Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة آل عمران
والباء للسببية أى أخذهم بسبب ما اجترحوه من ذنوب. أو الملابسة والمصاحبة. أى أخذهم
وهم متلبسون بذنوبهم دون أن يتوبوا منها أو يقلعوا عنها، والجمل على الوجهين تدل على كمال
عدل الله - تعالى - لأنه ما عاقبهم إلا لأنهم استحقوا ذلك.
وأصل الذنب : الأخذ بذنب الشىء، أى بمؤخرته ثم أطلق على الجريمة لأن مرتكبها يعاقب
بعدها .
وفى قوله: ﴿والله شديد العقاب) إشارة إلى أن شدة العقاب سببها شدة الجريمة وتعليم
للناس بأن كل فعل له جزاؤه، إن خيرًا فخير وإن شرافشر، وتقرير وتأكيد لمضمون ما قبلها .
ثم أنذر الله - تعالى - الكافرين بسوء المصير، وبشر المؤمنين بحسن العاقبة فقال - تعالى -:
﴿قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد﴾.
وقد وردت روايات فى سبب نزول هذه الآية والتى بعدها. من أشهرها: ما ذكره ابن
إسحاق عن عاصم بن عمرو بن قتادة أن رسول الله وي لتر لما أصاب من قريش ما أصاب فى غزوة
بدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود فى سوق بنى قينقاع وقال: ((يا معشر اليهود احذروا من الله
مثل ما نزل بقريش يوم بدر قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أنى نبي مرسل تجدون
ذلك فى كتابكم وعهد الله إليكم)) فقالوا يا محمد، لا يغرنك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا
أغمارا(١) لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة. إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن
الناس. فأنزل الله - تعالى - ﴿قل للذين كفروا ستغلبون﴾ إلى قوله - تعالى - ﴿العبرة لأولى
الأبصار﴾(٢). والمعنى : قل يا محمد هؤلاء اليهود وأمثالهم من المشرکین الذین یدلون بقوتهم،
ويغترون بأموالهم وأولادهم وعصبيتهم .. قل لهم ستغلبون وتهزمون فى الدنيا على أيدى
المؤمنين وتخشرون يوم القيامة ثم تساقون إلى نار جهنم لتلقوا فيها مصيركم المؤلم، ﴿وبئس
المهاد﴾ أى بئس المكان الذى هيأوه لأنفسهم فى الآخرة بسبب سوء فعلهم. والمهاد: المكان
الممهد الذى ينام عليه كالفراش.
ولقد أمر الله - تعالى - نبيه وير أن يتولى الرد عليهم. وأن يواجههم بهذا الخطاب المشتمل
على التهديد والوعيد، لأنهم كانوا يتفاخرون عليه بأموالهم وبقوتهم، فكان من المناسب أن
يتولى بَيّر الرد عليهم، وأن يخبرهم بأن النصر سيكون له ولأصحابه، وأن الدائرة ستدور
علیهم .
وقوله ﴿ستغلبون﴾ إخبار عن أمر يحصل فى المستقبل، وقد وقع كما أخبر به الله - تعالى -
(١) الأغمار: جمع غمر - بضم الغين - وهو الجاهل الذى لم يجرب الأمور.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٥٠

٤٢
المجلد الثانى
فقد دارت الدائرة على اليهود من بنى قينقاع والنضير وقريظة وغيرهم، بعد بضع سنوات من
الهجرة، وتم فتح مكة فى السنة الثامنة بعد الهجرة.
وقوله ﴿وبئس المهاد﴾ إما من تمام ما يقال لهم، أو استئناف لتهويل شأن جهنم، وتفظيع
حال أهلها.
ثم ساق القرآن مثلا مشاهدًا يدل على نصر الله - تعالى - لأوليائه وخذلانه لأعدائه، فقال :
﴿قد كان لكم آية فى فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم رأى
العين﴾ .
والمراد بالآية هنا العلامة والبرهان والشاهد على صدق الشىء المخبر عنه.
والفئة - كما يقول القرطبى - الجماعة من الناس، وسميت الجماعة من الناس فئة لأنها يفاء
إليها، أى يرجع إليها فى وقت الشدة، ولا خلاف فى أن الإِشارة بهاتين الفئتين هى إلى يوم
بدر. ثم قال: ويحتمل أن يكون المخاطب بهذه الآية جميع المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب بها جميع
الكفار، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة، وبكل احتمال منها قد قال قوم. وفائدة الخطاب
للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها، حتى يقدموا على مثليهم وأمثالهم كما قد وقع(١).
والمعنى : قد كان لكم أيها الناس علامة عظيمة، ودلالة واضحة على أن الكافرين سيغمبون
والمؤمنين سينصرون بما جرى فى غزوة بدر، فقد رأيتم كيف أن الله - تعالى - قد نصر المؤمنين
مع قلة عددهم، وهزم الكافرين مع كثرة عددهم وعددهم. ولقد كان المؤمنون يرون أعداءهم
أكثر منهم عددًا وعدة ومع ذلك لم يهابوهم ولم يجبنوا عن لقائهم، بل أقدموا على قتالهم بإيمان
وشجاعة فرزقهم الله النصر على أعدائهم.
ووصف - سبحانه - الفئة المؤمنة بأنها تقاتل فى سبيل الله، على سبيل المدح لها، والإِعلاء
من شأنها، وبيان الغاية السامية التى من أجلها قاتلت، ومن أجلها تم لها النصر فهى لم تقاتل
لأجل عرض من أعراض الدنيا، وإنما قاتلت لإعلاء كلمة الله ونصرة الحق.
ووصف الفئة الأخرى بأنها كافرة؛ لأنها لم تؤمن بالحق، ولم تتبع الطريق المستقيم، بل
كفرت بكل ما يصلحها فی دینها ودنياها.
ولم يصفها بالقتال كما وصف الفئة المؤمنة. إسقاطا لقتال تلك الفئة الكافرة عن درجة "
الاعتبار، وإيذانا بأن الرعب الذى ألقاه الله فى قلوبهم عند لقائهم للؤمنين، جعلهم بأنهم ليسوا
أهلا لأن يوصفوا بالقتال.
(١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٢٥.
:
٠

٤٣
سورة آل عمران
هذا وللعلماء أقوال فى المراد من قوله - تعالى - ﴿يرونهم مثليهم رأى العين) وقد أشار
صاحب الكشاف إلى هذه الأقوال فقال: ﴿يرونهم مثليهم﴾ أى: يرى المشركون المسلمين مثلى
عدد المشركين أى قريبا من ألفين، أو مثلى عدد المسلمين أى ستمائة ونيفا وعشرين. أراهم الله
إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم. وكان ذلك مددًا لهم من الله كما أمدهم
بالملائكة. والدليل عليه قراءة نافع ((ترونهم)) بالتاء، أى ترون يا مشركى قريش المسلمين مثلى
فئتكم الكافرة، أو مثلى أنفسهم. فإن قلت فهذا مناقض لقوله فى سورة الأنفال ﴿ويقللكم فى
أعينهم) قلت: قللوا أولا فى أعينهم حتى اجترؤا عليهم: فلما لاقوهم كثروا فى أعينهم حتى
غلبوا، فكان التقليل والتكثير فى حالين مختلفين .. وتقليلهم تارة وتكثيرهم تارة أخرى فى
أعينهم أبلغ فى القدرة وإظهار الآية. وقيل: يرى المسلمون المشركين مثلى المسلمين على ماقرر
عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين فى قوله ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾.
بعدما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة فى قوله - تعالى - ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون
يغلبوا مائتين﴾(١).
والذى نراه أن الرأى الذى عبر عنه صاحب الكشاف بقوله : وقيل: يرى المسلمون
المشركين مثلى المسلمين .. إلخ هذا الرأى هو أقرب الأقوال إلى الصواب؛ لأن المسلمين فى
غزوة بدر كانوا أقل عددا وعدة من المشركين، ولأن التعبير بقوله - تعالى - ﴿رأى العين) يفيد
أن رؤية هذه الكثرة من المشركين كانت رؤية بصرية بالمشاهدة، وليست بالتقدير أو التخيل،
وهذا يتحقق فى رؤية المؤمنين للمشركين :
فإن قيل : إن المشركين فى بدر كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين تقريبا - كما حكى لنا التاريخ - ولم .
یکونوا مثلیھم أی ضعفهم؟
فالجواب على ذلك أن هذا التقدير للمشركين من جانب المؤمنين كان تقديرًا تقريبيا وليس
تقديرا عدديا، فثلاثة الأمثال قد ترى رأى العين مثلين أو نقول : إن المراد بكلمة مثلين مجرد
التكرار وليس المراد بها التثنية على الحقيقة، كما فى قوله - تعالى - ﴿فارجع البصر هل ترى من
فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير﴾، فالمراد تكرار النظر مرة
ومرات وليس المراد التحديد بكرتين.
وقد رجح ابن جرير الطبرى هذا الرأى، فقد قال بعد سرده لجملة من أقوال العلماء : وأولى
هذه القراءات بالصواب: قراءة من قرأ ﴿يرونهم) بمعنى: وأخرى كافرة يراهم المسلمون
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٤١.

٤٤
المجلد الثانى
مثليهم، يعنى : مثلى عدد المسلمين، لتقليل الله إياهم فى أعينهم فى حال. فكان حزرهم إياهم
كذلك .. ثم قال: وأما قوله: ﴿رأى العين﴾ فإنه مصدر رأيته. يقال رأيته رأيًا ورؤية، ويقال
هو منى رأى العين، ورأى العين - بالنصب والرفع - يراد حيث يقع عليه بصرى .. فمعنى
ذلك: يرونهم حيث تلحقهم أبصارهم وتراهم عيونهم مثليهم))(١).
وقوله - تعالى - ﴿قد كان لكم آية﴾ .. إلخ من تمام القول المأمور به جىء به لتقرير وتحقيق
ما قبله. و﴿كان﴾ هنا ناقصة، و﴿آية﴾ اسمها، وترك التأنيث فى - كان - لوجود الفاصل
بينها وبين اسمها، ولأن المرفوع بها وهو اسمها مجازى التأنيث أو باعتبار أن الآية برهان ودليل.
وقوله ﴿لكم﴾ خبر كان. وقوله ﴿فئة﴾ خبر لمبتدأ محذوف أى. إحداهما فئة تقاتل فى سبيل
الله. وقوله ﴿وأخرى﴾ نعت لمقدر أى وفئة أخرى كافرة. والجملة مستأنفة لتقرير ((ما فى الفئتين
من الآية)) ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ﴿والله يؤيد بنصره من يشاء إن فى ذلك لعبرة
الأولى الأبصار﴾.
أى: والله - تعالى - يؤيد بنصره من يشاء نصره وفوزه، فهو القادر على أن يجعل الفئة
القليلة تغلب الفئة الكثيرة، لاراد لمشيئته ولا معقب لحكمه وإن الذين يغترون بقوتهم وحدها،
ويغترون بما بين أيديهم من أموال وعتاد ورجال، ولا يعملون حسابا للقدر، الذى يجريه الله
على حسب مشيئته وإرادته هؤلاء الذين غرهم بالله الغرور، تداهمهم الهزيمة من حيث
لا يحتسبون، وقد يفجؤهم الخسران والخذلان من الطريق الذى توهموا فيه الكسب والانتصار.
لذا أمر الله - تعالى - عباده بالاعتبار والاتعاظ فقال: ﴿إن فى ذلك لعبرة الأولى الأبصار﴾
واسم الإشارة ذلك يعود إلى المذكور الذى رأوه وشاهدوه وهو أن الفئة القليلة المؤمنة غلبت
الفئة الكثيرة الكافرة.
والعبرة - الاعتبار والاتعاظ وأصله من العبور وهو النفور من أحد الجانبين إلى الآخر،
وسمى الاتعاظ عبرة، لأن المعتبر المتعظ يعبر من الجهل إلى العلم، ومن الهلاك إلى النجاة .
أى: إن فى ذلك الذى شاهده الناس وعاينوه من انتصار الفئة القليلة التى تقاتل فى سبيل
الله، على الفئة الكثيرة التى تقاتل فى سبيل الطاغوت، لعبرة عظيمة، ودلالة واضحة،
لأصحاب المدارك السليمة والعقول الواعية التى تفهم الأمور على حقيقتها، وتؤمن بأن الله
-تعالى- قادر على كل شىء، أما أصحاب القلوب المطموسة والنفوس المغرورة بقوتها. فهى
عن الاعتبار والاتعاظ بمعزل.
(١) تفسير ابن جرير جـ ٣ ص ١٩٨ - بتصرف وتلخيص.

٤٥
سورة آل عمران
قال الفخر الرازى ما ملخصه: ((واعلم أن العلماء ذكروا فى تفسير كون تلك الواقعة آية بينة
وعبرة واضحة - وجوها : منها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن
المقاومة أمور منها قلة العدد، وأنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا، ومنه قلة
السلاح، ومنها أنها كانت ابتداء غارة فى الحرب لأنها أول غزوات الرسول وَ﴿ وكان قد حصل
للمشركين أضداد هذه المعانى من الكثرة والتأهب وغير ذلك ومع هذا فقد انتصر المؤمنون، ولما
كان ذلك خارجا عن العادة كان معجزا))(١).
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد أنذرت الكافرين بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم،
وساقت لهم ما يؤيد ذلك من واقع ما شاهدوه، وبشرت المؤمنين بنصر الله لهم، وحثنهم على
الاتعاظ والاعتبار، لأن من شأن المعتبرين أن يكونوا مراقبين لله - تعالى - ومنفذين لأوامره،
ومبتعدين عن نواهيه، ومن كان كذلك كان الله معه بنصره وتأييده.
ثم بين - سبحانه - أهم الشهوات التى يؤدى الانهماك فى طلبها إلى الانحراف فى التفكير،
وإلى عدم التبصر والاعتبار، ودعا الناس إلى التزود من العمل الصالح الذى يفضى بهم إلى
رضاه - سبحانه - فقال :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ
وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَاُلْفِضَّةِ
وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَعُ
الْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا وَاَللَّهُ عِندَهُ وحُسْنُ الْمَغَابِ
١٤
قَلّ
أَوْ نَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْ عِندَرَبِّهِمْ جَنٌَّ
تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَهَّرَةُ
وَرِضْوَابٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
(١٥
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٢٠٣.

٤٦
المجلد الثانى
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَاَءَ امَنَّافَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ ، الضَِّينَ وَالصََّدِّقِينَ وَالْقَنِتِينَ
وَاْلْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ
١٧
فأنت ترى فى هذه الآيات الكريمة بيانا حكيما من الله - تعالى - لأهم متع الحياة الدنيا
وشهواتها، ولما هو خير من هذه المتع والشهوات، مما أعده الله لعباده المتقين من جنات
وخيرات.
وقوله ﴿زين﴾ من التزيين وهو تصيير الشىء زينا أى حسنا. والزينة هى ما فى الشىء من
المحاسن التى ترغب الناظرين فى اقتنائه.
قال الراغب: ((والزينة بالقول المجمل ثلاث : زينة نفسية كالعلم والاعتقادات الحسنة ،
وزينة بدنية كالقوة وطول القامة، وزينة خارجية كالمال والجاه .. وقد نسب الله التزيين فى
مواضع إلى نفسه كما فى قوله - تعالى - ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم﴾
ونسبه فى مواضع إلى الشيطان كما فى قوله ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم﴾ وذكره فى مواضع
غير مسمى فاعله كما فى قوله - تعالى - ﴿زين للناس حب الشهوات﴾(١).
والشهوات جمع شهوة، وهى ثوران النفس وميلها نحو الشىء المشتهى. والمراد بها هنا
الأشياء المشتهاة من النساء والبنين .. إلخ. وعبر عنها بالشهوات للإشارة - كما يقول
الألوسى - إلى ماركز فى الطباع من محبتها والحرص عليها حتى لكأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل
لمريض : ما تشتهى ؟ فقال: أشتهى أن أشتهى. أو تنبيها على خستها : لأن الشهوات خسيسة
عند الحكماء والعقلاء ففى ذلك تنفير عنها وترغيب فيما عند الله ، ثم قال : والتزيين للشهوات
يطلق ويراد به خلق حبها فى القلوب، وهو بهذا المعنى مضاف إليه - تعالى - حقيقة؛ لأنه
لا خالق إلا هو. ويطلق ويراد به الحض على تعاطى الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثانى
مضاف إلى الشيطان تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها))(٢).
ثم بين - سبحانه - أهم المشتهيات التى يحبها الناس، وتهفو إليها قلوبهم، وترغب فيها
نفوسهم، فأجملها فى أمور ستة.
(١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى ص ٢١٨.
(٢) تفسير الألوسى جـ ٣ ص ٩٩. بتلخيص.

٤٧
سورة آل عمران
أما أولها: فقد عبر عنه القرآن بقوله: ((من النساء ولا شك أن المحبة بين الرجال والنساء
شىء فطرى فى الطبيعة الإنسانية، ويكفى أن الله - تعالى - قد قال فى العلاقة بين الرجل والمرأة
﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾(١).
وقال - تعالى - فى آية ثانية ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها
وجعل بينكم مودة ورحمة﴾(٢) وإن بعض الرجال قد يستهين بكل شىء فى سبيل الوصول إلى
المرأة التی یهواها ويشتهيها والأمثال على ذلك كثيرة ولا مجال لذكرها هنا وصدق رسول الله حیث
يقول: ((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء))(٣)، ولذا قدم القرآن اشتهاءهن
على كل شهوة. و﴿من﴾ فى قوله ﴿من النساء والبنين﴾ بيانية، وهى مع مجرورها فى محل نصب
على الحال من الشهوات. واكتفى القرآن بذكر محبة الرجل للمرأة مع أن المرأة كذلك تحب .
الرجل بفطرتها لأن ذكر محبة أحدهما للآخر يغنى عن ذكر الطرفين معًا، وما يستفاد بالإِشارة
يستغنى فيه عن العبارة خصوصًا فى هذا المجال الذى يحرص فيه القرآن على تربية الحياء والأدب
فى النفوس، ولأن المرأة فى هذا الباب يهمها أن تكون مطلوبة لا طالبة. وحتى لو كانت محبتها
للرجل أشد فإنها تحاول أن تثير فيه ما يجعله هو الذى يطلبها لا هى التى تطلبه.
وأما ثانى المشتهيات: فقد عبر عنه القرآن بقوله ﴿والبنين﴾ جمع ابن، وهو معطوف على
ما قبله، وقد ذكر حب البنين بعد حب النساء لأن البنين ثمرة حب النساء، واكتفى بذكر
البنين، لأنهم موضع الفخر فى العادة وحب الأولاد طبيعة فى النفس البشرية فهم ثمرات
القلوب، وقرة الأعين ومهوى الأفئدة، ومطمح الآمال، ولقد تمنى الذرية جميع الناس حتى
الأنبياء فهذا سيدنا إبراهيم يقول: ﴿رب هب لى من الصالحين﴾ وسيدنا زكريا يقول: ﴿رب ».
لا تذرنى فردًا وأنت خير الوارثين﴾.
والإِنسان فى سبيل حبه لأولاده يضحى براحته، وقد يجمع المال من أجلهم من حلال ومن
حرام، وقد يرتكب بعض الأعمال التى لا يريد ارتكابها إرضاء لهم، وقد يمتنع عن فعل أشياء
هو يريد فعلها لأن مصلحتهم تقتضى ذلك.
وصدق الله إذ يقول: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ وصدق رسوله صل* حيث يقول:
((الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة مبخلة محزنة)) أى أن الأبناء يجعلون آباءهم يجبنون خوفا من
(١) سورة البقرة الآية ص ١٨٧ .
(٢) سورة الروم آية ٢١.
(٣) أخرجه البخارى فى كتاب النكاح. باب ما يتقى من شؤم المرأة جـ٧ ص١١ طبعة المجلس سنة ١٣٤٥ .

٤٨
المجلد الثانى
الموت لئلا يصيب أبناءهم اليتم وآلامه، ويجعلونهم يبخلون فلا ينفقون فيما ينبغى أن ينفق فيه
إيثارًا لهم بالمال، ويجعلونهم يحزنون عليهم إن أصابهم مرض ونحوه.
أما الأمر الثالث من المشتهيات : فقد عبر عنه القرآن بقوله ﴿والقناطير المقنطرة من الذهب
والفضة﴾ والقناطير جمع قنطار، وهو مأخوذ من عقد الشىء وإحكامه، تقول العرب: قنطرت
الشىء إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة لإِحكامها.
قال الفخر الرازى ((القنطار مال كثير يتوثق الإِنسان به فى دفع أصناف النوائب وحكى
أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون : إنه وزن لا يجد. واعلم أن هذا هو الصحيح، ومن الناس
من حاول تحديده. فعن ابن عباس : القنطار ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار
الدية))(١).
ولفظ ﴿المقنطرة﴾ مأخوذ من القنطار. ومن عادة العرب أن يصفوا الشىء بما يشتق منه
للمبالغة أى والقناطير المضاعفة المتكاثرة المجموعة قنظارًا قنطارًا كقولهم : دراهم مدرهمة وإبل
مؤبلة.
وقوله ﴿من الذهب والفضة﴾ بيان للقناطير، وهو فى موضع الحال منها.
والمراد أن الإِنسان محب للمال حبا شديدًا، قال - تعالى - ﴿وإنه لحب الخير الشديد﴾ وقال
تعالى - ﴿وتأكلون التراث أكلا لما. وتحبون المال حبا جما﴾.
وفى الحديث الشريف الذى رواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله وَلا قال: ((لو كان
لابن آدم واديان من مال لا بتغى ثالثًا. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. ويتوب الله على من
تاب)) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وقالت السيدة - عائشة - رضى الله عنها - ((رأيت ذا المال مهيبا، ورأيت ذا الفقر مهينا))
وقالت: ((إن أحساب ذوى الدنيا بنيت على المال))(٢).
وإنما كان الذهب والفضة محبوبين، لأنهما - كما يقول الرازى - جعلا ثمنا لجميع الأشياء،
فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء)) وصفة المالكية هى القدرة، والقدرة صفة كمال، والكمال
محبوب لذاته، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذى هو محبوب
لذاته - وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب - لا جرم كانا محبوبين))(٣).
(١) التفسير الكبير للفخر الرازى جـ ٧ ص ٢١٠.
(٢) التاج الجامع للأصول فى أحاديث الرسول جـ ٥ ص ١٦٢ للشيخ منصور على ناصف.
(٣) التفسير الكبير للفخر الرازى جـ ٧ ص ٢١١.

٤٩
سورة آل عمران
وأما المشتهيات الرابعة والخامسة والسادسة فتتجلى فى قوله - تعالى - ﴿والخيل المسومة
والأنعام والحرث﴾.
ولفظ الخيل يرى سيبويه أنه اسم جمع لا واحد له من لفظه، بل مفرده فرس فهو نظير قوم ..
ورهط ونساء. ويرى الأخفش أنه جمع تكسير وواحده خائل، فهو نظير راكب، وطائر وطير.
وهو مشتق من الخيلاء لأنها تختال فى مشيتها.
والمسومة : أى الراعية فى المروج والمسارح. يقال: سوم ماشيته إذا أرسلها فى المرعى. أو
المطهمة الحسان، من السيما بمعنى الحسن أو المعلمة ذات الغرة والتحجيل من السمة بمعنى
العلامة .
والخيل كانت ومازالت زينة محببة مرغوبة، مهما تفنن البشر فى اختراع صنوف من المراكب
برًا وبحرًا وجواً فمع وجود هذه المراكب المتنوعة مازال للخيل عشاقها الذين يعجبهم ما فيها
من جمال وانطلاق وألفة. ويقتنونها للركوب والمسابقات .. ﴿والأنعام) جمع نعم، وهى الإِبل
والبقر والغنم. ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإِبل خاصة فإنها غلبت عليها.
والأنعام فيها زينة. والإِنسان فى حاجة شديدة إليها فى مركبه ومطعمه وغير ذلك. قال
-تعالى- ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون. ولكم فيها جمال حين تريحون
وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف
رحيم﴾(١).
و﴿الحرث﴾ مصدر بمعنى المفعول أى المحروث. والمراد به المزروع سواء أكان حبوبًا أم
بقلا، أم ثمرًا إذ من هذه الأشياء يتخذ الإِنسان مطعمه وملبسه وأدوات زينته.
تلك هى أهم المشتهيات فى هذه الحياة إلى نفس الإِنسان قد جمعها القرآن فى آية واحدة،
وقد اختصها - سبحانه - بالذكر لأنها أوضح من غيرها فى الاحتياج إليها والتلذذ بها، ولأن
فيها إشارة إلى أنواع المتع كلها سواء أكانت متعة جسدية أم روحية، أم مالية، أم غير ذلك من
ألوان المتع، ومن مستلزمات الحياة.
وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله ﴿ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب﴾. واسم
الإِشارة ﴿ذلك﴾ يعود إلى كل ما تقدم ذكره من الأمور الستة التى سبق الحديث عنها، والمآب:
مصدر ميمى بوزن مفعل، من آب. كقال - إيابًا وأوبًا ومابًا، إذا رجع. وأصله مأوب نقلت
حركة الواو إلى الهمزة ثم قلبت الواو ألفًا مثل مقال.
(١) سورة النحل الآية ٥ - ٧.

٥٠
المجلد الثانى
أى ذلك المذكور من النساء والبنين وما عطف عليهما هو موضع الزينة، ومطلب الناس الذى
يستمتعون به، ويرغبون فيه، ويشتهونه اشتهاء عظيما فى حياتهم، والله - تعالى - عنده المرجع
الحسن وهو الجنة، فهى الأحق بالرغبة فيها لبقائها دون المتع الفانية.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المشتهيات التى جبل الإنسان على الميل إليها، وصياغة
الفعل للمجهول ﴿زين للناس﴾ للإشارة إلى أن محبة هذه الأشياء واشتهاءها مركوز فى الفطرة
الإِنسانية منذ أوجد الله الإنسان فى هذه الحياة الدنيا.
وهذه المشتهيات ليست خسيسة فى ذاتها، ولا يقصد الإِسلام إلى تخسيسها فى ذاتها أو إلى
التنفير منها، وإنما الإِسلام يريد من أتباعه أن يقتصدوا فى طلبها، وأن يطلبوها من وجوهها
المشروعة، وأن يضعوها فى مواضعها المشروعة، وأن يشكروا الله عليها، وألا يجعلوها غاية
مقصدهم فى هذه الحياة. إن الإِسلام لا يحارب الفطرة الإِنسانية التى تشتهى هذه الأشياء، وإنما
يهذبها ويضبطها ويرشدها إلى أن تضع هذه الاشياء فى موضعها المناسب، بحيث لاتطغى على
غيرها ولا تستعمل فى غير ما خلقها الله من أجله، وبذلك يسعد الإنسان فى دينه ودنياه
وآخرته .
وللإِمام ابن كثير كلام حسن عند تفسيره لهذه الآية فقد قال ما ملخصه : يخبر الله - تعالى -
عما زين للناس فى هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة
بهن أشد .. فأما إذا كان القصد بهن الإِعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب
إليه كما وردت الأحاديث بذلك .. وحب المال كذلك تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر ..
فيكون مذموما، وتارة يكون للنفقة فى وجوه البر فيكون محمودًا .. وحب الخيل على ثلاثة
أقسام، تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزوا عليها فهؤلاء
يثابون. وتارة تربط فخرا ومناوأة لأهل الإِسلام فهذه على صاحبها وزر. وتارة تربط للتعفف
واقتناء نسلها ولم ينس صاحبها حق الله فيها فهذه لصاحبها ستر. وفى الحديث الشريف أن
رسول الله وَلفي قال: ((خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة)) والسكة النخل المصطف،
والمأبورة الملقحة، (١). وفى الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله ((ما من
مسلم غرس غرسا أو زرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقه))(٢).
هذا، وختام الآية الكريمة بقوله ﴿ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب﴾ إشارة
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٥١ - بتصرف وتلخيص.
(٢) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٢٦.

۔
٥١
سورة آل عمران
إلى أن متع الدنيا مهما كثرت وتنوعت وتلذذ بها الإِنسان فهى زوال، وأما اللذائذ الباقية الخالدة
فهى التى أعدها الله - تعالى - لعباده المتقين فى الدار الآخرة، ولذا قال - سبحانه - بعد ذلك
﴿قل أؤنبئكم بخير من ذلكم﴾.
أى قل يا محمد للناس الذين مالوا إلى شهوات الدنيا من النساء والبنين وغيرهما، قل لهم
ألا تحبون أن أخبركم بما هو خير من تلك المشتهيات الدنيوية؟
والاستفهام للتقرير، والمراد به التحقيق والتثبيت فى نفوس المخاطبين، أى تحقيق وتثبيت
خيرية ما عند الله وأفضليته على شهوات الدنيا، وحضهم على الاستجابة لما سيلقى عليهم.
وافتتح الكلام بكلمة ﴿قل﴾ للاهتمام بالمقول وتنبيه السامعين إلى أن ماسيلقى عليهم أمر
يهمهم وممايقوى هذا التنبيه هنا: التعبير بقوله ﴿أؤنبئكم﴾ لأن الإِنباء معناه الخبر العظيم
الشأن، والتعبير بقوله ﴿ذلكم﴾ لاشتماله على الإِشارة التى للبعيد الدالة على عظم شأن
" ما سيخبرهم به، والتعبير بقوله ﴿خير﴾ الذى يدل على الأفضلية، لأن نعيم الآخرة خير محض
ونعيم الدنيا مشوب بالشرور والأضرار. ثم بين - سبحانه - المخبر عنه بعد أن مهد له بتلك
التنبيهات التى تشوق إلى سماعه وتغرى بالاستجابة له فقال: ﴿للذين اتقوا عند ربهم جنات
تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله﴾.
هذه هى اللذائذ والمتع التى أعدها الله - تعالى - لمن اتقاه، أى أدى ما أمره به، وابتعد عما
نهاه عنه.
وأول هذه النعم : ﴿جنات تجرى من تحتها الأنهار﴾ أى بساتين تجرى من تحت أشجارها
الأنهار، وفى هذه الجنات مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقوله ﴿للذين اتقوا﴾، خبر مقدم، وقوله ﴿جنات﴾ مبتدأ مؤخر، وقوله ﴿عند ربهم﴾ فی
محل نصب على الحال من جنات. وقوله ﴿تجرى من تحتها الأنهار﴾ صفة لجنات.
وعلى هذا يكون منتهى الاستفهام عند قوله ﴿من ذلكم﴾ وهذا هو المشهور عند العلماء.
ومنهم من يجعل الاستفهام منتهيا عند قوله ﴿الذين اتقوا﴾ ثم يبتدأ فيقال: عند ربهم جنات
تجرى من تحتها الأنهار. ومنهم من يجعل الاستفهام منتھیا عند قوله - تعالى - ﴿عند ربهم﴾ ثم
يبتدأ فيقال: جنات تجرى من تحتها الأنهار.
قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من جعل الاستفهام منتهيا عند قوله
- تعالى - ﴿بخير من ذلكم﴾ والخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله: ﴿للذين اتقوا عند
ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار﴾ فيكون مخرج ذلك مخرج الخير. وهو إبانة عن معنى الخير

٥٢
المجلد الثانى
الذى قال: أنبئكم به، فلا يكون بالكلام حينئذ حاجة إلى ضمير))(١).
وثانى هذه النعم عبر عنه - سبحانه - بقوله ﴿خالدين فيها﴾ أى أن هؤلاء الذين اتقوا ربهم
خالدين فى تلك الجنات التى فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين خلودًا أبديًا، بخلاف أولئك
المنعمين بنعم الدنيا فإن نعيمهم إلى فناء وزوال.
وثالث هذه النعم قوله - تعالى - ﴿وأزواج مطهرة﴾.
والأزواج : جمع زوجة وهى المرأة يختص بها الرجل. أى ولهم فى تلك الجنات أزواج مطهرة
غاية التطهير من كل دنس وقذر حسى ومعنوى، فقد وصف - سبحانه - هؤلاء الأزواج بصفة
واحدة جامعة لكل ما يتمناه الرجل فى المرأة.
ورابع هذه النعم قوله - تعالى - ﴿ورضوان من الله﴾ وهذه النعمة هى أعظم النعم وأجلها
أى لهم رضا عظيم من خالق الخلق، ومبدع الكون، ومنشىء الوجود. وهو مصدر كالرضا،
ولكن يزيد عليه أنه الرضا العظيم، لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ولأن التنكير قصد به
التفخيم والتعظيم .
وقوله ﴿من الله﴾ صفة لرضوان مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة.
روى الشيخان عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله وَ ل قال: ((إن الله - عز وجل - يقول
لأهل الجنة يوم القيامة: يا أهل الجنة فيقولون : لبيك ربنا وسعديك، فيقول : هل رضيتم ؟
فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا مالم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول : أنا اعطيكم أفضل
من ذلك؟ قالوا : ياربنا وأى شىء أفضل من ذلك؟ فيقول : أحل عليكم رضوانى فلا أسخط
عليكم بعده أبدًا))(٢).
هذه هى اللذائذ والمتع والنعم التى أعدها الله - تعالى - لعباده المتقين.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿والله بصير بالعباد﴾ أى أنه - سبحانه - عليم بأحوال
عباده، لا تخفى عليه خافية من شئونهم. وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين
أحسنوا بالحسنى. ففى هذا التذييل وعد للمتقين ووعيد للمسيئين.
ثم حكى - سبحانه - أقوال هؤلاء المتقين ومدحهم على إيمانهم وصلاحهم فقال - تعالى -
﴿الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار﴾ أى أن هذه الجنات وغيرها من
أنواع النعم قد أعدها الله - تعالى - لهؤلاء المتقين الذين يضرعون إلى الله ملتمسين منه المغفرة
(١) تفسير ابن جرير جـ ٣ س ٢٠٦ طبعة مصطفى الحلبى الطبعة الثانية سنة ١٣٧٣هـ ١٩٥٤م
(٢) أخرجه البخارى فى كتاب الرقاق. باب صفة الجنة والنار جـ ٩ ص ١٤٨.

٥٣
سورة آل عمران
فيقولون : ياربنا إننا آمنا بك وصدقنا رسولك فى كل ما جاء به من عندك، فاغفر لنا ذنوبنا
وتقصيرنا فى أمرنا فأنت الغفار الرحيم، ﴿وقنا عذاب النار﴾ أى جنبنا هذا العذاب الأليم
يا أرحم الراحمين.
وفى حكاية هذا القول عنهم بصيغة المضارعة ﴿يقولون﴾ إشعار بأنهم يجددون التوبة إلى الله
دائما لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، وإحساسهم بأنهم مهما قدموا من طاعات فهى قليلة بجانب
فضل الله عليهم، ولذلك فهم يلتمسون منه الستر والغفران، والوقاية من النار، وهذا شأن
الأخيار من الناس.
وقوله - سبحانه - ﴿الذين يقولون﴾ بدل أو عطف بيان من قوله ﴿الذين اتقوا) ويجوز أن
يكون فى محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والجملة منهما جواب عن سؤال كأنه قيل : من
أولئك المتقون؟ فقيل: هم الذين يقولون ربنا إننا آمنا .. ويجوز أن يكون فى موضع نصب على
المدح. ثم وصفهم - سبحانه - بخمس صفات كريمة من شأنها أن تحمل العقلاء على التأسى
بهم فقال: ﴿الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾.
وفى كل صفة من صفاتهم دليل على قوة إيمانهم، وإذعانهم للحق حق الإِذعان. فهم
صابرون، والصبر فى البأساء والضراء وحين البأس من أكبر البراهين على سلامة اليقين، وقد
حث القرآن أتباعه على التحلى بهذه الصفة فى أكثر من سبعين موضعا. وهم صادقون،
والصدق من أكمل الصفات الإِنسانية واشرفها، وقد أمر الله عباده أن يتحلوا به فى كثير من
آيات كتابه، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ .
وهم قانتون، والقانت هو المداوم على طاعة الله - تعالى - غير متململ منها ولا متبرم بها،
ولا خارج على حدودها. فالقنوت يصور الإِذعان المطلق لرب العالمين.
وهم منفقون أموالهم فى طاعة الله - تعالى -، وبالطريقة التى شرعها وأمر بها. وهم
مستغفرون بالأسحار. أى يسألون الله - تعالى - أن يغفر لهم خطاياهم فى كل وقت، ولا سيما
فى الأسحار.
والأسحار جمع سحر وهو الوقت الذى يكون قبل الفجر. روى مسلم فى صحيحه عن أبى
هريرة أن رسول الله وسلم قال: ((ينزل ربنا - عز وجل - إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضى
ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك من ذا الذى يدعونى فأستجيب له، من ذا الذى يسألنى
فأعطيه، من ذا الذى يستغفرنى فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر))(١).
(١) تفسير القرطبی جـ ٤ ص ٣٩.

٥٤
المجلد الثانى
وخص وقت الأسحار بالذكر لأن النفس تكون فيه أصفى، والقلب فيه أجمع، ولأنه وقت
يستلذ فيه الكثيرون النوم فإذا أعرض المؤمن عن تلك اللذة وأقبل على ذكر الله كانت الطاعة:
أكمل وأقرب إلى القبول.
وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد كشفت عن المشتهيات التى يميل إليها الناس فى دنياهم
بمقتضى فطرتهم، وأرشدتهم إلى ما هو أسمى وأعلى وأبقى من ذلك وبشرتهم برضوان الله
وجناته، متى استقاموا على طريقه، واستجابوا لتعاليمه، ﴿والله يهدى من يشاء إلى صراط
مستقيم﴾ .
وبعد أن بين - سبحانه - ما أعده للمتقين، وذكر صفاتهم عقب ذلك ببيان أساس التقوى
وهو عقيدة التوحيد، ويبيان أن الإسلام هو الدين الذى ارتضاه الله - تعالى - للناس، وأن من
يعارض فى ذلك معارضته داحضة وسيعاقبه الله بما يستحقه. استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك
بأسلوبه الحكيم فيقول :
شَهِدَ
اَللَّهُ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّاهُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ،
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَيِزُ الْحَكِيمُ ) إِنَّ الدِّينَ عِندَ
اللَّهِآلْإِسْلَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ
بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَّا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْبَايَتِ
اللّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿، فَإِنْ حَجُوكَ فَعُلْ أَسْلَمْتُ
وَجْهِىَ لِلَّهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِّ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِِّنَ
ءَأَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَ وَأَوَ إِنْ تَوَلَوْ فَإِنَّمَا
٢٠
عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ!
قال القرطبى: ((لما ظهر رسول الله ﴿ بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام فلما".
أبصرا المدينة قال أحدهما للآخر: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبى الذى يخرج فى آخر .

٥٥
سورة آل عمران
الزمان! فلما دخلا على النبى و ◌ّل﴿ عرفاه بالصفة والنعت فقالا له: أنت محمد؟ قال نعم قالا:
وأنت أحمد؟ قال: نعم. قالا : نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك.
فقال لهما رسول الله #1: سلانى. فقالا: أخبرنا عن الأعظم شهادة فى كتاب الله. فأنزل الله
تعالى - على نبيه ﴿ ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط﴾ فأسلم
الرجلان وصدقا برسول الله - 3 1 - وقوله تعالى: ﴿شهد الله﴾ أى بين وأعلم كما يقول:
شهد فلان عند القاضى إذا بين وأعلم لمن الحق أو على من هو قال الزجاج: ((الشاهد هو الذى
يعلم الشىء ويبينه، فقد دلنا الله على وحدانيته بما خلق وبين))(١).
والمعنى : أخبر الله - تعالى - عباده وأعلمهم بالآيات القرآنية التى أنزلها على نبيه، وبالآيات
الكونية التى لا يقدر على خلقها أحد سواه، وبغير ذلك من الأدلة القاطعة التى تشهد
بوحدانيته، وأنه لا معبود بحق سواه، وأنه هو المنفرد بالألوهية لجميع الخلائق. وأن الجميع
عبيده وفقراء إليه وهو الغنى عن كل ما عداه. وشهد بذلك ((الملائكة)) بأن أقروا بأنه هو الواحد
الأحد الفرد الصمد فعبدوه حق العبادة، وأطاعوه حق الطاعة، وشهد بذلك أيضًا ((أولو
العلم)) بأن اعترفوا له - سبحانه - بالوحدانية، وصدقوا بما جاءهم به الرسول - صل ز - وبلغوا
ذلك لغيرهم.
قال الزمخشرى : شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التى لا يقدر عليها غيره، وبما
أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإِخلاص وآية الكرسى وغيرهما، بشهادة الشاهد فى
البيان والكشف وكذلك إقرار الملائكة وأولى العلم بذلك واحتجاجهم عليه))(٢).
وقالوا: وفى هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء، فإنه لو كان أحد أشرف من
العلماء، لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء. وقال فى شرف العلم لنبيه - وَالقر -
﴿وقل رب زدنى علما﴾ فلو كان شىء أشرف من العلم لأمر الله نبيه أن يسأله المزيد منه كما أمر
أن يستزيده من العلم. وقال ◌َ ر((إن العلماء ورثة الأنبياء)) وقال: ((العلماء أمناء الله على
خلقه)). وهذا شرف للعلماء عظيم ومحل لهم فى الدين خطير(٣).
والمراد بأولى العلم هنا جميع العلماء الذين سخروا ما أعطاهم الله من معارف فى خدمة
عقيدتهم، وفيما ينفعهم وينفع غيرهم، وأخلصوا لله فى عبادتهم، وصدقوا فى أقوالهم وأفعالهم.
وقدم - سبحانه - الملائكة على أولى العلم، لأن فيهم من هو واسطة لتوصيل العلم إلى
(١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٤١.
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٤٤
(٣) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٤١.

٥٦
المجلد الثانى
ذويه، لأن علمهم كله ضرورى بخلاف البشر فإن علمهم منه ماهو ضرورى، ومنه ما هو
اکتسابی.
وقوله - تعالى - ﴿قائما بالقسط﴾ بيان لكماله - سبحانه - فى أفعاله إثر بيان كماله فى ذاته.
والقسط: العدل. يقال قسط ويقسط قسطًا، وأقسط إقساطًا فهو مقسط إذا عدل ومنه ﴿إِن الله
يحب المقسطين﴾. ويطلق القسط على الجور، والفاعل قاسط، ومنه ((وأما القاسطون فكانوا
لجهنم حطبًا)).
أى: مقيما للعدل فى تدبير أمر خلقه، وفى أحكامه. وفيما يقسم بينهم من الأرزاق والآجال،
وفيما يأمر به وينهى عنه، وفى كل شأن من شئونه.
قال الجمل ﴿وقائما﴾ منصوب على أنه حال من الضمير المنفصل الواقع بعد إلا، فتكون
الحال أيضا فى حيز الشهادة، فيكون المشهود به أمرين : الوحدانية والقيام بالقسط وهذا أحسن
من جعله حالا من الاسم الجليل فاعل شهد، لأن عليه يكون المشهود به الوحدانية فقط والحال
ليست فى حيز الشهادة(١).
وقوله ﴿لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ تكرير للمشهود به للتأكيد والتقرير، وفيه إشارة إلى
مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته لأن تثبيت المدعى إنما يكون بالدليل، والاعتناء به يقتضى الاعتناء
بأدلته .
﴿العزيز الحكيم﴾ صفتان مقررتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل. أى لا إله فى
هذا الوجود يستحق العبادة بحق إلا الله ﴿العزيز) الذى لا يمتنع عليه شىء أراده، وينتصر من
كل أحد عاقبه أو انتقم منه ﴿الحكيم﴾ فى تدبيره فلا يدخله خلل.
قال ابن جرير: ((وإنما عنى جل ثناؤه - بهذه الآية نفى ما أضافت النصارى الذين حاجوا
رسول الله ( فى عيسى من النبوة، وما نسب إليه سائر أهل الشرك: من أن له شريكا،
واتخاذهم دونه أربابا، فأخبرهم الله عن نفسه، أنه الخالق كل ما سواه، وأنه رب كل ما اتخذه
كل كافر وكل مشرك ربا دونه، وأن ذلك مما يشهد به هو وملائكته وأهل العلم به من خلقه.
فبدا - جل ثناؤه - بنفسه تعظيما لنفسه، وتنزيها لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل
الشرك به ما نسبوا إليها، كما سن لعباده أن يبدأوا فى أمورهم بذكره قبل ذكر غيره مؤدبًا خلقه
بذلك»(٢)
.
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٢٥١.
(٢) تفسير ابن جرير الطبرى جـ ٢ ص ٢١٠ طبعة الحلبى.

٥٧
سورة آل عمران
هذا، ومن الآثار التى وردت فى فضل هذه الآية ما رواه الإِمام أحمد عن الزبير بن العوام
قال: سمعت النبى ◌َ# وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو
العلم﴾ .. إلى آخر الآية. فقال هير: ((وأنا على ذلك من الشاهدين يارب)) وقال غالب
القطان : أتيت الكوفة فى تجارة لى فنزلت قريبا من الأعمش فكنت اختلف إليه، فقام فى ليلة
متهجدا فمر بهذه الآية ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ فقال: وأنا أشهد بما شهد الله به،
وأستودع الله هذه الشهادة وهى لى وديعة ((إن الدين عند الله الإِسلام))، - قالها مرارًا -
فقلت. لقد سمع فيها شيئًا فسألته فى ذلك فقال: حدثنى أبو وائل بن عبد الله قال رسول الله
وَلاير ((يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله - تعالى - ((عبدى عهد إلى وأنا أحق من وفى العهد
ادخلوا عبدى الجنة))(١).
وقوله ﴿إن الدين عند الله الإِسلام﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى. وأصل الدين فى
اللغة الجزاء والحساب. يقال دنته بما صنع أى جازيته على صنيعه، ومنه قولهم : كما تدين تدان
أى، كما تفعل تجازى، وفى الحديث ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت)) والمراد به هنا
ما جاء به النبى وَله من عند ربه من عقائد وتكاليف وتشريعات، فيكون بمعنى الملة والشرع.
أى: إن الشريعة المرضية عند الله - تعالى - هى الإِسلام، والإِسلام فى اللغة هو
الاستسلام والانقياد يقال: أسلم أى انقاد واستسلم. وأسلم أمره لله سلمه إليه والمراد به هنا -
كما قال ابن جرير: ((شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، وهو دين الله الذى
شرعه لنفسه وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره ولا يجزى بالإِحسان إلا به))(٢)
وهو الدين الحنيف الذى جاء به محمد الدر .
وقال ابن كثير: وقوله - تعالى - ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ إخبار منه تعالى - بأنه
لا دین عنده یقبله من أحد سوى الإِسلام، وهو اتباع الرسل فیما بعثهم الله به فی کل حین حتی
ختموا بمحمد ﴿ الذى سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد ◌ّهار، فمن لقى الله تعالى - بعد
بعثة محمد18 بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال - تعالى - ﴿ومن يبتغ غير الإسلام
دينا فلن بقبل منه) الآية. وقال فى هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل عنده فى الإِسلام
﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾(٣).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٥٤.
(٢) تفسير ابن جرير جـ ٣ ص ٢١٢.
(٣) تفسير ابن کثیر جـ ١ ص ٣٥٤.

.-
٥٨
٠
المجلد الثانى
وقوله : ﴿عند الله﴾ ظرف العامل فيه لفظ الدين لما تضمنه من معنى الفعل، أى الذى شرع
عند الله الإسلام. ويصح أن يكون صفة للدين فيكون متعلقا بمحذوف أى الكائن أو الثابت
عند الله الإِسلام. وفى إضافة الدين إلى الله - تعالى - بقوله ﴿عند الله﴾ وباعتبار الإِسلام
وحده، هو دين الله، كما يدل على ذلك تعريف الطرفين، إشعار بفضل الإِسلام، لأن له ذلك
الشرف الإضافى إلى خالق هذا الكون ومربيه، فهو دين الله الذى شرعه لخلقه.
ثم بين - سبحانه - أن اختلاف أهل الكتاب فى شأن الدين الحق لم يكن عن جهل منهم
بالحقائق وإنما كان سببه البغى والحسد وطلب الدنيا فقال - تعالى - ﴿وما اختلف الذين أوتوا
الكتاب إلا من بعد ماجاءهم العلم بغيًّا بينهم﴾.
أى: وما كان خلاف الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى فيما جاءهم به الرسول وَيّ
إلا من بعد أن علموا بأن ما جاءهم به هو الحق الذى لا باطل معه، فخلافهم لم يكن عن جهل
منهم بأن ما جاءهم به هو الحق وإنما كان سبه البغى والحسد والظلم فيما بينهم.
وفى التعبير عنهم بأنهم ﴿أوتوا الكتاب﴾ زيادة تقبيح لهم؛ فإن الاختلاف بعد إتيان الكتاب
أقبح وأفحش، إذ الكتاب ما نزل إلا لهدايتهم، وسعادتهم فإذا تركوا بشاراته وتوجيهاته واتبعوا
أهواءهم كان فعلهم هذا أشد قبحا وفحشا.
وقوله ﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾ زيادة أخرى فى تقبيح أفعالهم، فإن الاختلاف بعد
مجىء العلم أزيد فى القبح والعناد.
والاستثناء من أعم الأحوال أو الأوقات، أى وما اختلفوا فى حال من الأحوال أو فى وقت من
الأوقات إلا بعد أن علموا الحق، والعلم بالحق وحده لا يكفى فى الإِيمان به، ولكنه يحتاج إلى
جانب ذلك إلى قلب مخلص متفتح لطلبه، وكم من أناس يعرفون الحق معرفة تامة ولكنهم
يحاربونه ويحاربون أهله، لأنهم يرون أن هذا الحق يتعارض مع أهوائهم وشهواتهم وصدق الله
إذ يقول. ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق
وهم يعلمون﴾(١).
فهم قد اختلفوا فى الحق مع علمهم بأنه حق، لأن العلم كالمطر، لا تستفيد منه إلا الأرض
الطيبة النقية، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا أصحاب النفوس الصافية، والقلوب الواعية،
والأفئدة المستقيمة.
(١) سورة البقرة الآية ١٤٦.
.

٥٩
سورة آل عمران
وقوله ﴿بغيا بينهم﴾ مفعول لأجله، والعامل فيه اختلف أى وما اختلفوا إلا للبغى لا لغيره
قال القرطبى: ((وفى الكلام تقديم وتأخير، والمعنى، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم
إلا من بعد ما جاءهم العلم))(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التهديد الشديد فقال: ﴿ومن يكفر بآيات الله فإن الله
سريع الحساب﴾. أى: ومن يكفر بآيات الله الدالة على وحدانيته - سبحانه - فإن الله محص
عليه أعماله فى الدنيا وسيعاقبه بما يستحقه فى الآخرة.
فقوله ﴿فإن الله سريع الحساب﴾ قائم مقام جواب الشرط وعلة له، أى: ومن يكفر بآيات
الله فإنه - سبحانه - محاسبه ومعاقبه والله سريع الحساب.
وسرعة الحساب تدل على سرعة العقاب، وعلى العلم الكامل والقدرة التامة فهو - سبحانه-
لا يحتاج إلى فحص وبحث، لأنه لا تخفى عليه خافية.
ثم لقن الله - تعالى - نبيه وَ ليل ما يرد به على أهل الكتاب إذا ما جادلوه أو خاصموه ليحسم
الأمر معهم ومع غيرهم من المشركين وليمضى فى طريقه الواضح المستقيم فقال - تعالى- ﴿فإن
حاجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن اتبعن﴾.
وقوله ﴿حاجوك﴾ من المحاجة وهى أن يتبادل المتجادلان الحجة، بأن يقدم كل واحد حجته
ويطلب من الآخر أن يرد عليها أو يقدم الحجة على ما يدعيه ويزعم أنه الحق الذى لا شك فيه.
والمعنى: فإن جادلك - يا محمد - أهل الكتاب ومن لف لفهم بالأقاويل المزورة والمغالطات
الباطلة بعد أن قامت الحجج على صدقك. فلا تسر معهم فى لجاجتهم، ولا تلتفت إلى
أكاذيبهم، بل قل لهم ﴿أسلمت وجهى لله ومن اتبعن﴾ أى أخلصت عبادتى لله وحده، وأطعته
وانقدت له، وكذلك من اتبعنى وآمن بى قد أسلم وجهه لله وأخلص له العبادة.
والمراد بالوجه هنا الذات، وعبر بالوجه عن سائر الذات لأنه أشرف أعضاء الشخص، ولأنه
هو الذى تكون به المواجهة، وهو مجمع محاسن الجسم فالتعبير به عن الجسم كله تعبير بجزء له
شأن خاص وتتم به إرادة الكل.
و﴿من﴾ فى قوله ﴿ومن اتبعن﴾ فى محل رفع عطفا على الضمير المتصل فى ﴿أسلمت﴾ أى
أسلمت أنا ومن اتبعنى. وجاء العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد لوجود الفاصل بينهما.
وقوله ﴿وقل الذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم﴾ عطف على الجملة الشرطية، والمراد
بالأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب.
(١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٤٤.

٦٠
المجلد الثانى
والاستفهام فى قوله ﴿أأسلمتم﴾ للحض على أن يسلموا وجوههم الله، ويتبعوا الرسول وَل
كما اتبعه المسلمون.
والمعنى : فإن جادلوك فى الدين - يا محمد - بعد أن تبين لكل عاقل صدقك، فقل لهؤلاء
المعاندين إنى أسلمت وجهى الله وكذلك أتباعى أسلموا وجوههم لله، وقل للذين أوتوا الكتاب
والأميين أسلموا تسلموا فقد تبين لكم أنى على حق، ومن شأن العاقل أنه إذا تبين له الحق أن
يدخل فيه وأن يترك العناد والمكابرة.
قال صاحب الكشاف: وقوله ﴿أأسلمتم﴾ يعنى أنه قد أتاكم من البينات مايوجب الإِسلام
ويقتضى حصوله لا محالة فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم وهذا كقولك لمن لخصت له
المسألة ولم تبق من طرق البيان طريقا إلا سلكته : هل فهمتها لا أم لك. ومنه قوله - تعالى-
﴿فهل أنتم منتهون﴾ بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر. وفى هذا الاستفهام استقصار
-أى عد المخاطب قاصرا- وتعيير بالمعاندة وقلة الإِنصاف، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم
يتوقف فى إذعانه للحق﴾(١).
ثم بين - سبحانه - ما يترتب على إسلامهم من نتائج، وما يترتب على إعراضهم من شرور
تعود عليهم فقال: ﴿فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير
بالعباد ﴾ .
أى: فإن أسلموا وجوههم لله وصدقوا بما جاء به محمد رَّيّ فقد اهتدوا إلى طريق الحق، لأن
هذا الإِسلام هو الدين الذى ارتضاه الله للناس وإن أعرضوا عن هذا الطريق المستقيم، فإن
إعراضهم لن يضرك - أيها الرسول الكريم - لأن الذى عليك إنما هو تبليغ الناس ما أمرك الله
بتبليغه إياهم. وهو - سبحانه - بصير بخلقه لا تخفى عليه خافية من أقوالهم أو أفعالهم،
وسيجازى كل إنسان بما يستحقه.
وعبر بالماضى فى قوله ﴿فقد اهتدوا﴾ مبالغة فى الإخبار بوقوع الهدى لهم وقوله ﴿فإنما عليك
البلاغ﴾ قائم مقام جواب الشرط أى وإن تولوا لا يضرك توليهم شيئًا إذ ما عليك إلا البلاغ
وقد أديته على أكمل وجه وأبلغه.
وقوله ﴿والله بصير بالعباد﴾ تذييل فيه عزاء للنبى وير عن كفرهم، وإشارة إلى أحوالهم،
وإنذار بسوء مصيرهم، لأنه - سبحانه - عليم بنفوس الناس جميعا وسيجازى كل إنسان بما
يستحقه، وفيه كذلك وعد للمؤمنين بحسن العاقبة، وجزيل الثواب.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٤٧.