Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ سورة البقرة بينهم، ولا طمع له فى غيرهم، ولا ملجأ له سواهم، لأنهم أربابه الذين تمكنوا منه، وتمكن منهم بقوة ورسوخ. وبعضهم جعل الضمير فى قوله: ﴿فيه﴾ يعود إلى الحق، والضمير فى قوله: ﴿أوتوه﴾ يعود إلى الكتاب. أى: وما اختلف فى الحق إلا الذين أوتوا الكتاب ويرى بعض العلماء أن عودة الضمير فى كليهما إلى الحق أو إلى الكتاب جائز، وأن المعنى على التقديرين واحد، لأن الكتاب أنزل ملابسًا للحق ومصاحبًا له، فإذا اختلف فى الكتاب اختلف فى الحق الذى فيه وبالعكس على طريقة قياس المساواة فى المنطق والجملة الكريمة تحذير شديد من الوقوع فيما وقع فيه غيرهم من اختلاف يؤدى إلى البغى والتنازع والإِعراض عن الحق. ثم بين - سبحانه - حال المؤمنين بعد بيانه لحال الغاوين فقال - تعالى ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه﴾. أى: فهدى الله الذين آمنوا وصدقوا رسله إلى الحق الذى اختلف فيه أهل الضلالة، وذلك الهدى بفضل توفيقه لهم وتيسيره لأمرهم. والفاء فى قوله : ﴿فهدى﴾ فصيحة لأنها أفصحت عن كلام مقدر وهو المعطوف عليه المحذوف . والتقدير : إذا كان هذا شأن الضالين المختلفين فى الحق، فقد هدى الله بفضله الذين آمنوا إلى الصواب. وبين - سبحانه - أن الذين رزقهم الهداية هم الذين آمنوا، للإشعار بأن سبب هدايتهم للحق هو إيمانهم وتقواهم، واستجابتهم للداعى الذى دعاهم إلى الطريق المستقيم. وأسند الهداية إليه - سبحانه - لأنه هو خالقها، ولأن قلوب العباد بيديه فهو يقلبها كيف يشاء، وهذا لا ينافى أن للعبد اختيارًا وكسبًا فهو إذا سار فى طريق الحق رزقه الله النور المشرق الذى يهديه، وإن سار فى طريق الضلالة واستحب العمى على الهدى سلب الله عنه توفيقه بسبب إيثاره الضلالة على الهداية. وقوله - تعالى - فى ختام هذه الآية: ﴿والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم) تذييل قصد به بيان كمال سلطانه، وتمام قدرته. أى: والله وحده هو الهادى من يشاء من عباده إلى طريق الحق الذى لا يضل سالكه، فليس لأحد سلطان بجوار سلطانه، ولو أراد أن يكون الناس جميعًا مهديين لكانوا، ولكن حكمته ٤٦٢ المجلد الأول اقتضت أن يختبرهم ليتميز الخبيث من الطيب، فيجازى كل فريق بما يستحقه. قال ابن كثير: وفى صحيح البخارى ومسلم عن عائشة أن رسول الله وي طهر كان إذا قام من الليل يصلى يقول: ((اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)). وفى الدعاء المأثور: اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل واجعلنا للمتقين إماما(١). وبذلك نرى أن الآية قد بينت أن الناس لا يستغنون عن الدين الذى شرعه الله لهم على لسان رسله - عليهم الصلاة والسلام -، وأن الأشرار من الناس هم الذين يحملهم البغى على الاختلاف فى الحق بعد ظهوره لهم، أما الأخيار منهم فهم الذين اهتدوا بتوفيق الله وتيسيره إلى طريق الخير والصواب ﴿والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم). وبعد أن ذكر - سبحانه - حال الناس، واختلاف سفهائهم على أنبيائهم، واهتداء عقلائهم إلى الحق، عقب ذلك بدعوة المؤمنين إلى الاقتداء بمن سبقهم فى الصبر والثبات. فقال . - تعالى - : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللهِ ٢١٤ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ قَرِيبٌ قال القرطبى : قال قتادة والسدى وأكثر المفسرين : نزلت هذه الآية فى غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والحر والبرد وسوء العيش وأنواع الشدائد، وكانوا كما قال - تعالى -: ﴿إِذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر﴾. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٥٠. ٤٦٣ سورة البقرة وقيل نزلت فى حرب أحد، ونظيرها - فى آل عمران ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم .. ﴾ وقالت فرقة: نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدى المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله، وأسر قوم من الأغنياء النفاق فأنزل الله ذلك تطييبا لقلوبهم)) (١). وما ذكره المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة لا يمنع عمومها، وأنها تدعو المؤمنين فى كل زمان ومكان إلى التذرع بالصبر والثبات تأسيا بمن سبقهم من المتقين حتى يفوزوا برضوان الله - تعالى - ونصره. و﴿أم﴾ هنا يرى بعضهم أنها للاستفهام الإنكارى، ويرى بعض آخر أنها أم المتصلة، ويرى فريق ثالث أنها أم المنقطعة. قال الجمل: وحسب هنا من أخوات ظن تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وأن وما بعدها سادة مسد المفعولين عند سيبويه، ومسد الأول عند الأخفش والثانى محذوف، ومضارعها فيه وجهان: الفتح وهو القياس والكسر(٢). و﴿لما﴾ تدل على النفى مع توقع حصول المنفى بها، كما فى قول النابغة : أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد فنفى بلما ثم قال: وكأن قد، أى وكأنه قد زالت. و﴿البأساء﴾ ما يصيب الناس فى الأموال كالفقر. والضراء: ما يصيبهم فى الأنفس كالمرض مشتقان من البؤس والضر. و﴿زلزلوا﴾ من الزلزلة وهى شدة التحريك وتكون فى الأشخاص وفى الأحوال. فيقال : زلزلت الأرض، أى تحركت واضطربت، ومعنى زلزلوا : خوفوا وأزعجوا واضطربوا. والمعنى على أن ﴿أم﴾ للاستفهام الإنكارى: أظننتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإِيمان دون أن يصيبكم ما أصاب الذين سبقوكم من شدائد فى الأنفس والأموال، ومن مخاوف أزعجتهم وأفزعتهم حتى بلغ الأمر برسولهم وبالمؤمنين معه أن يقولوا وهم فى أقصى ما تحتمله النفوس البشرية من آلام : متى نصر الله؟ !! (١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٣٤. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٦٩. : . .. ٤٦٤ المجلد الأول لا - أيها المؤمنون - إنى أنهاكم أن تظنوا هذا الظن، وآمركم أن تتيقنوا من أن الظفر بدخول الجنة يستلزم منكم التأسى بمن سبقكم من المتقين فى الصبر والثبات. والمعنى على أن ﴿أم﴾ هنا هى المتصلة - أى المشعرة بمحذوف دل عليه الكلام -: قد خلت من قبلكم أمم أوتوا الكتاب واهتدوا إلى الحق فآذاهم الناس أذى شديدا فصبروا على ذلك أفتصبرون مثلهم على المكاره وتثبتون ثباتهم على الشدائد؟ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة دون أن يصیبکم ما أصابهم؟ والمعنى على أن ﴿أم﴾ هنا منقطعة - أى تدل على الإضراب والاستفهام معا - : لقد أوذيتم أيها المؤمنون فى سبيل دينكم أذى عظيما، فعليكم أن تصبروا وأن تثبتوا كما فعل الذين من قلبكم، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة دون ابتلاء وصبر .. أى: بل أحسبتم .. إن كان هذا هو حسبانكم فهو حسبان باطل لا ينبغى لكم. وقوله - تعالى -: ﴿مستهم البأساء .. ﴾ استئناف وقع جوابًا عما ينساق إليه الذهن، كأنه قيل : كيف مثل أولئك الذين خلوا ومضوا؟ فكان الجواب مستهم البأساء .. الخ. ومستهم أى : حلت بهم. وعبر بمستهم للإشعار بأن تلك الشدائد قد أصابتهم بالآلام التى اتصلت بحواسهم وأجسادهم ولكنها لم تضعف إيمانهم إذ حقيقة المس اتصال الجسم بجسم آخر. قال صاحب الكشاف: وقوله: ﴿وزلزلوا﴾ أى: أزعجوا إزعاجًا شديدًا شبيها بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والافزاع ((حتى يقول الرسول)) أى: إلى الغاية التى قال الرسول ومن معه فيها ﴿متى نصر الله﴾ أى بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك. ومعناه طلب النصر وتمنيه، واستطالة زمان الشدة. وفى هذه الغاية دليل على تناهى الأمر فى الشدة وتماديه فى العظم؛ لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية فى الشدة التى لا مطمع وراءها(١))). والمراد بالرسول - كما يقول الآلوسي - الجنس لا واحد بعينه. وقيل: شعياء، وقيل : أشعياء، وقيل اليسع. وعلى التعيين يكون المراد من الذين خلوا قوما بأعيانهم وهم أتباع هؤلاء الرسل (٢))). وقوله - تعالى -: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾ استئناف على تقدير القول. أى فقيل لهم حينما ٠٠ (١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٢٥٦. (٢) تفسير الآلوسي جـ ٢ صفحة ١٠٤. ٤٦٥ سورة البقرة التمسوا من الله النصر بعد تلك الشدائد والأهوال التى نزلت بهم: ألا إن نصر الله قريب. تطييبا لأنفسهم، وبعثا للآمال فى قلوبهم. ٠ وفى هذه الجملة الكريمة ألوان من المؤكدات والمبشرات بالنصر القريب، ويشهد لذلك التعبير بالجملة الاسمية بدل الفعلية فلم يقل - مثلا - ستنصرون والتعبير بالجملة الاسمية يدل على التوكيد. ويشهد لذلك أيضا تصدير الجملة بأداة الاستفتاح الدالة على تحقيق مضمونها وتقريره، ووقوع إن المؤكدة بعد أداة الاستفتاح، وإضافة النصر إلى الله القادر على كل شىء والذى وعد عباده المؤمنين بالنصر فقال، إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد )» : هذا، والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت للمؤمنين أن طريق الجنة محفوف بالمكاره، وصدق رسول الله وَّيه فى قوله: ((حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات)). وأنهم لكى يصلوا إلى الجنة عليهم أن يتأسوا بالسابقين فى جهادهم وصبرهم على الأذى، فقد اقتضت سنةٍ الله أن يجعل هذه الحياة نزالا موصولا بين الأخيار والأشرار، ونزاعا مستمرا بين الأطهار والفجار، وكثيرا ما يضيق البغاة على المؤمنين، وينزلون بهم ما ينزلون من صفوف الاضطهاد إلا أن الله - تعالى - قد تكفل بأن يجعل العاقبة للمتقين. ولقد حكى لنا التاريخ أن المؤمنين السابقين قد صبروا أجمل الصبر وأسماه فى سبيل إعلاء كلمة الله. : روى البخارى عن خباب بن الأرت - رضى الله عنه - قال: شكونا إلى رسول الله وَله وهو متوسد بردة له فى ظل الكعبة فقلنا : ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له فى الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون(١). وبذلك نرى أن السورة الكريمة من قوله - تعالى - ﴿ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا﴾ إلى هنا، قد بينت لنا أقسام الناس فى هذه الحياة، ودعت المؤمنين إلى أن يتمسكوا بجميع تعاليم الإِسلام، وأن يزهدوا فى زينة الحياة التى شغلت المشركين عن كل شىء سواها، . وأن يشكروا الله على هدايته إياهم إلى الحق الذى اختلف غيرهم فيه، وأن يوطنوا أنفسهم على . تحمل الآلام لكى يحقق الله لهم الآمال. (١) صحيح البخارى كتاب الإكراه. باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر جـ ٩ ص ٢٦ . ٤٦٦ المجلد الأول ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين بعد ذلك إلى أن مما يعينهم على دفع الأذى وعلى دحر أعدائهم أن يبذلوا أموالهم فى طاعة الله، وأن يعدوا أنفسهم للقتال فى سبيله فقال - تعالى - : يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قَلّ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْبَى وَالْسَلِينِ (٢١٥ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّاللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَّكُزُهُ لَّكُمْ وَعَسَىَّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمٌّ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّلَّكُمُّ ، يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَّمُونَ (٦ الْخَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرَبِهِ، وَاُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أُكْبُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبُ مِنَ الْقَتْلُّ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَّكُمْ حَتَّ ◌َرُدُوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُواْ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرُ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (١) إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٢١٨٠ اللَّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٤٦٧ سورة البقرة قال الألوسى: عن ابن جريج قال: سأل المؤمنون رسول الله وَ لل أين يضعون أموالهم فأنزل الله - تعالى - قوله: ﴿يسألونك ماذا ينفقون﴾. الآية. وعن ابن عباس قال: كان عمرو بن الجموح شيخًا كبيرًا وعنده مال كثير فقال يا رسول الله : بماذا نتصدق، وعلى من ننفق؟ فنزلت الآية. والمعنى : يسألك أصحابك يا محمد أى شىء ينفقونه من أصناف الأموال؟ قل لهم : ما أنفقتم من أموالكم فاجعلوه للوالدين قبل غيرهما ليكون أداء لحق تربيتهما ووفاء لبعض حقوقهما، وللأقربين وفاء لحق القرابة والرحم ولليتامى لأنهم فقدوا الأب الحانى الذى يسد عوزهم، والمساكين لفقرهم واحتياجهم، وابن السبيل لأنه كالفقير لغيبة ماله وانقطاعه عن بلده . قال الإِمام الرازى: فهذا هو الترتيب الصحيح الذى رتبه الله - تعالى - فى كيفية الإِنفاق. ثم لما فصل هذا النفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإِجمال فقال : ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم﴾ أى: وكل ما فعلمتوه من خير إما مع هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة الله وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم فيجازيكم احسن الجزاء عليه .. ))(١). وظاهر الآية - كما يقول الألوسى - أن السؤال عن المنفق فأجاب ببيان المصرف صريحا، لأنه أهم لأن اعتداد النفقة باعتباره. وأشار - سبحانه - إجمالا إلى بيان المنفق فإن قوله ﴿من خير﴾ يتضمن كونه حلالا إذ لا يسمى ما عداه خيرا، وإنما تعرض لذلك - أى لبيان المنفق عليه - وليس فى السؤال ما يقتضيه، لأن السؤال للتعلم لا للجدل، وحق المعلم فيه أن يكون كطبيب رفيق يتحرى ما فيه الشفاء، طلبه المريض أم لم يطلبه. ولما كانت حاجتهم إلى من ينفق عليه كحاجتهم إلى ما ينفق بين الأمرين، (وهذا كمن به صفراء فاستأذن طبيبا، فى أكل العسل فقال له: كله مع الخل). فالكلام إذًا من أسلوب الحكيم. ويحتمل أن يكون فى الكلام - أى فى كلام السائلين - ذكر المصرف - أيضًا - كما فى سؤال عمرو بن الجموح إلا أنه لم يذكره فى الآية للإِيجاز فى النظم تعويلا على الجواب، فتكون الآية جوابا لأمرين مسئول عنهما. والاقتصار فى بيان المنفق على الإِجمال من غير تعرض للتفصيل كما فى بيان المصرف للإشارة إلى كون الثانى أهم. وهل تخرج الآية بذلك عن كونها من أسلوب الحكيم أولا؟ قولان أشهرهما الثانى))(٢). (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ٢٦. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ١٠٥. ٤٦٨ المجلد الأول ولم يتعرض - سبحانه - هنا لبقية المحتاجين كالسائلين والغارمين إما اكتفاء بذكرهم فى مواضع أخرى، وإما بناء على دخولهم تحت عموم قوله - تعالى -: فى آخر الآية ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم﴾ فإنه شامل لكل خير واقع فى أى مصرف كان. قال الجمل و((ذا)) اسم موصول بمعنى الذى والعائد محذوف، و((ما)) على أصلها من الاستفهام ولذلك لم يعمل فيها يسألونك، وهى مبتدأ وذا خبره، والجملة محلها النصب بيسألون. والمعنى يسألونك أى الشىء الذى ينفقونه))(١). وقوله: ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم) تذييل قصد به الحض على فعل الخير، لأن المؤمن عندما يشعر بأن الله يرى عمله ويجازيه عليه بما يستحقه، يشجعه ذلك على الاستمرار فى عمل الخير. وإذا كان بعضنا يكثر من عمل الخير عندما يعلم أن شخصا ذا جاه يسره هذا العمل، فكيف يكون الحال عندما يعلم المؤمن التقى أن الذى يرى عمله ويكافئه عليه هو الله الذى لا تخفى عليه خافية، والذى يعطى من يشاء بغير حساب. قال بعض العلماء : وقد اختلف فى هذه الآية. فقيل إنها منسوخة بآية الزكاة وهى قوله - تعالى -: ﴿إنما الصدقات للفقراء .. ﴾. وقيل - وهو الأولى - إنها غير منسوخة، وهى لبيان صدقة التطوع فإنه متى أمكن الجمع فلا نسخ))(٢). وقوله : ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ حض لهم على بذل النفس فى سبيل إعلاء كلمة الله، بعد أن حضهم فى الآية السابقة على بذل المال. والكُره - بضم الكاف - بمعنى الكراهية بدليل قوله - تعالى - : ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا .. ﴾ أى أن القتال لشدة ويلاته، وما فيه من إزهاق الأرواح كأنه الكراهة نفسها فهو من وضع المصدر موضع اسم المفعول مبالغة، وقرئ وهو كره لكم - بفتح الكاف - فيكون فيه معنى الإكراه، لأن الكره بالفتح ما أكرهت عليه. وقيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الكراهية. ويرى كثير من المفسرين أن القتال إنما كان مكروها للنفوس لما فيه من التعرض للجراح وقطع الأطراف، وإزهاق الأرواح والإِنسان ميال بطبعه إلى الحياة، وأيضًا لما فيه من إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل، والحيلولة بين المقاتل وبين طمأنينته ونومه وطعامه، فهو مهما يكن أمره فيه ويلات وشدائد، ومشقات تتلوها مشقات، ولكن كون القتال مكروها للنفوس لا ينافى الإِيمان ولا يعنى أن المسلمين كرهوا فرضيته، لأن امتثال الأمر قد يتضمن مشقة، ولكن إذا (١) حاشية الجمل جـ ١ ص ١٧٠. (٢) تفسير آيات الأحكام جـ ١ ص ١١٤ لفضيلة الأستاذ محمد على السايس. ٦ ٤٦٩ سورة البقرة عرف الثواب هان فى جنبه اقتحام المشقات. ولا شك أن القتال فى سبيل الله - مع ما فيه من صعاب وشدائد - ستكون عاقبته العزة فى الدنيا، والسعادة فى الأخرى. ویری بعضهم أن کره المسلمین للقتال لیس سببه ما فیه من شدائد ومخاطر وتضحیات بدلیل أنهم كانوا يتنافسون خوض غمراته، وإنما السبب فى كراهيتهم له هو أن الإِسلام قد غرس فى نفوسهم رقة ورحمة وسلاما وحبا، وهذه المعانى جعلتهم يحبون مصابرة المشركين ويكرهون قتالهم أملا فى هدايتهم، ورجاء فى إيمانهم، ولكن الله - تعالى - كتب على المسلمين قتال أعدائهم لأنه يعلم أن المصلحة فى ذلك، فاستجاب المؤمنون بصدق وإخلاص لما فرضه عليهم ربهم . ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى ظاهر الآية، لأن القتال فريضة شاقة على النفس البشرية، بحسب الطبع والقرآن لا يريد أن ينكر مشقتها، ولا أن يهون من أمرها، ولا أن ينكر على النفس البشرية إحساسها الفطرى بكراهيتها، ولكنه يعالج الأمر من جانب آخر، بأن يقرر أن من الفرائض ما هو شاق ولكن وراءه حكمة تهون مشقته، وتسهل صعوبته، وتحقق به خيرًا مخبوءًا قد لا يراه النظر الإِنسانى القصير. وقد بين القرآن هذه الحكمة فى قوله ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم﴾. أى: وعسى أن تكرهوا شيئا كالقتال فى سبيل الله - تعالى - وهو خير لكم إذ فيه إحدى الحسنيين: إما الظفر والغنيمة - فى الدنيا مع ادخار الجزاء الأخروى وإما الشهادة والجنة، وعسى أن تحبوا شيئا كالقعود عن الجهاد وهو شر لكم فى الواقع لما فيه من الذل ووقوعكم تحت طائلة الأعداء. قال الفخر الرازى: معنى الآية أنه ربما كان الشىء شاقا عليكم فى الحال، وهو سبب للمنافع الجليلة فى المستقبل، ولأجله حسن شرب الدواء المرفى الحال لتوقع حصول الصحة فى المستقبل، وترك الجهاد، وإن كان يفيد - أى بحسب ظنكم - فى الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإِنفاق ولكن فيه أنواع من المضار منها : أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصد بلادكم وحاول قتلكم ... والحاصل أن القتال فى سبيل الله سبب لحصول الأمن من الأعداء فى الدنيا وسبب لحصول الثواب العظيم للمجاهد فى الآخرة .. ))(١). وقال القرطبى : والمعنى : عسى أن تكرهوا ما فى الجهاد من المشقة وهو خير لكم فى أنكم (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ٢٩. ٤٧٠ المجلد الأول تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ومن مات منكم مات شهيدا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم فى أنكم تغلبون ويذهب أمركم. وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق فى بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأى بلاد؟ !! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! ! ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته !! وقال الحسن فى معنى الآية : لا تكرهوا الملمات الواقعة؛ فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير : جر أمرًا ترتضيه رب أمر تتقيه وبدا المكروه فيه (١) خفى المحبوب منه وهذا الكلام الذى كتبه الإِمام القرطبى من مئات السنين يثير فى النفس شجونًا وآلامًا، فإن المسلمين ما هانوا وضعفوا إلا عند ما تركوا الجهاد فى سبيل الله، وتثافلوا إلى الأرض، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وآثروا متع الدنيا وشهواتها على الحياة العزيزة الكريمة. وقال الإِمام ابن كثير عند تفسيره للآية : هذا إيجاب من الله - تعالى - للجهاد على المسلمين وأن يكفوا شر الأعداء من حوزة الإِسلام. قال الزهرى : الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد. فالقاعد عليه إذا استعين به أن يعين، وإذا استغيث به أن يغيث، وإذا استنقر أن ينفر، ولهذا ثبت فى الصحيح ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزومات ميتة جاهلية، وقال: وَ اله يوم الفتح: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا))(٢). وقد أجمع العلماء على أنه إذا نزل العدو بساحة البلاد وجب القتال على كل المسلمين، كل على حسب قدرته. وقد ختم - سبحانه - هذه الآية الكريمة بقوله : ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ أى: والله يعلم ما هو خير لكم وما هو شر لكم فى الواقع وأنتم لا تعلمون ذلك، فبادروا إلى ما يأمركم به لأنه لا يأمركم إلا بما علم فيه خيرًا لكم، وانتهوا عما نهاكم عنه لأنه لا ينهاكم إلا عما هو شر لكم، ومفعولا يعلم وتعلمون محذوفان دل عليها ما قبلهما. أى: يعلم الخير والشر وأنتم لا تعلمونهما. والمقصود من هذه الجملة الكريمة الترغيب فى الجهاد، والامتثال لما شرعه الله - تعالى - سواء أعرفت حكمته أم لم تعرف، لأن العليم بالحكم والمصالح هو الله رب العالمين. (١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٣٩. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٥٢. ٤٧١ سورة البقرة وبذلك نرى أن القرآن الكريم لا ينكر على الناس مشاعرهم الطبيعية، وأحاسيسهم الفطرية من كراهية للقتال، ولكنه يربى نفوسهم على الاستجابة لأوامر الله العليم بالغايات المطلع على العواقب، الخبير بما فيه خيرهم ومصلحتهم، وبهذه التربية الحكيمة بذل المؤمنون نفوسهم وأموالهم فى سبيل رضا خالقهم عن طواعية واختيار، لا عن قسر وإجبار. وبعد أن حرض الله - تعالى - المؤمنين على بذل أموالهم وأنفسهم فى سبيله عقب ذلك ببيان حكم القتال فى الأشهر الحرم فقال - تعالى - : ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير﴾ ... إلخ. وقد ذكر كثير من المفسرين ومن أصحاب السير فى سبب نزول هذه الآية قصة ملخصها : أن النبى ◌ّيو بعث عبد الله بن جحش ومعه اثنا عشر رجلا كلهم من المهاجرين، وأعطاء كتابا مختوما وأمره ألا يفتحه إلا بعد أن يسير يومين، ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره به ولا يستكره أحدًا من أصحابه. فسار عبد الله يومين ثم فتح الكتاب فإذا فيه ((إذا نظرت فى كتابى هذا فامض حتى تنزل بنخلة - مكان بين مكة والطائف - فترصد بها عيرًا لقريش وتعلم لنا من أخبارهم)». فقال عبد الله: سمعا وطاعة !! وأخبر أصحابه بذلك وأنه لا يستكرههم فمن أحب الشهادة فيلنهض ومن كره الموت فليرجع فأما أنا فناهض! فنهضوا جميعًا، فلما كانوا فى أثناء الطريق أضل سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما يعتقبانه. فتخلفا فى طلبه، ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى وصلوا نخلة فمرت عير لقريش فى طريقها لمكة وكانت فى حراسة عمرو بن الخضرمى وعثمان بن المغيرة، وأخويه نوفل والحكم به كيسان. فتشاور المسلمون وقالوا: نحن فى آخر يوم من رجب. لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن فى الحرم فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم فى الشهر الحرام !! فترددوا وهابوا الإِقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، فرمى ((واقد بن عبد الله)) عمرو بن الحضرمى يسهم فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت منهم نوفل فأعجزهم. وقيل كان ذلك فى أول ليلة من رجب وقد ظنوها آخر ليلة من جمادى، فإقدامهم على ما أقدموا عليه كان على سبيل الخطأ. ثم أقبل عبد الله ومن معه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله وقد عزلوا من ذلك الخمس فأنكر رسول الله وسلّر ما فعلوه وقال لهم: ((ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام)) وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه القتال فى الشهر الحرام، واشتد ذلك على المسلمين، حتى أنزل الله تعالى قوله : ﴿يسألونك عن الشهر الحرام ٤٧٢ المجلد الأول قتال فيه قل قتال فيه كبير .. ﴾(١). والمعنى: يسألونك يا محمد عن حكم القتال فى الشهر الحرام، قل لهم. القتال فيه أمر كبير مستنكر، وذنب عظيم مستقبح، لأن فيه اعتداء على الشهر الحرام المقدس، وانتهاك لمحارم الله - تعالى -. والسائلون قيل هم المؤمنون؛ وقد سألوا عن حكم ذلك على سبيل التعليم والتماس المخرج لما حصل منهم. وقيل هم المشركون وسؤالهم على سبيل التعبير للنبى ﴾ وأصحابه، حيث أقدم بعضهم وهو عبد الله ومن معه على القتال فيه فرد الله عليهم بأن القتال فيه كبير ولكن ما فعله هؤلاء المشركون من صد عن سبيل الله وكفر به ... الخ أكبر من ذلك بكثير. فالجواب تشريع إن كان السؤال من المسلمين. وتبكيت وتوبيخ إن كان من المشركين، لأنهم توقعوا أن يجيبهم بإباحة القتال فيه فيثيروا الشبهات حول الإِسلام والمسلمين، فلما أجابهم بأن القتال فيه كبير وأن ما فعلوه من جرائم فى حق المسلمين أكبر وأعظم كبتوا وألقموا حجرًا. والمراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم جميعها وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وسميت بذلك لحرمة القتال فيها، فأل فى الشهر للجنس. وقيل للعهد والمراد بالشهر الحرام شهر رجب الذى حدثت فيه قصة عبد الله بن جحش وأصحابه. وقوله ((قتال فيه)) بدل اشتمال من الشهر الحرام، و﴿قتال﴾ مبتدأ و﴿كبير﴾ خبر و﴿فيه﴾ ظرف صفة لقتال مخصصة له . قال الإِمام الرازى: فإن قيل: لم نكر القتال فى قوله - تعالى - : ﴿قتال فيه﴾ ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجىء باللام حتى يكون المذكور الثانى هو الأول، لأنه لولم يكن كذلك كان المذكور الثانى غير الأول كما فى قوله - تعالى -: ﴿فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا﴾ . قلنا : نعم ما ذكرتم من أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثانى غير الأول. والقوم أرادوا بقولهم: ((يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه)) ذلك القتال المعين الذى أقدم عليه عبد الله وأصحابه فقال - تعالى -: ﴿قل قتال فيه كبير﴾. وفيه تنبيه على أن القتال الذى يكون كبيرًا ليس هو القتال الذى سألتم عنه؛ بل هو قتال آخر؛ لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإِسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر؟ إنما القتال الكبير هو الذى يكون الغرض فيه هدم الإِسلام وتقوية الكفر؛ فكان اختيار التنكير فى اللفظين لأجل هذه الدقيقة. ولو أنه (١) تفسير بن كثير - بتصرف وتلخيص - جـ ١ ص ٢٥٤، وسيرة ابن هشام جـ ٢ ص ٢٤٠. ٤٧٣ سورة البقرة وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة. فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب - بل تحت كل حرف منه - سر لطيف لا يهتدى إليه إلا أولو الألباب))(١). ثم أخذ القرآن يعدد على المشركين جرائمهم التى كل جريمة منها أكبر من القتال فى الشهر الحرام الذى فعله المؤمنون لدفع الضرر عن أنفسهم أو لجهلهم بالميقات فقال - تعالى - : ﴿وصد عن سبيل الله، وكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند الله﴾. أى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين نحن نوافقكم على أن القتال فى الشهر الحرام كبير، ثم قل لهم أيضًا على سبيل التوبيخ إن ما فعلتموه أنتم من صرفكم المسلمين عن طاعة الله وعن الوصول إلى حرمه، ومن شرككم بالله فى بيته، ومن إخراجكم لأهله منه أعظم وزرا عند الله من القتال فى الشهر الحرام. فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين بسبب ما وقع من عبد الله بن جحش ومن معه، وتبكيت المشركين على جرائمهم التى أولها يتمثل فى قوله . تعالى -: ﴿وصد عن سبيل الله﴾ أى: منع من يريد الإِسلام من دخوله، وابتدأ - سبحانه - ببيان صدهم عن سبيله للإشارة إلى أنهم يعاندون الحق فى ذاته. وثانيها قوله : ﴿وكفر به﴾ أى: كفر بالله - تعالى - وهو معطوف على ما قبله. وثالثها قوله : ﴿والمسجد الحرام) وهو معطوف على سبيل الله أى: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام بمنعهم المؤمنين من الحج والاعتمار. ورابعها قوله: ﴿وإخراج أهله منه﴾ أى: وإخراج النبى - رَليز - وأصحابه من مستقرهم حول المسجد الحرام بمكة وهم القائمون بحقوقه، كل ذلك ((أكبر)) جرما، وأعظم إثما ((عند الله)) من القتال فى الشهر الحرام. قال الجمل: فقوله ((أكبر)) خبر عن الثلاثة أعنى: صد وكفر وإخراج وفيه حينئذ احتمالان : أحدهما : أن يكون خبرًا عن المجموع. وثانيهما : أن یکون خبرا عنها باعتبار كل واحد كما تقول : زيد وبكر وعمرو أفضل من خالد أى: كل واحد منهم على انفراده أفضل من خالد، وهذا هو الظاهر. والمفضل عليه محذوف أى: أكبر مما فعلته السرية))(٢). (١) تفسير الفخر الرازى جـ٦ ص ٣٢. (٢) تفسیر الجمل جـ١ ص ١٧٣ . ١ i ٤٧٤ المجلد الأول ثم أضاف - سبحانه - إلى جرائمهم السابقة جريمة خامسة فقال : ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾ أى: ما فعله المشركون من إنزال الشدائد بالمؤمنين تارة بإلقاء الشبهات وتارة بالتعذيب ليحملوهم على ترك عقيدتهم أكبر إثما من القتل فى الشهر الحرام، لأن الفتنة عن الدين تفضى إلى القتل الكثير فى الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم فى الآخرة. وقيل المراد بالفتنة هنا الكفر. أى: كفركم بالله أكبر من القتل فى الشهر الحرام. وأصل الفتنة : عرض الذهب على النار، لاستخلاصه من الغش، ثم استعملت فى الشرك وفى الامتحان بأنواع الأذى والاضطهاد. ويعزى إلى عبد الله بن جحش أنه قال ردا على المشركين عندما قالوا : استحل محمد وأصحابه القتال فى الشهر الحرام. وأعظم منه لويرى الرشد راشد تعدون قتلا فى الحرام عظيمة وكفر به، والله راء وشاهد صدودكم عما يقول محمد لئلا يرى الله فى البيت ساجد وإخراجكم من مسجد الله أهله وأرجف بالإِسلام باغ وحاسد فإنا وإن عيَّرَ تُمونا بقتله بنخلة لما أوقد الحرب واقد سقينا من ابن الحضرمى رماحنا ينازعه غل من القد عاند دمًا، وابن عبد الله عثمان بيننا وقوله - تعالى -: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾ بيان لشدة عداوة الكفار للمؤمنين ودوامها. أى: ولا يزال المشركون يقاتلونكم أيها المؤمنون ويضمرون لكم السوء ويداومون على إيذائكم لكى يرجعوكم عن دين الإِسلام إلى الكفر إن استطاعوا ذلك وقدروا عليه. والتعبير بقوله ((ولا يزالون)) المفيد للدوام والاستمرار للإشعار بأن عداوة المشركين للمسلمين لا تنقطع، وأنهم لن يكفوا عن الإعداد لقتالهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فعلى المؤمنين ألا يغفلوا عن الدفاع عن أنفسهم. و﴿حتى﴾ للتعليل أى: ﴿لا يزالون يقاتلونكم لكى يردوكم عن دينكم) أو بمعنى إلى، أى: إلى أن يردوكم عن دينكم. والرد: الصرف عن الشىء والإِرجاع إلى ما كان عليه قبل ذلك : فغاية المشركين أن يردوا المسلمين بعد إيمانهم كافرين. وقوله : ﴿إن استطاعوا﴾ يدل - كما يقول الزمخشرى - على استبعاد استطاعتهم رد المسلمين ٤٧٥ سورة البقرة عن دينهم، وذلك كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بى فلا تبق على. وهو واثق من أنه لن يظفر به. ويشهد لذلك التعبير بإن المفيدة للشك. وفائدة التقييد بالشرط ((إن)) التنبيه على سخافة عقول المشركين، وكون دوام عداوتهم للمؤمنين لن تؤدى إلى النتيجة التى يتمنونها وهی رد المسلمین عن دینهم، لأن هذا الدین ربا يحميه، وأتباعه يفضلون الموت على الرجوع عنه. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يرتد عن الإسلام فقال : ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ . ويرتدد يفتعل من الرد وهو الرجوع عن دينه إلى الكفر. و﴿حبطت أعمالهم﴾ أى: بطلت وفسدت وأصله من الحبط، بفتح الباء - وهو أن تأكل الدابة أكلا كثيرًا تنتفخ معه بطونها فلا تنتفع بما أكلت ويفسد حالها وربما تموت من ذلك. شبه - سبحانه - حال من يعمل الأعمال الصالحة ثم يفسدها بارتداده فتكون وبالا عليه، بحال الدابة التى أكلت حتى أصابها الحبط ففسد حالها. والمعنى: ومن يرتدد منكم عن دين الإِسلام، فيمت وهو كافر دون أن يعود إلى الإِيمان، فأولئك الذين ارتدوا وماتوا على الكفر بطلت جميع أعمالهم الصالحة، وصارت غير نافعة لهم لا فى الدنيا بسبب انسلاخهم عن جماعة المسلمين، ولا فى الآخرة بسبب ردتهم وموتهم على الكفر، وأولئك الذين هذا شأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون خلودًا أبديًا كسائر الكفرة، ولا يغنى عنهم إيمانهم السابق على الردة شيئًا. وجىء بصيغة الافتعال من الردة وهى مؤذنة بالتكلف، للإشارة إلى أن من باشر الدين الحق وخالطت بشاشته قلبه كان من المستبعد عليه أن يرجع عنه، فهذا المرتد لم يكن مستقرًا على هذا الدين الحق وإنما كان قلقًا مضطربًا غير مستقر حتى انتهى به الأمر بموته على الكفر لتكلفه الدخول فى الدين الحق دون الثبات عليه. وفى قوله: ﴿منكم﴾ إشعار بأنه لا يتصور أن تتحقق بغية المشركين وهى أن يردوا المسلمين جميعًا عن دينهم. بل أقصى ما يتصوره العقلاء أن ينالوا ضعيف الإيمان فیردوه إلی دینهم، فيكون الله - تعالى - قد نفى خبثه عن هذا الدين، إذ لا خير فى هؤلاء المشركين ولا فيمن عاد إليهم بعد إيمانه، والكل مأواهم النار وبئس القرار. قال الجمل: ومن شرطية فى محل رفع بالابتداء، يرتدد فعل الشرط، ومنكم متعلق ٤٧٦ المجلد الأول بمحذوف لأنه حال من الضمير المستكن فى يرتدد؛ ومن للتبعيض، والتقدير: ومن يرتدد فى حال كونه كائنًا منكم أى بعضكم، وعن دينه متعلق بيرتدد، وقوله فيمت وهو كافر عطف على الشرط والفاء مؤذنة بالتعقيب، وقوله: ﴿وهو كافر) جملة حالية من ضمير يمت. وقوله : فأولئك جواب الشرط. وقوله : وأولئك أصحاب النار مستأنف لمجرد الإخبار بأنهم أصحاب النار أو معطوف على جواب الشرط .. ))(١). وفى الإِتيان باسم الإشارة ((أولئك)) فى الموضعين تنبيه إلى أنهم أحرياء بتلك العقوبات الأليمة بسبب ردتهم وموتهم على الكفر. وفى التنصيص على حبوط أعمالهم فى الدنيا والآخرة زيادة مذمة لهم، فهم فى الدنيا - بسبب ردتهم - تسلب عنهم آثار كلمة الشهادتين من حرمة الأنفس والأموال والأعراض والصلاة عليهم بعد الموت، والدفن فى مقابر المسلمين، ومن طلاق زوجته المسلمة منه ومن عدم التوارث إلى غير ذلك من حقوق المسلمين، أما فى الآخرة فشأنهم شأن الكافرين فى ملازمتهم للنار. هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة. ١ - حرمة القتال فى الشهر الحرام، والجمهور على أن هذا الحكم منسوخ، وأنه لا حرج فى قتال المشركين فى الأشهر الحرم لقوله - تعالى - : ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ فإن المراد بالأشهر الحرم هنا: هى أشهر العهد الأربعة التى أبيح للمشركين السياحة فيها فى الأرض، لا الأشهر الحرم الأربعة المعروفة، فالتقييد بها يفيد أن قتلهم بعد انسلاخها مأمور به فى جميع الأزمنة والأمكنة. وأيضًا لأن الرسول وَ ل# غزا هوازن وثقيف وأرسل بعض أصحابه إلى أوطاس ليحارب من فيها من المشركين، وكان ذلك فى بعض الأشهر الحرم، ولو كان القتال فيهن حراما لما فعله النبى ◌َلقر. قال الألوسى: وخالف عطاء فى ذلك، فقد روى عنه أنه سئل عن القتال فى الشهر الحرام فحلف بالله - تعالى - ما يحل للناس أن يغزوا فى الحرم ولا فى الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه وجعل ذلك حكما مستمرًا إلى يوم القيامة، والأمة اليوم على خلافه فى سائر الأمصار))(٢). وقد رجح بعض العلماء ما ذهب إليه عطاء فقال : ومهما يكن فإن القتال فى الأشهر الحرم حرام فى حال الاختيار والابتداء فلا يصح البدء بالغزو فيه. ولقد قال جابر : كان رسول الله وسيلة لا يقاتل فى الشهر الحرام إلا أن يُغزَى أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٧٤ . (٢) تفسير الآلوسي جـ ٢ ص ١٠٨. ٤٧٧ سورة البقرة ولقد قال بعض العلماء: إن تحريم القتال فى الشهر الحرام منسوخ بقوله - تعالى - : ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ وبقتال النبى وتر أهل الطائف فيه. والحقيقة أنه لم يثبت ناسخ صريح فى النسخ فإن قوله - تعالى -: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ العموم فيه بالنسبة للمقاتلين لا بالنسبة لزمان القتال، وأن النبى وَله لم يبتدىء قتالا فى الشهر الحرام مختارًا قط، والتحريم فى الاختيار والابتداء كما بينا لا فى البقاء والاضطرار، لذا قال - سبحانه -: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾، ولأن الأشهر الحرم نص عليها فى خطبة الوداع وكل ما جاء فيها غير منسوخ))(١). ٢ - كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من الآية أن الردة تحبط العمل فى الدنيا سواء أمات المرتد على كفره أم عاد إلى الإِسلام قبل موته بدليل قوله - تعالى - فی آية أخرى ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ فقد علق الحبوط بمجرد الشرك، والخطاب وإن كان للنبى وصديقه فالمراد أمته لاستحالة الشرك عليه. وعلى هذا الرأى سار المالكية والأحناف. ويرى الشافعية أن الردة تحبط العمل فى الدنيا متى مات المرتد كافرًّا، لأن الآية تقول : ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ ويظهر أثر الخلاف فيمن حج مسلما، ثم أرتد ثم أسلم، فالأحناف والمالكية يوجبون عليه إعادة الحج لأن الردة أحبطت حجه. والشافعية يقولون : لا حج عليه لأن حجه قد سبق والردة لا تحبط العمل إلا إذا مات الشخص كافرًا. ولكل فريق أدلته المبسوطة فى كتب الفقه. وبعد أن بين - سبحانه - عاقبة من يرتد عن دينه أتبع ذلك ببيان عاقبة المؤمنين الصادقين فقال - تعالى -: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، أولئك يرجون رحمة الله، والله غفور رحيم﴾. قال الإِمام الرازى: فى تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أن عبد الله بن جحش قال: يارسول الله: هب أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا، فهل نطمع منه أجرًا وثوابًا؟ فنزلت الآية، لأن عبد الله كان مؤمنًا وكان مهاجرًا، وكان مجاهدًا بسبب هذه المقاتلة. وفى الثانى : أنه تعالى لما أوجب الجهاد قبل بقوله: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ (١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام السنة الخامسة: العدد العاشر ص ٥٩٩. ٤٧٨ المجلد الأول وبين أن تركه سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به وجزاؤه فقال : ﴿إن الذين آمنوا، والذين هاجروا﴾ ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد))(١). والمعنى : إن الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، واستقاموا على طريق الحق، وأذعنوا لحكمه، واستجابوا لأوامر الله ونواهيه: ﴿والذين هاجروا﴾ أى: تركوا أموالهم وأوطانهم من أجل نصرة دينهم: ﴿وجاهدوا فى سبيل الله﴾ لإِعلاء كلمته ﴿أولئك﴾ الموصوفون بتلك الصفات الثلاثة ﴿يرجون رحمة الله﴾. أى: يؤملون تعلق رحمته - تعالى - بهم، أو ثوابه على أعمالهم ﴿والله غفور رحيم﴾ أي: واسع المغفرة للتائبين المستغفرين، عظيم الرحمة بالمؤمنين المحسنين. قال القرطبى: ((والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع، والقصد ترك الأول إيثارا للثانى. والهجرة ضد الوصل، والاسم الهجرة. وجاهد مفاعله من جهد إذا استخرج الجهد. والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود، والجهاد - بالفتح - الأرض الصلبة. وإنما قال ﴿يرجون﴾ وقد مدحهم، لأنه لا يعلم أحد فى هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ فى طاعة الله كل مبلغ لأمرين : أحدهما : أنه لا يدرى بماذا ختم له. والثانى: لئلا يتكل على عمله، والرجاء أبدًا معه خوف كما أن الخوف معه رجاء))(٢). وجىء بهذه الأوصاف الثلاثة مترتبة على حسب الواقع إذالإِيمان يكون أولا ثم المهاجرة من أرض الظالمين إذا لم يستطع دفع ظلمهم، ثم الجهاد من أجل إعلاء كلمة الحق. وأفرد الإِيمان بموصول وحده لأنه أصل الهجرة والجهاد، وجمع الهجرة والجهاد فى موصول واحد لأنهما فرعان عنه. وبذلك نرى أن هذه الآية الكريمة قد دعت المؤمنين إلى بذل أموالهم وأنفسهم فى سبيل نصرة الحق بأحكم أسلوب، وبرأتهم مما أثاره المشركون حولهم من شبهات، وحذرتهم من السير فى طريقهم، وبشرتهم بحسن العاقبة متى استجابوا لتعاليم دينهم، واعتصموا بحبله. وبعد هذا الحديث الجامع عن البذل والتضحية، ساق القرآن فى آيتين ثلاثة أسئلة وأجاب عنها بما يشفى الصدور، ويصلح النفوس. 3 (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢ ص ٤١. (٢) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٥١. ٤٧٩ سورة البقرة فقال تعالى : يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًا وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَنَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ ( (٢١٩ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَى قُلْ إِصْلَامٌ لَّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّاللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٢٠ قوله: ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر﴾ .. السائلون هم المؤمنون وسؤالهم إنما هو عن الحكم الشرعى من حيث الحل والتحريم. لا عن الحقيقة والذات فإنهم يعرفون حقيقة الخمر والميسر وذاتهما . قال القرطبى : والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها - وكل شىء غطى شيئًا فقد خمره. ومنه ((خمروا آنيتكم، فالخمر تخمر العقل، أى: تغطيه وتستره .. فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك، وقيل إنما سميت الخمر خمرا؛ لأنها تركت حتى أدركت كما يقال: قد اختمر العجين، أى: بلغ إدراكه. وخمر الرأى ترك حتى يتبين فيه الوجه. وقيل: إنما سميت الخمر خمرًا لأنها تخالط العقل من المخامرة وهى المخالطة ومنه قولهم : دخلت فى خمار الناس - بفتح الخاء وضمها - أى: اختلطت بهم. فالمعانى الثلاثة متقاربة. فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت، ثم خالطت العقل. ثم خمرته، والأصل الستر(١). ويرى كثير من العلماء أن هذه الآية هى أول آية نزلت فى الخمر. ثم نزلت الآية التى فى سورة النساء ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ ثم نزلت الآية التى فى سورة المائدة ﴿يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾. (١) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٥١. : ٤٨٠ المجلد الأول والدليل على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عمر بن الخطاب أنه قال ((اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا)) فنزلت هذه الآية ﴿يسألونك عن الخمر﴾ فدعى عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا)). فنزلت الآية التى فى النساء ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فكان منادى رسول الله وَل﴿ إذا أقام الصلاة - نادى أن: لا يقربن الصلاة سكران. فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: ((اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا)). فنزلت الآية التى فى المائدة، فدعى عمر فقرئت عليه، فلما بلغ ﴿فهل أنتم منتهون﴾ قال عمر: ((انتهينا))(١). وبهذا الرأى قال ابن عمر والشعبى ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أُسلم . ويرى بعض العلماء أن أول آية نزلت فى الخمر هى قوله - تعالى - فى سورة النحل : ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا﴾. وعلى هذا الرأى سار صاحب الكشاف وتبعه بعض العلماء، فقد قال : نزلت فى الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله - تعالى -: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقا حسنا﴾ فكان المسلمون يشربونها وهى حلال لهم. ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا : يارسول الله، أفتنا فى الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت: ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ فشربها قوم وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم فشربوا وسكروا فقام بعضهم يصلى فقرأ: قل يأيها الكافرون أعبدما تعبدون فنزلت : ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فقل من يشربها ثم دعا عتبان بن مالك قومًا فيهم سعد بن أبى وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا شعرا فيه هجاء للأنصار فضرب أحد الأنصار سعدًا بلحى بعير فشجه، فشكا إلى رسول الله وَ لقر ذلك. فقال عمر: اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا فنزلت ((إنما الخمر والميسر .. إلخ الآية)) .. فقال عمر: انتهينا يارب))(٢). وأصحاب الرأى الأول يقولون : إن آية سورة النحل وهى قوله - تعالى -: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ ليس لها علاقة بموضوع الخمر، ويفسرون السكر بأنه ما أحله الله مما لا يسكر وأنه هو الرزق الحسن وأن العطف بينهما من باب عطف التفسير. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٢٥٦. (٢) تفسير الكشاف فى جـ١ صفحة ٢٥٩.