Indexed OCR Text

Pages 481-500

الجزء الرابع والعشرون
٤٨١
٤١ - سورة فُصّلَتْ
تَعْبُدُونَ ٣٧. فإنِ استَكبَرُوا﴾، عن السُّجود لله وحده، ﴿فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ أي:
فالملائكةُ ﴿يُسَبِّحُونَ﴾: يُصلّون ﴿لَهُ بِاللَّيلِ والنَّهارِ، وهُم لا يَسأمُونَ﴾ ٣٨: لا يَمَلّون
- ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أنَّكَ تَرَى الأرضَ خاشِعةً﴾: يابسة لا نبات فيها، ﴿فإذا أنزَلْنا عليها الماءَ
اهتَزَّتْ﴾: تحرّكتْ ﴿وَرَبَتْ﴾: انتفختْ وعلت. ﴿إِنَّ الَّذِي أحياها لَمُحيِي المَوَى. إنَّهُ
عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣٩.
١- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلحِدُونَ﴾ - من: ألحَدَ ولَحَدَ - ﴿في آياتِنا﴾: القُرآنِ بالتكذيب ﴿لا
يَخْفَونَ عَلَينا﴾، فنُجازيهم. ﴿أَفَمَن يُلقَى في النّارِ خَيْرٌ أم مَن يِأتِي آمِنًا يَومَ القِيامَةِ؟
اعمَلُوا ما شِئْتُم. إنَّهُ بِما تَعمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٤٠. تهديد لهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكرِ﴾:
القُرآنِ ﴿لَمّا جاءَهُم﴾ نُجازيهم، ﴿وإنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ ٤١: منيع، ﴿لا يأتِيهِ الباطِلُ مِن
بَيْنِ يَدَيهِ، ولا مِن خَلِفِهِ﴾ أي: ليس قبله كتاب يُكذّبه ولا بعده، ﴿تَنزِيلٌ مِن حَكِيمٍ
حَمِيدٍ﴾ ٤٢ أي: اللهِ المحمود في أمره، ﴿ما يُقالُ لَكَ﴾ من التكذيب ﴿إِلّا﴾ مِثلُ ﴿مَاً
قَدَ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبَلِكَ. إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرةٍ﴾ للمؤمنين، ﴿وَذُو عِقَابٍ ألِيمٍ﴾ ٤٣
للكافرين.
٢- ﴿وَلَو ◌َجَعَلْناهُ﴾ أي: الذِّكرَ ﴿قُرْآنًا أعجَمِيًّا لَقالُوا: لَولا﴾: هلّا ﴿فُصِّلَتْ﴾: بُّنتْ
﴿آيَاتُهُ﴾ حتّى نفهمها. ﴿أ﴾ قُرآنٌ ﴿أعْجَمِيٌّ و﴾ نبيٌّ ﴿عَربِيٍّ﴾؟ استفهام إنکار منھم،
بتحقيقِ الهمزة الثانية وقلبِها ألفًا بإشباع ودُونِه. ﴿قُلْ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدّى﴾ من
الضلالة، ﴿وشِفاءٌ﴾ من الجهل، ﴿والَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ في آذانِهِم وَقْرٌ﴾: ثِقل فلا
يسمعونه، ﴿وَهْوَ عَلَيْهِم عَمّى﴾ فلا يفهمونه. (أُولَئِكَ يُنادَونَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ٤٤ أي :
هم کالمُنادی من مكان بعید، لا يسمع ولا يفهم ما يُنادی به.
سُورَةِ فُصْلِب
الجزء الَارَ ى العَشِرُبَّ
وَمِنْءَايَتِهِ، أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ
أُهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْنَى إِنَّهُ عَلَكُلِّشَىْءٍ
قَدِيرُ جَ إِنَّالَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءَايَتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَأُ أَفَمَنَ
يُْقَى فِالنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىّءَامِنَّا يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَلُوْمَاشِئْتُمّ
إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ (٣) إِنَ الَّذِينَ كَفَرُ واْ بِالذِّكْرٍ لَمَّا جَاءَ هُمَّ
وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ [®ْ لَّا يَأْنِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ
خَلْفِةٍ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴿ مَايُقَالُ لَكَ إِلََّمَا قَدْقِيلَ
لِلْرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُوعِقَابٍ أَلِيمٍ
وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْءَانَا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْلَوْلَا فُصِّلَتْءَ ايَنُهُ زْءَأعْجَمِىٌّ
وَعَرَ بِّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ فِىّءَاذَانِهِمْ وَقَرٌّوَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَ أُوْلَئِكَ
يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴿ وَلَقَدْءَانَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
فَاخْتُلِفَ فِيَةٍ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ
بَيْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍ مِّنْهُ مُرِيبٍ (٥)مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا
فَلَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَأْ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
٣- ﴿وَلَقَد آتَيْنا مُوسَى الكِتابَ﴾: التوراة، ﴿فاختُلِفَ فِيهِ﴾ بالتصديق والتكذيب كالقُرآن. ﴿وَلَولا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾، بتأخير الحِساب
والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة، ﴿لَقُضِيَ بَينَهُم﴾ في الدنيا فيما اختلفوا فيه. ﴿وإنَّهُم﴾ أي: المُكذّبين به ﴿لَفِي شَكٌّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ ٤٥: مُوقعٍ في
الريبة. ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فِلِنَفْسِهِ﴾ عَمِلَ، ﴿ومَن أساءَ فَعلَيها﴾ أي: فضرر إساءته على نفسه، ﴿وما رَبُّكَ بِظَلَامِ لِلعَبِيدِ﴾ ٤٦ أي: بذي ظُلم،
لقوله تعالى: ((إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرّةٍ».
(١) يلحد: يميل عن الحق بالجدال. و((لحد)) يريد القراءة ((يَلحَدُونَ)). ويخفى: يستتر. ويُلقى: يرمى. وخير: أحسن حالًا. ويأتي: يحضر بنفسه. والآمن:
المطمئن لما هو عليه من الإيمان والصلاح. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس بالبعث للحساب. واعمل: افعل بالقلب أو اللسان أو الأعضاء. وشئتم:
أردتم عمله. والبصير: المدرك للأحداث، مهما كانت خفية. وكفر به: كذّبه. وجاءهم: وصل إليهم وبُلُّغوه. و((نجازيهم)) يعني أن هذه الجملة خبر: إنَّ.
والأولى أن الخبر جملة: ما يقال لك. ويأتيه: يصل إليه ويناله. والباطل: ما يبطل وكان بين الناس خطأ أو اختلالًا. وبين يديه: بعده. وخلفه: قبله. انظر
الآية ١٤. والمراد أن كل مافيه هو حق وصدق، ليس فيه ما لا يطابق الواقع. فلا يتطرق إليه اعتراض أبدًا. والكافر: المصرّ على الكفر أو العصيان.
(٢) كان النبي رَ﴾ يلقى يسارًا اليهودي الأعجمي - وهو مولى لأحد المشركين - ليدعوه ويعظه، فقال المشركون: ((إنما يعلمه يسار))، أي: يعلم النبيَّ آياتٍ
القرآن الكريم. فكان أن ضربه سيده قائلًا له: ((إنك تعلم محمدًا)). فقال يسار: ((هو يعلمني)). وروي أن بعض المشركين قالوا ((هلّا أُنزل القرآن بلغة العجم))،
وآخرين قالوا: (لولا أُنزل أعجميّا وعربيًا))، أي: بعضه بلغة العجم والآخر بلغة العرب. فنزلت هذه الآية تنكر ما هم عليه. الدر المنثور ٣٦٧:٥. وجعل:
صيّر. والأعجمي: المنسوب إلى الأعجم، لتوكيد المبالغة في الوصف بالغموض والإبهام. وفصلت أي: تُفضَّل وتبيَّن. والآيات: النصوص التي تتميز
بالفواصل المعروفة. والعربي: المنسوب إلى العرب لتوكيد المبالغة في الفصاحة والبيان. وبتحقيق ... ودونه يريد ثلاث قراءات: التي أثبتنا، و((أعْجَمِيٍّ))
بإشباع المد، والثالثة كالثانية لكن المد فيها بدون إشباع. انظر النشر ٣١٥:١-٣١٨ و٣٢٣-٣٢٦. وآمن: صدّق الله ورسوله. والهدى: الهادي يرشد إلى الحق
والخير. والشفاء: الشافي لما في النفوس والعقول. والآذان: جمع أذن. وهو أي: القرآن. والعمى: العَمِي، المُشكِل المستغلق. وينادون: يخاطبون.
والبعيد: المغرق في البعد.
(٣) في الآية تسلية ببيان أن الاختلاف في الكتب الإلهية عادة مألوفة منذ القدم. وآتى: أعطى وكلف بالدعوة والعمل. واختلف: كان خصام بين قوم موسى
ومن بعدهم. وفيه: في شأنه والحكم عليه. والكلمة: القضاء المحكم. وسبقت: وقعت فيما مضى من الأزل وكانت في اللوح المحفوظ. ومن ربك: من
عنده وبأمره. وقضي بينهم: فصل بين قومك، بتعجيل العذاب على الكافرين إهلاكًا واستئصالًا. وفيه أي: من شأن القرآن. والشك: التردد والحيرة. ومنه
أي: من القرآن. انظر الآية ١١٠ من سورة هود. وعمل: اكتسب بالنية أو القول أو الفعل. والصالح: ما يرضاه الله. ولنفسه أي: لأجل شخصه. وأساء:
أفسد العمل وقبحه. والعبيد: جمع عبد. وهو المملوك خلقًا وقهرًا وتعبدًا. وبذي ظلم: يعني أن ((ظلّام)) صيغة نسب إلى الظلم لا مبالغة اسم الفاعل، تفيد
معنى المبالغة أيضًا. والظلم: مجاوزة الحق بنقص الحسنات أو زيادة السيئات. ونفي المبالغة هو مبالغة في النفي للظلم أصلًا، وتثبيت مؤكد للعدل المطلق.
ولقوله أي: بدليل قوله تعالى. يعني الآية ٤٠ من سورة النساء. وأقحم ناشر المنحة في آخر هذه الآية ما ليس في الأصل والنسخ.

٤١ - سورة فُصّلَتْ
٤٨٢
الجزء الخامس والعشرون
نُورةِ فُصِلَتْ
الجُرُ الخَامِ العَيْـ
﴿ إِلَيَّهِ يُرَدُّعِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا
وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أَنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ، وَيَوْمَ يُنَادِ يهِمْ أَيْنَ
شُرَكَآءِى قَالُواْءَاذَنَّكَ مَا مِنَا مِن شَهِيدٍ وَضَلَّ
٤٨
عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّنْ شَِّيصٍ
لَا يَسْتَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسُُ
قَنُوطٌ ﴿ وَلَبِنْ أَذَقْنَهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَآءَ مَسَّتْهُ
لَيَقُولَنَّ هَذَالِى وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَابِعَةٌ وَلَإِن رُّجِعْتُ إِلَى
رَبِّإِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَتْنَبِّقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْبِمَا عَمِلُواْ
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ
أَعْرَضَ وَنَشَابِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّفَذُودُعَآءِ عَرِيضٍ
﴿ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم
◌ِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِعَنْ هُوَ فِى شِقَاقِ بَعِيدٍ ﴿٢٨ سَيِرِيهِمْ
ءَايَتِنَا فِى أَلَفَاقِ وَ فِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ (®) أَلاَ إِنَّهُمْ
فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّفَآءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍمُحِيطٌالشّ
١- ﴿إِلَيهِ يُرَدُّ عِلمُ السّاعةِ﴾: متى تكون؟ لا يعلمه غيره، ﴿وما تَخْرُجُ مِن
ـشرحا
٩ ٤
ثَمَرةٍ﴾ - وفي قراءة: ((ثَمَراتٍ)) - ﴿مِن أكمامِها﴾: أوعيتها جمع كِمّ بكسر
الكاف، إلّا بعِلمه، ﴿وما تَحمِلُ مِن أُنثَى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلمِهِ. وَومَ يُنادِيهِم:
أينَ شُرَكائي؟ قالُوا: آذَنّاكَ﴾: أعلمناك الآن ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ ٤٧ أي:
شاهدٍ بأنّ لك شريكًا. ﴿وَضَلَّ﴾: غاب ﴿عَنْهُم ما كانُوا يَدْعُونَ﴾: يعبدون، ﴿مِن
قَبلُ﴾ في الدنيا من الأصنام، ﴿وظَنُوا﴾: أيقنوا ﴿مَا لَهُم مِن مَحِيصٍ﴾ ٤٨: مهرب من
العذاب. والنفي في الموضعين مُعلِّق عن العمل، وجملة النفي سدّت مسدّ
المفعولين .
٢ - ﴿لا يَسأَمُ الإِنسانُ مِن دُعاءِ الخَيرِ﴾ أي: لا يزال يسأل ربَّه المالَ والصحّة
وغيرهما، ﴿وإن مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: الفقر والشِّدّة ﴿فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ٤٩ من رحمة الله، وهذا
وما بعده في الكافرين، ﴿وَلَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿أَذَقْنَاهُ﴾: آتَيناه ﴿رَحْمَةٌ﴾: غنّى
وصحّة ﴿مِنّا، مِن بَعدٍ ضَرّاءَ﴾: شِدّة وبلاء ﴿مِّسَّتَهُ، لَيَقُولَنَّ: هذا لِي﴾ أي: بعملي،
﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائمةً، ولَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿رُجِعتُ إِلَى رَبِّيَ، إِنَّ لِي عِندَهُ
لَلحُسنَى﴾ أي: الجنّةَ - ﴿فَلَتُبََّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا، ولَنُذِيقَنَّهُم مِن عَذابٍ
غَلِيظٍ﴾ ٥٠: شديد. واللام في الفعلين لام قسم - ﴿وإذا أنعَمْنا علَى الإنسانِ﴾
الجِنسِ ﴿أُعرَضَ﴾ عن الشُّكر، ﴿وناءَ بِجانِهِ﴾: ثنى عِطفه مُتبخترًا - وفي قراءة
بتقديم الهمزة - ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فِذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ ٥١: کثیر.
٣- ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُم، إن كانَ﴾ أي: القُرآنُ ﴿مِن عِندِ اللهِ﴾ كما قال النبيّ، (ثُمَّ كَفَرْتُم
بِهِ؟ مَن﴾ أي: لا أحد ﴿أَضَلُّ مِمَّن هُوَ فِي شِقاقٍ﴾: خِلاف ﴿بَعِيدٍ﴾ ٥٢ عن الحقّ؟ أُوقِعَ هذا مَوقعَ ((منكم)) بيانًا لحالهم. ﴿سَنُرِيهِم آیاتِنا، في
الآفاقِ﴾: أقطار السماوات والأرض من النّرات والنبات والأشجار، ﴿وفي أنفُسِهِم﴾ من لطيف الصنعة وبديع الحِكمة، ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أنَّهُ﴾
أي: القُرآنَ ﴿الحَقُّ﴾: المُنزَل من الله بالبعث والحساب والعقاب، فيعاقبون على كُفرهم به وبالجائي به.
٤ - ﴿أُوَلَم يَكفِ بِرَبِّكَ﴾: فاعلُ ((يكف))، ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ ٥٣؟ بدلٌ منه. أي: أوَلم يكفِهم في صِدقك أنّ ربّك لا يغيب عنه شيء ما؟
﴿أَلا إِنَّهُم في مِرْبةٍ﴾: شكّ ﴿مِن لِقَاءِ رَبِّهِم﴾، لإنكارهم البعثَ. ﴿ألا إنَّهُ﴾ - تعالى - ﴿بِكُلِّ شَيءٍ مُحِيطٌ﴾ ٥٤ علمًا وقُدرة، فيُجازيهم بكُفرهم.
(١) روي أن المشركين قالوا: يامحمد، إن كنت نبيًا فخبّرنا: متى قيامُ الساعة؟ فنزلت الآيتان ٤٧ و٤٨. فتح القدير ٤: ٧٣٠. ويُرد: يُصرف. والعلم:
الإحاطة الحقة. والساعة: يوم القيامة. وتخرج: تظهر. والكِم: ما يحيط بالثمرة قبل ظهورها. وتحمل: تحوي من الأجنة. وتضع: تلد. ويناديهم: يسألهم
على لسان ملائكة العذاب. والشركاء: جمع شريك، المخلوقات التي جُعلت شريكة في الألوهية. والأصنام أي: وغيرها من المعبودات. والنفي أي: ((ما))
بعد («آذن))، وبعد ((ظن)). ومعلق: مانع لفظًا لامحلًّا.
(٢) يسأم: ينقطع رجاؤه. والإنسان: المشرك. والدعاء: الإلحاح في الطلب. والخير: ما يتغلب فيه النفع. ومسه: أصابه. والشر: ما يتغلب فيه الضرر.
واليؤوس: من يشتد فيه قطع الأمل. والقنوط: من يكثر فيه اليأس والغم. ولام قسم: صوابه أن اللام موطئة لجواب قسم محذوف قبلها. والرحمة: العطف
بالإحسان. ومنا: من عندنا. ولي أي: أستحقه بعملي وما لي من الفضل. وأظن: أعتقد يقينًا. وقائمة: حاصلة ستكون كما يزعم المؤمنون. ورجعت: بُعثت
للحساب. والحسنى: الكبرى من النعم، لأن تنعمي في الدنيا يقتضي تفضيلي في الآخرة. وننبئ: نخبر. وعملوا: اكتسبوه بقلوبهم وألسنتهم وفعلهم. ونذيقه:
ننزل به. ولام قسم أي: واقعة في جواب القسم. وهي في الأفعال الثلاثة: يقول وننبئ ونذيق، لا في الفعلين الأخيرين فحسب. وأنعم: تفضل بالمتاع
والزينة. والجنس: جنس الإنسان. والمراد هو الكافر المذكورفي الآية ٥٠ وأمثاله، لأنه الغالب بين الناس. وأعرض: شُغل بالشرك واللذائذ. وناء: انحرف
وتباعد. وفي الأصل والنسخ: ((نأَى)). والعِطف: أحد طرفَي الإنسان. والمراد الإنسان كله. وتقديم الهمزة يريد ((نأَى)). والشر: الأذى. وذو أي: صاحب.
والدعاء: الاستغاثة وطلب العون.
(٣) أرأيتم أي: أعلموني ما يتحقق لديكم. ومن عنده أي: من وحيه. وكفرتم به: أنكرتموه من غير دليل. وأضل: أكثر خروجًا عن الحق. و((هذا)) يعني
((ممن هو في شقاق بعيد)). وبيانًا لحالهم أي: ضلالهم. ونريهم أي: بما يُكشَف لهم من أسرار في الكون والحياة، والأحداث العجيبة الخلق والتقدير.
والآيات: الأدلة. والآفاق: جمع أَفُق. والأنفس: جمع نفس، أي: حقيقة الإنسان بروحه وجسده. ويتبين: يتحقق بالبراهين. والحق: الثابت.
(٤) يكفي: يغني عن التعنت. والشهيد: العالم جملة وتفصيلاً. وبدل منه أي: أن المصدر المؤول بدل من ((رب)). والتقدير: أولم يكفهم مشاهدته كلَّ شيء؟
ولقاؤه: لقاء ما توعّدهم به من يوم القيامة. والمحيط: العالم بالغَ العلم لا يخفى عليه أمر، مهما بعد أو غاب. ويجازيهم أي: بما يقابل كفرهم ويكون جزاء
له.

الجزء الخامس والعشرون
٤٨٣
٤٢ - سورة الشُّورى
سورة الشورى
مكية إلّا ((قل لا أسألكم)) الآياتِ الأربعَ، ثلاث وخمسون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرََّمَنِ الرَّحَيَةِ
١- ﴿حَمّ ١، عَسَقَ﴾ ٢ الله أعلم بمُراده به. ﴿كَذْلِكَ﴾ أي: مِثْلَ ذلك الایحاءِ ﴿يُوحِي
إِلَيكَ، و﴾ أَوحى ﴿إِلَى الَّذِينَ مِن قَبَلِكَ، اللهُ﴾: فاعل الإيحاء، ﴿العَزِيزُ﴾ في مُلكه،
﴿الحَكِيمُ﴾ ٣ في صُنعه، ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا،
﴿وَهْوَ العَلِيُّ﴾ على خلقه، ﴿العَظِيمُ﴾ ٤: الكبير.
٢- ﴿تكادُ﴾، بالتاء والياء، ﴿السَّماواتُ يَنفَطِرْنَ﴾ - بالنون، وفي قراءة بالتاء
والتشديد - ﴿مِن فَوقِهِنَّ﴾ أي: تنشقّ كُلّ واحدة فوق التي تليها من عظمته - تعالى -
﴿وَالمَلائكةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِّهِم﴾ أي: مُلابسين للحمد، ﴿ويَستَغْفِرُونَ لِمَن في
الأرضِ﴾ من المؤمنين. ﴿ألا إنَّ اللهَ هُوَ الغَفُورُ﴾ لأَوليائه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ ٥ بهم،
﴿وَالَّذِيْنَ انَّخَذُوا مِن دُونِهِ﴾ أي: الأصنامَ ﴿أَولِيَاءَ اللهُ حَفِيظٌ﴾: مُحصٍ ﴿عَلَيهِم﴾
ليُجازيهم، ﴿وما أنتَ عَلَيهِم بِوَكِيلٍ﴾ ٦ تُحصّلُ المطلوب منهم، ما عليك إلّ البلاغ.
٣- ﴿وكذلِكَ﴾: مِثلَ ذلك الإيحاء ﴿أوحَينا إلَيكَ قُرآنًا عَرَبِيًّا، لِتُنذِرَ﴾: تُخوَّفَ ﴿أُمَّ
القُرَى ومَن حَولَها﴾ أي: أهلَ مكّة وسائر الناس، ﴿وتُنذِرَ﴾ الناس ﴿يَومَ الجَمع﴾ أي:
يوم القيامة يُجمع فيه الخلق، ﴿لا رَيبَ﴾: شكّ ﴿فِيهِ، فَرِيقٌ﴾ منهم ﴿في الجَنّةِ، وفَرِيقٌ
في السَّعِيرِ﴾ ٧: النار. ﴿وَلَو شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمّةً واحِدةً﴾ أي: على دِين واحد - وهو
الإسلام - ﴿ولكِن يُدخِلُ مَن يَشاءُ فِي رَحْمتِهِ، والظّالِمُونَ﴾: الكافرون ﴿مَا لَهُم مِن
وَلِيٍّ، ولا نَصِيرٍ﴾ ٨ يدفع عنهم العذاب.
سُورَة الشُّورَىُ®
شُورَةُ الشُِّورَى
بِسْـ
حَمّ جْ عَسَقَ ﴿ كَذَلِكَ يُوحِىّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ
اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿﴿لَهُمَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَهُوَ
اٌلْعَلِىُّالْعَظِيمُ (٥ تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ
وَالْمَلَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِرَبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِى
اُلْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ
مِن دُونِهِ- أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ
﴿ وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَآإِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِنُنذِرَ أُمَّالْقُرَى وَمَنْ
حَوْلهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِوَفَرِيقٌ فِى
السَّعِيرِ ﴿﴿ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ
مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ، وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُ مِّن وَلٍِّ وَلَا نَصِيرٍ
أَمِ أَّخَذُواْمِن دُونِ أَوْلِيَاء ◌َاللَّهُ هُوَالْوَلِىُّ وَهُوَيُحِى الْمَوْنَى وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ:
إِلَى اللَّهِ ذَالِكُمُ اللَّهُ رَبِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ
٤ - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ﴾ أي: الأصنامَ ﴿أَولِياءَ﴾؟ أم: مُنقطعة بمعنى: ((بل)) التي للانتقال، وهمزةِ الإنكار، أي: ليس المُتّخَذون أَولياءَ.
﴿فَاللهُ هُوَ الوَلِيُّ﴾ أي: الناصر للمؤمنين - والفاء لمجرّد العطف - ﴿وَهْوَ يُحيِي المَوتَى، وهْوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ ٩، وما اختَلَفْتُم﴾ مع الكُفّار
﴿فِيهِ مِن شَيءٍ﴾، من الدِّين وغيره، ﴿فَحُكمُهُ﴾ مردود ﴿إِلَى اللهِ﴾ يوم القيامة، يفصل بينكم.
٥- قل لهم: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي، علَيهِ تَوَكَّلتُ وإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ١٠ : أرجِعُ، ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرضِ﴾: مُبدعهما، (جَعَلَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم
(١) أعلم بمراده به أي: أحرف مقطعة، هي سره المكنون في كتابه العزيز. وذلك الإيحاء: ما كان من آيات قرآنية أوحيت قبل هذه السورة. ويوحي: يبلّغ
على لسان جبريل للتكليف بالعمل والدعوة، ويتكفل بالتبليغ والحفظ. والعزيز: الغلاب لا يعجزه شيء ويذل لعزته ما عداه. والحكيم: ذو الحكمة العالية
بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء. والسماوات: ما يحيط بالأرض من عوالم عُلوية. والعلي: البالغ في علو الرتبة ودونه كل مخلوق. والعظيم:
الذي لامثيل له في ذاته وصفاته، ولا يتصوره عقل ولا يحيط بكنهه بصيرة.
(٢) تكاد: تقارب. وبالياء يريد القراءة ((يَكادُ)). وبالتاء يعني ((يَتَفَطَّرْنَ)). وهذه القراءة واردة مع ((يكاد)) فقط، والتي بالنون وردت مع قراءتَي ((تكاد)) و((يكاد)).
والملائكة: جمع ملّك. ويسبح: ينزه الله عما لا يليق به. والحمد: الثناء بالجميل على الفضل. ويستغفر: يشفع بطلب محو الذنوب وعدم المؤاخذة عليها.
والغفور: الكثير الستر للذنوب والعفو عنها. والرحيم: العظيم العطف بالمغفرة. واتخذ: جعل. والأصنام أي: وما يُعبد من المخلوقات الأخرى. ودونه أي:
غير الله. والأولياء: جمع ولي. وهو المعبود يعتمد عليه. ومحص أي: يحصي الأعمال فلا يغيب عنه منها شيء. وما أنت عليهم بوكيل أي: لست بموكول
إليك أمرهم في الهداية والطاعة. والبلاغ: التبليغ للرسالة والإنذار.
(٣) العربي: المنسوب إلى العرب. يعني أنه بلغتهم واضح بيّن لالبس فيه عليك أو عليهم. وتنذرهم: تهددهم بالعذاب لمن يصرّ على الكفر. والقرى: جمع
قرية. وهي البلدة. وأمها: أعظمها. واليوم: الوقت. والجمع أي: جمعهم. والخلق: الناس والجن. ولاشك فيه أي: في مجيئه كما قُدّر له. والفريق:
القسم المتميز. والجنة: البستان العظيم. وشاء: أراد أن يجعل الناس أمة واحدة. والإسلام أي: أو الكفر. وجعل: صيّر. والأمة: الجماعة على دين واحد
في العقيدة والشريعة. ويدخل: يقدّر الدخول ويقضيه. ويشاء: يريد أن يرحمه، لِما في نفسه من الصلاح والطاعة. والرحمة: العطف بالإحسان. وهو هنا
الإسلام. والظالم: المجاوز للحق. والولي: من يتولى أمر غيره ويحميه وينفعه. والعذاب أي: في الدنيا والآخرة.
(٤) منقطعة أي: حرف استئناف. والانتقال أي: الإضراب للانتقال إلى مابعد من دون إبطال لما قبله. والإنكار: النفي والاستبعاد. والصواب أن الفاء
المذكورة هي الفصيحة للاستئناف والسببية، أي: فعلوا بالإشراك ما يوبخون عليه، لأن الله هو الولي بحق. ويحيي: يخلق الحياة. والموتى: جمع ميت.
وكل: لاستغراق أفراد النكرة. والقدير: البالغ القدرة على ما يريد. واختلفتم: تنازعتم، و((مع الكفار)) صوابه ((أنتم والكفار))، لأن أفعال المشاركة تقتضي
العطف بالواو، ولا يكون بعدها ((مع))، خلافًا للكسائي ومن وافقه. والحكم: الفصل والقضاء. ويفصل أي: بمكافأة المُحِقّين وعقاب المُبطِلين.
(٥) توكلت: اعتمدت في جميع شؤوني. وإليه: إلى أمره ونهيه ورضاه. وجعل: خلق. والأنفس: جمع نفس. والمراد: من جنسكم. والأزواج: جمع زوج.
وهو الزوجة، ومراد به فيما بعد: الصنف له ما يقابله من ذكر وأنثى. و((ضلع آدم)) هو تمثيل للعوج. انظر تعليقنا على تفسير الآية ١ من سورة النساء .=

٤٢ - سورة الشُّورى
٤٨٤
الجزء الخامس والعشرون
سُورَة الشِىوآى
الجزء الحافِ الْرُبَ
فَاِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا
وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجَّا يَذْرَ ؤُكُمْ فِيَةٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءُ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ [®
شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الّذِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ
إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالدِّينَ
وَلَا تَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ
يَجْتَبِىِّ إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴿ وَمَا
نَفَرَّقُواْ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَابَيْنَهُمَّ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ
أُورِثُواْ الْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِی سَكٍمِّنْهُ مُرِيبٍ
فَلِذَلِكَ فَادْعٌ وَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتٌّ وَلَِّغْ أَهْوَ هُمْ
وَقُلْ ءَامَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ
بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَّكُمْ أَعْمَلُكُمْ
لَاحُجَّةَ بَيْنَاوَبَنْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْسَنَّ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾
أزواجًا﴾، حيثُ خلق حواء من ضِلَع آدَمَ، ﴿وَمِنَ الأنعامِ أزواجًا﴾ ذُكورًا وإناثًا،
﴿يَذْرَؤُكُم﴾، بالمعجمة: يخلقكم ﴿فِيهِ﴾: في الجعل المذكور، أي: يُكثّركم بسببه
بالتوالد - والضمير للأناسيّ والأنعام بالتغليب - ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، الكاف: زائدة
لأنه - تعالى - لا مِثلَ له، ﴿وَهْوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقال ﴿البَصِيرُ﴾ ١١ بما يُفعل،
﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرضِ﴾ أي: مفاتيحُ خزائنهما من المطر والنبات
رع
وغيرهما، ﴿يَبِسُطُ الرِّزْقَ﴾: يُوسّعه ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ امتحانًا ﴿ويَقدِرُ﴾: يُضيّقه
لمن يشاء ابتلاءً. ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ ١٢ .
١ - ﴿َشَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾، هو أوّل أنبياء الشريعة، ﴿والَّذِي أوحينا
إِلَيكَ، وما وَصَّينا بِهِ إِبراهِيمَ ومُوسَى وعِيسَى: أن أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. هذا
هو المشروع المُوصَّى به، والمُوحَى إلى مُحمّد مََّ. وهو التوحيد. ﴿كَبُرَ علَى
المُشرِكِينَ ما تَدْعُوهُم إلَيهِ﴾ من التوحيد. ﴿اللّهُ يَجِتَبِي إِلَيْهِ﴾ إلى التوحيد ﴿مَن يَشاءُ،
ويَهِدِي إِلَيهِ مَن يُنِيبُ﴾ ١٣ : يُقبِل إلى طاعته.
٢- ﴿وما تَفَرَّقُوا﴾ أي: أهلُ الأديان في الدِّين، بأن وحّد بعض وكفر بعض، ﴿إِلَّا مِن
بَعدِ ما جاءَهُمُ العِلمُ﴾ بالتوحيد، ﴿بَغيًا﴾ من الكافرين ﴿بَينَهُم، ولَولا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن
رَبِّكَ﴾، بتأخير الجزاء ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾: يوم القيامة، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُم﴾ بتعذيب
الكافرين في الدنيا، ﴿وإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتَابَ مِن بَعدِهِم﴾ - وهم اليهود
والنصارى - ﴿لَفِي شَكَّ مِنْهُ﴾: من مُحمّد ◌ََّ، ﴿مُرِيبٍ﴾ ١٤ : مُوقع في الريبة.
٣- ﴿فِلِذْلِكَ﴾ التوحيد ﴿فادعُ﴾ - يا مُحمّدُ - الناسَ ﴿واستَقِمْ﴾ عليه ﴿كَما أُمِرتَ،
ولا تَتَبعْ أهواءَهُم﴾ في تركه، ﴿وقُلْ: آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ الهُ مِن كِتابٍ، وأُمِرتُ لِأعدِلَ﴾ أي: بأن أعدل ﴿بَينَكُمُ﴾ في الحُكم. ﴿اللّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُم. لَنا
أعمالُنا ولَكُم أعمالُكُم﴾ فَكُلّ يُجازَى بعمله. ﴿لا حُجّةَ﴾: خُصُومَةَ ﴿بَيْتَنَا وَبَينَكُم﴾. هذا قبل أن يُؤمر بالجهاد. ﴿الهُ يَجْمَعُ بَيْتَنَا﴾ في المَعاد
الفصل القضاء، ﴿وإِلَيهِ المَصِيرُ﴾ ١٥: المرجع. ﴿وَالَّذِينَ يُحاجُونَ﴾: يجادلون ﴿في﴾ دِين ﴿اللهِ﴾ نبيّه، ﴿مِن بَعدِ ما استُجِيبَ لَهُ﴾ بالإيمان
لظهور مُعجزته - وهم اليهود - ﴿حُجّتُهُم داحِضةٌ﴾: باطلة ﴿عِندَ رَبِّهِم، وعلَيهِم غَضَبٌ وَلَهُم عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ١٦.
=والأنعام: جمع نعم، الإبل والبقر والغنم. والمعجمة: المنقوطة، أي: الذال. والضمير أي: مفعول: يذرأ. وأراد بالتغليب أن الضمير جاء للعقلاء بسبب
تغليب الأناسي على غيرهم. والمثل: المماثل في الذات أو الصفات أو الأفعال. وجعلُ الكاف حرف جر زائدًا معناه توكيد النفي، لئلا يُتوهم أن الله - عز
وجل - له مثيل ولكن ليس لمثيله شبيه. والسميع: المدرك للمسموعات والأسرار. والبصير: المدرك للأحداث وقت وقوعها. والمقاليد: جمع مِقلاد.
والرزق: ما يهيأ للمخلوق من حاجاته. ويشاء: يريد أن يبسط له. والعليم: المحيط بالغَ الإحاطة.
(١) شرع: بيَّن وفرض. والدين: العقيدة والعبادة والأخلاق والعمل، أي: التوحيد وما يلزمه من الطاعة. ووصاه: أمره وأوجب عليه. ونوح هو رابع نبي
فيما نعلم. وأوحى: أنزل على لسان جبريل وتكفل بالحفظ والتبيلغ. وأقيموه: حققوه وواظبوا عليه قويمًا تامًا. ولا تتفرقوا: لاتتوزعوا جماعات متنازعة. وهذا
أي: تحقيق الدين والائتلاف عليه. والمشرك: من يقدس مع الله غيره ويطيعه. وتدعوه: تحثه وتحضه. ويجتبي: يصطفي ويختار. ويشاء: يريد أن يجتبيه.
ويهديه: يصرف قدراته إلى ما يناسب اختياره الصالح واستعداده الطيب، ويرشده ويوفقه. وإليه: إلى التوحيد أيضًا.
(٢) تفرقوا: اختلفوا وابتعد بعضهم عن بعض. وجاءهم: وصل إليهم وبُلّغوا إياه. والعلم: المعرفة اليقينية وحيًا إلى الرسل. والبغي: الظلم والعدوان على
الحق. والكلمة: الحكم والقضاء. وسبقت: وقعت فيما مضى منذ الأزل فوجب تحققها. ومن ربك أي: بحكمه وقضائه. والأجل: الزمن المؤخر لحدوث
الشيء. والمسمى: المعيّن المحدّد. انظر الآية ٢٨٢ من سورة البقرة. وقضي: حُكم وفُصل. وأورثوه: كان لهم كالأرث يتملكه الخلف عن السلف.
والكتاب: التوراة والإنجيل. والشك: التردد والزيغ. والريبة أي: قلق النفس واضطرابها. وفي الأصل: ((موقع للريبة)). ث وع: موقع الريبة.
(٣) ادعهم: حثهم وحضهم. واستقم: اثبت ودم في الاستقامة. وأمرت: فُرض عليك. ولا تتبع: لا توافق. والأهواء: جمع هوى. وهو شهوة النفس وما
تغري به من الشر. وآمنت به: صدّقته. وأنزل: أوحى. والأعمال: جمع عمل. وهو ما يكتسب بالقلب أو اللسان أو الفعل. والخصومة: الخصام والقتال.
وهذا يعني أن عدم المحاجة نُسخ بآيات القتال في سورة المائدة. والظاهر أن المراد في الآية هو قطع المحاجّة بعد أن ظهر الحق بالبراهين، ولم يبق إلّا
العناد والمكابرة. فلاحاجة لهذا القطع إلى النسخ. ويجمع بيننا: يحشرنا بالبعث. والمرجع يعني: يوم القيامة للحكم بيننا جميعًا وجزاء كل بما يستحق.
وسقط ((يجادلون)) مما عدا الأصل وخ. واستجيب له أي: استجاب له الصحابة وآمنوا بنبوته. و((هم اليهود)) أي: الذين يحاجون، قالوا: ((كتابنا قبل كتابكم،
ونبينا قبل نبيكم. فنحن خير منكم)). فنزلت الآية في ذلك. وهذا يعني أن الآية مدنية، خلاف ما نص عليه المحلي في مستهل تفسير السورة، من أنها مكية
عدا ما استثناه. فالصواب على حكمه بالمكية أن الآية نزلت في كفار قريش، كانوا يجادلون المؤمنين، ويطمعون أن يردوهم إلى الجاهلية، وربما استعانوا
بأقوال اليهود أيضًا. انظر البحر ٥١٣:٧. والحجة: المجادلة والمحاجة. وعند ربهم أي: في حكمه. والغضب: السخط العنيف يكون عنه الانتقام. وشديد
أي: قوي لامثيل له، في الآخرة.

الجزء الخامس والعشرون
٤٨٥
٤٢ - سورة الشُّورى
١- ﴿اللّهُ الَّذِي أَنزَلَ الكِتابَ﴾: القُرآن ﴿بِالحَقِّ﴾: مُتعلّق بـ ((أنزل))، ﴿والمِيزانَ﴾:
العدل، ﴿وما يُدرِيكَ﴾: يُعلِمُك ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ أي: إتيانَها ﴿قَرِيبٌ﴾ ١٧. ولعلّ:
مُعلِّق للفعل عن العمل، أو ما بعده سدّ مسدّ المفعولين. ﴿يَستَعجِلُ بِها الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ بِها﴾ يقولون: متى تأتي؟ ظنًّا منهم أنها غير آتية، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشِفِقُونَ﴾ :
خائفون ﴿مِنها، ويَعلَمُونَ أنَّها الحَقُّ. ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ﴾: يُجادلون ﴿في السّاعةِ
لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ١٨ .
٢ - ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ بَرِّهم وفاجرِهم، حيثُ لم يُهلكهم جوعًا بمعاصيهم، ﴿يَرْزُقُ
مَن يَشاءُ﴾ من كُلّ منهم ما يشاء، ﴿وَهْوَ القَوِيُّ﴾ على مُراده، ﴿العَزِيزُ﴾ ١٩ : الغالب
على أمره. ﴿مَن كانَ يُرِيدُ﴾ بعمله ﴿حَرَثَ الآخِرَةِ﴾ أي: كسبَها - وهو الثواب - ﴿نَزِدْ
لَهُ فِي حَرِثِهِ﴾ بالتضعيف فيه الحسنةَ إلى العشرِ وأكثرَ، ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرثَ الدُّنيا نُؤْتِهِ
مِنها﴾ بلا تضعيف ما قُسِم له، ﴿وما لَهُ في الآخِرةِ مِن نَصِيبٍ﴾ ٢٠.
٣- ﴿أم﴾: بل ﴿لَهُم﴾: لكُفّار مكّة (شُرَکاءُ﴾، هم شياطينهم، ﴿شَرَعُوا﴾ أي:
الشركاءُ ﴿لَهُم﴾: للكُفّار ﴿مِنَ الدِّينِ﴾ الفاسد ﴿ما لَم يأَذَنْ بِهِ اللهُ﴾ كالشِّرك وإنكار
البعث، ﴿وَلَولا كَلِمةُ الفَصلِ﴾ أي: القضاء السابق، بأنّ الجزاء في يوم القيامة،
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُم﴾ وبين المؤمنين بالتعذيب لهم في الدنيا، ﴿وإنَّ الظَّالِمِينَ﴾: الكافرين
﴿لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢١: مُؤلم، ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ يوم القيامة ﴿مُشِفِقِينَ﴾: خائفين
﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ في الدنيا من السيّئات، أن يُجازَوا عليها، ﴿وَهْوَ﴾ أي: الجزاء عليها
◌ُّوَةِ الشُِّورَىُّ:
وَالَّذِينَ يُحَاجُونَ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ مُجَّنُهُمْ
دَاحِضَةٌ عِندَرَبِهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
﴿ اللَّهُالَّذِىّ أَنْزَلَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانٌ وَمَا يُدْرِيكَ
لَعَلَ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِهَاْ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ
أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِىِ السَّاعَةِ لَفِىِ ضَلَالٍ بَعِيدٍ (!)
اللَّهُ لَطِيفُ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ
﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْلَهُ فِ حَرْئٍِ، وَمَنْ
كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِن
نَّصِيبٍ ﴿﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُا شَرَعُوْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ
مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمّ
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ تَرَى الظَّالِمِينَ
مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِذَّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِّ
لَهُمْ مَّا يَشَآءُ ونَ عِندَرَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)
﴿واقِعٌ بِهِم﴾ يوم القيامة لا محالة، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ في رَوضاتِ الجَنّاتِ﴾: أنزَهِها، بالنسبة إلى مَن دُونهم، ﴿لَهُم ما يَشاؤُونَ
عِندَ رَبِّهِم. ذُلِكَ هُوَ الفَضلُ الكَبِيرُ ٢٢. ذُلِكَ الَّذِي يَبْشُرُ اللهُ﴾ - مِن البِشارة مُخفَّفًا ومُثَقَّلًا - ﴿عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ. قُلْ: لا
أسألُكُم عَلَيهِ﴾ أي: على تبليغ الرسالة ﴿أجرًا، إلّ المَوَدّةَ في القُربَى﴾: استثناءٌ منقطع، أي: لكن أسألكم أن تَوَدّوا قَرابتي التي هي قرابتكم
(١) روي أن النبي ذكر الساعة أمام المشركين، فقالوا تكذيبًا: متى تكون الساعة؟ فنزلت الآيتان. تفسير البغوي ١٢٣:٤. وأنزل: أوحى على لسان جبريل.
والحق: ما يجب ويستحق من العقيدة والشريعة. والميزان: آلة العدل وسببه. وإنزاله يعني الأمر به فيما أوحى. والساعة: وقت القيامة. وإتيانها: يعني أن
المضاف محذوف، ولذلك جاء الخبر ((قريب)» مذكرًا ملحوظًا فيه المضاف المحذوف. وقريب: عاجل غير بعيد. ومعلق للفعل يعني: التعليق اللفظي، فالفعل
عامل محلًا. و((أو ما بعده)) أي: ما بعد ((لعلّ)). وهذا يعني أن ((لعلّ))، وإن كانت من أدوات التعليق، اسمها وخبرها أصلهما المبتدأ والخبر، فهما يسدان مسد
مفعولين، كأنه قيل: وما يدريك الساعةً قريبةً؟ والمفعولين أي: الثاني والثالث. ويستعجل بها أي: يطلب تعجيلها تهكمًا. ولا يؤمن بها: ينكر صحة وقوعها.
ومشفقون أي: لِما يكون فيها من الهول. وخائف أي: فزع. ويعلم: يدرك إدراك اليقين. والحق: الواقعة لامحالة. ويجادلون أي: بالشك والتكذيب. وفي
الساعة: في صحة إتيانها. والضلال: الجهل والخطأ. وبعيد أي: عن الحق والصواب، لأن البراهين قاطعة بوجوب البعث والحساب.
(٢) اللطيف: الحفيّ يرفق في المعاملة ويُحسن بخفاء وستر. والعباد: جمع عبد. وهو المملوك خلقًا وقهرًا وتعبدًا. ويرزقه: يوسع عليه بتيسير حاجاته.
والمراد أيضًا: ويضيّق على غيره. ويشاء: يريد أن يرزقه بما تقتضيه الحكمة البالغة ومصلحة الكون. والقوي: الكامل القدرة لا يعجزه شيء. خ: ((القوي
العزيز على مراده)). ويريد: يطلب ويفضل. والحرث: إلقاء البذر للزراعة. ويطلق على المحصول منه، فيستعار لثمرة الأعمال وثوابها. والآخرة: الحياة
بالبعث يوم القيامة. ونزيد: نضيف ونضاعف. والعشر أي: جعل الحسنة عشر حسنات. وفيما عدا النسخ: ((العشرة)). وحرث الدنيا: متاعها ولذائذها.
ونؤتيه: نعطيه ونيسر له. والنصيب: الحظ من خيرها والنعيم.
(٣) لكفار مكة أي: وغيرها من المشركين. خ: ((كفارمكة)). والشركاء: جمع شريك. وهو ما يُجعل مشاركًا في الألوهية والعبادة والطاعة. والشياطين:
المُغرُون بالباطل من الإنس والجن. وشرعوا: وضعوا شريعة وزينوها بالكذب والباطل. والدين: ما يشمل العقيدة والعبادة والخلق والمعاملة. ويأذن: يأمر.
والكلمة: القول. والفصل: الحكم الحتمي حصوله. وقضي: حكم وفصل. والظالم: المجاوز للحق. وترى: تبصر عِيانًا. والخائف: الفزع. وكسب: عمل
بالنية أو القول أو الفعل. والواقع: النافذ المحقق. وعمل: اكتسب. والصالح: مايرضاه الله. والروضة: المكان المرتفع المتميز بجماله وطيبه. والجنة:
البستان العظيم. والأنزه: الأعلى والأطيب. ويشاؤون: يريدونه ويشتهونه. وعند ربهم: في المنزلة الرفيعة المقربة. وذلك أي: ما ذكر من المنزلة والنوال.
والفضل: الإحسان بالنعيم. والكبير: العظيم لا يوصف. وذلك أي: ما أعده الله للمؤمنين من الإكرام. ويبشرهم: يبلّغهم ما يَسرّهم. ومثقلا يريد القراءة
(يُبَشِّرُ)). وقل أي: للأنصار في المدينة. فقد روي أنهم جمعوا له مالًا، يستعين به على ما ينوبه من الحقوق، وأتَوه به فرده عليهم، ونزل من الآية ما يقوله
لهم. ولما بلغهم ذلك ظنوا أن المراد هو نصر أهل البيت والقتال عنهم، فنزلت الآية ٢٣ تبشر المؤمنين بالتوبة والفضل. الدر المنثور ٦:٦. وأسألكم: أطلب
منكم. والأجر: المكافأة. والمودة: المحبة والوفاء. والقربى: أقرب الأقرباء. وذكرُ قريش يعني أن الآية مكية، خلافًا لما جاء في مستهل تفسير السورة.
انظر البحر ١٥٦:٧. والحسنة: العمل الذي حسّنه الشرع. ونزيد: نضاعف. والحُسن: الثواب الكثير. والغفور: الكثير الستر والعفو. والشكور: المعطي
الثوابَ الجزيل على العمل القليل.

٤٢ - سورة الشُّورى
٤٨٦
الجزء الخامس والعشرون
سُورَة النِىُودَى
ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ قُللَّ
أَسْئَلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِىُّ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ
لَهُ فِيهَا حُسْنَّا إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ شَكُ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَ عَلَى اللَّهِ
كَذِبًا فَإِن ◌َشٍَ اله يَخْتِمْ عَلَى فَلِكٌ وَيَمْحُ الَهُالْبَطِلَ وَيُحِقُ الْحَقَّ
بِكَلِمَتِّ ◌ِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ الثَّوْبَةَ
عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ (@)
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْوَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَيَزِيِدُ هُم مِّن فَضْلِهِ،
وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ وَلَوْبَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ
◌ِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ،
خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ
وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ، وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ ﴾ وَمِنْءَايَنِهِ،خَلْقُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَابَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ
إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ ﴿ وَ مَآ أَصَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ (٢) وَمَآ أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾
أيضًا. فإنّ له في كُلّ بطن من قريش قرابةً. ﴿ومَن يَقْتَرِفْ﴾: يكتسب ﴿حَسَنةً﴾: طاعة
﴿نَزِدْ لَهُ فِيها حُسنًا﴾ بتضعيفها. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ للذنوب، ﴿شَكُورٌ﴾ ٢٣ للقليل
فيُضاعفه .
١ - ﴿أم﴾ بل ﴿يَقُولُونَ: افتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ بنسبة القُرآن إلى الله تعالى. ﴿فإن يَشَأِ
اللهُ يَخْتِمْ﴾: يربطْ ﴿عَلَى قَلِكَ﴾ بالصبر على أذاهم، بهذا القول وغيره - وقد فعلَ -
﴿وَيَمْحُ اللهُ الباطِلَ﴾ الذي قالوه. ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ﴾: يُثبته ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ المُنزلة
على نبيّه. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢٤ : بما في القلوب، ﴿وهْوَ الَّذِي يَقبَلُ
نصف
الثَّوبةَ عَنِ عِبادِهِ﴾: منهم، ﴿ويَعِفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ المُتاب عنها، ﴿وَيَعلَمُ ما
الخِرب
يَفْعَلُونَ﴾ ٢٥ - بالياء والتاء - ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ﴾:
يُجيبهم إلى ما يسألون، ﴿ويَزِيدُهُم مِن فَضِلِهِ، والكافِرُونَ لَهُم عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ٢٦.
٢ - ﴿وَلَو بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ﴾ جميعِهم ﴿لَبَغَوا﴾ جميعُهم أي: طغوا ﴿في
الأرضِ، ولَكِن يُنْزِلُ﴾، بالتخفيفِ وضدِّه، من الأرزاق ﴿بِقَدَرِ ما يَشاءُ﴾، فيبسطها
لبعض عباده دُون بعض، وينشأ عن البسط البغيُّ. ﴿إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ٢٧ .
وهْوَ الَّذِي يُنْزِلُ الغَيثَ﴾: المطر ﴿مِن بَعدِما قَنَطُوا﴾: يئسوا من نُزوله، ﴿وَيَنْشُرُ
رَحْمتَهُ﴾: يبسط مطره، ﴿وَهْوَ الوَلِيُّ﴾: المُحسن للمؤمنين، ﴿الحَمِيدُ﴾ ٢٨:
المحمود عندهم.
٣- ﴿وَمِن آيَاتِهِ خَلقُ السَّماواتِ والأرضِ، وَ﴾ خلقُ ﴿ما بَثَّ﴾: فرّق ونشر ﴿فِيهِما مِن دابّةٍ﴾، هي ما يدِبّ على الأرض من الناس وغيرهم،
﴿وَهْوَ عَلَى جَمعِهِم﴾ للحشر ﴿إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ٢٩ - في الضمير تغليب العاقل على غيره - ﴿وما أصابَكُم﴾، خِطابٌ للمؤمنين، ﴿مِن مُصِيبةٍ﴾.
بليّة وشِدّة ﴿فِما كَسَبَتْ أَيدِيكُم﴾ أي: كسَبتم من الذنوب. وتُبّر بالأيدي لأنّ أكثر الأفعال بها. ﴿ويَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ ٣٠ منها، فلا يُجازي عليه.
وهو - تعالى - أكرم من أن يُثنّي الجزاء في الآخرة. وأما غير المُذنبين فما يُصيبهم في الدنيا لرفع درجاتهم في الآخرة. ﴿وما أنتُم﴾ - يا مُشركين
- ﴿بِمُعجِزِينَ﴾ اللهَ هربًا ﴿في الأرضِ﴾ فتفوتونه، ﴿وما لَكُم مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه ﴿مِن وَلِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ٣١: يدفع عذابه عنكم.
(١) افترى: اختلق القرآن من قوله. ويشاء: يريد لك الصبر. ويمح: يمحو، أي: يمحق، حذفت الواو رسمًا لحذفها لفظًا بالتقاء الساكنين. هذا على القول
بالاستئناف. وانظر ((المفصل)). وفي النسختين: ((ويمحو)). والباطل: الكذب لا أصل له. والحق: الصدق الثابت. والكلمات: الآيات القرآنية. والعليم:
المحيط بالغَ الإحاطة. والصدور: جمع صدر. وذات الصدور أي: مافيها من القلوب. ويقبل: يرضى. والتوبة: الرجوع عن المعصية إلى الطاعة مع طلب
العفو. ويعفو: يصفح. والسيئة: ما قبح لمخالفته الشرع. و((المُتاب)) خطأ صوابه: المَتُوب. وانظر ((المفصل)) أيضًا. ويعلمه: يحيط به إحاطة مطلقة. وما
يفعلون: ما يكتسبه العباد من نية أو قول أو عمل. وبالتاء يريد القراءة ((ما تَفْعَلُونَ)). ويزيد: انظر الآية ٢٣. والفضل: التفضل. وهو الإحسان بالخير.
والشديد: القوي لامثيل له.
(٢) روي أن فقراء الصحابة في المدينة تمنوا أن يغنيهم الله - تعالى - ويبسط لهم الأرزاق، فنزلت الآية تبين وجه الحكمة. الواحدي ص ٣٩٦. وبسطه:
أطلقه دون حكمة. والرزق: ما يعطاه المخلوق. وطغوا: تجاوزوا حد الاعتدال، فكان التعطيل للمصالح والدمار للعالم. وينزله: يقضي حصوله فيَنزل على
صاحبه. وبضده يريد القراءة ((يُنَزِّلُ)). والقدر: التقدير المحكم بما يناسب مصلحة الخلق. ويشاء: يريد أن ينزله. و((ينشأ عن البسط البغي)) أي: أن عموم
البسط يسبب عموم البغي. وخبير بصير أي: يعلم خفايا أمرهم وجلايا حالهم. وينزل: يسقط. والرحمة: العطف بالإحسان. فالمطر نوع من ذلك. والحميد:
المستحق للثناء الجميل بذاته وصفاته وأفعاله. و((عندهم)) كذا، أي: عند المؤمنين. وفي تفسير البغوي ١٢٨:٤: ((عند خلقه)). وهو أولى.
(٣) الآية: الدلالة القاطعة على الألوهية والوحدانية والبعث. والخلق: الإيجاد من العدم. والسماوات: ما يحيط بالأرض من عوالم عُلوية. وفيهما أي: في
السماوات والأرض. والدابة: المخلوق الحي يتحرك أو يمشي. وهو يشمل الإنس والجن والملائكة والحيوان، وما لا نعلمه من الأحياء. انظر الكشاف
٢٢٤:٤-٢٢٥ وتفسيرَي الرازي ٥٩٩:٩ والآلوسي ٦١:٢٥. والجمع: الحشد والتلاقي في الدنيا، أو الإحياء بالبعث بعد الموت. وإذا يشاء أي: في وقتٍ
إرادةٍ أن يجمعهم. والقدير: الكامل الاقتدار بذاته. وعلى غيره يعني: على غير العقلاء من المخلوقات. فالضمير في ((جمعهم)) عامّ للعقلاء وغيرهم.
وأصابكم: نزل بكم. وكسبت: عملته مخالفة أمر الله. والأيدي: جمع يد. وفيما عدا الأصل والنسخ وقرة العينين: ((تزاول بها)) أي: تعالج وتحصّل.
والكثير: العدد الوافر. ويثنّ الجزاء: يعاقب مرة ثانية على ماعاقب في الدنيا. وغير المذنبين كالأنبياء والصالحين والأطفال. ويامشركين: يعني أن المراد
جميعهم دون تخصيص. ومعجزين: قادرين على التخلص من العبودية. والولي: من يتولى أمور غيره ويحسن إليهم.

الجزء الخامس والعشرون
٤٨٧
٤٢ - سورة الشورى
١ - ﴿ومِن آيَاتِهِ الجَوارِي﴾: السفنُ ﴿في البَحرِ، كالأعلام﴾ ٣٢: كالجبال في العِظم،
﴿إِن يَشَأْ يُسكِنِ الرِّيحَ، فَظَلْنَ﴾: يَصِرْنَ ﴿رَواكِدَ﴾: ثوابتَ لا تجري ﴿عَلَى ظَهرِهِ -
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ٣٣ هو المؤمن يصبر في الشِّدّة ويشكر في الرخاء
- ﴿أو يُوبِقْهُنَّ﴾ عطف على ((يُسكن))، أي: يُغرِقْهُنَّ بعصف الريح بأهلهن، ﴿بِما
كَسَبُوا﴾ أي: أهلُهن من الذنوب، ﴿ويَعفُ عَن كَثِيرٍ﴾ ٣٤ منها فلا يُغرق أهله.
﴿وَيَعلَمُ﴾ - بالرفع مستأنف، وبالنصب معطوف على تعليل مقدر، أي : يغرقُهم لينتقمَ
منهم، ويعلمَ - ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في آيَاتِنا: ما لَهُم مِن مَحِيصٍ﴾ ٣٥: مهرب من
العذاب. وجملة النفي سدّت مسدّ مفعولي ((يعلم))، والنفي مُعلِّق عن العمل.
سُورَةِ الشَُّوْدَى®
وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِ الْبَحْرِكَالْأَعْلَمِ ﴿ إِن يَشَأَ يُسْكِنِ اَلْرِيحَ
فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِّإِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
(٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْوَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (*) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ
يُجَدِلُونَ فِىّءَايَئِنَا مَا لَهُمْ مِن تَحِصِ ﴿ فَا أُوْتِيْتُ مِّن شَىْءٍ فَمَنَعُ
الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَءَامَنُواْ وَ عَلَى رَبِهِمْ
يَتَوَكَُّونَ ﴿ وَالَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَِّرَاْلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَامَا
غَضِبُواْهُمْ يَغْفِرُونَ (٦) وَالَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِعَّارَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٢٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ
الْبَغْىُ هُمْ يَنَصِرُونَ ﴿٦َ وَجَزَّوَ أْسِئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا
وَأَصْلَحَ فَأَجْرُعَلَى الَّهِإِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ () وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ
بَعْدَ تُظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ
يَظْلِّمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
(*) وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ، وَتَرَى الَّالِمِينَ
لَمَّا رَأَواْ الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍ مِّن سَبِيلِ [®
٢- ﴿فما أُوتِيتُمِ﴾ - خِطاب للمؤمنين وغيرهم - ﴿مِن شَيءٍ﴾ من أثاث الدنيا (فمَتَاعُ
الحَياةِ الدُّنيا﴾، يُتمتَّع به فيها ثمّ يزول، ﴿وما عِندَ اللهِ﴾ من الثواب ﴿خَيرٌ، وأبقَى
لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلَى رَبِّهِم يَتَوَّلُونَ﴾ ٣٦، ويُعطف عليهم: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنُونَ كَبائِرَ الإثم
والفَواحِشَ﴾: موجباتِ الحُدود، من عطف البعض على الكُلّ، ﴿وإذا ما غَضِبُوا هُمَ
يَغْفِرُونَ﴾ ٣٧: يتجاوزون، ﴿وَالَّذِينَ استَجابُوا لِرَبِّهِم﴾: أجابوه إلى ما دعاهم إليه، من
التوحيد والعبادة، ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾: أداموها، ﴿وأمرُهُم﴾ الذي يبدو لهم ﴿شُورَى
بَيْنَهُم﴾: يتشاورون فيه ولا يعجلون، ﴿ومِمّا رَزَقْنَاهُم﴾: أعطيناهم ﴿يُنفِقُونَ﴾ ٣٨ في
طاعة الله. ومَن ذُكر صِنفٌ، ﴿وَالَّذِينَ إذا أصابَهُم البَغِيُ﴾: الظلُم ﴿هُم يَنْتَصِرُونَ﴾ ٣٩
صِنْفٌ، أي: ينتقمون ممّن ظلمهم بمِثل ظلمه، كما قال تعالى: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ
مِثْلُها﴾. سُمِّيتِ الثانيةُ سيّئةً لمشابهتها للأُولى في الصورة. وهذا ظاهر فيما يُقتصُّ فيه
من الجِراحات. قال بعضهم: وإذا قال له: أخزاك الله، فيجيبه: أخزاك الله. ﴿فَمَن عَفا﴾ عن ظالمه، ﴿وأصلَحَ﴾ الودّ بينه وبينه بالعفو عنه،
﴿فأجرُهُ عَلَى اللهِ﴾ أي: إنّ الله يأجره لا محالة. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ٤٠ أي: البادئينَ بالظلم، فيترتّب عليهم عِقابه.
٣- ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ﴾ أي: ظُلمِ الظالمِ إياه ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيهِم مِن سَبِيلٍ﴾ ٤١: مُؤاخذة - ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ،
ويَبْغُونَ﴾ يعلون ﴿في الأرضِ بِغَيرِ الحَقَِّ﴾: بالمعاصي. ﴿أُولَئِكَ لَهُم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ٤٢: مُؤلم - ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ فلم ينتصر، ﴿وَغَفَرَ﴾: تجاوز،
﴿إِنَّ ذُلِكَ﴾ الصبر والتجاوز ﴿لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ٤٣ أي: معزوماتها، بمعنى: مطلوباتها شرعًا .
٤- ﴿ومَن يُضلِلِ اللهُ فما لَهُ مِن وَلِيٍّ مِن بَعدِهِ﴾ أي: أحدٍ يلي هِدايته بعد إضلال الله إياه، ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ، لَمّا رَأَوُا العَذَابَ، يَقُولُونَ: هَل إلَى
(١) آياته: انظر الآية ٢٩. والجواري: جمع جارية. وهي السفينة. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((الجوارِ)) بحذف الياء للتخفيف. والبحر: ما اجتمع من الماء
الكثير كالنهر والبحيرة وغيرهما. والأعلام: جمع عَلَم. ويشاء: يريد أن يسكن الريح، أي: يوقفها ويمنع حركتها. والريح: الهواء المتحرك. والرواكد: جمع
راكدة. وظهر البحر: سطحه. والصبار: الكثير التحمل للبلاء. والشكور: الكثير الشكر. ويوبق: يدمر. ومنها: من الذنوب. ويعلم: يدرك يقينًا بالأدلة
القاطعة. والنصب أي: بـ ((أن)) مضمرة. ومعلق أي: عن العمل لفظًا لا محلًّا، لأن الجملة في محل نصب للفعل المذكور.
(٢) انظر سبب النزول في المفصل. وأوتيتم: أعطيتم. والمتاع: ما يتلذذ به ويفاخر. وعند الله أي: أعده في المنزلة المقربة. والخير: الأفضل. وأبقى: أثبت
لا ينقطع. وعليه يتوكل أي: إليه وحده يفوض الأمر. ويعطف عليهم: يعني أن ((الذين)) معطوف على ((الذين)) قبله. وكذلك ما في الآيتين ٣٨ و٣٩. ويجتبنها :
يبتعد عنها وينكرها. والكبائر: جمع لِما هو عظيم خطير. والإثم: ما يكون عليه عقاب. والفواحش: جمع فاحشة. وهي أقبح الذنوب، كالقتل والزنى
والسرقة. وغضب: ثار النزاع أو خلاف. ويتجاوز: يصفح. وأمرهم: ما يجري بينهم. والشورى: التشاور اسم مصدر: تَشاورَ، يفيد المبالغة. وينفق: يبذل.
وأصابه: نزل به. والجزاء: العقوبة. والسيئة: ما قبحه الشرع. والجراحات: ما يجب فيه الاقتصاص. وكذلك الجنايات. وعفا: صفح. وأصلح: أزال
الخلاف. والأجر: الثواب. ولا يحبه: يكرهه. ط: ((إنّ الله لا يحب)). والظالم: من يتجاوز الحد في قول أو فعل.
(٣) انتصر: انتقم وجازى ظالمه. والسبيل: الطريق. والمراد: ما يوجب المؤاخذة بعقاب أو العتب والعيب، لأنهم فعلوا ماهو جائز شرعًا. والحق: العدل
والنصفة. والعذاب: التعذيب في الدنيا أو الآخرة. والأليم: الشديد الإيلام. وصبر: تجلد في تحمل الأذى، أي: ممن يصلحه الصبر. وتجاوز أي: سامح
من تردعه المسامحة ولا تطغيه. وإلّا كان تشجيع البغي والعدوان. والعزم: الطلب والحض. ومعزوماتها أي: المعزوم عليها. والأمور: جمع أمر. وهو ما
يؤمر به. وفيما عدا الأصل: المطلوبات شرعًا .
(٤) يضله: يُمده ويوجه قدراته إلى ما يناسب اختياره السيئ واستعداده الخبيث، وييسر له عدم الإيمان. والولي: من يتولى أمور غيره ويحسن إليهم. وترى:
تبصر عيانًا. والخطاب لكل من يستطيع الرؤية يوم القيامة. والظالم: الكافر يموت على الكفر. فهو يتجاوز الحق بإصرار وعناد. ولما رأوا العذاب أي: حين
يبصرون النار ويتحققون أنها لهم. والمرد: الرجوع من الآخرة. وطريق أي: بشفاعة أو رحمة، لتأخير العذاب حتى نُصلح بالإيمان والطاعة ما أفسدنا قبل.
ويعرض عليها: تعرض هي عليه، أي: تُبرزله وتُظهر ليعاين أهوالها من قريب. ففي الجملة قلب للتعبير مبالغة في المعنى. والذل: الهوان والانكسار. وينظر:
يوجه بصره. والطرف: العين. ومسارقة أي: يسارقون النظر إليها خوفًا منها. وابتدائية أي: لابتداء الغاية المكانية. وبمعنى الباء أي: للاستعانة.

٤٢ - سورة النُّورى
٤٨٨
الجزء الخامس والعشرون
سُورَة الشَُّورَى
وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ
مِنْ طَرْفٍ خَفِيٌّ وَقَالَ الَّذِينَءَامَنُواْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ
خَسِرُوَأ ◌َنفُسَهُمْ وَأَهْلِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَ الظَّالِمِينَ
وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنْصُرُونَهُ
فِ عَذَابٍ مُقِيمٍ
مِّن دُونِ اللَّهُ وَ مَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٦) أُسْتَجِيبُواْ
◌ِرَبَّكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّلَهُ مِنَ اللَّهِ مَالَكُمْ
مِّن مَّلْجٍَيَوْمَيٍِ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ ®] فَإِنْ أَعْرَضُواْ
فَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَغُ وَإِنَّا إِذَا
أَذَقْنَا الْإِنسَنَ مِنَّارَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَنَ كَفُورٌ [َّاللَّهِ مُلْكُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا
وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ الذُّكُورَ (® أَوْيُزَوِّجُهُمْ ذَكْرَانَا وَإِنَشَآ
﴿ وَمَا كَانَ
وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ وَ
لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍحَادٍ أَوْ يُرْسِلَ
رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَايَشَاءُ إِنَّهُ عَلِىّ حَكِيمُ !
مَرَدُّ﴾ إلى الدنيا ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ ٤٤ : طريق؟ ﴿وتَراهُم يُعرَضُونَ عَلَيها﴾ أي: النارِ،
﴿خاشِعِينَ﴾: خائفين مُتواضعين ﴿مِنَ الذَّلِّ، يَنظُرُونَ﴾ إليها ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾:
ضعيفِ النظرِ مُسارَقَةً. ومن: ابتدائية، أو بمعنى الباء.
١- ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا: إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم وأهلِيهِم يَومَ القِيامةِ﴾،
بتخليدهم في النار، وعدم وصولهم إلى الحُور المُعدّة لهم في الجنّة، لو آمنوا.
والموصول: خبر ((إنّ)). ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ﴾: الكافرين ﴿في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ٤٥: دائم
- هو من مقول الله تعالى - ﴿وما كانَ لَهُم مِن أَوْلِياءَ يَنصُرُونَهُم، مِن دُوَنِ اللهِ﴾ أي:
غيرَه، يدفع عذابه عنهم، ﴿ومَن يُضلِلِ اللهُ فما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ٤٦: طريق، إلى الحق
في الدنيا، وإلى الجنة في الآخرة.
٢- ﴿استَجِيبُوا لِرَبِّكُم﴾: أجيبوه بالتوحيد والعِبادة، ﴿مِن قَبلِ أن يأْتِيَ يَومٌ﴾ هو يوم
القيامة، ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ أي: أنه إذا أتى به لا يردّه، ﴿مَا لَّكُم مِن مَلجَأٍ﴾ تلجؤون
إليه ﴿يَومَئذٍ، ومالَكُم مِن نَكِيرٍ﴾ ٤٧: إنكار لذنوبكم. ﴿فإن أعرَضُوا﴾ عن
الإجابة ﴿فما أرسَلْناكَ علَيهِم حَفِيظًا﴾: تحفظ أعمالهم، بأن تُوافق المطلوب
ثلاثة أرباع
الخزب
منهم. ﴿إِنْ﴾: ما ﴿عَلَيكَ إلّ البَلاغُ﴾. وهذا قبل الأمر بالجهاد. ﴿وإنّا إذا
٤٩
أَذَقْنا الإنسانَ مِنّا رَحْمةً﴾: نِعمة كالغنى والصحّة ﴿فَرِحَ بِها، وإن تُصِبْهُم﴾ -
الضمير للإنسان باعتبار الجنس - ﴿سَيِّئَةٌ﴾: بلاء ﴿بِما قَدَّمَتْ أيدِيهِم﴾ أي: قدّموه،
وعُّر بالأيدي لأنّ أكثر الأفعال بها، ﴿فإنَّ الإنسانَ كَفُورٌ﴾ ٤٨ للنعمة .
٣- ﴿لِلّهِ مُلكُ السَّماواتِ والأرضِ، يَخلُقُ ما يَشاءُ، يَهَبُ لِمَن يَشاءُ﴾ من الأولاد ﴿إناثًا، ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ ٤٩، أو يُزَوِّجُهُم﴾ أي:
يجعلهم ﴿ذُكرانًا وإناثًا، ويَجعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ فلا يلد ولا يُولد له. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يخلق، ﴿قَدِيرٌ﴾ ٥٠ على ما يشاء.
٤ - ﴿وما كانَ لِبَشَرِ أن يُكَلِّمَهُ اللهُ، إلّا﴾ أن يُوحِيَ إليه ﴿وَحيًا﴾ في المنام أو بإلهام، ﴿أو﴾ إلّا ﴿مِن وَراءِ حِجَابٍ﴾ بأن يُسمعه كلامه ولا يراه،
كما وقع لمُوسَى عليه السلام، ﴿أو﴾ إلّا أن ﴿يُرسِلَ رَسُولًا﴾: مَلَكًا كجبريلَ، ﴿فيُوحِيَ﴾ الرسولُ إلى المُرسَلِ إليه أي: يُكلّمه ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: اللهِ
﴿ما يَشاءُ﴾ اللهُ. ﴿إِنَّهُ عَلِيٍّ﴾ عن صِفات المُحدثين، ﴿حَكِيمٌ﴾ ٥١ في صُنعه.
(١) قال أي: يقول يوم القيامة. وآمن: صدّق الله ورسوله في الدنيا. والخاسر: من فقد ما كان عنده وما يتوقعه. والأنفس: جمع نفس. وهي الإنسان بروحه
وجسده. وأهلون: واحده أهل. وهم أسرة الإنسان والأقربون. فإن كانوا في النار فهو لا ينتفع بهم، وإن كانوا في الجنة لم ينفعوه أيضًا. واليوم: الوقت.
والقيامة: قيام الناس بالبعث للحساب. والموصول أي: ((الذين)) الثاني. والعذاب: التعذيب. ومن مقوله أي: أن الجملة الأخيرة ليست من قول الذين آمنوا،
وإنما هي من الله - تعالى - تصديقًا لهم. والأولياء: جمع ولي، من يتولى شؤون غيره ويحسن إليهم. ويضل: انظر الآية ٤٤ .
(٢) يأتي: يحصل. والمرد: الدفع. ومن الله: من عنده وبأمره. ويومئذ: يوم إذْ يأتي. وإنكار أي: إنكار مقبول. وأعرض: امتنع، أي: استمر في ذلك
بإصرار. وأرسل: بعث وكلف بالدعوة. والحفيظ: الوكيل المسؤول. وتحفظ أعمالهم: تضبطها وتنظمها وتكون مسؤولًا عنها. وتوافق المطلوب أي: تكون
الأعمال كما طُلب منهم. والبلاغ: التبليغ. و((هذا)) يعني أن الموادعة منسوخة بآيات الجهاد، في أوائل سورة التوبة. وأذقناه: أعطيناه. والرحمة: العطف
بالإحسان. ومنا: من عندنا. وفرح: بطر ونسي الشكر. وتصيبه: تنزل به. والضمير للإنسان: يعني أن الضمير المتصل يعود على ((الإنسان)) المذكور قبل،
والمراد به عموم الجنس باعتبار الغالبية. وقدمت: فعلت. والأيدي: جمع يد. وكفور: بليغ الجحود للنعم ، يذكر البلية، ويزعم أنها أصابته من غير
استحقاق .
(٣) الملك: الاستيلاء والتصرف. والسماوات: ما يحيط بالأرض من عوالم عُلوية. ويخلق: يوجد من العدم. ويشاء: يريد. ويهب: يمنح. والإناث: جمع
أنثى. وهي البنت. والذكور والذكران: جمع ذكر. وهو الابن. ويزوجهم: يخلق الأولاد مختلفين ذكورًا وإناثًا. ويجعله: يصيّره. والعليم: المحيط بالغَ
الإحاطة. والقدير: العظيم الاقتدار بلا معين.
(٤) كان المشركون يستعينون باليهود لمعاندة الدعوة، وروي أنهم قالوا للنبي وهلهو: ((ألا تكلم الله وتنظر إليه، إن كنت نبيًا صادقًا، كما كلمه موسى ونظر إليه)).
فقال لهم: ((لم يَنظُرْ مُوسى إلى الله)). ونزلت الآية. البحر ٥٢٦:٧. وما كان: لا يصح ولا يستقيم. والبشر: الإنسان. ويكلمه: يخاطبه مواجهة في الدنيا.
والوحي: الأمر الإلهي الملقى إلى الأنبياء. وهو كلام خفي يلقى في القلب أو ينقش في الذهن، وليس ككلامنا بصوت وترتيب وحروف. وحجاب: مانع من
الرؤية لعجز التكوين البشري. فليس المراد حجابًا ماديًا. ويُسمعه: يبلّغه ما يدركه سمعه. ويرسل: يبعث ويكلف. والرسول: المرسل للتبليغ والعمل. وبإذنه:
بأمره وإرادته. ويشاء: يريد أن يوحي إليه. والعلي: المتعالي المتنزه. والمحدث: المخلوق. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان
الأشياء.

الجزء الخامس والعشرون
٤٨٩
٤٣ - سورة الزُّخرُف
١ - ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مِثْلَ إيحائنا إلى غيرك من الرسل ﴿أَوحَينا إلَيكَ﴾ - يا مُحمّد -
﴿رُوحًا﴾ هو القُرآن به تحيا القلوب، ﴿مِن أمرِنا﴾ الذي نُوحيه إليك، ﴿مَا كُنتَ
تَدرِي﴾: تعرِفُ قبل الوحي إليك: ﴿ما الكِتابُ﴾: القُرآنُ، ﴿ولا الإيمانُ﴾ أي:
شرائعهُ ومعالمه؟ والنفي مُعلِّق للفعل عن العمل، أو ما بعده سدّ مسدّ المفعولين،
﴿وَلَكِن جَعَلْناهُ﴾ أي: الروحَ أو الكِتاب ﴿نُورًا، نَهدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا، وإنَّكَ
لَتَهِدِي﴾: تدعو بالوحي إليك ﴿إِلَى صِراطٍ﴾: طريق ﴿مُستَقِيمٍ﴾ ٥٢ دينِ الإسلام،
﴿صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا. (ألا إلَى
اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ ٥٣ : ترجعُ.
سورة الزُّخرُف
مكية، وقيل: إلّا ((واسأل من أرسلنا)) الآية، تسع وثمانون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
٢- ﴿حمّ﴾ ١ الله أعلم بمُراده به. ﴿والكِتابِ﴾: القرآنِ ﴿المُبِينِ﴾ ٢: المُظهِرِ طريقَ
الهدى وما يُحتاج إليه من الشريعة، ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾: أوجدنا الكتاب ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا﴾ بلغة
العرب، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ - يا أهل مكّة - ﴿تَعْقِلُونَ﴾ ٣: تفهمون معانيه، ﴿وإنَّهُ﴾ مُثَبَتٌ ﴿في
أُمِّ الكِتابِ﴾: أصل الكتب، أي: اللوح المحفوظ ﴿لَدَينا﴾ بدلٌ: عِندَنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾ على
الكُتب قبله، ﴿حَكِيمٌ﴾ ٤: ذو حِكمة بالغة.
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ
وَلَا الْإِيمَنُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَاً
وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥) صِرَطِ اللَهِالَّذِى لَهُ.
مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ أَلَّ إِلَى اللَهِ تَصِيرُالْأُمُورُ
سُورَةُ الرّحْرُق
اللهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ
حمّ هَا وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ جَ إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْء ◌َنَّا عَرَبِيًّا
أَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿ وَإِنَّهُ فِ أُمِّالْكِتَبِ لَدَيْنَا
لَعَلِّىٌّ حَكِيمُ ﴿ أَفَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَصَفْحًا
أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيِّ فِى
اُلْأَوَّلِينَ ﴾ وَمَا يَأْنِهِمْ مِّن نَّبِيِّ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
﴿ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
﴿ وَلَيِنِ سَأَلْنَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ
خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾َ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
٣- ﴿أَفْتَضرِبُ﴾: نُمسِك ﴿عَنكُمُ الذِّكرَ﴾: القُرآن (صَفْحًا﴾ إمساكًا، فلا تُؤمرون ولا
تُنهَون، لأجل ﴿أن كُنتُم قَومًا مُسرِفِينَ﴾ ٥: مشركين؟ لا. ﴿وكَم أرسَلْنا مِن نَبِيِّ في الأوَّلِينَ ٦، وما يأتِيهِم﴾: أتاهم ﴿مِن نَبِيِّ، إلّا كانُوا بِهِ
يَسْتَهِزِئُونَ﴾ ٧ كاستهزاء قومك بك - وهذا تسلية له وَّةَ - ﴿فأهلَكْنا أشَدَّ مِنْهُم﴾: من قومك ﴿بَطشًا﴾: قُوّة، ﴿وَمَضَى﴾: سبق في آياتٍ ﴿مَثَلُ
الأوَّلِينَ﴾ ٨: صِفتُهم في الإهلاك! فعاقبةُ قومك كذلك.
٤ - ﴿وَلَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿سألتَهُم: مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ؟ لَيَقُولُنَّ﴾، حُذف منه نونُ الرفع لتوالي النونات وواوُ الضمير لالتقاء
الساكنين: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ٩. آخِرُ جوابهم، أي: الله ذو العزة والعلم. زاد تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرضَ مِهادًا﴾: فِراشًا كالمهد
(١) الإشارة بـ ((ذلك)) هي إلى أغلب ماذكر من أنواع التكليم. والتكليم للنبي ﴾ في المعراج كان مشافهة لا من وراء حجاب، مع أنه لم ير اللهَ حينذاك. انظر
تعليقنا على الآية ١ من سورة الإسراء. وأمرنا أي: فعلنا في الوحي. و((النفي معلق)) خطأ، لأن النفي قبل ((كنت)): انظر ((المفصل)). و((أو ما بعده)) خطأ آخر.
وفيما عدا الأصل والنسخ: ((وما بعده)). وجعل: صيّر. ونهديه: نصرف قدراته إلى ما يناسب اختياره الطيب واستعداده الكريم، فنوصله إلى الحق. ونشاء:
نريد أن نهديه. والعباد: جمع عبد. والمستقيم: المعتدل. والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. والأرض: موطن الحياة الدنيا. وانظر تفسير الآية ٥
من سورة آل عمران. والأمور: جمع أمر، شؤون الخلائق. وترجع أي: تنتهي دون وسائط أو معين. وفي هذا بشارة وتهديد.
(٢) جعلنا: بيّنّا وأوضحنا. وقول المحلي ((أوجدنا)) فيه إيهام بالخلق. وهذا ما لم يتنبّه إليه من علق على الجلالين. وقال السُّدّيّ: ((المعنى: أنزلناه)). انظر
تفسير ابن كثير ٤: ١٢٤ وفتح القدير ٧٦٧:٤. والقرآن: المقروء. ويا أهل مكة أي: وسائر العرب. والصواب أن أُمّ الكتاب غير اللوح المحفوظ، لأن الأول
فيه علم الله الأزلي المحتم مؤكدًا مع بيان ما هو محتمل من القدر، والثاني سجلّ لما كان وسيكون في الوجود، وهو عرضة للمحو والإثبات، معلق بما يجدّ
من الأسباب والاحتمالات. وبدل: يعني أن ((لدى)): بدل من الجار والمجرور في محل نصب. والعلي: الرفيع الشأن لما فيه من الإعجاز، والإكمال للشريعة
والحقائق. والحكمة: وضع الشيء في موضعه المناسب على أحسن تقدير. وبالغة أي: البالغة حد النهاية من الإحكام.
(٣) نضرب أي: نُمسك ما بقي ونزيل ما نزل من قبل. والذكر: مافيه تذكير بالحق وعظة وهداية، بمعنى: المُذَكِّر. والقوم: الجماعة من الرجال والنساء.
والمسرف: المنهمك في الجهل والظلم بقصد وإصرار. والشركُ أشنع ذلك. وأرسل: بعث. والنبي: من كلف بالدعوة إلى التوحيد والبعث مع العمل.
والأولون: الأمم المتقدمة المدمرة. ويأتيهم: يجيئهم ويبلغهم. وفيما عدا الأصل وخ وقرة العينين: ((وماكان يأتيهم)). ويستهزئ: يسخر ويتهكم. وأهلك: دمر
وأفنى. وأشد: أعظم وأكثر. وفي آيات أي: من القرآن الكريم قبل نزول هذه السورة. وكذلك يعني: إن أصروا على الكفر واستمروا عليه. وفي هذا تهديد
وحث على الإيمان.
(٤) لام قسم: الصواب: موطئة لجواب القسم المحذوف. والتقدير: أقسمُ - لئن سألتهم يقولوا - ليقولُنّ. وسألتهم: طلبت منهم الجواب. وخلق: أوجد
من العدم. والسماوات: ما يحيط بالأرض من العوالم العُلوية. والعزيز: الغلّاب لا يعجزه شيء. والعليم: المحيط بكل شيء. وآخر جوابهم: يعني أن جواب
المشركين ينتهي هنا. وزاد: أضاف بعد كلامهم ما يوجب لهم التوبيخ. وجعل: صيّر. ومهادًا: مسهّلًا. وجعل فيها أي: خلق فيها. والسبل: جمع سبيل.
ولعلكم: ليُرتجى لكم. وتهتدي: تسترشد. ونزل: أرسل. والسماء: السحاب. والقدر: الكمية. وبه أي: بالماء. والبلدة: المنطقة المستقرة. والميت: التي
لانبات فيها ولا نماء. وتُخرج: تبعث بعد الموت.

٤٣ - سورة الزُّخرُف
٤٩٠
الجزء الخامس والعشرون
سُورَة الحرف
الجزء الخامسِ الُْ
وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا
كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ () وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ
لَكُ مِّنَ الْفُلّكِ وَاَلْأَنْعَمِ مَا تَرْكَبُونَ (١) لِتَسْتَوُ اْ عَلَى ظُهُورِهِ
ثُمَّتَذْكُرُواْنِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْسُبْحَنَ
الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّ إِلَى رَبِّنَ
لَمُنْقَلِبُونَ ﴿ وَجَعَلُوْلَّهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَنَ
فُورٌ مُّبِينُ (١٨) أَمِ أَتَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنْكُمْ
بِالْبَنِينَ ﴿ وَإِذَابُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (® أَوَمَن يُنَشَّؤَأْفِى
اَلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرٌ مُبِينٍ (٢٨) وَجَعَلُوا الْمَلَتِكَةَ
الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنَا أَشَهِدُ واْخَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ
شَهَدَ تُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ﴿ وَقَالُواْ لَوْشَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ
مَّالَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّ يَخْرُصُونَ(٥) أَمْءَانَيْنَهُمْ
كِتَبَامِن قَبْلِهِ، فَهُمْ بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ ﴿﴿ بَلْ قَالُواْ
إِنَّا وَجَدْنَآءَ ابَآءَ نَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىْءَاثَّرِهِم ◌ُهْتَدُونَ (١)
للصبيّ، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا﴾: طرقًا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهتَدُونَ﴾ ١٠ إلى مقاصدكم في
أسفاركم، ﴿وَالَّذِي نَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بقدر حاجتكم إليه، ولم يُنزّله
طُوفانًا، ﴿فَأَنشَرْنا﴾: أحببنا ﴿بِهِ بَلدةَ مَيْتًا. كَذْلِكَ﴾ أي: مِثْلَ هذا الإحياء
﴿تُخرَجُونَ﴾ ١١ من قُبوركم أحياءً.
١- ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأزواجَ﴾: الأصناف ﴿كُلَّها، وجَعَلَ لَكُم مِنَ الفُلكِ﴾ الشُّفنِ
﴿والأنعام﴾ كالإبل ﴿ما تَركَبُونَ﴾ ١٢ - حذف العائد اختصارًا، وهو مجرور في
الأوّل أي ((فيه))، منصوب في الثاني - ﴿لِتَسْتَوُوا﴾: لتستقرّوا ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾، ذَكَّرَ
الضميرَ وجَمِعَ الظهر نظرًا للفظ ((ما)) ومعناها، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبَّكُم إذا استَوَيتُم
عَلَيهِ، وتَقُولُوا: سُبحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا، وما كُنّا لَهُ مُقرِنِينَ﴾ ١٣: مُطِيقِينَ! ﴿وإنّا
إِلَى رَبِّنا لَمُنقَلِبُونَ﴾ ١٤ : لمنصرفون.
٢ - ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، حيثُ قالوا: ((الملائكةُ بناتُ اللّهِ))، لأنّ الولدَ جُزء
من الوالدِ، والملائكةَ من عباد الله تعالى. ﴿إِنَّ الإنسانَ﴾ القائل ذلك ﴿لَكَفُورٌ
مُّبِينٌ﴾ ١٥: بيّنٌ ظاهرُ الكُفر. ﴿أم﴾ بمعنى همزة الإنكار، والقولُ مقدر أي:
أتقولون: ﴿اَّخَذَ مِمّا يَخلُقُ بَناتٍ﴾ لَنفسه، ﴿وأصفاكُم﴾: أخلصكم ﴿بِالبَنِينَ﴾ ١٦
اللازمَ من قولكم السابق، فهو من جملة المُنكَر، ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهُم بِما ضَرَبَ
لِلرَّحمنِ مَثَلًا﴾: جعلَ له شَبهًا بنسبة البنات إليه، لأنّ الولد يُشبِهُ الوالد، المعنى: إذا
أُخبرَ أحدهم بالبنت تُولد له ﴿ظَلَّ﴾: صار ﴿وَجهُهُ مُسوَدًا﴾: مُتَغيّرًا تغيّرَ مُغتمّ، ﴿وَهْوَ
كَظِيمٌ﴾ ١٧ ممتلئ غمًّا؟ فكيف يَنسِبُ البناتِ إليه، تعالى؟
٣- ﴿أُوَ﴾ همزة الإنكار وواو العطف بجملة، أي: يجعلون الله ﴿مَن يَنْشَأْ في الحِلْيةِ﴾: الزِّينة، ﴿وَهْوَ في الخِصام غَيرُ مُبِينٍ﴾ ١٨: مُظهِرِ الحُجّةَ
لضعفه عنها بالأنوثة؟ ﴿وجَعَلُوا الملائكةَ الَّذِينَ هُم عِبادُ الرَّحمُنِ إناثًا. أَشَهِدُوا﴾: أحَضَرُوا ﴿خَلقَهُم؟ سَتُكتَبُ شَهادَتُهُم﴾ بأنهم إناث،
﴿ويُسألُونَ﴾ عنها في الآخرة، فيترتّب عليها العِقاب ١٩.
٤- ﴿وقالُوا: لَو شاءَ الرَّحمُنُ ما عَبَدْناهُمِ﴾ أي: الملائكةَ. فعبادتنا إياهم بمشيئته، فهو راضٍ بها. قال تعالى: ﴿مَا لَهُم بِذْلِكَ﴾ المقول من
الرضا بعِبادتها ﴿مِن عِلم. إنْ﴾: ما ﴿هُم إلّا يَخرُصُونَ﴾ ٢٠: يكذبون فيه. فيترتّب عليهم العقاب به. (أم آتَيناهُم كِتابًا مِن قَبلِهِ﴾ أي: القرآنِ
بعبادة غير الله، ﴿فَهُم بِهِ مُستَمسِكُونَ﴾ ٢١؟ أي: لم يقع ذلك، ﴿بَل قالُوا: إنّا وَجَدْنا آبَاءَنا عَلَى أُمّةٍ﴾: مِلّة، ﴿وإنّا﴾ ماشون ﴿عَلَى آثارِهِم
مُهتَدُونَ﴾ ٢٢ بهم، وكانوا يعبدون غير الله.
(١) خلق: أوجد. والأزواج: جمع زوج، الصنف الذي يكون له مقابل من جنسه، كالذكر والأنثى، والأبيض والأسود. وجعل: صيّر. والفلك: واحدته
بلفظه. والأنعام: جمع نعَم. وهو الإبل والبقر والغنم. وحذف ... الثاني: يعني أن ((الفلك)) يقال عنها: تركبون فيها، و((الأنعام)) يقال عنها: تركبونها.
فحذف الضمير العائد إلى الاسم الموصول. والظهور: جمع ظهر، ما يركب من الحيوان وغيره. وتذكر: تستحضر بقلبك. والنعمة: الإحسان بالفضل. وعليه
أي: فوق ما تركبون. وسبحانه: تنزيهًا له عما لا يليق به. وسخره: هيأه. ومطيقين: ضابطين متمكنين بالتذليل والترويض. ط: ((مطيعين)). وإلى ربنا أي: إلى
لقاء موعد حسابه. ومنصرفون أي: من الدنيا وما فيها. (٢) جعل: زعم. والعباد: جمع عبد. والجزء: البعض. والكفور: الكثير الإنكار للتوحيد. وهمزة
الإنكار: يعني أن الميم في ((أم)) حرف زائد. والراجح أنه لازيادة، وأم: حرف استئناف يفيد الإضراب الانتقالي مع الاستفهام المذكور. واتخذ: صنع.
والبنات: جمع بنت. والبنون: جمع ابن. واللازم من قولكم: يعني الإصفاء الذي يترتب على قولهم: الملائكة بنات الله. وبُشر: أخبر. والرحمن: الكثير
العطف بالإحسان. وكيف: يعني أن الاستفهام المضمن في ((أم)) أول الآية ١٦ هو للتوبيخ، والتعجب من جهلهم، إذ ينسبون إلى الله ما يكرهون. (٣) انظر
سبب النزول في المفصل. وينشأ: يتربى في عمره. وهو الأنثى. وفي ث وط والفتوحات والصاوي: ((يُنَشَّأ)). والخصام: المجادلة. أي: تُشغل بالانفعال
والعاطفة في الجدال، عن تأمل الأقوال وتدبر الأمور، فغالبًا ما تكون عاجزة عن إصابة القول. وأنتم تعتقدون ضعف الأنثى في الجسم والرأي، حتى ليغضب
بعضكم لولادتها فتئدونها قائلين: ((ما هي بِنِعمَ الولدُ: نصرُها بكاءٌ، وبِرُّها سرقةٌ»! وما ذُكر عن الإناث هنا هو من الصفات الغالبة، ونادر أن يكون بعضهن
على خلاف ذلك. وجعل: زعم. والملائكة: جمع ملَك. والإناث: جمع أنثى. والخلق: الإيجاد، أي: خلق اللهِ الملائكةَ. وتُكتب: تسجل في صحائف
أعمالهم. والشهادة: الإقرار بالقول. ويُسأل: يحاسب ويجازى. (٤) شاء: أراد ألّا نعبدهم. فهم يغالطون لأن السماح بالعصيان لا يعني الرضا. والعلم:
المعرفة اليقينية بالدليل القاطع. وبه: بسبب هذا القول المفترى. وآتيناهم: أنزلنا إليهم. والمستمسك: من يتمسك بالشيء، يلتزمه ويحاجّ به. وذلك أي:
إيتاؤهم كتابًا يقرر ما زعموه. وروي أن الآية ٢٢ مع ما بعدها نزلت في كبار المشركين يحتجون لعدم التوحيد. فهي تعزية للرسول و 18، أي: ما قاله هؤلاء
مثل قول مَن قبلهم. تفسير القرطبي ٧٥:١٦. ووجد: رأى. والآباء: جمع أب. ويطلق على الوالد والجد. والآثار: جمع أثر. وهو ما يخلفه السابق لمن
بعده من تقاليد. والمهتدي: المسترشد القاصد.

الجزء الخامس والعشرون
٤٩١
٤٣ - سورة الزُّخرُف
١- ﴿وَكَذَلِكَ. ما أرسَلْنا مِن قَبِلِكَ فِي قَرْيةٍ مِن نَذِيرٍ، إلّا قَالَ مُتْرَفُوها﴾ مُتنعّموها مثلَ
قول قومك: ﴿إِنّا وَجَدْنا آبَاءَنا عَلَى أُمّةٍ﴾: مِلّة، ﴿وإنّا عَلَى آثارِهِم
ـحِزبُ
مُقْتَدُونَ﴾ ٢٣: متّبِعون. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿أ﴾ تبعون ذلك، ﴿وَلَو جِئْتُكُم بِأَهدَى
مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُم؟ قالُوا: إنّ بِما أُرسِلْتُم بِهِ﴾ أنتَ ومَن قبلَك
﴿كَافِرُونَ﴾ ٢٤. قال تعالى تخويفًا لهم: ﴿فانتَقَمْنا مِنْهُم﴾ أي: منَ المُكذّبين
للرسل قبلك. ﴿فانظُرْ: كَيفَ كانَ عاقِةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ٢٥؟
٢ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قَالَ إِبراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَومِهِ: إِنَّنِي بَراءٌ﴾: بريء ﴿مِمّا تَعْبُدُونَ ٢٦، إلَّا
الَّذِي فَطَرَنِي﴾: خلقني. ﴿فإنَّهُ سَيَهدِينٍ﴾ ٢٧: يُرشدني لدِينه. ﴿وجَعَلَها﴾ أي: كلمةَ
التوحيد المفهومةَ، من قوله ((إنِّي ذاهبٌ إلَى رَبِّي سَيَهدِينٍ))، ﴿كَلِمَةً باقِيةً في عَقِهِ﴾: في
ذُرّيّته، فلا يزال فيهم من يوحِّد الله، ﴿لَعَلَّهُم﴾ أي: أهلَ مكّة ﴿يَرجِعُونَ﴾ ٢٨ عمّا هم
علیه، إلی دِین إبراهيم أبيهم.
وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن ◌َّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا
إِنَّا وَجَدْنَآءَابَآءَ نَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىَّءَاثَِّهِمْ مُقْتَدُونَ
قَالَ أَوَلَوْجِثْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْ تُمْ عَلَيْهِ ءَ ابَّةَ كُمْفَالُواْ
إِنَّابِمَا أُرْسِلْتُمِهِ، كَفِرُونَ ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَنْظُرْكَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿ وَإِذْقَالَ إِبْرَهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ:
إِنَّنِى بَرَآءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٦) إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( بَلّ
مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى جَآءَ هُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ()
﴿ وَقَالُواْ
وَلَمَّاجَآءَ هُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّابِهِ، كَفِرُونَ
ثَأَهُمْ
لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمِ
يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَابَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنياً وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضِ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم
بَعْضَا سُخْرِنَّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ () وَلَوْلَاً
أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ
لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (هـ
٣- ﴿بَلِ مَتَّعتُ هُؤُلاءِ﴾ المُشركين ﴿وَآبَاءَهُم﴾، ولم أعاجلهم بالعُقوبة، ﴿حَتَّى جاءَهُمُ
الحَقُّ﴾: القُرآن، ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ٢٩ : مُظهر لهم الأحكامَ الشرعيّة - وهو محمد
وٌَّ - ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ﴾: القُرآن ﴿قَالُوا: هذا سِحرٌّ، وإنّا بِهِ كافِرُونَ ٣٠. وقالُوا:
لَولاً﴾: هلّ ﴿نُزَّلَ هذا القُرآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَينِ﴾ من أيٍّ منهما ﴿عَظِيمِ﴾ ٣١ أي:
الوليد بن المغيرة بمكّة، وعُروة بن مسعود الثقفيّ بالطائف. ﴿أَهُم يَقسِّمُونَ رَحْمَةَ
رَبِّكَ﴾ النّبّةَ؟ ﴿نَحنُ قَسَمْنا بَيْنَهُم مَعِيشتَهُم في الحَياةِ الدُّنيا﴾، فجعلنا بعضهم غنيًّا
وبعضهم فقيرًا، ﴿وَرَفَعْنا بَعضَهُم﴾ بالغِنِى ﴿فَوقَ بَعضٍ دَرَجَاتٍ، لِيَتَّخِذَ بَعضُهُم﴾ :
الغنيُّ ﴿بَعضًا﴾: الفقيرَ ﴿سُخرِيًّا﴾: مُسخّرًا في العمل له بالأجرة. والياء للنسب، وقُرئ بكسر السين. ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ﴾ أي: الجنّةُ ﴿خَيرٌ مِمّا
يَجْمَعُونَ﴾ ٣٢ في الدنيا .
٤ - ﴿وَلَولا أن يَكُونَ النّاسُ أُمّةً واحِدةً﴾، على الكُفر، ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِم﴾: بدلٌ من ((لِمَن)» (سَقْفًا﴾ - بفتح السين وسكون
القاف، وبضمّهما جمعًا - ﴿مِن فِضّةٍ ومَعارِجَ﴾ كالدرج من فِضّة، ﴿عَلَيها يَظْهَرُونَ﴾ ٣٣: يعلون إلى السطح، ﴿ولِبُيُوتِهِم أبوابًا﴾ من فِضّة ﴿وَ﴾
(١) كذلك أي: حالُ الأمم المتقدمة مثلُ حال أمتك. وأرسل: بعث وكلف بالدعوة. وقرية: بلدة. والنذير: المنذر بعقاب من كفر. والمترف: من أفسدته
النعم. ومتبعون أي: هم مقلدون لا يتدبرون ولا يتعظون. والأمر في ((قل)) حكاية أمر ماض أوحي إلى كل نذير، على تقدير: قلنا له: قل. وهذا أولى مما ذكر
المحلي، بدليل ما في ط: ((قالَ أَوَلَو))، ومافي الآية ٢٥، دون حاجة إلى تقدير ما يجعل الكلام الكريم مفككًا غير منتظم. وفي قرة العينين: (قال)). وجئتكم:
أتيتكم. ث: ((أولو جئتكم)). وأهدى أي: دين أوضح. وفي التعبير بالتفضيل مجاراة لهم، وإن لم يكن فيما هم عليه هداية أصلًا. وكافر: مكذب وجاحد.
وانتقمنا منهم: عاقبناهم في الدنيا بالاستئصال. وانظر: تأمل وتفكر. والعاقبة: النهاية. يعني: هي عاقبة لهم محكمة عادلة. فلا تكترث بتكذيب قومك لك،
لأن عاقبتهم تكون كعاقبة أولئك، إن أصروا على الكفر والعصيان. (٢) إبراهيم: أبو الأنبياء. وقوم المرء: الجماعة من الناس هو منها. وبراء أي: "متباعد
متخلص. وتعبد: تقدس وتطيع. ويرشدني أي: دائمًا ويثبتني. وجعل: صيّر. وكلمة، أى: قولًا. والباقية: الثابتة المتوارثة. يعني أنه أوصاهم بها وأمرهم
بالتزامها. وفيما عدا الأصل وخ: ((في عقبه ذريته)). وما ذكر هنا من قول إبراهيم هو في الآية ٩٩ من سورة الصافات. وتخصيص أهل مكة هو من تفسير
البغوي ١٣٧:٤، والأولى هو التعميم لكل ذريته، وفيهم أهل مكة. (٣) متعتهم: أمددتهم بالنعم وطول العمر. وهؤلاء أي: أهل مكة. وجاءهم: وصل
إليهم. والحق: ما يستحق الإِيمان به. وفي الأصل: ((يظهر). والسحر: ما يخيِّل للحواس والعقول غير الواقع. والكافر: الجاحد المكذب. وكان الوليد بن
المغيرة يقول: ((لو كان ما يقول محمد حقًّا لأَنزل عليّ هذا القرآنُ، أو على عروة بن مسعود الثقفي))، فنزلت الآيات. الدر المنثور ١٦:٦. ونُزل: يوحَى. ومن
القريتين أي: من رجالهما. وفي قرة العينين والمنحة والمطبوعات: ((من أهل القريتين)). والقرية: البلدة. والعظيم: الكثير المال والرفيع الشريف. وعروة هذا
أسلم فيما بعد وحسن إسلامه. ويقسم: يوزع. والرحمة: العطف بالإحسان. والمعيشة: ما يعيش به الحي. ورفعنا: قضينا بالتفاوت في كثير من الأحوال،
ولا اعتراض علينا ولا تصرف لأحد في ذلك. والدرجة: المنزلة في المادة والمعنى. ويتخذ: يجعل. وللنسب أي: للمبالغة في تحقيق معنى سُخرة. وبكسر
السين يريد ((سِخرِيًّا)). وهو بمعنى التسخير. وخير: أفضل وأبقى. ويجمعون: يحصّلونه من المال والجاه والولد. (٤) في الآيات ٣٣-٣٥ تقرير لما قبلها،
بأن ما عليه الكفار من النعم ليس لفضلهم، بل لحكمة إلهية. ويكون أي: يصير. والأمة: الجماعة من الناس على دين واحد. وجعل: صيّر. ويكفر به: ينكر
وجوده أو وحدانيته. والبيوت: جمع بيت. وبدل: يعني أن الجار والمجرور ((لبيوت)) بدل اشتمال. والسقف: غطاء البيت فوق الجدران. وبضمهما يريد
القراءة ((سُقُّفًا)) جمع سَقْف. وفي الأصل وبعض المطبوعات: ((جميعًا)). والمعارج: جمع مِعرج. وهو ما يصعد عليه كالسلّم. خ: ((كالدرجة)). والأبواب:
جمع باب. ويتكئ: يتمكن في الجلوس. والخوف: التوقع والعلم للوقوع. وذلك أي: المذكور من النعم. وزائدة أي: للتوكيد. وبالتشديد يريد القراءة ((لَمّا)).
وبمعنى: إلّا، أي: استثنائية للحصر بعد النفي بـ ((إن)). والمتاع: ما يتلذذ به الإنسان. والآخرة: الحياة بالبعث بعد الموت. وعند ربك أي: في المنزلة
المقربة. والمتقي: من يتجنب غضب الله ويطلب رضاه بالطاعة والإحسان.

٤٣ - سورة الزُّخرُف
٤٩٢
الجزء الخامس والعشرون
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِّئُونَ ﴿ وَزُخْرُفَا وَإِن
كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاً وَالْآَخِرَةُ عِندَرَبِّكَ
لِلْمُتَّقِينَ ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِالرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَّهُ شَيْطَانًا
فَهُوَ لَهُ قَرِيْنٌ (٢٦) وَإِنَهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ
أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٦) حَتَّى إِذَا جَآءَ نَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ
بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِيْنُ ﴿ وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ
إِذَلَمْتُمْ أَنَّكُمْفِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴿ أَفَأَنْتَ تُسَمِعُ
الصُّمَّ أَوْتَهْدِى الْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِ ضَلَالٍ مُّبِینٍ
فَإِمَّانَذْ هَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم ◌ُّنْتَقِمُونَ ﴿ أَوْثُرِيَنَّكَ الَّذِى
وَعَدْنَهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ (٦) فَاسْتَمْسِكِ بِالَّذِىَّ أُوْحِىَ
إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌلَّكَ وَلِقَوْمِكٌ
وَسَوْفَ تُتْئَلُونَ (*) وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَآ
أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَ الِهَةً يُعْبَدُونَ ﴿ وَلَقَدْأَرْ سَلْنَا
مُوسَى بِشَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَ يْهِ، فَقَالَ إِنِ رَسُولُ
رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿فَمَّا جَآءَ هُم ◌ِثَايِنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَضْحَكُونَ
3
جعلنا لهم ﴿سُرُرًا﴾ من فِضّة: جمع سرير ﴿عَلَيها يَتَّكِثُونَ ٣٤، وزُخرُفًا﴾: ذهبًا .
المعنى: لولا خوفُ الكُفر على المُؤمن من إعطاء الكافر ما ذُكر لأعطيناه ذلك، لِقِلّة
خطر الدنيا عندنا، وعدم حظّه في الآخرة في النعيم. ﴿وإنْ﴾: مُخفّفة من الثقيلة ﴿كُلُّ
ذُلِكَ لَمَا﴾ - بالتخفيف فـ ((ما)) زائدة، وبالتشديد بمعنى ((إلّا)) فإنْ: نافية - ﴿مَتَاعُ
الحَياةِ الدُّنيا﴾ يُتمتَّع به فيها ثمّ يزول، ﴿والآخِرةُ﴾: الجنّة ﴿عِندَ رَبِّكَ لِلمُتَّقِينَ﴾ ٣٥.
١- ﴿ومَن يَعشُ﴾: يُعرِضْ ﴿عَن ذِكرِ الرَّحْمُنِ﴾ أي: القُرآن ﴿نُقَيِّضْ﴾: نُسبّبْ ﴿لَهُ
شَيطَانًا، فهْوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ٣٦ لا يُفارقه. ﴿وإنَّهُمْ﴾ أي: الشياطينَ ﴿لَيَصُدُّونَهُم﴾ أي:
العاشينَ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: طريق الهُدى، ﴿وَيَحسِبُونَ أَنَّهُم مُهتَدُونَ﴾ ٣٧. في
الجمع رِعاية معنى ((مَن)).
٢- ﴿حَتَّى إذا جاءَنا﴾ العاشي، بقرينه يوم القيامة، ﴿قَالَ﴾ له: ﴿يا﴾: للتنبيه ﴿لَيتَ
بَيْنِي وَبَينَكَ بُعدَ المَشرِقَينِ﴾ أي: مِثلَ بُعدِ ما بين المشرق والمغرب. ﴿فِئسَ
القَرِينُ﴾ ٣٨ أنت لي! قال تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ﴾ - أي: العاشِينَ - تمنّكم وندمُكم
﴿اليَومَ، إذ ظَلَمْتُم﴾ أي: تبيّنَ لكم ظُلمكم بالإشراك في الدنيا، ﴿أنَّكُم﴾ مع قُرنائكم
﴿فِي العَذابِ مُشتَرِكُونَ﴾ ٣٩. عِلّةٌ بتقدير اللام لعدم النفع. وإذ: بدل من ((اليومَ)).
٣- ﴿أفأنتَ تُسمِعُ الصُّمَّ، أو تَهدِي العُميَ ومَن كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٤٠: بيّن؟ أي:
فهم لا يُؤمنون. ﴿فإمّا﴾ - فيه إدغام نون ((إن)) الشرطيّة في ((ما)) المزيدة - ﴿نَذْهَبَنَّ
بِكَ﴾ بأن نُميتك قبل تعذيبهم ﴿فإنّا مِنْهُم مُنْتَقِمُونَ﴾ ٤١ في الآخرة، ﴿أو نُرِيَنَّكَ﴾ في
حياتك ﴿الَّذِي وَعَدْنَاهُم﴾ به من العذاب ﴿فإنّا علَيهِم﴾: على عذابهم
﴿مُقْتَدِرُونَ﴾ ٤٢ : قادرون.
٤- ﴿فَاسْتَمسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيكَ﴾ أي: القُرآنِ - ﴿إِنَّكَ عَلَى صِراطٍ﴾: طريق ﴿مُستَقِيم ٤٣، وإِنَّهُ لَذِكرٌ﴾: لشَرف ﴿لَكَ ولِقَومِكَ﴾ لنُزوله
بلغتهم، ﴿وَسَوفَ تُسألُونَ﴾ ٤٤ عن القيام بحقّه - ﴿واسألْ مَن أرسَلْنا مِن قَبَلِكَ مِنِ رُشِّلِنا: أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحمُنِ﴾ أي: غيرَه ﴿آلهةً
يُعبَدُونَ﴾ ٤٥؟ قيل: هو على ظاهره بأن جُمع له الرسل ليلة الإسراء. وقيل: المراد أُممِّ من أيِّ أهلُ الكتابين. ولم يَسأل، على واحد من
القولين، لأنّ المُراد من الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول من الله ولا كتاب بعبادة غير الله .
٥- ﴿وَلَقَد أرسَلْنا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرِعَونَ ومَلَئِهِ﴾ أي: القِبط، ﴿فقالَ: إِنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ٤٦. فَلَمّا جاءَهُم بِآيَاتِنا﴾ الدالّة على رسالته
﴿إذا هُم مِنها يَضْحَكُونَ ٤٧، وما نُرِيهِم مِن آيةٍ﴾ من آيات العذاب كالطُّوفانِ - وهو ماء دخل بيوتهم حتّى وصل إلى حُلوق الجالسين سبعة أيام -
والجرادِ ﴿إِلّ هِيَ أكبَرُ مِن أُختِها﴾: قرينتِها التي قبلها، ﴿وَأَخَذْناهُم بِالعَذابِ، لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾ ٤٨ عن الكُفر، ﴿وقالُوا﴾ لموسى، لمّا رأوًا
(١) يعش: يتغافل ويعرض. والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. والقرآن: تفسير للذكر. والشيطان: من يوسوس بالشر والضلال من الجن. وفي الآية إشعار بأنه
يكون لمن يتدبر ويتعظ صاحب يهديه أيضًا. انظر سبب النزول في المفصل. والقرين: المقارن. ويصد: يمنع. والعاشين أي: عن ذكر الرحمن. ويحسبون أي:
يظن العاشون. والمهتدي: المسترشد إلى الحق. ومعنى مَن أي: ما فيها من معنى الجمع. (٢) جاءنا أي: جاء إلى ميعادنا للحساب. وبقرينه أي: مع قرينه
الشيطان. وينفع: يكشف ضرًا ويجلب خيرًا. والعاشين أي: المذكورين في الآيتين السابقتين. واليوم: هذا الوقت. والظلم: مجاوزة الحق. وتبين لكم ظلمكم
أي: ظهر بالأدلة والشهود والاعتراف. والعذاب: التعذيب. وعلة: يعني أن ((أنكم ... مشتركون)) تعليل ببيان سبب عدم النفع. (٣) الصم: جمع أصم. وتهدي:
ترشد إلى الخير. والعمي: جمع أعمى. والضلال: الضياع. وروي أن النبي كان يجتهد في دعاء المشركين، وهم لا يزدادون إلّا كفرًا، فنزلت هذه الآية تبين أنه
لانافع إلّا الله. تفسير البيضاوي ص ٤٩٢. والمزيدة أي: لتوكيد الشرط. والمنتقم: المعاقب. ووعدناهم: توعّدناهم به. انظر الآية ٤٦ من سورة يونس. (٤)
استمسك: دم على التمسك. وأوحي إليك: أنزل إليك ويُسّر لك حفظه وتبليغه. والمستقيم: المعتدل. والقوم هنا: قريش أولاً، ثم العرب كلهم ومن يؤمن حتى
يوم القيامة. وتقديم قريش وحدها من حديث موضوع. انظر البحر ١٨:٨ والكامل لابن عدي ٤٣٦:٣. وتسأل: تحاسب بالعدل. وبحقه: بما يستوجب.
وأرسل: بعث وكلف بالدعوة مع العمل. والرسل: جمع رسول. وجعل: فرض. والآلهة: جمع إله. والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. ويعبد: يقدس ويطاع.
وهو على ظاهره: يعني أن المراد هو السؤال للرسل. وأيِّ يعني: الذين هم. وهذا ما لم يحرره أحد. وعلى واحد من القولين: يعني أنه قال: ((لا أسألُ. فَقَد
كُفِيتُ)). وفي القول الآخر أنه سأل. و((تقرير المشركين)) مخالف لما نص عليه في مستهل تفسير السورة، من أن هذه الآية غير مكية. وما ذكره هنا من ليلة الإسراء
يعني أن الآية مكية أيضًا نزلت قبل الهجرة. والراجح أن التقرير هنا مراد به التحقيق والتثبيت، لتقريع المشركين واليهود في المدينة على ما يزعمون. انظر تفسير
القرطبي ٩٦:١٦. (٥) الآية: المعجزة الدالة على صدقه. والملأ: السادة والرؤساء. والرسول: المرسل المكلف بالدعوة. والعالَم: الجنس من الخلق.
وجاءهم: حضر مجالسهم. ويضحك: يسخر. ونريهم أي: أريناهم عيانًا. وأكبر: أعظم. وأخذناهم: عاقبناهم. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. ويرجع:
ينصرف إلى الإيمان. وادعه: ناده مستغيثًا. وعهد عندك: أعطاك من العهد والميثاق. ولمهتدون أي: إن كشف عنا العذاب. وكشفنا: أزلنا ورفعنا.

الجزء الخامس والعشرون
٤٩٣
٤٣ - سورة الزُّخرُف
العذاب: ﴿يا أيُّها السّاحِرُ﴾ أي: العالمُ الكامل، لأنّ السحر عِندهم عِلم عظيم،
﴿ادعُ لَنَا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِندَكَ﴾ من كشف العذاب عنّ، إن آمنًا. ﴿إِنَّنَا لَمُهتَدُونَ﴾ ٤٩
أي: مُؤمنون. ﴿فَلَمّا كَشَفْنا﴾، بدُعاء مُوسَى، ﴿عَنْهُمُ العَذابَ إذا هُم يَنْكُثُونَ﴾ ٥٠ :
ينقضون عهدهم، ويُصرّون علی کُفرهم.
١- ﴿ونادَى فِرِعَونُ﴾ افتخارًا ﴿في قَومِهِ، قالَ: يا قَوم، أَلَيسَ لِي مُلكُ مِصرَ، وهُذِهِ
الأنهارُ﴾ من النيل ﴿تَجرِي مِن تَحْتِيَ﴾ أي: تحتِ قُصوري؟ ﴿أفلا تُبْصِرُونَ﴾ ٥١
عظمتي؟ ﴿أم﴾ بل تُبُصرون، وحينئذ ﴿أنا خَيرٌ مِن هذا﴾ أي: مُوسَى، ﴿الَّذِي هُو
مَهِينٌ﴾: ضعيف حقير، ﴿ولا يَكادُ يُبِينٌ﴾ ٥٢: يُظهر كلامه، للُثغته بالجمرة التي
تناولها في صِغره. ﴿فَلَولا﴾: هلّ ﴿أُلِقِيَ علَيهِ﴾، إن كان صادقًا، ﴿أساوِرةٌ مِن
ذَهَبٍ﴾: جمعُ أسورةٍ كأغرِبة جمع سِوار، كعادتهم فيمن يُسوّدونه أن يُلبسوه
أسورة ذهب، ويُطوّقونه طوق ذهب، ﴿أو جاءَ مَعَهُ المَلائكةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ٥٣:
مُتتابعين يشهدون بصدقه .
رفع.
الخِزْب
٥٠
٢- ﴿فَاسْتَخَفَّ﴾: استفزّ فرعونُ ﴿قَومَهُ، فأطاعُوهُ﴾ فيما يريد من تكذيب
موسى - ﴿إِنَّهُم كانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ٥٤ - فَلَمّا آَسَفُونا﴾: أغضبونا ﴿انتَقَمْنا مِنْهُم،
فأغرَقْنَاهُم أجمَعِينَ ٥٥، فجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾: جمع سالف كخادم وخدم أي: سابقين
عِبرةً، ﴿ومَثَلًا لِلِآخِرِينَ﴾ ٥٦ بعدهم، يتمثّلون بحالهم فلا يُقدمون على مِثل فِعالهم.
سُورَةِ الْخِرُف
وَمَا نُرِبِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبِرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَهُم
بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٦) وَقَالُواْيَتَأَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا
رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنََّ لَّمُهْتَدُونَ (٦) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ
اُلْعَذَابَ إِذَاهُمْ يَنْكُثُونَ ﴾﴾ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِ قَوْمِهِ،
قَالَ يَقَّوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ اُلْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن
تَحْنِى أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٨َّ أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَمَهِينٌ
وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴿ فَلَوْلَا أُلِّقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْجَّةَ
مَعَهُ الْمَلَبِكَةُ مُقْتَرِنِنَ ﴿ فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ.
فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿٢٨ فَلَمَّآءَاسَفُونَا
فَجَعَلْنَهُمْ
أُنثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ
﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ
سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ
مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴿﴿ وَقَالُواْءَ أَلِهَمُنَا
خَيْرَ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلََّ جَدَ لا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ (﴾
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًاً لِّبَنِي إِسْرَّوِيلَ
٢) وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَّلَئِكَةً فِ الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ
٣- ﴿وَلَمّا ضُرِبَ﴾: جُعل ﴿ابنُ مَريَمَ مَثَلًا﴾، حين نزل قوله تعالى («إنّكُم وما تَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ))، فقال المشركون: ((رضينا أن تكون آلهتنا مع عِيسَى لأنه ◌ُبِد من دُون الله))، ﴿إذا قَومُكَ﴾ أي: المُشركون ﴿مِنْهُ﴾: من
المَثَل ﴿يَصِدُّونَ﴾ ٥٧: يضِجّون فرحًا بما سمعوا، ﴿وقالُوا: [آلِهِتُنا خَيرٌ أم هُوَ﴾ أي: عِيسَى؟ فنرضى أن تكون آلهتنا معه. ﴿ما ضَرَبُوهُ﴾ أي:
المَثَلَ ﴿لَكَ إلَّ جَدَلًا﴾: خُصومة بالباطل، لعلمهم أنّ ((ما)) لغير العاقل، فلا يتناول عِيسَى، عليه السلام. ﴿بَل هُم قَومٌ خَصِمُونَ﴾ ٥٨ شدیدو
الخصومة .
٤ - ﴿إِنْ هُوَ﴾: ما عِيسَى (إلّا عَبدٌ أنعَمْنا عَلَيهِ﴾ بالنبوّة، ﴿وجَعَلْناهُ﴾ بوجوده من غير أب ﴿مَثَلًا لِبَنِي إسرائيلَ﴾ ٥٩ أي: كالمَثَل لغرابته، يُستدلّ
به على قُدرة الله - تعالى - على ما يشاء. ﴿وَلَو نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُم﴾: بَدَلَكم ﴿مَلائكةً في الأرضِ يَخلُفُونَ﴾ ٦٠ بأن نُهلِكَكم. ﴿وإِنَّهُ﴾ أي: عِيسَى
(١) فرعون: ملك مصر في عهد موسى. ونادى: خطب. وقومه: أتباعه من القبط. والملك: الحيازة والتصرف. ومصر: البلد شمال السودان، وكان يطلق
على العاصمة منه. والأنهار: جمع نهر. والنيل: يعني الفروع الموزعة منه. وتجري: تسيل بسرعة. وتبصرون: ترون عيانًا. و((بل)) يعني أن ((أم)): حرف
استئناف للإضراب الانتقالي من التوبيخ إلى التحقيق. وحينئذ: حين أبصرتم عظمتي. يعني: لأنكم أبصرتموها حقًّا. وخير: أكثر عظمة وملكًا. ويكاد:
يقارب. وبالجمرة يشير المحلي إلى ما أصاب لسان موسى من حُبسة، بسبب جمرة لذعته. وألقي: أنزل من عند مرسله. وجاء: أتى من عند الله. والملائكة:
جمع ملَك .
(٢) استفزهم: أثار خفة عقولهم لمتابعته. والفاسق: الخارج على طاعة الله. وانتقمنا منهم: عاقبناهم في الدنيا. وأغرقه: أماته خنقًا بالماء. وجعل: صيّر.
والمثل: القصة العجيبة تذكر بين الناس للعظة. والآخرون: الآتون بعد ذلك التاريخ.
(٣) المثل: الشَّبَه. يعني ما كان من عبد الله بن الزِّبَعَرَى، إذ غالط في فهم الآية المذكورة - وهي الآية ٩٨ من سورة الأنبياء - وزعم أن عيسى هو كالأصنام
في جهنم لأنه عبده النصارى، وفرح بذلك مشركو مكة، لتغلب ابن الزبعرى في الجدال ظاهرًا. انظر المسند ١: ٣١٧-٣١٨. ويضجون: يصرخون. والآلهة:
جمع إله. وخير: أفضل. يعني: أمعبوداتنا عندك أفضل أم عيسى؟ ليست عندك خيرًا منه. فلتكن إذًا معه. وضربوه: ذكروه. ولا يتناوله: لا يشمله.
(٤) العبد: المملوك خلقًا وقهرًا وتعبدًا. وأنعمنا: تفضلنا. وجعل: صيّر. وبنو إسرائيل: ذرية يعقوب من اليهود والنصارى. ونشاء: نريد استبدالكم.
وجعلنا: خلقنا. ويخلفون: يكونون بدلًا منكم موكلين بالطاعة وعمارة الأرض. ونهلككم أي: فيكونوا خلفًا لكم. وهذا يسير علينا وأعجب من خلق عيسى
دون أب، وفيه تهديد وإشعار بالغنى عنهم وحقارة شأنهم. والعِلم: العلامة والشرط يكون دليلاً على ما يتحقق بعده. والساعة: يوم القيامة بالبعث للحساب
والجزاء. وبنزوله أي: أن نزول عيسى قبل يوم القيامة دلالة على قرب الساعة. وقيل: المراد هنا أن ولادته من غير أب وإحياءه الموتى دليل قاطع، على
صحة البعث الذي هو معظم ما ينكره الكفرة، من الأمور الواقعة في الساعة. تفسير ابن كثير ١٣٣:٤ والآلوسي ١٤٧:٢٥. واتبعوني: وافقوني واستجيبوا لما
أدعوكم إليه. وفيما عدا الأصل وخ وع: ((اتبعونِ)) بحذف ياء المتكلم. وإثباتها من التلخيص، وهو جائز لتبيين القراءة المختارة عند المحلي. والمستقيم:
القويم لا اعوجاج فيه ولا اضطراب. والشيطان: من يغري بالشر والضلال من الجن والإنس. والعدو: المعادي.

٤٣ - سورة الزُّخرُف
٤٩٤
الجزء الخامس والعشرون
سُورَةِ الرَّحُفِ
الجزء الحافِ الخُ
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا وَأَتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ
مُسْتَقِيمُ ( وَلَا يَصُدَ نَّكُمُ الشَّيْطِنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّمُّبِينٌ
﴿ وَلَمَّاجَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ
وَلِأُبَيِّنَ لَكُمُ بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيَّةٍ فَتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ
(٣) إِنَّاللَّهَ هُوَرَبٍ وَرَبِّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
فَاخْتَلَفَ اُلْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمٌّ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ
مِنْ عَذَابٍ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ السَّاعَةَ أَن
تَأْنِيَهُمْ بَغْتَةٌ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ آلْأَخِلَّاءُ يَوْمَيِدٍ
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴿ يَعِبَادِ لَاخَوْفُ
عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَآ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْبِثَايَِنَا
وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ آدْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَجُكُمْ
تُحْبِرُونَ ثَيُطَافُ عَلَيَّهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ
وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّاَ لْأَعْيُرٌّ وَأَنْتُرْ فِيهَا
خَلِدُونَ ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىَ أُوْرِئْتُمُوهَا بِمَاَ كُمْ
تَعْمَلُونَ ﴿ لَكُرْ فِيهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ
﴿لَعِلِمٌ لِلسّاعةِ﴾ تُعلَم بنُزوله. ﴿فلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾، حُذفَ منه نونُ الرفع للجزم، وواوٌ
الضمير لالتقاء الساكنين: تَشْكُّنَّ فيها. ﴿و﴾ قل لهم: ﴿اتَّبِعُونِي﴾ على التوحيد -
﴿هذا﴾ الذي آمركم به ﴿صِراطٌ﴾: طريق ﴿مُستَقِيمٌ ٦١ - ولا يَصُدَّنَّكُمُ﴾: يصرفَنَّكم
عن دِين الله ﴿الشَّيطانُ. إِنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٦٢ : بَيِّنُ العداوة.
١- ﴿وَلَمّا جاءَ عِيسَى بِالبَيِّنَاتِ﴾: بالمُعجزات والشرائع ﴿قَالَ: قَد جِئْتُكُم
بِالحِكْمةِ﴾: بالنبوّة وشرائع الإنجيل، ﴿ولِأَبَيِّنَ لَكُم بَعضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾، من
أحكام التوراة من أمر الدِّين وغيره. فبيَّنَ لهم أمر الدِّين. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وأَطِيعُونِ ٦٣ .
إنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُم. فاعبُدُوهُ. هذا صِراطٌ﴾: طريق ﴿مُستَقِيمٌ ٦٤. فاختَلَفَ
الأحزابُ مِن بَيْنِهِمَ﴾ في عِيسَى: أهو اللهُ أو ابنُ الله أو ثالثُ ثلاثة؟ ﴿فوَيِلٌ﴾: كلمة
عذاب ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: كفروا، بما قالوه في عِيسَى، ﴿مِن عَذَابِ يَومٍ ألِيمٍ﴾ ٦٥:
مُؤلم.
٢- ﴿هَل يَنظُرُونَ﴾ أي: كُفّارُ مكّة، أي: ما ينتظرون ﴿إِلّ السّاعَةَ، أن تأتِيَهُم﴾: بدلٌ
من ((الساعةَ)) ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة، ﴿وَهُم لا يَشِعُرُونَ﴾ ٦٦ بوقت مجيئها قبله؟ ﴿الأخِلَاءُ﴾
على المعصية في الدنيا، ﴿يَومَئذٍ﴾: يومَ القيامة، مُتعلّق بقوله: ﴿بَعضُهُمْ لِبَعضِ عَدُوٌّ،
إلّ المُتَّقِينَ﴾ ٦٧ المُتحابّين في الله على طاعته. فإنهم أصدقاء، ويقال لهم:
٣- ﴿يَا عِبادِي - لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَومَ ولا أنْتُمْ تَحزَنُونَ ٦٨ - الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نعتٌ لـ
((عبادي)) ﴿بِآياتِنا﴾: القُرآن، ﴿وكانُوا مُسلِمِينَ ٦٩. ادْخُلُوا الجَنّةَ، أنتُم﴾: مُبتدأ
﴿وأزواجُكُمْ﴾: زوجاتكم ﴿تُحبَرُونَ﴾ ٧٠: تُسرّون وتُكرمون، خبرُ المبتدأ، ﴿يُطافُ عَلَيهِم بِصِحافٍ﴾: يقصاع ﴿مِن ذَهَبٍ، وأكوابٍ﴾: جمع
كوب - وهو إناء لا ◌ُروة له ليَشرب الشارب من حيثُ شاء - ﴿وفِيها ما تَشتَهِي الأنفُسُ﴾ تلذّذًا، ﴿وتَلَذَّ الأعيُنُ﴾ نظرًا، ﴿وأَنْتُم فِيها خالِدُونَ ٧١ .
وتِلكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنتُمْ تَعمَلُونَ ٧٢، لَكُم فِيها فاكِهةٌ كَثِيرةٌ، مِنها﴾ أي: بعضَها ﴿تَأْكُلُونَ﴾ ٧٣، وكُلّ ما يُؤْكل يَخلُفُ بدلُه.
(١) جاء أي: أتى بني إسرائيل يبلّغهم ما كلف به. وعيسى: الرسول الذي أُوحي إليه الإنجيل وزعم بنو إسرائيل أنهم صلبوه. وقال أي: لبني إسرائيل.
وأبين: أوضّح وأفصّل. وبعضه: الجزء منه. وتختلفون: تتنازعون وتتخاصمون. واتقوه: تجنبوا غضبه وانتقامه واطلبوا رضاه بالتزام الأمر والنهي. والله: لفظ
الجلالة اسم علم للواجب الوجود والمعبود بحق وحده المستحق للألوهية والتوحيد وجميع المحامد بذاته وصفاته وأفعاله. وأطيعون أي: اتبعوا ما أبّغه عن
الله. واعبدوه: وحّدوه في الألوهية والطاعة. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. وهذا أي: التوحيد والطاعة بما في العقيدة والشريعة. وفي
ذلك ما يعني وحدة دعوات الرسل والأنبياء جميعًا. والمستقيم: المعتدل. واختلفوا: تنازعوا واختصموا. والأحزاب: جمع حزب. وهو الجماعة من الناس
يوحد بينهم عقيدة أو مذهب. ومن بينهم أي: ممن بُعث إليهم عيسى، عليه السلام. و((أهو ... ثلاثة)) يضاف إليه: من آمن به عبدًا ورسولًا، واليهود الذين
أنكروا نبوته وزعموا أنه ابن زنى. قاتلهم الله. وقائل الأولى هم اليعاقبة، وقائل الثانية هم المراقسة، وقائل الثالثة هم الملكانية. وكلمة عذاب أي: الدعاء
بالعذاب الشديد. والظلم: مجاوزة الحق. والكفرُ أشنع ذلك. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. واليوم: الوقت، يوم القيامة إذ يكون الحساب والجزاء. وفي
هذا تهديد لكافري مكة وغيرها أيضًا، تمهيدًا لما سيلي في الآيات التالية.
(٢) كفار مكة أي: وغيرها ممن ظلموا. وقد جُعلوا منتظرين لأن الساعة آتية لا محالة، فكأنهم بعد كفرهم ينتظرونها ويترقبون وقوعها بهم. وفي ذلك تهكم
وتهديد. والساعة: يوم القيامة. وتأتيهم: تصادفهم بأهوالها. وبدل: يعني أن المصدر المؤول من ((أن)) وما بعدها: في محل نصب بدل. والتقدير: ما ينتظرون
إلّا الساعةَ، إتيانَها مفاجئةً. ولا يشعر: لا يحس ولا يعي لِما هو فيه، من مشاغل الدنيا والإنكار، أو من عذاب القبر. والأخلاء: جمع خليل. وهو الصاحب
الملازم المخلص. ويومئذ: يوم إذْ تأتي الساعة. ومتعلق بقوله يعني: أن ((يوم)): متعلق بـ ((عدو)). والمتقي: من يتجنب غضب الله ويطلب رضاه بامتثال الأمر
والنهي.
(٣) العباد: جمع عبد. وفيما عدا الأصل والنسخ وط: ((ياعبادٍ)) بحذف ياء المتكلم للتخفيف. انظر الآية ٥١. والخوف: الفزع مما سيكون. واليوم: هذا
الوقت. وتحزن: تغتم مما كان. أي: أنتم في طمأنينة وسعادة. ونعت: يعني أن ((الذين)): في محل نصب صفة. والمسلم: من أخلص في الدين والعمل.
والجنة: البستان العظيم. والأزواج: جمع زوج، الزوجات المؤمنات. وخبر: يعني أن جملة («تحبرون)): خبر للمبتدأ: أنتم. ويطاف عليهم أي: يحوم حولهم
وبينهم الولدان والغلمان في الجنة يخدمونهم. وفي الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة بيان أن ما هم فيه عجيب، يحكى أمره لغيرهم. والصحاف: جمع صَحفة.
وهي وعاء كبير للطعام. والعروة: الأذن يمسك منها الإناء. وتشتهي: تتمناه وتطلبه. وفي ط والمنحة والمطبوعات: ((تشتهيه)). والأنفس: جمع نفس، أي:
قلب الإنسان وضميره. وتلذ: تستمتع به من المرئيات، وأعلاها وجه الله الكريم. والأعين: جمع عين. والخالد: المقيم أبدًا. وأورثتموها: أعطيتموها
لا تزول عنكم. وتعملون: تكتسبونه من النيات والأقوال والأفعال. والفاكهة: الثمار المستلذة. والكثيرة: الغفيرة المتعددة الأنواع. ويخلف بدله: يعني أن
الشجر مثمر دائمًا، مهما أُخذ منه. وفي الأصل: يُخلَف بدله.

الجزء الخامس والعشرون
٤٩٥
٤٣ - سورة الزُّخرُف
١- ﴿إِنَّ المُجرِمِينَ فِي عَذَابٍ جَهَنَّمَ خالِدُونَ ٧٤، لا يُفَتَّرُ﴾: يُخفّف ﴿عَنْهُم، وهُم فِيهِ
مُبلِسُونَ﴾ ٧٥: ساكتون سكوتَ يأس، ﴿وما ظَلَمْناهُم ولكِن كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ٧٦،
ونادَوا: يا مالِكُ﴾ هو خازن النار، ﴿لِيَقضِ عَلَينا رَبُّكَ﴾: ليُمِتْنا. ﴿قالَ﴾ بعد ألف
سنة: ﴿إِنَّكُم ماكِثُونَ﴾ ٧٧: مُقيمون في العذاب دائمًا .
٢- قال تعالى: ﴿لَقَد جِئناكُم﴾ - أي أهلَ مكّة - ﴿بِالحَقِّ﴾ على لسان الرسول،
﴿وَلَكِنَّ أكثَرَكُم لِلحَقِّ كَارِهُونَ ٧٨. أم أبرَمُوا﴾ أي: كُفّارُ مكّة أحكموا ﴿أمرًا﴾، في
كيد مُحمّد النبيّ؟ ﴿فإنّا مُبِرِمُونَ﴾ ٧٩: مُحكِمون كيدَنا في إهلاكهم. ﴿أم يَحسِبُونَ أنّا
لا نَسمَعُ سِرَّهُم ونَجْواهُم﴾: ما يُسرّون إلى غيرهم وما يجهرون به بينهم؟ ﴿بَلَى﴾ نسمع
ذلك، ﴿وَرُسْلُنا﴾: الحَفَظة ﴿لَدَيهِم﴾: عِندهم ﴿يَكْتُبُونَ﴾ ٨٠ ذلك.
٣- ﴿قُلْ: إن كانَ لِلرَّحمُنِ وَلَدٌ﴾ فَرْضًا﴿ فأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ٨١ للولد. لكن ثَبَتَ أن لا
ولد له - تعالى - فانتفت عبادته. ﴿سُبحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرضِ، رَبِّ العَرشِ﴾:
الكُرسيّ، ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ ٨٢: يقولون من الكذب بنسبة الولد إليه! ﴿فَذَرْهُم،
يَخُوضُوا﴾ في باطلهم، ﴿وَيَلعَبُوا﴾ في دُنياهم، ﴿حَتَّى يُلاقُوا يَومَهُمُ الَّذِي
يُوعَدُونَ﴾ ٨٣ فيه العذابَ. وهو يوم القيامة.
سُورَةِ الِّرُّف
إِنَّالْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴿٩ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ
فِيهِ مُبْلِسُونَ [٥] وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ
وَنَادَوْيَمَلِكُ لِيَفْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَّ قَالَ إِنَّكُمْ مَكِنُونَ (بَيْ لَقَدْ
◌ِتْنَكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّأَكْثَرَّكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ (٣٨) أَمْأَبْرَمُوْأَمْرًا
فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٣٦) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَجْوَنُهُمَّ ◌َى
وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْثُبُونَ ﴿ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ
اٌلْعَبِدِينَ (١) سُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ
عَمَّا يَصِفُونَ {(٨٣) فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُو ◌ْحَتَّى يُلَقُوْيَوْمَهُ
اٌلَّذِى يُوعَدُونَ هَوَهُوَالَّذِى فِى السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ
إِلَّهَ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴿ وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ، مُلْكُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٨٥] وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ إِلََّ مَن
شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَهُمْ
لَيَقُولُنَّاللَّهُ فَّى يُؤْفَّكُونَ (١) وَقِيلِهِ، يَرَبٍ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ
لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٣َّا فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ()
٤- ﴿وهْوَ الَّذِي﴾ هو ﴿فِي السَّماءِ إِلَهٌ﴾ - بتحقيق الهمزتين، وإسقاطِ الأولى،
وتسهيلها كالياء - أي: معبود، ﴿وفي الأرضِ إلَّهُ﴾، وكُلّ من الظرفين مُتعلّق بما بعده،
﴿وَهْوَ الحَكِيمُ﴾ في تدبير خلقه، ﴿العَلِيمُ﴾ ٨٤ بمصالحهم، ﴿وَتَبَارَكَ﴾: تعظّم ﴿الَّذِي
لَهُ مُلكُ السَّماواتِ والأرضِ وما بَينَهُما، وعِندَهُ عِلمُ السّاعةِ﴾ متى تقومُ، ﴿وَإِلَيهِ
تُرجَعُونَ﴾ ٨٥، بالتاء والياء، ﴿ولا يَملِكُ الَّذِينَ يَدعُونَ﴾: يعبدون أي: الكُفَّارُ ﴿مِن دُونِهِ﴾ أي: اللهِ ﴿الشَّفاعةَ﴾ لأحد، ﴿إِلَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾
أي قال: ((لا إله إلّا الله))، ﴿وهُم يَعلَمُونَ﴾ ٨٦ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم. وهم عِيسَى وعُزِيرٌ والملائكة، فإنهم يشفعون للمُؤمنين. ﴿وَلَئِنْ﴾
- لامُ قسم - ﴿سألتَهُم: مَن خَلَقَهُم؟ لَيَقُولُنَّ: اللهُ﴾. حُذِفَ منه نونُ الرفع وواوُ الضمير. ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٨٧: يُصرفون عن عبادة الله؟
٥- ﴿وقِيلَهُ﴾ أي: قولَ مُحمّد النبيّ، ونصبُه على المصدر بفعله المقدر، أي: وقال: ﴿يَا رَبِّ، إنَّ هُؤُلاءِ قَومٌ لا يُؤمِنُونَ﴾ ٨٨. قال تعالى:
﴿فاصفَحْ﴾: أعرِض ﴿عَنْهُم، وقُلْ: سَلامٌ﴾ منكم. وهذا قبل أن يُؤمر بقتالهم. ﴿فَسَوفَ يَعلَمُونَ﴾ ٨٩، بالياء والتاء: تهديدٌ لهم.
(١) المجرم: الراسخ في الكفر باختيار وعزم. والخالد المقيم أبدًا. وماظلمناهم أي: قضينا عليهم بما يستحقون. والظالمين: الواضعين الكفر موضع
الإيمان، فظلموا أنفسهم. ونادوا: دعوا مستغيثين. وخازنها: رئيس ملائكة العذاب فيها. وذكرُ السَّنة هنا مراد به التقريب لا التعيين، لأن اليوم هناك كألف
سنة من الحياة الدنيا .
(٢) جئناكم: بيّا لكم. وأي: حرف نداء. وذكرُ أهل مكة يعني أن الخطاب موجه في الدنيا. والحق: الدين الثابت. وكارهون أي: سجاياهم لا تقبله، وإنما
تنقاد للباطل تعظمه. والأمر: القصد. وكيدنا أي: تدبيرنا بالخفاء للردع والانتقام. ويحسب: يظن. ونسمع: ندرك. والسر: ما يحدّث به الإنسان نفسه أو
غيره بهمس. والنجوى: التناجي بصوت خافت. و((يجهرون)): انظر ((المفصل)). والرسل: جمع رسول. ويكتب: يسجل ويحفظ. وذلك أي: سرهم ونجواهم
وغيرهما من الأقوال والأفعال.
(٣) الآيتان رد على المشركين الذين زعموا أن الملائكة بنات الله. انظر الآية ٣٦. وإن كان: إن صح ببرهان قاطع. والرحمن: الكثير العطف بالإحسان.
والولد ما يخلفه المخلوق من سلالته. وفرضًا: افتراضًا جدليًا للتسليم في الحجاج والاستدلال. والأول: السابق المتقدم لغيره في عصره. والعابد: المقدس
المطيع. وانتفت عبادته أي: بطلت عبادة ما تزعمون. وسبحانه: تنزيهًا له. والسماوات: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. والعرش: مخلوق عظيم جدًا
يحيط بالكون كله، ولا يعرف حقيقته إلّا الله. فتفسيره بالكرسي غير صحيح. ويصف: يزعم من الأوصاف الباطلة. ونسبة الولد أي: وغير ذلك من الأباطيل.
وذرهم: اتركهم بعد أن بلّغتَهم. ويخوضوا: ينغمروا. ويلعب: يمرح عابئًا. ويلاقونه: يصادفونه. ويومهم: وقت عذابهم. ويوعدون أي: يهددون به.
(٤) بإسقاط الأولى يريد القراءة ((في السَّما إلَّهُ)). وتسهيلها كالياء: جعلها بين الهمزة والياء ((السَّما!ِ إلَهُ)). ومعبود: مستحق للعبادة في السماء ومستحق لها في
الأرض. والظرفان أي: في السماء، وفي الأرض. وبما بعده أي: إله، لأنه بمعنى اسم المفعول: مألُوه معبود. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم
وإحسان الفعل. والعليم: المبالغ في الإحاطة. والملك: الحيازة والتصرف. وما بينهما أي: مافي الأرض والجو من العوالم. وعنده أي: مستأثر به وحده.
وعلمها: علم وقت حدوثها. والساعة: وقت القيامة. وفيما عدا الأصل والنسخ: يرجعون. وبالياء يريد القراءة «يُرجَعُونَ))، أي: يعادُون بالبعث للحساب.
ويملكها: يستطيعها. والذين يدعون أي: المعبودون. والشفاعة: طلب التجاوز عن الذنوب. وشهد: اعترف. والحق: الأمر الثابت. ويعلم: يعرف. ولئن
سألتهم ... الله: انظر الآية ٩.
(٥) قيله أي: قوله. وفي ث وط والفتوحات والصاوي: ((وقِيلِهِ)). ويارب أي: ياربي. ولا يؤمنون: لا يصدّقون ما أدعوهم إليه. وأعرض أي: لا تهتمَّ لعصيانهم.
والسلام: الأمان بلا قتال ولاجدال. ومنكم أي: شأني الآن هو المتاركة بسلامتكم مني وسلامتي منكم. ويعلم: يدرك بالعِيان. وبالتاء يريد القراءة «تَعلَّمُونَ)).

٤٤ - سورة الدخان
٤٩٦
الجزء الخامس والعشرون
سُورَة الدّخَانِ)
سُورَةُ الجَان
حمّ ﴿ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةٍ
◌ُبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّمُنذِرِينَ ﴿ فِيهَا يُفْرَقُّ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾
أَمْرًا مِنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَامُرْسِلِينَ ﴾ْ رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاَّ
إِنْ كُم ◌ُوقِنِينَ ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِى، وَيُمِنَّ رَبُّكُمْ
بَلْهُمْ فِىِسَئِيَلْعَبُونَ
وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ
جَافَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴿﴿ يَغْشَى
النَّاسَّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ رَّبَّنَا أَ كْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ
إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴿ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَ هُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ(
ثُمَّتَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلٌَّ تَجْنُونُ (٣) إِنَّا كَاشِفُواْالْعَذَابِ قَلِيلًا
إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (٢٥ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَّ إِنَّامُتَقِمُونَ
﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّاقَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَ هُمْ رَسُولٌ
كَرِيمُ ( أَنْ أَدُّواْإِلَىَّ عِبَادَاللَّهِ إِنّى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ
سورة الدخان
مكية، وقيل: إلّا ((إنا كاشفو العذاب قليلًا)) الآية،
وهي ستّ أو سبع أو تسع وخسمون آية.
بِسْمِ الَّهِ الََّنِ الرَّحَمَةِ
١ - ﴿حمّ﴾ ١ الله أعلم بمُراده به. ﴿والكِتابِ﴾: القرآن ﴿المُبِينِ﴾ ٢: المُظهِر الحلالَ
من الحرام، ﴿إِنّا أَنزَلْناهُ فِي لَيلةٍ مُبارَكةٍ﴾، هي ليلة القدر أو ليلة النصف من شعبان،
نزل فيها من أُمّ الكِتاب، من السماء السابعة إلى سماء الدنيا. ﴿إِنّا كُنّا مُنذِرِينَ﴾ ٣:
مخوِّفین به.
٢- ﴿فِيها﴾ أي: في ليلة القدر أو ليلة نصف شعبان، ﴿يُفرَقُ﴾: يُفصل ﴿كُلُّ أمرٍ
حَكِيمٍ﴾ ٤: مُحكَم، من الأرزاق والآجال وغيرهما التي تكون في السنة إلى مِثل تلك
الليلةَ، ﴿أمرًا﴾: فرقًا ﴿مِن عِندِنا. إنّا كُنّا مُرسِلِينَ﴾ ٥ الرسلَ مُحمّدًا ومَن قبلَه،
﴿رَحْمةً﴾: رأفة بالمُرسَل إليهم ﴿مِن رَبِّكَ. إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿العَلِيمُ﴾ ٦
بأفعالهم، ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرضِ وما بَينَهُما﴾، برفع (ربّ)) خبرٌ ثالث، وبجرّه بدلٌ
من ((ربّك)) - ﴿إِن كُنتُم﴾، يا أهل مكّة، ﴿مُوقِنِينَ﴾ ٧ بأنه تعالى ربّ
السماوات والأرض فأيقنوا بأنّ مُحمّدًا رسوله - ﴿لا إِلَّهَ إلّا هُوَ، يُحيِي
نصف
الخِرْبُ
ويُمِيتُ، رَبُّكُم ورَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ٨.
٣- ﴿بَل هُم فِي شَكِّ﴾ من البعث، ﴿يَلعَبُونَ﴾ ٩ استهزاء بك يا مُحمّد. فقال: ((اللُّهُمَّ
أعِنِّي عَلَيهِم بسَبعِ كسَبعِ يُوسُفَ)). قال تعالى: ﴿فارتَقِبْ﴾ لَهُم ﴿يَومَ تَأْتِي السَّمَاءُ
بِدُخانٍ مُّبِيْنٍ﴾ ١٠ - فأجدبَتِ الأرض واشتدّ بهم الجوع، إلى أن رأوا من شِّدّته كهيئة الدُّخان بين السماء والأرض - ﴿يَغْشَى النّاسَ﴾، فقالوا :
﴿هُذا عَذَابٌ أَلِيمٌ ١١. رَبَّنَا، اكشِفْ عَنّا العَذابَ. إنّا مُؤمِنُونَ﴾ ١٢ : مُصدّقون نبيَّك.
٤- قال تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُّ الذِّكرَى﴾ أي: لا ينفعهم الإيمانُ عِند نزول العذاب، ﴿وَقَد جاءَهُم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ١٣: بَيْنُ الرسالةِ، ﴿ثُمَّ تَوَلَّوا عَنْهُ
وقالُوا: مُعلَّمٌ﴾ أي: يُعلّمه القُرآنَ بشرٌ، ﴿مَجِنُونٌ ١٤؟ إنّا كاشِفُو العَذابِ﴾ أي: الجوع عنكم زمنًا ﴿قَلِيلًا﴾ - فكُشِف عنهم - ﴿إِنَّكُم
عائدُونَ﴾ ١٥ إلى كُفركم. فعادوا إليه.
٥ - اذكرْ ﴿يَومَ نَبِطِشُ البَطْشةَ الكُبرَى﴾ هو يوم بدر، ﴿إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ ١٦ منهم. والبطش: الأخذ بقوّة. ﴿وَلَقَد فَتَنّا﴾: بلَونا ﴿قَبلَهُم قَومَ فِرِعَونَ﴾
(١) أنزلناه: قضينا بنزول القرآن دفعة واحدة، لينزل منجمًا بعدُ على النبي وَله، بحسب الظروف والأسباب. والمباركة: التي يكثر فيها الخير ويعم جميع
الخلق. وليلة القدر في أواخر رمضان. والصواب: ((من اللوح المحفوظ)). انظر الآية ١ من سورة القدر. وسماء الدنيا أي: السماء التي تلي الأرض. وكنا
أي: ولانزال. فشأننا الإنذار والتهديد. وبه أي: بالقرآن وغيره. (٢) قال ابن العربي: ((وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعوّل عليه، لا في فضلها،
ولا في نسخ الآجال فيها. فلا تلتفتوا إليها)». أحكام القرآن ص ١٦٩٠. وكذلك الدعاء المشهور بين العامّة في تلك الليلة، فهو غير ثابت وفيه ما لا يجوز قوله
شرعًا. انظر قرة العينين ص ٦٥٧-٦٥٨. ويفصل: يوضح للملائكة ما يجب عليهم من العمل، والأمر: ما يكلف به المخلوق. والمحكم: القائم على الحكمة
البالغة، مع الاحتمالات المتوقعة من اختيارات البشر، وحصول التنفيذ. وهذا التفسير مبني على ماذكره المحلي هنا، وهو قول ليس في لفظ الآية أو صحيح
الأحاديث مايؤيده. وقد ذكر المفسرون في ذلك أيضًا ما يوزع على الملائكة من واجبات في الكون والحياة، وأطالوا التفصيل والخلاف، من دون نص شرعي
موثق. والظاهر أن المعنى: يُفضَّل حينذاك كل أمر بالغ الحكمة، على الوجه المحمود عند الصالحين، تسعد به أرواحهم، وتكون فيه منافع العباد في دينهم
ودنياهم. وذلك هو ما ذكر في الآيتين ٣ وه، أي: الرسالات السماوية التي أنزل كل منها في الليلة المباركة من شهر رمضان، على الرسل في أزمانهم
المختلفة. انظر البحر ٣٣:٨ وتفسير القاسمي ص ٥٢٩٣-٥٢٩٤ وتعليقنا على تفسير الآية ٤ من سورة القدر. وكنا: انظر الآية ٣. ومرسلين: باعثين ومكلفين
بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. والرحمة: العطف بالإحسان. ومن ربك: من عنده بحكمته وفضله. والسميع: المدرك للمسموعات والأسرار.
والعليم: المبالغ في الإحاطة. والسماوات: ما يحيط بالأرض من عوالم عُلوية. ومابينهما أي: الجو وما فيه وفي الأرض من مخلوقات. وخبر ثالث أي: لـ
((إنّ)). وبجره يريد القراءة ((رَبِّ)). والموقن: من يعتقد جازمًا. والإله: المعبود بحق. والآباء: جمع أب. ويطلق على الوالد والجد. والأولون: الأقدمون.
(٣) الشك: التردد. ويلعب: يلهو ويعبث. وسبع: سبع سنين من الجدب. وارتقب: انتظر. وتأتي السماء بدخان أي: يكون فيها ظلمة كالدخان. والمبين:
الظاهر للعِيان. ويغشاهم: يحيط بهم. والناس: أهل مكة. واكشف: ارفع وأزل. ولما زال عنهم القحط استمروا على الكفر والعصيان. فعندما اشتد القحط
على المشركين قيل للنبي: ((استسقِ اللهَ لمُضرَ. فإنَّها قد هَلَكتْ)). فدعا لهم بالسقيا، وكان منهم ما ذكرنا. الأحاديث ٩٦٢ و ... و٤٥٤٤ و٤٥٤٥ في البخاري
و٢٧٩٨ في مسلم، والمسند ٢٣٦:١ و٣٨١. (٤) أنَّى أي: من أين؟ والذكرى: الاتعاظ بما يحصل ليلازموا الإيمان. ولا ينفعهم ... العذاب: انظر
((المفصل)). وجاءهم: أتاهم وبلّغهم. وتولى: أعرض. وبشر أي: سلمان الفارسي أو غيره ممن كان يعرف التوراة والإنجيل. والمجنون: من فقد عقله.
وكاشفوه أي: كشفناه لإقامة الحجة عليكم. وإليه أي: إلى الاستمرار على الكفر. (٥) اذكر أي: لنفسك وأصحابك بشارة وطمأنة، ولقومك تهديدًا ووعيدًا .=

الجزء الخامس والعشرون
٤٩٧
٤٤ - سورة الدخان
معه، ﴿وَجاءَهُم رَسُولٌ﴾ هو مُوسَى - عليه السلام - ﴿كَرِيمٌ﴾ ١٧ على الله تعالى،
﴿أنْ﴾ أي: بأن ﴿أَذُوا إِلَيَّ﴾ ما أدعوكم إليه من الإيمان، أي: أظهروا إيمانكم بالطاعة
لي - يا ﴿عِبادَ اللهِ - إنِّي لَكُم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ١٨ على ما أُرسلتُ به، ﴿وأنْ لا تَعَلُوا﴾:
تتجبّروا ﴿عَلَى اللهِ﴾ بترك طاعته - ﴿إِنِّيَ آتِيكُم بِسُلطانٍ﴾: برهان ﴿مُّبِينٍ﴾ ١٩: بيِّن
على رسالتي. فتوغَّدوه بالرجم، فقال: ﴿وإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُم، أن تَرَجُمُونِ﴾ ٢٠
بالحِجارة - ﴿وَإِن لَم تُؤْمِنُوا لِي﴾: تُصدّقوني ﴿فاعتَزِلُونِ﴾ ٢١ فاتركوا أذاي.
١- فلم يتركوه، ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ﴾ أي: بأنّ ﴿هُؤُلاءِ قَومٌ مُجرِمُونَ﴾ ٢٢: مُشركون. فقال
تعالى: ﴿فَأَسْرِ﴾، بقطعِ الهمزة ووصلِها، ﴿بِعِبادِي﴾ بني إسرائيل ﴿لَيلا - إنَّكُم
مُتَبَعُونَ﴾ ٢٣: يتّبعكم فِرَعَون وقومه - ﴿واترُكِ البَحرَ﴾ إذا قطعتَه أنت وأصحابك
﴿رَهْوًا﴾: ساكنًا منفرجًا، حتّى يدخله القِبط. ﴿إِنَّهُم جُنِدٌ مُغرَقُونَ﴾ ٢٤. فاطمأنّ
بذلك فأُغرقوا .
٢- ﴿كَم تَرَكُوا مِن جَّاتٍ﴾: بساتينَ ﴿وَعُيُونٍ﴾ ٢٥ تجري، ﴿وَزُرُوع ومَقامِ
كَرِيمٍ﴾ ٢٦: مجلس حسن، ﴿ونَعْمةٍ﴾: مُتعة، ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ ٢٧ ناعمين
﴿كَذَلِكَ﴾ خبرُ مُبتدأ، أي: الأمرُ. ﴿وأورَثْناها﴾ أي: أموالَهم ﴿قَومًا آخَرِينَ﴾ ٢٨
أي: بني إسرائيل، ﴿فما بَكَتْ عَلَيهِمِ السَّماءُ والأرضُ﴾، بخِلاف المُؤمنين يبكي
عليهم بموتهم مُصلّاهم، من الأرضَ ومَصعَدُ عملهم من السماء، ﴿وما كانُوا
مُنظَرِينَ﴾ ٢٩ : مُؤْخَّرينَ للتوبة.
سُورَةِ الدَّخَارِ
الجزء الحافِ الحَمُونَ
وَأَنْ لَّا تَعْلُواْ عَلَى الَّهِ إِنِّيَّاتِيَكُمُ بِسُلْطَانِ مُبِينٍ (١) وَإِنِى عُذْتُ
بِرَبِى وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (١٥) وَإِنْ أَوْتُؤْمِنُوْلِ فَاعْتَرِلُونِ ﴿ فَدَعَا
رَبَّهُ أَنَّهَؤُلاءِ قَوْمٌ تُجْرِمُونَ (٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُم
مُتَّبَعُونَ ﴿ وَآَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهُوَّا إِنَّهُمْ جُنٌ مُّغْرَقُونَ (٢) كَمْ
تَرَكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُونٍ ﴿ وَزُرُوعِ وَمَقَاءِ كَرِيمٍ (جا وَنَعْمَةٍ
كَانُواْ فِيَهَا فَكِينَ [® كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ
فَمَابَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَاُلْأَرْضُ وَمَا كَانُوْمُنظَرِينَ (٦) وَلَقَدْ
تَتَّا بَنِىّ إِسْرَِّيَلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴿٣ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ.
كَانَ عَالِيًّا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴿٦َ وَلَقَدِ آَخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى
اَلْعَلَمِينَ جَوَءَانَيْنَهُم مِّنَ اْأَيَتِ مَافِيهِ بَلَتَوْأُمُّبِينٌ
ج إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٦) إِنْ هِىَ إِلَّ مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا
تَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٢٥) فَأَتُوِْثَابَآيِنَآ إِن كُتُمْ صَدِقِينَ (جَأَهُمْ
خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعِ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِم ◌َهْلَكْنَهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِنَ
(* وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ
٣٨
مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
٣- ﴿وَلَقَد نَجَّينا بَنِي إسرائيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ ٣٠: قتل الأبناء واستخدام النساء،
﴿مِن فِرِعَونَ﴾. قيل: بدلٌ من ((العذاب)) بتقدير مضاف، أي: عذابٍ، وقيل: حالٌ من ((العذاب)). ﴿إِنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ أي: متكبرًا مسرفًا ﴿مِنَ
المُسرِفِينَ ٣١ - ولَقَدِ اختَرناهُم﴾ أي: بني إسرائيل ﴿عَلَى عِلم﴾ منّا بحالهم، ﴿علَى العالَمِينَ﴾ ٣٢ أي: عالَمِي زمانهم العُقلاء، ﴿وآتيناهُم مِنَ
الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ ٣٣: نعمةٌ ظاهرة، من فلق البحر والمنّ والسلوى وغيرها .
٤- ﴿إِنَّ هُؤُلاءِ﴾ أي: كُفّارَ مكّة ﴿لَيَقُولُونَ ٣٤: إنْ هِيَ﴾: ما الموتة التي بعدها الحياة ﴿إلّا مَوتتُنا الأُولَى﴾ أي: وهم نُطَف، ﴿وما نَحنُ
بِمُنْشَرِينَ﴾ ٣٥: بمبعوثين أحياءً بعد الثانية. ﴿فائْتُوا بِآبائنا﴾ أحياءً، ﴿إن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٣٦ أنا نُبعث بعد موتنا، أي: نحيا. قال تعالى: ﴿أُهُم
خَيرٌ أم قَومُ تُبَّعٍ﴾، هو نبيّ أو رجل صالح، ﴿وَالَّذِينَ مِن قَبلِهِم﴾ من الأُمم؟ ﴿أهلَكْناهُم﴾ لكُفرهم. والمعنى: ليسوا أقوى منهم وأُهلكوا -
=والكبرى: العظمى بما يكون فيها من ذلهم ومقاتلهم. والمنتقم: المعاقب للعصاة. وبلونا: فعلنا فعل الممتحن، بكثرة الرزق والسلطان وإرسال الرسل،
ليظهر ما في النفوس من إصرار على الكفر واستعداد للإيمان. وقوم فرعون: جنوده وأعوانه من العرب القبط. والعباد: جمع عبد. وهو المملوك خلقًا وقهرًا
وتعبدًا. والرسول: من بعث وكلف بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. والكريم: العزيز المكرم. والأمين: المأمون. وآتيكم: مُحضر لكم وموصل
إليكم. وعلى رسالتي أي: على صدقي فيها. وعذت: التجأت واعتصمت. وترجمون: ترموني. واتركوا أذاي يعني: كونوا بمعزل عني مع ترك لأذاي.
(١) دعاه: ناداه مستعينًا. والمجرم: الممعن في الفساد باختيار وعزم. وأسر أي: سِر في الليل. وبوصلها يريد القراءة ((فاسْرٍ)). ويتبعكم: يلحق بكم. واتركه:
لا تضربه بالعصا. والبحر: ما اجتمع من الماء الكثير. وهو الجانب الشمالي من البحر الأحمر. ومنفرجًا أي: منشقًا ماؤه بما برز من القاع بالخسف لمناطق
متفرقة منه. والجند: واحده جندي. والمغرق: الميت خنقًا بالماء. (٢) كم أي: كثيرًا جدًا. وتركوه: خلفوه لغيرهم بني إسرائيل ملكوه بعدهم، كما سيرد في
الآية ٢٨. والعيون: جمع عين. وهي ينبوع الماء. والزروع: جمع زرع. وهو ما ينبت من الشجر وغيره. والنعمة: ما يتنعم به. وكذلك أي: على ما ذكرنا
من قصة موسى وفرعون. وخبر مبتدأ يعني: خبر مبتدأ مقدر. وأورثناها: جعلناها ملكًا يورث. فقد رجع بنو إسرائيل بعد وفاة موسى إلى مصر وملكوها.
والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. وعدم البكاء تمثيل لتحقير أمرهم. يعني أنهم كانوا أصحاب فساد. وما ذكره المحلي من البكاء هو في حديث
ضعيف. انظر البحر ٣٦:٨-٣٧ و٥٢٠٠ من ضعيف الجامع. (٣) نجينا: أنقذنا. والمهين: المذلّ. واستخدام النساء: إبقاؤهن على الحياة لاستخدامهن.
ومضاف: يعني أن التقدير: من عذاب فرعون. وحال أي: متعلقان بحال محذوفة. والمسرف: المغرق في ارتكاب البغي بعزم. واخترناهم: اصطفيناهم
لتحمل الرسالة والتوراة. والعلم: الإحاطة التامة. وبحالهم أي: بما فيهم من استعداد للتزييف والعصيان. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. وعالمي
زمانهم: مَن كان في ذلك الزمان. و((العقلاء)) زيادة فيها نظر، لأنها تشمل الملائكة أيضًا، في حين أن المراد هو الإنس والجن فقط، وليس لبني إسرائيل
تفضيل على الملائكة. وآتينا: أعطينا. والآية: المعجزة. والبلاء: الامتحان لتمييز الصالح من الفاسد. (٤) يقولون أي: سيخاطبون من يهددهم بالبعث. فقد
روي أن المشركين طلبوا من النبي ◌َّر أن يدعو الله، فيحيي لهم قصيّ بن كلاب ليشاوروه في صحة النبوة والبعث. فنزلت الآية. تفسير القرطبي ١٦: ١٤٤.
والأولى: التي قبل التكون في الأرحام. وهم نطف أي: أموات لا قدرة لهم على النمو. وائتوا بهم: ردوهم بطلب من الله. والآباء: جمع أب. ويطلق على
الوالد والجد. والصادق: من يقول الحق. وخير: أفضل قوة. وتبّع: أسعد أبوكرب من اليمانية. وأهلكناهم: أفنيناهم. والمجرم: المصرّ على الإجرام باختيار
وقصد. وخلق: أوجد. واللاعب: العابث بما لاغاية له. والحق: الإحكام. ولا يعلمون: ليس عندهم إدراك للحقائق، لِما هم عليه من التقليد الشنيع.

٤٤ - سورة الدخان
٤٩٨
الجزء الخامس والعشرون
سُورَةِ الدّخَارِ
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ يَوْمَ لَ يُغْنِى مَوْلَى
عَن مَّوْلَى شَيْئًا وَلَهُمْ يُنْصَرُونَ ﴿ إِلَّ مَنْ زَحِمَ اللَّهُ
إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ!
٤٣
گَغَلِی
طَعَامُ الْأَثِمِ جَ كَالْمُهْلِ يَغْلِىِ فِ اَلْبُطُونِ
٤٥
اُلْحَمِيمِ جَ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (@
صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ [® ذُقْ إِنَّكَ
أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيِمُ ﴿ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ، تَمْتَّرُونَ
﴿ إِنَّالْمُتَّقِينَ فِ مَقَامِ أَمِينٍ ﴿﴿ فِجَنَّتٍ وَعُيُونٍ
يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَبِلِينَ ()
٥٢
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ
فَكِهَةٍ،َاِمِنِينَ ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْنَ
إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىّ وَوَقَنْهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ الشَّ فَضْلًا
◌ِّن رَّبِّكَّ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِسَانِكَ
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ فَأَرْتَقِبُ إِنَّهُمْ قُرْتَقِبُونَ
◌ُورَةُ الجَائِيَّةِ
﴿إِنَّهُم كانُوا مُجْرِمِينَ ٣٧ - وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرضَ وما بَينَهُما لاعِبِينَ﴾ ٣٨
بخلق ذلك، حالٌ. ﴿مَا خَلَقْناهُما﴾ وما بينهما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أي: مُحِقّينَ في ذلك،
يُستدلّ به على قُدرتنا ووحدانيّتنا وغير ذلك، ﴿ولُكِنَّ أكثَرَهُم﴾ أي: كُفّارٍ مكة ﴿لا
يَعلَمُونَ﴾ ٣٩.
١- ﴿إِنَّ يَومَ الفَصلِ﴾: يوم القيامة، يفصِل الله فيه بين العباد، ﴿مِيقاتُهُم
أجمَعِينَ﴾ ٤٠ للعذاب الدائم، ﴿يَومَ لا يُغنِي مَولَّى عَن مَولَى﴾ بقرابة أو صداقة، أي:
لا يدفع عنه ﴿شَيئًا﴾ من العذاب! ﴿وَلا هُم يُنصَرُونَ﴾ ٤١ : يُمنعون منه - ويومَ: بدل
من ((يومَ الفصل)) - ﴿إِلَّ مَن رَحِمَ اللهُ﴾. وهم المُؤمنون فإنه يشفع بعضهم لبعض بإذن
الله. ﴿إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ﴾: الغالب في انتقامه من الكُفّار، ﴿الرَّحِيمُ﴾ ٤٢ بالمُؤمنين.
٢- ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُوم﴾ ٤٣ - هي من أخبث الشجر المرّ بتهامةَ، يُنبتها الله تعالى في
الجحيم - ﴿طَعامُ الأَثِيمِ﴾ ٤٤، كأبي جهل وأصحابه ذوي الإثم الكبير، ﴿كالمُهلِ﴾
أي: دُرْدِيِّ الزيت الأسود، خبرٌ ثان، ﴿تَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ ٤٥ - بالفَوقانيّة: خبرٌ
ثالث، وبالتحتانيّة: حال من المهل - ﴿كَغَليِ الحَمِيمِ﴾ ٤٦ أي: الماء الشديد
الحرارة، ﴿خُذُوهُ﴾ يقال للزبانية: خذوا الأثيمَ ﴿فاعتِلُوَهُ﴾، بكسر التاء وضمّها:
جُرّوه بغِلظة وشِدّة ﴿إِلَى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ٤٧ وسَط النار، ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوقَ رأسِهِ مِن
عَذابِ الحَمِيمِ﴾ ٤٨ أي: من الحميم الّذي لا يُفارقه العذاب - فهو أبلغ ممّا في آيةٍ
(يُصَبُّ مِن فَوَقٍ رُؤُوسِهِمِ الحَمِيمُ)) - ويقال له: ﴿ذُقْ﴾ أي: العذابَ. ﴿إِنَّكَ أنتَ
العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ٤٩ بزعمِك، وقولِك: ما بينَ جَبَلَيها أعزُّ وأكرمُ منّي. ويقال لهم:
﴿إِنَّ هذا﴾ الذي ترَون من العذاب ﴿ما كُنتُم بِهِ تَمتَرُونَ﴾ ٥٠: فيه تشكّون.
٣- ﴿إِنَّ المُتَّقِينَ في مَقامِ﴾ مجلس ﴿أَمِينٍ﴾ ٥١: يؤمَنُ فيه الخوفُ، ﴿فِي جَنّاتٍ﴾: بساتينَ ﴿وعُيُونٍ ٥٢، يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وإستَبَرَقٍ﴾ أي: ما
رقَّ من الديباج وما غلُظَ منه، ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ ٥٣ حالٌ، أي: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدوران الأسرّة بهم - ﴿كَذْلِكَ﴾ يُقدّر قبله: الأمرُ -
﴿وَزَوَّجْنَاهُم﴾ من التزويج أو قرنّاهم ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ ٥٤: بنساء بيضٍ واسعاتِ الأعين حِسانِها، ﴿يَدْعُونَ﴾: يطلبون الخدمَ ﴿فِيها﴾ أي: الجنّةِ،
أن يأتوا ﴿بِكُلِّ فاكِهٍ﴾ منها ﴿آمِنِينَ﴾ ٥٥ من انقطاعها ومضرّتها ومن كلّ مخوف: حالٌ، ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوتَ، إلّا المَوتَةَ الأُولَى﴾ أي: التي
في الدنيا بعد حياتهم فيها - قال بعضهم: ((إلّا)) بمعنى بعدَ - ﴿وَقَاهُم عَذابَ الجَحِيمِ ٥٦، فَضلًا﴾: مصدرٌ بمعنى تفضّلًا منصوب بـ ((تفضّلَ))
مُقدّرًا، ﴿مِن رَبِّكَ. ذُلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ ٥٧ .
٤- ﴿فإنَّما يَسَرْناهُ﴾: سهّلنا القرآنَ ﴿بِلِسانِكَ﴾: بلغتك، لتفهمه العرب عنك، ﴿لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٥٨ يتّعظون فيُؤمنون. لكنهم لا يُؤمنون.
﴿فارتَقِبْ﴾: انتظر هلاكهم. ﴿إِنَّهُم مُرْتَقِبُونَ﴾ ٥٩ هلاكك. وهذا قبلَ نُزول الأمر بجِهادهم.
سورة الجاثية
مكية إلّا ((قل للذين آمنوا يغفروا)) الآية، وهي ستّ أو سبع وثلاثون آية.
(١) اليوم: الوقت. والفصل: الحكم بين المحق والمبطل، وبين الطائع والعاصي. وميقاتهم: وقت ما هدِّد به الكفار من الحساب. ويغني: يدفع. والمولى:
من يتولى معونة صاحبه. والأول للمؤمن، والثاني للكافر. وهم أي: الذين يتولى بعضهم بعضًا. ورحمه: عطف عليه بقبول الشفاعة. والرحيم: الكثير العطف
بالإحسان. (٢) كان أبو جهل يهزأ بالزقوم، يأتي بالتمر والزبد ويقول لأصحابه: ((تزقّموا. فهذا الزقوم الذي يعدكم به محمد)). فنزلت هذه الآيات. الدر
المنثور ٣٢:٦. وتهامة: بين البحر والحجاز. والأثيم: الكثير الإجرام. والدردي: العَكر. وتغلي: تفور. والبطون: حمع بطن. وبالتحتانية يريد القراءة
((يَغْلِي)). ولما نزلت الآيات ٤٣-٤٦ قال: ((أتهدّدني - يا محمد - وإنْ بين لابَتَيها أعزُّ مني ولا أكرم. ولن تستطيع أنت ولاربك أن تفعلا بي شيئًا))، فنزلت
الآيات ٤٧-٥٠. لباب النقول. وإن أي: ما. واللابتان: الجبلان بينهما مكة. وخذوه: أمسكوه. والزبانية: ملائكة العذاب، جمع زِبنية. وآية أي: ذات الرقم
١٩ من سورة الحج. وذق أي: تحسس. والعزيز: الذي لا يُغلب. والكريم: الذي لايهان. (٣) المتقي: من يتجنب الشرك. والأمين: فيه طمأنينة النفس.
والعيون: جمع عين. وهي النبع. والسندس: مارقّ من قماش الحرير. والإستبرق: ما غلظ منه. ولا ينظر ... بهم: انظر تعليقنا على تفسير الآية ٤٧ من سورة
الحِجر. والحور: جمع حَوراء. وهي المرأة البيضاء البضّة. والعين: جمع عيناء. والآمن: المطمئن. ولا يذوقه: لا يناله. وبعضهم أي: بعض المفسرين.
ووقاهم: جنبهم. ومن ربك: من عنده وبأمره. والفوز: النجاة. والعظيم: لامثيل له. (٤) سهلناه أي: جعلناه يسيرًا على كل من يعرف العربية، خلافًا للكتب
قبله. وبلغتك أي: اللغة العربية التي هي أفصح اللغات، وأبقاها على الزمن، وأيسرها تعلمًا واستخدامًا. ولو كان بلغة أمة أُخرى لتيسر لها وحدها. و((لا
يؤمنون)) قول مردود، لأنه قد آمن كثير منهم. والصواب: لم يؤمنوا. و((هذا) يعني أن الأمر بالانتظار نُسخ بعدُ بآيات الجهاد في أوائل سورة التوبة.

الجزء الخامس والعشرون
٤٩٩
٤٥ - سورة الجاثية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
١- ﴿حمّ﴾ ١ الله أعلم بمُراده به. (تَنزِيلُ الكِتابِ﴾: القُرآنِ مُبتدأٌ ﴿مِنَ اللهِ﴾: خبرُه،
﴿العَزِيزِ﴾ في مُلكِهِ، ﴿الحَكِيمِ﴾ ٢ في صُنعه.
٢- ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ والأرضِ﴾ أي: في خلقهما ﴿لَآيَاتٍ﴾ دالّةً على قُدرة الله -
تعالى - ووحدانيّته ﴿لِلمُؤْمِنِينَ ٣، وفي خَلِكُم﴾ أي: خلقِ كُلّ منكم من نطفة ثمّ من
علقة ثمّ من مُضغة إلى أن صار إنسانًا، ﴿و﴾ خلقِ ﴿مَا يَبُثُ﴾: يُفرِّق في الأرض ﴿مِن
دابّةٍ﴾ أي: ما يدِبّ على الأرض من الناس وغيرهم، ﴿آياتٌ لِقَومٍ يُوقِنُونَ﴾ ٤ بالبعث،
﴿و﴾ في (اختلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ﴾: ذَهابِهما ومجيئهما، ﴿وما أنَزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِن
رِزقٍ﴾: مطر لأنه سبب الرزق، ﴿فأحيا بِهِ الأرضَ بَعدَ مَوتِها، وتَصرِيفِ الرِّياحِ﴾:
تقليبها مرّة جنوبًا ومرّة شمالًا وباردة وحارّة، ﴿ آياتٌ لِقَوم يَعْقِلُونَ﴾ ٥ الدليلَ فيُؤمنون.
٣- ﴿تِلكَ﴾ الآيات المذكورة ﴿آياتُ اللهِ﴾: حُججه الدالّة على وحدانيته، ﴿نَتْلُوها﴾:
نقصّها ﴿عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾: مُتعلّق بـ (نتلو)). (فِأَيِّ حَدِيثٍ بَعدَ اللهِ﴾ أي: حديثِه
- وهو القُرآن - ﴿وآيَاتِهِ﴾: حُججه ﴿يُؤمِنُونَ﴾ ٦ أي: كُفّارُ مكّة؟ أي: لا
يؤمنون. وفي قراءة بالتاء.
ثلاثة أرباع
الخرب
*َاللهُلَّذِى سَخَّرَلَكُمُ الْبَحْرَلِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِبِأَمْرِهِ، وَلِنَبْتَغُواْ مِن
فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَسَخَّرَلَكُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَافِى
اُلْأَرْضِ جَمِيعًا مِنَةً إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمِ يَنَفَكَّرُونَ (®
٤- ﴿وَيِلٌ﴾: كلمة عذاب ﴿لِكُلِّ أفّاكِ﴾: كذّاب ﴿أثيم) ٧: كثير الإثم،
﴿يَسمَعُ آيَاتِ اللهِ﴾: القُرآنَ ﴿تُتَلَى عَلَيهِ، ثُمَّ يُصِرُّ﴾ على كُفَرَه ﴿مُستَكبِرًا﴾: مُتكبّرًا عن
الإيمان، ﴿كأن لَم يَسمَعْها - فَبَشِرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٨: مُؤلم - ﴿وإذا عَلِمَ مِن آيَاتِنَا﴾
أي: القُرآنِ ﴿شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُؤًا﴾ أي: مهزوءًا بها. ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الأفّاكون ﴿لَهُم
عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ٩: ذو إهانة، ﴿مِن وَرائِهِم﴾ أي: أمامِهم لأنهم في الدنيا ﴿جَهَنَّمُ، ولا يُغنِي عَنْهُم ما كَسَبُوا﴾ من المال والفِعال (شَيئًا، ولا ما
اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: الأصنامَ ﴿أَولِياءَ! ولَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠. هذا﴾ أي: القُرآن ﴿هُدَى﴾ من الضلالة، ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم لَهُم
عَذابٌ﴾: حظّ ﴿مِن رِجْزٍ﴾ أي: عذابِ (ألِيمٌ﴾ ١١: مُوجعٌ.
٥- ﴿اللّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحرَ، لِتَجِرِيَ الفُلكُ﴾: السفن ﴿فِيهِ بِأمرِهِ﴾: بإذنه، ﴿وَلِتَبَغُوا﴾: تطلبوا بالتجارة ﴿مِن فَضْلِهِ، ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢،
وسَخَّرَ لَكُم ما في السَّماواتِ﴾ من شمس وقمر ونُجوم وماء وغيره، ﴿وما في الأرضِ﴾ من دابّة وشجر ونبات وأنهار وغيره، أي: خلق ذلك
المنافعكم ﴿جَمِيعًا﴾: تأكيدٌ ﴿مِنْهُ﴾: حالٌ، أي: سخّرها كائنةً منه، تعالى. ﴿إِنَّ في ذُلِكَ لَآيَاتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١٣ فيها فُيُؤمنون.
(١) تنزيل أي: منزَّل. ومبتدأ أي: تنزيل. ومن الله أي: حاصل من عنده وبأمره. وخبره: يعني أن الجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف. والعزيز:
الغلاب يذل لعزته ما عداه. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء.
(٢) السماوات: ما يحيط بالأرض من عوالم عُلوية. والمؤمن: من صدّق الله ورسوله. والخلق: الإيجاد من العدم. وما يدب أي: ما يتحرك أو يمشي. فلا
ضرورة لتقييده بالأرض، إذ قد يكون في الجو وغيره أيضًا. وفي الأصل: ((لآياتٌ)). والقوم: الجماعة من الناس. ويوقن: يزداد إيمانه طمأنينة. والاختلاف:
التباين في الصفات. وأنزل: أسقط. والسماء: السحاب. والرزق: ما يهيأ للمخلوق من حاجاته. وأحياها: خلق فيها الحياة والنشاط. وموت الأرض: فقدها
للنبات والماء. والرياح: جمع ريح. وهو الهواء المتحرك. ويعقل: يدرك بدقة فيستحكم علمه، ويخلص يقينه من كل تردد.
(٣) الحق: الصدق لاشك فيه. والحديث: ما يروى من الكلام. وحديثه أي: بعد حديث الله. ويؤمنون: يصدقون. ولا يؤمنون يعني: لن يصدقوا شيئًا من
الحق بعد تكذيبهم آياتِ الله. وبالتاء يريد القراءة (تُؤمِنُونَ)) بالخطاب، مناسبةً لقوله ((خلقكم)).
(٤) كلمة عذاب أي: دعاء بالتعذيب. والإثم: ما يستحق العقاب. ويسمعها: يدركها. وتتلى: تقرأ. ويصر: يستمر. وبشّره: هدده. وعلمه: أدركه.
واتخذها: جعلها. وفي ث والفتوحات والصاوي والمنحة: ((هُزُوًا)). وأمامهم: فيما سيكون في الآخرة. ويغني: يدفع. وكسب: جمع وتحمل. ومن دونه أي:
غيره. والأولياء: جمع ولي. وهو من يتولى أمور غيره وينصرهم. والعظيم: الضخم لا مثيل له. وهدى: هاد إلى الحق أبلغ الهداية. وكفر بالآيات: جحد أدلة
القرآن والكون والحياة. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. والرجز: أشد العذاب. فالمراد: موجع من
أفظع العذاب.
(٥) سخر: هيأ للانتفاع. والبحر: الماء المجتمع، كالنهر والبحيرة والمحيط. وتجري: تسير بسرعة. والفلك: واحدته فلك أيضًا. وبالتجارة أي: وغير
ذلك. والفضل: التفضل والإنعام. ولعلكم: ليكون منكم. وتشكر: تستحضر النعم في نفسك وتذكرها بالثناء على منعمها. وغيره أي: غير ما ذكر. وجميعًا:
مجموعة كلها. وتأكيد أي: توكيد لـ ((ما)) المكررة. انظر ((المفصل)). ومنه أي: من عنده وبأمره. وحال: يعني أن الجار والمجرور متعلقان بحال محذوفة عن
((ما)) المكررة أيضًا. وذلك أي: ما ذكر من التسخير. والقوم: الجماعة من النساء والرجال. ويتفكر: يتدبر ما يرى وما يسمع، ويستدل بهما على تمييز الحق
من الباطل. ويؤمنون أي: بالتوحيد والبعث.
سُورَةِ الْجَانِيَةِ
بِسْمِلَهِالرَّحْمِ الرَّحِيمِ
◌َتَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ؟ إِنَّ فِى السَّمَوَتِ
حمّ
وَالْأَرْضِ لَيَتِ لِّلْمُؤْمِنِينَ (٢) وَفِي خَلْفِكُمْ وَمَا يَبْثُ مِنْ دَآبَّةٍ مَايَتٌ
لِقَوْمِ بُوقِنُونَ ﴿ وَاخْتِلَفِ الَّْلِ وَالنَّارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ
مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَابِهِالْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَحِءَ أَتٌ لِّقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ (®ْ تِلْكَءَإِنَتُ اَللَّهِنَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَأَِّ حَدِيثٍ بَعْدَ
اللَّهِوَءَايَتِهِ يُؤْمِنُونَ (٢٦) وَيْلٌ لِكُلّ ◌َفَّاكٍ أَثٍِ ﴿٥ّا يَسْمَعُ ءَ ايَتِ
الَِّ تُغْلَى عَلَيْهِ ثُمَّيُصِرُ مُسْتَكْرًا كَنْ لَّْ ◌َسْمَعْهَا فَبَشِّرُ بِعَذَابٍ أَلِيم
﴿ وَ إِذَا عَلِمَ مِنْءَايَتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ
مِّن وَرَآبِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِ عَنْهُمْ مَّاكَسَبُواْ شَيْئًا
مُّهِينٌ
وَلَ مَا أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (جَ هَذَا
هُدَّىٌّ وَالَّذِينَ كَفَرُ وِْنَايَتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزِ أَلِيمٌ

٤٥ - سورة الجاثية
٥٠٠
الجزء الخامس والعشرون
سُورَةِ الجَانيَّةِ
قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُ واْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اَللَّهِ لِيَجْزِىَ
قَوْمَا بِمَا كَانُوايَكْسِبُونَ (٦) مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ،
وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّإِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٨) وَلَقَدْءَانَيْنَا
بَنِىّ إِسْرَّهِ يَلَ اَلْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَةَ وَرَزَقْنَهُمْ مِنَ الَطِّبَتِ
وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿ وَءَاتِيْنَهُمْ بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ
تَهُمَّ إِنَّ
فَمَا اخْتَلَفُوْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمُ
رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
تُرَجَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ
أَهْوَءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْعَنكَ مِنَ اللَّهِ
شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّقِينَ
◌َهَذَا بَصَّبِرُ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
◌َأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْالسَّيِّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ سَوَآءَ ◌َّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمَّسَآءَ
مَا يَحْكُمُونَ ﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ بِالْحَقِّ
وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (@)
١- ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا، يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرِجُونَ﴾: يخافون ﴿أيّامَ اللهِ﴾: وقائعَه، أي:
اغفِروا للكُفّار ما وقع منهم من الأذى لكم - وهذا قبل الأمر بجهادهم - ﴿لِيَجِيَ)
أي: الهُ، وفي قراءة بالنون، ﴿قَومًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ١٤ من الغَفر للكُفّار أذاهم.
﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فِلِنَفْسِهِ﴾ عَمِلَ، ﴿ومَن أساءَ فَعلَيها﴾ إساءتُه، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم
تُرجَعُونَ﴾ ١٥ : تَصيرون، فيُجازي المُصلح والمُسيء.
٢- ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسرائيلَ الكِتابَ﴾: التوراة ﴿والحُكمَ﴾ به بين الناس، ﴿وَالنَّبُوّةَ﴾
لمُوسَى وهارونَ منهم، ﴿ورَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الحلالات كالمنّ والسلوى،
﴿وَفَضَّلْنَاهُم عَلَى العالَمِينَ﴾ ١٦ أي: عالَمِي زمانهم العُقلاء، ﴿وآتيناهُم بَيِّناتٍ مِنَ
الأمرِ﴾ أي: أمر الدِّين، من الحلال والحرام وبعثة مُحمّد - عليه أفضل الصلاة
والسلام - ﴿فما اختَلَفُوا﴾ في بعثته ﴿إِلّا مِن بَعدِ ما جاءَهُمُ العِلمُ، بَغْيًا بَيْنَهُم﴾ أي:
البغي حدث بينهم حسدًا له. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقضِي بَيْنَهُم يَومَ القِيامةِ فِيما كانُوا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ﴾ ١٧ .
٣- ﴿ِثُمَّ جَعَلْناكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿عَلَى شَرِيعةٍ﴾: طريقة ﴿مِنَ الأمرِ﴾: أمر الدِّين.
﴿فاتَّبِعْها ولا تَتَبَعْ أهواءَ الَّذِينَ لا يَعلَمُونَ﴾ ١٨، في عبادة غير الله. ﴿إِنَّهُم لَن يُغْنُوا﴾:
يدفعوا ﴿عَنكَ مِنَ اللهِ﴾: من عذابه ﴿شَيئًا! وإنَّ الظّالِمِينَ﴾: الكافرين ﴿بَعضُهُم أَولِياءُ
بَعضٍ، واللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ﴾ ١٩: المؤمنين. ﴿هذا﴾ القُرآن ﴿بَصائرُ لِلنّاسِ﴾: مَعالمُ
يتبصّرون بها في الأحكام والحُدود، ﴿وهُدَى وَرَحْمَةٌ لِقَومٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢٠ بالبعث.
٤- ﴿أم﴾: بمعنى همزة الإنكار ﴿حَسِبَ الَّذِينَ اجتَرَحُوا﴾: اكتسبوا ﴿السَّيِّئَاتِ﴾: الكُفرَ والمعاصيَ ﴿أن نَجعَلَهُم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصّالِحَاتِ، سَواءٌ﴾: خبرٌ ﴿مَحياهُم ومَماتُهُم﴾؟ مبتدأ ومعطوف، والجملة بدل من الكاف، والضميران للكُفّار. المعنى: أحسبوا أن نجعلهم
في الآخرة في خير كالمُؤمنين؟ أي: في رغد من العيش مساوٍ لعيشهم في الدنيا، حيثُ قالوا للمؤمنين: لئن بُعثنا لَنُعطَيَنَّ من الخير مِثلَ ما تُعطَون.
قال تعالى على وَفق إنكاره بالهمزة: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ٢١! أي: ليس الأمر كذلك، فهم في الآخرة في العذاب على خِلاف عيشهم في الدنيا،
والمُؤمنون في الآخرة في الثواب بعملهم الصالحاتِ في الدنيا من الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك. وما: مصدريّة، أي: بئس حكمًا حكمُهم
هذا! ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ بِالحَقِّ﴾: مُتعلّق بـ ((خلق))، ليدلّ على قُدرته ووحدانيّته، ﴿ولِتُجزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ من المعاصي
والطاعات، فلا يُساوي الكافرُ المؤمنَ، ﴿وَهُم لا يُظلَّمُونَ﴾ ٢٢ .
(١) قل لهم أي: ((قل لهم: اغفروا)). ويغفر له: لا يقابله بالمثل. ويخاف: يتوقع ويتقي. والأيام: جمع يوم، أي: الوقت الذي تكون فيه الشدائد. و((هذا))
يعني أن الأمر بالغفران منسوخ بآيات الجهاد في أوائل سورة براءة ، وهو يقتضي أن الآية مكية خلافًا لما ذكر في مستهل تفسير السورة. انظر ((المفصل)).
ويجزي: يكافئ الصلاح والفساد. وبالنون يريد القراءة «لِنَجزِيَ)). وقومًا: جماعة المسيئين وجماعة الصابرين. ويكسبون: يعملونه. ومن الغفر أي: ومن الكفر
والعصيان والاعتداء. فذكر المتناقضين ضروري بدليل الآية التالية. وعمل: اكتسب. والصالح: ما يرضاه الله. وأساء: اكتسب الفساد. وإلى ربكم: إلى لقاء
حسابه. ويجازي أي: كلَّا بما يستحقه، كما ذكرنا في التعليق على الآية ١٤. وفيه بيان وتوكيد لما فيها، من بشارة وتهديد.
(٢) آتينا: منحنا. والحكم: القضاء. ورزقنا: هيأنا. والطيب: ما تستلذه النفس وفيه الخير. وفضلناه: خصصناه بالإكرام. والعالَم: مجموع الجنس من
الخلق. و((العقلاء)): انظر تعليقنا على تفسير الآية ٣٢ من سورة الدخان. والبينات: الأدلة الواضحة. واختلفوا: اختصموا فآمن بعضهم وكفر آخرون. و((في
بعثته)) التعميم أولى. يعني أن اختلافهم كان في أمور كثيرة، منها صدق رسالة النبي. وجاءهم: وصل إليهم. والعلم: الحقائق الثابتة. والبغي: الحسد لطلب
المكاسب.
(٣) روي أن رؤساء قريش قالوا للنبي: ((ارجع إلى دين آبائك. فإنهم كانوا أفضل منك وأسنّ))، فنزلت الآيات ١٨ - ٢٠. تفسير الآلوسي ٢٢٨:٢٥. وجعل:
صيّر. والشريعة: المنهاج الواضح يهدي إلى الحق. واتبعها: اعمل بها. والأهواء: جمع هوى، شهوة النفس. ولا يعلمون: ليس عندهم علم يقيني. والظالم:
من تجاوز الحق. والأولياء: جمع ولي. وهو من يتولى أمر غيره ويوجهه. والمتقي: من يتجنب سخط الله ويطلب رضاه. والبصائر: جمع بصيرة. والهدى:
المرشد إلى الحق. والرحمة: الراحم المشفق. ويوقن: يعتقد جازمًا .
(٤) حسب: ظن. ونجعل: نصيّر. وسواء أي: متساويان في التنعم والبهجة. ط: ((سواءً)). وخبر: يعني أن ((سواء)»: خبر للمبتدأ: محيا. و(بدل من الكاف))
أي: في محل نصب. والمحيا والممات: الحياة والموت. و((للكفار)) الصواب: للكفار والمؤمنين، والمعنى إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون مَحيًا، وأن
يستووا مَماتًا، كما سيذكر المحلي بعد قوله ((أحسبوا)). وساء: بلغ الغاية في القبح والفساد. ويحكمون: يزعمون. وخلق: أوجد من العدم. والسماء: ما
يحيط بالأرض من عُلويات. والحق: الأمر الثابت. وتجزى: تكافأ. والنفس: المخلوق المكلف. وكسبت: فعلت. ويظلم: يجار عليه.