Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
سورة البقرة
ولقد كان موقف الصحابة من هذا التحريم لما يشتهونه ويحبونه من الخمر والميسر، يمثل
أسمى ألوان الطاعة والاستجابة لأوامر الله ونواهيه، فعندما بلغهم تحريم الخمر أراقوا
ما عندهم منها فى الطرقات. بل وحطموا الأوانى التى كانت توضع فيها الخمر امتثالا وطاعة
لله - تعالى -.
وهكذا نرى قوة الإِيمان التى غرسها الإِسلام فى نفوس أتباعه عن طريق تعاليمه السامية،
وتربيته الحكيمة .. تغلبت على ما أحبته النفوس وأزالت من القلوب ما ألفته الطبائع.
هذا وجمهور العلماء على أن كلمة ((خمر)) تشمل كل شراب مسكر سواء أكان من عصير
العنب أم من الشعير أم من التمر أم من غير ذلك، وكلها سواء فى التحريم قل المشروب منها أو
کثر سکر شاربه أو لم یسکر.
ومن أدلتهم ما وراه الإِمام مسلم عن ابن عمر - أن رسول الله وَلّ قال: كل مسكر خمر،
وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر فى الدنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها لم يشربها فى
الآخرة)»(١).
ومن أدلتهم أيضًا أصل الاشتقاق اللغوى لكلمة خمر، فقد عرفنا أنها سميت بهذا الاسم
لمخامرتها العقل وستره، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن يطلق عليه لفظ خمر سواء
أكان من العنب أم من غيره.
وقال الأحناف ووافقهم بعض العلماء كإبراهيم النخعى وسفيان الثورى وابن أبى ليلى : إن
كلمة خمر لا تطلق إلا على الشراب المسكر من عصير العنب فقط، أما المسكر من غيره
كالشراب من التمر أو الشعير فلا يسمى خمرا بل يسمى نبيذًا. وقد بنوا على هذا أن المحرم
قليله وكثيره إنما هو الخمر من العنب. أما الأنبذة فكثيرها حرام وقليلها حلال.
وقد رجح العلماء رأى الجمهور وضعفوا ما ذهب إليه الأحناف ومن وافقهم.
قال ابن العربى: وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة فلا يلتفت إليها.
والصحيح ما روى الأئمة أن أنسا قال: ((حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا
قليل، وعامة خمرها البسر والتمر)) أخرجه البخارى، واتفق الأئمة على رواية أن الصحابة إذ
حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب، وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ فکسروا دنانهم
- أى أوانى الخمر - وبادروا إلى الامتثال لاعتقادهم أن ذلك كله خمر)) أى وأقرهم رسول الله
وَلّ على ذلك(٢).
(١) أخرجه مسلم فى كتاب الأشربه جـ ٦ ص ١٠٠.
(٢) أحكام القرآن لابن العربى جـ ١ صفحة ١٤٩.

٤٨٢
المجلد الأول
وقال الألوسى: وعندى أن الحق الذى لا ينبغى العدول عنه أن الشراب المتخذ مما عدا
العنب کیف کان وبأی اسم سمی متی کان بحیث یسکر من لم يتعوده حرام، وقلیله ککثیره،
ويحد شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة. وفى الصحيحين أنه 9 سئل عن النقيع - وهو نبيذ
العسل - فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام)) وروى أبو داود ((نهى رسول الله وَلحول عن كل
مسكر ومفتر)) وصح ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) والأحاديث متضافرة على ذلك. ولعمرى إن
اجتماع الفساق فى زماننا على شرب المسكرات مما عدا ((الخمر)) ورغبتهم فيها، فوق اجتماعهم
على شرب ((الخمر)) ورغبتهم فيه بكثير، وقد وضعوا لها أسماء - كالعنبرية والإِكسير - ونحوهما
ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها من الحرمة وتبيح شربها للأمة - وهيهات هيهات - فالأمر وراء
ما يظنون وإنا لله وإنا إليه راجعون))(١).
بعد هذه الكلمة التمهيدية عن الآية، وعن مدلول كلمة خمر ننتقل إلى معنى كلمة ((الميسر))
فنقول: الميسر: القمار - بكسر القاف - وهو فى الأصل مصدر ميمى من يسر، كالموعد من
وعد. وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة، لأن المال يجىء للكاسب من غير جهد، أو هو
مشتق من يسر بمعنى جزر. ثم أصبح علما على ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه.
قال القرطبى نقلا عن الأزهرى: الميسر: الجزور الذى كانوا يتقامرون عليه، سمى ميسرًا؛
لأنه أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، وكل شىء جزأته فقد يسرته. والياسر: الجازر لأنه يجزئ
لحم الجزور .. ويقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: ياسرون، لأنهم جازرون إذا
كانوا سببا لذلك(٢).
وصفة الميسر الذى كانت تستعمله العرب أنهم كانت لهم عشرة أقداح يقال لها الأزلام أو
الأقلام، فكانوا إذا أرادوا أن يقامروا أحضروا بعيرا وقسموه ثمانية وعشرين قسما وتترك ثلاثة
من تلك الأقداح غفلا لا علامة عليها وكانت تسمى : السفيح، والمنيح، والوغد. ومن طلع
له واحد منها لا يأخذ شيئًا من الجزور. أما السبعة الأخرى فهى الرابحة وهى الفذو له سهم
واحد، والتوأم وله سهمان، والرقيب وله ثلاثة، والحلس وله أربعة، والنافس وله خمسة
والمسبل وله ستة، والمعلى وله سبعة فيكون المجموع ثمانية وعشرين سهما.
تلك صورة تقريبية لقمار العرب كما أوردها بعض المفسرين(٣).
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢ صفحة ١١٣.
(٢) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٥٢.
(٣) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ١١٣، وتفسير القرطبى جـ ٢ ص ٥٨.

٤٨٣
سورة البقرة
ولا شك أنه يدخل فى حكمها من حيث الحرمة ما كان مشابها لها فى المخاطرة والرهان وأخذ
الأموال بدون مقابل مشروع، أو ضياعها فيما حرمه الله.
ومعنى الآية الكريمة : يسألك أصحابك یا محمد عن حكم شرب الخمر ولعب الميسر، قل
لهم على سبيل الإِرشاد والإِعلام : فی تعاطیھما ﴿إثم كبير﴾ أى: ذنب عظيم، وضرر شدید
وذلك لما فيهما من القبائح المنافية لمحاسن الشرع من الكذب، والأذى، وشيوع العداوة
والبغضاء بين الناس، واستلاب أموالهم بغير حق.
وقوله: ﴿ومنافع للناس﴾ أى وفيهما منافع دنيوية للناس إذ الخمر تدر على المتاجرين فيها
أرباحا مالية، والميسر يؤدى إلى إصابة بعض الناس للمال بدون تعب.
وأطلق - سبحانه - الإِثم وقيد المنافع بأنها للناس، للتنبيه على أن الإِثم فى الخمر والميسر
ذاتی، فهما فی ذاتهما رجس کبیر، وخطر وبیل، وأن ما فیھما من منافع ضئيل ولا يتجاوز بعض
الناس، فهى منافع خاصة وليست عامة، ويشهد لهذا قوله - تعالى - بعد ذلك.
﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ أى أن المفاسد والأضرار التى تترتب على تعاطيهما، أعظم من
المنافع التى تنشأ عن تعاطيهما، إذ تعاطيهما يؤدى إلى منفعة بعض الناس، أما مضارهما فكثيرة،
من ذلك أن تعاطى الخمر يضعف الضمير، ويفسد الأخلاق، ويميت الحياء، ويفقد الرشد
ويتلف المال، ويغرى بالتنازع بين الناس، ويتسبب - كما قال الأطباء الثقاة - فى كثير من
الأمراض كأمراض الكبد والرئتين والقلب .. إلخ.
وإن شئت المزيد من معرفة مضار الخمر فراجع ماكتبه العلماء والمتخصصون فى ذلك(١).
أما تعاطى الميسر فمن مضاره - كما يقول الأستاذ الإمام محمد عبده - إفساد التربية بتعويد
النفس الكسل، وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية، وإضعاف القوة العقلية، بترك الأعمال
المفيدة فى طرق الكسب الطبيعية، وإهمال المقامرين للزراعة والتجارة والصناعة التى هى أركان
العمران، وتخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر فى ساعة واحدة، فكم من عشيرة
كبيرة نشأت فى العز والغنى وانحصرت ثروتها فى رجل أضاعها عليها فى ليلة واحدة؛ فأصبحت
غنية وأمست فقيرة))(٢).
إذن فالمنافع الدنيوية التى تعود إلى بعض الناس من تعاطى الخمر والميسر لا تساوى شيئًا
(١) راجع على سبيل المثال ((تفسير الجواهر)) فى معنى الآية للمرحوم طنطاوى جوهرى وتفسير المنار جـ ٢
ص ٣٢١.
(٢) تفسير المنار جـ ٢ ص ٢٣٠.

٤٨٤
المجلد الأول
بجانب تلك المضار الجسيمة التى تعود على أفراد الأمة فى دينهم وعقولهم وأجسامهم وأموالهم
وترابطهم، وصدق الله إذ يقول: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى
الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾.
ثم يأتى بعد ذلك السؤال الثانى الذى ورد فى هاتين الآيتين وهو قوله - تعالى - :
﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾.
ومناسبة هذا السؤال لما قبله أنهم بعد أن نهوا عن إنفاق أموالهم فى الوجوه المحرمة كتعاطى
الخمر والميسر، سألوا عن وجوه الإنفاق الحلال، وعن مقدار ما ينفقون فأجيبوا بهذا الجواب
الحكيم .
قال الألوسى : أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس أن نفرًا من الصحابة حين أمروا بالنفقة فى
سبيل الله أتوا النبى ◌َ﴿ فقالوا: إنا لا ندرى ما هذه النفقة التى أمرنا بها فى أموالنا وما الذى
ننفقه منها فأنزل الله - تعالى - ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ وكان الرجل قبل ذلك
ينفق ماله حتى لا يجد ما يتصدق ولا ما يأكل))(١).
وأصل العفو فى اللغة الزيادة. قال - تعالى -: ﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا﴾
أى زادوا على ما كانوا عليه من العدد. ويطلق على ما سهل وتيسر مما يكون فاضلا عن الكفاية.
يقال: خذ ماعفا لك. أى ما تيسر. كما يطلق على الترك قال - تعالى -: ﴿عفا الله عما
سلف﴾ أی ترکه وتجاوز عنه.
والمراد به هنا: ما يفضل عن الأهل ويزيد عن الحاجة، إذ هذا القدر الذى يتيسر إخراجه
ويسهل بذله، ولا يتضرر صاحبه بتركه.
والمعنى، ويسألونك ما الذى يتصدقون به من أموالهم فى وجوه البر، فقل لهم تصدقوا بما زاد
عن حاجتكم، وسهل عليكم إخراجه، ولا يشق عليكم بذله.
وفى هذه الجملة الكريمة إرشاد حكيم إلى التعاون والتراحم بين أفراد المجتمع، وتوجيه إلى
المنهاج الوسط الذى يأبى التبذير وينفر من التقتير، وفى أحاديث الرسول # ما يؤيد هذا
الإِرشاد والتوجيه، ومن ذلك ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة عن النبى صلفير قال: ((خير
الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول)).
وأخرج مسلم عن جابر أن النبى وسلم قال: ((إبدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شىء
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ١١٥.

٤٨٥
سورة البقرة
فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شىء فلذى قرابتك، فإن فضل عن ذى قرابتك شىء فهكذا
وهكذا)).
إلى غير ذلك من الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى.
وللأستاذ الإِمام كلام جيد فى هذا المقام، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه : إن الأمة
المؤلفة من مليون فرد إذا كانت تبذل من فضل مالها فى مصالحها العامة كإعداد القوة وتربية
الناشئة .. تكون أعز وأقوى من أمة مؤلفة من مائة مليون فرد لا يبذلون شيئا فى مثل ذلك؛ لأن
الواحد من الأمة الأولى يعد بأمة، إذ هو يعتبر نفسه جزءاً منها وهى كل له، بينما الأمة الثانية
لا تعد بواحد لأن كل فرد من أفرادها يخذل الآخر .. وفى الحقيقة أن مثل هذا الجمع لا يسمى
أمة، لأن كل واحد من أفراده يعيش وحده وإن كان فى جانبه أهل الأرض، فهو لا يتصل بمن
معه ليمدهم ويستمد منهم))(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون فى الدنيا
والآخرة﴾ .
أى : مثل هذا البيان الحكيم الذی بینه الله لكم فيما سألتم عنه يبين لكم فى سائر كتابه آياته
وأحكامه وحججه لکی تتفكروا وتتدبروا فيما ينفعكم فی دنیاکم وآخرتكم، بأن تعملوا فى الدنيا
العمل الصالح الذى يجعلكم تظفرون برضا الله فى أخراكم.
قال صاحب الكشاف: ((وقوله: ﴿فى الدنيا والآخرة﴾ إما أن يتعلق بتتفكرون، فيكون
المعنى : لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما هو أصلح لكم كما بينت لكم أن
العفو أصلح من الجهد فى النفقة وتتفكرون فى الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع. ويجوز
أن يكون إشارة إلى قوله ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ فيكون المعنى: لتفكروا فى عقاب الإثم فى
الآخرة والنفع فى الدنيا حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب الأليم. وإما أن
يتعلق بيبين على معنى: يبين لكم الآيات فى أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون))(٢).
أما السؤال الثالث والأخير الذى ورد فى هاتين الآيتين فهو قوله تعالى ﴿ويسألونك عن
اليتامى قل إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾.
أخرج أبو داود والحاكم والنسائى وغيرهم عن ابن عباس قال :
(١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٢٣٨.
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٦٣ .

٤٨٦
المجلد الأول
لما نزل قوله - تعالى -: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن﴾ وقوله - تعالى -:
﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون فى بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا﴾ انطلق من
كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه. وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشىء من طعامه
وشرابه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله وَل ◌ٍ فأنزل
الله - تعالى - ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ فخلطوا
طعامهم وشرابهم بشرابهم(١).
والمعنى : ويسألونك يا محمد عن القيام بأمر اليتامى أو التصرف فى أموالهم أو عن أموالهم
وكيف يكونون معهم فقل لهم: إن المطلوب هو إصلاحهم بالتهذيب والتربية الرشيدة.
والمعاملة الحسنة، وإصلاح أموالهم بالمحافظة عليها وعدم إنفاقها إلا فى الوجوه المشروعة فهذا
الإصلاح المفيد لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم، وتركهم، ولذا قال - تعالى - بعد ذلك :
﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ أى: وإن تعاشروهم وتضموهم إليكم فاعتبروهم إخوانكم فى
العقيدة والإِنسانية، وعاملوهم بمقتضى ما تفرضه الأخوة من تراحم وتعاطف ومساواة.
والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها. و((إصلاح)) مبتدأ وسوغ الابتداء به مع أنه نكرة
وصفه بالجار والمجرور ((لهم)) و((خير)» خبره، وقوله: ﴿فإخوانكم﴾ الفاء واقعة فى جواب
الشرط، وإخوانكم خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فهم إخوانكم، والجملة فى محل جزم على أنها
جواب الشرط.
وقوله: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ وعد ووعيد، وترغيب فى الإصلاح وترهيب من
الإِفساد، أى: والله يعلم المفسد لشئون هؤلاء اليتامى من المصلح لها، كما أنه - سبحانه -
لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء، وسيجازى كل إنسان على حسب عمله، فاحذروا
الإِفساد ولا تتحروا غير الإصلاح.
ثم قال - تعالى -: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ العنت: الشدة والمشقة والتضييق. يقال:
أعنته فى كذا يعنته إعناتا، إذا أجهده وألزمه ما يشق عليه.
أى: ولو شاء الله لضيق عليكم وأحرجكم بتحريم مخالطة هؤلاء اليتامى، وبغير ذلك مما
يشرع لكم، ولكنه - سبحانه - وسع عليكم وخفف فأباح لكم مخالطتهم بالتى هى أحسن،
فاشکروه على ذلك.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿إن الله عزيز حكيم﴾ أى: إن الله - تعالى - غالب
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٥٦.

٤٨٧
سورة البقرة
على أمره لا يعجزه أمر من الأمور التى من جملتها إعناتكم قادر على أن يعز من أعز اليتامى ويذل
من سذلهم، حكيم فى كل تصرفاته وأفعاله، فلا يضع الأشياء إلا فى مواضعها.
وقد استدل العلماء بهذه الآية على جواز التصرف فى أموال اليتامى على وجه الإصلاح، وعلى
أن للولى أن يخالط اليتيم بنفسه فى المصاهرة والمشاركة وغير ذلك مما تقتضيه المصلحة.
وقد وردت أحاديث متعددة فى رعاية اليتيم وإصلاح أحواله ومن ذلك ما رواه البخارى عن
سهل بن سعد قال: قال رسول الله بَ ط 1 ((أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا، وأشار بالسبابة
والوسطى وفرق بينهما)).
وروى الطبرانى عن أبى الدرداء. قال: أتى النبى وَل﴿ رجل يشكو قسوة قلبه، فقال له النبى
وَ لَّه أتحب أن يلين وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلن
قلبك وتدرك حاجتك.
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد اشتملتا على أفضل ألوان الإصلاح للأفراد
والجماعات فى مطاعمهم ومشاربهم ونفقتهم وعلاقتهم بغيرهم ولا سيما اليتامى الذين فقدوا
الأب الحانى، والقلب الرحيم، ومن شأن الأمة التى تعمل بهذا التوجيه السامى الحكيم أن تنال
السعادة فى دنياها. ورضاه الله - فى أخراها.
ثم تحدثت السورة بعد ذلك فى اثنتين وعشرين آية(١) عن بعض أحكام وآداب الزواج
والمعاشرة، والإِيلاء والطلاق، والعدة، والنفقة، والرضاعة، والخطبة، والمتعة، وغير ذلك مما
يتعلق بصيانة الأسرة وتقويتها، وبنائها على أفضل الدعائم، وأحكم الروابط، إذ الأسرة هى
اللبنة الأساسية فى بناء المجتمع، ومن مجموعها يتكون، فإذا صلحت الوحدات والمكونات
صلح البنيان، وإذا تصدعت تصدع.
ولقد ابتدأت الآيات التى معنا حديثها عن الأسرة بالحديث عن الزواج لأنه أعمق الروابط
وأقواها ومنه تتأتى الذرية، لذا جعل أساس الاختيار فيه هو التدين السليم، والخلق القويم،
الذى يسعد ولا يشقى، ويبنى ولا يهدم، ويحفظ ولا يضيع .. ولا يتأتى ذلك إلا باختيار المسلمة
الصالحة والإِعراض عن المشركة الكافرة.
استمع إلى القرآن الكريم وهو يبين ذلك فيقول :
(١) من الآية ٢٢١ وهى، ﴿ولا تنكحوا المشركات .. ﴾ إلخ قوله: ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم
تعقلون﴾ الآية ٢٤٢.

٤٨٨
المجلد الأول
وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ
مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى
يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌمِّنْ مُشْرِكٍ وَلَوْأَعْجَبَكُمْ أُوْلَكَ
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَاَللّهُيَدْعُوْ إِلَى الْجَنَّةِ وَاُلْمَغْفِرَةِذْنِهِ،
وَيُبَيِّنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَُّونَ
(٢٢١
قوله - تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ﴾ النكاح فى اللغة الضم وتداخل أجزاء
الشىء بعضها فى بعض. ثم أطلق على العقد الذى به تكون العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة
مشروعة .
والمشرك فى لسان الشرع: من يدين بتعدد الآلهة مع الله - تعالى - وأصله من الإِشراك
بمعنى أن تجعل الشىء بينك وبين غيرك شركة، فمن يعبد مع الله - تعالى - إلها آخر يعد
مشركًا، وهو فى الآخرة من الخاسرين.
ويرى كثير من العلماء أن إطلاق كلمة : مشرك، ومشركين، ومشركات فى القرآن الكريم
تعنى عبدة الأوثان، وأنها صارت فى استعمال القرآن حقيقة عرفية فيهم، ولم يطلقها القرآن على
اليهود والنصارى وإنما عبر عنهم بهذا الاسم أو بأهل الكتاب، أو بوصف الكفر دون الشرك كما
فى قوله - تعالى -: ﴿لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل﴾ وعليه فالمراد بالمشركات والمشركين
فى الآية عبدة الأوثان.
وذهب بعضهم إلى أن لفظ المشركات يشمل بمقتضى عمومه المرأة الوثنية، واليهودية،
والنصرانية .
وقد ترتب على هذا الخلاف فى إطلاق كلمة ((مشرك)) أن أصحاب الرأى الأول قالوا : إن
النهى فى الآية إنما هو عن زواج المشركات اللائى يعبدون الأوثان ولاكتاب لهن، وأنه يجوز
- مع الكراهة - أن يتزوج المسلم الكتابية، لأن القرآن يقول: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات،
وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات
والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ .. الآية(١). ولأنه قد جاءت الروايات بأن
بعض الصحابة قد تزوج بكتابيات. فعثمان بن عفان تزوج نصرانية ثم أسلمت، وطلحة بن
1
(١) سورة المائدة الآية ٥.

٤٨٩
سورة البقرة
عبيد الله وحذيفة بن اليمان تزوجا يهوديتين.
أما من قال بالرأى الثانى فيرى حرمة الزواج بالوثنية واليهودية والنصرانية لأن لفظ المشركات
يشملهن جميعا. وأصحاب هذا الرأى - كما يقول الألوسى - يجعلون آية المائدة وهى قوله -
تعالى -: ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ .. منسوخة بالآية التى معنا نسخ الخاص بالعام .. وإلى
هذا الرأى ذهب الإِمامية وبعض الزيدية(٢).
وروى عن عمر وعبد الله ابنه - رضى الله عنهما - أنهما حرما ذلك وفى رواية أنها كرهاه.
وهى الأصح.
قال القرطبى : وروى عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين
كتابيتين وقالا : نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب. فقال: لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما ولكن
أفرق بينكما صغرة قمأة. قال ابن عطيه وهذا لا يستند جيدًا، وأسند منه أن عمر أراد التفريق
بينهما فقال له حذيفة : أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال : لا أزعم أنها حرام
ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن.
ثم قال القرطبى : وكان ابن عمر إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية. قال حرم
الله المشركات على المؤمنين ولا أعرف شيئًا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو
عبد من عباد الله. قال النحاس: وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة،
لأنه قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة منهم عثمان وطلحة وابن .
عباس .. ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد .. وفقهاء الأمصار
عليه، وأيضًا فيمتنع أن تكون هذه الآية من سورة البقرة ناسخة للآية التى فى سورة المائدة، لأن
البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما نزل، وإنما الآخر ينسخ الأول - أو
يخصصه - وأما قول ابن عمر فلا حجة فيه، لأن ابن عمر - رضى الله عنه - كان متوقفا، فلما
سمع الآيتين فى واحدة التحليل وفى أخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف، ولم يؤخذ عنه ذكر
النسخ وإنما تؤول عليه، وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل(٢),
والذى نراه أن زواج المسلم بالكتابية جائز لأن القرآن صريح فى ذلك، ولأن عمر - رضى
الله عنه - أقر بأنه ليس بحرام، فتكون آية المائدة مخصصة لآية البقرة على فرض عمومها،
ومبينة لحكم جديد خاص بالكتابيات، وهو الجواز ولكن هذا الجواز لا يمنع كراهته، لأن
الزواج بالكتابية كثيرًا ما يؤثر فى إضعاف العاطفة الدينية عند المسلم، وعند الأطفال الذين
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ١١٨
(٢) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٦٨ بتصرف وتلخيص.

٤٩٠
المجلد الأول
يكونون ثمرة لهذا الزواج، لأنهم يخرجون إلى الحياة وقد رضعوا الميل إلى دين أمهم، ولأن المرأة
الكتابية التى تقبل الزواج بالمسلم كثيرًا ما تكون منحرفة فى سلوكها وأن الدافع لها إلى هذا
الزواج إنما هو المال أو الجمال أو الجاه وليس الدين أو الخلق، لأنه لو كان الدافع ذلك لرضيت
بالإِسلام دينا، وبآدابه خلقًا لها، وما أحكم قول عمر لحذيفة: ((لا أزعم أنها حرام ولكن
أخاف أن تعاطوا المومسات منهن)).
هذه خلاصة لاراء العلماء فى هذه المسألة ومن أراد المزيد فليرجع إلى أقوالهم فى مظانها(١).
والمعنى : أنها كم أيها المؤمنون أن تتزوجوا بالنساء المشركات حتى يؤمن بالله - تعالى -
ويذعن لتعاليم الإِسلام وآدابه.
وقوله: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾ تعليل للنهى، وبيان لفضل المؤمنات
على المشركات، ولفضل طهارة النفس على جمال الجسم، والمراد بالأمة هنا الأنثى المملوكة من
الرقيق، وبالمشركة الحرة الجميلة بقرينة المقابلة.
أى: ولأنثى رقيقة مؤمنة مع ما بها من الرق وقلة الجاه والجمال خير فى التزوج بها من امرأة
حرة مشركة ولو أعجبتكم بجمالها ونسبها وغير ذلك من منافع دنيوية، لأن ما يتعلق بالمنافع
الدينية يجب أن يقدم على المنافع الدنيوية، ولأن الزواج ارتباط روحى بين قلبين، ومن العسير
أن يتم هذا الترابط بين قلب يخلص لله فى عبادته، وقلب لا يدين بذلك.
وصدرت الجملة بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم فى إفادة التأكيد مبالغة فى الحمل على
الانزجار، وقد أمر النبى ◌َلل أتباعه أن يجعلوا الدين أساس رغبتهم فى الزواج، فقد أخرج
الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله وهلفر قال: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها
ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك)).
وعن عبد الله بن عمرو - رضى الله عنهما - قال: قال رسول الله وص له (( لا تتزوجوا النساء
لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تتزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن
تزوجوهن على الدين، ولأمة سوداء ذات دين أفضل)».
والأحاديث النبوية فى هذا المعنى كثيرة.
ثم قال - تعالى -: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ أى: لا تزوجوا أيها المؤمنون
النساء المؤمنات للرجال المشركين حتى يتركوا ماهم عليه من شرك ويدخلوا فى دين الإِسلام،
فإذا فعلوا ذلك حل لكم أن تزوجوهم النساء المسلمات، لأنهم بدخولهم فى الإِسلام قد
اصبحوا إخوانا لكم.
(١) راجع - على سبيل المثال - تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٥٧، وتفسير القرطبى جـ ٣ ص ٦٦.

٤٩١
سورة البقرة
والنهى هنا يتناول المشرك الذى يعبد الأوثان ويتناول غيره ممن لا يدين بالإِسلام كأهل
الكتاب، لأن القرآن قد جعل الإِيمان غاية للنهى، فإذا لم يكن هناك إيمان من الرجل لم يكن له
أن يتزوج من المرأة المؤمنة، لأن الله - تعالى - يقول فى آية أخرى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا
جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن
إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن، وآتوهم ما أنفقوا، ولا جناح عليكم أن
تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾.
فهذه الآية صريحة فى أن زواج المسلمة بالكافر لا يجوز، وكلمة كافر تشمل أهل الكتاب
بدليل قوله - تعالى -: ﴿لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان دواود وعيسى بن
مريم﴾ .. وقوله تعالى ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من
خیر من ربكم﴾.
قال الفخر الرازى: لا خلاف هاهنا فى أن المراد به - أى بلفظ المشركين - الكل،، وأن
المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر ألبتة على اختلاف أنواع الكفرة(١).
وقوله : ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾ بيان لفضل الإِيمان على الشرك، كما فى
قوله - تعالى -: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ إذ نسبة المؤمن أو المؤمنة إلى هذا الدين الذى
ارتضاه الله لعباده أفضل وأجل من الانتساب إلى أى شىء آخر.
ثم بين - سبحانه - علة النهى عن الزواج بالمشركين والمشركات فقال - تعالى -: ﴿أولئك
يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه﴾.
أى: أولئك المذكورون من المشركين والمشركات يدعون من يقارنهم ويعاشرهم إلى الأقوال
والأفعال والعقائد التى تقضى بصاحبها إلى دخول النار فى الآخرة والله - تعالى - يدعو عباده
على ألسنة رسله إلى الأقوال والأعمال والعقائد التى توصل إلى جنته ومغفرته.
فالمراد بالدعاء إلى النار الدعاء إلى أسبابها وإلى ما يوصل إليها، وكان الاقتران بهؤلاء
المشركين والمشركات سببا فى الوصول إليها، لأن الزواج من شأنه الألفة والمودة والمحبة وشدة
الاتصال، وكل ذلك يجعل المسلم أو المسلمة يتقبلان ما عليه المشرك أو المشركة من فسوق
وعصيان لله - تعالى - بل ربما بمرور الأيام لا يكتفيان بالتقبل بل يستحسنان فعلهما، وبذلك
تنحل عرا الإِسلام من نفس المسلم والمسلمة عروة فعروة، حتى لا يبقى منه سوى الاسم، كما
نشاهد ذلك فى كثير من المسلمين الذين تزوجوا بغير مسلمات.
والمقصود من قوله - تعالى -: ﴿والله يدعو إلى الجنة﴾ إغراء المؤمنين بالتمسك بتعاليم
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ صفحة ٦٤.

٤٩٢
المجلد الأول
دينهم، وتنفيرهم من الاقتران بغير من يكون على شاكلتهم فى الدين، لأن من يخالفهم فى
عقيدتهم طريقه يغاير طريقهم، وهدفه يخالف هدفهم، وعاقبته تباين عاقبتهم.
والدعاء إلى الجنة والمغفرة المراد به الدعاء إلى أسبابهما كما فى الجملة السابقة المقابلة وقيد
- سبحانه - الدعاء إلى الجنة والمغفرة بقوله ﴿بإذنه﴾ أى بأمره وإرادته وعلمه، لأنه -
سبحانه - هو المالك لكل شىء، ولا يقع فى ملكه إلا ما يريده ويقدره.
قال بعض العلماء ما ملخصه: وقد يقول قائل: هذه الدعوة إلى النار قد تكون أيضًا فى
زواج المسلم بالكتابية، كما هى فى زواج المسلم بالمشركة، وكان مقتضى هذا أن يحرم زواج
المسلم بغير المسلمة مطلقًا، كما حرم زواج المسلمة بغير المسلم مطلقًا، وإن لذلك الكلام
موضعه، ولذلك أجمع الفقهاء على كراهة زواج المسلم بالكتابية، بل زعم بعض العلماء أن
زواج المسلم من الكتابية محرم كزواجه من المشركة.
ولكن الجمهور لا يقطعون بالتحريم أمام النص القاطع بالحل، ولا يعملون العلة ليهمل
النص، بل يرون علة التحريم لا تتوافر فى الكتابية توافرها فى المشركة، فإن المشركة لا ترتبط
بأى قانون خلقى يعصمها من الزلل .. أما الكتابية فإن مجموع الفضائل الإنسانية .. لا تزال
باقية فى تعاليم دينها فيمكن الاحتكام إليها.
والقرآن فى جدله مع أهل الكتاب كان يلاحظ إمكان التفاهم معهم على قواعد يمكن حملهم
على الإِقرار بها كما فى قوله - تعالى -: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم
ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا﴾ .. الآية.
وأمرنا أن نجادلهم بالتى هى أحسن فقال: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن
إلا الذين ظلموا منهم﴾ .. الآية.
فكان من اطراد تلك المعاملة الحسنة المقربة غير المبعدة، أن أباح الإِسلام الزواج من
الکتابیات.
بيد أنه يلاحظ فى إباحة الزواج من الكتابيات أمران :
أولهما : أن النص القرآنى المبيح خاص بالمحصنات منهن، إذ قال - سبحانه ﴿والمحصنات
من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ والمحصنات - فى أظهر التفسير - هن العفيفات، فأولئك
الذين يعمدون إلى المنحرفات منهن فى أخلاقهن وعقولهن ولا يتخيرون، خارجون عن موضع
الإباحة فيما أحسب، لأن الله أحل المحصنات وهم استحلوا المنحرفات.
ثانيهما : أن ولى الأمر إذا رأى خطرا على الدولة الإسلامية أو على المجتمع الإِسلامى له أن

٤٩٣
سورة البقرة
يمنع الناس من ذلك الزواج بوضع عقوبات لمن يقدم عليه سدا للذريعة ومنعا للشر، وذلك من
باب السياسة الشرعية، لا من باب تحريم ما أحل الله، لأن الحل قائم على أصله، والمنع وارد
على الضرر الذى يلحق المسلمين، إذ فى ذلك من الاعتداء على جماعتهم ما فيه، كما أن أصل
الأكل حلال، ولكن اغتصاب أموال الناس لنأكلها حرام، ولذلك سارت الدولة على منع
بعض رجالها من الزواج بالأجنبيات(١).
وقوله - تعالى - فى ختام الآية: ﴿ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون﴾ معطوف على يدعو
إلى الجنة. أى أنه - سبحانه - يدعو الناس إلى ما يوصلهم إلى جنته ومغفرته ويبين لهم آياته
وأوامره ونواهيه فى شئون الزواج وفى غير ذلك من الأحكام لكى يتعظوا ويعتبروا ويتذكروا
ما أمرهم الله به فيعملوه، وما نهاهم عنه فيتركوه.
وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد رسمت للناس أقوم السبل، لكى يعيشوا فى ظل أسرة
فاضلة، تظلها السعادة، ويسودها الأمان والاطمئنان ويتعاون أفرادها على البر والتقوى لا على
الإِثم والعدوان.
وبعد أن أمر الله - المسلم بأن يجعل التدين وحسن الخلق محط اختياره فى الزواج، اتبع ذلك
بإرشاده إلى بعض الآداب التى يجب عليه أن يسلكها مع زوجه حتى تكون علاقتهما قائمة على
ما يقتضيه الطبع السليم والخلق القويم وحتى تكون فى أعلى درجات التطهر والتنزه والعفاف
فقال - تعالى - :
وَيَسْتَلُونَكَ
عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِّ
وَلَا نَفْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنٌّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوُهُرَ مِنْ حَيْثُ
أَمَرَّكُمُ الَّهُ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّالْمُتَطَهِرِين
٠ ٢٢٢
نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَ شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْلِأَنْفُسِكُ
ج
وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُم مُّلَقُوهُ وَبَشِرِ الْمُؤْمِنِينَ
٢٢٣)
(١) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام السنة الخامسة
العدد ١٢ سنة ١٩٥٢.

٤٩٤
المجلد الأول
. روى الإمام مسلم فى صحيحه عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - أن اليهود كانوا إذا
حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها فى البيوت أى لا يسكنون معهن - فسأل الصحابة
النبى ﴿ فأنزل الله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾. الآية فقال رسول
الله - ﴾ - أصنعوا كل شىء إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن
يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يارسول الله، إن
اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول اللهوم حتى ظنا أن قد وجد
عليهما - أى غضب - فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبى * فأرسل فى آثارهما فسقاهما، فعرفا
أن لم يجد عليهما(١).
والمحيض: الحيض مصدر حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحاضًا ومحيضا فهى حائض،
وأصله السيلان. يقال حاض الوادى إذا سال، ومنه الحوض لسيلان الماء إليه.
ثم أطلق الحيض على ما يقذفه رحم المرأة من دم فى أوقات مخصوصة على وجه مخصوص.
والأذى: الشىء الذى يتأذى منه الإنسان ويصيبه الضرر بسببه.
والسؤال كان من بعض الصحابة، لأنه لقوة إيمانهم كانوا يحبون أن يعرفوا حكم الإسلام فى
شئونهم الخاصة والعامة، ولأنهم وجدوا أن اليهود وغيرهم يعاملون المرأة فى حال حيضها معاملة
غير كريمة فسألوا رسول الله ولفر عن هذا الأمر الذى يتصل بأدق العلاقات بين الرجل والمرأة
وهو حكم مباشرة النساء فى حال الحيض، فأجابهم الله - تعالى - جوابًا شافيًّا.
والمعنى: ويسألك أصحابك يا محمد عن حكم مباشرة النساء فى حال الحيض فقل لهم معلمًا
وموجهًا: إن الحيض أى الدم الذى يلفظه رحم المرأة فى وقت معين أذى يتأذى به الإِنسان تأذيًا
حسيًا جسيمًا، فرائحته يتأذى منها من يشمها، وهو فى ذاته شىء متقذر تعافه النفوس، وتنفر منه
الطباع.
وقوله : ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ بيان للحكم المتفرع على
تلك الحالة التى يتأذى منها وهى حالة الحيض.
والاعتزال : التباعد، وهو هنا كناية عن ترك الجماع والمباشرة، كما أن النهى عن قربهن كناية
عن النهى عن جماعهن، يقال: قرب الرجل امرأته إذا جامعها.
و﴿يطهرن﴾ من الطهر - بضم الطاء - بمعنى النقاء من الوسخ والقذر -.
والمعنى : عليكم أيها المؤمنون أن تمتنعوا عن مباشرة النساء فى زمن حيضهن، ولا تجامعوهن
(١) صحيح مسلم: كتاب الحيض جـ ١ صفحة ١٦٩

٤٩٥
سورة البقرة
حتى يطهرن من ذلك، لأن غشيانهن فى هذه الحالة يؤذيكم بسبب عدم نقاء المحل الذى يكون
فيه الغشيان للمرأة، والمرأة أيضًا تتأذى من مباشرتها فى زمن الحيض لأنها لا تكون فى حالة
تستسيغ معها المباشرة، فجهازها التناسلى فى حالة اضطراب، وهيئتها العامة فى حالة تجعلها من
شأنها أن تنفر من الجماع، والولد الذى يأتى عن طريق الجماع فى حالة الحيض - على فرض
إتيانه فى هذه الحالة - كثيرًا ما يأتى مشوها ضعيفًا، لأن النطفة إذا اختلطت بدم الحيض،
أخذت البويضات فى التخلق قبل وقت صلاحيتها للتخلق النافع الذى يكون وقته بعد انتهاء
فترة الحيض وقد قال بذلك الأطباء الثقاة(١). وعرفه العرب القدامى بالتجربة، قال أبو كبير
الهزلى.
ومبرأ من كل غُبَّرِ حَيْضةٍ وفساد مرضعة وداءٍ معضلٍ(٢)
وقد أجمع العلماء - كما بينا - على أن المراد بالاعتزال هو اجتناب المباشرة، إلا أنهم اختلفوا
فيما يجب اعتزاله من المرأة بعد ذلك.
فبعضهم يرى اعتزال جميع بدن المرأة، وحجتهم أن الله أمر باعتزال النساء ولم يخصص من
ذلك شيئًا دون شىء.
وبعضهم يرى اعتزال موضع الأذى - أى مكان خروج الدم - لقول النبى ويصير ((اصنعوا
كل شىء إلا النكاح)).
وبعضهم يرى اعتزال ما بين السرة إلى الركبة من المرأة وله ما سوى ذلك، لقول عائشة :
كانت إحدانا إذا كانت حائضة أمرها النبى # أن تأتزر ثم يباشرها. وقوله : ﴿ولا تقربوهن
حتى يطهرن﴾ تأكيد لحكم الاعتزال وتقرير له، وتنبيه على أن المراد به عدم جماعهن لاعدم
القرب منهن أو مخالطتهن أو الأكل معهن كما كان يفعل اليهود وبعض العرب.
والدليل على ذلك ماجاء فى الصحيحين عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: ((كنت أرجل
رأس رسول الله ﴿ وأنا حائض)).
وروى البخارى عن عائشة - أيضًا - قالت: كان رسول الله وَلفي يتكىء فى حجرى وأنا
حائض ثم يقرأ القرآن(٣).
(١) راجع تفسير ((التحرير والتنوير)) جـ ٢ ص ٣٥٠ للشيخ محمد بن عاشور.
(٢) غبر الحيضة: جمع غبرة وهى آخر الشىء. يريد أن يقول: إن أم هذا الممدوح لم تحمل به فى آخر مدة
الحيض لذا جاء مستقيم الخلقة.
(٣) صحيح البخارى: كتاب الحيض جـ ١ ص ٨٢.

٤٩٦
المجلد الأول
وروى مسلم عنها أيضًا قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبى وَّ فيضع فاه على
موضع فىَّ فيشرب.
وقوله : ﴿حتى يطهرن﴾ بيان لغاية الاعتزال. وقرأ حمزة الكسائى (حتى يطهرن) بفتح
الطاء والهاء مع التشديد.
ومعناه عند جمهور الفقهاء ولا تجامعوهن حتى يغتسلن، لأن القراءتين معناهما واحد، ولأن
الله - تعالى - قد علق الإتيان على التطهر فقال: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾ والتطهر هو
الاغتسال. فالمرأة إذا انقطع حيضها لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد الاغتسال.
ویری الأحناف أن معنى ﴿حتى يطهرن﴾ أى حتى ينقطع الدم، لأنه إذا كان سبب الأذى هو
الدم فانقطاعه طهور منه، وبناء على ذلك فيجوز للرجل أن يباشر زوجته قبل أن تغتسل متی
انقطع دمها لأقصى مدة الحيض، وهو عشرة أيام. أخذًا بالقراءة المشهورة ﴿يطهرن﴾
بالتخفيف. أما إذا انقطع الدم قبل ذلك فلا تحل مباشرتها إلا بالتأكد من زوال الدم بعمل من
جانبها وهو الاغتسال الفعلى، لأن قراءة ﴿يطهرن﴾ بالتشديد عندهم معناها يغتسلن.
وقال بعض الفقهاء يكفى فى حلها أن تتوضأ عند انقطاع الدم.
ولكل فريق أدلته المبسوطة فى كتب الفقه.
وفى هاتين الجملتين الكريمتين ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ من
سمو التعبير، وبديع الكناية ما يغرس فى نفس السامع حسن الأدب، ويصون سمعه عن
الألفاظ التى يجافى سماعها الأذواق السليمة، وما أحوج المسلمين إلى التأسى بهذا الأدب الذى
يحفظ عليهم مروءتهم وكرامتهم.
ثم قال - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ أى: فإذا تطهرن من
المحيض فجامعوهن فى المكان الذى أمركم الله بتجنبه فى الحيض وهو القبل ولا تتعدوه إلى
غيره .
والأمر فى قوله - تعالى -: ﴿فأتوهن﴾ المراد به إباحة المباشرة، لأن من المقرر عند العلماء أن
الأمر بعد النهى يكون للإِباحة، خصوصًا إذا كان الموضع موضع حل وإباحة لا موضع تكليف
وإلزام، وليس المراد به الحتم واللزوم، لأن الإِتيان مبنى على الرغبة والطاقة وشبه بهذا التعبير
قوله - تعالى -: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض) وقوله: ﴿وإذا حللتم
فاصطادوا﴾ .
قال الجمل: ومن فى قوله: ((من حيث)) فيها قولان :
أحدهما : أنها لابتداء الغاية، أى من الجهة التى تنتهى إلى موضع الحيض.

٤٩٧
سورة البقرة
والثاني : أن تكون بمعنى فى أى المكان الذى نهيتم عنه فى الحيض. ورجح بعضهم هذا بأنه
ملائم لقوله ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض﴾(١).
وعلى كلا القولين فالمقصود أن يأتى الرجل زوجته فى المكان الفطرى الطبيعى لتلك العلاقة
الجنسية، وهو القبل إذ هو مكان البذر والإِنسال، ولا يخرج عن ذلك إلا الذين أصيبوا بشذوذ
فى عقولهم، وضعف فى دينهم ..
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾
والتواب صيغة مبالغة من تائب بمعنى راجع إلى ربه إذا زل وهفا.
والمتطهر: هو الإِنسان المتنزه عن الفواحش والأقذار.
أى: إن الله - تعالى - يجب عباده الذين يكثرون الرجوع إليه إذا ما ظلموا أنفسهم بسيئة
من السيئات، والذين يصونون أنفسهم وينزهونها عن المعاصى والآثام، ويرضى عنهم فى الدنيا
والآخرة.
قال الألوسى : ﴿إن الله يحب التوابين﴾ مما عسى يبدر منهم من ارتكاب بعض الذنوب
كالإتيان فى الحيض المستدعى لعقاب الله - تعالى - فقد أخرج الإِمام أحمد والترمذى والنسائى
عن أبى هريرة عن النبى - وَسير قال: ((من أتى حائضًا فقد كفر بما أنزل على محمد وَّ وهو جار
مجرى الترهيب فلا يعارض ما أخرجه الطبرانى عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبى وَلّى
فقال: يارسول الله، أصبت امرأتى وهى حائض فأمره رسول الله - ﴿﴿ - أن يعتق نسمة))
وهذا إذا كان الإِتيان فى أول الحيض والدم أحمر، أما إذا كان فى آخره والدم أصفر فينبغى أن
يتصدق بنصف دينار كما دلت عليه الآثار))(٢).
ثم قال - تعالى -: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾.
روى الشيخان عن جابر قال : كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من دبرها فى قبلها
ثم حملت كان ولدها أحول. فأنزل الله - تعالى - قوله: ﴿نساؤكم حرث لكم) الآية.
والحرث فى الأصل : تهيئة الأرض بالحراثة لإلقاء البذر فيها. وقد تطلق كلمة الحرث على
الأرض المزروعة كما فى قوله - تعالى - ﴿أن اغدوا على حرثكم﴾ أى على حديقتكم لجمع
ما فيها من ثمار.
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ صفحة ١٧٩.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٢ صفحة ١٢٤ وبتلخيص قليل.

٤٩٨
المجلد الأول
وشبهت المرأة بالأرض لأن كليهما يمد الوجود الإِنسانى بأسباب بقائه، فالزوجة تمده بعناصر
تکوینه، والأرض مده بأسباب حیاته.
و﴿أنى شئتم﴾ بمعنى كيف شئتم، أو متى شئتم فى غير وقت الحيض.
والمعنى : نساؤكم هن مزرع لكم ومنبت للولد، أعدهن الله لذلك كما أعد الأرض للزراعة
والإِنبات، فأتوهن إذا تطهرن من الحيض فى موضع الحرث كيف شئتم مستلقيات على
ظهورهن أو غير ذلك ما دمتم تؤدون شهوتكم فى صمام واحد وهو الفرج.
وفى هذه الجملة الكريمة إشعار بأن المقصد الأول من الزواج إنما هو النسل، ويشير إلى ذلك
قوله ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ إذ من شأن الحرث الصالح الانتاج وإشعار كذلك بما شرعه الله
للزوجين من مؤانسة ومباسطة ويشير إلى ذلك قوله - تعالى -: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾.
ويرى صاحب الكشاف أن التشبيه بين ما يلقى فى الأرحام من النطفة وبين البذر الذى يلقى
فى الأرض من حيث إن كلا منهما ينمو فى مستودعه ويكون به البقاء والتوالد، فقد قال - رحمه
الله - :
﴿نساؤكم حرث لكم﴾ مواضع الحرث لكم. وهذا مجاز شبهن بالمحارث تشبيها لما يلقى فى
أرحامهن من النطف التى منها النسل بالبذور، وقوله: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ تمثيل، أى
فأتوهن كما تأتون أراضيكم التى تحرثونها من أى جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة.
والمعنى : جامعوهن من أى شق أردتم بعد أن يكون المأتى واحدا وهو موضع الحرث.
ثم قال: وقوله - تعالى -: ﴿هو أذى، فاعتزلوا النساء﴾ وقوله ﴿من حيث أمركم الله﴾ وقوله
﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ من الكنايات اللطيفة والتعريضات الحسنة. وهذه وأشباهها فى كلام
الله آداب حسنة على المؤمنين أن يتعلموها ويتأدبوا بها ويتكلفوا مثلها فى محاورتهم ومكاتبتهم.
فإن قلت: ما موقع قوله ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ مما قبله؟ قلت: موقعه موقع البيان
والتوضيح لقوله: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ يعنى أن المأتى الذى أمركم الله به هو مكان الحرث
ترجمة له وتفسيرا، أو إزالة للشبهة ودلالة على أن الغرض الأصيل فى الإتيان هو طلب النسل
لا قضاء الشهوة فلا تأتوهن إلا من المأتى الذى يتعلق به هذا الغرض))(١).
ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله: ﴿وقدموا لأنفسكم، واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه
وبشر المؤمنين﴾.
أى: عليكم أيها المؤمنون أن تقدموا فى حاضركم لمستقبلكم من الأعمال الصالحة ما ينفعكم
(١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٢٦٦.

٤٩٩
سورة البقرة
فى دنياكم وآخرتكم، بأن تختاروا فى زواجكم ذات الدين، وأن تسيروا فى حياتكم الزوجية على
الطريقة التى رسمها لكم خالقكم وعليكم كذلك أن تتقوه بأن تصونوا أنفسكم عن كل
ما نهاكم عنه، وأن تعلموا علم اليقين أنكم ستلقونه فيحاسبكم على أعمالكم ويجازيكهم عليها
بما تستحقون.
وقوله: ﴿وبشر المؤمنين) بشارة طيبة لمن آمن وعمل صالحا، وتلقى ما كلفه الله - تعالى -
بالطاعة والامتثال.
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد أرشدتا المسلم إلى أفضل الوسائل، وأقوى الدعائم التى
يقوم عليها صرح الحياة الزوجية السعيدة، والتى عن طريقها تأتى الذرية الصالحة الرشيدة، وأن
الإِسلام فى تعاليمه لا يحاول أن ينكر أو يحطم غرائز الإِنسان وضرورياته، وإنما الإِسلام يعترف
بغرائز الانسان وضرورياته ثم يعمل على تهذيبها وتقويمها بالطرق التى من شأنه إذا ما اتبعها أن
يظفر بالسعادة والطمأنينة فى دنياه وأخراه.
وبعد أن بينت لنا السورة الكريمة حكم المباشرة فى فترة الحیض تابعت حديثها عن شئون
الأسرة فذكرت حكم الإِيلاء أى الحلف بالامتناع عن المباشرة بعد أن قدمت له بالحديث عن
الحلف فى ذاته. استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى ذلك فتقول :
وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُوأ
وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْبَيْنَ النَّاسُِ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ
(٢٢٤
لَّا يُؤَاخِذُكُمُ له ◌ِاللَّغْوِ فِ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ ذِسَابِهِمْ تَرَبُصُ
قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَكِيمٌ (®
أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ () وَإِنْ عَزَمُواْ
الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ
العرضة : فعله - بضم الفاء - بمعنى مفعول كالقبضة والغرقة، وهی اسم لکل ما يعترض
الشىء فيمنع من الوصول إليه، واشتقاقها من الشىء الذى يوضع فى عرض الطريق فيصير
مانعًا للناس من السلوك والمرور يقال فلان عرضة دون الخير أى حاجز عنه.
وتطلق كذلك على النصبة التى تتعرض للسهام وتكون هدفا لها، ومنه قولهم : فلان عرضة

٥٠٠
المجلد الأول
للناس إذا كانوا يقعون فيه ويعرضون له بالمكروه. قال الشاعر :
ولا تجعلونى عرضة للوائم
دعونى أنح وجدًا كنوح الحمائم
يريد اتركونى أنح من الشوق ولا تجعلونى معرضًا للوم اللوائم.
والأيمان : جمع يمين وتطلق بمعنى الحلف والقسم، واصل ذلك أن العرب كانوا إذا أرادوا
توثیق عهودهم بالقسم یقسمونه وضع کل واحد من المتعاهدین یمینه فی یمین صاحبه، و ((تبروا))
من البر وهو الأمر المستحسن شرعا.
والمعنى على الوجه الأول: لا تجعلوا الحلف بالله - أيها المؤمنون - حاجزًا ومانعًا عن البر
والتقوى والإصلاح بين الناس، وذلك أن بعض الناس كان إذا دعى إلى فعل الخير وهو لا يريد
أن يفعله يقول: حلفت بالله ألا أفعله فنهاهم الله - تعالى - عن سلوك هذا الطريق.
وهذا المعنى هو الذى رجحه كثير من المفسرين لأنه هو المناسب لما يجىء بعد ذلك من قوله
- تعالى -: ﴿الذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ ووجه المناسبة أن الله - تعالى -.
يكره للمؤمن أن يجعل الحلف به مانعًا من رجوعه إلى أهله؛ ولأن هناك أحاديث كثيرة تحض
من حلف على ترك أمر من أمور الخير أن يكفر عن يمينه وأن يأتى الأمر الذى فيه خير، ومن هذه
الأحاديث ما جاء فى الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى قال: قال رسول الله وَله إنى والله إن
شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها))(١).
وروى مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله وَلير: من حلف على يمين
فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذى هو خير))(٢).
وشبيه بهذه الآية فى النهى عن الحلف على ترك فعل الخير قوله - تعالى - فى شأن سيدنا
أبى بكر عندما أقسم ألا ينفق على قريبه الذى خاض فى شأن ابنته عائشة ﴿ولا يأتل أولو الفضل
منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا
تحبون أن يغفر الله لكم﴾(٣).
فالآية على هذا الوجه تنهى المؤمن عن المحافظة على اليمين إذا كانت هذه اليمين ما نعة من
فعل الخير.
واللام فى قوله: ﴿لأيمانكم) متعلق بعرضة، وقوله ﴿أن تبروا وتتقوا وتصلحوا﴾ مفعول
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٦٦.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٦٦.
(٣) سورة النور الآية ٢٢.
١