Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ سورة البقرة لأجله أى: لا تجعلوا الحلف بالله سببًا فى الامتناع عن عمل البر والتقوى والإصلاح بين الناس. والمعنى على أن عرضة بمعنى النصبة التى تتعرض للسهام : لا تجعلوا - أيها المؤمنون - اسم الله - تعالى - هدفا لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به فى كل حق وباطل، وذلك لأجل البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فإن من شأن الذى يكثر الحلف أن تقل ثقة الناس به وبأيمانه، وقد ذم الله - تعالى - من يكثر الحلف بقوله ﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ وأمر بحفظ الأيمان فقال: ﴿واحفظوا أيمانكم). قال الإِمام الرازى: والحكمة فى الأمر بتقليل الأيمان، أن من حلف فى كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك، ولا يبقى لليمين فى قلبه وقع، فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة، فيختل ما هو الغرض الأصلى فى اليمين، وأيضًا كلما كان الإِنسان أكثر تعظيما الله. كان أكمل فى العبودية، ومن کمال التعظیم أن یکون ذكر الله - تعالى - أجل وأعلا عنده من أن یستشهد به فى غرض دنيوى، وأما قوله بعد ذلك ﴿أن تبروا﴾ فهو علة لهذا النهى. أى: إرادة أن تبروا والمعنى إنما نهيتم عن هذا - أى عن الإكثار من الحلف - لما أن توقى ذلك من البر والتقوى والإصلاح، فتكونون يا معشر المؤمنين بسبب عدم إكثاركم من الأيمان - بررة أتقياء مصلحين)) (١). وهذا الوجه أيضًا استحسنه كثير من العلماء، ولا تنافى بينهما؛ لأن الله - تعالى - ينهانا عن أن نجعل القسم به مانعًا من فعل الخير، كما ينهانا فى الوقت نفسه عن أن نكثر من الحلف به فى عظيم الأمور وحقيرها .. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿والله سميع عليم﴾ أى: سميع لأقوالكم وأيمانكم عند النطق بها عليم بأحوالكم ونياتكم فحافظوا على ما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم لتنالوا رضاه ومثوبته . وقوله - تعالى -: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم) استئناف بيانى، لأن الآية السابقة لما أفادت النهى عن التسرع فى الحلف، أو عن اتخاذ الأيمان حاجزًا عن عمل الخير، كانت نفوس السامعين مشوقة إلى حكم اليمين التى تجرى على الألسنة بدون قصد. والمؤاخذة : مفاعلة من الأخذ بمعنى المحاسبة أو المعاقبة أو الإِلزام بالوفاء بها. واللغو من الكلام : الساقط الذى لا يعتد به ولا يصدر عن فكر وروية مصدر لغا يلغو ویلغی . (١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٨٠. ٥٠٢ المجلد الأول والمعنى : لا يعاقبكم الله - تعالى - ولا يلزمكم بكفارة ما صدر عنكم من الأيمان اللاغية فضلا منه - سبحانه - وکرمًا. واليمين اللغوهى التى لا يقصدها الحالف، بل تجرى على لسانه عادة من غير قصد، وقد ذكر العلماء صورًا لها منها - كما يقول ابن كثير: ما رواه عطاء عن عائشة أنها قالت: ((اللغو فى اليمين هو كلام الرجل فى بيته كلا والله وبلى والله)) وفى رواية عن الزهرى عن عروة عنها أنها قالت: ((اللغو فى اليمين هو ما يكون بين القوم يتدارءون فى الأمر - أى يتناقشون ويتذاكرون فيه - فيقول هذا لا والله وبلى والله وكلا والله لا تعقد عليه قلوبهم)) أى تجرى على ألسنتهم ألفاظ اليمين ولكن بدون قصد يمين : - ومنها ما جاء عن عروة عنها أنها كانت تتأول هذه الآية یعنی قوله - تعالى - : ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم) وتقول: هو الشىء يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه)). ثم بين - سبحانه - اليمين التى هى موضع المحاسبة والمعاقبة فقال : ﴿ولكن يؤاخذكم بما کسبت قلوبکم﴾. أى: لا يؤاخذكم الله فى اليمين التى لم تصدر عن روية وتفكير ولكن يؤاخذكم أى يعاقبكم فى الآخرة بما قصدته قلوبكم وتعمدتم فيه الكذب فى اليمين، بأن يحلف أحدكم على شىء كذب ليعتقد السامع صدقه، وتلك هی الیمین الغموس - أی التی تغمس صاحبها فى النار - ويدخل فيها الأيمان التى يحلفها شهود الزور والكاذبون عند التقاضى ومن يشابههم فى تعمد الكذب . ويرى جمهور العلماء أن هذه اليمين لا كفارة فيها وإنما كفارتها التوبة الصادقة ورد الحقوق إلى أصحابها إن ترتب على اليمين الكاذبة ضياع حق أو حكم بباطل. ويرى الإِمام الشافعى أنه يجب فيها فوق ذلك الكفارة. والباء فى قوله: ﴿بما﴾ للسببية، وما مصدرية أى، لا يؤاخذكم باللغو ولكن يؤاخذكم بالكسب، أو موصولة والعائد محذوف أى ولكن يؤاخذكم بالذى كسبته قلوبكم. وقوله: ﴿والله غفور حليم) تذييل لتأكيد معنى عدم المؤاخذة فى اللغو. أى والله غفور حيث لم يؤاخذكم باللغو حليم حيث لم يعاجل المخطئين بالعقوبة. وبعد بيان هذه الأحكام فى الأيمان العامة، عقب - سبحانه - ذلك ببيان حكم اليمين الخاصة فقال: ﴿الذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءو فإن الله غفور رحيم. ٠٠ ٥٠٣ سورة البقرة وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾. و﴿يؤلون﴾: من الإِيلاء مصدر آلى يؤالى ويؤلى إيلاء بمعنى حلف. قال الشاعر: وإن سبقت منه الآلية برت قليل الألايا حافظ ليمينه وقد خص الإِيلاء فى الشرع بالحلف على ترك مباشرة الزوجة. وكانوا فى الجاهلية يحلفون ألا يقربوا نساءهم السنة والأكثر إضرارا بهن. و﴿التربص﴾ التلبث والانتظار والترقب. قال الشاعر: تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت حليلها و﴿فاءو﴾ معناه رجعوا. والفىء فى اللغة هو رجوع الشىء إلى ما كان عليه من قبل، ولهذا قيل لما تزيله الشمس من الظل ثم يعود فىء. وقيل لما رده الله على المسلمين من مال المشركين فىء كأنه كان لهم فرجع إليهم. قال الشاعر : فضاءت ولم تقض الذى أقبلت له ومن حاجة الإِنسان ما ليس قاضيا و﴿عزموا﴾ من العزم وهو عقد القلب على الشىء، والتصميم عليه. يقال عزم على الشىء يعزم عزما وعزيمة .. إذا عقد نيته عليه. و﴿الطلاق﴾ هو حل عقد النكاح الذى بين الرجل والمرأة، وأصله من الانطلاق، وهو الذهاب. يقال : طلقت المرأة تطلق - من باب نصر - طلاقا، إذا أصبحت مخلاة بدون رجل بعد أن كانت فى عصمة رجل معين. قال الفخر الرازى: كان الرجل فى الجاهلية لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات يعل والغرض منه مضارة المرأة. ثم إن أهل الإِسلام كانوا يفعلون ذلك - أيضًا - فأزال الله، تعالى - ذلك، وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل فإن رأى المصلحة فى ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة فى المفارقة عن المرأة فارقها)). ومعنى الآيتين الكريمتين: أن الله - تعالى - جعل للذين يحلفون على ترك مباشرة أزواجهم مدة يراجعون فيها أنفسهم، وينتظرون فيها ما يستقر عليه أمرهم، وهذه المدة هى أربعة أشهر، فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك مباشرة الزوجة، ورأوا أن المصلحة فى الرجوع فإن الله - تعالى - يغفر لهم ما فرط منهم. وإن استمروا على ترك مباشرة نسائهم، وأصروا على ذلك بعد انقضائها فإن شرع الله - تعالى يحكم بالتفريق بينهما، لأن الحياة الزوجية لا تقوم على البغض والكراهية والهجران، وإنما تقوم على المحبة والمودة والرحمة. ٥٠٤ المجلد الأول وقوله : ﴿للذين يؤلون﴾ متعلق بمحذوف خبر مقدم. وتربص مبتدأ مؤخر، وقدم الخبر على المبتدأ للاهتمام بهذه التوسعة التى وسع الله بها عليهم، فهى مدة كافية لأن يراجع المرء فيها نفسه، ويعود إلى معاشرة زوجه خلالها. وعدى فعل الإِيلاء بمن مع أن حقه أن يتعدى بعلى، لأنه تضمن هنا معنى البعد كأنه قال : للذين يؤلون متباعدين من نسائهم. و﴿من نسائهم﴾ على حذف المضاف، أو من إقامة العين مقام الفعل المقصود منه المبالغة أى، للذين يؤلون من مباشرة نسائهم. وأضيف التربص إلى الظرف ﴿أربعة أشهر﴾ على الاتساع إذ الأصل تربصهن فى أربعة أشهر. وقوله: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ دليل الجواب. أى فإن فاؤا إلى زوجاتهم وحنثوا فى أيمانهم التى حلفوها بالابتعاد عنهن، بأن كفروا عنها وتابوا إلى ربهم فحنثهم مغفور لهم لأنه - سبحانه - غفور لمن تاب من بعد ظلمه وأصلح، رحيم بعباده فى كل أوامره وتكاليفه. وجواب الشرط فى قوله ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ محذوف والتقدير وإن عزموا الطلاق فقد وجب عليهم ما اعتزموه، والطلاق منصوب على نزع الخافض لأن عزم يتعدى بعلى. وفى قوله: ﴿فإن الله سميع عليم) وعيد شديد لمن يحلف على ترك مباشرة امرأته أو يمسكها بقصد إيذائها ومضارتها. أى فإن الله - تعالى - سميع لكل ما كان من الزوج الحالف، عليم بما يقع منه من مضار أو غيرها، وسيجزيه يوم القيامة بما يستحقه. قال القرطبى ما ملخصه : وقد جعل الله للزوج مدة أربعة أشهر فى تأديب المرأة بالهجر، وقد آلى النبى وَّله من أزواجه شهرا تأديبا لهن - عندما طالبنه بزيادة النفقة - وقد قيل: الأربعة الأشهر هى التى لا تستطيع أن تصبر عنه أكثر منها، وقد روى أن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - سأل بعض النساء عن مقدار صبر المرأة عن زوجها فقلن أربعة أشهر، فجعل عمر مدة الرجل فى الغزو أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين، وهذا - والله أعلم - يقوى اختصاص مدة الإِيلاء بأربعة أشهر))(١). وعلى أية حال فإن الطبائع تختلف فى مثل هذه الأمور، والأربعة الأشهر مدة كافية ليختبر الرجل نفسه وميوله، فإما أن يعود إلى معاشرة زوجه بالطريقة التى شرعها الله، وإما أن تعاد إلى الزوجة حريتها بالطلاق، ليبدأ كلاهما حياة زوجية جديدة مع شخص آخر. فذلك أكرم (١) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ١٠٧ بتصرف وتلخيص. ٥٠٥ سورة البقرة للزوجة وأعف وأصون، وأنفع للرجل كذلك وأشرف. وقد اختار الله هذه المدة وهو الأعلم بحكمة اختياره فعلينا أن نتقبل ما شرعه لنا طائعين خاشعين. هذا وجمهور - العلماء على أن الطلاق لا يقع بانتهاء هذه المدة، وإنما بانتهائها يأمره الحاكم بالفيئة، فإن تقبل أمر الحاكم بالرضا أمهله مدة يمكنه الفيئة فيها، وإن لم يتقبله بالرضا أمره بالطلاق، فإن طلق فبها وإلا طلقها الحاكم منه. وعليه فإن الفاء فى قوله - تعالى -: ﴿فإن فاءو﴾ لترتيب الحكم الذى يحصل بعد مدة التربص . وقال الأحناف إن الطلاق يقع بمجرد انتهاء هذه المدة وهى الأربعة الأشهر، والرجوع إنما يكون خلالها فلا زيادة فوقها، ويكفى فى مراجعته لنفسه تلك المدة، ومادام لم يرجع إلى معاشرة امرأته خلالها فقد آثر فراقها، ولا يصح أن نعطيه أية مهلة من الوقت بعدها. وعليه تكون الفاء عندهم للتفصيل، أى تفصيل ما يحصل من الزوج فى هذه المدة. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المسلم عن اتخاذ الحلف بالله حاجزًا بينه وبين فعل الخير،، وأمرته بأن يحفظ لسانه عن الإكثار من الحلف بالله فى الأمور الصغيرة والكبيرة، وحذرته من تعمد الأيمان الكاذبة التى تؤدى إلى غضب الله - تعالى - لأن اليمين الكاذبة الفاجرة من كبائر الذنوب، وحذرته كذلك من أن يهجر زوجته بقصد إيذائها والإِضرار بها، لأن الحياة الزوجية يجب أن تقوم على المودة والرحمة، وأرشدته إلى أن أقصى مدة لهجر الزوجة بقصد تأديبها وعلاج اعوجاجها هى أربعة أشهر يراجع فيها نفسه، فإما أن يعود اليها ويكفر عن يمينه، وإما أن يقع بينهما الفراق ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾. وبهذه الأحكام السامية يكون الإِسلام قد شرع للرجل والمرأة ما ينفعهما ويصون كرامتهما، ويحفظ لهما حريتهما وحسن استمتاعهما بالحياة. ثم ساقت السورة فى خمس آيات أحكام الطلاق، وفصلت أحواله، وبينت مراته، وذكرت ما ينبغى أن يكون عليه من عدل وتسامح حتى لا يقع ظلم أو جور على أحد الزوجين. استمع إلى القرآن الكريم وهو يبين ذلك بأسلوبه الحكيم المؤثر فيقول : وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَهُ فِىّ أَزْحَامِهِنَ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِالْآَخِرِ وَبُعُولَهُنَّأَحَقُّ بَدِهِنَّ ٥٠٦ المجلد الأول فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحً وَلَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعُرُوفِ وَلِلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ (١٦) الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمِّسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْتَسْرِيٌِّ بِإِحْسَنٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُ واْمِمَّآءَاتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلََّ أَن يَخَافَ أَلََّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّيُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِّءُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُ وَ اللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ (٦ ) فَإِن طَلَّقَهَا فَلَ تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَةٌ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَنْ ٢٣٠) يُقِيمَا حُدُ ودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودٌللَّهِ يُبَيُِّهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوُ هُنَّ ضِرَارَالْتَعْنَدُ وَأَوَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَمَ نَفْسَةٌ، وَلَا تَنَّخِذُ وَأْءَايَتِ اللَّهِ هُزُوَاْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِنَبِ وَالْحِكْمَةِ ٢٣١ يَعِظُكُمْ بِّوَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْأَنَّاللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّأَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ ذَلِكُمْ أَزَكَى لَكُمْ وَأَظْهَرُوَاللَّهُ ٢٣٢ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ ٥٠٧ سورة البقرة وقوله - تعالى -: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ معطوف على ما قبله لشدة المناسبة، وللاتحاد فى الحكم وهو التربص الذى سبقت الإشارة إليه فى قوله ﴿للذین یؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾. والتربص : التأنى والتريث والانتظار. والقروء : جمع قرء - بضم القاف وفتحها -. قال الطبرسى : وأصله فى اللغة يحتمل وجهين : أحدهما : الاجتماع ومنه القرآن لاجتماع حروفه .. فعلى هذا يقال أقرأت المرأة فهى مقرىء. إذا حاضت، وذلك لاجتماع الدم فى الرحم. والوجه الثانى : أن أصل القرء الوقت الجارى فى الفعل على عادة، يقال: هذا قارىء الرياح أى وقت هبوبها))(١). والمعنى : أن على المطلقات أن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء بدون نكاح ثم لها أن تتزوج بعد ذلك إن شاءت. والمراد بالمطلقات هنا المدخول بهن من ذوات الحيض غير الحوامل، لأن غيرهن قد بين الله - تعالی - عدتهن فی مواضع أخرى. والمتوفى عنها زوجها بين الله عدتها بقوله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزاجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾(٢). ومن لا يحضن ليأس من الحيض، أو لأنهن لم يرين الحيض فقد بين الله - تعالى - عدتهن بقوله: ﴿واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائى لم يحضن﴾(٣) أى: واللائى لم يحضن فعدتهن كذلك ثلاثة أشهر. وذوات الحمل بين الله - تعالى - عدتهن بقوله: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾(٤). وغير المدخول بها لا عدة عليها لقوله - تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾(٥). (١) تفسير ((مجمع البيان)) جـ ٢ صفحة ٢٢٦ للطبرسى. (٢) سورة البقرة الآية ٢٣٤ (٣) و(٤) سورة الطلاق الآية ٤. (٥) سورة الأحزاب الآية ٤٩. ٥٠٨ المجلد الأول وقوله: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾ جملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى أى ((ليتربصن)) وإخراج الأمر فى صورة الخبر - كما يقول الزمخشرى - ((تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص. فهو يخبر عنه موجودًا. ونحوه قولهم فى الدعاء: ((رحمك الله)) أخرج فى صورة الخبر ثقة بالاستجابة. كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضًا فضل توكيد. ولو قيل: ((ويتربص المطلقات)) لم يكن بتلك الوکادة))(١). وفى قوله - تعالى -: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن) ما فيه من الابداع فى الإِشارة والنزاهة فى العبارة والسمو فى المعنى، وذلك لأن المرأة المطلقة كثيرًا ما تشعر بعد طلاقها بأنها فى حاجة إلى أن تثبت أن إخفاقها فى حياتها الزوجية السابقة ليس لنقص فيها، أو لعجز عن إنشاء حياة زوجية أخرى، وهذا الشعور قد يدفعها إلى التسرع والاندفاع من أجل إنشاء هذه الحياة، وهنا تبرز طريقة القرآن الحكيمة فى معالجة النفوس، إنه يقول للمطلقة : إن التطلع إلى إنشاء حياة زوجية أخرى ليس عيبًا، ولكن الكرامة توجب عليها الانتظار والتريث، إذ لا يليق بالحرة الكريمة أن تتنقل بين الأزواج تنقلا سريعا .. وأيضًا فإن نداء الفطرة، وتعاليم الشريعه توجبان عليها الانتظار مدة ثلاثة قروء، لكى تستبرىء رحمها، حتى إذا كان هناك حمل نسب إلى الأب الشرعى له. وفى قوله - تعالى -: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾ إشعار بأن هذا التربص يجب أن يكون من ذات أنفسهن وليس من عامل خارجى، فشأن الحرة الكريمة المؤمنة أن تحجز نفسها بنفسها عن كل ما يتنافى مع الكرامة والشرف، فقد تجوع الحرة ولكنها لا تأكل بثديها - كما يقولون -.. وقد أشار صاحب الكشاف إلى المعنى بقوله: فإن قلت وما معنى ذكر الأنفس - هنا -؟ قلت : فی ذکر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فیحملهن على أن يتربصن. وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال. فأمرن أن يقمعن أنفسهن، ويغلبنها على الطموح، ويجبرنها على التربص))(٢). وقوله - تعالى -: ﴿ثلاثة قروء﴾ نصب ثلاثة على النيابة عن المفعول فيه، لأن الكلام على تقدير مضاف، أى مدة ثلاثة قروء. فلما حذف المضاف خلفه المضاف إليه فى الإِعراب. هذا وللعلماء رأيان شهيران فى المراد بقوله - تعالى -: ﴿ثلاثة قروء﴾. (١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٢٧١. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٢٧١. ٥٠٩ سورة البقرة فالأحناف والحنابلة ومن قبلهم عمر وعلى وابن مسعود وغيرهم يرون أن المراد بالقروء هنا الحيضات والمعنى عندهم : أن المطلقات عليهن أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن مدة ثلاث حيضات بدون زواج ثم بعد ذلك لهن أن يتزوجن إن شئن. ومن أدلتهم: ان النبى ◌َّلل قد فسر القرء بمعنى الحيض فقد جاء فى الحديث الذى رواه أبو داود والنسائى عن فاطمة بنت أبى حبيش أن رسول الله و لتر قال لها: ((دعى الصلاة أيام أقرائك))(١). ولا شك أن المراد بالقرء فى هذا الحديث الحيض، لأنه هو الذى لا تصح معه الصلاة. أما المالكية والشافعية ومن قبلهم عائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت والزهرى وغيرهم فيرون أن المراد بالقروء هنا الأطهار، أى الأوقات التى تكون بين الحيضتين للنساء. ومعنى الآية عندهم: أن على المطلقات أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن ثلاثة أطهار بدون زواج ثم بعد ذلك یتزوجن إذا شئن. ومن أدلتهم: أن الله - تعالى - يقول: ﴿فطلقوهن لعدتهن) وقد بينت السنة النبوية أن الطلاق لا يكون فى الحيض، فلا يتصور أن يكون الطلاق فى العدة إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض. وروى عن عائشة أنها قالت: هل تدرون الأقراء؟ الأقراء الأطهار(٢). قال صاحب المنار قال الأستاذ الإمام : والخطب فى الخلاف سهل، لأن المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزوج السابق، وهو يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاث أطهار .. ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة الشرع فى المسألة(٣). ثم قال - تعالى -: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن﴾. أى: ولا يحل للنساء المطلقات أن يكتمن أمانة الله التى خلقها فى أرحامهن من ولد لکی ینسبنه إلى غير أبيه، أو من حيض أو طهر لكى تطول العدة، ويمتد الإِنفاق من الأزواج عليهن. فإن هذا الكتمان كذب على الله، وخيانة للأمانة التى أودعها الله فى أحشائهن وأمرهن بالوفاء بها، سيحاسب الله من يفعل ذلك منهن حسابًا شديدًا، ويعاقبه عقابًا أليمًا. وقوله : ﴿إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ تحريض لهن على عدم الكتمان وعلى الاخبار (١) تفسير الآلوسى جـ٢ صفحة ١٣١. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ٦ صفحة ٩٤. (٣) تفسير المنار جـ١ صفحة ٢٧١. ٥١٠ المجلد الأول الصادق حتى تستقيم الأحكام، وتتقرر الحقوق، وتحذير لهن من الكتمان ومن اتباع الهوى والشيطان أى: أن على المطلقات ألا يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن إن جرين على ما يقتضيه الإِيمان، إذ الإِيمان يبعث على الصدق ويدعو إلى المحافظة على الأمانة، فإن لم يفعلن ذلك وكتمن ما خلق الله فى أرحامهن، كن ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر إيمانا حقيقيًّا، لأن من شأن المؤمنات الكاملات فى إيمانهن ألا يفعلن ذلك. قال الإِمام الرازى: أما قوله ﴿إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ فليس المراد أن ذلك النهى - عن الكتمان - مشروط بكونها مؤمنة، بل هذا كما تقول للرجل الذى يظلم : إن كنت مؤمنا فلا تظلم. تريد إن كنت مؤمنًا فينبغى أن يمنعك إيمانك عن ظلمى، ولا شك أن هذا تهديد شديد للنساء .. والآية دالة على أن كل من جعل أمينًا فى شىء فخان فيه فأمره عند الله شدید»(١). هذا، وقد قرر الفقهاء أن القول فيما يتعلق بعدة المرأة ابتداء وانتهاء مرجعه إليها، لأنه أمر يتعلق بها ولا يعلم إلا من جهتها، إلا أنهم مع ذلك قرروا مدة ينتهى قولها عنده، ولا يعمل بقولها إن نقصت عن تلك المدة. فلو ادعت - أنها قد انقضت عدتها بعد شهر من طلاقها لا يقبل قولها. وللفقهاء كلام طويل فى هذه المسألة مبسوط فى كتب الفقه فليرجع إليه من شاء ذلك. ثم قال - تعالى -: ﴿وبعولتهن أحق بردهن فى ذلك إن أرادوا إصلاحًا﴾. قال القرطبى : البعولة جمع البعل وهو الزوج، سمى بعلا لعلوه على الزوجة بما قد ملکه من زوجيتها، ومنه قوله - تعالى -: ﴿أتدعون بعلا﴾ أى ربًا، لعلوه فى الربوبية .. والبعولة أيضًا مصدر البعل. وبعل الرجل بيعل - كمنع يمنع - أى صار بعلا. والمباعلة والبعال : الجماع، ومنه قوله وَ﴿ لأيام التشريق: ((إنها أيام أكل وشرب ويعال))(١). والمعنى: وأزواج المطلقات طلاقًا رجعيًا أحق بردهن ومراجعتهن فى ﴿ذلك﴾ أى فى وقت التربص قبل انقضاء العدة ﴿إن أرادوا إصلاحًا﴾ أى إن أرادوا بهذه المراجعة الإصلاح لا الإضرار، كما سيأتى فى قوله - تعالى -: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾. قال القرطبى : وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولا بها تطليقة أو (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ صفحة ٩٨. (٢) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ١١٩ - بتلخيص. ٥١١ سورة البقرة تطليقتين، أنه أحق برجعتها مالم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة، فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها فهى أحق بنفسها وتصير أجنبية منه، ولا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولى وإشهاد ليس على صفة المراجعة، وهذا اجماع من العلماء))(١). وفى هذه الجملة الكريمة بيان لبعض الحكم السامية التى أرادها الله - تعالى - من وراء مشروعية العدة. فالله - تعالى - جعل للمطلق فرصة - هى مدة ثلاثة قروء - لكى يراجع نفسه، ويتدبر أمره، لعله خلال هذه المراجعة وذلك التدبر يرى أن الخير فى بقاء زوجته معه فيراجعها، رعاية لرابطة المودة والرحمة التى جعلها الله - تعالى - بين الزوجين. وقوله - تعالى -: ﴿إن أرادوا إصلاحًا﴾ شرط المقصود منه حض المطلق على أن ينوى بإرجاعه لمطلقته إصلاح أحوالهما، بإرشادها إلى ما من شأنه أن يجعل حياتهما الزوجية مستمرة لا منقطعة، أما إذا راجعها على نية الكيد والأذى والمضارة ففى هذه الحالة یکون آثما وسیعاقبه الله على ذلك بما يستحقه. قال الألوسى : وليس المراد من التعليق اشتراط جواز الرجعة بإرادة الإصلاح حتى لو لم يكن قصده لا تجوز، للإجتماع على جوازها مطلقًا، بل المراد تحريضهم على قصد الإصلاح حيث جعل كأنه منوط به ينتفى بانتفائه))(٢). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم﴾. أى: وللنساء على الرجال مثل ما للرجال على النساء. فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه نحوه بالمعروف. والمراد بالمماثلة - كما يقول الألوسى - المماثلة فى الوجوب لا فى جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال))(٣). أى أن الحقوق والواجبات بينهما متبادلة، وأنهما متماثلان فى أن كل واحد منهما عليه أن يؤدى نحو صاحبه ما يجب عليه بالمعروف أى بما عرفته الطباع السليمة ولم تنكره، ووافق ما أوجبه الله على كل منهما فى شريعته. فالباء فى قوله ﴿بالمعروف﴾ للملابسة. وقد بين النبى ﴿ فى أحاديث متعددة حقوق الرجال على النساء، وحقوق النساء على الرجال، ومن ذلك ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن جابر بن عبد الله أن رسول ول# قال فى (١) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ١٢٠. (٢) و(٣) تفسير الآلوسى جـ ٢ صفحة ١٣٤. ٥١٢ المجلد الأول خطبته فى حجة الوداع : اتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله. واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولکم علیھن أن لا یوطئن فرشکم أحدًا تكرهونه. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف)). وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله وَله قال: لا يحل لا مرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن فى بيته إلا بإذنه)» وأخرج أبو داود عن معاوية بن حيدة قال : قلت يارسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال : أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا فى البيت)). ولقد قام السلف الصالح بأداء هذه الحقوق على أحسن وجه فقد روى عن ابن عباس أنه قال: إنى لأحب أن أتزين لا مرأتى كما تتزين لى لأن الله. تعالى - يقول: ﴿ولهن مثل الذى عليهم بالمعروف﴾. أى: أن يحب أن يؤنسها وأن يدخل السرور على قلبها كما أنها هى تحب أن تفعل له ذلك. ولكن لا يفهم أحد أن المراد بهذا المثلية المساواة من كل الوجوه قال - تعالى -: ﴿وللرجال عليهن درجة) والرجال: جمع رجل. يقال: رجل بين الرجلة أى القوة. وهو أرجل الرجلين أى أقواهما. وفرس رجيل أى قوى على المشى. وارتجل الكلام أى قوى عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة وروية، وترجل النهار أى قوى ضياؤه. فأصل كلمة الرجل مأخوذة من الرجولية بمعنى القوة . والدرجة فى الأصل : ما يرتقى عليه من سلم ونحوه، والمراد بها هنا المزية والزيادة أى : لهن عليهم مثل الذى لهم عليهن، وللرجال على النساء مزية وزيادة فى الحق، بسبب حمايتهم لهن، وقيامهم بشئونهن ونفقتهن وغير ذلك من واجبات. قال بعض العلماء : وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج هذين العنصرين - الرجل والمرأة - فلابد أن يشرف على تهذيب الأسرة ويقوم على تربية ناشئتها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين. وقد نظر الإسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة، فوجد أن الرجل أملك لزمام نفسه، وأقدر على ضبط حسه، ووجده الذى أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه فجعل له الرياسة، ولذا قال - سبحانه - : ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ... ﴾. هذه هى الدرجة التى جعلها الإِسلام للرجل، وهى درجة تجعل له حقوقًا وتجعل عليه ٥١٣ سورة البقرة واجبات أكثر، فهى موائمة كل المواءمة لصدر الآية، فإذا كان للرجل فضل درجة فعليه فضل واجب))(١). وقوله : ﴿والله عزيز حكيم) أى غالب فى انتقامه ممن عصاه، حكيم فى أمره وشرعه وسائر ما يكلف به عباده. فعلى الرجل والمرأة أن يطلبا عزهما فيما شرعه الله فهو الملجأ والمعاذ لكل ذى حق مهضوم، وعليهما كذلك أن يتمسكا بما كلفهما به، لأنه ما كلفهما إلا بما تقتضيه الحكمة، ويؤيده العقل السليم. وبعد أن بين - سبحانه - فى هذه الآية شرعية الطلاق ومداه إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها طلقة رجعية، ووضع المنهاج العادل الذى يجب أن يتبعه الرجال والنساء .. بعد أن بين ذلك أتبعه ببيان الحد الذى ينتهى عنده ما للرجل من حق المراجعة فقال - تعالى -: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾. قال الإِمام ابن كثير: هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر فى ابتداء الإِسلام : من أن الرجل کان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت فى العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات، قصرهم الله - تعالى - على ثلاث طلقات، وأباح الرجعة فى المرة والثنتين، وأبانها بالكلية فى الثالثة فقال: الطلاق مرتان ... الآية(٢). وروى ابن أبى حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا ولا آويك أبدًا. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك - أى قاربت عدتك أن تنتهى - راجعتك. فأتت المرأة إلى رسول الله و ﴿ فذكرت له ذلك فأنزل الله - تعالى - : ﴿الطلاق مرتان) - الآية. والطلاق - كما يقول القرطبى - هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة. وأل فى قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾ للعهد الذكرى. أى: الطلاق الرجعى المشار إليه فى قوله - تعالى -: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ مرتان، وأمر المطلق بعد آحدى هاتين الطلقتين يدور بين حالتين إما إمساك بمعروف بمعنى أن يراجعها على نية الإبقاء على العلاقة الزوجية، والمعاملة الحسنة وإما تسريح بإحسان بمعنى أن يتركها حتى تنتهى عدتها، ويطلق سراحها بدون ظلم أو إساءة إليها، كما قال - تعالى -: ﴿وسرحوهن سراحًا جميلا﴾. (١) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام السنة السادسة العدد٣ (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٧١ ٥١٤ المجلد الأول قال القرطبى: والتسريح : إرسال الشىء، ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض، وسرح الماشية أرسلها .. )) وعلى هذا التفسير يكون المراد بالطلاق فى الآية الطلاق الرجعى وبالمرتين حقيقة التثنية، ويكون وقت الإمساك أو التسريح هو ما بعد الطلقة الأولى أو الثانية بصفة خاصة، وفى كل الأوقات بصفة عامة. وعلى هذا التفسير سار كثير من العلماء. ويرى بعضهم أن المراد بالطلاق فى الآية الطلاق الشرعى، وبالمرتين التكرار لا العدد، وأن المراد من التسريح بالإِحسان هو الطلقة الثالثة، أى بعد الطلقتين الأوليين يتروى فى الأمر فيمسك بالمعروف أو يطلق الطلقة الثالثة. وقد ذكر هذا الرأى صاحب الكشاف فقال : ﴿الطلاق) بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، أى التطليق الشرعى تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإِرسال دفعة واحدة، ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير، كقوله «ثم ارجع البصر کرتین» أی کرة بعد کرة لا کرتین اثنتین، ونحو ذلك من الثانی التی یراد بها التكرير كقولهم: لبيك وسعديك .. وقوله: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ تخيير لهم بعد أن علمهم كيف يطلقون بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة وبين أن يسرحوهن السراح الجميل الذى علمهم إياه .. وروى أن سائلا سأل النبى وَ # أرأيت قول الله - تعالى -: ﴿الطلاق مرتان﴾ فأين الثالثة، فقال مل ((التسريح بإحسان))(١). والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿فإمساك .. ) للتفريع، وإمساك خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: فالشأن أو فالأمر إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. قال الفخر الرازى: والحكمة فى إثبات حق الرجعة : أن الإِنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدرى أنه هل تشق عليه مفارقته أولا؟ فإذا فارقه فعتد ذلك يظهر، فلو جعل الله - تعالى - الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإِنسان بتقدير أن يظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، فلا جرم أثبت - سبحانه - حق المراجعة بعد المفارقة مرتين، وعند ذلك يكون قد جرب الإِنسان نفسه فى تلك المفارقة مرتين وعرف حال قلبه فى ذلك الباب. فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح له تسريحها سرحها على أحسن الوجوه، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعباده)). هذا، ويرى بعض العلماء كابن تيمية وابن القيم أن الرجل إذا أوقع الطلاق دفعة واحدة، - (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٧٣ . ٥١٥ سورة البقرة بأن قال لزوجته أنت طالق ثلاث مرات، فطلاقه لا يكون إلا طلقة واحدة، لأن اقتران الطلاق بكلمة ثلاثا لا يجعله ثلاث مرات بل هو مرة واحدة كمن يقول: أحلف بالله ثلاثًا فهو يمين واحدة . ويرى الأئمة الأربعة أن طلاق هذا الرجل فى مثل هذه الصورة يقع ثلاثًا، لأنهم يرون أن الطلاق المقترن بالعدد لفظًا أو إشارة يكون ثلاثًا أو اثنين على حسب ما اقترن به. ولأن عمر - رضى الله عنه - أفتى بذلك. فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائى والحاكم عن ابن عباس قال: ((كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وَلفر وعلى عهد أبى بكر، وسنتين من خلافة عمر واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا فى أمر لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم)) فأمضاه . وهذه المسألة مبسوطة بأدلتها فى كتب الفقه وبعض كتب التفسير. ثم قال - تعالى -: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾. قال الراغب : الخوف: توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، كما أن الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة. ويضاد الخوف الأمن .. )). والجناح: الإِثم من جنح بمعنى مال عن القصد - وسمى الآثم به للميل فيه من الحق إلى الباطل -. يقال جنحت السفينة أى مالت إلى أحد جانبيها. والافتداء: تخليص النفس بمال يبذل لتخليصها ودفع الأذى عنها. وأصله من الفدى والفداء بمعنى حفظ الإِنسان نفسه عن الشدة بما يبذله من أجل ذلك(١). والمعنى: ولا يجوز لكم أيها المطلقون أن تأخذوا من زوجاتكم فى مقابلة الطلاق شيئًا مما أعطيتموهن من صداق أو من غيره من أموال، لأن هذا الأخذ يكون من باب الظلم الذى نهى الله عنه، وليس من باب العدل الذى أمر الله به. ثم استثنى - سبحانه - صورة يجوز فيها الأخذ فقال: ﴿إلا أن يخافا﴾. إلخ أى: لا يجوز لكم أن تأخذوا فى حالة من الأحوال إلا فى حالة أن يخاف الزوجان كلاهما أو أحدهما ألا يقيما حدود الله ففى هذه الحالة يجوز الأخذ وحدود الله هى ما أوجبه - سبحانه للرجل على زوجته. ولها عليه. ثم خاطب - سبحانه - الحكام وجماعة المؤمنين المتوسطين للإصلاح بين الزوجين فقال : (١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى من ص ١٦١، ص ١٠٠، ص ٣٧٤ ٥١٦ المجلد الأول ﴿فإن خفتم ألا يقيما﴾ أى الزوجان ﴿حدود الله﴾ التى حدها لهم وأمرهم باتباعها فى حياتهم الزوجية ((فلا جناح عليهما فيما افتدت به)) أى: فلا إثم على الزوج فى أخذ ما أعطته له الزوجة من مال مقابل انفصالها عنه، ولا إثم عليها كذلك فى هذا الإِعطاء، لأنهما ما داما قد وصلا إلى هذه الحالة من التنافر، وما دامت الزوجة قد أصبحت تفضل أن تعطيه من المال ما تفدى به نفسها من البقاء فى عصمته، ما داما قد أصبحا كذلك. فوقوع الفراق بينهما أولى وأجدى ﴿وإن يتفرقا يغنى الله كلا من سعته﴾ قال صاحب الكشاف : فإن قلت: لمن الخطاب فى قوله: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا﴾ إن قلت: إنه للأزواج لم يطابقه قوله: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله﴾ وإن قلت إنه للأئمة والحكام فهؤلاء ليسوا بآخذين منهن ولا بمؤتيهن؟ قلت : يجوز الأمران جميعًا: أن يكون أول الخطاب للأزواج وآخره للأئمة والحكام، ونحو ذلك غير عزيز فى القرآن وغيره. ويجوز الخطاب كله للائمة والحكام، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإِبتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون))(١). والمراد بقوله : ﴿مما آتيتموهن﴾ أى من المهور وتخصيصها بالذكر وإن شاركها فى الحكم سائر أموالهن إما لرعاية العادة وإما للتنبيه على أنه إذا لم يحل لهم أن يأخذوا مما أعطوهن فى مقابلة البضع عند خروجه عن ملكهم فلأن لا يحل لهم أن يأخذوا مما لا تعلق له بالبضع أولى وأحری. وقوله: ﴿شيئًا﴾ مفعول به لتأخذوا. التنوين للتقليل أى: لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا ولو كان المأخوذ شيئًا غاية فى القلة، لأن هذا الأخذ يجا فى الإِحسان الذى أمرتم به. وقريب من هذه الآية فى النهى عن الأخذ قوله - تعالى - : ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئًا، أتأخذونه بهتاناً وإثْمًا مبينًا﴾. وأن والفعل فى قوله ﴿إلا أن يخافا﴾ فى موضع نصب على الحال أى إلا خائفين. وقوله: ﴿أن لا يقيما﴾ فى موضع نصب على المفعول به ليخافا والتقدير إلا أن يخافا ترك حدود الله . وهذه الآية قد اعتبرها العلماء أصلا فى جواز الخلع. قال ابن كثير: وقد ذكر ابن جرير: أن هذه الآية نزلت فى شأن ثابت بن قيس، ففى (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٧٤. ٥١٧ سورة البقرة صحيح البخارى عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صل# فقالت: يا رسول الله إن زوجى ثابت بن قيس - ما أعيب عليه فى خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر فى الإسلام - أی أكره عدم الوفاء بحقه لبغضى له -. فقال لها رسول الله ولم أتردين عليه حديقته؟ - وهى المهر الذى أمهرها - قالت: نعم، قال رسول الله وَ ﴿ لثابت: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة))(١). قالوا: ففرق رسول الله وَله بينهما بطريق الخلع فكان أول خلع فى الإِسلام. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾. أى: تلك الأحكام العظيمة الحكيمة المتقدمة التى بينتها لكم فى شأن الطلاق والرجعة والخلع وغير ذلك حدود الله التى حدها، فلا يجوز لكم أن أن تخالفوها، ومن يتعد هذه الحدود فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها لسخط الله وعقابه. وكانت الإِشارة للبعيد ﴿تلك﴾ لبيان سمو قدر هذه الأحكام، وعظم منزلتها، وجلال ما فيها من مصالح واضحة لأصحاب العقول السليمة. وسميت هذه الأحكام حدودًا للإشارة إلى أنها فواصل بين الحق والباطل، والظلم والعدل والمنفعة والمضرة. إذ الحد هو الحاجز بين الشيئين الذى يمنع اختلاط أحدهما بالآخر. يقال: حددت كذا أى جعلت له حدًا يميزه. وحد الدار ما تتميز به عن غيرها .. وفى إضافة هذه الحدود إليه - سبحانه - إشعار بأن مخالفتها إنما هى مخالفة له - سبحانه - وأن هذه الحدود لا يتطرق إليها الريب لأنها صادرة من العليم الخبير الذى أحسن كل شىء خلقه . والفاء فى قوله : ﴿فلا تعتدوها﴾ للتفريع أى: إذا كانت هذه الأحكام حدود الله فلا يصح لكم أن تتجاوزوها لأن تجاوزها يؤدى إلى سوء العقبى. وعبر فى قوله: ﴿فأولئك هم الظالمون) بفاء السببية وباسم الإشارة وبضمير الفصل وبالجملة الاسمية لتأكيد معنى السببية وللإشارة إلى أن الظلم شأن من شئونهم وصفة يتميزون بها عن غيرهم. وقد جاء - سبحانه - بكل هذه المؤكدات فى تلك الجملة الكريمة لكبح جماح غرور الإِنسان، وتحذيره من الانقياد لهواه وأوهامه، فكثيرًا ما يتوهم بعض الناس أن أحكام الله ليست ملائمة لمقتضى الزمان الذى يعيشون فيه، ويحاولون إخضاع شرع الله - تعالى -: (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٧٤. ٥١٨ المجلد الأول لمصالحهم وشهواتهم، أو يتركون ما شرعه الله بتلك الحجة الواهية الساقطة. وأنت ترى هنا أن القرآن قال: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها ... ) بينما قال هناك فى ختام آية الصوم ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها .. ﴾(١) وذلك لأن الكلام هنا فى شأن الأسرة وما يسودها أحيانًا من خلافات، واصطدامات، واضطرابات .. والخشية هنا إنما هى من تعدى هذه الحدود التى حدها الله فى أى مرة من مرات هذا الخلاف .. فجاء التحذير من التعدى لا من المقاربة، بينما هناك كان الحديث عن محظورات مشتهاة مستلذة تريدها النفس لترضى شهوت البطن والفرج، فجاء التحذير من مجرد الاقتراب من هذه الحدود التى حدها الله إتقاء لضعف الإِرادة أمام جاذبيتها . فسبحان من هذا كلامه ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾ .. ثم بين - سبحانه - أحكام الطلاق المكمل للثلاث، بعد بيانه لأحكام الطلاق الرجعى وأحكام الخلع فقال - تعالى -: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾. أى: فإن طلق الرجل زوجته طلقة ثالثة بعد الطلقتين اللتين أباح الله له مراجعتها بعد كل منهما فى أثناء العدة، فإنه فى هذه الحالة تكون زوجته محرمة علیه، ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا شرعيًا صحيحًا، بأن يدخل بها، ويباشرها مباشرة شرعية كما يباشر الأزواج زوجاتهم. فالمراد بالنكاح فى قوله تعالى ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ الزواج بشخص آخر يدخل بها. دخولا صحيحًا. ويؤيد هذا المعنى ويؤكده ما جاء فى الحديث المشهور الذى أخرجه البخارى وغيره عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظى إلى رسول الله وله فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقنى فبت طلاقى. وإنى نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظى، وإن ما معه مثل الهدبة، فقال رسول الله وعليه: لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ لا حتی تذوقی عسیلته ویذوق عسیلتك)»(٢). وواضح من ذوق العسيلة أن يدخل بها ويجامعها. وعلى هذا انعقد إجماع الفقهاء. ولم يلتفتوا إلى ما نسبه بعضهم إلى سعيد بن المسيب من أنه أجاز للمرأة أن تعود إلى زوجها الأول بعد عقد زواجها على الثانى دون أن يدخل بها. وحملوا هذا المنسوب إلى سعيد بن المسيب على أنه من شواذ الفتيا التى لا وزن لها لمخالفتها لنص حديث صحيح لعله لم يبلغه. (١) الآية ١٨٧ من هذه السورة. (٢) صحيح البخارى فى كتاب الطلاق الثلاث جـ ٧ ص ٥٥. ٥١٩ سورة البقرة ثم قال - تعالى -: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ أى: فإن طلق الزوج الثانى تلك المرأة التى سبق طلاقها من الزوج الأول، فلا إثم عليها وعلى زوجها الأول فى أن يرجع كل منهما إلى صاحبه بعقد جديد بعد انقضاء العدة ما داما يغلب على ظنهما أنهما سيقيمان حدود الله، ويؤدى كل واحد منهما ما يجب عليه نحو صاحبه بأمانة وإخلاص. وقوله : ﴿أن يتراجعا﴾ فى موضع جر بإضمار حرف الجر أى فى أن يتراجعا وقوله ﴿أن يقيما﴾ فى موضع نصب على أنه سد مسد مفعول ظن. قال صاحب الكشاف : ولم يقل: إن علما أنهما يقيمان حدود الله لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله. ومن فسر الظن ها هنا بالعلم فقدوهم ولأن الإنسان لا يعلم ما فى الغد وإنما يظن ظنًّا))(١). ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بقوله: ﴿وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون﴾. أى: وتلك الأحكام المذكورة عن الطلاق وعن غيره مما كلف الله به عباده يبينها ويوضحها بتلك الطرق الحكيمة لقوم يعلمون الحق، ويعملون بمقتضى علمهم. وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد بينت أنه لا يحل للمرأة التى طلقت من زوجها أن تعود إليه بعد الطلقة الثالثة إلا بعد أن تتزوج آخر زواجًا صحيحًا يدخل بها فيه ويجامعها ثم يطلقها وتنقضی عدتها منه. ومن حكم هذا التشريع الحكيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق زوجاتهم، وزجرهم عن التساهل فى إيقاع الطلاق، فإن الرجل الشريف الطبع، العزيز النفس إذا علم أن زوجته لن تحل له بعد الطلقة الثالثة إلا إذا افترشها شخص آخر توقف عن إيقاع الطلاق، وتباعد عن التسرع والاندفاع وحاول أن يصلح ما بينه وبين أهله بالمعالجة الحكيمة التى تتميز بسعه الصدر وضبط النفس. هذا، وقد ساق الإِمام ابن كثير سبعة أحاديث فى النهى عن نكاح المحلل - وهو أن يعقد رجل على امرأة قد طلقت ثلاثًا من زوجها بقصد إحلالها لهذا الزوج لا بقصد الزواج الدائم ثم يدخل بها دخولا صوريًا وليس شرعيًا - ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام أحمد والترمذى والنسائى عن عبد الله بن مسعود قال: لعن رسول الله و ﴿ المحلل والمحلل له، وآكل الربا وموکله». (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٧٦ بتلخيص. ٥٢٠ المجلد الأول وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صل﴿((ألا أخبركم بالتيس المستعار))؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له)). وعن ابن عباس أن رسول الله ير سئل عن نكاح المحلل فقال: لا، إلا نكاح رغبة -. لا نكاح دلسة أى لا نكاح غش وتدليس - ولا استهزاء بكتاب الله - ثم يذوق عسيلتها .. )). وجاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثًا فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه - أى من غير مشورة ورغبة منه - ليحلها لأخيه فهل تحل للأول؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة. كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله اَلل. ثمّ قال ابن كثير: والمقصود أن الزوج الثانى يكون راغبًا فى المرأة قاصدًا لدوام عشرتها كما هو · المشروع من التزويج. واشترط الإِمام مالك مع ذلك أن يطأها الثانى وطأ مباحًا فلو وطئها وهى محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض .. لم تحل للأول بهذا الوطء والمراد بالعسيلة الجماع لما رواه الإمام أحمد والنسائى عن عائشة أن رسول الله - وَ ل - قال: ((ألا إن العسيلة الجماع))(١). وبعد أن بين - سبحانه - فى الآية السابقة أن الزوج مخير بين الإمساك والتسريح فى مدة العدة، عقب ذلك ببيان أن هذا التخيير من حقه حتى آخر وقت فى العدة، وذلك لتذكيره بأن الإمساك أفضل من التسريح، وأن عليه ألا يلجأ إلى الطلاق إلا إذا سدت طرق الإصلاح والمعالجة، وأنه إذا اختار الطلاق فعليه أن يسلك فيه طريق الحق والعدل لا طريق الباطل والجور. قال - تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن، فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف، ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا، ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾. قال الراغب: الأجل: المدة المضروبة للشىء. قال - تعالى - ﴿لتبلغوا أجلا مسمى .. ﴾ - أى مدة معينة - والبلوغ والبلاغ الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى مكانًا كان أو زمانًا أو أمرًا من الأمور المقدرة، وربما يعبر به عن المشارفة عليه وإن لم يننه. فمن الانتهاء قوله - تعالى - : ﴿حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة﴾ .. وأما قوله: ﴿فبلغن أجهلن فأمسكوهن بمعروف﴾ فللمشارفة فإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجل لا يصح للزوج مراجعتها وإمساكها)). والمراد بالأجل هنا عدة المرأة. وببلوغها قرب انتهائها. والضرار - كما يقول الرازى - هو المضارة. قال - تعالى -: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ! بـ (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٧٨ .