Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١٠ سورة البقرة قوله - تعالى -: ﴿ما لم تمسوهن﴾ أى ما لم تجامعوهن ولم تدخلوا بهن والمس فى أصل معناه : اللمس، ويقال فيما معه إدراك بحاسة اللمس، ثم أطلق على سبيل الكناية على ما يكون بين المرء وزوجه من جماع ومباشرة وعلى غير ذلك مما يكون فيه إصابة حسية أو معنوية. وهذه الكناية من ألطف الكنايات التى تربى فى الإِنسان حسن الأدب، وسلامة التعبير، وتجنبه النطق بالألفاظ الفاحشة. وقد تكرر هذا التعبير المهذب فى القرآن الكريم ومن ذلك قوله - تعالى - حكاية عن مريم: ﴿قالت ربِّ أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر .. ﴾(١). والمراد بالفريضة هنا المهر الذى يفرضه الرجل على نفسه للمرأة قبل الدخول بها. والمعنى: لا إثم عليكم أيها الرجال إذا طلقتم النساء لأسباب مشروعة، وبطريقة مرضية، قبل الدخول بهن، وقبل أن تقدروا لهن مهرًا معينًا. ثم بين - سبحانه - ما للمرأة على الرجل فى هذه الحالة فقال : ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، متاعًا بالمعروف حقًّا على المحسنين﴾ .. قوله - تعالى -: ﴿ومتعوهن﴾ أى ملكوهن ما ينتفعن به، ويدخل التسلية والسرور على نفوسهن. وأصل المتعة والمتاع ما ينتفع به الإِنسان من مال أو كسوة أو غير ذلك، ثم أطلقت المتعة على ما يعطيه الرجل للمرأة من مال أو غيره عند طلاقها منه لتنتفع به، جبرًا لخاطرها، وتعويضًا لما نالها بسبب هذا الفراق. و﴿الموسع﴾ هو الغنى الذى يكون فى سعة من غناه. يقال: أوسع الرجل إذا كثر ماله، واتسعت حاله. و﴿المقتر﴾ هو الفقير الذى يكون فى ضيق من فقره. أقتر الرجل أى افتقر وقل ما فى يده. والمعنى : لا حرج عليكم فى طلاقكم للنساء قبل أن تدخلوا بهن وقبل أن تقدروا لهن مهرًا معينًا، وليس من حقهن عليكم فى هذه الحالة أن يطالبنكم بالصداق، وإنما من حقهن عليكم أن تمتعوهن بأن تدفعوا لهن ما ينتفعن به كل على حسب حاله وطاقته، فالأغنياء يدفعون ما يناسب غناهم وسعتهم، والفقراء يدفعون ما يناسب حالهم. وقوله: ﴿متاعًا بالمعروف﴾ أى أعطوهن ما يتمتعن وينتفعن به بالقدر المتعارف عليه بين العقلاء، فلا يعطى الغنى ما لا يتناسب مع غناه ولا مع حال المرأة التى طلقها، ولا يعطى الفقير شيئًا تافهًا لا يسمى فى عرف العقلاء متاعًا كما أنه لا يكلف فوق استطاعته، لأن المتاع ما سمى بهذا الاسم إلا لأنه يتمتع به وينتفع به لفترة من الزمان. (١) سورة آل عمران الآية ٤٧ . ٠ ٥٤٢ المجلد الأول وقوله: ﴿حقًّا على المحسنين﴾ تأكيد لهذا التمتيع الذى هو من حق المرأة على الرجل الذى طلقها قبل أن يدخل بها وقيل أن يسمى لها مهرًا. أى: هذا التمتيع حق ثابت على المحسنين الذين يحسنون إلى أنفسهم بامتثالهم لأوامر الله، وبترضيتهم لنفوس هؤلاء المطلقات اللاتى تأثرن بسبب هذا الفراق. فالآية الكريمة ترفع الإِثم عن الرجال الذين يطلقون النساء قبل الدخول بهن وقبل تسمية المهر لهن، متى كانت المصلحة تستدعى ذلك، وتبين الحقوق التى للمرأة على الرجل فى هذه الحالة. قال القرطبى : قوله - تعالى -: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾. إلخ هذا أيضًا من أحكام المطلقات، وهو ابتداء إخبار برفع الحرج عن المطلق قبل البناء والجماع، فرض مهرًا أو لم يفرض. ولما نهى رسول الله وَله عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة، وأمر بالتزوج لطلب العصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة وقع فى نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءًا من هذا المكروه، فنزلت الآية رافعة للجناح فى ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن))(١). وقوله: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ معطوف على ﴿تمسوهن﴾ المنفى، أى لا حرج عليكم فى تطليقكم النساء فى حالة عدم الدخول بهن وعدم تقدير مهر معين لهن. وقوله : ﴿ومتعوهن على الموسع قدره﴾ إلخ تشريع حكيم وتوجيه سديد، لأن فراق المرأة قبل الدخول بها وقبل تقدير مهر لها ينشىء جفوة ممضة بين المرأة وبين مطلقها، وقد يسىء هذا الفراق إليها وإلى أسرتها، فكان هذا الحق الذى جعله الله للمرأة على الرجل هو التمتيع، تسرية لنفسها، وتعويضًا عما أصابها بسبب هذا الفراق، وتلطيفًا لجو الطلاق وما يصاحبه من جفاء وبغضاء، واستبقاء للمودة الإِنسانية بين الطرفين، وإزالة لما عسى أن يقوله البعض من أنه ما طلقها من طلقها إلا لشىء. ولا شك أن إنهاء الحياة الزوجية قبل الدخول فيها، لضرورات اقتضاها هذا الإِنهاء، أخف وأيسر من إنهائها بعد الدخول فيها. قال الجمل ما ملخصه : وقوله : ﴿على الموسع قدره﴾ جملة من مبتدأ وخبر وفيها قولان: أحدهما : أنها لا محل لها من الإعراب بل هى استئنافية بينت حال المطلق بالنسبة إلى يساره وإقتاره . والثانى : فى محل نصب على الحال وصاحب الحال فاعل متعوهن. والرابط بين جملة الحال (١) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ١٩٦. ٥٤٣ سورة البقرة وصاحبها محذوف والتقدير: على الموسع منكم. و﴿متاعًا﴾ منصوب على المصدر. و﴿بالمعروف﴾ جار ومجرور صفة له. و﴿حقًا﴾ صفة ثانية لقوله: ﴿متاعًا﴾ أو مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله. وعامله محذوف وجوبًا والتقدير: حق ذلك حقًّا))(١). هذا، ويرى بعض العلماء أن المتعة واجبة للمرأة على الرجل فى حال مفارقتها قبل الدخول بها وقبل تسمية المهر، لأن الآية الكريمة قد أكدت ذلك وجعلته حقًّا ثابتًا لا يجوز التحلل منه قال - تعالى -: ﴿متاعًا بالمعروف حقًّا على المحسنين﴾. ويرى بعضهم أنها مستحبة، لأن التعبير بالمحسنين يدل على أن المتعة غير واجبة وقد رجح المحققون من العلماء الرأى الأول وقالوا : إن الإِحسان لا ينافى الوجوب الذى دل عليه الأمر يؤيد هذا قوله : ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾، فقد جعل الله المتعة على الفريقين كل فريق على حسب طاقته وقدرته. والمتعة تختلف باختلاف الأحوال من يسار وإعسار، يقدرها القاضى على الرجل على حسب حالته كما يقدر النفقة. والصالحون من الناس هم الذين يبذلون المتعة للمطلقة بسخاء ومودة، ولقد أثر عن الحسن بن على - رضى الله عنهما - أنه متع امرأة طلقها بعشرة آلاف درهم، فلما تسلمت هذا المال الوفير قالت: «متاع قليل من حبيب مفارق)). ثم بين - سبحانه - حق المرأة فيما لو طلقت قبل الدخول بها وبعد تسمية مهر لها فقال - تعالى -: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم .. إلا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح﴾. أى: وإن طلقتم يا معشر الرجال النساء من قبل أن تدخلوا بهن وتباشروهن، ومن بعد أن قدرتم لهن صداقًا معلومًا، فالواجب عليكم فى هذه الحالة أن تدفعوا لهن نصف ما قدرتم لهن من صداق، إلا أن تتنازل المرأة عن حقها فتتركه لمطلقها بسماحة نفس، بأن تكون هى الراغبة فى الطلاق، أو يتنازل الذى بيده عقدة النكاح وهو الزوج عن حقه بأن يدفع لها المهر كاملا أو ما هو أكثر من النصف لأنه هو الراغب فى الطلاق. وجملة ﴿وقد فرضتم لهن فريضة﴾ فى موضع نصب على الحال من فاعل ﴿طلقتموهن﴾ أو من مفعوله. أى وإن طلقتموهن حالة كونكم فارضين لهن المهر أو حالة كونهن مفروضًا لهن المهر. والفاء فى قوله: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ واقعة فى جواب الشرط، والجملة فى مجل جزم جواب (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ صفحة ١٩٣. ٥٤٤ المجلد الأول الشرط، و((نصف)) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى فالواجب نصف، أو هو مبتدأ محذوف الخبر أى فلهن نصف، وقد صرحت الآية الكريمة بوجوب النصف، ولم تصرح بوجوب دفعه، لأنه قد يكون قدم لها المهر كله أو بعضه، فكان التعبير بالوجوب بيانًا للحكم حتى يسترد المطلق ما دفعه زيادة عن النصف إن أراد ذلك، أو يكمل لها النصف إن كان قد دفع أقل منه. وقوله: ﴿إلا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح﴾ استثناء مفرغ من عموم الأحوال. و﴿يعفون﴾ فعل مضارع الواو فيه لام الفعل، ونونه ضمير جماعة الإناث فهو هنا مبنى على السكون فى محل نصب بأن. ووزنه يفعلن أى: فلهن نصف المهر الذى فرضمتوه لهن فى كل حال إلا فى حال عفو المطلقات أى إبرائهن لكم وتنازلهن عن هذا الحق، أو فى حال عفو الذى بيده عقدة النكاح، وهو الزوج المطلق - عند الأحناف والشافعية - لأنه هو المالك لعقد النكاح وحله، والمراد بعفوه أن يزيد على نصف المهر المقرر. ويرى المالكية أن الذى بيده عقدة النكاح هو ولى المرأة، لأنه هو الذى بيده عقدة النكاح ثابتة، وأما الزوج فله ذلك حالة العقد المتقدم فقط. ويكون المعنى على هذا الرأى: عليكم يا معشر الرجال أن تدفعوا للنساء نصف المهر إذا طلقتموهن بعد أن قدرتم لهن مهرًا وقبل أن تمسوهن إلا أن يتنازل النساء عن هذا الحق، إذا كن يملكن ذلك، أو يتنازل أولياؤهن إن كن لا يملكن حق التنازل، كأن تكون البنت صغيرة، أو غير جائزة التصرف. وقد دل كل فريق على مذهبه بما هو مبسوط فى كتب الفقه. ثم حبب - سبحانه - إلى الناس التسامح والتعاطف فقال: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير﴾. أى : من حق المرأة المطلقة على مطلقها أن يدفع لها نصف المهر إذا كان الطلاق قبل المباشرة وبعد تحديد المهر، وإذا تنازل أحد الطرفين عن جزء من حقه لصاحبه كان هذا التنازل حسنًا. لأن هذا التنازل والتسامح يضفى على جو الطلاق لونًا من المودة والتقارب بين النفوس التى آلمها الفراق بتلك الصورة، فاحرصوا - أيها الناس - على هذا العفو بأن يتنازل كل فريق منكم لصاحبه عن شىء من حقه، ويتسامح معه، فإن ذلك أقرب إلى تقوى القلوب، وصفاء النفوس، ولا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض بالإِحسان، وحب الخير، وجميل الذكر، فالله - تعالى - بصير بأعمالكم وسيحاسبكم عليها، وسيجازى كل نفس بما عملت. فالجملة الكريمة توجيه حكيم للناس إلى ما يدفع عنهم التشاحن والتباغض والتخاصم ٥٤٥ سورة البقرة خصوصًا فى حالات الطلاق التى هى من أشد الأحوال دفعًا إلى هذه الرذائل. ولقد حفظ لنا التاريخ الإِسلامى صورًا مشرقة لهذا العفو والفضل من ذلك ما ذكره الإِمام الزمخشرى من أن جبير بن مطعم دخل على سعد بن أبى وقاص فعرض عليه بنًّا له فتزوجها. ثم طلقها قبل أن يدخل بها وبعث لها المهر كاملا. فقال له: لم تزوجتها؟ فقال : عرضها على فكرهت رده. فقيل له: فلم بعثت بالصداق كاملا؟ قال: فأين الفضل. وروى أن أحد الصحابة تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول بها فأعطاها الصداق كاملا، فقيل له فى ذلك فقال: أنا أحق بالعفو منها(١). وهكذا نرى مبلغ استجابة السلف الصالح لتوجيهات القرآن ووصاياه، فأين المسلمون اليوم من هذه الوصايا والأحكام؟ وبعد هذا الحديث المستفيض الذى لم ينته بعد عن الطلاق وأحكامه وآدابه، أورد القرآن آيتين كريمتين تأمران بالمحافظة على الصلاة وبالمداومة على طاعة الله، وبالملازمة لذكره - عز وجل - فقال - تعالى - : حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْلِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْرُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمُ ٣٨ ١٢٣٩ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَّمُونَ ولعل السر فى توسط هاتين الآيتين بين آيات الأحكام التى تحدثت عن الطلاق، والعدة والرضاع والخطبة ... إلخ، لعل السر فى ذلك أن هذه الأمور كثيرًا ما تكون مثار تنازع وتخاصم وتقاطع بين الناس، فأراد القرآن بطريقته الحكيمة، وبأسلوبه المؤثر أن يقول للناس : إن محافظتكم على الصلاة، ومداومتكم على طاعة الله وذكره كل ذلك سيعرض فى نفوسكم المراقبة له - سبحانه -، والخشية من عقابه، وسيعينكم على أن تحلوا قضاياكم التى تتعلق بالطلاق وغيره بالعدل والإحسان والتسامح والتعاطف، لأن من حافظ على فرائض الله وأوامره، انصرفت نفسه عن ظلم الناس، وعاملهم معاملة كريمة حسنة. وقد بين القرآن فى كثير من آياته أن المحافظة على الصلاة بخشوع وخضوع لله - تعالى - وأن المداومة على ذكره، (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٨٦ بتصرف يسير. ٥٤٦ المجلد الأول والملازمة لطاعته كل ذلك من شأنه أن يمنع الإنسان من الوقوع فيما نهى الله عنه، قال - تعالى -: ﴿اتل ما أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ .. وقال - تعالى -: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾، وقال - تعالى -: ﴿وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذکری للذاكرين﴾. فكأن الله - تعالى - يقول للناس : لقد أمرتكم بالمحافظة على الصلاة، وبالمداومة على طاعتى وذكرى خلال حديثى عن أحكام كثيرًا ما تكون هذه الأحكام مثار تنازع بينكم، وذلك لكى تحلوا التسامح والتواصل والتقارب محل التشاحن والتدابر والتجافى، لأن من شأن المحافظة على هذه العبادات، أن تهدى الناس إلى أكمل الأخلاق والصفات. فسبحان من هذا كلامه، ومن تلك إرشاداته وتوجيهاته ووصاياه. وقوله - تعالى - : ﴿حافظوا﴾ من الحفظ بمعنى ضبط الشىء، وصيانته عن كل تضييع، وهو خلاف النسيان. والخطاب لجميع المكلفين من أفراد الأمة. والمعنى : حافظوا يا معشر المسلمين والمسلمات على أداء الصلوات فى أوقاتها بخشوع وخضوع وإخلاص لله رب العالمين، وحافظوا بصفة خاصة على الصلاة الوسطى، لما لها من منزلة سامية، ومكانة عالية. فقد أمر الله - تعالى - عباده بالمحافظة على الصلوات بصفة عامة، وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر تفخيًا لشأنها، وإعلاء لقدرها من بين أفراد جنسها. والمسلم يكون محافظا على الصلاة إذا أداها فى وقتها مستوفية لآدابها وسننها وشرائعها وخشوعها وكل ما يتعلق بها، أما إذا قصر فى شىء من ذلك فإنه لا يكون محافظًا عليها تلك المحافظة التامة التى أمر الله بها. وفى قوله - تعالى -: ﴿حافظوا﴾ تنبيه إلى أن الصلاة فى ذاتها شىء نفيس ثمين تجب المحافظة عليه، لأن هذه الكلمة تدل على الصيانة والضبط بجانب دلالتها على الأداء والإِقامة والمداومة. قال الإِمام الرازى: وقوله: ﴿حافظوا﴾ بصيغة المفاعلة التى تكون بين اثنين. للدلالة على أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب. فكأنه قيل: احفظ الصلاة ليحفظك الإِله الذى أمرك بها. وهذا كقوله: ((فاذكروني أذكركم)) وفى الحديث ((احفظ الله يحفظك)). أو أن تكون المحافظة بين المصلى والصلاة. فكأنه قيل : احفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة بمعنى أنها ٥٤٧ سورة البقرة تحفظك من ارتكاب المعاصى، وتشفع لمصليها يوم القيامة))(١). وللعلماء أقوال فى المراد بالصلاة الوسطى التى أفردها الله - تعالى - من بين الصلوات. فجمهور العلماء يرون أنها واحدة من بين الصلوات الخمس المفروضة، وأن الوسطى مؤنث الأوسط أى الشىء المتوسط بين شيئين، فالصلاة الوسطى هى الصلاة المتوسطة بين صلاتين، إلا أنهم اختلفوا فى تعيينها. فأكثر العلماء على أن الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، لأنها تقع فى وسط الصلوات الخمس، إذ قبلها اثنتان وبعدها اثنتان، ولأنها وسط بين صلاتى النهار، وصلات الليل، فمعنى التوسط فيها واضح، ولأنها مظنة التقصير لمجيئها بعد وقت الظهيرة الذى يكون فى الغالب وقت کسل. وفضلا عن ذلك فقد صرحت بعض الأحاديث بأنها صلاة العصر، وقد ساق الإِمام ابن کثیر عددًا من هذه الأحاديث ومنها ما جاء فى صحيح مسلم ومسند الإِمام أحمد عن على بن أبى طالب قال: قال رسول الله وَل﴿ يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارًا، ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء، وفى مسند الإمام أحمد عن سمرة أن رسول الله وَ الر قال: ((الصلاة الوسطى صلاة العصر)). وقد خصت صلاة العصر بمزيد من التأكيد، وبالأمر بالمحافظة عليها، وبالتحذير من التقصير فيها، مما يشهد بأنها هى الصلاة الوسطى، فقد روى البخارى ومسلم عن ابن عمر أن رسول اللّه ◌َ ر قال: ((الذى تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) أى: سلب من أهله وماله فبقی وحيدًا بدونهما. وقال بعضهم المراد بالصلاة الوسطى صلاة الصبح، وقيل صلاة الظهر، وقيل صلاة المغرب، وقيل العشاء، وقيل الجمعة، وقيل غير ذلك من الأقوال التى لا تبلغ فى قوتها مبلغ قول القائلين بأنها صلاة العصر، ولذا قال ابن كثير وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التى قبلها، ومعترك النزاع فى الصبح والعصر، وقد أثبتت السنة أنها العصر فتعين المصير إليها - أى إلى أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر(٢). ومن العلماء من اتجه فى بيان المراد من الصلاة الوسطى اتجاهًا آخر فهو يرى أن المراد بالصلاة الوسطى الصلوات كلها، وأن الوسطى ليست بمعنى المتوسطة بين صلاتين، وإنما هى بمعنى (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ١٥٧. بتلخيص. (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ١ ص ٢٩١ وما بعدها. ٥٤٨ المجلد الأول الفضلى لأن وسط الشىء خياره وأعدله وأفضله فالمقصود بها فعلها أو أداؤها بطريقة سليمة كاملة. والمعنى على هذا الرأى: حافظوا يا معشر المسلمين على الصلوات كلها، وحافظوا على أن يكون أداؤكم لها بطريقة وسطى أى فاضلة بأن تأدوها فى أوقاتها كاملة الأركان والسنن والآداب والخشوع. قال ابن كثير: وقيل بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس رواه ابن أبى حاتم عن ابن عمر وفى صحته نظر. والعجب أن هذا القول قد اختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر إمام ما وراء البحر، وإنها لإِحدى الكبر، إذ اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم يقمَ عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر)). ومن العلماء المحدثين الذين استحسنوا هذا الرأى الشيخ محمد عبده - رحمه الله - فقد قال: ((ولولا أنهم اتفقوا على أنها - أى الصلاة الوسطى - إحدى الخمس لكان يتبادر إلى فهمى من قوله: ((الصلاة الوسطى)) أن المراد بالصلاة الفعل وبالوسطى الفضلى أى: حافظوا على أنواع الصلاة وهى الصلاة التى يحضر فيها القلب وتتوجه بها النفس إلى الله - تعالى - وتخشع لذكره، وتدبر كلامه لا صلاة المرائين ولا الغافلين))(١). والذى نراه أن ما عليه الجمهور من أن الصلاة الوسطى هى واحدة من بين الصلوات الخمس، وأنها صلاة العصر هو أقوى الآراء، لأنه - أولا - يتفق مع أصحاب الاتجاه الثانى الذين يقولون بأن أداء الصلاة يجب أن يكون بطريقة تامة الأركان والسنن والخشوع وما قال أحد منهم بأن تحديدها بصلاة العصر ينفى أداء بقية الفرائض بكمال واطمئنان. ولأنه - ثانيًا - قد امتاز عن رأى أصحاب الاتجاه الثانى بأنه أعمل النص الصحيح الثابت عن رسول الله وليه بأن الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، ولا شك أن إعمال النص أولى من إهماله أو من تأويله تأويلا ضعيفًا. وقوله: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ مؤكدا لما قبله من المحافظة والمداومة على أداء الصلاة. والقنوت : لزوم الطاعة مع الخضوع والخشوع. أى قوموا فى الصلاة مطيعين لله - تعالى - مؤيدين لها على وجهها الكامل فى خشوع وخضوع واطمئنان. والفاء فى قوله : ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانًا﴾ للتفريع أى: حافظوا على الصلاة فى كل وقت، وأدوها بخشوع واطمئنان، فإن كان بكم خوف من عدو فى حال المقاتلة فى الحرب أو من غيره لسبب من الأسباب، فصلوا راجلين أى ماشين على الأقدام، أو راكبين على ركائبكم بإيماء، سواء وليتم وجوهكم شطر القبلة أولا . . (١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٤٣٨. ٥٤٩ سورة البقرة و(رجالا) جمع راجل. وهو القوى على المشى برجليه. يقال: رَجل الإِنسان يرجل رجلا إذا لم يجد ما يركبه ومشى على قدميه، والركبان جمع راكب للجمل أو الفرس أو غيرهما. وجواب الشرط محذوف والتقدير: فإن خفتم فصلوا راجلين أو راكبين، وهذان اللفظان أى - رجالا أو ركبانًا - حالان من الضمير فى ((فصلوا)) المحذوف. والآية الكريمة تدل على شدة عناية الإِسلام بشأن الصلاة، فقد أمر الله - تعالى - عباده بأن يحافظوا عليها فى حالتى الأمن والخوف، والصحة والمرض، والسفر والإقامة .. وقد بسط هذا المعنى الأستاذ الإِمام محمد عبده فقال ما ملخصه : وقوله - تعالى -: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانًا﴾ هذا تأكيد للمحافظة على الصلاة، وبيان أنها لا تسقط بحال، لأن حال الخوف على النفس أو العرض أو المال هو مظنة العذر فى الترك كما يكون السفر عذرًا فى ترك الصيام .. والسبب فى عدم سقوط الصلاة عن المكلف بحال أنها عمل قلبى، وإنما فرضت تلك الأعمال الظاهرة لأنها مساعدة على العمل القلبى المقصود بالذات، وهو تذكر سلطان الله - تعالى - المستولى علينا وعلى العالم كله، ومن شأن الإِنسان إذا أراد عملا قلبيًّا يجتمع فيه الذكر أن يستعين على ذلك ببعض ما يناسبه من قول وعمل. ولا ريب أن هذه الهيأة التى اختارها الله - تعالى - للصلاة هى أفضل معين على استحضار سلطانه فإن قولك ((الله أكبر)) فى فاتحة الصلاة وعند الانتقال فيها من عمل إلى عمل يعطيك من الشعور بكون الله أكبر وأعظم من كل شىء ما يغمر روحك، ويستولى على إرادتك .. وكذلك الشأن فى سائر أعمال الصلاة. فإذا تعذر عليك الإِتيان ببعض تلك الأعمال البدنية؛ فإن ذلك لا يسقط عنك هذه العبادة القلبية التى هى روح الصلاة وغيرها، وهى الإِقبال على الله - تعالى - واستحضار سلطانه، مع الإشارة إلى تلك الأعمال بقدر الإمكان الذى لا يمنع من مدافعة الخوف الطارىء من سبع مفترس، أو عدو مغتال، أو لص محتال .. فالآية تعلمنا أنه يجب أن لا يذهلنا عن الله شىء فى حال من الأحوال .. ))(١). وقال الإِمام ابن العربى: قوله - تعالى -: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانًا﴾ أمر الله - تعالى - بالمحافظة على الصلاة فى كل حال من صحة ومرض، وحضر وسفر، وقدرة وعجز، وخوف وأمن، لا تسقط عن المكلف بحال، ولا يتطرق إلى فرضيتها اختلال. وقد قال ◌َله: ((صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب)). (١) تفسير المنار جـ ٢ صفحة ٤٤٣. ٥٥٠ المجلد الأول والمقصود من ذلك أن تفعل الصلاة كيفما أمكن، لا تسقط بحال حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإِشارة بالعين للزم فعلها كذلك إذا لم يقدر على حركة سائر الجوارح، وبهذا المعنى تميزت عن سائر العبادات، فإن العبادات كلها تسقط بالأعذار، ولذلك قال علماؤنا : إن تارك الصلاة يقتل، لأنها أشبهت الإِيمان الذى لا يسقط بحال، ولا تجوز النيابة فيها ببدن ولا مال))(١). ثم قال - تعالى -: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم مالم تكونوا تعلمون﴾ أى فإذا زال خوفكم وصرتم آمنين مطمئنين، ((فاذكروا الله)) أى فأدوا الصلاة تامة كاملة مثل ما علمكم إياها ربكم على لسان نبيكم ◌َ﴿ وقد من الله - تعالى - عليكم بهذا التعليم الذى كنتم تجهلونه فضلا منه وکرمًا. وعبر - سبحانه - ((بإن)) المفيدة للشك فى حالة الخوف، وبإذا المفيدة للتحقيق فى حالة الأمن، للإشعار بأن حالة الأمن هى الحالة الكثيرة الثابتة، وأن حالة الخوف هى الحالة القليلة الطارئة، وفى ذلك فضل جزيل من الله - تعالى - على عباده يحملهم على شكره وطاعته، حيث وهبهم الأمان والاطمئنان فى أغلب أوقات حياتهم. وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد أمرتا المسلم بأن يحافظ على الصلاة محافظة تامة، إذ فى هذه المحافظة سعادة للإنسان، ودافع له على أداء الحقوق لأربابها، وزاجر له عن اقتراف. ما نهى الله عنه. ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن أحكام الزواج وما يتعلق به من طلاق ووصية وعدة وغير ذلك من أحكام بقوله - تعالى - : T. وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِىِ مَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٢٤١) بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( اُللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٢٤٢٣ (١) أحكام القرآن لابن العربى جـ١ صفحة ٢٢٧. ٥٥١ سورة البقرة والآية الأولى من هذه الآيات تبين بعض الحقوق التى شرعها الله - تعالى - للمرأة التى توفى عنها زوجها. والمعنى : لقد شرع الله لكم فيما شرع من أحكام، أن على المسلم قبل أن يحضره الموت أن يوصى لزوجته التى على قيد الحياة بما تنتفع به انتفاعًا مستمرًا لمدة حول من وفاته، ولا يصح أن يخرجها أحد من مسكن الزوجية. وقوله: ﴿وصية﴾ فيه قراءتان مشهورتان. القراءة الأولى بالنصب، والتقدير: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا فليوصوا وصية، أو كتب الله عليهم وصية لأزواجهم. والقراءة الثانية بالرفع والتقدير: فعليهم وصية لأزواجهم. وعلى قراءة النصب تكون كلمة ﴿وصية﴾ مفعولاً مطلقًا أو مفعولا به، وعلى قراء الرفع تكون مبتدأ محذوف الخبر. وقوله : ﴿لأزواجهم﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لكلمة ﴿وصية﴾ على القراءتين. أى: وصية كائنة لأزواجهم. والمراد بقوله: ﴿متاعًا﴾ ما تتمتع به الزوجة من السكن والنفقة بعد وفاة زوجها بوصية منه. وهو منصوب على المصدر أى متعوهن متاعًا أو على المفعولية. أى جعل الله لهن ذلك متاعًا. وقال - سبحانه -: ﴿متاعًا إلى الحول﴾ للتنصيص على أن هذه المدة تمتد حولا كاملا منذ وفاة زوجها، إذ كلمة حول تدل على التحول أى حتى تعود الأيام التى حدثت فيها الوفاة. وقوله: ((غير إخراج)) حال من أزواجهم أى غير مخرجات من مسكن الزوجية، فلا يصح لورثة الميت أن يخرجوهن من مسكن الزوجية بغير رضاهن، لأن بقاءهن فى مسكن الزوجية حق شرعه الله لهن، فلا يجوز لأحد أن يسلبه منهن بغير رضاهن. ثم قال - تعالى - : ﴿فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن من معروف﴾. أی : ﴿فإن خرجن﴾ من منزل الزوجية برضاهن ورغبتهن ﴿فلا جناح عليكم﴾ أى فلا إثم عليكم أيها المسلمون ﴿فيما فعلن فى أنفسهن من معروف﴾ أى فيما فعلن فى أنفسهن من أمور لا ينكرها الشرع كالتزين والتطيب والتزوج بعد انتهاء عدتها وهى أربعة أشهر وعشرة أيام. هذا، وللعلماء فى تفسير هذه الآية اتجاهان مشهوران : أما الاتجاه الأول: فيرى أصحابه أن هذه الآية منسوخة لأنها توجب على الزوج حين مشارفة الموت أن يوصى لزوجته بالنفقة والسكنى حولا، ويجب عليها الاعتداد حولا، وهى مخيرة بين السكنى فى بيته حولا ولها النفقة، وبين أن تخرج منه ولا نفقة لها، ولم یکن لها ميراث من زوجها %% ٥٥٢ المجلد الأول قالوا : وكان هذا الحكم فى ابتداء الإِسلام. وقد نسخ وجوب الوصية بالنفقة والسكنى بآية المواريث وبحديث ((ألا لا وصية لوارث)) حيث جعل لها الربع أو الثمن عوضًا عن النفقة والسكنى ونسخ وجوب العدة حولا بقوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ الآية. قالوا : ومما يشهد لذلك ما أخرجه أبو داود والنسائى عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية : نسخت بآية الميراث بما فرض الله لهن من الربع والثمن ((ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرًا))(١). وقد حكى هذا الرأى صاحب الكشاف فقال : والمعنى : أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا، أى : ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن. وكان ذلك فى أول الإِسلام ثم نسخت المدة بقوله : ﴿أربعة أشهر وعشرًا﴾ وقيل نسخ مازاد منه على هذا المقدار. ونسخت النفقة بالإِرث الذى هو الربع والثمن. واختلف فى السكنى فعند أبى حنيفة لا سكنى. ثم قال: فإن قلت كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلت : قد تكون الآية متقدمة فى التلاوة وهى متأخرة فى التنزيل. كقوله - تعالى -: ﴿سيقول السفهاء﴾ مع قوله ﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء﴾(٢). وعلى هذا الاتجاه سار جمهور المفسرين. أما الاتجاه الثانى: فيرى أصحابه أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة وممن ذهب إلى هذا الاتجاه مجاهد، فقد قال ما ملخصه : دلت الآية الأولى وهى ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ على أن هذه عدتها المفروضة تعتدها عند أهل زوجها. ودلت هذه الآية بزيادة سبعة أشهر وعشرين ليلة على العدة السابقة تمام الحول، وأن ذلك من باب الوصية للزوجات أن يمكن من السكنى فى بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا ولا يمنعن من ذلك لقوله : ﴿غير إخراج﴾ فإذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر - أو بوضع الحمل - واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله: ﴿فإن خرجن﴾. ومن المفسرين الذين أيدوا هذا الاتجاه الإِمام ابن كثير فقد قال - بعد أن ساق قول مجاهد - . (١) أخرجه أبو داود فى كتاب الطلاق باب نسخ متاع المتوفى عنها زوجها بما فرض لها من الميراث. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٨٩. ٥٥٣ سورة البقرة وهذا القول له اتجاه وفى اللفظ مساعدة له وقد اختاره جماعة منهم الإِمام أبو العباس بن تيمية(١). كما أيده أيضًا الإِمام الفخر الرازى فى تفسيره، فقد قال بعد أن ساق بعض الأدلة التى تثبت ضعف قول من قال بالنسخ: ((فكان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير دليل))(٢). والخلاصة أن أصحاب هذا الاتجاه الثانى لا يرون معارضة بين هذه الآية وبين آية ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ لأن الآية التى معنا لا تتحدث عن عدة المتوفى عنها زوجها وإنما تتحدث عن حقها فى البقاء فى منزل الزوجية بعد وفاة زوجها، وأن هذا الحق ثابت لها فإن شاءت بقيت فيه، وإن شاءت خرجت منه على حسب ما نراه مصلحة لها، ولأنها لا يوجد فى ألفاظها أو معانيها ما يلزم المرأة بالتربص والامتناع عن الأزواج مدة معينة. أما الآية الثانية فنراها واضحة فى الأمر بالتربص أربعة أشهر وعشرًا، وهى العدة التى يجب أن تمتنع فيها المرأة التى مات عنها زوجها عن التزين والتعرض للزواج. إذن فلا تعارض بين الآيتين ومتى انتفى التعارض انتفى النسخ. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿والله عزيز حكيم﴾ أى: عزيز فى انتقامه ممن تعدى حدوده، إذ هو القاهر فوق عباده، حكيم فيما شرع لهم من آداب وأحكام فينبغى أن يمتثل الناس أوامره ويجتنبوا ما نهاهم عنه. ثم بين - سبحانه - حق المطلقات فقال: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقًّا على المتقين﴾. أى وللمطلقات على أزواجهن الذين طلقوهن متاع بالمعروف أى شىء ينتفع به انتفاعًا ممتدًا لمدة من الوقت مما تعارف العقلاء عليه وعلى فائدته للمرأة، وهذا المتاع جعله الله حقا على المتقين الذين يصونون أنفسهم عن كل ما يبغضه الله - تعالى -. وقد جعل الله هذا الحق للمطلقة على مطلقها جبرًا لوحشة الفراق وإزالة لما قد يكون بين الزوجين من شقاق، وتخفيفًا لما قد يحيط بجو الطلاق من تنافر وتخاصم وعدم وفاق. قال ابن كثير: وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة سواء كانت مفوضة، أو مفروضًا لها، أو مطلقة قبل المسيس، أو مدخولا بها. وإليه ذهب (١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٢٩٧ بتصرف يسير. (٢) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ١٦٨. ٥٥٤ ـL المجلد الأول سعيد بن جبير وغيره من السلف واختاره ابن جرير، وهو قول عن الشافعى(١). . وعلى هذا التفسير يكون المراد بالمتاع ما يعطيه الرجل لامرأته التى طلقها زيادة عن الحقوق المقررة لها شرعا ليكون التسريح بإحسان. ومن العلماء من يرى أن المراد بالمتاع هنا النفقة التى تكون للمطلقة فى العدة قال الفخر . الرازى: واعلم أن المراد بالمتاع ههنا فيه قولان : أنه هو المتعة فظاهر هذه الآية يقتضى وجوب هذه المتعة لكل المطلقات .. والقول الثانى أن المراد بهذه المتعة النفقة، والنفقة قد تسمى متاعا، وإذا حملنا هذا المتاع على النفقة اندفع التكرار فكان ذلك أولى))(٢). ويظهر أن مراد الفخر الرازى بقوله: ((اندفع التكرار)) أى ما بين هذه الآية والآية التى سبقت وهى قوله - تعالى - : ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين) ولك أن تقول: إنه لا تكرار مع إرادة المتعة التى ليست هى النفقة لأنه فى السابقة بين أنها حق للمرأة حين تطلق ولم يكن قد قدر لها مهر معين، وهنا ذكرت عقب آية الوفاة لدفع ما يتوهم من أن المتوفى عنها زوجها لها حق فى المتعة إذا لم يوص لها زوجها بالنفقة . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات المتعلقة بأحكام الأسرة بقوله : ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾. أى: مثل هذا البيان الحكيم الواضح الذى بين الله لكم به الأحكام السابقة، يبين لكم جميع آياته وأحكامه التى أنتم فى حاجة إليها لكى تفهموا ما فيها وتعقلوه وتعملوا به فتنالوا السعادة فى الدنيا والآخرة. وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد بينت لنا فى أكثر من عشرين آية بعض الأحكام التى تتعلق بالأسرة وصيانتها وسعادتها بأسلوب مؤثر حكيم وبطريقة تهدى إلى أفضل الأخلاق، وأقوم العلاقات بين الأفراد والجماعات، وإن المتأمل فى هذه الآيات وما اشتملت عليه من توجيهات سامية ليوقن بأن هذا القرآن إنما هو من عند الله، الذى شرع لعباده ما فيه صلاحهم وسعادتهم . وبعد هذا البيان الحكيم عن الأسرة وما يتعلق بها من زواج وطلاق وغير ذلك، ساق القرآن من القصص ما من شأنه أن يدعو إلى التذكر والاعتبار ويحرض على الجهاد فى سبيل الله، (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٩٧. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ١ ص ١٧٢ . ٥٥٥ سورة البقرة ويحمل المتأملين فى توجيهاته على إقامة الأسرة على أقوى الدعائم، وأفضل المبادىء التى بها تنال الأمم عزتها وكرامتها وسعادتها. فقال - تعالى - : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَخْيَهُمْ إِنَّ اللَّهُلَذُوفَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ٢٤٣ ٢٤٤١٠ وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْلَمُواْ أَنَّاللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْضُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٤٥ قال الآلوسي: قوله - تعالى -: ﴿ألم تر﴾ هذه الكلمة قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجب والتقرير والتذكير لمن علم بما يأتى - كالأحبار وأهل التواريخ - وقد تذكر لمن لا يكون کذلك فتکون لتعریفه وتعجیبه، وقد اشتهرت فى ذلك حتى أجريت مجری المثل فی هذا الباب، بأن شبه من ((لم ير)» الشىء بحال من رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه وأنه ينبغى أن يتعجب منه، ثم أجرى الكلام معه كما يجرى مع من رأى، قصدًا إلى المبالغة فى شهرته وعراقته فى التعجب. ثم قال: والرؤية إما بمعنى الإِبصار مجازًا عن النظر، وفائدة التجوز الحث على الاعتبار، لأن النظر اختيارى دون الادراك الذى بعده. وإما بمعنى الإِدراك القلبى متضمنًا معنى الوصول والانتهاء ولهذا تعدت - أى الرؤية - بإلى فى قوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا .. ﴾(١). والمعنى: قد علمت أيها الرسول الكريم أو أيها الإِنسان العاقل - حال أولئك القوم الذين خرجوا من ديارهم التى ألفوها واستوطنوها، وهم ألوف مؤلفة، وكثرة كاثرة، وما كان خروجهم إلا فرارا وخوفًا من الموت الذى سيلاقيهم - إن عاجلا أو آجلا -. (١) تفسير الألوسى جـ ٢ صفحة ١٦٠. ٥٥٦ المجلد الأول ومن لم يعلم حالهم فها نحن أولاء نعلمه بها ونحيطه بما جرى لهم عن طريق هذا الكتاب الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والمقصود من هذه الآية الكريمة حض الناس جميعًا على الاعتبار والاتعاظ وزجرهم عن الفرار من الموت هلعًا وجبنًا، وتحريضهم على القتال فى سبيل الله فقد قال - تعالى - بعد ذلك: ﴿وقاتلوا فى سبيل الله .. ﴾ وإفهامهم أن الفرار من الموت لن يؤدى إلا إلى الوقوع فيه. وقوله: ﴿وهم ألوف﴾ جملة حالية من الضمير فى ﴿خرجوا﴾ و﴿ألوف﴾ جمع ألف. والتعبير بألوف يفيد أنهم كانوا كثيرى العدد، ومن شأن الكثرة أنها تدعو إلى الشجاعة ولكنهم مع هذه . الكثرة قد استولى عليهم الجبن فخرجوا من ديارهم هربًا من الموت. وقيل إن معنى ﴿وهم ألوف﴾ أنهم خرجوا مؤتلفى القلوب، ولم يخرجوا عن افتراق كان منهم، ولا عن تباغض حدث بينهم. وألوف على هذا القول جمع آلف مثل قاعد وقعود وشهود. قالوا : والوجه الأول أجدر بالاتباع لأن ورود الموت عليهم وهم كثرة عظيمه يفيد مزيد اعتبار بحالهم، ولأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة. وقوله: ﴿حذر الموت﴾ أى خرجوا لحذر الموت وخشيته، فقوله: ﴿حذر﴾ منصوب على أنه مفعول لأجله. والجملة الكريمة تشير إلى أن خروجهم كان الباعث عليه الحرص على مطلق حياة ولو كانت حياة ذل ومهانة، وأنه لم يكن هناك سبب معقول يحملهم على هذا الخروج، ولذا كانت نتيجة ذلك أن عاقبهم الله - تعالى - بالموت الذى هربوا منه فقال : ﴿فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾ أى: فقال لهم الله موتوا فماتوا ثم أحياهم بعد ذلك. فجملة ﴿ثم أحياهم﴾ معطوفة على مقدر يستدعيه المقام أى، فماتوا ثم أحياهم. وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلف مراده - تعالى - عن إرادته. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿فقال لهم الله موتوا﴾ قلت : معناه فأماتهم وإنما جىء به على هذه الصورة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك ميتة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشىء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقف كقوله - تعالى -: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأن الموت إذا لم يكن منه بد، ولم ينفع منه مفر، فأولى أن يكون فى سبيل الله))(١). وقال الجمل: ((فإن قلت هذا يقتضى أن هؤلاء ماتوا مرتين وهو مناف للمعروف من أن (١) تفسير الكشاف جـ١ صفحة ٢٩٠. ٥٥٧ سورة البقرة موت الخلق مرة واحدة؟ قلنا فى الجواب : لا منافاة إذ الموت هنا عقوبة مع بقاء الأجل كما فى قوله فى قصة موسى : ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ وثم موت بانتهاء الأجل، وتلخيصه : أنه - سبحانه - أماتهم قبل آجالهم عقوبة لهم ثم بعثهم إلى بقية آجالهم، وميتة العقوبة بعدها حياة - أى فى الدنيا - بخلاف ميتة الأجل - فلا حياة بعدها فى الدنيا -.. ))(١). وبعد هذا البيان لمعنى الآية قد يقال: من هم أولئك القوم الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت؟ وهل الإِماتة والإِحياء بالنسبة لهم كانا على سبيل الحقيقة؟ للإجابة على السؤال الأول نقول: لم يرد حديث صحيح عن رسول الله وَل يبين لنا فيه من هؤلاء القوم وفى أى زمن كانوا، وإنما أورد بعض المفسرين عن بعض الصحابة والتابعين روايات فيها مقال، وفيها تفصيلات نرى من الخير عدم ذكرها لضعفها. ومن هذه الروايات ما جاء عن ابن عباس أنه قال : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارًا من الطاعون، حتى إذا كانوا بموضع كذا أو كذا ماتوا .. ثم أحياهم الله بدعوة دعاها نبيهم(٢). ومنها أنهم - قوم من بنى إسرائيل - فروا من الجهاد حين أمرهم الله به على لسان نبيهم ((حزقيل)) وخافوا من الموت فى الجهاد فخرجوا من ديارهم فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شىء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد .. )). قال القرطبى بعد أن ساق هذه الرواية : وقال ابن عطية : وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله - تعالى - أخبر نبيه محمدًا وَّ إخبارًا فى عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت فأماتهم الله ثم أحياهم ليروا هم وكل من جاء من بعدهم أن الإماتة إنما هى بيد الله لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر. وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدى أمر المؤمنين من أمة محمد ويلتر بالجهاد. وهذا قوَل الطبرى وهو ظاهر وصف الآية))(٣) والذى نراه أن الرواية الثانية التى تقول: إنهم قوم من بنى إسرائيل فروا من الجهاد حين أمرهم الله به .. معقولة المعنى، ويؤيدها سياق الآيات، لأن الآيات تحض الناس على القتال فى سبيل الله، وتسوق لهم قصة هؤلاء القوم لكى يعتبروا ويتعظوا ولا يتخلفوا عن الجهاد الذى هو باب من أبواب الجنة - كما قال الإِمام على بن أبى طالب - ولأن قوله - تعالى -: ﴿وهم ألوف﴾ يشعر بأنهم مع كثرة عددهم قد نكصوا على أعقابهم، وفروا من وجوه أعدائهم وهذا شأن بنى إسرائيل فى كثير من أدوار تاريخهم وما قاله ابن عطية يشير إليها فهو (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ١ صفحة ١٩٧. بتصرف يسير. (٢) تفسير ابن كثير جـ١ صفحة ٢٩٨ بتلخيص. (٣) تفسير القرطبى جـ٢ صفحة ٢٣٩. ٥٥٨ المجلد الأول يقول: وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدى أمر المؤمنين ... بالجهاد. إلا أنه آثر وصفهم بأنهم قوم من البشر. وللإجابة على السؤال الثانى وهو - هل الإِماتة والإِحياء بالنسبة لهم كانا على سبيل الحقيقة - نقول : مبلغ علمنا أن المفسرين السابقين مجمعون على أن الموت كان موتًا حقيقيًا حسيًا لهم، وأن إعادتهم إلى الحياة بعد ذلك كانت إعادة حقيقية حسية. وقد خالف الأستاذ الإمام محمد عبده إجماع المفسرين هذا فرأى أن المراد بالموت فى الآية الموت المعنوى بمعنى أن موت الأمم إنما هو فى جبنها وذلتها وأن حياتها إنما تكون فى عزتها وحريتها، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه. (( .. والمتبادر من السياق أن أولئك القوم خرجوا من ديارهم بسائق الخوف من عدو مهاجم . لا من قلتهم، فقد كانوا ألوفًا أى كثيرين، وإنما هو الحذر من الموت الذى يولده الجبن فى أنفس الجبناء، فيريهم أن الفرار من القتال هو الواقى من الموت وما هو إلا سبب الموت بما يمكن الأعداء من رقاب أهله، قال أبو الطيب: يرى الجبناء أن الجبن حزم وتلك خديعة الطبع اللئيم ثم قال: لقد خرجوا فارين ﴿فقال لهم الله موتوا﴾ أى أماتهم بإمكان العدو منهم ... فمعنی أولئك القوم هو أن العدو نکل بهم فأفنی قوتهم وأزال استقلال أمتهم حتى صارت لا تعد ، أمة، بأن تفرق شملها، وذهبت جامعتها، فكل من بقى من أفرادها بقى خاضعًا للغالبين ضائعًا فيهم، لا وجود له فى نفسه، وإنما وجوده تابع لوجود غيره. ومعنى حياتهم هو عود الاستقلال إليهم، ذلك أن من رحمة الله فى البلاء يصيب الناس أنه يكون تأديبًا لهم، ومطهرًا لنفوسهم مما عرض لها من دنس الأخلاق الذميمة. أشعر الله أولئك القوم بسوء عاقبة الخوف والجبن والفشل والتخاذل بما أذاقهم من مرارتها، فجمعوا كلمتهم، ووثقوا رابطتهم، حتى عادت لهم وحدتهم، فاعتزوا وكثروا حتى خرجوا من ذل العبودية التى كانوا فيها إلى عز الاستقلال فهذا معنى حياة الأمم وموتها))(١). فأنت ترى أن الأستاذ الإمام يرى أن الموت والحياة فى الآية معنويان، بمعنى أن موت الأمم فى جبنها وذلتها، وحياتها فى استقلالها وحريتها. ولعله - رحمه الله - قد اتجه هذا الاتجاه لأن الحض على القتال فى سبيل الله واضح فى هذه الآيات، ولأنه يرى أن واقع العالم الإِسلامى يومئذ وما أصابه من ظلم واستبداد واستلاب (١) راجع تفسير المنار جـ ٢ ص ٤٥٧ وما بعدها. ٥٥٩ سورة البقرة للحرية يدعوه إلى أن يحرض المسلمين على القتال فى سبيل حقهم المسلوب، وأن يحذرهم من سوء عاقبة الجبن والخنوع. ومع أننا لا نشك فى الدوافع الطيبة والبواعث الكريمة التى جعلت الأستاذ الإِمام يتجه هذا . الاتجاه، إلا أننا لا نتردد فى اختيار ما ذهب إليه المفسرون من أن الموت والحياة فى الآية حسيان حقيقيان، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة، ولأنه يتجه اتجاهًا أعم من اتجاه الإِمام محمد عبده، لأن المفسرين يرون أن الآية واضحة فى إثبات قدرة الله وفى صحة البعث، وفى الحض على القتال فى سبيل الله. قال بعض العلماء: قوله - تعالى -: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا﴾ الآية. كان المشركون يستفتون اليهود فى كثير من الأمور وكانت هذه القصة معلومة لليهود فى أسفارهم وتواريخهم، فنزل القرآن بالإشارة إليها ليرتدع المشركون عما هم فيه من الضلال وإنكار البعث، ويعلموا أن دلائل القدرة على البعث مشهورة، وأن عند اليهود منها ما لو رجعوا إليهم فيه لعلموا أنه حق لا ريب فيه. وفى ذكر هذه القصة مع ذلك تشجيع للمؤمنين على الجهاد والتعرض للشهادة، وتمهيد لما بعد هذه الآية))(١). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ أى: إن الله - تعالى - لصاحب تفضل دائم على الناس حيث أوجدهم بهذه الصورة الحسنة، وخلق لهم عقولا ليهتدوا بها إلى طريق الخير، وسخر لهم الكثير مما فى هذا الكون. فمن الواجب عليهم أن يشكروه وأن يطيعوه، ولكن الذى حدث منهم أن أكثرهم لا يشكرون الله - تعالى - على ما منحهم من نعم. وفى قوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ إنصاف للقلة الشاكرة منهم، ومديح لهم على استقامتهم وقوة إيمانهم. ثم أمر الله - تعالى - عباده بالجهاد فى سبيله فقال: ﴿وقاتلوا فى سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم﴾. والسبيل : الطريق. وسميت المجاهدة سبيلا إلى الله لأن الإِنسان يسلكها فيصل إلى ما يرضى الله، ويعلى كلمته. ويعز دينه. أى، قاتلوا أيها المسلمون فى سبيل إعلاء كلمة الله، والدفاع عن دينه، واعلموا أنه - سبحانه - عليم بكل أقوالكم صالحها وطالحها، عليم بكل ما يدور فى نفوسكم وخواطركم، (١) صفوة البيان لمعانى القرآن ص ٨٠ لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف. ٥٦٠ المجلد الأول وسيجازى المحسن بإحسانه، والمسىء بإساءته . فالآية الكريمة تحريض للمؤمنين على القتال من أجل إظهار الدين الحق، وتحذير لهم من القعود عنه، وحث لهم على صدق النية وإخلاص العمل لله، فقد سئل النبى وَّر عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أى ذلك فى سبيل الله؟ فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله))(١). ثم أمر الله - تعالى - عباده بأن ينفقوا أموالهم فى الأعمال الصالحة التى من أعظمها الجهاد فى سبيله فقال - تعالى -: ﴿من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنًا فيضاعفه له أضعافًا كثيرة﴾. قال القرطبى: ((القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء. وأقرض فلان فلانا أى أعطاه ما يتجازاه. واستقرضت من فلان أى طلبت منه القرض فأقرضنى. واقترضت منه أى أخذت القرض. وأصل الكلمة القطع ومنه المقراض. وأقرضته أى قطعت له من مالى قطعة يجازى عليها ... ثم قال : والتعبير بالقرض فى هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو الغنى الحميد، لكنه - تعالى - شبه عطاء المؤمن فى الدنيا بما يرجو به ثوابه فى الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال فى أخذ الجنة بالبيع والشراء .. ))(٢). والمعنى : من هذا المؤمن القوى الإِيمان الذى يقدم ماله فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، وفى غير ذلك من وجوه الخير كمعاونة المحتاجين، وسد حاجة البائسين، ومساعدة الأمة الإِسلامية بما يفيدها ويعلى من شأنها، ﴿فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾ أى: فيرد الله - تعالى - إلى هذا الباذل المعطى المقرض بدل ما أعطى وبذل وأقرض أمثالا كثيرة لا يعلم مقدارها إلا الله أكرم الأكرمين. إذ المضاعفة معناها إعطاء الشخص أضعاف أى أمثال ما أعطى وبذل. والاستفهام فى قوله: ﴿من ذا الذى يقرض الله .. ﴾ للحض على البذل والعطاء، وللتهييج على الاتصاف بالصفات الكريمة، حتى لكأن المستفهم لا يدرى من هو الأهل لهذه الصفات ويريد أن يعرف من هو أهل لها. و﴿من﴾ اسم استفهام مبتدأ، وهذا﴾ اسم إشارة خبره، والذى وصلته صفة الاسم الإشارة أو بدل منه. وقوله : ﴿قرضا حسنا﴾ حث للناس على إخلاص النية، وتحرى الحلال فيما ينفقون، لأن الإنسان إذا تصدق بمال حرام، أو قصد بنفقته الرياء أو المباهاة لا يكون عمله متقبلا عند الله، (١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٢٣٩. (٢) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٢٣٩.