Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة البقرة مقصرين فى أدائها، بل يجب عليهم أن يؤدوها بقوة تفوق من سبقهم لأن الأمة الإِسلامية قد وصفها سبحانه بأنها خير أمة أخرجت للناس وهذه الخيرية تقتضى منهم النشاط فيما كلفهم الله بأدائه من عبادات. وقوله : ﴿ لعلكم تتقون) جملة تعليلية جىء بها لبيان حكمة مشروعية الصيام فكأنه - سبحانه - يقول لعباده المؤمنين : فرضنا عليكم الصيام كما فرضناه على الذين من قبلكم، لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة التقوى والخشية من الله، وبذلك تكونون ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه. ولا شك أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلى أعلى عليين متى أداها بآدابها وشروطها، ويكفى أن الرسول و لر قد قال فى شأن الصوم: ((الصوم جنة))(١) أى: وقاية. إذ فى الصوم وقاية من الوقوع فى المعاصى، ووقاية من عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأمراض الناشئة عن الإِفراط فى تناول بعض الأطعمة والأشربة. وقوله : ﴿أياما معدودات﴾ أى: معينات بالعد أو قليلات، لأن القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافًا . والمراد بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان عند جمهور العلماء. قالوا : وتقريره أنه - تعالى - قال أولا ﴿كتب عليكم الصيام﴾ وهذا محتمل ليوم ويومين ثم بينه بقوله ﴿أيامًا معدودات﴾ فزال بعض الاحتمال ثم بينه بقوله: ﴿شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن﴾ فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره(٢). وإنما عبر عن رمضان بأيام وهى جمع قلة ووصف بمعدودات وهى جمع قلة - أيضًا - تهوينا لأمره على المكلفين، وإشعارًا لهم بأن الله - تعالى - ما فرض عليهم إلا ما هو فى وسعهم وقدرتهم . وقيل: إن المراد بالأيام المعدودات غير رمضان، وذكروا أن المراد بها ثلاثة أيام من كل شهر وهى الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مضافًا إليها يوم عاشوراء. ثم نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان. والمعتمد بين المحققين من العلماء هو القول الأول، لأنه - كما قال الإِمام الرازى - لا وجه لحمله على غيره، والقول بالنسخ زيادة لا دليل عليها. (١) قطعة من حديث رواه البخارى فى كتاب الصوم جـ ٣ ص ٣١. (٢) تفسير الرازى جـ ٥ ص ٧٨. ٣٨٢ المجلد الأول وقوله : ﴿أيامًا﴾ منصوب على الظرفية، أو بفعل مضمر مقدر أى: صوموا أيامًا. وقوله : ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ زيادة بيان ليسر شريعة الإِسلام بعد أن أخبرهم - سبحانه - بأن الصوم المفروض عليهم إنما هو أيام معدودات، وتعجيل بتطمين نفوس السامعين لئلا يظنوا وجوب الصوم عليهم فى كل حال. والمرض : الخروج عن الاعتدال الخاص بالإِنسان، بأن يصاب بانحراف فى جسده يجعله فى حالة وجع أو اضطراب بدنى. قال القرطبى : وللمريض حالتان : إحداهما : ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجبًا. الثانية : أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة فهذا يستحب له الفطر .. فالفطر مباح فى كل مرض إلا المرض اليسير الذى لا كلفة معه فى الصيام(١). وقوله : ﴿أو على سفر﴾ قالُ الآلوسى معناه: أو راكب سفر مستعل عليه متمكن منه، بأن اشتغل به قبل الفجر، ففيه إيماء إلى أن من سافر فى أثناء اليوم لم يفطر. واستدل بإطلاق السفر على أن السفر القصير وسفر المعصية مرخص للإِفطار. وأكثر العلماء على تقييده بالمباح وبما يلزمه العسر غالبًا وهو السفر إلى المسافة المقدرة فى الشرع)) (٢). والعدة فعلة من العد، وهى بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون ومنه عدة المرأة. والمعنى : لقد فرضنا عليكم الصوم أيها المؤمنون، وجعلناه كما هو الشأن فى كل ما شرعناه متسمًا باليسر لا بالعسر، ومن مظاهر ذلك أننا فرضنا عليكم صوم أيام معدودات وهى أيام شهر رمضان، ولم نفرض عليكم صوم الدهر. وأننا شرعنا لمن كان مريضًا مرضا يضره الصوم أو يعسر معه، أو كان على سفر يشق عليه معه الصوم، شرعنا له أن يفطر وأن يصوم بدل الأيام التى أفطرها أياما آخر مساوية لها فى العدد. قال الإِمام الرازى: قال القفال: أنظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته فى هذا التكليف، إذ أنه بين فى أول الآية أن لهذه الأمة فى هذا التكليف أسوة بالأمم المتقدمة، والغرض منه ماذكرناه من أن الأمور الشاقة إذا عمت خفت. ثم ثانيا بين وجه الحكمة فى إيجاب الصوم وهو أنه سبب لحصول التقوى فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف، ثم بين ثالثا أنه مختص بأيام معدودة فإنه لو جعله أبدًا أو أكثر الأوقات لحصلت المشقة العظيمة. ثم بين (١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٢٧٦ بتصرف وتلخيص. (٢) تفسير الآلوسي جـ ٢ ص ٥٨. ٣٨٣ سورة البقرة رابعا : أنه خصه من الأوقات بالشهر الذى أنزل فيه القرآن لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة. ثم بين خامسًا: إزالة المشقة فى إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية والسكون. فهو - سبحانه - راعى فى ايجاب الصوم هذه. الوجوه من الرحمة فله الحمد على نعمه كثيرًا))(١). هذا، وقد نص الفقهاء على أن الافطار مشروع على سبيل الرخصة للمريض والمسافر، وهما بالخيار فى ذلك إن شاءا أفطرا وإن شاءا صاما، إلا أن أكثر الفقهاء قالوا : الصوم أفضل لمن قوی علیه . والذى نراه أن الله - تعالى - قد أباح الفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر، لأن كلا منهما مظنة المشقة والحرج. والحكم الشرعى يوجد حيث توجد مظنته وينتفى حيث تنتفى . وعلى المسلم أن يقدر حال نفسه، فإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره ليس فى الصوم معه مشقة أو عسر صام عملا بقوله - تعالى -: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾. وإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره يجعل الصوم شاقًّا عليه أفطر عملا بقوله - تعالى -: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ فالمسألة ترجع إلى ضمير الفرد ودينه واستفتاء قلبه. والثابت عن رسول الله و 18 أنه صام فى السفر وأفطر، وخير بعض أصحابه بين الصوم والفطر. فقد روى البخارى ومسلم عن أبى الدرداء - رضى الله عنه - قال: خرجنا مع النبى وَ ل* ((وفى إحدى روايتى مسلم - فى شهر رمضان -، فى يوم حار، حتى ليضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا ما كان من النبى وجل﴿ وابن رواحه)). وروى الإِمام مسلم فى صحيحه عن قزعة قال : أتيت أبا سعيد الخدرى فسألته عن الصوم فى السفر فقال: سافرنا مع رسول الله وَلاقر إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله وَلهو إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة. فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلا آخر فقال : إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. وكانت عزمة فأفطرنا. ثم قال: ولقد رأيتنا نصوم مع رسول الله وَير بعد ذلك فى السفر. وروى الشيخان عن أنس بن مالك قال: كنا نسافر مع النبى وَّر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وهناك مسألة أخرى تعرض لها الفقهاء بالحديث وهى مسألة قضاء الأيام التى أفطرها - (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٨٠. ٣٨٤ المجلد الأول المريض أو المسافر هل يقضيها متتابعة أو متفرقة وهل يقضيها على الفور أو على التراخى ؟ وجمهور الفقهاء على أن للمفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر أن يقضى ما أفطره متتابعًا أو متفرقًا؛ لأن قوله - تعالى -: ﴿فعدة من أيام أخر﴾. دل على وجوب القضاء من غير تعيين الزمان، لأن اللفظ - كما قال القرطبى - مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض. وله كذلك أن يقضى ما عليه على الفور أو على التراخى على حسب ما يتيسر له. ففى الصحيحين عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : يكون علىَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا فى شعبان، وذلك لمكان رسول الله وَليل وهذا نص وزيادة بيان للآية)). ويرى داود الظاهرى أن على المفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر أن يشرع فى قضاء ما أفطره فى اليوم الثانى من شوال المعاقب له، وأن يتابع أيام القضاء. والمعتمد بين العلماء هو قول الجمهور لقوة أدلته التى سبق بيانها. وقوله - تعالى -: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ بيان لحكم آخر من أحكام الشريعة فيما يتعلق بصوم رمضان يتجلى فيه تيسير الله على عباده فيما شرع لهم من عبادات. ومعنى ﴿يطيقونه﴾ يقدرون عليه ويتحملونه بمشقة وتعب، لأن الطاقة اسم للقدرة على الشىء مع الشدة والمشقة، والوسع اسم للقدرة على الشىء على جهة السهولة. قال الراغب : والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشىء، ومنه ﴿ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به﴾ أى ما يصعب علينا مزاولته، وليس معناه: ((لا تحملنا ما لا قدرة لنا به))(١). والعرب لا تقول فلان أطاق الشىء إلا إذا كانت قدرته عليه فى نهاية الضعف بحيث يتحمله بمشقة وعسر. فلا يقال - مثلا - فلان يطيق حمل نواة أو ريشة أو عشرة دراهم من حديد، وإنما يقال : هو يطيق حمل قنطارين من الحديد أو حمل الأمتعة الثقيلة. وللعلماء أقوال فى المراد بقوله - تعالى -: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ أُشهرها : ١ - إن هذا راجع إلى المقيم الصحيح خيره الله - تعالى - بين الصوم وبين الفداء، وكان ذلك فى بدء الإِسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم، فرخص لهم فى الإِقطار والفدية، ثم نسخ ذلك وأوجب الله عليهم الصوم. ويشهد لهذا القول ما جاء فى الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال : لما نزلت هذه الآية (١) مفردات القرآن ص ٣١٢ للراغب الأصفهانى. ٣٨٥ سورة البقرة ((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)) كان من أراد أن يفطر ويفتدى، حتى نزلت الآية بعدها فنسختها. وفى رواية للإِمام مسلم من طريق آخر عن سلمة - أيضًا - قال : كنا فى رمضان على عهد رسول الله وَّيقول من شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ . ٢ - ويرى بعض العلماء أن قوله - تعالى -: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ إلخ، ليس بمنسوخ بل هو محكم، وأنه نزل فى شأن الشيخ الكبير الهرم، والمرأة العجوز، إذا كانا لا يستطيعان الصيام فعليهما أن يفطرا وأن يطعما عن كل يوم مسكينا. وأصحاب هذا الرأى يستدلون بما رواه البخارى عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية : ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فعليها أن يطعما مكان کل یوم مسکینّ)). ٣ - وهناك رأى ثالث لبعض العلماء يرى أصحابه أن قوله - تعالى - ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ ليس بمنسوخ - أيضًا - بل هو محكم، وأن معنى الآية عندهم: وعلى الذين يطيقونه، أى: يقدرون على الصيام بمشقة شديدة إذا أرادوا أن يفطروا أن يطعموا عن كل يوم يفطرونه مسكينًا. (بأن يقدموا له نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير، أو قيمة ذلك). ولم يقصروا ذلك على الرجل الكبير والمرأة العجوز - كما فعل أصحاب الرأى الثانى - وإنما أدخلوا فى حكم الذين يقدرون على الصوم بمشقة وتعب المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ومن فى حكمها ممن يشق عليهم الصوم مشقة كبيرة. وأصحاب هذا الرأى يستدلون على ما ذهبوا إليه بمنطوق الآية، إذا أن الوسع اسم للقدرة على الشىء على جهة السهولة، والطاقة اسم للقدرة عليه مع الشدة والمشقة - كما سبق أن بينا -، كما يستدلون - أيضًا - على ما ذهبوا إليه بقراءة ﴿يطيقونه﴾ - بضم الياء الأولى وتشديد الياء الثانية - أى يتجشمونه، ويتكلفونه بمشقة وتعب، وقد انتصر بعض العلماء لهذا الرأى بناء على أن منطوق الآية يؤيده. كما انتصر بعضهم للرأى الأول بناء على أن الاحاديث الصحيحة تسانده وعلى أنه هو الأقرب إلى روح الشريعة الإسلامية فى التدرج فى تشريع التكاليف التى فيها مشقة على الناس، كما انتصر بعضهم للرأى الثانى الذى روى عن ابن عباس. . وهناك أقوال أخرى فى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحًا لضعفها. ٣٨٦ المجلد الأول وقوله : ﴿فمن تطوع خيرًا فهو خير له﴾ حض من الله - تعالى - لعباده على الإِكثار من عمل الخير. والتطوع : السعى فى أن يكون الإِنسان فاعلا للطاعة باختياره بدون إكراه والخير: مصدر خار إذا حسن وشرف، وهو منصوب لتضمين تطوع معنى أتى، أو على أنه صفة لمصدر محذوف أى تطوعًا خيرًا. والمعنى : فمن تطوع خيرًا بأن زاد على القدر المفروض فى الفدية، أو أطعم أكثر من مسكين، أو جمع بين الإِطعام والصوم، فتطوعه سيكون خيرًا عند الله - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا. وقوله : ﴿وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ ترغيب فى الصوم وتحبيب فيه. أى: وأن تصوموا أيها المطيقون للصوم، أو أيها المكلفون جميعًا خير لكم من كل شىء سواه، إن كنتم تعلمون فوائد الصوم فى حياتكم، وحسن جزائه فى آخرتكم. روى النسائى وابن خزيمة عن أبى أمامه رضى الله عنه قال : قلت يا رسول الله مرنى بعمل قال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له - أى لا يعادل ثوابه بشىء - فقلت يارسول الله مرنى بعمل، فقال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له. فقلت: يارسول الله مرنى بعمل أدخل به الجنة. فقال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له))(١). وقوله : ﴿شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ كلام مستأنف لبيان تلك الأيام المعدودات التى كتب علينا الصوم فيها وأنها أيام شهر رمضان الذى يستحق كل مدح وثناء لتشرفه بنزول الكتب السماوية فيه. قال الإِمام ابن كثير: يمدح - تعالى - شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، فقد ورد فى الحديث بأنه الشهر الذى كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء فعن وائلة بن الأسقع أن رسول الله بصير قال: أنزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإِنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان(٢). و﴿الشهر﴾ مأخوذ من الشهرة، يقال: شهر الشىء يشهر شهرة وشهرًا إذا ظهر بحيث لا يتعذر علمه على أحد، ومنه يقال: شهرت السيف إذا سللته قال بعضهم: وسمى الهلال (١) الترغيب والترهيب للمنذرى جـ ٢ ص ٨٥ من ((كتاب الصوم)). (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢١٦ . ٣٨٧ سورة البقرة شهرًا لشهرته وبيانه، وبه سمى الشهر شهرًا . و﴿رمضان﴾ اسم لهذا الشهر الذى فرض علينا صيامه، وهو مأخوذ - كما قال القرطبى - من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء : شدة الحر، ومنه الحديث: صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال)) - أى صلاة الضحى - قيل: إن العرب لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التى وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمى بذلك. وقيل إنما سمى رمضان لأنه يرمض الذنوب، أى: يحرقها بالأعمال الصالحة»(١). وقوله: ﴿شهر رمضان﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هى شهر رمضان أى: الأيام المعدودات، وقوله: ﴿الذى أنزل فيه القرآن﴾ صفة للشهر. ويجوز أن يكون قوله ﴿شهر﴾ مبتدأ وخبره الموصول بعده، أو خبره قوله ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وصح وجود الفاء فى الخبر لكون المبتدأ موصوفًا بالموصول الذى هو شبه بالشرط. وقرىء بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف. أى: صوموا شهر رمضان. و((القرآن)) هو كلام الله المعجز المنزل على محمد يفر المكتوب فى المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته. والمراد بإنزال القرآن فى شهر رمضان إبتداء إنزاله فيه، وكان ذلك فى ليلة القدر. بدليل قوله - تعالى - ﴿إنا أنزلناه فى ليلة القدر﴾ أى بدأنا إنزال القرآن فى هذه الليلة المباركة، إذ من المعروف أن القرآن استمر نزوله على النبى ﴿ ما يقرب من ثلاث وعشرين سنة. وقيل المراد بذلك، انزل فى فضله القرآن، قالوا: ومثله أن يقال: أنزل الله فى أبى بكر الصديق كذا آية، يريدون أنزل فى فضله. وقيل المراد أنزل فى إيجاب صومه على الخلق القرآن، كما يقال: أنزل الله فى الزكاة كذا وكذا، يريد فى إيجابها وأنزل فى الخمر كذا يريد فى تحريمها. قال الآلوسي : وقوله - تعالى -: ﴿هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما أنزل. أى: أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير، وآيات واضحات من جملة الكتب الإلهية الهادية إلى الحق والفارقة بين الحق والباطل باشتماله على المعارف الإلهية والأحكام العملية، كما يشعر بذلك جعله بينات منها، فهو هاد بواسطة أمرین، مختص وغیر مختص، فاهدی لیس مکررًا، وقيل : مکرر تنويها (١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٢٩١ بتصرف وتلخيص. ٣٨٨ المجلد الأول وتعظيًا لأمره وتأكيدًا لمعنى الهداية كما تقول: عالم نحرير))(١). وقوله : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ يصح أن يكون شهد بمعنى حضر. كما يقال: فلان شهد بدرًا، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله وولفر أى: حضرها، فيكون المعنى : فمن حضر منكم دخول الشهر أو حلوله بأن كان مقيما وليس عنده ما يمنعه من الصوم كمرض ونحوه، فليصمه؛ لأن صيامه ركن من أركان الدين، وعليه يكون لفظ ((الشهر)) منصوب على الظرفية . ويصح أن يكون شهد بمعنى علم كقوله - تعالى -: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾. فيكون المعنى: فمن علم منكم هلال الشهر وتيقن من ظهوره فليصمه. وعليه يكون لفظ ((الشهر)) منصوب على أنه مفعول به بتقدير المضاف المحذوف و﴿من﴾ موصولة أو شرطية وهو الأظهر و﴿منكم﴾ فى محل نصب على الحال من الضمير فى شهد فيتعلق بمحذوف أى: كائنًا منكم. والضمير فى ((منكم)) يعود على الذين آمنوا، أى كل من حضر منكم الشهر فليصمه و(أل) فى الشهر للعهد. وأعيد ذكر الرخصة فى قوله - تعالى - ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر، لئلا يتوهم من تعظيم أمر الصوم فى نفسه وأنه خير، أنه قد صار متحتمًا بحيث لا تتناوله الرخصة بوجه من الوجوه أو تتناوله ولكنها مفضولة، وفى ذلك عناية بأمر الرخصة وأنها محبوبة له - تعالى - وقوله - تعالى -: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ بيان لحكمة الرخصة .. أى: شرع لكم - سبحانه - الفطر فى حالتى المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر والسهولة. ولا يريد بكم العسر والمشقة. قال - تعالى -: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ وقال - تعالى -: ﴿ما جعل عليكم فى الدين من حرج) وفى الصحيحين أن رسول الله وَلقر قال لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى حين بعثهما إلى اليمن: يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفر!، وتطاوعا ولا تختلفا)). وقوله - تعالى -: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ معطوف على قوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ إذ هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ إلى قوله: ﴿فعدة من أيام أخر﴾. والمعنى : شرع لكم - سبحانه - ماشرع من أحكام الصيام، ورخص لكم الفطر فى حالتى (١) تفسير الألوسى جـ ٢ ص ٦١. ٣٨٩ سورة البقرة المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولأنه يريد منكم أن تكملوا عدة الشهر بأن تصوموا أيامه كاملة فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شىء من بركاته، ومن لم يستطع منكم أداء الصوم فى هذا الشهر لعذر فعليه قضاء مافاته منه فى أيام أخر ويريد منكم أن تكبروه - سبحانه - أى تحمدوه وتعظموه، فهو وحده الذى هداكم إلى تلك الأحكام النافعة التى فيها صلاحكم وسعادتكم ويريد منكم أن تشكروه بأن تواظبوا على الثناء عليه، وعلى استعمال نعمه فيما خلقت له فهو - سبحانه - الرءوف الرحيم بعباده، إذ شرع لهم ما فيه اليسر لا ما فيه العسر. وقد دلت الآية الكريمة على الأمر بالتكبير إذ جعلته مما يريده الله - تعالى - ولهذا جاءت السنة باستحباب التحميد والتسبيح والتكبير بعد الصلوات المكتوبات، وفى عيدى الفطر والأضحى يكون تكبير الله - تعالى - هو مظهرهما الأعظم. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت أكمل بيان وأحكمه فضل الصوم، وحكمة مشروعيته ومظاهر رحمة الله بعباده فى هذه الفريضة، وقد ذكرت أن المسلم له بشأن هذه الفريضة حالة من حالات ثلاث : الحالة الأولى : إذا كان المسلم فى شهر رمضان كله أو بعضه مريضًا بمرض عارض غير مزمن يرجى الشفاء منه، أو مسافرًا تتوفر فيه شروط الفطر، فله أن يفطر وأن يقضى بعد رمضان الأيام التى أفطرها بدليل قوله - تعالى -: ﴿فمن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ . الحالة الثانية: إذا كان المسلم فى شهر رمضان مريضًا بمرض مزمن لا يرجى شفاؤه والصوم فيه مشقة عليه، أو كان شيخًا كبيرًا أو امرأة عجوزًا ولا يستطيعان الصوم، فقد أباح الشارع لهؤلاء أن يفطروا وأن يطعموا عن كل يوم مسكينًا، لأن هذه الاعذار لا يرجى زوالها، ولا ينتظر أن يكون المبتلى بعذر منها بعد رمضان خيرًا منه فى رمضان، لذا أوجب الشارع على هؤلاء الفدية دون القضاء، بدليل قوله - تعالى -: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسکین﴾ . الحالة الثالثة : إذا كان المسلم فى شهر رمضان سليما مقيما وليس عنده عذر يمنعه من الصوم، فقد أوجب الله عليه أداء هذه الفريضة بقوله - تعالى -: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ويحرم عليه أن يفطر، وإن أفطر لغير عذر شرعى كان من الخاسرين فى الدنيا والآخرة، ففى الحديث الشريف الذى رواه الترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله وَالر قال: ((من أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه - أى لم يجزه - صوم الدهر كله وإن صامه))(١). (١) الترغيب والترهيب للمنذرى جـ ٢ ص ٠١٠٨. ٣٩٠ المجلد الأول أى: لو حصل منه صوم طول حياته فلن يدرك ثواب ما ضيع بسبب فطره بغير عذر شرعی . والأحاديث فى الترغيب فى صوم شهر رمضان، وفى الترهيب من الفطر فيه كثيرة متنوعة . ثم بين - سبحانه - أن العباد إذا حافظوا على فرائضه، واستجابوا لأوامره، وابتعدوا عن نواهيه، فإنه - عز وجل - لا يرد لهم طلبًا ولا يخيب لهم رجاء فقال : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِيبُواْلِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ٨٨٦ قال الإِمام البيضاوى فى وجه اتصال هذه الآية بما قبلها من آيات الصيام : واعلم أنه - تعالى - لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم سميع لأقوالهم، مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم تأکیدًا له وحثًا عليه)» وروی المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما أخرجه بن جرير وابن أبى حاتم أن أعرابيًّا جاء إلى النبى وَّ فقال: أقريب ربنا فنناجيه - أى: ندعوه سرا - أم بعيد فنناديه؟ فسكت رسول الله ور فأنزل الله هذه الآية(١). ومنها ما رواه ابن مردويه - بسنده - عن الحسن قال: سأل بعض الصحابة رسول الله وَاليه أين ربنا؟ فأنزل الله - تعالى - هذه الآية (٢). والمعنى : وإذا سألك عبادي يا محمد عن قربى وبعدى فقل لهم: إنى قريب منهم بعلمى ورحمتى وقدرت وإجابتى لسؤالهم. قال - تعالى -: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) : وفى الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى أنه قال: كنا مع النبى وَّ فى سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير. فقال النبى ◌َ له: ايها الناس اربعوا على أنفسكم - أى أرفقوا بها - فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصبًّا .هـ معكم، والذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته))(٣). (١). تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢١٨. (٢) تفسير البيضاوى ص ٣٩. (٣) تفسیر ابن کثیر جـ ١ ص ٢١٨. ٣٩١ سورة البقرة فقوله - تعالى -: ﴿فإنى قريب﴾ تمثيل لكمال علمه - تعالى - بأفعال عباده وأقوالهم، واطلاعه على سائر أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم إذ القرب المكانى محال على الله - تعالى -. وفى الآية الكريمة التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام، إلى خطاب النبى تكليفه بأن يذكرهم ويعلمهم ما يجب عليهم مراعاته فى سائر عبادتهم من الإِخلاص والأدب والتوجه إلى الله وحده بالسؤال. ولم يصدر الجواب بقل أو فقل كما وقع فى أجوبة مسائلهم الواردة فى آيات أخرى، نحو ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا﴾ بل تولى - سبحانه - جوابهم بنفسه إشعارًا بفرط قربه منهم، وحضوره مع كل سائل بحيث لا تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من ذوى الحاجات. والمراد بالعباد الذين أضيفوا إلى ضمير الجلالة هم المؤمنون لأن الحديث عنهم، ولأن سياق الآيات فى بيان أحكام الصوم وفضائله وهو خاص بالمؤمنين، وقد أضيفوا إلى ضمير الجلالة لتشريفهم وتكريمهم. وقوله - تعالى -: ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ تقرير للقرب وتحقيق له، ووعد للداعى بالإِجابة متى صدر الدعاء من قلب سليم، ونفس صافية، وجوارح خاشعة، ولقد ساق لنا القرآن فى آيات كثيرة أمثلة لعباد الله الذين توجهوا إليه بالسؤال، فأجاب الله سؤالهم، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له﴾ وقوله - تعالى -: ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرنى فردًا وأنت خير الوارثين. فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه﴾ وقوله - تعالى -: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر﴾. وورد فى الحديث ما يدل على أن العبد إذا دعا الله - تعالى - بما فيه خير، لم يخب عند الله دعاؤه، ولكن لا يلزم أن يعطيه - سبحانه - نفس ما طلبه، لأنه هو الأعلم بما يصلح عباده. روى الإِمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى أن النبى وَّر قال: ((ما من مسلم يدعو الله - عز وجل - بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال : إما أن يعجل إليه دعوته، وإما أن يدخرها له فى الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها)). وقوله - تعالى -: ﴿فليستجيبوا لى وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ توجيه منه - سبحانه - إلى ما يجعل الدعاء مرجو القبول والإِجابة. والاستجابة: هى الإجابة بعناية واستعداد، والسين والتاء للمبالغة. ٣٩٢ المجلد الأول والرشد : الاهتداء إلى الخير وحسن التصرف فى الأمر من دين أو دنيا يقال : رشد ورشد يرشد ويرشد رشدًا، أى اهتدى. والمعنى : لقد وعدتكم يا عبادى بأن أجيب دعاءكم إذا دعوتمونى، وعليكم أنتم أن تستجيبوا لأمرى، وأن تقفوا عند حدودى، وأن تثبتوا على إيمانكم بى، لعلكم بذلك تصلون إلى ما فيه رشدكم وسعادتكم فى الحياتين العاجلة والآجلة. وأمرهم - سبحانه - بالإِيمان بعد الأمر بالاستجابة، لأنه أول مراتب الدعوة، وأولى الطاعات بالاستجابة. قال الحافظ ابن كثير: وفى ذكره - تعالى - هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد فى الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر، كما روى أبو داود الطيالسى فى مسنده عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله وَله يقول: للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر جمع أهله وولده ودعا. وروى ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبى وَلَّ: ((إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد)) وكان عبد الله يقول إذا أفطر: اللهم إنى أسألك برحمتك التي وسعت كل شىء أن تغفر لى)) وروى الإِمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله وَّو ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإِمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة وتفتح لها أبواب السماء ويقول: بعزتى لأنصرنك ولو بعد حين))(١). هذا والحديث عن الدعاء وعن فضله وعن آدابه وشروطه وفوائده وجوامعه وغير ذلك مما يتعلق به قد بسطناه فى غير هذا المكان فليرجع إليه من شاء(٢). وبعد هذا الحديث المؤثر عن الدعاء، عاد القرآن إلى الحديث عن أحكام الصيام، وعن مظاهر رحمة الله بعباده فيما شرع لهم فقال - تعالى - : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُوْ حَتَّى يَقَبَيِّنَ لَكُمْ (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢١٩. (٢) راجع كتاب (الدعاء) للمؤلف طبع مجمع البحوث: الكتاب السادس والخمسون. ٣٩٣ سورة البقرة اُلْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِثُمَّ ◌َقِعُواْالصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَاْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ١٨٧ روى بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآية الكريمة أحاديث تفيد أن المسلمين كانوا عند ما فرض صيام شهر رمضان. إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويقربون النساء مالم يناموا، فإذا ناموا حرم عليهم بعد ذلك الطعام والشراب وقربان النساء حتى يفطروا من الغد. ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ما أخرجه الإِمام أحمد وابن جرير وابن حاتم عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه. قال : كان الناس فى رمضان إذا صام الرجل فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - من عند النبى ◌ّ ذات ليلة وقد سمر عنده، فأراد امرأته فقالت إنى قد نمت، فقال ما نمت ثم واقعها، وصنع كعب مثل ذلك. فغدا عمر بن الخطاب إلى النبى وَلّ فأخبره فنزلت(١). ومنها ما رواه البخارى عن البراء قال: كان أصحاب محمد ◌َّ إذا كان الرجل صائما فحضر الإِفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسى. وإن قيس بن صرمة الأنصارى كان صائما وفى رواية : كان يعمل فى النخيل بالنهار وكان صائما. فلما حضر الإِفطار أتى امرأته فقال لها : أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك. فلما انتصف النهار غشى عليه، فذكر ذلك للنبي وكل فنزلت هذه الآية ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ ففرحوا فرحًا شديدًا، ونزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾(٢). وجمهور المفسرين - كما يقول الإِمام الرازى - على أن هذه الآية من قبيل النسخ، لأنها قد نسخت ماكان حاصلا فى أول فرضية الصيام من أن الصائم إذا نام بعد فطره لا يحل له الأكل أو الشرب أو الجماع إلى أن يفطر من الغد. (١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٦٤. (٢) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٣١٤. ٣٩٤ المجلد الأول ويرى بعض العلماء أن الآية ليست من قبيل النسخ وإنما هى إرشاد إلى ماشرعه الله - تعالى - لعباده خلال شهر الصوم من إباحة غشيان أزواجهن ليلا. ومن جواز الأكل والشرب، حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وكأن الصحابة كانوا يتحرجون عن ذلك ظنًا منهم أنه من تتمة الصوم، ورأوا أن لاصبر لأنفسهم عن الأكل والشرب والجماع ليلا، فبين الله لهم أن ذلك حلال لا حرج فيه. وأصحاب هذا الرأى يستشهدون لذلك بما رواه البخارى عن البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله - تعالى - ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم﴾(١). فالمقصود من الآية الكريمة عند هؤلاء رفع ما توهمه بعض الصحابة من أن الأكل أو الشرب أو الجماع لا يجوز ما داموا قد ناموا بعد فطرهم؛ لأن الله - تعالى - رءوف رحيم بهم، ولم يشرع لهم ما فيه حرج أو مشقة عليهم. وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تسوق لنا لونا من ألوان رحمة الله - تعالى - بعباده فيما شرع لهم من فرائض وأحكام . والمراد بليلة الصيام : الليلة التى يصبح فيها الإِنسان صائما دون تحديد ليلة معينة من شهر رمضان، فالإِضافة لأدنى ملابسة. قال الجمل وقوله : ﴿ليلة الصيام﴾ منصوب على الظرف، وفى الناصب له ثلاثة أقوال : أحدها : وهو المشهور عند المعربين أنه أحل، وليس بشىء، لأن الإِحلال ثابت قبل ذلك الوقت. الثانى: أنه مقدر مدلول عليه بلفظ الرفث تقديره: أحل لكم أن ترفثوا ليلة الصيام. الثالث : أنه متعلق بالرفث وذلك على رأى من يرى الاتساع فى الظرف والمجرورات(٢))). والرفث فى الأصل : الفحش من القول، وكلام النساء حين الجماع، كنى به عن المباشرة للزومه لها غالبًا. يقال رفث فى كلامه - كنصر وفرح وكرم - وأرفث، إذا أفحش فيه. والمراد به فى الآية الجماع والمباشرة. وعدى بإلى - مع أن المستعمل الشائع أن يقال : رفث بالمرأة - لتضمنه معنى الإِفضاء كما فى قوله - تعالى - : ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾. (١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٣١٤. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٤٩. ٣٩٥ سورة البقرة والمعنى : أحل الله لكم فى ليالى صومكم الإِفضاء إلى نسائكم ومباشرتهن وقوله - تعالى - ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ وارد مورد المقتضى لإِباحة مباشرة النساء فى ليالى الصيام، ذلك أن كلا من الزوجين يسكن إلى صاحبه، ويكون من شدة القرب منه كالثوب الملابس له وكانت العرب تسمى المرأة لباسًا، وهذه حال تقوى معها الدواعى إلى المباشرة، فمن رفقه - تعالى - بعباده أن أحلها لهم ليلة الصيام. قال الراغب : جعل اللباس كناية عن الزوج لكونه سترًا لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس ستر عنه أن يبدو منه السوء. وقال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما موقع قوله: ﴿هن لباس لكم) قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن وصعب عليكم اجتنابهن، فلذلك رخص لكم فى مباشرتهن))(١). وفى هذا التعبير القرآنى ما فيه من اللطافة والأدب وسمو التصوير لما بين الرجل وزوجه من شدة الاتصال والمودة واستتار كل واحد منهما بصاحبه. وقوله - تعالى -: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ جملة معترضة بين قوله : ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ وبين قوله: ﴿فالآن باشروهن﴾ إلخ. وقد جىء بها لبيان حالهم بالنسبة إلى ما فرط منهم، ولبيان مظهر من مظاهر لطف الله بهم، ورحمته إياهم. وقوله : ﴿تختانون﴾ قال الراغب: الاختيان مراودة الخيانة، ولم يقل تخونون أنفسكم لأنه لم تكن منهم الخيانة بل كان منهم الاختيان، فإن الاختيان تحرك شهوة الإِنسان لتحرى الخيانة وذلك هو المشار إليه بقوله - تعالى -: ﴿إن النفس الأمارة بالسوء﴾(٢). والمعنى : علم الله - تعالى - أنكم كنتم تراودون أنفسكم على مباشرة نسائكم ليلا، وعلى الأكل بعد النوم، قبل أن يظهر الفجر الصادق، بل إن بعضكم قد فعل ذلك، فكان من رحمة الله بكم أن أباح الأكل والشرب والجماع فى ليالى الصوم، وأن قبل توبتكم وعفا عنكم، أى : محا أثر ما فعلتموه من الأكل والجماع قبل أن يأذن لكم بذلك. وجملة ﴿فتاب عليكم﴾ معطوفة على محذوف، والتقدير: فتبتم فتاب عليكم. والذين لا يرون أن الآية ناسخة لحكم سابق عبر عن وجهة نظرهم صاحب المنار فقال : وقوله - تعالى -: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ أى: تتنقصونها بعض ما أحل الله (١) تفسير الكشاف الزمخشرى جـ ١ ص ٢٣٠. (٢) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ١٦٣ . ٣٩٦ المجلد الأول لها من اللذات توهما أن من قبلكم كان كذلك فيكون بمعنى التخون أى : النقص من الشىء أو معناه : تخونون أنفسكم إذ تعتقدون شيئًا ثم لا تلتزمون العمل به فهو مبالغة من الخيانة التى هى مخالفة مقتضى الأدلة ولم يقل تختانون الله كما قال فى آية أخرى ((لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم)) للإشعار بأن الله - تعالى - لم يحرم عليهم بعد النوم فى الليل ما حرمه على الصائم فى النهار، وإنما ذهب بهم اجتهادهم إلى ذلك فهم قد خانوا أنفسهم فى اعتقادها، فكانوا كمن يتغشى امرأته ظانًا أنها أجنبية، فعصيانة بحسب اجتهاده لا بحسب الواقع، فهم على أية حال كانوا عاصين بما فعلوا محتاجين إلى التوبة والعفو ولذلك قال ﴿فتاب عليكم وعفا عنکم﴾(١). وقوله - تعالى -: ﴿فالآن باشروهن﴾ الأمر فيه للإباحة وهو مرتب على قوله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾. ولفظ ﴿الآن﴾ يطلق حقيقة على الوقت الذى أنت فيه، وقد يقع على الماضى القريب منك وعلى المستقبل القريب الوقوع تنزيلا له منزلة الحاضر وهو المراد هنا. و﴿باشروهن﴾ من المباشرة وأصلها اتصال البشرة بالبشرة، وكنى بها القرآن عن الجماع الذى يستلزمها. وقوله - تعالى -: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ تأكيد لما قبله. والابتغاء الطلب والمعنى : لقد أبحنا لكم الإِفضاء إلى نسائكم فى ليالى رمضان بعد أن كان محرمًا عليكم فضلا منا ورحمة بكم فالآن باشروهن واطلبوا من وراء هذه المباشرة ماكتبه لكم الله من الذرية الصالحة ومن التعفف عن إتيان الحرام. وفى هذا إشعار بأن النكاح شرع ليبتغى به النسل حتى يتحقق ما يريده الله - تعالى - من بقاء النوع الإِنسانى، ومن صيانة المرء نفسه عن الوقوع فى فاحشة الزنا. وقوله - تعالى - : ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ معطوف على باشروهن. والمقصود من الخيط الأبيض: أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض فى الأفق قبل إنتشاره . والمقصود من الخيط الأسود: ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة الليل. (١) تفسير المنار جـ ٢ ص ١٧٦ . 1 ٣٩٧ سورة البقرة والمعنى : لقد أبحنا لكم مباشرة النساء فى ليالى الصوم، وأبحنا لكم كذلك أن تأكلوا وأن تشربوا فى هذه الليالى حتى يتبين لكم بياض الفجر من سواد الليل. قال الإِمام الرازى: ﴿والفجر) مصدر قولك: فجرت الماء أفجره فجرًا، وفجرته تفجيرًا، قال الأزهرى: الفجر أصله الشق، فعلى هذا الفجر فى آخر الليل هو انشقاق ظلمة الليل بنور الصبح . وقد وردت روايات صحيحة تفيد أن قوله: ﴿من الفجر﴾ قد تأخر نزوله عن الجمل السابقة له. ففى الصحيحين عن سهل بن سعد قال أنزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل من الفجر﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم فى رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ويأكل حتى يتبين له رؤيتها، فأنزل الله بعده ﴿من الفجر﴾ فعلموا أنه يعنى الليل والنهار. ورويا أيضًا عن عدى بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ عمدت إلى عقالين لى أسود وأبيض فجعلتهما تحت وسادتى وجعلت أنظر فى الليل إليهما فلا يتبين لى، فعمدت إلى رسول الله ( * فذكرت ذلك فقال: ((إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار)) ونزل قوله - تعالى -: ﴿من الفجر﴾. وشبه بياض النهار وسواد الليل بالخيطين : الأبيض والأسود لأن أول ما يبدو من الفجر المعترض فى الأفق وما يمتد معه من غبش الليل يكون كالخيط الممدود. وفى الإِتيان بلفظ التفعل فى قوله: ﴿حتى يتبين .. ﴾ إشعار بأنه لا يكفى إلا التبين الواضح لا مجرد التوهم، فقد روى الإمام مسلم فى صحيحه عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله وَر: ((لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر - أو قال - حتى ينفجر الفجر)). وقوله : ﴿من الفجر﴾ بيان للخيط الأبيض. واكتفى به عن بيان الخيط الأسود، لأن بيان أحدهما بيان للثانى، ويجوز أن تكون ((من)) للتبعيض، أى: من بعض الفجر. وقوله - تعالى -: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل) بيان لإنتهاء وقت الصيام بعد أن بينت الجملة السابقة بدايته. أى : ابدءوا صومكم من طلوع الفجر وانتهوا منه بدخول الليل عند غروب الشمس، إذ الليل لبس بوقت الصيام. قال الإمام الرازى: كلمة ﴿إلى﴾ لإنتهاء الغاية، فظاهر الآية : أن الصوم ینتهى عند دخول الليل، وذلك لأن غاية الشىء مقطعه ومنتهاه وإنما يكون مقطعًا ومنتهى إذا لم يبق بعد ذلك. وقد تجىء هذه الكلمة لا للإنتهاء كما فى قوله - تعالى -: ﴿إلى المرافق﴾ إلا أن ذلك على ٣٩٨ المجلد الأول خلاف الدليل، والفرق بين الصورتين أن الليل ليس من جنس النهار فيكون الليل خارجًا عن حكم النهار، والمرافق من جنس اليد فيكون داخلا فيه)). وفى الصحيحين عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله وَله إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم)). وكان من عادته وهو تعجيل الفطر، فقد روى الشيخان عن سهل بن سعد أن رسول الله (وَل قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)). وقد أخذ العلماء من هذه الآية ومن عمل الرسول ◌َ﴿ وقوله، أن من واصل الإِمساك عن المفطرات فى الليل فلا ثواب له على هذا الإِمساك، لأنه لم يقع فى الوقت الذى رسمه الشارع لعبادة الصوم، بل يعد هذا المواصل فاعلا لمحظور، فلابد للصائم من تناول شيء من المفطرات بعد غروب الشمس ولو قليلا من الماء. فقد روى الترمذى عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله ◌َلّ يَفطر قبل أن يصلى على رطبات فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء، والوصال - بمعنى أن يصوم الشخص اليوم وما بعده من غير أن يتناول مفطرًا فى الليل الفاصل بينهما - وردت فى النهى عنه أحاديث كثيرة، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبى # قال: ((لا تواصلوا، قالوا: إنك تواصل يا رسول الله. قال : لست كأحد منكم إنى أطعم وأسقى. أو قال: إنى أظل يطعمنى ربى ويسقينى)). وروى الإمام أحمد عن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت : أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعنى بشير وقال: إن رسول الله وَ ﴿ نهى عنه وقال: يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله ثم أتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا)). وقوله : ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد﴾ استثناء من عموم إباحة المباشرة، وذلك لأنه لما أطلق فى الجملة السابقة الإِذن فى مباشرة النساء ليلة الصيام بقوله : ﴿فالآن باشروهن﴾ كان هذا الإطلاق مظنة لأن يؤخذ منه أن المعتكف كالصائم فى أنه يجوز له أن يباشر زوجته ليلا لا نهارًا، فبين - سبحانه - بهذه الجملة أن المعتكف يحرم عليه أن يباشر النساء فى الليل والنهار. قال القرطبى : والاعتكاف فى اللغة : الملازمة، يقال عكف على الشىء إذا لازمه مقبلا عليه. قال الشاعر : عكوف البواكى بينهن صريع وظل بنات الليل حولی عکفا ولما كان المعتكف ملازمًا للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه لزمه هذا الاسم وهو فى عرف ٣٩٩ سورة البقرة الشرع : ملازمة طاعة مخصوصة فى وقت مخصوص على شرط مخصوص فى موضع مخصوص. وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب وهو قربة من القرب ونافلة من النوافل عمل بها رسول الله وس* وأصحابه وأزواجه، ويلزمه إن ألزمه نفسه، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه . وأجمع العلماء على أنه لا يكون إلا فى المسجد واختلفوا فى المراد بالمساجد فى قوله - تعالى - : ﴿فى المساجد﴾ فذهب قوم إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه نبى كالمسجد الحرام والمسجد النبوى وبيت المقدس، وقال آخرون لا اعتكاف إلا فى مسجد تجمع فيه الجمعة، وقال آخرون الاعتكاف فى كل مسجد جائز(١). والمشار إليه فى قوله - تعالى -: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ الأحكام التى سبق تقريرها من إيجاب وتحريم وإياحة. والحدود جمع حد، وهو فى اللغة الحاجز بين الشيئين المتقابلين ليمنع من دخول أحدهما فى الآخر. ومنه سمى الحديد حديدًا لأنه يمنع وصول السلاح إلى البدن. وسميت الأحكام التى شرعها الله حدودًا لأنها تحجز بين الحق والباطل. أى: تلك الأحكام التى شرعناها لكم من إيجاب الصوم، وتحريم الأكل والشرب والجماع فى نهاره، وإباحة ذلك فى ليله، هى حدود الله التى لا يحل لكم مخالفتها أو مجاوزتها. وعبر - سبحانه - عن النهى عن مخالفة تلك الأحكام بقوله: ﴿فلا تقربوها﴾ مبالغة فى التحذير من مخالفتها، لأن النهى عن القرب من الشىء نهى عن إتيانه بالأولى والآية ترشد بقولها ﴿فلا تقربوها﴾ إلى اجتناب ما فيه شبهة كما ترشد إلى ترك الأشياء التى تقضى فى غالب أمرها إلى الوقوع فى حرام. قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل ﴿فلا تقربوها﴾ مع قوله: ﴿فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله﴾ قلت: من كان فى طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف فى حيز الحق فنهى أن يتعداه. لأن من تعداه وقع فى حيز الباطل، ثم بولغ فى ذلك فنهى أن يقرب الحد الذى هو الحاجز بين حيزى الحق والباطل لئلا يدانى الباطل، وأن يكون فى الواسطة متباعدًا عن الطرف فضلا عن أن يتخطاه كما قال رسول الله وَلاير: ((إن لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمی یوشك أن يقع فيه» فالرتع حول الحمی وقربان حیزه واحد. ويجوز أن یرید (١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٣٣٢ بتصرف وتلخيص. ٤٠٠ المجلد الأول بحدود الله محارمه ومناهيه خصوصًا، لقوله - تعالى -: ﴿ولا تباشروهن﴾ وهى حدود لا تقرب)»(١). ثم ختم - سبحانه - هذه الآية الكريمة بقوله: ﴿كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾. أى: مثل ذلك البيان الجامع الذى بين الله به حدوده التى أمركم بالتزامها ونهاكم عن مخالفتها، يبين لكم آياته، أى: أدلته وحججه لكى تصونوا أنفسكم عما يؤدى بكم إلى العقوبة، وتكونوا ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه. وبذلك تكون الآية الكريمة قد ختمت الحديث عن الصوم، ببيان مظاهر رفق الله بعباده، ورعايته لمصالحهم ومنافعهم، بأسلوب بليغ جمع بين الترغيب والترهيب، والإِباحة والتحريم، وغير ذلك من أنواع الهداية والإِرشاد إلى ما يسعد الناس فى دينهم ودنياهم. وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن الصيام، وما يتعلق به من أحكام، أردف ذلك بالنهى عن أكل الحرام، لأنه يؤدى إلى عدم قبول العبادات من صيام واعتكاف ودعاء وغير ذلك فقال - تعالى - : ٠ .. وَلَا تَأْكُلُواْأَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِاَلْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِنْ (١٨٨) أَمْوَلِ النَّاسِ بِأَلِإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ والخطاب فى الآية الكريمة موجه إلى المؤمنين كافة فى كل زمان ومكان. والمراد بالأكل مطلق الأخذ بغير وجه حق، وعبر عنه بالأكل، لأن الأكل أهم وسائل الحياة، وفيه تصرف الأموال غالبًا. والباطل فى اللغة: الزائل الذاهب، يقال: بطل يبطل بطولا وبطلانا. أى ذهب ضياعًا وخسرًا. وجمع الباطل أباطيل. ويقال: بطل الأجير يبطل بطالة إذا تعطل واتبع اللهو. والمراد هنا: كل ما لم يبح الشرع أخذه من المال وإن طابت به النفس، كالربا والميسر وثمن الخمر، والرشوة، وشهاد الزور، والسرقة، والغصب، ونحو ذلك مما حرمه الله - تعالى -. والباء للسببية، والجار والمجرور متعلق بالفعل قبله، وكذلك قوله: ﴿بينكم﴾. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٢٣ .