Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ سورة البقرة والصفة الثانية من صفات هذا النوع المنافق من الناس بينه القرآن بقوله ﴿ويشهد الله على ما فى قلبه﴾ أى: يقرن معسول قوله، وظاهر تودده، بإشهاد الله على أن ما فى قلبه مطابق لما يجرى على لسانه. وكأن هذا النوع المنافق قد رأى من الناس تشككًا فى قوله، لأن من عادة المنافقين أن يبدو من فلتات لسانهم ما يدل على ما هو مخبوء فى نفوسهم فأخذ يوثق قوله بالأيمان الباطلة بأن يقول لمن ارتاب فيه : الله يشهد أنى صادق فيما أقول .. إلى غير ذلك من الأقوال التى يقصد بها تأكيد قوله وصدقه فيما يدعيه، فالمراد بإشهاد الله : الحلف به أن ما فى قلبه موافق لقوله. وجملة ﴿ويشهد الله﴾ حالية أو مستأنفة أو معطوفة على قوله ﴿يعجبك﴾. وقوله - تعالى -: ﴿وهو ألد الخصام﴾ صفة ثالثة من صفات هذا النوع من الناس. قال القرطبى : الألد : الشديد الخصومة والعداوة .. ولددته - بفتح الدال - الده - بضمها - إذا جادلته فغلبته. والألد مشتق من اللديدين وهما صفحتا العنق، أى : فى أى جانب أخذ من الخصومة غلب. والخصام فى الآية مصدر خاصم. وقيل جمع خصم كصعب وصعاب. والمعنى، أشد المخاصمين خصومة، وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله وَ له ((إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم))(١). أى: إن هذا النوع من الناس يثير الإعجاب بحسن بيانه، ويضللهم بحلاوة لسانه، ويحلف بالأيمان المغلظة أنه لا يقول إلا الصدق، ويجادل عما يقوله بالباطل بقوة وعنف ومغالبة، فهو بعيد عن طباع المؤمنين الذين إذا قالوا صدقوا، وإذا جادلوا اتبعوا أحسن الطرق وأهداها. ثم وصفه الله - تعالى - بصفة رابعة فقال: ﴿وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾. تولى : من التولية بمعنى الإِدبار والانصراف، ومتعلق تولى محذوف تقديره : تولى عنك. وسعى : من السعى وهو المشى السريع وهو مستعار هنا لإيقاع الفتنة والتخريب. والفساد كما قال الراغب - خروج الشىء عن الاعتدال قليلا كان الخروج عنه أو كثيرًا، ويضاده الصلاح يقال فسد فسادًا وفسودًا إذا خرج عن الاستقامة(٢). والحرث : مصدر يحرث، أى: أثار الأرض لإِعدادها للزراعة، ثم أطلق وأريد به المحروث وهو الأرض، ثم أطلق وأريد به ما يترتب على ذلك من الزروع والثمار وهو المراد هنا. (١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ١٦. (٢) المفردات فى غريب القرآن ص ٣٧٩ للراغب الأصفهانى. ٤٤٢ المجلد الأول والنسل : كما يقول القرطبى - ما خرج من كل أنثى من ولد. وأصله الخروج والسقوط، ومنه نسل الشعر ينسل إذا سقط. ومنه ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون﴾ أى: يخرجون مسرعين. والمعنى : وإذا أعرض عنك هذا النوع من الناس وولاك دبره أسرع فى الإِفساد بينهم، وتفريق كلمتهم، وإتلاف كل ما يقع تحت يده من الزروع والثمار والحيوان وما به قوام الحياة والأحياء. فإهلاك الحرث والنسل كناية عن إتلافه لما به قوام أحوال الناس ومعيشتهم، وعن إيذائه الشديد لهم. وبعض العلماء يرى أن ((تولى)) مشتق من الولاية: يقال: ولى البلد وتولاه، أى صار واليًا له، أميرًا عليه. والمعنى على هذا الرأى. وإذا صار - هذا النوع من الناس - واليًا على قوم اجتذبهم إليه ببريق قوله، وبمعسول لفظه، وبأيمانه الفاجرة، ومجادلته الباطلة، حتى إذا ما التف الناس حوله سعى بينهم بالفساد، وعمل على تقاطعهم وتباغضهم، وحكم فيهم بالباطل، ظنًا منه أن هذا الخلق وذلك السلوك سيجعلهم دائمًا طوع إرادته. قال الإِمام الرازى: والقول الأول أقرب إلى نظم الآية، لأن المقصود بيان نفاق هذا النوع من الناس، وهو أنه عند الحضور يقول الكلام الحسن ويظهر المحبة، وعند الغيبة يسعى فى إيقاع الفتنة والفساد(١). وقوله ﴿والله لا يحب الفساد﴾ أى لا يرضى عن الذى منه الإِفساد فى الأرض، ويظهر للناس الكلام الحسن وهو يبطن لهم الفعل السىء، لأنه - سبحانه - أوجد الناس ليصلحوا فى الأرض لا ليفسدوا فيها. فالجملة الكريمة تحذير منه - سبحانه - للمفسدين، ووعيد لهم على خروجهم عن طاعته . أما الصفة الخامسة لهذا النوع من الناس فهى قوله - تعالى -: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإِثم﴾. أى: وإذا قيل لهذا المنافق على سبيل النصح والإرشاد اتق الله واترك ما أنت فيه من نفاق وخداع وخروج عن طاعة الله، استولت عليه العزة - أى حمية الجاهلية - مقترنة بالإِثم ومصاحبة له، فهى ليست العزة المحمودة ولكنها الكبرياء المبغوضة. والباء على هذا المعنى للمصاحبة والاقتران. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٢١٩. ٠ ٤٤٣ سورة البقرة قال الجمل. والباء على هذا تكون فى محل نصب على الحال وفيها حينئذ وجهان : أحدهما : أن تكون حالا من العزة أى ملتبسة بالإِثم والثاني: أن تكون حالا من المفعول. أى، أخذته حال كونه ملتبسا بالإِثم، وفى قوله العزة بالإِثم التتميم وهو نوع من علم البديع، وهو عبارة عن إرداف الكلمة بأخرى ترفع عنها اللبس وتقربها من الفهم، وذلك أن العزة تكون محمودة ومذمومة فمن مجيئها محمودة قوله - تعالى - : ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ فلو أطلقت لتوهم فيها بعض من لا دراية له أنها محمودة، فقيل بالإِثم توضيحًا للمراد فرفع اللبس، ويجوز أن تكون الباء للتعدية - وهو قول الزمخشرى - فإنه قال : أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه. أى: حملته العزة التى فيه وحمية الجاهلية على الإِثم الذى ينهى عنه وألزمته ارتكابه، ويجوز أن تكون للسببية بمعنى أن إثمه كان سببًا لأخذ العزة له))(١). أى: استولت عليه حمية الجاهلية بسبب الإِثم الذى استحوذ على قلبه فأنساه كل ما يوصل إلى الصلاح والاستقامة. و((ال)) فى العزة للعهد. أى: العزة المعهودة المعروفة عند أهل الجاهلية التى تمنع صاحبها من قبول النصيحة. قال الأستاذ الإمام محمد عبده مرجحًا ما ذهب إليه من أن ((تولى)) بمعنى الولاية والإِمارة: ((وهذا الوصف ظاهر جدًّا فى تفسير التولى بالولاية والسلطة، فإن الحاكم الظالم المستبد يكبر عليه أن يرشد إلى مصلحة، أو يحذر من مفسدة، لأنه يرى أن هذا المقام الذى ركبه وعلاه يجعله أعلى الناس رأيًا وأرجحهم عقلا، بل الحاكم المستبد الذى لا يخاف الله - تعالى - يرى نفسه فوق الحق كما أنه فوق أهله فى السلطة، فیجب أن یکون أفن رأيه خيرًا من جودة آرائهم، وإفساده نافذًا مقبولا دون إصلاحهم، فكيف يجوز لأحد منهم أن يقول له: اتق الله فى كذا ... ))(٢). ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من هذه صفاته فقال: ﴿فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾. الفاء هنا للإفصاح، لأنها تفصح عن شرط محذوف تقديره: إذا كانت هذه حالة المعرض عن النصح أنفة وتكبرًا ﴿فحسبه جهنم﴾ أى: كافيه جهنم جزاء له ﴿ولبئس المهاد﴾ أى: ولبئس الفراش الذى يستقر عليه بسبب غروره وفجوره. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٦٤. (٢) تفسير المنار جـ ٢ ص ٢٥١ . ٤٤٤ المجلد الأول وقوله : ﴿فحسبه جهنم﴾ جملة من مبتدأ وخبر، وقوله ﴿ولبئس المهاد﴾ جواب قسم مقدر. أى: والله. والمخصوص بالذم محذوف لظهوره وتعينه وهو جهنم. والمهاد جمع مهد وهو المكان المهيأ للنوم، والتعبير عن جهنم بالمهاد من باب التهكم والاستهزاء بهذا النوع المغرور المفسد من الناس هذا وقد أورد بعض المفسرين روايات فى سبب نزول هذه الآيات منها أنها نزلت فى الأخنس ابن شريق الثقفى أقبل على النبى صل فأظهر الإِسلام وزعم أنه يحبه وأقسم بالله على ذلك، غير أنه كان منافقًا خبيث الباطن، فخرج من عند النبى وَّر فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل بعض الماشية فنزلت. قال الإِمام الرازى ما ملخصه بعد أن ساق هذه الرواية وغيرها : واختيار أكثر المحققين من المفسرين أن هذه الآيات عامة فى حق كل من كان موصوفا بهذه الصفات المذكورة ... ولا يمتنع أن تنزل الآية فى الرجل ثم تكون عامة فى كل من كان موصوفا بتلك الصفات، ونزولها على السبب الذى حكيناه لا يمنع من العموم، بل نقول فيها ما يدل على العموم وهو من وجوه . أحدها : أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية، فلما ذم الله - تعالى - قومًا وصفهم بصفات توجب استحقاق الذم، علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك الصفات، فيلزم أن كل من كان موصوفا بتلك الصفات أن يكون مستوجبًا للذم. وثانيها : أن الحمل على العموم أكثر فائدة، وذلك لأنه يكون زجرًا لكل المكلفين عن تلك الطريقة المذمومة. وثالثها : أن هذا أقرب إلى الاحتياط، لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل فيه ذلك الشخص، وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم فى غيره، فثبت بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى))(١). هذا، وفى هذه الآيات الكريمة زجر شديد ووعيد أليم للمنافقين الذين يقولون بأفواههم ماليس فى قلوبهم ويفسدون فى الأرض ولا يصلحون، ويكادون يسطون بالذين ينصحونهم ويتلون عليهم آيات الله لأن المنافقين ما کثروا فی أمة إلا وجعلوا بأسها بينها شديدا، روى ابن جرير عن نوف البكالى قال: إنى لأجد صفة ناس من هذه الأمة فى كتاب الله المنزل : قوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس (١) تف ر الفخر الرازى جـ ٥ ص ٢١٦. ٤٤٥ سورة البقرة مسوك - أى جلود - الضأن وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله - تعالى - فعلى يجترثون وبى يغترون، حلفت بنفسى لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم حيران)). قال ابن كثير: قال القرظى الذى روى هذا القول عن نوف : تدبرت هذه الصفات فى القرآن فإذا هى فى المنافقين ووجدتها فى قوله - تعالى - ﴿ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا﴾(١). والحق أنه ما ابتليت أمة بتفشى هذا النوع من الناس فيها إلا فسد حالها وهان شأنها وكانت عاقبة أمرها خسرا. أما النوع الثانى من الناس وهم الأخيار الصادقون فقد عبر عنهم القرآن بقوله - تعالى - : ﴿ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رءوف بالعباد﴾. ﴿يشرى نفسه﴾ أى: يبيعها ببذلها فى طاعة الله وإعلاء كلمته، وتحقيقه أن المكلف قد بذل نفسه بمعنى أنه أطاع الله - تعالى - وحافظ على فرائضه، وجاهد فى سبيله، من أجل أن ينال ثواب الله ومرضاته، فكان ما بذله من طاعات بمثابة السلعة، وكان هو بمنزلة البائع، وكان قبول الله - تعالى - منه ذلك وإثابته عليه فى معنى الشراء. وقوله : ﴿ابتغاء مرضاة الله﴾ الابتغاء الطلب الشديد للشىء، والرغبة القوية فى الحصول عليه، وهو فى الآية مفعول لأجله. أى: ومن الناس نوع آخر قد باع نفسه وبذلها فى طاعة الله طلبًا لرضوانه، وأملا فى مثوبته وغفرانه. فهذا النوع التقى المخلص من الناس، يقابل النوع المنافق المفسد الذى سبق الحديث عنه. قال بعضهم : وكان مقتضى هذه المقابلة أن يوصف هذا الفريق الثانى بالعمل الصالح مع عدم التعويض والتبجح بالقول، أو مع مطابقة قوله لعمله وموافقة لسانه لما فى قلبه. والآية قد تضمنت هذا الوصف وإن لم تنطق به، فإن من يبيع نفسه لله لا يبغى ثمنًا لها سوى مرضاته لا يتحرى إلا العمل الصالح وقول الحق مع الإِخلاص فى القلب فلا يتكلم بلسانين ولا يقابل الناس بوجهين. ويكون هو المؤمن الذى يعتد القرآن بإيمانه))(٢). وقال أحد العلماء : ومرضاة مصدر ميمى بمعنى الرضا. ولا شك أن التعبير بالمصدر الميمى دون المصدر الأصلى له معنى يدركه السامع بذوقه، ولم نجد النحويين ولا البلاغيين تعرضوا (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٤٦. (٢) تفسير المنار جـ ٢ ص ٢٥٢. ٤٤٦ المجلد الأول لبيان التفرقة بين المصدر الميمى وغيره والذى يتبدى لنا ونظنه تفرقة بينهما، أن المصدر الميمى يصور المعنى المصدرى واقعًا قائمًا متحققًا فى الوجود، أما المصدر غير الميمى فيصور المعنى مجردًا فإذا كانت كلمة مقال بمعنى القول، فإن التعبير بالقول يصور معنى مجردًا من غير نظر إلى كونه تحقق وجوده أولا. أما كلمة مقال فتصور معنى وجد وتحقق، أو فى صورة الموجود المتحقق، وعلى ذلك معنى ((ابتغاء مرضاة الله)) أنهم يبيعون أنفسهم طالبين طلبًا موثقًا رضا الله - سبحانه - حقيقة واقعة مؤكدة، ويتصورون رضاه - سبحانه - حقيقة قائمة قد حلت بهم، فيشتد طلبهم وافتداؤهم للحق بأموالهم وأنفسهم))(١). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله -: ﴿والله رءوف بالعباد﴾ أى، رفيق رحيم بهم، ومن مظاهر ذلك أنه لم يكلفهم بما هو فوق طاقتهم، وإنما كلفهم بما تطيقه نفوسهم، وأنه أسّبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة فى الدنيا مع تقصيرهم فيما أمرهم به أو نهاهم عنه، وأنه كافأهم بالنعيم المقيم على العمل القليل، وأنه جعل العاقبة للمتقين لا للمفسدين، إلى غير ذلك من مظاهر رأفته التى لا تحصى. هذا، وقد أورد المفسرون روايات متعددة فى سبب نزول هذه الآية منها أنها نزلت فى صهيب بن سنان الرومى، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة منعه المشركون أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر أذنوا له، فنخلص منهم وأعطاهم ماله فأنزل الله فيه هذه الآية. فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له : ربح البيع يا صهيب، فقال لهم وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية. ويروى أن الرسول ﴿ قال له عندما رآه: ((ربح البيع، ربح البيع)) مرتين(٢). وهناك روايات أنها نزلت فيه وفى عمار بن ياسر وفى خباب بن الأرت وفى غيرهم من المؤمنين المجاهدين. والذى نراه - كما سبق أن بينا - أن الآية الكريمة تتناول كل من أطاع الله - تعالى - وبذل نفسه فى سبيل إعلاء كلمته، ويدخل فى ذلك دخولا أوليًا من نزلت فيهم الآية، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء. وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد بينت لنا نوعين من الناس: أحدهما خاسر، والآخر رابح، لكى نتبع طريق الرابحين، ونهجر طريق الخاسرين ﴿ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى (١) تفسير الآية الكريمة لفضلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة - بمجلة لواء الإسلام. السنة الخامسة - العدد الخامس. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٤٧ : ٤٤٧ سورة البقرة الله المصير﴾. وبعد أن عرض القرآن هذين النوعين اللذين نجدهما فى كل زمان ومكان، وجه نداء إلى المؤمنين دعاهم فيه إلى الاستجابة التامة لخالقهم فقال - تعالى - : يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ فَإِنِ زَلَلْتُمْ مِّنْ بَعْدِ ٠٨ إِنَّهُوَلَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( مَاجَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَتُ فَأَعْلَمُواْأَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ ◌َ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ٢٠٩ وَالْمَلَبِ كَةُ وَقُضِىَ اُلْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِتُّجَعُ الْأُمُورُ ٢١٠) سَلْ بَنِيّ إِسْرَّهِيَلَ كُمْ ءَاتَّيْنَهُم مِّنْ ءَايَتِبَئِنَّةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةً اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتَّهُ فَإِنَّاللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابٍ ﴿٦ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوأُ وَاُلَّذِينَ أَتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَه ◌ْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ٢١٢ ﴿السلم﴾ - بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام - بمعنى واحد، ويطلقان على الإِسلام وعلى المسالمة. وبعضهم فرق بين اللفظين فجعل ((السلم)) بكسر السين - للإِسلام، و((السلم)) - بفتحها - للمسالمة، وأنكر المبرد هذه التفرقة. قال الفخر الرازى: وأصل هذه الكلمة من الانقياد. قال - تعالى - : ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾. والإِسلام إنما سمى إسلاما لهذا المعنى. وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب، وهذا أيضا راجع إلى هذا المعنى. لأن عند الصلح ينقاد كل واحد إلى صاحبه)»(١). (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٦٢٦. ٤٤٨ المجلد الأول و﴿كافة﴾ أى جميعًا. وهى فى الأصل صفة من كف بمعنى منع، واستعملت بمعنى الجملة والجميع بعلاقة أنها مانعة من التفرق وهى حال من قوله: ﴿السلم﴾ أى: يأيها المؤمنون ادخلوا فى الإِسلام والتزموا بكل تعاليمه، ونفذوا جميع أحكامه وآدابه، واعملوا بكل أوامره ونواهيه، ولا تكونوا ممن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. فالمقصود التزام جميع شرائع الإِسلام وأحكامه وآدابه. وبعضهم يرى أن قوله : ﴿كافة﴾ حال من فاعل ادخلوا وهو ضمير الجماعة والمعنى عليه: ادخلوا فى الإِسلام جميعًا، وانقادوا لأحكامه مجتمعين غير متفرقين، لأنه الدين الذى ألف الله به بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا. وسواء أكان لفظ ﴿كافة﴾ حالا من ﴿السلم﴾ أو من فاعل ﴿ادخلوا﴾ فالمقصود من الآية دعوة المؤمنين إلى التمسك بجميع شعب الإِسلام وشرائعه مع التزامهم برباط الإِخاء الذى ربط الله به بين قلوبهم بسبب اتباعهم لهذا الدين الحنيف. وإذا كان المراد بكلمة ﴿السلم﴾ المسالمة والمصالحة كان المعنى: يأيها الذين آمنوا إن إيمانكم يوجب عليكم فيما بينكم أن تكونوا متصالحين غير متعادين، متحابين غير متباغضين، متجمعين غير متفرقين، كما أنه يوجب عليكم بالنسبة لغيركم ممن هو ليس على دينكم أن تسالموه متى سالمكم، وأن تحاربوه متى اعتدى عليكم، فإن دينكم ما جاء للحرب والخصام وإنما جاء للهداية وللسلام العزيز القوى الذى يرد الاعتداء بمثله. هذا هو المعنى الذى نراه ظاهرًا فى الآية، وهو ما سار عليه المحققون من المفسرين. وبعضهم ذكر أن الخطاب فى الآية لمؤمنى أهل الكتاب، لما روى عن ابن عباس أنه قال : نزلت فى عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبى وَله وآمنوا بشرائعه وشرائع موسى عليه السلام - فعظموا السبت وكرهوا لحم الإِبل وألبانها بعد أن أسلموا، فأنكر عليهم المسلمون، فقالوا، إنا نقوى على هذا وهذا؛ وقالوا للنبى #* إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنعمل بها فأنزل الله هذه الآية. فالخطاب لمؤمنى أهل الكتاب(١). وبعضهم ذكر أن المراد بالآية المنافقون والتقدير: يأيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم فى الإِسلام ولا تتبعوا خطوات الشيطان. وهذان القولان ضعفهما ظاهر، إذ لا سندلهما يعتمد عليه، ولا يؤيدهما سياق الآية الكريمة، لأن الآية الكريمة صريحة فى دعوة المؤمنين إلى التمسك بجميع تعاليم الإسلام، وإلى الإِخاء الجامع ونبذ التفرق والاختلاف والاعتداء. (١) تفسير الألوسى جـ ٢ ص ٩٧. ٤٤٩ سورة البقرة وقوله : ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ تحذير لهم مما يصدهم عن الدخول فى السلم. أى: أدخلوا فى السلم واحذروا أن تتبعوا مدارج الشيطان وطرقه إنه لكم عدو ظاهر العداوة بحيث لا تخفى عداوته على عاقل. والخطوات. جمع خطوة - بفتح الخاء وضمها - وهى ما بين قدمى من يخطو. وفى قوله: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ إشعار بأن الشيطان كثيرًا ما يجر الإِنسان إلى الشر خطوة فخطوة ودرجة فدرجة حتى يجعله يألفه ويقتحمه بدون تردد، وبذلك يكون ممن استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله. والعاقل من الناس هو الذى يبتعد عن كل ما هو من نزغات الشيطان ووساوسه، فإن صغير الذنوب قد يوصل إلى كبيرها، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وقوله: ﴿إِنه لكم عدو مبين﴾ جملة تعليلية، مؤكدة للنهى ومبينة لحكمته. وقوله : ﴿فإن زللتم من بعدما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم﴾ تفريع على النهى، وترهيب من العقاب الذى سيصيب المتبعين للشيطان . قال القرطبى: وأصل الزلل فى القدم، ثم استعمل فى الاعتقادات والآراء وغير ذلك. يقال: زل يزل زلا وزللا وزلولا، أى: دحضت قدمه. والبينات : جمع بينة، وهى الأدلة والمعجزات، ومجيئها : ظهورها. والمعنى : فإن تنحيتم عن طريق الحق، وعدلتم عنه إلى الباطل، من بعد أن ظهرت لكم الأدلة المفرقة بين الصواب والخطأ، والتى تدعوكم إلى اتباع طريق الحق، فاعلموا أن الله ﴿عزيز﴾ لا يقهر ولا يعجزه الانتقام ممن زل ﴿حكيم) لا يترك ما تقتضيه الحكمة وإنما يضع الأمور فى مواضعها. وجىء فى الشرط بإن، لندرة حصول الزلل من المؤمنين، إذ الشأن فيهم ذلك. وقوله: ﴿فاعلموا أن الله عزيز حكيم) جواب الشرط. وقوله: ﴿من بعدما جاءتكم البينات﴾ قطع لعذرهم حتى لا يقولوا يوم الحساب إننا زللنا لأننا لا نعرف الحق من الباطل. وفى الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به - كما قال القرطبى -. وقال الفخر الرازى ما ملخصه: ((وقوله: ﴿فاعلموا أن الله عزيز حكيم﴾ نهاية فى الوعيد، ٤٥٠ المجلد الأول لأنه يجمع من ضروب الخوف مالا يجمعه الوعيد بذكر العقاب. وربما قال الوالد لولده : إن عصيتنى فأنت عارف بى وأنت تعلم قدرت عليك وشدة سطوتى. فيكون هذا الكلام فى الزجر أبلغ من ذكر الضرب وغيره. فإن قيل: أفهذه الآية مشتملة على الوعد كما أنها مشتملة على الوعيد؟ قلنا : نعم من حيث أتبعه بقوله: ﴿حكيم) فإن اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسىء، فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسىء فكذلك يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن، بل هذا أليق بالحكمة وأقرب للرحمة))(١). وبعد أن أمر الله المؤمنين بالدخول فى السلم كافة، ونهاهم عن الزلل عن طريقه المستقيم، عقب ذلك بتهديد الذين امتنعوا عن الدخول فى السلم فقال : ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل ... ﴾ ينظرون : أى ينتظرون. يقال: نظرته وانتظرته بمعنى واحد. وظلل : جمع ظلة. كظلم جمع ظلمة - وهى ما أظلك من شعاع الشمس وغيره. والغمام : اسم جنس جمعى لغمامة، وهى السحاب الرقيق الأبيض، سمى بذلك لأنه يغم، أى يستر. ولا يكون الغمام ظلة إلا حيث يكون متراكبًا والاستفهام للإنكار والتوبيخ. والمعنى : ما ينتظر أولئك الذين أبوا الدخول فى الإسلام من بعد ما جاءتهم البينات، إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة فى ظلل كائنة من الغمام الكثيف العظيم ليحاسبهم على أعمالهم، وتأتيهم ملائكته الذين لا يعلم كثرتهم إلا هو - سبحانه - وإتيان الله - تعالى - إنما هو بالمعنى اللائق به - سبحانه - مع تنزيهه عن مشابهة الحوادث، وتفويض علم كيفيته إليه - تعالى -. وهذا هو رأى علماء السلف. وقوله : ﴿وقضى الأمر﴾ معناه على هذا الرأى: أتم - سبحانه - أمر العباد وحسابهم فأثيب الطاتع وعوقب العاصى، ولم تعد لدى العصاة فرصة للتوبة أو تدارك ما فاتهم. وقد ارتضى هذا الرأى عدد من المفسرين منهم ابن كثير فقد قال فى معنى الآية : يقول الله - تعالى - مهددًا للكافرين بمحمد علي﴿ ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة﴾ يعنى: يوم القيامة نفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزى كل عامل بعمله: إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر !! ولهذا قال - تعالى - ﴿وقضى الأمر وإلى الله ترجع الأمور﴾(٢). (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٢٣١ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٤٨. ٤٥١ سورة البقرة أما علماء الخلف فيؤولون إتيان الله بما يتناسب مع ذاته - سبحانه -، ولذا فسروا إتيانه بأمره أو بأسه فى الدنيا. وقد عبر صاحب الكشاف عن وجهة نظر هؤلاء بقوله : ((إتيان الله : إتيان أمره وبأسه كقوله ﴿أو يأتى أمر ربك﴾ ﴿فجاءهم بأسنا﴾ ويجوز أن يكون المأتى به محذوفًا، بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله - قبل ذلك - ((فإن الله عزيز حكيم)). فإن قلت : لم يأتيهم العذاب فى الغمام؟ قلت: لأن الغمام مظنته الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول؛ لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير؛ ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث: ﴿وقضى الأمر﴾ أى: تم أمر إهلاكهم وتدميرهم وفرغ منه))(١). وقال الجمل ما ملخصه : وقوله: ﴿إلا أن يأتيهم الله﴾ استئناف مفرغ من مقدر، أى ليس لهم شىء ينتظرونه إلا إتيان العذاب وهذا مبالغة فى توبيخهم وقوله: ﴿والملائكة﴾ بالرفع عطفا على اسم الجلالة أى، وتأتيهم الملائكة فإنهم وسائط فى إتيان أمره - تعالى -، بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة. وقرأ الحسن وأبو جعفر: والملائكة بالجر عطفا على ظلل، أى إلا أن يأتيهم فى ظلل وفى الملائكة. وقوله ﴿وقضى الأمر﴾ فيه وجهان : أحدهما : أن يكون معطوفًا على يأتيهم داخلا فى حيز الانتظار ويكون ذلك من وضع الماضى موضع المستقبل والأصل ويقضى الأمر؛ وإنما جىء به كذلك لأنه محقق كقوله: ﴿أتى أمر الله﴾ والثانى: أن يكون جملة مستأنفة برأسها أخبر الله - تعالى - بأنه قد فرغ من أمرهم فهو من عطف الجمل وليس داخلا فى حيز الانتظار))(٢). ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بقوله : ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ أى إليه وحده - سبحانه - لا إلى غيره ولا إلى أحد معه تصير الأمور خيرها وشرها وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فالجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد قضاء أمره، ونفاذ حكمه، وتمام قدرته. ثم بين - سبحانه - أن كفر الكافرين ليس سببه نقصان الدليل على صحة إيمان المؤمنين، (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٥٣. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٦٦. : ٤٥٢ المجلد الأول وإنما سببه الجحود والحسد وإيثار الهوى على الهدى، بدليل أن بنى إسرائيل قد آتاهم الله آيات بينات تهدى إلى الإِيمان ومع ذلك كفروا بها. استمع إلى القرآن وهو يصور موقفهم بعد تهديده للكافرين فى الآية السابقة فيقول: ﴿سل بنى اسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ... ﴾. قال الفخر الرازى: اعلم أنه ليس المقصود: سل بنى إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات فتعلمها؛ وذلك لأن الرسول وَل﴿ كان عالماً بتلك الأحوال بإعلام الله - تعالى - إياه، بل المقصود منه المبالغة فى الزجر عن الإِعراض عن دلائل الله - تعالى -. أى: سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها، لاجرم استوجبوا العقاب من الله - تعالى -، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا فى العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه. والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم ... ))(١). و﴿سل﴾ فعل أمر من سأل وأصله اسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين قبلها وصارت ساكنة فحذفت. ولما فتحت السين لم يكن هناك حاجة إلى همزة الوصل فحذفت أيضًا. و﴿كم﴾ إما خبرية والمسئول عنه محذوف، والجملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب مبينة لاستحقاقهم التقریع والتوبيخ. كأنه قیل ((سل بنى إسرائيل)) عن طغيانهم وجحودهم للحق بعد وضوحه فقد آتيناهم آيات كثيرة بينة ومع ذلك أعرض كثير منهم عنها. وإما استفهامية والجملة فى موضع المفعول الثانى لقوله ((سل)) وقيل: فى موضع المصدر، أى: سلهم هذا السؤال. وقيل: فى موضع الحال. أى: سلهم قائلا: كم آتيناهم. والاستفهام للتقرير بمعنى حمل المخاطب على الإِقرار - بأنه قد خالف ما تقتضيه الآيات من الإيمان بالله - تعالى -. فالمراد بهذا السؤال تقريعهم على جحودهم الحق بعد وضوح الآيات لا معرفة إجابتهم كما إذا أراد واحد منا توبيخ أحد فيقول لمن حضره: سله كم أنعمت عليه؟ ومن الآيات البينات والمعجزات الواضحات التى أظهرها الله - تعالى - لبنى إسرائيل على أيدى أنبيائهم ليؤمنوا بهم : عصا موسى التى ألقاها فإذا هى حية تسعى؛ والتى ألقاها فإذا هى تلقف ما صنعه السحرة، والتى ضرب بها البحر ﴿فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وحدانية الله وصدق من جرت على يديه هذه الخوارق، ومع ذلك فمنهم من قال لموسى ﴿أرنا الله جهرة﴾ ومنهم من كفر وعبد العجل .. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ٣. ٤٥٣ سورة البقرة ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الجاحدين لآياته فقال: ﴿ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب﴾. التبديل : جعل شىء بدلا عن آخر، ونعمة الله هنا تتناول آياته الدالة على صدق رسله، كما تتناول ما أسبغه الله على عباده من صحة ومال وعقل وغير ذلك من نعمه الظاهرة والباطنة. أى: ومن يبدل نعم الله بعد ما وصلت إليه واتضحت له، بأن كفر بها مع أنها تدعو إلى الإِيمان، وجحد فضلها مع أنها تستلزم منه الشكر لمسديها من يبدل ذلك التبديل فإن الله سيعاقبه عقابًا شديدًا. وقوله : ﴿من بعد ما جاءته﴾ زيادة توبيخ لهم، وأنهم مستحقون لأشد ألوان العذاب، لأنهم قد كفروا بآيات الله وجحدوا نعمه بعد معرفتها والوقوف على تفاصيلها. فهو كقوله - تعالى -: ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾. فهو تبديل عن معرفة لا عن جهل أو خطأ. وقوله: ﴿فإن الله شديد العقاب﴾ تعليل للجواب أقيم مقامه. أى: ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشد عقوبة لأنه شديد العقاب فلا يفلت منه أحد. ويحتمل أن يكون هذه الجملة هى الجواب بتقدير الضمير أى شديد العقاب له. والعقاب هو الجزاء عن جناية وجرم، وهو مأخوذ - كما يقول القرطبى - من العقب، كأن المعاقب يمشى بالمحازاة للجانى فى آثار عقبه، ومنه عقبة الراكب - أى الموضع الذى يركب منه -، فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب وقد عاقبه بذنبه(١). فالآية الكريمة وعيد شديد لكل من يبدل نعم الله، ويترك شكرها. وبعد أن ذكر القرآن حال من يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته، أتبعه بذكر الأسباب التى حملت أولئك الأشقياء على البقاء فى كفرهم وجحودهم فقال - تعالى -: ﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا﴾ ... الآية. التزيين : جعل الشىء زينا أى، شديد الحسن. والحياة نائب فاعل، زين، ولم تلحق تاء التأنيث بالفعل لأن نائب الفاعل مجازى التأنيث ولوجود الفاصل بين الفعل ونائب الفاعل. والمعنى، أن الحياة الدنيا قد زينت للكافرين فأحبوها وتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار، وصارت متعها وشهواتها كل تفكيرهم، أما الآخرة فلم يفكروا فيها، ولم يهيئوا أنفسهم للقائها . (١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٢٨. ٤٥٤ المجلد الأول قال القرطبى : والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضًا الشيطان بوسوسته وإغوائه وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة لهاليبلو الخلق أيهم أحسن عملا، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها))(١). وقوله: ﴿ويسخرون من الذين آمنوا﴾ معطوف على جملة ﴿زين للذين كفروا ... ﴾ أو خبر لمبتدأ محذوف أى وهم يسخرون وتكون الواو للحال. ويسخرون : يضحكون ویهزأون. يقال. سخرت منه وسخرت به وضحكت منه وضحكت به . أى أن الذين كفروا لا يكتفون بحبهم الشديد لزينة الحياة الدنيا وشهواتها وإنما هم بجانب ذلك يسخرون من المؤمنين لزهد هم فى متع الحياة، لأن الكفار يعتقدون أن ما يمضى من حياتهم فى غير متعة فهو ضياع منها، وأنهم لن يبعثوا ولن يحاسبوا على ما فعلوه فى دنياهم، أما المؤمنون فهم يتطلعون إلى نعيم الآخرة الذى هو أسمى وأبقى من نعيم الدنيا. وجىء بقوله: ﴿زين﴾ ماضيا للدلالة على أنه قد وقع وفرغ منه. وجىء بقوله ﴿ويسخرون﴾ مضارعًا للدلالة على تجدد سخريتهم من المؤمنين وحدوثها بين وقت آخر. قال .... - تعالى - : ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون. وإذا مروا بهم يتغامزون .. ﴾ . وقد ذكر بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنها نزلت فى المنافقين عبد الله بن أبى وحزبه، كانوا يتنعمون فى الدنيا أو يسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون: أنظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد الر أنه يغلب بهم. ومنها. أنها نزلت فى أبى جهل ورؤساء قريش كانوا يسخرون من فقراء المسلمين كعمار وخباب وابن مسعود وغيرهم بسبب ما كانوا فيه من الفقر والصبر على البلاء. والحق أنه لا مانع من نزولها فى شأن كل الكافرين الذين يسخرون من المؤمنين. وقوله : ﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) رد منه - سبحانه - على هؤلاء الكفار الذين يسخرون من المؤمنين، والذين يرون أنفسهم أنهم فى زينتهم ولذاتهم أفضل من المؤمنين فى نزاهتهم وصبرهم على بأساء الحياة وضرائها. (١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٢٩. ٤٥٥ سورة البقرة أى، والذين اتقوا الله - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل سوء فوق أولئك الكافرين مكانة ومكانا يوم القيامة، لأن تقواهم قد رفعتهم إلى أعلى علیین، أما الذين كفروا فإن کفرهم قد هبط بهم إلى النار وبئس القرار. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قال ((من الذين آمنوا)) ثم قال: ﴿والذين اتقوا﴾؟ قلت : ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن التقى، وليكون بعثًا للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك(١). وقيدت الفوقية بيوم القيامة للننصيص على دوامها، لأن ذلك اليوم هو مبدأ الحياة الأبدية، ولإِدخال السرور والتسلية على قلوب المؤمنين حتى لا يتسرب اليأس إلى قلوبهم بسبب إيذاء الكافرين لهم فى الدنيا. وقوله: ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب) تذييل قصد به تشريف المؤمنين، وبيان عظم ثوابهم. أى: والله يرزق من يشاء بغير حساب من المرزوق. أو بلا حصر وعد لما يعطيه. أو أنه لا يخاف نفاد ما فى خزائنه حتى يحتاج إلى حساب لما يخرج منها. فهو - سبحانه - الذى يعطى ويمنع، وليس عطاؤه فى الدنيا دليل رضاه عن المعطى فقد يعطى الكافر وهو غير راض عنه، أما عطاؤه فى الآخرة فهو دليل رضاه عمن أعطاه. قال الأستاذ الإِمام : إن الرزق بلا حساب ولا سعى فى الدنيا إنما يصح بالنسبة إلى الأفراد، فإنك ترى كثيرًا من الأبرار وكثيرًا من الفجار أغنياء موسرين متمتعين بسعة الرزق، وكثيرًا من الفريقين فقراء معسرين، والمتقى يكون دائمًا أسعد حالا وأكثر احتمالا، ومحلا لعناية الله به فلا يؤلمه الفقر كما يؤلم الفاجر لأنه يجد فى التقوى مخرجًا من كل ضيق ... وأما الأمم فأمرها على غير هذا، فإن الأمة التى ترونها فقيرة ذليلة لا يمكن أن تكون متقية لأسباب نقم الله وسخطه .. وليس من سنة الله أن يرزق الأمة العزة والثروة وهى لا تعمل، وإنما يعطيها بعملها ويسلبها بزللها .. ))(٢). ثم بين - سبحانه - أحوال الناس، وأنهم فى حاجة إلى الرسل ليبشروهم وينذروهم ويحكموا بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه فقال - تعالى - : (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٥٥. (٢) تفسير المنار جـ ٢ ص ٢٧٤ بتلخيص. ٤٥٦ المجلد الأول كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيَهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدٍ مَاجَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَّطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)) قال الفخر الرازى: اعلم أنه - تعالى - لما بين فى الآية المتقدمة أن سبب إصرار هؤلاء الكفار على كفرهم هو حب الدنيا، بين فى هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص بهذا الزمان، بل كان حاصلا فى الأزمنة المتقادمة، لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق ثم اختلفوا، وما كان اختلافهم إلا بسبب البغى والتحاسد والتنازع فى طلب الدنيا))(١). و﴿الأمة﴾ القوم المجتمعون على الشىء الواحد يقتدى بعضهم ببعض مأخوذ من أم بمعنى قصد لأن كل واحد من أفراد القوم يؤم المجموع ويقصده فى مختلف شؤونه. وللعلماء أقوال فى معنى قوله - تعالى - ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرین﴾ . القول الأول الذى عليه جمهور المفسرين أن المعنى: كان الناس أمة واحدة متفقين على توحيد الله - تعالى - مقرين له بالعبودية مجتمعين على شريعة الحق ثم اختلفوا ما بين ضال ومهتد، فبعث الله إليهم النبيين لیبشروا من اهتدى منهم بجزيل الثواب، ولینذروا من ضل بسوء العذاب، وليحكموا بينهم فيما اختلفوا فيه بالحكم العادل، والقول الفاصل. قال القفال: ويشهد لصحة هذا الرأى قوله - تعالى - ﴿فبعث الله النبيين ... ﴾ (٢) فهذا يدل على أن الأنبياء - عليهم السلام - إنما بعثوا حين الاختلاف، ويتأكد هذا بقوله : (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ١١. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ١٢. ٤٥٧ سورة البقرة ((وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا)) ويتأكد أيضًا بما نقل عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين .. ﴾. و((كان)) على هذا الرأى على بابها من المضى، وعدم استمرار الحكم، وعدم امتداده إلى المستقبل، لأن الناس كانوا مهتدين ثم زالت الهداية عنهم أو عن كثير منهم بسبب اختلافهم فأرسل الله - تعالى - رسله لهدايتهم. القول الثانى يرى أصحابه أن المعنى: كان الناس أمة واحدة مجتمعين على الضلال والكفر فبعث الله النبيين لهدايتهم .. و((كان)) على هذا الرأى - أيضًا - على بابها من المضى والانقضاء، ولا تحتاج على هذا الرأى إلى تقدير كلام محذوف، وهو ثم اختلفوا فبعث .. إلخ. ومن العلماء الذين رجحوا القول الأول الإِمام ابن كثير فقد قال : عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين .. وهكذا قال قتادة ومجاهد. وقال العوفى عن ابن عباس (كان الناس أمة واحدة) يقول كانوا كفارًا (فبعث الله النبيين) والقول الأول عن ابن عباس وهو أصح سندًا ومعنى؛ لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحًا - عليه السلام - فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض(١). أما الرأى الثالث فقد قرره الإمام القرطبى بقوله: ويحتمل أن تكون ((كان)) للثبوت، والمراد الإِخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة فى خلوهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق، لولا مَنُّ الله عليهم وتفضله بالرسل إليهم. فلا يختص ((كان)) على هذا التأويل بالمضى فقط، بل معناه معنى قوله: ﴿وكان الله غفورا رحيًا﴾(٢). وهذا الرأى قد اختاروه الأستاذ الإمام محمد عبده فى تفسيره للآية الكريمة ووافقه علیه بعض العلماء الذين كتبوا فى تفسير هذه الآية. قال الأستاذ الإِمام ما ملخصه. ((خلق الله الإِنسان أمة واحدة أى مرتبطًا بعضه ببعض فى المعاش لا يسهل على أفراده أن يعيشوا فى هذه الحياة الدنيا إلا مجتمعين يعاون بعضهم بعضًا، فكل واحد منهم يعيش ويحيا. بشىء من عمله لكن قواه النفسية والبدنية قاصرة عن توفير جميع ما يحتاج إليه، فلابد من انضمام قوى الآخرين إلى قوته ... وهذا معنى قولهم: «الإِنسان مدنی بطبعه)» یریدون بذلك أنه لم يوهب من القوى ما يكفى للوصول إلى جميع حاجاته إلا بالاستعانة بغيره .. ولما كان (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٥٠. (٢) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٣١. ٤٥٨ المجلد الأول 4 الناس كذلك كان لابد لهم من الاختلاف بمقتضى فطرهم، وكان من رحمة الله أن يرسل إليهم مبشرين ومنذرين. وترتيب بعثة الرسل على وحدة الأمة فى الآية التى نفسرها يكون على هذا المعنى : إن الله قضى أن يكور الناس أمة واحدة يرتبط بعضهم ببعض ولا سبيل لعقولهم وحدها إلى الوصول إلى ما يلزم لهم فى توفير مصالحهم ودفع المضار عنهم، لتفاوت عقولهم، واختلاف فطرهم، وحرمانهم من الإِلهام الهادى لكل منهم إلى ما يجب عليه نحو صاحبه، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأيدهم بالدلائل القاطعة على صدقهم، وعلى أن ما يأتون به إنما هو من عند الله - تعالى - القادر على إثابتهم وعقوبتهم ... ))(١). وقال فضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ما ملخصه : وإن هذا الرأى الذى اختاره الأستاذ الإِمام هو الذى نختاره، وعلى هذا التأويل لا يكون ثمة حاجة إلى تقدير محذوف، لأن ذات حالهم من كونهم لا علم لهم بالشرائع ولا تهتدى عقولهم إلى الحقائق بنفسها توجب البعث، ولأن تلك الحال التى تكون على الفطرة وحدها توجب الاختلاف فتوجب بعث النبيين .. ثم إن نفس كل إنسان فيها نزوع إلى الاجتماع، وحيث كان الاجتماع فلابد من نظام يربط، وشرع یحکم. وعلى هذا التأويل أيضا تكون الفاء فى قوله: ﴿فبعث ... ) - وهى التى يقول عنها النحويون إنها للترتيب والتعقيب - فى موضعها من غير حاجة إلى تقدير، لأن كون الناس أمة واحدة اقتضت الرسالة واقتضت الاختلاف. و((كان)) على هذا التأويل تدل على الاستمرار والثبوت، لأن الناس بمقتضى فطرهم دائما فى حاجة إلى شرع السماء لا يهتدون إلا به. ثم قال فضيلته: وقد يقول قائل: إن جعل ((كان)) للاستمرار يفيد أن وحدة الناس فى الفطرة وتأديها إلى التناحر يقتضى بعث النبيين إلى يوم القيامة، وأنه لابد من نبى لعصرنا، ونحن نسلم بالاعتراض ولا ندفع إيراده ونقول : نعم إنه لابد من قيام رسالة إلى يوم القيامة وهى رسالة محمد رَّه التى جاءت بكتاب تتجدد به الرسالة والبعث إلى أن تفنى الأرض ومن عليها وهذا الكتاب هو القرآن الكريم الذى لا تبلى جدته، والذى تكفل الله بحفظه، وبإعجازه إلى يوم القيامة، والذى من يقرؤه فكأنما يتلقاه عن النبى (وَلات))(٢). (١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٢٨٢ بتصرف وتلخيص. (٢) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإِسلام السنة الخامسة من العدد الثامن ٤٥٩ سورة البقرة هذه هى أشهر الأقوال فى معنى قوله - تعالى - ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾ وهناك أقوال أخرى لم نذكرها لضعفها . وقوله - تعالى -: ﴿وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ معطوف على ﴿فبعث﴾، والمراد بالكتاب الجنس. والمعنى : وأنزل - سبحانه - مع هؤلاء النبيين الذين بعثهم مبشرين ومنذرين كلامه الملتبس بالحق والجامع لما يحتاجون إليه من أمور الدين والدنيا، لكى يفصلوا بواسطته بين الناس فيما اختلفوا من شئون دینیه ودنیویه. وذكر - سبحانه - الكتاب بصيغة المفرد للإِشارة إلى أن كتب النبيين وإن تعددت إلا أنها فى جوهرها كتاب واحد لاشتمالها على شرع واحد فى أصله، وإذا كان هناك خلاف بينها ففى تفاصيل الأحكام وفروعها لا فى جوهرها وأصولها، وقوله: ﴿بالحق﴾ متعلق بأنزل، أو حال من الكتاب أى ملتبسا شاهدا به. والضمير فى قوله: ﴿ليحكم .. ﴾ يجوز أن يعود إلى الله - تعالى - أو إلى النبيين، أو إلى الكتاب. ورجح بعضهم عودته إلى الكتاب لأنه أقرب مذكور. والجملة تعليلية للإنزال المذكور. وفى إسناد الحكم إلى الكتاب تنبيه للناس إلى أن من الواجب عليهم أن يرجعوا إليه عند كل اختلاف. لأن هذا هو المقصد الأساسى من إنزال الكتب السماوية. وللأستاذ الإِمام محمد عبده كلام نفيس فى هذا المعنى فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه : ((الحكم مسند إلى الكتاب نفسه، فالكتاب ذاته هو الذى يفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، وفيه نداء للحاكمين بالكتاب أن يلزموا حكمه، وألا يعدلوا عنه إلى ما تسوله الأنفس وتزينه الأهواء .. ولو ساغ للناس أن يؤولوا نصا من نصوص الكتب على حسب ما تنزع إليه عقولهم بدون رجوع إلى بقية النصوص، لما كان لإنزال الكتب فائدة، ولما كانت الكتب فى الحقيقة حاكمة، بل كانت متحكمة فيها الأهواء، فنعود المصلحة مفسدة، وينقلب الدواء علة، ولهذا رد الله الحكم إلى الكتاب نفسه لا إلى هوى الحاكم به .. ونسبة الحكم إلى الكتاب هى كنسبة النطق والهدى والتبشير إليه فى قوله - تعالى - : ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) وقوله - تعالى -: ﴿إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين .. ﴾ ثم بقول - رحمه الله - ((يتخذ الواحد منهم كلمة من الكتاب أو أثرًا مما جاء به وسيلة إلى . تسخير غيره لما يريد، وذلك قطع الكلمة أو الأثر عن بقية ما جاء فى الكتاب والآثار الأخر ولى اللسان أو تأويله بغير ما قصد منه؛ وما هم المؤول أن يعمل بالكتاب وإنما كل ما يقصد هو أن يصل إلى مطلب لشهوته، أو عضد لسطوته، سواء أهدمت أحكام الله أم قامت، واعوجت . ٤٦٠ المجلد الأول السبيل أم استقامت، ثم يأتى ضال آخر يريد أن ينال من هذا ما نال غيره، فيحرف ويؤول حتى يجد المخدوعين بقوله، ويتخذهم عونا على الخادع الأول، فيقع الاختلاف والاضطراب، وآلة المختلفين فى ذلك هو الكتاب(١) ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى اختلاف الناس فى الكتاب الذى أنزله لهدايتهم فقال ﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم﴾. والضمير فى قوله: ﴿فيه﴾ وفى قوله: ﴿أوتوه﴾ يعود إلى الكتاب، والمعنى عليه: وما اختلف فى شأن الكتاب الهادى الذى لا لبس فيه، المنزل لإزالة الاختلاف، إلا الذين أوتوه، أى علموه ووقفوا على تفاصيله، ولم يكن اختلافهم لا لتباس عليهم من جهته وإنما كان خلافهم من بعد ما ظهرت لهم الدلائل الواضحة الدالة على صدقه، وما حملهم على هذا الاختلاف إلا البغى والظلم والحسد الذى وقع بينهم. والمراد بالذين اختلفوا فيه أهل الكتاب اليهود والنصارى، واختلافهم فى الكتاب يشمل تصديقهم ببعضه وتكذيبهم بالبعض الآخر، كما يشمل اختلافهم فى تفسيره وتأويله وتنفيذ أحكامه وعدم تنفيذها، وذهاب كل فريق منهم مذهبًا يخالف مذهب الآخر فى أصول الشرع لا فی فروعه. وعبر عن الإِنزال بالإِيتاء - كما يقول الآلوسي - للتنبيه من أول الأمر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما فيه من الحق، فإن الإِنزال لا يفيد ذلك، وقيل: عبر به ليختص الموصول بأرباب العلم والدراسة من أولئك المختلفين، وخصهم بالذكر لمزيد شناعة فعلهم ولأن غيرهم. تبع لهم))(٢). وقوله : ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾ متعلق باختلف، وفيه زيادة تشنيع عليهم لأنهم قد اختلفوا فيه بعد أن قامت أمامهم الحجج الناصعة الدالة على الحق. وقوله : ﴿بغيا﴾ مفعول لأجله لاختلفوا ﴿وبينهم﴾ متعلق بمحذوف صفة لقوله ﴿بغيا﴾. أى أن داعى الاختلاف هو البغى والحسد الذى وقع بينهم، فجعل كل فريق منهم يخطىء الآخر، ويجرح رأيه. وفى هذا التعبير إشارة إلى أن البغى قد باض وفرخ عندهم، فهو يحوم عليهم، ويدور (١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٢٨٤، ٢٨٦. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ١٠٢ .