية هذا التنويه من شأنها وذلك الإِعلاء من قدرها فتقوم بدورها الذى اختاره الله لها، وهو نشر كلمة التوحيد فى الأرض واحقاق الحق وإبطال الباطل شكرًا لله - تعالى - على جعله إياها خير أمة أخرجت للناس؟؟. إن واقع المسلمين الملىء بالضعف والهوان، والفسوق والعصيان يدمى قلوب المؤمنين الصادقين، ويحملهم على أن يبلغوا رسالات الله دون أن يخشوا أحدا سواه حتى تكون كلمته هى العليا وكلمة الذين كفروا هى السفلى. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص٣٩١. ٢١٤ المجلد الثانى ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس فقال : ﴿تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾. والمعروف : هو كل قول أو عمل حسنه الشرع، وأيدته العقول السليمة، والمنكر بعكسه. والمعنى: وجدتم خير أمة أخرجت للناس، لانكم تأمرون بالمعروف أى بالقول أو الفعل الجميل المستحسن فى الشرائع والعقول. ﴿وتنهون عن المنكر﴾ أى كل قول أو فعل قبيح تستنكره الشرائع ويأباه أهل الإِيمان القويم، والعقل السليم. و﴿تؤمنون﴾ بالله أى تصدقون وتذعنون بأنه لا معبود بحق سواه، وتخلصون له العبادة والخضوع، وتطيعونه فى كل ما أمركم به أو نهاكم عنه على لسان رسوله محمد باَثله . فأنت ترى أن الخيرية للأمة الإسلامية منوطة بتحقيق أصلين أساسيين: أولهما: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لأنهما سياج الدين، ولا يمكن أن يتحقق بنيان أمة على الخير والفضيلة إلا بالقيام بهما، فهما من الأسباب التى استحق بنو إسرائيل اللعنة من أجل تركهما، فقد أخرج أبو داود فى سننه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَ له: ((إن أول ما دخل النقص على بنى إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول له : يا هذا اتق الله ودع ماتصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال وَل ﴿ ﴿لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ ثم قال: ((كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذون على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق اطرا - ولتحملنه على اتباع الحق حملا - أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم)). وثانيهما: الإِيمان بالله - تعالى - وبجميع ما أمر الله - تعالى - بالإِيمان به. هذان هما الأمران اللذان يجب أن يتحققا لتكون هذه الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس لأن الأمة التى تهمل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا تؤمن بالله لا يمكن أن تكون خير أمة بل لا توصف بالخيرية قط، لأنه لا خير إلا فى الفضائل والحق والعدل، ولا تقوم هذه الأمور إلا مع وجود الإِيمان بالله وكثرة الدعاة إلى الخير والناهين عن الشر، ويكون لدعوتهم آثارها القوية التى تحيا معها الفضائل وتزول بها الرذائل. ٢١٥ سورة آل عمران وكأنه - سبحانه - قد أخر ((الإيمان بالله)) عن ((الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر)) ليكون كالباعث عليهما لأنه لا يصبر على تكاليفهما ومتاعبهما إلا مؤمن يبتغى وجه الله ويركن فى كفاحه إليه. فهذا الإِيمان بالله هو الباعث للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، على أن يبلغوا رسالات الله، دون أن يخشوا أحدا سواه. وقيل: إنما أخر الإِيمان على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع تقدمه عليهما وجودا ورتبة كما هو الظاهر، لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم دون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فهما أظهر فى الدلالة على الخيرية للأمة الإسلامية. وجملة ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ يجوز أن تكون حالية من ضمير الخطاب فى ﴿كنتم﴾ ويجوز أن تكون مستأنفة للتعليل، وهذا ما ذهب إليه الفخر الرازى، فقد قال: «واعلم أن هذا كلام مستأنف والمقصود منه بیان علة تلك الخیریة، کما تقول. زید کریم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم، وتحقيق الكلام أنه ثبت فى أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف فههنا حكم الله - بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة. ثم ذكر عقيب هذا الحكم هذه الطاعات أعنى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والايمان، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبارات(١). وقال الإِمام ابن كثير - بعد أن ساق بضعة عشر حديثًا فى فضل هذه الأمة : فهذه الأحاديث فى معنى قوله - تعالى - ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم فى هذا المدح، كما قال قتادة، بلغنا أن عمر بن الخطاب رأى من الناس دعة فى حجة حجها فقرأ هذه الآية. ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾، ثم قال: من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها))، رواه ابن جرير ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله : ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ الآية(٢). وبعد أن مدح - سبحانه - هذه الأمة على هذه الصفات شرع فى ذم أهل الكتاب وتأنيبهم فقال - تعالى -: ﴿ولو آمن أهل الكتاب﴾ أى بما أنزل على محمد #﴿ ﴿لكان خيرًا لهم﴾ أى لكان إيمانهم خيرا لهم فى دنياهم وآخرتهم ولنالوا الخيرية التى ظفرت بها الأمة الإسلامية ولكنهم (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ١٩١. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٩٦ ٢١٦ المجلد الثانى لم يؤمنوا فامتنع الخير فيهم لامتناع الإِيمان الصحيح منهم، ولإيثارهم الضلالة على الهداية فهذه الجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - ﴿كنتم خير أمة﴾ .. ومرتبطة بها. ولم يذكر متعلق ﴿آمن﴾ هنا لأن المراد لو اتصفوا بالإِيمان الذى هو لقب وشعار للإيمان بدين الإِسلام الذى أتى به محمد ◌َّله، وهو الذى منه أطلقت صفة الذين آمنوا على المسلمين فصار كالعلم بالغلبة . وقال - سبحانه - ﴿لكان خيرا لهم﴾ أى: لو آمنوا لكان إيمانهم خيرا لهم بدون تفصيل لهذه الخيرية لتذهب نفوسهم كل مذهب فى الرجاء والإِشفاق. ثم أخبر - سبحانه - بأن قلة من أهل الكتاب اختاروا الإِيمان على الكفر فقال - تعالى - ﴿منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون﴾. أى: من أهل الكتاب أمة آمنت بالله وصدقت رسوله محمدا ◌ًله واتبعت ماجاء به من الحق وأكثرهم معرضون عن الإِيمان بالله وبرسوله ◌ّ ﴿ وخارجون عن الطريق المستقيم الذى أمرت باتباعه الشرائع والعقول السليمة. فالجملة الكريمة إنصاف للقلة المؤمنة التى آمنت من أهل الكتاب كعبدالله بن سلام وغيره ممن دخل فى الإِسلام. وذم لأكثر أهل الكتاب الذين جحدوا الحق. وخرجوا عن الطريق القويم . وقوله ﴿منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون﴾ جملة مستأنفة استثنافا بيانيا، فهى جواب للجملة الشرطية التى قبلها. فكأنه قيل : هل منهم من آمن أوكلهم على الكفر؟ فكان الجواب : منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون. وعبر عن كفرهم بالفسق، للإشعار بأنهم قد فسقوا فى دينهم أيضا فهم ليسوا عدولا فيه، وبذلك يكونون قد خرجوا عن الإِسلام وعما أوجبته عليهم كتبهم من الإِيمان بمحمد ◌َله . A ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين، بأن هذه الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب التى عتت عن أمر ربها وناصبت المؤمنين العداء، لن تضرهم ضررا بليغا له أثر مادام أهل الإِيمان مستمسكين بدينهم ومنفذين لتعاليمه وآدابه، فقال - سبحانه - ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ أى ((لن يضركم أهل الكتاب يا معشر المؤمنين إلا ضررا يسيرا، كأن يؤذوكم بألسنتهم ويلقوا الشبه بينكم ليصدوا من ضعف إيمانه عن الحق، وفى هذا تثبيت للمؤمنين، وطمأنينة لقلوبهم، إذ الضرر الذى يصيب الأمة الاسلامية من أعدائها على قسمين : ٢١٧ سورة آل عمران أولهما : ضرر يؤدى إلى هدم كيان الأمة، وإضعاف قوتها وإهدار كرامتها وجعل أمورها فى أيدى أعدائها تصرفها كيف تشاء. وثانيهما : ضرر لا يؤثر فى كيان الأمة، ولا يؤدى إلى اضمحلال قوتها كالأذى بالقول، أو محاولة التأثير فى ضعاف الإِيمان. وقد نفى - سبحانه - أن يلحق المؤمنين ضرر يأتى على كيانهم من جهة أهل الكتاب فقال : ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ فأوقع الفعل المضارع فى حيز لن المفيدة للنفى - للإشارة إلى أن ذلك لا يكون فى المستقبل. ولكن هذا النفى لهذا النوع من الضرر مشروط بمحافظة الأمة الإسلامية على الأصلين السابقين وهما ((الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإِيمان بالله)). فإذا أرادت أمة الاسلام ألا تصاب من جهة أهل الكتاب بما يأتى على كيانها، فعليها أن تخلص العبادة لربها، وأن تعمل بسنة نبيها، وأن تتقيد بأحكام كتابها، وأن تباشر الأسباب التى شرعها خالقها للنصر على أعدائها. أما إذا تركت أمة الإِسلام ما أمرها الله - تعالى - به وتجاوزت مانهاها عنه فإنها فى هذه الحالة قد تصاب من أعدائها بما يؤثر فى كيانها وتكون هى الجانية على نفسها بمخالفتها لأوامر الله ونواهيه . هذا، وأكثر العلماء على أن الاستثناء فى قوله ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ متصل وأنه استثناء مفرغ من المصدر العام كأنه قيل: لن يضروكم ضررا ألبتة إلا ضرر أذى لا يبالى به من كلمة سوء ونحوها. وقيل هو استثناء منقطع لأن الأذى ليس من الضرر: أى لن يضروكم بقتال وغلبة لكن بكلمة أذى ونحوها. ورجح الأول، لأن الكلام إذا أمكن حمله على الاستثناء الحقيقى لم يجز صرفه عن ذلك إلى الاستثناء المنقطع وهنا الأذى مهما قل هو نوع من الضرر وإن لم يترك أثرًا. ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين ببشارة أخرى فقال: ﴿وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ینصرون﴾. تولية الأدبار: كناية عن الهزيمة لأن المنهزم يحول ظهره ودبره إلى جهة الذى هزمه هربا إلى ملجأ يلجأ إليه ليدفع عن نفسه القتل أو الأسر. والمعنى، إن أهل الكتاب لن يضروكم يا معشر المؤمنين إلا ضررا يسيرًالا يبقى أثره فيكم : ٢١٨ المجلد الثانى - مادمتم مستمسكين بدينكم -، فإن قاتلوكم وأنتم على هذه الحال، أمدكم الله بنصره، وألقى فى قلوبهم الرعب فيولونكم الأدبار انهزاما منكم، ثم لا ينصرون عليكم بل تنصرون أنتم عليهم. والتعبير عن الهزيمة بتولية الأدبار، فيه إشارة إلى جبنهم وأنهم يفرون فرارا شديدا بذعر وهلع. وهكذا كان الشأن فى قتال المسلمين الأولين لأعداء الله وأعدائهم، فلقد قاتل المؤمنون اليهود من بنى قينقاع والنضير وقريظة وأهل خيبر فانتصر المسلمون عليهم انتصارًا باهرًا. وقاتلوا جموع الروم فى بلاد الشام وفى مصر، فكان النصر المؤزر حليفا للمسلمين مع قلتهم وكثرة أعدائهم. وقوله ﴿ثم لا ينصرون﴾ احتراس. أى: يولونكم الأدبار تولية المنهزم، لا تولية المتحرف لقتال أو المتحيز إلى فئة أو المتأمل فى الأمر. والتعبير ﴿بثم﴾ الإفادة التراخى فى المرتبة: لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإِخبار بتوليهم الأدبار. وهذه الجملة خبرية وهى معطوفة على جملتى الشرط وجزائه معا، للإِشعار بأن هذا ديدنهم، وأنهم لن ينتصروا على المسلمين لا فى قتال ولا فى غيره، مادام المسلمون مستقيمين على الطريقة التى رسمها الله - تعالى - لهم. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : هلا جزم المعطوف فى قوله ﴿ثم لا ينصرون﴾؟ قلت : عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الاخبار إبتداء كأنه قيل أخبركم أنهم لا ینصرون. فإن قلت: فأى فرق بين رفعه وجزمه فى المعنى؟ قلت لو جزم لكان النصر مقيدا بمقاتلتهم كتولية الأدبار وحين رفع كان نفى النصر وعدا مطلقا كأنه قال. ثم شأنهم وقصتهم التى اخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر، وكان كما أخبر من حال بنى قريظة والنضير وبنى قينقاع ويهود خيبر فإن قلت: فما الذى عطف عليه هذا الخبر؟ قلت : جملة الشرط والجزاء كأنه قيل : أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت فما معنى التراخى فى ثم؟ قلت : التراخى فى المرتبة، لأن الاخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإِخبار بتوليتهم الأدبار فإن قلت: ما موقع الجملتين، أعنى ﴿منهم المؤمنون﴾ و﴿لن يضروكم) قلت هما كلامان واردان ٢١٩ سورة آل عمران على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل : وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت ولذلك جاءا من غير عطف))(١). فأنت ترى الآية الكريمة قد بشرت المؤمنين الصادقين بيشارات ثلاث : أولها : أنهم فى مأمن من الضرر البليغ الذى يؤثر فى كيانهم وعزتهم وكرامتهم من جهة أهل الكتاب. ثانيها : أن أهل الكتاب لو قاتلوهم، فإن المؤمنين سيكون لهم النصر عليهم. ثالثها : أنهم بعد نصرهم عليهم لن تكون لأهل الكتاب - وعلى رأسهم اليهود - شوكة أو قوة للأخذ بثأرهم بعد ذلك. وقد تحققت هذه البشارات، وكانت كما أخبر الله - تعالى - فإن المسلمين الأولين الذين كانوا متمسكين بتعاليم دينهم نصرهم الله - تعالى - على أهل الكتاب وعلى غيرهم من أعدائهم نصرا مؤزرا - كما سبق أن أشرنا - فإن قال قائل : ولكن الذى نراه الآن أن اليهود الذين لا يمارى أحد فى جبنهم وفى حرصهم على الحياة قد انتصروا على المسلمين وأقاموا لهم دولة فى بقعة من أعز بقاع البلاد الإِسلامية وهى فلسطين فهل يخلف وعد الله؟ والجواب على ذلك. أن وعد الله - تعالى - لا يخلف ولن يتخلف وقد حققه - سبحانه - لأسلافنا الصالحين الذى آمنوا به حق الإِيمان. ولكن المسلمين فى هذا العصر هم الذين تغيرت أحوالهم، فقد فرطوا فى دينهم وأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وتفرقوا شيعًا وأحزابًا وتنكبوا الطريق القويم ولم يباشروا الأسباب التى شرعها الله - تعالى - لبلوغ النصر، ولم يحسنوا الشعور بالمسئولية . فلما فعلوا ذلك تبدل حالهم من الخير إلى الشر، ومن القوة إلى الضعف. وسلط الله عليهم من لا يخافهم ولا يرحمهم، لأنه - سبحانه - ﴿لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). وإذا ما عاد المسلمون إلى دينهم فطبقوا أوامره ونواهيه على أنفسهم تطبيقا كاملا، فإن الله -تعالى- سيعيد لهم كرامتهم وعزتهم وقوتهم ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز﴾(٢). (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٠١. (٢) سورة الحج الآية ٤٠ ٢٢٠ المجلد الثانى ومن هنا نعلم أن الشرط فى نفى الضرر الذى يؤثر فى الأمة الإسلامية، هو أن تكون مؤمنة بربها حق الإِيمان متبعة لهدى رسولها محمد الدر . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض العقوبات التى عاقب بها اليهود بسبب كفرهم وظلمهم فقال: ﴿ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾. وأصل الضرب فى كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم بظاهر جسم آخر بشدة يقال ضرب فلان بيده الأرض إذا ألصقها بها، وتفرعت عن هذا المعنى معان مجازية أخرى ترجع إلى شدة اللصوق. والذلة على وزن فعلة من قول القائل : ذل فلان يذل ذلة وذلا . والمراد بها الصغار والهوان والحقارة . فضرب الذلة عليهم كناية عن لزومها لهؤلاء اليهود، وإحاطتها بهم، كما يحيط السرادق بمن یکون فی داخله. قال صاحب الكشاف : جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم، فهم كمن يكون فى القبة من ضربت عليه، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه. فاليهود صاغزون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة))(١). و﴿ثقفوا﴾ أى وجدوا، أو ظفر بهم. يقال: ثقفه أى صادفه أو ظفر به أو أدركه. وهذه المادة تدل على التمكن من أخذ الشىء ومن التصرف فيه بشدة ومنها سمى الأسير ثقافا. والثقاف آلة تكسر بها أغماد الرماح. والحبل : هو ما يربط بين شيئين ويطلق على العهد لأن الناس يرتبطون بالعهود: كما يقع الارتباط الحسى بالحبال، وهذا الإِطلاق هو المراد هنا. ولذا قال ابن جرير: وأما الحبل الذى ذكره الله - تعالى - فى هذا الموضوع، فإنه السبب الذى يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يثقفوا فى بلاد الإِسلام(٢). والمعنى : أن هؤلاء اليهود أحاطت بهم الذلة فى جميع أحوالهم أينما وجدوا وحيثما حلوا إلا فى حال اعتصامهم بعهد من الله أو بعهد من الناس. وقد فسر العلماء عهد الله بعقد الجزية الذى يربط بينهم وبين المسلمين. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢١٧ (٢) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٤٨.