Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ سورة البقرة اللقاء واللقى واللقية. والمقصود: استقبلوهم وكانوا فى مواجهتهم وقريبا منهم. ومرادهم بقولهم ((آمنًا)) أخلصنا الإِيمان بقلوبنا لأن الإقرار باللسان معلوم منهم. وإذا خلوا إلى شياطينهم، أى : انفردوا مع رؤسائهم وقادتهم المشبهين الشياطين فى تمردهم . وعنوهم وصدهم عن سبيل الحق. يقال: خلابه وإليه ومعه، خلوا وخلاء وخلوة : سأله أن يجتمع به فى خلوة ففعل وأخلاه معه. أو المعنى: وإذا مضوا وذهبوا إلى شياطينهم، يقال: خلا بمعنى مضى وذهب، ومنه قوله تعالى ﴿ قد خلت من قبلكم سنن﴾. أى مضت. وعبر عن حالهم مع المؤمنين بالملاقاة، وعن حالهم مع الشياطين بالخلوة إيذانا بأن هؤلاء المنافقين لا أنس لهم بالمؤمنين، ولا طمأنينة منهم إليهم فهم لا يجالسونهم ولا يسامرونهم، وإنما كل ما هنالك أن يلقوهم فى عرض طريق، أما شأنهم مع شياطينهم فهم إليهم يركنون، وإليهم يتسامرون ويتحادثون، لذلك هم بهم يخلون. والمعية فى قولهم ﴿إنا معكم﴾، المراد منها موافقتهم فى دينهم، وأكدوا ما خاطبوا به شياطينهم بحرف التأكيد، إذ قالوا ﴿إنا معكم﴾ ليزيلوا ما قد يجرى فى خراطرهم من أنهم فارقوا دينهم وانقلبوا إلى دين الإِسلام بقلوبهم ولم يؤكدوا ماخاطبوا به المؤمنين، إذ قالوا لهم ﴿آمنا﴾ ولم يقولوا ((إنا آمنا)) ليوهموهم أنهم بمرتبة لا ينبغى أن يترددوا فى إيمانهم حتى يحتاجوا إلى تأكید. وقوله - تعالى - حکایة عنهم: ﴿إنما نحن مستهزئون﴾. وارد مورد الجواب عما قد یعترض به عليهم شياطينهم إذا قالوا لهم: كيف تدعون أنكم معنا مع أنكم توافقون المؤمنين فى عقيدتهم وتشاركونهم فى مظاهر دينهم؟ فكان جوابهم عليهم ﴿إنما نحن مستهزئون﴾ والاستهزاء : السخرية والاستخفاف بالغير، يقال: هزأ منه وبه - كمنع وسمع - واستهزأ به، أى: سخر. والمعنى : إننا نظهر للمؤمنين الموافقة على دينهم استخفافًا بهم وسخرية منهم، لا أن ذلك صادر منا عن صدق وإخلاص. ثم بين - سبحانه - موقفه منهم فقال: ﴿الله يستهزئ بهم﴾. حمل بعض العلماء استهزاء الله بهم على الحقيقة وإن لم يكن من أسمائه المستهزى، لأن معناه يحتقرهم على وجه شأنه أن يتعجب منه، وهذا المعنى غير مستحيل على الله، فيصح إسناده إليه - تعالى - على وجه الحقيقة. ٦٢ المجلد الأول ويرى جمهور العلماء أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس كأن يظهر المستهزئُّ استحسان الشىء وهو فى الواقع غير حسن، أو يقر المستهزأ به على أمر غير صواب، وهذا المعنى لا يليق بجلال الله، فيجب حمل الاستهزاء المسند إليه تعالى على معنى يليق بجلاله، فيحمل على ما يلزم على الاستهزاء من الانتقام والعقوبة والجزاء المقابل لاستهزائهم، وسمى ذلك استهزاء على سبيل المشاكلة(١) كما فى قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾. وهذا دليل على غيرة الله على عباده المؤمنين، وانتقامه من كل من يستهزئ بهم أو يؤذيهم. وعبر بالمضارع فى قوله ﴿يستهزئ﴾ للإيذان بأن احتقاره لهم، أو مجازاتهم على استهزائهم يتجدد ويقع المرة بعد الأخرى : ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان غضبه عليهم فقال: ﴿ويمدهم فى طغيانهم يعمهون﴾. المد : الإِمهال والمطاولة والزيادة، من المد بمعنى الإِمهال، يقال : مده فى غيه - من باب رد - أمهله وطول له، ويقال : مد الجيش وأمده إذا ألحق به ما يقويه ويكثره ويزيده، وقيل : أكثر ما يستعمل المد فى المكروه، والإِمداد فى المحبوب، والطغيان : مجاوزة الحد، ومنه طغا الماء، أى: ارتفع. ويعمهون : يعمون عن الرشد، أو يتحيرون ويترددون بين الإِظهار والإِخفاء، أو بين البقاء على الكفر وتركه إلى الإِيمان. يقال: عمه - كفرح ومنع - عمها، إذا تردد وتحير، فهو عمه وعامه، وهم عمهون وعمه كركع والمعنى : أن الله تعالى يجازى هؤلاء المنافقين على استهزائهم وخداعهم، ويمكنهم من المعاصى أو يملى لهم ليزدادوا إنما. حال كونهم يعمون عن الرشد، فلا يبصرون الحقى حقًّا ولا الباطل باطلا. ثم بين - سبحانه - لونا من ألوان غبائهم وبلادتهم فقال: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدی﴾ . الاشتراء : أخذ السلعة بالثمن. والمراد : أنهم استبدلوا ماكره الله من الضلالة بما أحبه من الهدى قال ابن عباس: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. والمشار إليه بـ ((أولئك)) هم المنافقون: الموصوفون فى الآيات السابقة بالكذب والمخادعة، والإِفساد فى الأرض، ورمى المؤمنين بالسفاهة واستهزائهم بهم. والسر فى الإِشارة اليهم والتعبير عنهم بأولئك تمييزهم وتوضيحهم بأكمل صورة وأجلى بيان. (١) قال السكاكى: المشاكلة: أن تذكر الشىء بلفظ غيره لوقوعه فى صحبته اهـ مفتاح العلوم ص ٢٢٥. ٦٣ سورة البقرة إذ من المعروف عند علماء البلاغة أن اسم الإشارة إذا أشير به إلى أشخاص وصفوا بصفات يلاحظ فيه تلك الصفات، فهو بمنزلة إعادة ذكرها وإحضارها فى أذهان المخاطبين. فتكون تلك الصفات، وهى هنا الكذب والمخادعة وما عطف عليها، كأنها ذكرت فى هذه الآية مرة أخرى ليعرف بها علة الحكم الوارد بعد اسم الإِشارة، وهو هنا اشتراء الضلالة بالهدى. أى : اختيارها. واستبدالها به. وعبرت الآية بالاشتراء على سبيل الاستعارة ليتحدد مقدار رغبتهم فى الضلالة، وزهدهم فى الهدى، فإن المشترى فى العادة يكون شديد الرغبة فيما يشترى، رغبة تجعله شديد الزهد فيما يبذله من ثمن. فهم راغبون فى الضلالة، زاهدون فى الهدى. وقوله تعالى : ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ لا يقتضى أنهم كانوا على هدى من ربهم فتركوه، بل يكفى فيه أن يجعل تمكنهم من الهدى لقيام أدلته. بمنزلة الهدى الحاصل بالفعل. ثم بين سبحانه نتيجة أخذهم الضلالة وتركهم الهدى فقال : ﴿فما ربحت تجارتهم﴾ أى: أنهم لم يحصلوا من اشترائهم الضلالة بالهدى على الربح، وإذا كانت التجارة الحقيقية قد یفوت صاحبها الربح، ولكنه لا يقع فى خسارة بأن یبقی له رأس ماله محفوظًا، فإن التجارة المقصودة من الآية هى استبدال الضلالة بالهدى، لا يقابل الربح فيها إلا الخسران، فإذا نفى عنها الربح فذلك يعنى أنها تجارة خاسرة. ثم قال - تعالى -: ﴿وما كانوا مهتدين﴾ أى: وما كانوا مهتدين إلى سبيل الرشاد وما تتجه إليه العقول الراجحة من الدين الحق، وما كانوا مهتدين إلى طرق التجارة الرابحة، فهم أولا لم يربحوا فى تجارتهم بل خسروها، وهم ثانيًا ذهب نور الهدى من حولهم فبقوا فى ظلمة الضلال. وما أوجع أن يجتمع على التاجر خسارته وتورطه، وما أوجع أن يجتمع عليه أن ينقطع عن غايته، وأن يكون فى ظلمة تعوقه عن التبصر. وبعد أن وصف الله تعالى حال المنافقين فى الآيات السابقة، ساق مثلين لتوضيح سوء تصرفهم، وشدة حيرتهم واضطرابهم. فقال تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلٍ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ. ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَقَرَّكَّهُمْ فِ ظُلُمَتٍ لَّا يُبْصِرُونَ (٣) صُ بُكْمُّ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَرَجِعُونَ ﴿٨) أَوْكَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِفِهِ ٦٤ المجلد الأول ظُلُمَتُ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِمْ مِنْالصَّوَارِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِنَ ، يَكَادُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَّشَوْفِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمّ إِنَّ اللَّهَ عَلَكُلِّ ٢٠٠ شَىْءٍ قَدِيرٌ وقوله تعالى: ﴿مثلهم﴾ أى: صفتهم، وأصل المثل بمعنى المثل - بكسر الميم وسكون الثاء - والمثل النظير والشبيه، ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه - لمورده الذى ورد فيه أولا، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شان عجيب وفيها غرابة، وعلى هذا المعنى يحمل المثل فى هذه الآية، وإنما تضرب الأمثال لإِيضاح المعنى الخفى وتقريب المعقول من المحسوس، وعرض الغائب فى صورة الشاهد، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب، وأثبت فى النفوس. واستوقد النار: طلب وقودها بسطوع نارها واندلاع لهيبها، أو أوقدها لأن أوقد واستوقد قد يكونان بمعنى واحد كأجاب واستجاب. والنار: جوهر لطيف حار محرق من نار ينور إذا نفر لحركتها واضطرابها، وأضاءت ما حوله : جعلت ما حوله مضيئًا، أو أشرقت فيما حوله. وحول الشىء: ما يحيط به من جميع نواحيه، ولذا قيل للعام حول، للفه ودورانه حتى يعود كما كان. والنور: الضوء الذى يكون للشىء المضىء، وهو مأخوذ من النار .. ومعنى : ﴿ذهب الله بنورهم﴾ سلبه منهم، وفى إسناد ذهب إلى الله تعالى - إشعار بأن النور الذى سلب عنهم لن يستطيع أحد أن يرده عليهم، لأن الذى سلبه عنهم إنما هو الله الغالب على أمره. وقال ﴿بنورهم﴾ ولم يقل بنارهم، لأن إيقاد النار يكون للإضاءة وللإِحراق والمقصود من إيقاد النار الواردة فى المثل إنما هو الإضاءة. وقالٍ ﴿بنورهم﴾ ولم يقل بنوره، مع أن الضمير يعود على ﴿الذى استوقد﴾ وهو بحسب أ سورة البقرة ٦٥ الظاهر مفرد، لأن ﴿الذى﴾ قد يطلق أحيانا بمعنى الذين، كما فى قوله تعالى: ﴿وخضتم كالذى خاضوا﴾ أو لأن ﴿الذى﴾ أريد منه جنس المستوقد، لا مستوقد بعينه، فصار فى معنى جماعة من المستوقدين. وصح أن يعود عليه ضمير الجمع فى قوله ﴿بنورهم﴾ لذلك. وأورد الظلمات بصيغة الجمع للمبالغة فى شدتها، فكأنها لشدة كثافتها ظلمات بعضها فوق بعض، وأكد هذا بقوله ﴿لا يبصرون﴾ أى: أن هذه الظلمات بالغة فى الشدة حتى أولئك المحاطين بها لا يتأتى لهم أن يبصروا، كما أن الشان كذلك بالنسبة للذين طمس على أعينهم. وعبر - سبحانه - بقوله: ﴿وتركهم﴾ ولم يقل: ذهب بنورهم وبقوا فى ظلمات، ليدل بذلك على قطع الصلة بينهم وبين ربهم، وأنهم متروكون غضبًا عليهم ونكاية بهم. هذا، وللعلماء رأيان فى تطبيق هذا المثل على المنافقين، أما الرأى الأول فيرى أصحابه، أن هذا المثل قد ضرب فى قوم دخلوا فى الإِسلام عند وصول النبى وَّر إلى المدينة، ثم تحولوا بعد ذلك إلى الكفر والنفاق فيقال فى تطبيق هذا المثل عليهم: إن قصة هؤلاء المنافقين الذين اكتسبوا بإيمانهم نورًا، ثم أبطلوا ذلك بنفاقهم، ووقعوا فى حيرة عظيمة، كقصة من استوقدوا نارًا؛ فلما أضاءت ما حولهم، سلب الله منهم الضوء فراحوا فى ظلام لا يهتدون إلى الخروج منه سبيلا . وأما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن هذا المثل إنما ضرب فى قوم لم يسبق لهم إيمان وإنما دخلوا فى الإِسلام من أول أمرهم نفاقًا، فيقال فى تطبيق هذا المثل عليهم: إن قصة هؤلاء الذين دخلوا فى الإِسلام نفاقًا، فظفروا بحقن دمائهم وبغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين، وتمتعوا بذلك فى الدنيا قليلا ثم صاروا إلى ظلمات العذاب الدائم فى الآخرة - قصة هؤلاء كقصة من استوقدوا نارا لتضىء لهم وينتفعوا بها، فأضاءت ما حولهم قليلا، ثم طفئت وصاروا إلى ظلمة شديدة مطبقة . ثم قال - تعالى -: ﴿صم بكم عمى فهم لا يرجعون﴾. قال القرطبى : والصمم فى كلام العرب: الانسداد، يقال: قناة صماء إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة إذا سددتها. فالأصم من انسدت خروق مسامعه. والأبكم الذى لا ينطق ولا يفهم، والعمى ذهاب البصر. وليس الغرض مما ذكرناه نفى الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة ما (١). والآية الكريمة خبر لضمير مقدر يعود على المنافقين، أى: هم صم بكم عمى. (١) تفسير القرطبى جـ ١ ص ٢١٤. ٦٦ - ، المجلد الأول ووصف المنافقون بهذه الصفات لأنهم وإن كانت لهم آذان تسمع، وألسنة تنطق، وأعين تبصر، إلا أنهم لا يسمعون خيرًا. ولا يتكلمون بما ينفعهم ولا يبصرون مسلكا من مسالك .الهداية، ومن كان كذلك كان هو ومن فقد حواسه سواء، فقد صرف الله عنهم عنايته ووكلهم إلى أنفسهم. ووردت هذه الصفات مجردة من حرف العطف، فلم يقل : صم وبكم وعمى، لما عرف من استعمالات البلغاء. أن تجريد أمثال هذه الأوصاف من حرف العطف یفید تأکیدها، حیث إن المتكلم قد قصد إلى تقرير كل صفة منها على حدة. ومعنى ﴿فهم لا يرجعون﴾، لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو لا يرجعون عن الضلالة بعد أن اشتروها. والفاء فى قوله - تعالى - ﴿فهم﴾ للتفريع أو التسبيب، لأنها توحى بأن عدم رجوعهم عماهم فيه من النفاق متفرع على تلك الآفات، ومسبب عن هذه العاهات. ثم ساق - سبحانه - المثل الثانى فقال : ﴿أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق﴾. ((أو)) للتسوية بين الشيئين وهى مفيدة أن التمثيل بأيهما أو بمجموعهما يؤدى إلى المقصود، فهى مانعة خلو مجوزة للجمع بينهما. و (الصيب) - كسيد - المطر، من الصوب وهو النزول. يقال: صاب صوبًا، إذا نزل أو انحدر، سمى به المطر لنزوله، وفى الجملة الكريمة إيجاز بحذف ما دل عليه المقام دلالة واضحة. والتقدير: أو كمثل ذوى صيب. والمعنى أن قصة هؤلاء المنافقين مشبهة بقصة الذى استوقد نارًا، أو بقصة ذوى صيب. والسماء: كل ماعلاك من سقف ونحوه، والمراد بها السحاب. والرعد : الصوت الذى يسمع بسبب اصطدام سحابتين محملتين بشحنتين كهربيتين أحداهما موجبة والأخرى سالبة . والبرق : هو الضوء الذى يحدث بسبب الاصطدام ذاته. وإيراد هذه الألفاظ بصفة التنكير للتهويل، ويكون المعنى : أو أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل قوم نزل بهم المطر من السماء تصحبه ظلمات كأنها سواد الليل، ورعد يصم الآذان، وبرق يخطف الأبصار؛ وصواعق تحرق ما تصيبه. ثم قال - تعالى -: ﴿يجعلون أصابعهم فى آذانهم من الصواعق حذر الموت﴾. ٦٧ سورة البقرة الصواعق : جمع صاعقة من الصعق وهو شدة الصوت الذى يصحبه - غالبًا - قطعة من نار لا تأتى على شىء إلا أهلكته. (ومن) فى قوله - تعالى -: ﴿ من الصواعق) للتعليل. وإنما كانت الصواعق داعية إلى سدهم آذانهم بأصابعهم، من جهة أنها قد تفضى بصوتها الهائل إلى الموت، وجاء هذا مصرحًا به فى قوله - تعالى - ﴿حذر الموت﴾. والمعنى : يسدون آذانهم من أجل الصواعق خوفًا من أن تقتلهم بشدة صوتها. ومن المعروف أن الذى يجعل فى الآذان عند الفزع بعض الأصابع لا كلها، إلا أنه عبر بالأصابع مبالغة فى فرط فزعهم وشدة اضطرابهم، ومسايرة للمألوف فى اللغة من نسبة ما يكون لبعض الشىء إلى ذلك الشىء، حيث يكون المراد جليًا واضحًا. وهو مجاز مرسل من باب إطلاق الكل وإرادة البعض. وقوله: ﴿حذر الموت﴾ يدل على أنهم لم يموتوا من تلك المفزعات وهذه المروعات. إمدادا فى عذابهم. ومطاولة فى نكالهم. وقوله - تعالى -: ﴿والله محيط بالكافرين﴾ جملة معترضة فى أثناء ضرب المثل بذوى الصيب. وإحاطته - سبحانه - بالكافرين على معنى أنهم لا مهرب لهم منه، فهو محيط بهم إحاطة تامة وهو قادر على النكال بهم متى شاء وكيف شاء. . ولم يقل محيط بهم مع تقدم مرجع الضمير وهو أصحاب الصيب، إيذانًا بأنهم إنما استحقوا ذلك العذاب بكفرهم. ثم قال - تعالى -: ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم﴾. يكاد من الأفعال التى تدخل على اسم يسند اليه فعل بعده نحو ﴿البرق يخطف﴾. فتدل على أن المسند إليه وهو البرق قد قارب أن يقع منه الفعل وهو خطف الأبصار. والخطف : الأخذ بسرعة. والأبصار: جمع بصر، وهو قوة مودعة فى العين يدرك بها الألوان والأشكال. والمعنى : أن البرق لشدة لمعانه يقرب من أن يخطف أبصارها، وهو تصوير بليغ لشدة ذلك البرق، وترك بيان شدة الرعد اكتفاء بما ذكره فى جانب البرق، ولم يذكر توقيهم للأعين بوضع شىء عليها اكتفاء بما ذكره فى توقى الآذان أو لأنهم شغلوا بالآذان عن الأعين. وقوله - تعالى -: ﴿كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا﴾ وصف رائع لما يصنعه ٦٨ المجلد الأول أهل الصيب فى حالتى ظهور البرق واختفائه. وكل ظرف، وما مصدرية ولا تصالها بكل أفادت الشرط والعامل فيها هو جوابها وهو ﴿مشوا﴾ و﴿أضاء﴾ بمعنى لمع، و﴿أظلم﴾ من الإظلام وهو اختفاء النور. و﴿قاموا﴾ أى وقفوا وثبتوا فى مكانهم. من قام الماء إذا جمد. ويقال: قامت الدابة إذا وقفت. والمعنى : أنهم إذا صادفوا من البرق وميضًا انتهزوا ذلك الوميض فرصة، فخطوا خطوات يسيرة، وإذا خفى لمعانه وقفوا فى مكانهم، فالجملة الكريمة تدل على فرط حرصهم على النجاة من شدة ماهم فيه من أهوال ثم قال - تعالى -: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾. لو: أداة شرط، وشاء بمعنى أراد. أى: لو أراد الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لزاد فى قصف الرعد فأصمهم، وفى ضوء البرق فاعماهم. أو يقال: إن قصف الرعد ولمعان البرق المذكورين فى المثل سببان كافيان لأن يذهبا بسمع ذوى الصيب وأبصارهم لوشاء الله ذلك. فيكون قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لذهب﴾، إشعارًا بأن تأثير الأسباب فى مسبباتها إنما هو بإرادته - تعالى - . وخص السمع والبصر بالذهاب مع أنها من جملة مشاعرهم، لأهميتها. ولأنها هى التى سبق ذكرها، أو من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، لأنه إذا كان قادرًا على إذهاب ما حافظوا عليه، كان قادرًا على غيره من باب أولى. ثم ختم الآية بقوله - تعالى - ﴿إن الله على كل شىء قدير﴾. الشىء فى أصل اللغة كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، ويحمل فى هذه الآية على الممكن خاصة موجودًا كأن أو معدومًا، لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات دون الواجب والمستحيل. والقدير: الفعال لما يريد، يقال: قدره على الشىء أقدره قدرة وقدرًا. وهذه الجملة الكريمة بمنزلة الاستدلال على ما تضمنته الجملة السابقة من أن الله تعالى قادر على أن يذهب بأسماع أصحاب الصيب وأبصارهم متى شاء. وتطبيق هذا المثل على المنافقين يقال فيه : إن أصحاب الصيب لضعفهم وخورهم لا يطيقون سماع الرعد الهائل، ولا يستطيعون فتح أعينهم فى البرق اللامع، فيجعلون أصابعهم فى آذانهم فزعًا من قصف الرعد، وخوفا من صواعق تجلجل فوق رءوسهم فتدعهم حصيدًا خامدين، وكذلك حال هؤلاء المنافقين فإنهم لضعف بصائرهم، وانطماس عقولهم، تشتد عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده وأوامره ونواهيه، فتشمئز قلوبهم ويصرفون عنه أسماعهم ٦٩ سورة البقرة خشية أن تتلى عليهم آيات تقع على أسماعهم وقع الصواعق المهلكة. قال ابن كثير: ((وذهب ابن جرير ومن تبعه من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين، وتكون ((أو)) فى قوله تعالى ﴿أو كصيب) بمعنى الواو، كقوله تعالى ((ولا تطع منهم آثما أو كفورًا)) أو تكون للتخيير، أى، اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا، أو للتساوى مثل: جالس الحسن أو ابن سيرين. قلت: وهذا يكون باعتبار أجناس المنافقين، فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى فى سورة براءة بقوله : ﴿ومنهم من يقول . ائذن لى﴾. ﴿ومنهم من عاهد الله﴾. ﴿ومنهم من يلمزك فى الصدقات﴾. الخ. فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم(١).)) هذا، ويرى فضيلة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز. أن المثلين لطائفتى الكافرين والمنافقين، فالمثل الأول وهو قوله تعالى ((مثلهم كمثل الذين استوقد نارًا)) ينطبق تمام الانطباق على الأوصاف التى ذكرها الله للكافرين وأن الذى ينطبق على صفات المنافقين إنما هو المثل الثانى وحده وهو قوله تعالى ﴿أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق .. ﴾ فقد ضرب الله لكلتا الطائفتين مثلا يناسبها. قال فضيلته : فضرب مثلا للمصرين المختوم على قلوبهم بقوم کانوا یسیرون فى ظلام الليل فيهم رجل استوقد لهم نارًا يهتدون بضوئها، فلما أضاءت ما حوله لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر، بل لأمر ما سلبوا نور أبصارهم، وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجأة، فذلك مثل النور الذى طلع به محمد ﴿ فى تلك الأمة على فترة من الرسل، فتفتحت له البصائر المستنيرة هنا وهناك، لكنه لم يوافق أهواء المستكبرين الذين ألفوا العيش فى ظلام الجاهلية، فلم يرفعوا له رأسا بل نكسوا على رؤسهم، ولم يفتحوا له عينًا بل خروا عليه صما وعميانا . وضرب مثلا للمترددين المخادعين بقوم جامتهم السماء بغيث منهمر فى ليلة ذات رعد وبرق، فأما الغيث فلم يلقوا له بالا ولم ينالوا منه نيلا، فلا شربوا منه قطرة، ولا استنبتوا به ثمرة .. وأما تلك التقلبات الجوية من الظلمات والرعد والبرق فكانت هى مثار اهتمامهم، ومناط تفكيرهم، ولذلك جعلوا يترصدونها، ويدبرون أمورهم على وفقها، لابسين لكل حال لبوسها : سيرًا تارة، ووقوفًا تارة، واختفاء تارة أخرى. فكانوا إذا رأوا عرضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا وبرقت لهم (بروق) الأمل فى الغنيمة ساروا مع (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٦. ٧٠ المجلد الأول المؤمنين جنبًا إلى جنب، وإذا دارت رحا الحرب وانقضت ﴿صواعقها﴾ منذرة بالموت والهزيمة أخذوا حذرهم وفروا من وجه العدو قائلين ((إن بيوتنا عورة)) حتى إذا كانت الثالثة فلم يلمحوا من الآمال بارقة ولم يتوقعوا من الآلام صاعقة، بل اشتبهت عليهم الأمور فهناك يقفون متربصين لا يتقدمون ولا يتأخرون، ولكن يلزمون شقة الحياد ريثما تنقشع سحابة الشك ﴿فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم، وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين﴾. ذلك دأب المنافقين فى كل أمرهم، إن توقعوا ربحًا عاجلا التمسوه فى أى صف وجدوه، وإن توقعوا أذى كذلك تنكروا للفئة التى ينالهم فى سبيلها شىء مكروه؛ وإذا أظلم عليهم الأمر قاموا بعيدًا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ أما الذى يؤمن بالله واليوم الآخر فإن له قبلة واحدة يولى وجهه شطرها، هى قبلة الحق لا يخشى فيها لومة لائم : على أى جنب كان فى الله مصرعه (١) وليس يبالى حين يقتل مسلما هذا هو رأى فضيلة الدكتور دراز، وهو رأى مستساغ يتمشى مع روح الآيات وأهداف السورة، وأياما كان فالمثلان يصوران أحوال المبطلين بصورة حسية واضحة تتجلى فيها بلاغة القرآن الكريم فى إبراز المعانى المعقولة فى صورة محسة واضحة من شأنها أن تهدى الناس إلى طريق الحق والرشاد. وبعد أن بينت السورة الكريمة أقسام الناس الثلاثة، وعاقبة كل قسم منهم، ساقت لهم نداء عامًّا دعتهم فيه إلى عبادة الله وحده، قال تعالى : يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ وارَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اُلْأَرْضَ فِرَاشَا وَالسَّمَاءَ بِنَآءَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّعَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَّجْعَلُو ◌ْلِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ ٢٢ تَعْلَمُونَ (١) من كتاب النبأ العظيم ص ١٦٤ لفضيلة المرحوم الدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز. ٧١ سورة البقرة ففى هاتين الآيتين توجيه للناس إلى الأمر الذى خلقوا من أجله وهو عبادة الله دون ما سواه، وبيان البراهين الساطعة التى تدل على وحدانية الله وعظيم قدرته. و ((يا)) حرف نداء وهو أكثر حروف النداء استعمالا، فهو أصل حروف النداء. و((أى)) اسم مبهم لكن يزول إبهامه بالاسم المقصود بالنداء الذى يأتى بعده. و((ها)) المتصلة به مؤكدة للتنبيه المستفاد من النداء. و ((العبادة)) الخضوع البالغ الغاية. وقد كثر النداء فى القرآن الكريم بهذه الطريقة لما فيها من التأكيد الذى كثيرًا ما يقتضيه المقام . ٠ وفى ذكره تعالى باسم الرب، وإضافته إلى المخاطبين، تقوية لداعية إقبالهم على عبادته. فإن الإِنسان إذا اتجه بفكره إلى معنى كون الله مالكا له، أو مربيًّا له وتذكر ما يحفه به من رفق، وما يجود به عليه من إنعام، لم يلبث أن يخصه بأقصى ما يستطيع من الخضوع والخشوع والإجلال. وإفراد اسم الرب دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو الله تعالى، إذ ليس ثمة رب يستحق هذا الاسم بالإِفراد والإِضافة إلى جميع الناس إلا الله. ثم بين - سبحانه - الموجبات التى من شأنها أن تحملهم على عبادته وحده فقال ((الذى خلقكم والذين من قبلكم)). والخلق: أصله الإِيجاد على تقدير وتسوية، ويطلق فى القرآن وفى عرف الشريعة على إيجاد الأشياء المعدومة، فهو إخراجها من العدم إلى الوجود إخراجًا لا صنعة فيه للبشر. والمعنى : اجعلوا أيها الناس عبادتكم لله تعالى وحده، لأنه هو الذى أوجدكم فى أحسن تقويم بعد أن كنتم فى عدم، كما أوجد الذين تقدموكم. وقدم وصفه بخلق المخاطبين مع أنه متأخر بالزمان عن خلق من تقدموهم، لأن علم الإِنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره. وقوله تعالى: ﴿والذين من قبلكم﴾ فيه رد على الدهريين من المخاطبين الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر. فكان قوله : ﴿والذين من قبلكم﴾ تذكيرا لهم بأن آباءهم الأولين لابد أن ينتهوا إلى أب أول قد خلقه الله تعالى. ٧٢ المجلد الأول وجملة ((لعلكم تتقون)) تعليل للأمر بالعبادة، ولذلك فصلت. و ((لعل)) حرف موضوع ليدل على الترجى، وهو توقع حصول الشىء عندما يحصل سيبه وتنتفى موانعه. والشىء المتوقع حصوله فى الآية هو التقوى وسببه العبادة، إذ بالعبادة يستعد الإِنسان لأن يبلغ درجة التقوى وهى الفوز بالهدى والفلاح، والترجى قد يكون من جهة المتكلم وهو الشائع وقد تستعمل لعل فى الكلام على أن يكون الترجى مصروفًا للمخاطب، فيكون المترجى هو المخاطب لا المتكلم، وعلى هذا الوجه يحمل الترجى فى هذه الآية، لاستحالة توقع حصول الشىء من عالم الغيب والشهادة، لأن توقع الإِنسان لحصول الشىء هو أن يكون مترددًا بين الوقوع وعدمه مع رجحان الوقوع، وعليه فيكون المعنى : اعبدوا ربكم راجين أن تكونوا من المتقين، الذين بلغوا الغاية فى الهدى والفلاح. ثم أضاف - سبحانه - أسبابًا أخرى تحمل الناس على عبادته وطاعته فقال : ﴿الذى جعل لكم الأرض فراشا﴾. الفراش : ما يفترشه الإِنسان ليستقر عليه بنحو الجلوس أو المنام. أى : اجعلوا عبادتكم الله الذى صير الأرض لأجلكم مهادًا كالبساط المفروش، فذللها لكم ولم يجعلها صعبة غليظة، لكى يتهيأ لكم الاستقرار عليها. والتقلب فى مناكبها، والانتفاع بما أودع الله فى باطنها من خيرات. وتصوير الأرض بصورة الفراش لا ينافى كونها كروية، لأن الكرة إذا عظمت جدا كانت القطعة منها كالسطح فى إمكان الانتفاع بها. ﴿والسماء بناء﴾ يقال لسقف البيت بناء أى: جعل السماء كالسقف للأرض، لأنها تظهر كالقبة المضروبة فوقها كما قال - تعالى - ﴿وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا وهم عن آياتها. معرضون﴾ . وقدم خلق الأرض على خلق السماء لأن الأرض أقرب إلى المخاطبين، وانتفاعهم بها أظهر وأكثر من انتفاعهم بالسماء. قال بعض الأدباء: ((إذا تأملت هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منورة كالمصابيح، والإِنسان كما لك البيت المتصرف فيه وضروب النبات مهيأة لمنافعه، وضروب الحياة مصروفة لمصالحه «فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل، وتقدير شامل، وحكمة بالغة، وقدرة غير متناهية)). ٧٣ سورة البقرة ثم قال - تعالى - ﴿وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾ : السماء : السحاب. والثمرات: ما ينتجه الشجر. والرزق: ما يصلح لأن ينتفع به. والباء فى . (به) للسببية. أى: أنه جعل الماء سببًا فى خروج الثمرة، وهو القادر على أن ينشئها بلا سبب كما أنشأ الأسباب. وأورد ﴿ماء﴾ و﴿رزقًا﴾ فى صيغة التنكير التى تستعمل عند إرادة بعض أفراد المعنى الذى وضع له اللفظ لغة، وذلك لأن من الماء ما لم ينزل من السماء، ومن الرزق ما لا يكون من الثمرات. فمعنى الجملة الكريمة : أنزل من السماء بعض الماء، فأخرج به من الثمرات بعض / ما يكون رزقًا لكم. ثم قال - تعالى - ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾. الأنداد : جمع ند، وهو مثل الشىء الذى يضاده وينافره ويتباعد عنه. وأصله من: ند البعير يند ندا وندادًا وندًا، إذا تفرد وذهب على وجهه شاردًا. والمعنى: فلا تجعلوا لله أمثالا ونظراء تعبدونها وتسمونها آلهة، وتعتقدون فيها النفع والضر، وتجعلون لها ما الله تعالى وحده، وأنتم تعلمون أنها أشياء لا يصح جعلها أندادًا مساوية له تعالى ﴿وأنتم تعلمون﴾ أى: وأنتم من ذوى العلم والنظر، فلو تأملتم أدنى تأمل لانصرفتم بقوة إلى عبادة الله وحده. ولتركتم الإِشراك به. وصدرت الجملة الكريمة بالفاء لترتبها على الكلام السابق، المترتب على الأمر بعبادة الله وحده . وسمى القرآن الشركاء المزعومين أندادًا تهكمًا بالعابدين لها، ولأن المشركين لما تركوا عبادة الله إلى عبادة الأوثان، وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة، قادرة على مخالفته ومضادته، وذلك معنى جعلها أندادًا الذى هو مصب النهى فى الآية. وجملة (وأنتم تعلمون)، حالية، ومفعول تعلمون متروك، لأن الفعل لم يقصد تعليقه بمفعول، بل قصد إثباته لفاعله فقط فنزل منزلة اللازم، وفى هذه الجملة مبالغة فى زجرهم عن عبادة الأوثان من دون الله، لأن ارتكاب الباطل من الجاهل قبيح، وهو من العالم ببطلانه أشد قبحًا، وأدعى إلى أن يقابل بأغلظ ألوان الإِنكار. كما أن فيها إثارة لهممهم ليقلعوا عن عبادة غير الله، فإن من كان من ذوى العلم لا يصح منه أن يفعل أفعال من لا عقل له، وهذا لون جليل من ألوان التربية، فإن من سمات المربى الناجح أن يجمع بين القسوة فى النهى عن القبيح، وبين إثارة همة الموعوظ حتى لا يقتل همته باليأس، لأن الإِنسان إذا ساءت ظنونه بنفسه ٧٤ المجلد الأول خارت عزيمته، وفترت همته. هذا، وقد استفاضت الأحاديث النبوية التى تدعو إلى توحيد الله، وتنهى عن الإِشراك، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال : قلت يا رسول الله أى الذنب أعظم عند الله؟ (قال أن تجعل الله ندًا وهو خلقك). قال الإِمام ابن كثير: وهذه الآية دالة على توحيده - تعالى - بالعبادة وحده لا شريك له، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب وقد سئل : ما الدليل على وجود الله - تعالى -؟ فقال: يا سبحان الله !! إن البعر ليدل على البعير؛ وإن أثر القدم يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل هذا على وجود اللطيف الخبير)(١). وبعد أن ساق - سبحانه - فى هاتين الآيتين البراهين الساطعة الدالة على وحدانية الله؛ ونفى عقيدة الشرك، أورد بعد ذلك الدلائل الدالة على صدق النبى پ# فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن ليس من صنع بشر، وإنما هو كلام واهب القوى والقدر فقال - تعالى - : وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّانَزَّلْنَا عَلَ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ مِّن دُونِ اُللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿٢، فَإِنَ لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَأَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ ٢٤ ففى هاتين الآيتين انتقال لإثبات الجزء الثانى من جزأى الإِيمان، وهو صدق النبى - ﴿الهرم - فى رسالته، بعد أن تم إثبات الجزء الأول من ذلك وهو وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته. والمعنى : إن رتبتم أيها المشركون فى شأن هذا القرآن الذى أنزلناه على عبدنا محمد على مهل وتدريج، فأتوا أنتم بسورة من مثله فى سمو الرتبة، وعلو الطبقة واستعينوا على ذلك بآلهتكم وبكل من تتوقعون منهم العون، ليساعدوكم فى مهمتكم، أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله، إن كنتم صادقين فى زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن الكريم. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٨. ٧٥ سورة البقرة والمقصود بقوله: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ... ﴾ نفى الريب عن المنزل عليه - وهو محمد رَلي - بنفيه عن المنزل وهو القرآن الكريم. والتعبير عن اعتقادهم فی حقه بالريب للإيذان بأن أقصی ما یمکن صدوره عنهم هو الارتياب فى شأنه، أو للتنبيه على أن كلامهم فى شأن القرآن هو بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح الدلائل الدالة على أن القرآن من عند الله - تعالى - . وعبر بقوله : ﴿وإن كنتم فى ريب﴾ ولم يقل: وإن ارتبتم فيما نزلنا، للإشارة إلى أن ذات القرآن لا يتطرق إليها ريب، ولا يطير إلى أفقها شرارة من شك، وأنه إن أثير حوله أى شك فمرجعه إلى انطماس بصيرتهم، وضعف تفكيرهم، واستيلاء الحقد والعناد على نفوسهم. وأنى بإن المفيدة للشك مع أن كونهم فى ريب مما نزل على النبى وَليل أمر محقق، تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه، وتنزيهًا لساحة القرآن عن أن يتحقق الشك فيه من أى أحد، وتوبيخًا لهم على وضعهم الأمور فى غير مواضعها. ووجه الإِتيان بفى الدالة على الظرفية، للإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف. وقال ﴿نزلنا﴾ دون أنزلنا، لأن المراد النزول على سبيل التدريج، ومن المعروف أن القرآن قد نزل منجما فى مدة تزيد على عشرين سنة. قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: لم قيل: (مما نزلنا) على لفظ التنزيل دون الإِنزال؟ قلت: لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وذلك أنهم كانوا يقولون : لو كان هذا القرآن من عند الله، لم ينزل هكذا نجومًا سورة بعد سورة، وآيات عقب آيات، على حسب النوازل، وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقًا حينًا فحينًا حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجددة ... فقيل لهم: إن ارتبتم فى هذا الذى وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهاتوا نجما فردا من نجومه : سورة من أصغر السور، أو آيات شتى مفترقات، وهذا غاية التبكيت ومنتهى إزاحة العلل)(١) اهـ ملخصًا. والمراد بالعبد فى قوله - تعالى -: ﴿على عبدنا﴾ محمد - * - وفى إضافته إلى الله - تعالى - تنبيه على شرف منزلته عنده، واختصاصه به. وفى ذكره 185 باسم العبودية، تذكير لأمته بهذا المعنى، حتى لا يغالوا فى تعظيمه فيدعوا (١) تفسير الكشافٍ جـ ١ ص ٩٧. ٧٦ المجلد الأول ألوهيته كما غالت بعض الفرق فى تعظيم أنبيائها أو زعمائهم فادعت ألوهيتهم. والسورة: الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص، والتى أقلها ثلاث آيات، والضمير فى قوله (من مثله) يعود على المنزل وهو القرآن. والمراد من مثل القرآن: ما يشابهه فى حسن النظم، وبراعة الأسلوب وحكمة المعنى. وهذا الوجه من الإِعجاز يتحقق فى كل سورة. وقيل: إن الضمير فى قوله (من مثله) يعود على المنزل عليه القرآن، وهو النبى - الفيوم - ولكن الرأى الأول أرجح. قال الإِمام الرازى ما ملخصه: وعود الضمير إلى القرآن أرجح لوجوه : أحدها : أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة فى باب التحدى لاسيما ما ذكره فى سورة يونس من قوله: ﴿فأتوا بسورة مثله .. ﴾. وثانيها : أن البحث إنما وقع فى المنزل وهو القرآن، لأنه قال: ﴿وإن كنتم فى ريب مما نزلنا .. ﴾ فوجب صرف الضمير إليه، ألا ترى أن المعنى، وإن ارتبتم فى أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئا مما يماثله، وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول الله صل ﴿ أن يقال: وإن ارتبتم فى أن محمدا منزل عليه فهاتوا قرآنا مثله. وثالثها : أن الضمير لو كان عائدا إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو عالمين، أما لو كان عائدا إلى محمد # فذلك لا يقتضى إلا كون آحادهم من الأميين عاجزين عنه، لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الأمى، فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد، لأن الجماعة لا تماثل الواحد. والقارىء لا يكون مثل الأمى، ولا شك أن الإِعجاز على الوجه الأول أقوى. ورابعها: أننا لو صرفنا الضمير إلى محمد ﴿ لكان ذلك يوهم أن صدور مثل القرآن مما لم يكن مثل محمد فى كونه أميا ممكن، ولو صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثله من الأمى ومن غير الأمى ممتنع فكان هذا أولى)(١). وقوله - تعالى -: ﴿وادعوا شهداءكم من دون الله﴾ معطوف على قوله: ﴿فأتوا بسورة﴾. وادعوا: من الدعاء، والمراد به هنا: طلب حضور المدعو أى: نادوهم. وشهداءكم : أى: آلهتكم، جمع شهيد وهو القائم بالشهادة، فقد كانوا يزعمون أن آلهتهم (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٢٢٢. ٧٧ سورة البقرة تشهد لهم يوم القيامة بأنهم على حق. وقيل : الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو الناصر أو الإِمام، وكأنه سمى به لأنه يحضر المجالس وتبرم بمحضره الأمور. ودون : بمعنى غير: وتطلق فى أصل اللغة على أدنى مكان من الشىء، ومنه تدوين الكتب لأنه إدناء البعض من البعض، ودونك هذا أى : خذه من أدنى مكان منك، ثم استعير للتفاوت فى الرتب فقيل: زيد دون عمرو أى: فى الشرف، ومنه الشىء الدون، ثم اتسع فيه فاستعمل فى كل تجاوز حد إلى حد، وتخطى أمر إلى أمر. قال الجمل: (والمعنى): وادعوا إلى المعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله، فإنه لا يقدر على أن يأتى بمثله إلا الله .. ، أو ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله، ولا تستشهدوا بالله، فإن الاستشهاد به من عادة المبهوت العاجز عن إقامة الحجة، أو شهداءكم الذين اتخذتموهم من دون الله آلهة وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة (١) ... ). وفى أمرهم بدعوة أصنامهم وهى جماد، وفى تسميتها شهداء مع إضافتها إليهم مع أنها لا تعقل ولا تنطق، فى كل ذلك أقوى ألوان التهكم، لكى يثير فى نفوسهم من الألم ما قد يكون سببًّا لتنبيههم إلى جهلهم، وانصرافهم عن ضلالهم. وقوله - تعالى -: ﴿إن كنتم صادقين) جملة معترضة فى آخر الكلام وجواب الشرط محذوف دل غليه الكلام السابق دلالة واضحة حتى صار ذكره فى نظم الكلام مما ينزل به عن مرتبة البلاغة. والمعنى : إن كنتم صادقين فى زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن فأتوا بسورة من مثله. وادعوا آلهتكم وبلغاءكم وجمیع البشر لیعینوکم أو لیشهدوا لكم أنکم أتیتم بما يماثله فى حكمة معانيه وحسن بيانه. وفى هذه الآية الكريمة إثارة لحماستهم، إذ عرض بعدم صدقهم، فتتوفر دواعيهم على المعارضة التى زعموا أنهم أهل لها. ثم قال - تعالى -: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة﴾. المعنى: فإن لم تفعلوا أى: تعارضوا القرآن، وتبين لكم أن أحدًا لا يستطيع معارضته، فخافوا العذاب الذى أعده الله للجاحدين وهو النار التى وقودها الناس والحجارة)). والوقود: ما يلقى فى النار لإضرامها كالحطب ونحوه، والحجارة: الأصنام التى كانوا (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٣٨. ٧٨ المجلد الأول يعبدونها من دون الله كما قال - تعالى - : ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾. واقتران المشركين بما كانوا يعبدون فى النار مبالغة فى إيلامهم وتحسيرهم والاقتصار على ذكر الناس والحجارة لا يؤخذ منه أن ليس فى النار غيرهما بدليل ما ذكر فى مواضع أخرى من القرآن أن الجن والشياطين يدخلونها. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب فهلا جىء بـ ((إذا)) الذى للوجوب دون ((ان)) الذى للشك؟ قلت: فيه وجهان : أحدهما : أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم، وأن العجز عن المعارضة كان قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لا تكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام. والثانى : أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يعاديه : إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه ويتيقنه تهكمًا به(١). وقال: فإن لم تفعلوا، ولم يقل فإن لم تأتوا بسورة من مثله، لأن قوله ﴿فإن لم تفعلوا﴾ جار مجرى الكناية التى تعطى اختصارًا ووجازة تغنى عن طول المكنى عنه، ولأن الإِتيان ما هو إلا فعل من الأفعال، تقول: أتيت فلانا. فيقال لك: نعم ما فعلت. وجملة ﴿ولن تفعلوا﴾ جملة معترضة بين الشرط والجزاء، جىء بها لتأكيد عجزهم عن معارضته. فإن فى نفيها فى المستقبل بإطلاق تأكيدا لنفيها فى الحال. قال الإِمام الرازى: (فإن قيل: فما معنى اشتراطه فى اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ فالجواب أنه إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق رسول الله وَير وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله: ﴿فاتقوا النار﴾ قائمًا مقام قوله فاتركوا العناد، وهذا هو الإيجاز الذى هو أحد أبواب البلاغة، وفيه تهويل لشأن العناد، لإِنابة اتقاء النار منابه متبعًا ذلك بتهويل صفة النار)(٢). ومعنى ﴿أعدت للكافرين﴾ هيئت لهم، لأنهم الذين يخلدون فيها، أو أنهم خصوا بها وإن كانت معدة للفاسقين - أيضا لأنه يريد بذلك نارًا مخصوصة لا يدخلها غيرهم كما قال - تعالى - ﴿إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار﴾. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ١٠١. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٢٢٤ . ٧٩ سورة البقرة وفى هذه الآية الكريمة معجزة من نوع الإِخبار بالغيب، إذ لم تقع المعارضة من أحد فى أيام النبوة وفيما بعدها إلى هذا العصر. قال صاحب الكشاف: (فإن قلت : من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو عليه حتى يكون معجزة؟ قلت: لأنهم لو عارضوه بشىء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه، إذ خفاء مثله فيها عليه مبنى العادة محال، لاسيما والطاعنون فيه أكثف عددًا من الذابين عنه، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما هو به، فكان معجزة)(١). وقال بعض العلماء : (هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التى صدعت بتحدى الكافرين بالتزيل الكريم). وقد تحداهم الله فى غير موضع منه فقال فى سورة القصص : ﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه إن كنتم صادقين﴾ وقال فى سورة الإسراء: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ وقال فى سورة يونس : ﴿أم يقولون افتراه، قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين). وكل هذه الآيات مكية. ثم تحداهم أيضا فى المدينة بهذه الآية ﴿وإن كنتم فى ريب﴾ .. إلخ. فعجزوا عن آخرهم، وهم فرسان الكلام، وأرباب النظام، وقد خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم، جعل الله لهم ذلك طبعًا وخلقة وفيهم غريزة وقوة. يأتون منه على البديهة بالعجب ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون، ويمدحون، ويَقدحون، ويتوسلون، ويتوصلون، ويرفعون، ويضعون، فيأتون بالسحر الحلال ... ومع هذا فلم يتصد لمعارضة القرآن منهم أحد، ولم ينهض - لمقدار سورة منه - ناهض من بلغائهم، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط فى المضارة والمضادة. وقد جرد لهم النبى - ◌َليز - الحجة أولا، والسيف آخرًا فلم يعارضوا إلا السيف وحده، وما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أنهم أعجز من المعارضة، وبذلك يظهر أن فى قوله - تعالى - ﴿ولن تفعلوا﴾ معجزة أخرى، فإنهم ما فعلوا،َ وما قدروا .... وحيث عجز عرب ذلك العصر فما سواهم أعجز فى هذا الأمر .... فدل على أن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو كلام خالق القوى والقدر أنزله تصديقًا لرسوله، وتحقيقًا لمقوله(٢) ... وبعد أن ذكر القرآن الكفار ومآلهم، عطف على ذلك ذكر المؤمنين وما يفوزون به من نعيم (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ١٠٢ . (١) تفسير القاسمى جـ ٢ ص ٧٧. ٨٠ المجلد الأول س فى حياتهم الباقية، كما هى سنة القرآن فى الجمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد فقال - تعالى -: وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ أَنَّلَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُّ كُلَّمَارُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزْقَاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأُتُواْبِهِ مُتَسَبِهَاً وَلَهُمْ فِهَا أَزْوٌَّ مُطَهَرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ٢٥ البشارة: الخبر السار فهو أخص من الخبر، سمى بذلك لأن أثره يظهر على البشرة وهى ظاهر جلد الإنسان، والمأمور بالتبشير هو النبى # أو كل من يتأتى منه تفخيًا لأمره، وتعظيمًا لشأنه . والصالحات : جمع صالحة وهى الفعلة الحسنة، وهى من الصفات التى جرت مجرى الأسماء فى إيلائها العوامل. والجنات : جمع جنة، وهى كل بستان ذى شجر متكاثف، ملتف الأغصان، يظل ما تحته ويستره، من الجن وهو ستر الشىء عن الحاسة، ثم صارت الجنة اسمًا شرعيًا لدار النعيم فى الآخرة، وهى سبع درجات : جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون ... وتتفاوت منازل المؤمنين فى كل درجة بتفاوت الأعمال الصالحة. والأنهار جمع نهر - بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح - وهو الأخدود الذى يجرى فيه الماء على الأرض، وهو مشتق من مادة نهر الدالة على الانشقاق والاتساع، ويكون كبيرًا أو صغيرًا. وأسند إليه الجرى فى الآية مع أن الذى يجرى فى الحقيقة هو الماء، أخذًا بفن معروف بين البلغاء، وهو إسناد الفعل إلى مكانه، توسعًا فى أساليب البيان. وقوله: ((من تحتها)) وارد على طريقة الإِيجاز بحذف كلمة ((أشجار)) اعتمادًا على تبادرها إلى الذهن، والمعنى : تجرى من تحت أشجارها الأنهار. ثم بين - سبحانه - أحوال هؤلاء المؤمنين الصالحين فقال : ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا. قالوا هذا الذى رزقنا من قبل﴾. أ