Indexed OCR Text

Pages 381-400

الجزء التاسع عشر
٣٨١
٢٧ - سورة النمل
ساقيها وقدميها حِسانًا. ﴿قالَ﴾ لها: ﴿إِنَّهُ صَرِحٌ مُمَرَّدٌ﴾: مُملّس، ﴿مِن قَوارِيرَ﴾ أي:
زجاج. ودعاها إلى الإسلام. ﴿قالَتْ: رَبِّ، إنِّي ظَلَمتُ نَفسِي﴾ بعبادة غيرك،
﴿وأسلَمتُ﴾ كائنة ﴿مَعَ سُلَيمانَ لِلّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ٤٤. وأراد تزوّجها فكره شعر
ساقيها، فعملت له الشياطين النُّورة فأزالته بها، فتزوجها وأحبّها وأقرّها على مُلكها،
وكان يزورها في كلّ شهر مرّة، ويُقيم عندها ثلاثة أيام. وانقضى مُلكها بانقضاء مُلك
سُليمان. رُوي أنه ملك وهو ابن ثلاثَ عشْرةَ سنةً، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين
سنة. فسُبحان مَن لا انقضاء لدوام مُلکه.
١- ﴿وَلَقَد أرسَلْنا إلَى ثَمُودَ أخاهُم﴾ من القبيلة ﴿صالِحًا، أنِ﴾ أي: بأن ﴿اعْبُدُوا
اللهَ﴾: وحّدوه، ﴿فإذا هُم فَرِيقانِ يَختَصِمُونَ﴾ ٤٥ في الدِّين: فريق مؤمنون من حين
إرساله إليهم، وفريق كافرون. ﴿قالَ﴾ للمُكذّبين: ﴿يَا قَوم، لِمَ تَستَعجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبَلَ
الحَسَنةِ﴾ أي: بالعذاب قبل الرحمة، حيثُ قلتم: إن كان ما أتيتَنا به حقًّا فائِنا
بالعذاب؟ ﴿لَولا﴾: هلّ ﴿تَستَغْفِرُونَ اللهَ﴾ من الشِّرك، ﴿لَعَلَّكُمُ تُرْحَمُونَ﴾ ٤٦ فلا
تُعذَّبون. ﴿قَالُوا: الطَّيَّرْنا﴾ - أصله (تَطَيَّرنا)) أُدغمت التاء في الطاء واجتُلبت همزة
وصل - أي: تشاءمنا ﴿بِكَ وِبِمَن مَعَكَ﴾ أي: المؤمنين، حيثُ قُحطوا المطرَ
وجاعوا. ﴿قالَ: طائرُكُم﴾: شُؤمكم ﴿عِندَ اللهِ﴾ أتاكم به. ﴿بَل أَنْتُم قَومٌ
تُفْتَنُونَ﴾ ٤٧ : تختبرون بالخير والشرّ.
سُورَةِ التَّحْرُ
الجزء التَّاعُ عيَّة
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى تَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ فَإِذَا
هُمْ فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴿قَالَ يَقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ
بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَّةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ ﴿ قَالُواْ أَطَّيَّرْنَابِكَ وَبِمَن ◌َّعَكَّ قَالَ طَِرُكُمْ
عِندَ اللّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴿ وَكَانَ فِى الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ
◌َرَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ [®] قَالُواْ
تَقَاسَمُواْبِاللَّهِ لَتُبَسِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ، ثُمَّ لَنَقُولَنَّلَوَلِيْهِ، مَا شَهِدْنَا
مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِقُونَ (١) وَمَكَرُ واْ مَكْرًا
وَمَكَرْنَامَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ فَانْظُرْكَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَقَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْأَجْمَعِينَ
®َا فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوْا إِّ فِ ذَلِكَ
لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿ وَأَنَجَيْنَا الَّذِينَءَامَنُواْ
وَكَانُو ◌ْيَتَّقُونَ (*) وَلُوطَا إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ:
أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿ أَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ
◌ُقَوٌُّ تَجْهَلُونَ (٥٥)
الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُثَ
٢- ﴿وكانَ في المَدِينةِ﴾ مدينةِ ثمودَ ﴿تِسْعةُ رَهطٍ﴾ أي: رجالٍ، ﴿يُفسِدُونَ في
الأرضِ﴾ بالمعاصي، منها قرضهم الدنانيرَ والدراهم، ﴿ولا يُصلِحُونَ﴾ ٤٨ بالطاعة.
﴿قالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أي: احلِفوا ﴿بِاللهِ لَنْبَيْتَنَّهُ﴾ - بالنونِ، والتاءِ وضمّ التاء الثانية - ﴿وأهلَهُ﴾ أي: مَن آمن به أي
نقتلُهم ليلًا، (ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ - بالنونِ، والتاءِ وضمّ اللام الثانية - ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ أي: وليّ دمه: ﴿ما شَهِدْنا﴾: حضرنا ﴿مُهلَكَ أهلِهِ﴾، بضمِّ الميم
وفتحِها، أي: إهلاكَهم أو هلاكَهم. فلا ندري من قتلهم، ﴿وإنّا لَصادِقُونَ ٤٩. ومَكَرُوا﴾ في ذلك ﴿مَكْرًا، ومَكَرْنا مَكرًا﴾ أي: جازيناهم بتعجيل
عُقوبتهم، ﴿وَهُم لا يَشْعُرُونَ ٥٠. فانظُرْ: كَيفَ كانَ عاقِبَةُ مَكرِهِم؟ إنّا دَمَّرْناهُم﴾: أهلكناهم ﴿وقَومَهُم أجمَعِينَ﴾ ٥١، بصيحة جبريل، أو برمي
الملائكة بحِجارة يرونها ولا يرونهم - ﴿فِتِلكَ بُيُوتُهُم خاوِيةَ﴾: خالية، ونصبه على الحال والعامل فيها معنى الإِشارة، ﴿بِما ظَلَمُوا﴾: بظُلمهم
أي: كُفرهم. ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَةً﴾: العِبرةً، ﴿لِقَومٍ يَعلَمُونَ﴾ ٥٢ قُدرتنا فيتّعظون - ﴿وأنجَينا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بصالح، وهم أربعة آلاف، ﴿وكانُوا
يَتَّقُونَ﴾ ٥٣ الشِّرك.
٣- ﴿وَلُوطًا﴾: منصوب بـ ((اذكر)) مُقدّرًا قبله، ويُبدل منه: ﴿إِذ قالَ لِقَومِهِ: أتأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أي: اللِّواطَ، ﴿وأنتُم تُبصِرُونَ﴾ ٥٤ أي: يُبصر
(١) أرسلناه: بعثناه مكلفًا بالعمل والتبليغ. وثمود: القبيلة التي كان منها قوم النبي صالح، سميت باسم جدها الأول. وهي عاد الثانية من العرب العاربة،
أقدم الأمم التي عرفت لها آثار في التاريخ. وأخاهم أي: واحدًا منهم. وفريقان: جماعتان مختلفتان. ويختصمون: يتنازعون. وتستعجلون بها: تطلبون تعجيل
وقوعها تحديًا ومكابرة. وتستغفر: تطلب ستر الذنب وعدم المؤاخذة عليه، بالتوبة والتوحيد والطاعة. وترحمون: يَعطف عليكم الله بإحسانه وعفوه. وهمزة
وصل أي: همزة يتوصل بها إلى النطق بالساكن هو الطاء الأولى. وتسقط هنا لفظًا في درج الكلام. وتشاءمنا: أصابنا الشؤم والضرر والشِّدّة. وقحطوا المطر:
حبس عنهم ومنع. والطائر: العمل الذي يصدر عن الإنسان. وهو هنا شؤم لما فيه من الشرك والضلال. وعند الله أي: في علمه وحسابه. وبه: بما يترتب
عليه من الجزاء. والقوم: الجماعة من الناس رجالاً ونساء.
(٢) المدينة هي في الحجر، بوادي القرى بين المدينة والشام. والرهط: الرجال دون العشرة. ويفسد: يشيع الشر والضرر والجرائم باختيار وعزم. والأرض:
البلاد التي كانوا فيها وما حولها. وقرض الدنانير: قرض جوانبها الذهبية لتكون أنقص من قيمتها. ويصلح: يفعل الخير. ونبيته: نغدر به في وقت البيات،
أي: ليلًا. وبالتاء يريد القراءة ((لَتُبَيْتُنَّهُ)) بتاء الخطاب للجماعة. وفيه نون الرفع محذوفة لتوالي النونات، وواو الجماعة محذوفة أيضًا بعد التاء الثانية لالتقاء
الساكنين. وبضم اللام يريد القراءة (لَتَقُولُنَّ)) بالخطاب للجماعة أيضًا. وبفتح الميم يريد قراءتين ((مَهلَكَ))، فسّرهما بقوله: هلاكَهم. ومكروا: دبروا الغدر.
ولا يشعرون: لا يعلمون ما قدّرنا. وانظر: تأمل. والعاقبة: النهاية. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((أنّا)). و((أو برمي ... ولا يرونهم)) فيه تلفيق. انظر ((المفصل)).
والبيوت: جمع بيت أي: آثارها. ويعلمون: يدركون. وأنجيناهم: أنقذناهم من الدمار والهلاك. وقد رحلوا إلى حضرموت، ثم أقاموا مع أبناء عمهم مملكة
في اليمن، ونقلوا ذلك إلى مصر أيضًا في مملكة لهم قبل كثير من الفراعنة.
(٣) كان قوم لوط في سدوم وماحولها قرب حمص. وتأتون: تقترفون. والفاحشة: الشنيع من الذنوب والآثام. وبالوجهين يريد القراءات: (أِنَّكُم)) و((آإِنَّكُمْ))
و((آإِنَّكُم)). وتأتون الرجال: تستحلون الزنى في أدبارهم. والرجال: جمع رجل. والشهوة: ميل النفس إلى ما تريده. ودون أي: غير. والنساء أي: نكاح
فُروجهن كما أباح الشرع. والنساء: جمع نسوة. والنسوة: واحدته امرأة. وتجهلون: لا تعلمون ولا تتدبرون.

٢٧ - سورة النمل
٣٨٢
الجزء العشرون
سُورَةِ النَّملك
﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِ جُوْءَالَ
لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ ﴿ فَأَنَجَيْنَهُ
وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَهَا مِنَ الْغَبِينَ * وَأَمْطَرْنَا
عَلَيْهِمْ قَطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥) قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِوَسَلَمُ
عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىِّءَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَآءِ
مَآءَ فَأَنْجَتْنَابِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ
أَنْ تُنِتُواْ شَجَرَهَا أَِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(٥)
أَمَّنْ جَعَلَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لهَا
رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزَاْ أَلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ أَمَن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّإِذَا دَعَاهُ
وَيَكْشِفُ السُّوَءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الْأَرْضِّ أَعِلَهُ
مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ (٢) أَمَّنْ يَهْدِ يكُمْ فِ
ظُلُمَتِ الْبَرِّوَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَحَ بُشْرًابَيْنَ يَدَىْ
رَحْمَتِهٌِ أَِلَةٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَلَى اَللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ()
بعضكم بعضًا انهماكًا في المعصية؟ ﴿أإِنَّكُم﴾ - بتحقيقِ الهمزتين، وتسهيلِ
الثانية، وإدخالِ ألف بينهما على الوجهين - ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوةً، مِن دُونِ
النِّساءِ؟ بَل أنتُم قَومٌ تَجهَلُونَ﴾ ٥٥ عاقبة فِعلكم.
١ - ﴿فَما كانَ جَوابَ قَومِهِ إلّا أن قالُوا: أخرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾: أهلَه، ﴿مِن
قَرْيِتِكُم. إنَّهُم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ٥٦ من أدبار الرجال. ﴿فَأَنجَيناهُ وأهلَهُ إلّا امرأتَهُ،
قَدَّرْناها﴾: جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ ٥٧ الباقين في العذاب، ﴿وأمطَرْنا عَلَيهِم
مَطَرًا﴾، هو حجارة السِّجّيل أهلكتْهم، ﴿فساءَ﴾: بئس ﴿مَطَرُ المُنذَرِينَ﴾ ٥٨ بالعذاب
مطرُهم!
٢- ﴿قُلِ﴾ يا مُحمّد: ﴿الحَمدُ للهِ﴾ على هلاك كُفّار الأُمم الخالية، ﴿وَسَلامٌ عَلَى
عِبادِهِ الَّذِينَ اصطَفَا﴾ هم. ﴿اللّهُ﴾ - بتحقيقِ الهمزتين وإبدالِ الثانية ألفًا وتسهيلِها
وإدخالِ ألف بين المُسهّلة والأُخرى وتركِه - ﴿خَيرٌ﴾ لمن يعبده ﴿أم ما
يُشْرِكُونَ﴾ ٥٩، بالياء والتاء، أي: أهل مكّة به الآلهةَ، خير لعابديها؟
٣- ﴿أَم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، وأنزَلَ لَكُم مِنَ السَّماءِ ماءً فأنْبَتْنا﴾ - فيه
التفات من الغَيبة إلى التكلّم - ﴿بِهِ حَدائقَ﴾: جمع حديقة، وهو البستان المُحوّط،
﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾: حُسنٍ، ﴿ما كانَ لَكُم أن تُنِتُوا شَجَرَها﴾ لعدم قُدرتكم عليه؟ ﴿أَإِلَّهُ﴾
- بتحقيقِ الهمزتين، وتسهيلِ الثانية، وإدخالِ ألف بينهما على الوجهين، في مواضعه
السبعة - ﴿مَعَ اللهِ﴾ أعانه على ذلك؟ أي: ليس معه إلّه. ﴿بَل هُم قَومٌ يَعدِلُونَ﴾ ٦٠:
يُشركون بالله غيره. (أم مَن جَعَلَ الأرضَ قَرارًا﴾ أي: لا تميد بأهلها، ﴿وَجَعَلَ خِلالَها﴾ فيما بينها ﴿أنهارًا، وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾: جِبالا أثبتَ
بها الأرض، ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحرَينِ حاجِزًا﴾ بين العذب والملح، لا يختلط أحدهما بالآخر؟ ﴿أإِلَهٌ مَعَ اللهِ؟ بَل أكثَرُهُم لا يَعلَمُونَ﴾ ٦١ توحيده.
٤- ﴿أُم مَن يُجِيبُ المُضطَرَّ﴾: المكروب الذي مسّه الضُّرّ ﴿إذا دَعاهُ، ويَكشِفُ السُّوءَ﴾ عنه وعن غيره، ﴿وَيَجعَلُكُمْ خُلَفاءَ الأرضِ﴾ - الإضافةُ
بمعنى ((في)» - أي: يَخلُفُ كُلّ قرن القرنَ الذي قبله؟ ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ؟ قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾ ٦٢: تتّعظون. بالفَوقانيّة والتحتانيّة، وفيه إدغام التاء في
الذال، وما: زائدة لتقليل القليل. ﴿أُم مَن يَهدِيكُم﴾: يُرشدُكم إلى مقاصدكم، ﴿فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ والبَحرِ﴾، بالنجوم ليلًا وبعلامات الأرض
نهارًا، ﴿وَمَن يُرسِلُ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَي رَحْمتِهِ﴾ أي: قُدّامَ المطر؟ ﴿أَإلَهَ مَعَ اللهِ؟ تَعالَى اللهُ عَمّا يُشرِكُونَ﴾ ٦٣ به غيرَه!
(١) قالوا أي: بعضهم لبعض. وأخرجوهم: اطردوهم. والقرية هي مدينة سدوم. والأناس: الناس. ويتطهرون: يتنزهون عن اللِّواطة. وأنجيناه: أنقذناه.
وأهله: زوجتاه وبنتاه. وامرأته المذكورة هنا هي الكافرة. وأمطرنا: أنزلنا. والسجيل: الطين المحروق. وساء: بلغ النهاية في السوء والشر. والمنذر: المهدَّد
بالانتقام.
(٢) الحمد: الثناء بالجميل على الفضل. والسلام: التحية بدوام الخير. والعباد: جمع عبد. واصطفاهم: خصهم بتبليغ التوحيد والشرائع. وتسهيل الهمزة:
جعلها بين الهمزة والفتحة. وتركه: ترك إدخال الألف. وفي قول المحلي خطان. فهو يذكر أربعة أوجه: ((أأللهُ)) كما جاء في ط، و((الهُ)) كما أثبتنا، و((أَلُ))،
و ((الله)). والصحيح منها هو الثاني والثالث لأنهما قراءتان ثابتتان. أما الأول والرابع فلا أصل لهما في القراءات، لأنه قد أجمع القراء على عدم تحقيق همزة
الوصل في مثل هذا الموقع، وعلى عدم زيادة ألف بين المحققة والمسهلة هذه أيضًا. انظر ((المفصل)). وخير: أكثر نفعًا وأدومه. ويشركون: يجعلونه شريكًا
في الألوهية والتقديس والطاعة. وبالتاء يريد القراءة ((تُشرِكُونَ)) خطابًا للكافرين.
(٣) خلقها: أوجدها. والسماء: ماحول الأرض من عوالم عُلوية. وأنزل: أمطر. والسماء: السحاب. والماء: المطر وما يشبهه من البَرَد والثلج والندى.
وأنبت: أخرج. وذات أي: صاحبة. وما كان لكم: ليس بمقدوركم. والشجر: واحدته شجرة. والإله: المعبود بحق. و((السبعة)): الصواب: ((الخمسة))، كما
جاء في إحدى النسخ، لأن المواضع هي خمسة في الآيات ٦١-٦٤. ويريد هنا أربع قراءات: الأولى هي التي أثبتناها، و((أإِلَهُ) و((آإِلَّهُ)) و(«آإِلَّهُ)). وهم أي:
المشركون. ويعدلون: يُسوُّون به غيره في الألوهية. وجعل: صيّر. وقرارًا: مستقرة. والأرض: اليابسة من الكرة الأرضية. وجعل: خلق، في المواضع الثلاثة
الأخيرة. والخلال: جمع خَلَل. وهو المنفرج بين شيئين. والأنهار: جمع نهر. والرواسي: جمع الراسي. وهو ما استقر وكان مثبّتًا لغيره. والبحر: موضع
اجتماع الماء الكثير. والحاجز: ما فصل من أرض يابسة أو تنافر يمنع الامتزاج. انظر الآية ٥٣ من سورة الفرقان .
(٤) يجيبه: يستجيب له ويعينه. والمضطر: الإنسان يصيبه ضرر يحمله على الاستغاثة. ودعاه: تضرع إليه يطلب عونه. ويكشف: يزيل. والسوء: ما يحزن
ويؤلم. ويجعل: يصيّر. والإضافة بمعنى ((في)) أي: خلفاء في الأرض. والفوقانية: التاء. وبالتحتانية يريد القراءة ((يَذْكَّرُونَ)). والظَّلْمة: فقدُ النور. ويرسل:
يحرك. والرياح: جمع ريح. والنُّشُر: جمع نَشُور. وهي التي تثير السحاب. وفيما عدا الأصل وخ وع وط: ((بُشرًا)). والرحمة: العطف بالإحسان. وتعالى:
ترفع وتعاظم.

الجزء العشرون
٣٨٣
٢٧ - سورة النمل
١- ﴿أم مَن يَبدأُ الخَلقَ﴾ في الأرحام من نُطفة، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد الموت، وإن لم
تعترفوا بالإعادة لقيام البراهين عليها، ﴿ومَن يَرْزُقُكُم مِنَ السَّماءِ﴾ بالمطر،
﴿والأرضِ﴾ بالنبات؟ ﴿أإِلَهٌ مَعَ اللهِ﴾؟ أي: لا يفعل شيئًا ممّا ذُكر إلّ الله، ولا إله
معه. ﴿قُلْ﴾ يا مُحمّد: ﴿هاتُوا بُرهانَكُم﴾: حُجّتكم، ﴿إِن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٦٤ أن معي
إلّهًا فعل شيئًا ممّا ذُكر.
٢- وسألوه عن وقت قيام الساعة، فنزل: ﴿قُلْ: لا يَعلَمُ مَن فِي السَّماواتِ
والأرضِ﴾، من الملائكة والناس، ﴿الغَيبَ﴾ أي: ما غاب عنهم، ﴿إِلّ﴾: لكن
﴿الله﴾ يعلمه، ﴿وما يَشِعُرُونَ﴾ أي: الكُفّار كغيرهم: ﴿أيّانَ﴾: وقتَ ﴿يُبعَثُونَ ٦٥.
بَل﴾ بمعنى: هلٍ ﴿أدرَكَ﴾ - وزن ((أكرَمَ)). وفي قراءة أُخرى: ((ادّارَكَ)) بتشديد الدال
وأصله (تَدارَكَ)) أُبدلت التاء دالًا وأُدغمت في الدال واجتُلبت همزة الوصل - أي: بلغ
ولحق، أو تتابع وتلاحق ﴿عِلمُهُم في الآخِرَةِ﴾ أي: بها، حتّى سألوا عن وقت
مجيئها؟ ليس الأمر كذلك، ﴿بَل هُم في شَكٍّ مِنها، بَل هُم مِنها عَمُونَ﴾ ٦٦: من عَمَى
القلبِ، وهو أبلغ ممّا قبله. والأصل ((عَمِيُونَ)) استُثقلت الضمّة على الياء، فنُقلت إلى
الميم بعد حذف کسرتها .
سُورَة التَّلآ،
أَمَّن يَبْدَؤُأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ
أَعِلَهُ مَّعَاللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ
٦٤
قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلََّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُونَ
أَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿﴿ بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ اْآَخِرَةَّبَلْ هُمْ
فِ شَكٍ مِنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
أَءِذَا كُتَّا تُرَبًا وَءَابَاؤُنَا أَبِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦ لَقَدْ وُعِدْنَا
هَذَا نَحْنُ وَءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ (بَ
قُلْ سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُ واْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ
(٢) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِىِ ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنَّكُمْ صَدِقِينَ اجَقُلْ عَسَىّ
أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ (٦٢) وَإِنَّرَبَّكَ
لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّأَكْثَرَ هُمْ لَا يَشْكُرُونَ (﴾ وَإِنَّ
رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُ صُدُورُهُمْ وَمَايُعْلِنُونَ ﴿٨) وَمَا مِنْ غَلِبَةٍ
فِ السَّمَآءِ وَاُلْأَرْضِ إِلَّ فِي كِنَبٍ مُّبِينٍ ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ
يَقُصُ عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّ يلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
٣- ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيضًا، في إنكار البعث: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤنا، أَإِنّا
لَمُخْرَجُونَ﴾ ٦٧ من القبور؟ ﴿لَقَد وُعِدْنا هذا نَحنُ وآبَاؤُنا مِن قَبَلُ. إنْ﴾: ما ﴿هذا إلّا
أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ٦٨: جمع أُسطورة بالضمّ، أي: ما سُطر من الكذب. ﴿قُلْ: سِيرُوا
في الأرضِ، فانظُرُوا: كَيفَ كانَ عاقِبةُ المُجرِمِينَ﴾ ٦٩ بإنكارهم، وهي هلاكهم
بالعذاب؟ ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيهِم، ولا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ٧٠ - تسلية للنبيّ - أي: لا تهتمَّ بمكرهم عليك، فأنا ناصرُك عليهم.
٤- ﴿وَيَقُولُونَ: مَتَى هذا الوَعدُ﴾ بالعذاب، ﴿إِن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٧١ فيه؟ ﴿قُلْ: عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ﴾: قَرُبَ ﴿لَكُم بَعضُ الَّذِي
تَستَعَجِلُونَ﴾ ٧٢. فحصل لهم القتل ببدر، وباقي العذاب يأتيهم بعد الموت. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضلٍ عَلَى النّاسِ﴾، ومنه تأخير العذاب عن
الكُفّار، ﴿وَلُكِنَّ أكثَرَهُم لا يَشكُرُونَ﴾ ٧٣ - فالكُفّار لا يشكرون تأخير العذاب، لإنكارهم وقوعَه - ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُم﴾:
تُخفيه، ﴿وما يُعلِنُونَ﴾ ٧٤ بألسنتهم، ﴿وما مِن غائبةٍ، في السَّماءِ والأرضِ﴾ - الهاء: للمُبالغة - أي: شيءٍ في غاية الخفاء على الناس، ﴿إِلّ في
كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ٧٥: بَيِّن، هو اللوحُ المحفوظُ ومكنونُ عِلمه - تعالى - ومنه تعذيب الكُفّار.
٥- ﴿إِنَّ هذا القُرآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إسرائيلَ﴾، الموجودين في زمان نبيّنا، ﴿أكثَرَ الَّذِي هُم فِيهِ يَختَلِفُونَ﴾ ٧٦ أي: ببيانِ ما ذُكر على وجهین،
الرافعِ للاختلاف بينهم لو أخذوا به وأسلموا، ﴿وإِنَّهُ لَهُدَى﴾ من الضلالة، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ﴾ ٧٧ من العذاب. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقضِي بَيْنَهُم﴾
كغيرهم، يوم القيامة، ﴿بِحُكمِهِ﴾ أي: عدله، ﴿وَهْوَ العَزِيزُ﴾: الغالب، ﴿العَلِيمُ﴾ ٧٨ بما يحكم به. فلا يُمكن أحدًا مُخالفتُه، كما خالف الكُفّار
في الدنيا أنبياءه.
(١) يبدأ: ينشئ. والخلق: الناس. ويعيده: يبعثه حيًا. ويرزقكم: يخلق لكم. ومن السماء والأرض أي: من الأرزاق السماوية والأرضية. وقد كرر ((أإله مع
الله)) في الآيات ٦٠-٦٤، على سبيل التوكيد والتقرير، أنه لا إله إلّا هو تعالى. وهاتوا: قدموا لي. و((معي)) الصواب: ((مع الله)). وفي التلخيص: ((أن معه آلهة
وشركاء)). (٢) يعلمه: يحيط به. والغيب: ما لا يدركه الخلق. ويبعثون: يعودون إلى الحياة بعد الموت. وذكرُ الإدغام هنا شبيه بما في الآية ٤٧. و((بلغ
ولحق)) تفسير لقراءة: أدرك. و((تتابع وتلاحق)) تفسير لقراءة: ادّارك. والعلم: الدراية اليقينية. والشك: التحير. والعمون: جمع العمي. وهو الذي اختلت
بصيرته فلا يتدبر الدلائل كالبهائم. وفي هذا تنزيل لأحوال المشركين: وصفوا أولًا بفقد الشعور حين البعث، ثم بعدم الإيمان بيوم القيامة، ثم بالتخبط في
الشك والمراء، ثم بتعطيل البصائر والعقول. (٣) كنا: صرنا. والتراب: ما تفتت وانتثر. والآباء: جمع أب. ويطلق على الوالد ومن قبله من الجدود. وإنا
أي: نحن وآباءنا. والمخرج: المبعوث حيًا. ووعدنا هذا: أنذرنا بالبعث. ومن قبل: قبل مجيء محمد. والأولون: المتقدمون من المتنبئين. وانظروا:
تأملوا. والعاقبة: النتيجة. والمجرم: من يقترف الجرائم باختيار وعزم. وتحزن عليهم: تتألم لكفرهم. والضيق: الأمر الشاق. ويمكرون: يدبرون الحيل.
(٤) الوعد: وقت الوعيد. وتستعجله: تطلب تعجيله. والفضل: التفضل بالنعم. ولا يشكرون: لا يقومون بحق الثناء على المتفضل. ويعلمه: يحيط به.
والصدور: جمع صدر. والمراد القلب. والسماء والأرض: انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. ويعلن: يظهر. والهاء: تاء التأنيث. واللوح المحفوظ:
السجل فيه ما كان وما سيكون في الوجود من محتوم ومحتمل. والمكنون: ما لا يطلع عليه أحد من أم الكتاب. (٥) يقص: يبيّن. وبنو إسرائيل: أتباع
التوراة والإنجيل. انظر ((المفصل)). وما ذكر على وجهين: ما اختلفوا فيه بمذهبين أو أكثر. والهدى: المرشد إلى الحق. ورحمة: محسن ومنقذ. ويقضي:
يفصل. وبينهم: بين اليهود والنصارى. والعليم: المحيط بإتقان وحكمة بالغة . .

٢٧ - سورة النمل
٣٨٤
الجزء العشرون
سُورَةِ المَمْ
وَإِنَّهُ لَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٦) إِنَّ رَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم
فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ إِنَّكَ عَلَى
بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِزُ الْعَلِيمُ
الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴿٣َّ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْقَ وَلَا تُمِعُ الضُّ الدُّعَآءَ
إِذَا وَلَّوْأْ مُدْبِرِينَ ﴿ وَمَآأَنْتَ بِهَدِى الْعُمْىِ عَن ضَلَلَتِهِمْ إِن
تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَافَهُمْ مُسْلِمُونَ (٩)﴾ وَإِذَا
وَقَعَ الْقَوّلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ
النَّاسَ كَانُواْبِنَايَئِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨) وَيَوْمَ تَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ
فَوْجًا مِمَّن يُكَذِّبُ بِشَايَتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿٨) حَتَّ إِذَا جَاءُ و
قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِتَايَتِ وَلَمْ تُحِيطُواْبِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُمْتَعْمَلُونَ
﴿ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْفَهُمْ لَ يَنْطِقُونَ (٥ّ أَلَمْ
يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُوْفِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًاإِنَّ فِى
ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ (٢٦) وَيَوْمَ يُنفَعُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ
مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ إِلََّ مَن شَآءَ اللّهُ وَكُلُّ أَتَوَّهُ
دَاخِرِينَ ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَهُرُّمَنَّالسَّحَابِ
صُنْعَاللَّهِالَّذِىَ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ
١- ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾: ثقْ به. ﴿إِنَّكَ عَلَى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ٧٩ أي: الدِّين البَيِّن.
فالعاقبة لك بالنصر على الكُفّار. ثمّ ضربَ أمثالًا لهم بالموتى والصُّمّ والعُمي، فقال:
﴿إِنَّكَ لا تُسمِعُ المَوتَى، ولا تُسمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ، إذا﴾ - بتحقيقِ الهمزتين، وتسهيلِ
الثانية بينها وبين الياء - ﴿وَلَّوا مُدبِرِينَ ٨٠، وما أنتَ بِهِادِي العُميٍ عَن
ضَلالِتِهِم. إنْ﴾: ما ﴿تُسمِعُ﴾ سماعَ إفهام وقَبول ﴿إِلَّا مَن يُؤمِنُ بِآيَاتِنَا﴾:
الخِزَب
٣٩
القُرآن، ﴿فَهُم مُسلِمُونَ﴾ ٨١: مُخلصون بتوحيد الله.
٢- ﴿وإذا وَقَعَ القَولُ عَلَيهِم﴾: حقَّ العذابُ أن ينزل بهم، في جُملة الكُفّار،
﴿أخرَجْنا لَهُم دابَةً مِنَ الأرضِ، تُكَلِّمُهُم﴾ أي: تُكلّم الموجودين حين خُروجها
بالعربيّة، تقول لهم من جُملة كلامها عنّا: ﴿إِنَّ النّاسَ﴾ أي: كُفّار مكّة - وعلى قراءة
فتح همزة ((أنّ) تُقَدّر الباء بعد ((تكلّمهم)) - ﴿كانُوا بِآيَاتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ ٨٢ أي: لا
يُؤمنون بالقُرآن، المُشتمل على البعث والحِساب والعِقاب. وبخُروجها ينقطع الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يبقى منيب ولا تائب، ولا يُؤمن كافر كما أوحى
الله إلى نُوح: ((أنّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَومِكَ إلّا مَن قَد آمَنَ)).
٣- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿يَومَ نَحشُرُ مِن كُلِّ أُمّةٍ فَوجًا﴾: جماعة، ﴿مِمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ -
وهم رُؤساؤهم المتبوعون - ﴿فَهُم يُوزَعُونَ﴾ ٨٣ أي: يُجمعون بردّ آخرهم إلى أوّلهم
ثمّ يُساقون. ﴿حَتَّى إذا جاؤُوا﴾ مكانَ الحِساب ﴿قَالَ﴾ تعالى لهم: ﴿أَكَذَّبْتُم﴾ أنبيائي
﴿بِآيَاتِي، ولَم تُحِيطُوا﴾ من جهة تكذيبكم ﴿بِها عِلمًا؟ أمْ ما﴾ - فيه ((ما)) الاستفهاميّة
- ﴿ذا﴾: موصول أي: ما الذي ﴿كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ ٨٤ ممّا أُمرتم به؟ ﴿وَوَقَعَ القَولُ﴾:
حقَّ العذابُ ﴿عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا، ﴿فَهُم لا يَنطِقُونَ﴾ ٨٥ إذ لا حُجّة لهم. ﴿أَلَم يَرَوا أنّا جَعَلْنا﴾: خلقنا ﴿اللَّيلَ، لِيَسكُنُوا فِيهِ﴾
كغيرهم، ﴿وَالنَّهَارَ مُبصِرًا﴾ بمعنى: يُبصَرُ فيه ليتصرّفوا فيه؟ ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَاتٍ﴾: دلالاتٍ على قُدرته - تعالى - ﴿لِقَومٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٨٦: خُصّوا
بالذكر لانتفاعهم بها في الإيمان، بخِلاف الكافرين. ﴿وَيَومَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾: القرنِ النفخةَ الأُولى من إسرافيل، ﴿فَرِعَ مَن فِي السَّماواتِ ومَن
في الأرضِ﴾ أي: خافوا الخوف المُفضيَ إلى الموت، كما في آية أُخرى: ((فصَعِقَ)) - والتعبير فيه بالماضي لتحقّق وقوعه - ﴿إلّا مَن شاءَ اللهُ﴾
أي: جِبريلَ ومِيكائيل وإسرافيلَ ومَلَكَ الموت، وعن ابن عبّاس: هم الشُّهداء إذ هم «أحياءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ))، ﴿وَكُلِّ﴾ - تنوينه عوض عن
المُضاف إليه - أي: كلهم بعد إحيائهم يوم القيامة ﴿أتَوهُ﴾، بصيغة الفعل واسم الفاعل، ﴿داخِرِينَ﴾ ٨٧: صاغرين. والتعبير في الإتيان
بالماضي لتحقّق وقوعه.
٤- ﴿وَتَرَى الجِبالَ﴾: تُبصرها وقت النفخة، ﴿تَحسِبُها﴾: تظنّها ﴿جامِدةً﴾: واقفة مكانها لعِظمها، ﴿وهْيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾: المطرِ إذا ضربتْه
الريح، أي: تسيرُ سيرَهِ حتّى تقع على الأرض، فتستوي بها مبسوسة، ثمّ تصير كالعِهن، ثمّ تصير هباء منثورًا، (صُنْعَ اللهِ﴾ - مصدرٌ مُؤكِّد
لمضمون الجملة قبله، أُضيف إلى فاعله بعد حذف عامله - أي: صَنَعَ اللهُ ذلك صُنعًا، ﴿الَّذِي أتقَنَ﴾: أحكم ﴿كُلَّ شَيءٍ﴾ صنعه. ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما
يَفْعَلُونَ﴾ ٨٨، بالياء والتاء، أي: أعداؤه من المعصية وأولياؤه من الطاعة.
(١) الحق: الأمر الثابت. والموتى: جمع ميت. والصم: جمع أصم. وبالتسهيل يريد القراءة ((الدُّعاءَ إِذا)). وولوا: انصرفوا. والمدبر: من وجّه ظهره
للآخرين استهانة. والهادي: الصارف والمانع. وفي قرة العينين والمنحة والمطبوعات: ((بهاد)) تبعًا لرسم المصاحف. والعمي: جمع أعمى. وهو الذي فقد
البصيرة وأغلق قلبه دون كل توجيه. والضلالة: اتباع الباطل. ويؤمن بها: يصدّقها لأنه على استعداد وتقبل. (٢) وقع: وجب. والمراد قرب وقوع أشراط
الساعة. والقول: الوعيد بالعذاب. وأخرجنا: أظهرنا. والدابة: المخلوق يدِبّ ويتحرك. وما ذكره المحلي عنها هو مما اختلف القصاصون فيه اختلافًا يكذب
بعضه بعضًا. البحر والنهر الماد ٩٤:٧-٩٧. والناس: الكافرون عامة. فالمراد هم المخاطبون بكلامها ومن كان قبلهم من الكافرين. وكما أوحى أي: في
الآية ٣٦ من سورة هود. (٣) نحشرهم: نجمعهم للحساب. ويكذب بها: ينكرها. وهم: الفوج المحشور. والمتبوعون: الذين حملوا غيرهم على الكفر.
وجاؤوه: صاروا فيه. وآياتي: نصوص كتبي والأدلة المصدقة للأنبياء. ولم تحيطوا بها: لم تحاولوا فهم دلالاتها. وتعملون: تكتسبون. وحق: حصل فعلًا.
ويروا: يعلموا. ويسكن: يهدأ. وآية الصعق هي ذات الرقم ٦٨ من سورة الزمر. وشاء: أراد ألّا يميته حينذاك. و((جبريل ... الموت)) تفسير لـ ((مَن)). انظر
الآية ١٦٩ من سورة آل عمران. وباسم الفاعل يريد القراءة ((آتُوهُ)). (٤) الجبال: جمع جبل. ووقت النفخة: يعني ماجاء في أول الآية ٨٧. والظاهر أنّ المراد
بـ ((جامد)) هو واقع الحال في الحياة الدنيا. فالجبال الآن وفي كل لحظة تمر مر السحاب بدوران الأرض، وتبدو للناظرين دائمًا ثابتة. والدليل على أن
الخطاب لكل سامع أو قارئ ثابت بـ ((ترى وتحسب))، فهو لا يشعر بتحرك الجبال لأنه يسبح معها. انظر ((المفصل)). ولعظمها: يعني أن الأجسام العظيمة
المتحركة يظنها البصر ثابتة. وتمر: تنتقل. والسحاب: مفرده سحابة. العهن: الصوف. والهباء: الغبار يُرى خلال النور في المكان المظلم. والصنع: الخلق
البديع. والجملة المؤكَّد مضمونها ((هي تمر)). والخبير: العالم بظواهر الأمور وخفاياها. ويفعلون: يكتسبون. وبالتاء يريد القراءة «تَفعَلُونَ)).

الجزء العشرون
٣٨٥
٢٧ - سورة النمل
١- ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنةِ﴾ أي: ((لا إلّهَ إلّا اللهُ)) يوم القيامة ﴿فَلَهُ خَيرٌ﴾: ثوابٌ ﴿مِنها﴾
أي بسببها - وليس للتفضيل إذ لا فعل خير منها. وفي آية أُخرى «عَشرُ أمثالِها)) -
﴿وهُم﴾ أي: الجاؤون بها ﴿مِن فَزَعِ يَومِئذٍ﴾، بالإضافة وكسرِ الميم وفتحِها، و((فَزَعِ)»
منوّنًا وفتحِ الميم، ﴿آمِنُونَ ٨٩، ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي: الشِّرك ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُم فَي
النّارِ﴾ بأنَ وَلِيَتْها - وذُكرَتِ الوجوهُ لأنها موضع الشرف من الحواسّ، فغيرها من باب
أَولى - ويقال لهم تبكيًّا: ﴿هَل﴾ أي: ما ﴿تُجزَونَ إلّا﴾ جزاءَ ﴿ما كُنتُمْ تَعمَلُونَ﴾ ٩٠
من الشِّرك والمعاصي؟
٢- قل لهم: ﴿إِنَّمَا أُمِرتُ أن أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلدةِ﴾، أي: مكّةَ، ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ أي:
جعلها حَرَمًا آمنًا، لا يُسفك فيها دم إنسان ولا يُظلم فيها أحد، ولا يُصاد صيدها ولا
يُختلى خلاها - وذلك من النّعم على قُريش أهلِها، في رفع الله عن بلدهم العذابَ
والفتنَ الشائعة، في جميع بلاد العرب - ﴿وَلَهُ﴾ تعالى ﴿كُلِّ شَيءٍ﴾، فهو ربّه وخالقه
ومالكه، ﴿وَأُمِرتُ أن أكُونَ مِنَ المُسلِمِينَ﴾ ٩١ للهِ بتوحيده، ﴿وأن أتْلُوَ القُرآنَ﴾ عليكم
تِلاوة الدعوة إلى الإيمان. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له ﴿فإنَّما يَهتَدِي لِنَفْسِهِ﴾، أي: لأجلها لأنّ
ثواب اهتدائه له، ﴿ومَن ضَلَّ﴾ عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى ﴿فَقُلْ﴾ له: ﴿إِنَّما أنا
مِنَ المُنذِرِينَ﴾ ٩٢: المُخوِّفين، فليس عليَّ إلّ التبليغ. وهذا قبل الأمر بالقتال.
﴿وقُلِ: الحَمْدُ لِلّهِ. سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعرِفُونَها﴾. فأراهم الله يوم بدر القتلَ والسبيَ،
وضرْبَ الملائكةِ وُجوهَهم وأدبارَهم، وعجّلهم الله إلى النار. ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا
يَعْمَلُونَ﴾ ٩٣، بالياء والتاء، وإنّما يُمهلهم لوقتهم.
سُورَة المَمْلَ،
الجزء العشرون
مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ، خَيٌِّ مِنْهَ وَهُمْ مِّنْ فَزَعْ يَوْمَيِذٍ،َامِنُونَ
وَمَن جَاءَ بِالسَّيَِّةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ
إِلَّا مَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ إِنَّمَا أُمِّرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ
الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ﴿ وَ أَنْ أَتْلُواْ الْقُرْءَانٌ فَمَنِ أَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهَدِى
لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ [٦] وَقُلِل ◌ْحَمْدُ
لِلَّهِسَيُرِكُمْ ءَايَئِهِ، فَتَعْرِفُونَهَا وَمَارَبِّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
سُورَةُ القَصَصِ
طسّمّ ﴿أَتِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِتَبِ الْمُبِينِ جْ نَتْلُواْ عَلَيْكَ
مِن تَّبَإٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ ( إِنَّ
فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ
طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَخِىءِنِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كانَ
مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿ وَثُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ
فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ
سورة القَصَص
٣- مكية إلّا ((إنّ الذي فرض)) الآيةَ نزلت بالجُحْفة، وإلّا ((الذين آتيناهم الكتاب)) إلى ((لا نبتغي الجاهلين))، وهي سبع أو ثمان وثمانون آية .
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَبَةِ
٤ - ﴿طِسّمَ﴾ ١ الله أعلم بمُراده بذلك. ﴿تِلكَ﴾ أي: هذه الآيات ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ - الإضافة بمعنى: مِن - ﴿المُبِينِ﴾ ٢: المُظهرِ الحقَّ من
الباطل، ﴿نَتَلُو﴾: نقصّ ﴿عَلَيكَ مِن نَأٍ﴾: خبرِ ﴿مُوسَى وَفِرِعَونَ بِالحَقِّ﴾: الصِّدقِ، ﴿لِقَومِ يُؤمِنُونَ﴾ ٣: لأجلهم لأنهم المُنتفعون به. ﴿إِنَّ
فِرِعَونَ عَلَا﴾: تكبِّرَ ﴿في الأرضِ﴾ أرض مِصرَ، ﴿وَجَعَلَ أهلَها شِيَعًا﴾: فِرِقًا في خِدمته، (يَستَضعِفُ طائفةً مِنْهُم﴾ هم بنو إسرائيل، ﴿يُذَبِّحُ
أبناءَهُم﴾ المولودين، ﴿وَيَستَحِي نِساءَهُم﴾: يستبقيهنّ أحياء، لقول بعض الكهنة له: إنّ مولودًا يُولد في بني إسرائيل يكون سببَ ذهاب مُلكك.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفسِدِينَ﴾ ٤ بالقتل وغيره.
٥- ﴿وَنُرِيدُ أن نَمُنَّ علَى الَّذِينَ استُضعِفُوا في الأرضِ، ونَجعَلَهُم أئمّةَ﴾، بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء: يُقتدى بهم في الخير، ﴿ونَجعَلَهُمُ
(١) جاء بها: أتى مصاحبًا لها. والحسنة: العمل الصالح. وعبارة التوحيد أصلح الأعمال. وآية يعني: الآية ١٦٠ من سورة الأنعام. والفزع: الخوف
والرهبة. ويومئذ أي: يوم إذْ جاؤوا بالحسنة. والمراد قراءات ثلاث: التي أثبتناها، و((فَزَع يَومَئذٍ))، و((فَزَع يَومَئذٍ)). والآمن: المطمئن. والسيئة: العمل القبيح.
والشرك أقبح العمل. وكبت: ألقيت. والوجوه: جمع وجه. وباب أولى أي: إذا كان الوجه قد عذب فَغَير الوجه أحق بذلك. وتجزون: تعاقبون. وتعملون:
تقترفونه بنية أو قول أو فعل. (٢) أمرت: فُرض عليّ. وأعبد: أقدس وأطيع. ولا يختلى خلاها أي: لا يقطع حشيشها. وأكون: أبقى. وأتلو: أقرأ. واهتدى:
استرشد واستجاب. والثواب: المكافأة بالخير. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((فإن ثواب اهتدائه)). والمخوِّف أي: بعذاب الله. وهذا: يعني أن الموادعة
نسختها آيات القتال في أوائل سورة التوبة. والحمد: الثناء الجميل على الفضل. ويريكم: يبصّركم عيانًا. والآيات: الوقائع الدالة على صدق التوحيد
والتهديد. وتعرفونها: تُضطرون إلى الإقرار بصدقها. والغافل: الساهي يهمل مايكون. ويعملون: يكتسبونه من نية أو قول أو فعل. وبالتاء يريد القراءة
:(تَعمَلُونَ)). (٣) الجُحفة: قرية على طريق مكة من المدينة. والآية المذكورة - وهي ذات الرقم ٨٥ - نزلت في طريق الهجرة، فليست مكية ولا مدنية.
والآيات المستثناة بعدُ مدنيةٌ، وهي ذوات الأرقام ٥٢-٥٥. (٤) الكتاب: القرآن الكريم. وبمعنى من: يعني أن التقدير: آيات من الكتاب. ونقص: نقرؤها
على لسان جبريل. وفرعون: ملك مصر في عهد موسى. ويؤمنون: مستعدون لتصديق أن ما نزل إليك هو الحق. وفي الأصل: ((لقوم يوقنون)). وتكبر: تعالى
على الخلق وادعى الألوهية. وجعل: صيّر. وأهلها: المقيمون فيها. والشيع: جمع شيعة. وهي الجماعة. ويستضعفها: يستذلها. والطائفة: الفرقة. وبنو
إسرائيل كانوا في مصر منذ مجيء يعقوب إليها، سلّط عليهم فرعون جنوده والقبط. والأبناء: جمع ابن. وهو المولود الذكر. والنساء: واحدته امرأة، يبقيهن
للخدمة والإذلال والفجور. والمفسد: الراسخ في إشاعة الشر باختيار وعزم. (٥) نريد أي: شئنا. ونمنّ: نتفضل. ونجعل: نصيّر. والأئمة: جمع إمام.
وبإبدال الثانية يريد القراءة ((أَبِمّةً)). والوارث: من يمتلك الشيء ويتصرف فيه. ونمكن لهم: نجعل لهم مكانًا يحكمونه. ونريه: نبصّره عيانًا. وهامان: وزير
فرعون. والتحتانية: الياء. والأسماء الثلاثة أي: تكون القراءة (ويَرَى فِرِعَونُ وهامانُ وَجُنُودُهُما)).

٢٨ - سورة القصص
٣٨٦
الجزء العشرون
سُورَة القَصَصْ
وَثُمَكِّنَ لَهُمْفِ الْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا
مِنْهُم مَّا كَانُواأَيَحْذَرُونَ (٦) وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّمُوسَىّ
أَنْ أَرْضِعِيَةِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِىِ
وَلَا تَحْزَبِ إِنَّا رَآتُوهُ إِلَيْكٍ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ!
فَالْنَقَطَهُ:ءَالُّ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنَا إِنَّ
فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَ هُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ ﴾
وَقَالَتِ أمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنِ لِ وَلَكَّ لَا نَقْتُلُوهُ عَسَى
أَنْ يَنفَعَنَا أَوْنَتَّخِذَهُ، وَلَدَّاوَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ وَأَصْبَحَ
فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَرِغًا إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلَا أَنْ
رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَالِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَقَالَتْ
لِأُخْتِهِ، قُصِيَةٍ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
** وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدْتُّكُ
عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ،لَكُمْ وَهُمْ لَّهُ نَصِحُونَ
فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، كَىْ نَقَرَّعَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ
أَنَ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
الوارِثِينَ﴾ ٥ مُلكَ فِرعَون، ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُم في الأرضِ﴾ أرض مصرَ والشام، ﴿ونُرِيَ
فِرِعَونَ وهامانَ وجُنُودَهُما﴾ - وفي قراءة: (ويَرَى)) بفتح التحتانيّةِ والراءِ ورفع الأسماء
الثلاثة - ﴿مِنْهُم ما كانُوا يَحذَرُونَ﴾ ٦: يخافون، من المولود الذي يَذهب مُلكهم على
يده .
١ - ﴿وأوحَينا﴾ وحِيَ إلهام أو منام ﴿إِلَى أَمِّ مُوسَى﴾ - وهو المولود المذكور، ولم
يشعر بولادته غيرُ أُخته - ﴿أَنْ أرضِعِيهِ، فإذا خِفْتِ علَيهِ فألقِيهِ في اليَمِّ﴾: البحر أي:
النيل، ﴿وَلا تَخافِ﴾ غرقه، ﴿ولا تَحزَنِي﴾ لفِراقه. ﴿إِنّا رادُوهُ إلَيكِ، وجاعِلُوهُ مِنَ
المُرسَلِينَ﴾ ٧. فأرضعته ثلاثة أشهر لا يبكي، وخافت عليه فوضعته في تابوت مطليّ
بالقار من داخلِ، مُمهّدٍ له فيه، وأغلقته وألقته في بحر النِّيل ليلًا، ﴿فالتَقَطَّهُ﴾ بالتابوت
صبيحةَ الليل (آلُ﴾: أعوانُ ﴿فِرعَونَ﴾، فوضعوه بین یدیه، وفُتح وُخرج موسی منه،
وهو يَمَصُّ من إبهامه لبنًا، ﴿لِيَكُونَ لَهُم﴾ في عاقبة الأمر ﴿عَدُوًّا﴾ يقتل
رجالهم، ﴿وَحَزَنًا﴾ يستعبد نساءهم. وفي قراءة بضمّ الحاء وسكون الزاي:
نصف
الخزب
٣٩
لغتانِ في المصدر. وهو هنا بمعنى اسم الفاعل من: حَزَنه كأحزنه. ﴿إِنَّ
فِرِعَونَ وهامانَ﴾: وزيرَه ﴿وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ ٨ - من الخطيئة - أي عاصین،
فعُوقبوا على يده.
٢- ﴿وقالَتِ امرأةُ فِرِعَونَ﴾، وقد همّ مع أعوانه بقتله: هو ﴿قُرّةُ عَينٍ لِي وَلَكَ. لا
تَقْتُلُوهُ، عَسَى أَن يَنفَعَنا أو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. فأطاعوها، ﴿وهُم لا يَشْعُرُونَ﴾ ٩ بعاقبة أمرهم معه. ﴿وأصبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾، لمّا علَمت بالتقاطه،
﴿فارِغًا﴾ ممّا سواه، ﴿إِنْ﴾ - مُخفّفَةٌ من الثقيلة واسمها محذوف - أي: إنّها ﴿كادَتْ لَتُبدِي بِهِ﴾ أي: بأنه ابنها، ﴿لَولا أن رَبَطْنا علَى قَلِها﴾
بالصبر أي: سكّنّاه، ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ﴾ ١٠: المُصدّقين بوعد الله. وجواب ((لولا)) محذوف دلّ عليه ما قبلها. ﴿وقالَت لِأُختِهِ﴾ مريمَ:
﴿ قُصِّيهِ﴾: اتبعي أثره، حتّى تعلمي خبره. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾: أبصرتْه، ﴿عَن جُنُبٍ﴾: من مكان بعيد اختلاسًا، ﴿وَهُم لا يَشْعُرُونَ﴾ ١١ أنها أُخته
وأنها ترقبه، ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيهِ المَراضِعَ مِن قَبلُ﴾ أي: قبلِ ردّه إلى أُمّه، أي: منعناه من قَبول ثدي مُرضعةٍ غيرِ أُمّه، فلم يقبل ثدي واحدة من
المراضع المُحضَرة، ﴿فقالَتْ﴾ أُخته: ﴿هَل أدُلَّكُم عَلَى أَهلِ بَيْتٍ﴾، لمّا رأت حنوّهم عليه، ﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُم﴾ بالإرضاع وغيره، ﴿وَهُم لَهُ
ناصِحُونَ﴾ ١٢؟ وفسّرتْ ضمير ((له)) بالمَلِك جوابًا لهم، فَأَجِيبَتْ فجاءت بأَمّه فَقَبِلَ ثديها، وأجابتهم عن قبوله بأنها طيّبة الريح طيّبة اللبن، فأذن
لها بإرضاعه في بيتها فرجعت به، كما قال تعالى: ﴿فَرَدَدْناهُ إِلَى أُمِّهِ کَي تَقَرَّ عَينُها﴾ بلقائه، ﴿ولا تَحزَنَ﴾ حينئذ، ﴿ولِتَعلَمَ أنَّ وَعدَ اللهِ﴾ بردِّه إليها
﴿حَقٌّ، ولَكِنَّ أكثَرَهُم﴾ أي: الناسِ ﴿لا يَعلَمُونَ﴾ ١٣ بهذا الوعد، ولا بأنّ هذه أُخته وهذه أُمّه. فمكث عندها إلى أن فطمتْه، وأُجريَ عليها
أُجِرتُها لكُلّ يوم دِينار، وأخذتها لأنها مال حربيّ، فأتت به فِرعون فتربّى عِنده، كما قال تعالى حكاية عنه في سورة الشعراء: ((أَلَم نُرَبِّكَ فِينا
وَلِيدًا، ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ))؟
(١) أوحينا: ألقينا في قلبها. وأرضعيه: ألقميه ثديك ليرضع. وخفت أي: أن يذبحه جنود فرعون. وألقيه: ضعيه. وتحزني: تغتمي وتتألمي. ورادوه:
سنرجعه لترضعيه وتربيه. وجاعلوه: مصيّروه. والمرسل: الرسول. والقار: الزفت. وتفصيلات قصة موسى في التفسير هنا ليس لها مصدر موثق، وهي من
الإسرائيليات. فلا يلتفت إليها. والتقطه: أخذه من الماء بسرعة. ويكون: يصير. وعاقبة الأمر: نتيجته. والعدو: المعادي. وقتل الرجال كان بالغرق وسببه
موسى. والحزن: المسبب للحزن. وبسكونها يريد القراءة ((وحُزْنًا)). والخاطئ: المذنب عمدًا.
(٢) امرأة فرعون هذه اسمها آسية، وكانت من خير النساء وقد آمنت بعدُ. والقرة: ما يُطمأن به ويكون به الهدوء، كناية عن سرور النفس واطمئنانها. وينفع:
يسبب الخير. ونتخذه ولدًا: نجعله ابنًا لنا. ولا يشعرون: لا يعلمون. وأصبح: صار. والفؤاد: القلب. وفارغًا أي: طاش لبها وتفرغ. وكادت: قاربت.
وتبدي: تصرّح. وتكون: تصير. ومريم هذه غير أم عيسى. ولا يشعر: لا يحس. والمراضع: جمع مُرضِع. والمحضرة: التي أُحضِرتْ لإرضاعه. وأدلكم:
أرشدكم. وأهل بيت: أسرة. ويكفلونه: يتعهدون برعايته. والناصح: المشفق يخلص عمله من كل فساد. وأجيبت: أجيب سؤالها بالموافقة، وأذنوا لها أن
تأتي بمرضعة. وقبوله: قبول موسى ثديها. وأذن: سُمح. ورددناه: أرجعناه كما وعدْنا. وتقر: تهدأ وتستقر. انظر الآية ٩. ولقائه: وصوله إليها وتربيتها له في
بيتها. ولا تحزن: يزول عنها الغم والاضطراب. وتعلم: تدرك بالمشاهدة والواقع. والوعد: التعهد بما يَسرّ. وحق: صدق واقع لامحالة. ولا يعلمون:
يجهلون ولا يدركون .. وبهذا الوعد أي: وبوجوب تحققه لأنه مما قضى به الله. وأجري عليها: جُعل لها ما يستمر مدة الإرضاع. وحربي: محارب لأن فرعون
وأعوانه كانوا أعداء لبني إسرائيل. والشعراء: يعني الآية ١٨ من تلك السورة.

الجزء العشرون
٣٨٧
٢٨ - سورة القَصص
١- ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ - وهو ثلاثون سنةً، أو وثلاثٌ - ﴿واستَوَى﴾: بلغ أربعين
سنة، ﴿آتَيناهُ حُكمًا﴾: حِكمة ﴿وعِلمًا﴾: فِقِهًا في الدِّين، قبل أن يُبعث نبيًّا -
﴿وَكَذْلِكَ﴾: كما جزيناه ﴿نَجِزِي المُحسِنِينَ﴾ ١٤ لأنفُسهم - ﴿ودَخَلَ﴾ مُوسَى
﴿المَدِينَةَ﴾ مدينة فِرعون - وهي مَنْفُ - بعد أن غاب عنه مُدّة، ﴿عَلَى حِينٍ غَفْلةٍ مِن
أهلِها﴾: وقتَ القيلولة، ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَینِ يَقتَتِلانِ: هذا مِن شِیعتِهِ﴾ أي : إسرائيليّ،
﴿ولهذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أي: قِبطيّ يُسخّر الإسرائيليَّ، ليحمل حطبًا إلى مطبخ فرعون،
﴿فاستغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعتِهِ عَلَى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾، فقال له مُوسَى: خلِّ سبيله. فقيل:
إنه قال لمُوسَى: لقد هممتُ أن أحمله عليك. ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أي: ضربه بجُمع كفّه،
وكان شديد القوة والبطش، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: قتله، ولم يكن قَصَدَ قتله، ودفنه في
الرمل .
٢- ﴿قَالَ: لهذا﴾ أي: قتلُه ﴿مِن عَمَلِ الشَّيطانِ﴾ المُهيّج غضبي. ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾ لابن آدمَ
﴿مُضِلِّ﴾ له، ﴿مُبِينٌ﴾ ١٥: بيّن الإضلال. ﴿قَالَ﴾ نادمًا: ﴿رَبِّ، إنِّي ظَلَمتُ نَفْسِي﴾
بقتله. ﴿فاغفِرْ لِي. فَغَفَرَ لَهُ. إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١٦ أي: المُتّصف بهما أزلًا
وأبدًا. ﴿قَالَ: رَبِّ - بِما أنعَمتَ﴾: بحقّ إنعامك ﴿عَلَيَّ﴾ بالمغفرة اعصِمْني - ﴿فَلَنْ
أكُونَ ظَهِيرًا﴾: عونًا ﴿لِلمُجرِمِينَ﴾ ١٧ : الكافرين بعد هذا، إن عصمتني.
سُورَة الْقَصَص
الجرة الخصر ◌َّ
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَأُسْتَوَىّ ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمَأَ وَكَذَلِكَ نَجْرِى
اَلْمُحْسِنِينَ ﴿﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا
فَوَجَدَ فِيَهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوٌِّ
فَاسْتَغَثَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ، عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ مُوسَى
فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ عَدُوٌّمُضِلٌ مُبِينٌ
قَالَ رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِ فَغَفَرَلَهُ إِنَّهُ هُوَ
١٥
اُلْغَفُورُ الرَّحِمُ : قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُنَ
ظَهِيْرًالِلْمُجْرِمِنَ ﴿ فَأَصْبَحَ فِ الْمَدِينَةِ خَِفًا يَتَرَقَبُ فَإِذَا
الَّذِى أَسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ. قَالَ لَهُ مُوسَىَ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ
◌ُّبِينٌ ﴿فَلَّا أَنْ أَرَادَأَنْ يَبْطِشَ بِلَّذِى هُوَ عَدُوٌ لَّهُمَا قَالَ
يَمُوسَى أَثْرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسَا بِالْأَمَسِّإِن تُرِيدُ إِلَّ
أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَاتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١)
وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ
يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ إِى لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ
◌َ مِنْهَا خَبِفًا يَتَرَقَّبُّ قَالَ رَبِّ ◌َحِى مِنَ الْقَوْمِ الِّينَ
٣- ﴿فَأصبَحَ فِي المَدِينةِ خائفًا، يَتَرَقَّبُ﴾: ينتظر ما يناله من جهة القتيل، ﴿فإذا الَّذِي
اسْتَنصَرَهُ بِالأمسِ يَستَصرِخُهُ﴾: يستغيث به على قِبطيّ آخَر. ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى: إنَّكَ لَغَوِيٌّ
مُبِينٌ﴾ ١٨: بيّن الغَواية لِما فعلتَه أمسِ واليومَ. ﴿فَلَمّا أنْ﴾: زائدةٌ ﴿أرادَ أنْ يَبطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ، لَهُما﴾: لمُوسَى والمُستغيثِ به، ﴿قالَ﴾
المستغيثُ، ظانًّا أنه يبطش به لِما قال له ((إنك لغويّ مبين)): ﴿يا مُوسَى، أتُرِيدُ أن تَقتُلَنِي كَما قَتَلتَ نَفْسًا بِالأمسِ؟ إنْ﴾: ما ﴿تُرِيدُ إلّا أن تَكُونَ
جَبّارًا في الأرضِ، وما تُرِيدُ أن تَكُونَ مِنَ المُصلِحِينَ﴾ ١٩. فسمع القِبطيُّ ذلك فعلم أنّ القاتل مُوسَى، فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك، فأمر
فرعون الذبّاحين بقتل موسى، فأخذوا في الطريق إليه.
٤- ﴿وجاءَ رَجُلٌ﴾، هو مؤمن آل فِرِعونَ، ﴿مِن أقصَى المَدِينةِ﴾: آخِرِها، ﴿يَسعَى﴾: يُسرع في مشيه من طريق أقرب من طريقهم، ﴿قالَ: یا
مُوسَى، إنَّ المَلَأَ﴾ من قوم فرعون ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾: يتشاورون فيك ﴿لِيَقتُلُوكَ. فاخرُجْ﴾ من المدينة. ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ ٢٠ في الأمر
بالخُروج. ﴿فَخَرَجَ مِنها خائفًا، يَتَرَقَّبُ﴾ لُحوقَ طالبٍ، أو غوثَ اللهِ إيّاه، ﴿قَالَ: رَبِّ، نَجِّنِي مِنَ القَومِ الظّالِمِينَ﴾ ٢١ قوم فِرعون.
(١) بلغه: صار فيه. والأشد: جمع شِدّة. وأو وثلاث أي: أو هو ثلاثون سنة وثلاث. والظاهر أن الأشد هنا: ما قبل الثلاثين. واستوى: استحكم بنيانه
وعقله. والمراد هنا بلوغ الثلاثين. وقوله ((أربعين سنة)) مخالف لما ذكره في تفسير الآيتين ٤٠ من سورة طه و١٨ من سورة الشعراء، من أن موسى كان في
الأربعين عندما كُلّف بالرسالة. وآتيناه: ألهمناه. والحكمة: الإتقان للقول والعمل. ونجزي: نكافئ. والمحسن: الذي يعمل الخير بنية خالصة وصلاح.
ومنف: كانت تتصل بمدينة مصر، وآثارها قريبة من الفسطاط وعين شمس. والغفلة: الانصراف إلى لهو أو راحة. ووجد: لقي. ويقتتلان: يختصمان
ويحتربان. وهذا أي: أحدهما. والشيعة: الجماعة يتشايعون على جنس. وإسرائيلي أي: من ذرية أبناء يعقوب. وهذا أي: الآخر. ويسخّره: يستخدمه دون
أجر. واستغاثه: طلب منه العون. وخل سبيله: اتركه ولا تكلفه ما لا يريد. وجُمع الكف: الكف المجموعة أصابعها إلى باطنها. ولم يكن يقصد أي: كان
القتل خطأ عن غير عمد. لأن الوكزة لاتقتل غالبًا، ويراد بها دفع الظلم. انظر الحديث ٢٩٠٥ في مسلم.
(٢) عمله أي: هو مسببه والدافع إليه. فهو شر وفساد. والشيطان: جنّ يغري بالفساد. والمضل: المسبب لمخالفة الحق. ورب أي: ياربي. وظلمتها:
سببت لها الذنب. واغفر لي: استر مافعلت ولا تؤاخذني. والغفور: الكثير الستر للذنوب والتجاوز عنها. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان. وبهما: بالمغفرة
والرحمة. وأنعمت: تفضلت. وأكون: أصير. والعون: المعاون المناصر.
(٣) أصبح: صار. والمدينة هي مَنفُ. والخائف: الفزع يتوقع الشر. واستنصره: طلب منه العون. والأمس: اليوم الماضي. والغوي: الكثير الشر والضرر.
وفي المنحة والمطبوعات: ((بالأمس واليوم)). والمراد بزيادة ((أن)) أنها تفيد التوكيد. وأراد: قصد. ويبطش به أي: يأخذه بالعنف ويقسو عليه بقوة. وأنه: أنّ
موسى. ولما قال له أي: لأنه قال له. وسقط ((إنك لغويّ مبين)) مما عدا خ. والنفس: الإنسان. والجبار: المتعاظم لا ينظر في العواقب. والمصلح: من يعمل
الخير ويدعو الناس إليه.
(٤) جاء: أتى إلى موسى. ومؤمن آل فرعون: مَن ذكر في الآية ٢٨ من سورة غافر. والملأ: السادة الذين يملؤون العيون مهابة والمجالس بأجسامهم.
واخرج منها: غادرها مهاجرًا إلى مكان آخر. والناصح: المشفق يرشد إلى مافيه الصلاح والخير. ويترقب: ينتظر ويتوقع. والغوث: العون والإنقاذ. ونجِّ:
خلّص واحفظ. والقوم: الجماعة من الناس. والظالم: من يتجاوز حد الحق فيطغى ويجرم.

٢٨ - سورة القَصص
٣٨٨
الجزء العشرون
سُورَةِ القَصَص
وَلَمَّاتَوَجَّهِ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّ أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَآءَ
السَّبِيلِ ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةًمِّنے
النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أَمْرَأَتَيْنِ تَذُودَاتٍ
قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا
شَيْخُ كَبِيرٌ (®افَسَقَى لَهُمَا ثُمَّتَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ
رَبِّ إِنِ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيْرٌ ﴿ فَتَهُإِحْدَمُهُمَا
تَمْشِى عَلَى أَسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِ يَدْعُوَ لِيَجْزِيَكَ
أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّاجَاءَهُ, وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ
لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ قَالَتْ إِحْدَنهُمَا
يَأَبَتِ اُسْتَشْجِرَةٌ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ
﴿َا قَالَ إِّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ هَلَيْنِ عَلَى أَن
تَأْجُرَبِ ثَمَِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ
وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُفِى إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ
الصَّالِحِينَ ﴾ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكٌَ أَيَّمَا اُلْأَجَلَيْنِ
قَضَيْتُ فَلَاَ عُدْوَنَ عَلَىّ وَاَللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلُ ها
١- ﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ﴾: قصَدَ بوجهه ﴿تِلقاءَ مَدْيَنَ﴾: جِهِتَها - وهي قريةُ شُعيبٍ مسيرةَ
ثمانية أيام من مِصر، سُمّيت بمَدْيَنِ بنِ إبراهيمَ - ولم يكن يَعرف طريقها ﴿قَالَّ: عَسَى
رَبِّيَ أن يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ٢٢ أي: قَصْدَ الطريقِ، أي: الطريقَ الوسط إليها .
فأرسل الله إليه مَلَكًا بيده عَنزةٌ، فانطلق به إليها. ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾: بئرٌ فيها،
أي: وصل إليها ﴿وَجَدَ عَلَيهِ أُمّةً﴾: جماعة ﴿مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ مَواشيَهم، ﴿وَوَجَدَ
مِن دُونِهِمِ﴾ أي: سِواهم ﴿امرأتَينِ تَذُودانٍ﴾: تمنعان أغنامهما عن الماء. ﴿قالَ﴾
موسى لهما: ﴿مَا خَطِبُكُما﴾ أي: ما شأنكما لا تسقيان؟ ﴿قالتا: لا نَسِقِي حَتَّى يَصدُرَ
الرِّعاءُ﴾: جمع راع، أي يَرجِعوا من سقيهم، خوفَ الزحام فنسقي - وفي قراءة:
(يُصدِر)) من الرباعيّ، أي: يَصرفوا مواشيَهم عن الماء - ﴿وَأَبُونا شَيخٌ كَبِيرٌ﴾ ٢٣ لا
يقدر أن يَسقي. ﴿فَسَقَى لَهُما﴾ من بئر أُخرى بقُربهما، رفع حجرًا عنها لا يرفعه إلّا
عشرة أنفُس، ﴿ثُمَّ تَوَلَّى﴾: انصرف ﴿إِلَى الظُّلِّ﴾ لسَمُرةٍ، من شِدّة حرّ الشمس وهو
جائع، ﴿فقالَ: رَبِّ، إنِّي لِما أنزَلتَ إِلَيَّ مِن خَيرٍ﴾: طعام ﴿فَقِيرٌ﴾ ٢٤: محتاج.
٢- فرجَعتا إلى أبيهما، في زمنِ أقلَّ ممّا كانتا ترجِعان فيه، فسألهما عن ذلك،
فأخبرتاه بمن سقى لهما، فقال لإحداهما: ادعيه لي. قال تعالى: ﴿فجاءَتْهُ إحداهما،
تَمْشِي عَلَى استِحياءٍ﴾ أي: واضعةً كُمَّ دِرعها على وجهها حياء منه، ﴿قَالَتْ: إنَّ أبِي
يَدْعُوكَ، لِيَجِزِيَكَ أجرَ ما سَقَيتَ لَنا﴾. فأجابها مُنكِرًا في نفسه أخْذ الأُجرة، وكأنّها
قَصَدَتِ المُكافأةَ إن كان ممّن يُريدها، فمشت بين يديه، فجعلت الريح تضرب ثوبها
فتكشف ساقها، فقال لها: امشي خلفي ودُلّيني على الطريق. ففعلت إلى أن جاء أباها
وهو شُعيبٌ - عليه الصلاة والسلام - وعنده عَشاء. قال له: اجلس فتعشَّ. قال: إني أخاف أن يكون عِوضًا ممّا سقيتُ لهما، وإنّا أهل بيت لا
نطلب على عملٍ خيرٍ عِوضًا. قال: لا، عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف ونُطعم الطعام. فأكل وأخبره بحاله. قال تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ
عَلَيْهِ القَصَصَ﴾: مصدرٌ بمعنى المقصوص، من قتلِه القبطيَّ وقصدِهم قتلَه وخوفِه من فِرعون، ﴿قَالَ: لا تَخَفْ: نَجَوتَ مِنَ القَومِ الظّالِمِينَ﴾ ٢٥،
إذ لا سُلطان لفِرعون على مَديَنَ.
٣- ﴿قَالَت إحداهُما﴾، وهي المُرسَلة والكُبرى أو الصُّغرى: ﴿يا أبَتِ، استأجِرْهُ﴾: اتخذْه أجيرًا يرعى غنمنا أي: بدَلَنا. ﴿إِنَّ خَيرَ مَنِ استأجَرتَ
القَوِيُّ الأَمِينُ﴾ ٢٦ أي: استأجره لقوّته وأمانته. فسألها عنهما فأخبرته بما تقدّم، من رفعه حجرَ البئر، ومن قوله لها: ((امشي خلفي))، وزيادةٍ أنها
لمّا جاءته وعلم بها صوّب رأسه فلم يرفعه. فرغب في إنكاحه. فـ﴿قالَ: إِنِّيَ أُرِيدُ أن أُنكِحَكَ إحدَى ابنَتَيَّ هاتَينٍ﴾، وهي الكُبرى أو الصُّغرى،
﴿عَلَى أَن تأجُرَنِي﴾: تكونَ أجيرًا لي في رعي غنمي ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: سنينَ. ﴿فإن أتمَمتَ عَشْرًا﴾ أي: رعيَ عشر سنين ﴿فمِن عِندِكَ﴾
التمامُ. ﴿وما أُرِيدُ أن أشُقَّ عَلَيكَ﴾ باشتراط العشر. ﴿سَتَجِدُنِيَ إِن شَاءَ اللهُ﴾ - للتبرّك - ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ٢٧ : الوافين بالعهد. ﴿قالَ﴾ مُوسَى:
﴿ذُلِكَ﴾ الذي قلتَه ﴿بَيْنِي وَبَينَكَ، أيَّما الأجَلَينِ﴾ الثمانَ أو العشْرَ - وما: زائدة - أي: رَغْيَه ﴿قَضَيتُ﴾ به، أي: فرغتُ منه، ﴿فلا عُدوانَ عَلَيَّ﴾
بطلب الزيادة عليه. ﴿وَاللهُ عَلَى ما تَقُولُ﴾ أنا وأنت ﴿وَكِيلٌ﴾ ٢٨: حفيظ أو شهيد. فتمّ العَقد بذلك، وأمر شُعيب ابنته أن تُعطي مُوسَى عصًا يدفع
(١) شُعيب: نبي عربي من ذرية مَدْينٍ بن إبراهيم. وقريته: على الساحل الغربي للبحر الأحمر تحاذي تبوك. ويهدي: يرشد. والعنزة: عصا في رأسها حربة.
وقصة إرسال الملَك لم تنقل بنص موثق. وماء مدين: المكان الذي فيه البئر المذكورة. ووجد: لقي. وامرأتان أي: فتاتان. ولا نسقي أي: أغنامنا. وذكرُ
العشرة من مبالغات القصاصين عن الإسرائيليات المصنوعة. والسمرة: شجرة عظيمة من الطلح. ولما أنزلت أي: إلى أيّ شيء تيسره. والخير: النافع. (٢)
ادعيه لي: بلغيه دعوتي له. وجاءته: ذهبت إليه. والاستحياء: المبالغة في الحشمة والحياء. والدرع: القميص. ويدعوك: يطلب حضورك إليه. ويجزيك:
يكافئك. وأجابها: استجاب لطلبها بالذهاب إلى أبيها. ومنكرًا: غير راض. وبين يديه: أمامه. وساقها: ما بين الركبة والكعب. وجاءه: وصل إليه. وقص:
حكى. والخوف: الفزع. ولا تخف أي: اطمئن واهدأ. ونجوت: تخلصت وحُفظت. والظالم: الكافر يعتدي ويجور. (٣) المرسلة: التي ذهبت لاستدعائه
واسمها صفوراء. وخير: أكثر نفعًا. واستأجرت أي: تستأجره. والقوي: القادر على العمل العسير. والأمين: من يُطمأن إليه لأنه حافظ لحقوق غيره. وعنهما
أي: عن القوة والأمانة. وصوب رأسه: خفضه لئلا ينظر إليها. وإنكاحه: مصاهرته بأن يزوجه إحدى ابنتيه. وأريد: أرغب وأعرض عليك. وأُنكِحك:
أزوجك. وعلى أن أي: شريطة أن. والحجج: جمع حِجّة. وأتممت: أكملت. ومن عندك أي: هو تفضل منك لا إلزام مني لك. وما أريد: لا أطلب.
وأشق عليك: أحمّلك ما يصعب عليك. وتجدني: تراني. وللتبرك: يعني أن تقييد رؤيته صالحًا، بمشيئة الله، هو للتبرك بذكره وتفويض أمره إلى توفيقه،
لالتعليق ذلك بالمشيئة. والظاهر خلاف هذا، وهو يريد التعليق بالمشيئة، لأن وجدانه كذلك أمر مستقبل معلق بالقضاء. والذي قلته يعني: التخيير بين الثماني
والعشر. وبيني وبينك أي: لانخالفه بزيادة أونقص. والأجل: المدة المحددة للرعي. وحذف ياء («ثمان)) جائز. وقضيت: أمضيت. والعدوان: التجاوز للحق.
وتفصيل أمر العصا هنا من تزيد القصاصين والأخبار الإسرائيلية المصطنعة، مبالغة في التفخيم. انظر قرة العينين ص ٥١٠-٥١١.

الجزء العشرون
٣٨٩
٢٨ - سورة القصص
بها السِّباع عن غنمه - وكانت عِصِيُّ الأنبياء عنده - فوقع في يدها عصا آدمَ من
آس الجنّة، فأخذها مُوسَى بعِلم شعيب.
ثلاثة أرباع
الخِزب
٣٩
١- ﴿فَلَمّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ﴾ أي: رعيَه - وهو ثمانُ أو عشرُ سنين وهو
المظنون به - ﴿وسارَ بِأهلِهِ﴾: زوجتِه، بإذن أبيها نحوَ مِصرَ، ﴿آَنَسَ﴾: أبصرَ من بعيد
﴿مِن جانِبِ الطَّورِ﴾: اسم جبل ﴿نارًا. قالَ لِأهلِهِ: امكُثُوا﴾ هنا. ﴿إِنِّيَ آنَستُ نارًا،
لَعَلِّيَ آتِيكُم مِنها بِخَيَرٍ﴾ عن الطريق، وكان قد أخطأها، ﴿أو جِذْوةٍ﴾ بتثليث الجيم:
قطعةٍ وشعلة ﴿مِنَ النّارِ، لَعَلَّكُمْ تَصطَلُونَ﴾ ٢٩ تستدفئون. والطاء بدل من تاء الافتعال
من: صَلي بالنار، بكسر اللام وفتحها .
٢- ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ، مِن شاطِئٍ﴾: جانبِ ﴿الوادِي الأيمَنِ﴾ لمُوسَى، ﴿فِي البُقْعِةِ
المُبارَكةِ﴾ لمُوسَى، لسماعه كلامَ الله فيها، ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾: بدل من ((شاطىء)) بإعادة
الجارّ، لنباتها فيه، وهي شجرة عُنّاب أو عُلِّيق أو عَوسج ﴿أَنْ﴾: مُفسِّرةٌ لا مُخفّفة ﴿يا
مُوسَى، إنِّيَ أنا اللهُ رَبُّ العالَمِينَ ٣٠، وأنْ ألقِ عَصاكَ﴾. فألقاها ﴿فَلَمّا رآها تَهتَزُّ﴾:
تتحرّك، (كأنَّها جانٌ﴾ - وهي الحيّة الصغيرة - من سُرعة حركتها، ﴿وَلَّى مُدِرًا﴾:
هاربًا منها، ﴿وَلَم يُعَقِّبْ﴾ أي: يرجع.
٣- فنُودي: ﴿يَا مُوسَى، أقبِلْ ولا تَخَفْ، إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ٣١. اسلُكْ﴾: أدخِلْ
﴿يَدَكَ﴾ اليُمنى، بمعنى الكفّ، ﴿فِي جَيِكَ﴾ هو طوق القميص، وأخرجْها ﴿تَخْرُجْ﴾
خِلاف ما كانت عليه من الأدمة ﴿بَيضاءَ، مِن غَيرِ سُوءٍ﴾ أي: برص - فأدخلها
وأخرجها تُضيء كشُعاع الشمس تُغشّي البصر - ﴿واضمُمْ إلَيكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ﴾،
يفتح الحرفين، وسكون الثاني مع فتح الأول وضمّه، أي: الخوفِ الحاصل من إضاءة اليد، بأن تُدخلها في جيبك فتعود إلى حالتها الأُولى.
وعُبّر عنها بالجناح لأنها للإنسان كالجناح الطائر. ﴿فذانَّكَ﴾، بالتشديد والتخفيف، أي: العصا واليد - وهما مُؤنّثان، وإنما ذُكّر المُشار به
إليهما المبتدأ لتذكير خبره - ﴿بُرهانانِ﴾ مرسلانِ ﴿مِن رَبِّكَ إِلَى فِرِعَونَ ومَلَئِهِ. إنَّهُم كانُوا قَومًا فَاسِقِينَ﴾ ٣٢.
٤ - ﴿قَالَ: رَبِّ، إِنِّي قَتَلتُ مِنهُم نَفسَا﴾ هو القِبطيّ السابق، ﴿فأخافُ أن يَقْتُلُونِ﴾ ٣٣ به، ﴿وأخِي هارُونُ هُوَ أفصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾: أبيَنُ. ﴿فَأرسِلْهُ
مَعِي رِدْءًا﴾: مُعينًا - وفي قراءة بفتح الدال بلا همزة - ﴿يُصَدِّقْنِيَ﴾ بالجزم جواب الدعاء. وفي قراءة بالرفع وجُملته: صفة ((ردءًا)). ﴿إِنِّيَ أخافُ
أن يُكَذِّبُونِ ٣٤. قالَ: سَتَشُدُّ عَضُدَكَ﴾: نُقوّيك ﴿بِأَخِيكَ، ونَجعَلُ لَكُما سُلطانًا﴾: غلبة، ﴿فلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما﴾ بسُوء. اذهبا ﴿بِآيَاتِنا، أنْتُما ومَنِ
اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ ٣٥ لهم.
(١) رعيه: الرعي في الأجل المخيَّر فيه. وحُذفت الياء من ((ثمان)) جوازًا. انظر تفسير الآية ٢ من سورة النساء. وحذف المضاف بعد ((ثمان)) لدلالة ما بعده
عليه. وهذا جائز وصحيح. وهو المظنون: يعني أن عشر السنين راجح هنا لِما يُعتقد في الأنبياء من حب الزيادة في الوفاء، وإن لم يكن قد صار موسى نبيًا .
وسار بهم: خرج من مَذْيَنَ عائدًا. وزوجته أي: وولده وخادمه. والجانب: الطرف. والجبل المذكور هو في سيناء. والنار: النور الفياض. وامكثوا: ابقَوا.
وتثليث الجيم: يعني قراءات ثلاثًا: التي أثبتناها، و((جَذْوةٍ)) و((جُذْوةٍ)). وبكسر اللام: انظر تعليقنا على تفسير الآية ٧ من سورة النمل.
(٢) الوادي: ما يفصل بين جبلين. وفيما عدا الأصل وخ وع: ((الوادِ)) بحذف الياء تبعًا لرسم المصاحف، وإثباتها هنا جائز لتبيين القراءة التي اختارها
المحلي. والأيمن لموسى أي: ما كان من جهة يمينه. والراجح أن الأيمن هنا من اليمن والخير. والبقعة: القطعة من الأرض. والمباركة: العميمة الخير.
وبدل: يعني أن ((من الشجرة)): بدل من ((من الشاطئ)). والعُنّاب والعُلِّيق والعَوسج: أنواع من الأشجار. وذكرها يعني اختلاف المفسرين فيما لا طائل تحته،
ولا دليل يرجح. و((مفسرة لا مخففة)) هو خلاف ما ذكره في تفسير الآية ٨ من سورة النمل. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. فالعالمون: جميع
المخلوقات. وانظر الآيات ٨- ١٠ من سورة النمل.
(٣) أقبل: تقرّب. ولا تخف: اطمئن. والآمن: المحفوظ من كل خطر. وطوق القميص: الفتحة التي يدخل منها الرأس. والمراد إدخال اليد اليمنى لتصير في
الإبط الأيسر. والأدمة: الشُّمرة. وهي لون بَشَرة موسى. وتغشي: تغطي. واضمم إليك: أدخل إلى إبطك. والجناح: اليد. ويريد ثلاث قراءات: التي أثبتنا،
و((الرَّهْبِ))، و((الرُّهْبِ)). وبالتخفيف يريد القراءة ((فذانِكَ)). والبرهان: الدليل القاطع على صدق موسى. ومن ربك: من عنده وبأمره. والملأ: الأعوان من
الأشراف يملؤون العيون مهابة والمجالس بأجسامهم. والفاسق: الخارج على الحق والصواب.
(٤) رب: ياربي. حذف حرف النداء مبالغة في التعظيم، لما فيه من معنى الأمر والتنبيه. والنفس: الإنسان الحي. وأخاف: أتوقع وأخشى. واللسان:
الكلام. وأرسله: اجعله رسولًا. وبلا همزة يريد القراءة ((رِدًا)). والأصل ((رذءًا)) حذفت الهمزة بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها. وبالرفع يريد القراءة
((يُصَدِّقُنِي))، أي: يكون مصدّقًا لي ومؤيدًا. والعضد: ما بين الكتف والمرفق من اليد. والمراد صاحبها كله. ونجعل: نخلق. والآيات هنا آيتان: العصا
واليد، عُبِّرَ عنهما بالجمع لأن كل واحدة تشتمل على عدد من الآيات. واتّبعَكما أي: يستجيب لدعوة التوحيد ويؤمن. والغالب: المنتصر القاهر.
سُورَة القَصَصِ
﴿ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِجْءَانَسَ مِنْ جَانِبٍ
الُطُورِ نَارًِّ قَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُنُواْ إِّ ◌َانَسْتُ نَارَالَّعَلِّءَاتِكُمْ
مِنْهَا بِخَرٍ أَوْحَذْوَةٍمِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ
◌َ فَلَمَّا أَتَنْهَا نُودِىَ مِن شَطِى الْوَادِالْأَيْمَنِ فِ الْبُقْعَةِ
اُلْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَمُوسَى إِنّى أَنَا اُللَّهُ رَبُّ
وَأَنْ أَلْقِ عَصَالَكٌ فَلَمَّا رَءَاهَانَهَؤُ كَأَنَّهَا
الْعَلَمِينَ لـ
جَانٌ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفّْ إِنَّكَ
مِنَ الْأَمِنِينَ ﴿أَسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجُ بَيْضَآءَ مِنْ
غَيْرِ سُوْءٍ وَاضْهُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِّ فَذَانِكَ
أَبُرْهَنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ: إِنَّهُمْ كَانُواْ
قَوْمَّا فَسِقِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ
أَنْ يَقْتُلُونِ ﴿ وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّ لِسَانًا
فَأَرْسِلُهُ مَعِىَ رِدْءً ا يُصَدِّقُتِىّ إِنَّ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (٢٦)
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَ ◌ََ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَنَّا فَلَا
يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِثَايَتِنَآ أَنْتُمَا وَمَنِ اتَبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ

٢٨ - سورة القصص
٣٩٠
الجزء العشرون
سُورَة القَصَّص
الجوال
فَلَمَّا جَآءَ هُمْ مُوسَى بِشَايَئِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ
﴿ وَقَالَ
مُفْتَرَى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّءَابَابِنَا الْأَوَّلِينَ
مُوسَى رَبِّ أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ، وَمَن تَكُونُ
لَهُ، عَقِبَةُ الَّارِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ
يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ
لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل ◌ِ صَرْحًا لَعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَ
إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِينَ ﴿ وَأَسْتَكْبَرَ
هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّواْأَنَّهُمْ إِلَيْنَا
فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ، فَنَبَذْنَهُمْ فِى
لَأَ يُرْجَعُونَ الَّ
الْيَمِّ فَانْظُرْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾
وَجَعَلْنَهُمْ أَسِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ
وَأَتْبَعْنَهُمْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً
لَأَ يُصَرُونَ
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ ﴿ وَلَقَدْءَانَيْنَا
مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى
بَصَاِرَ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
١- ﴿فَلَمّا جاءَهُم مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّناتٍ﴾: واضحات ﴿قالُوا: ما هذا إلّا سِحرٌ
مُفْتَرَى﴾: مُختلق، ﴿وما سَمِعْنا بِهُذا﴾ كائنًا ﴿في﴾ أيام ﴿آبائنا الأوَّلِينَ ٣٦. وقالَ﴾ -
بواو وبدونها - ﴿مُوسَى: رَبِّيَ أعلَمُ﴾ أي: عالم ﴿بِمَن جاءَ بِالهُدَى مِن عِندِهِ﴾،
الضمير للربّ، ﴿ومَن﴾: عطف على ((مَن)) ﴿تَكُونُ﴾ - بالفَوقانيّة والتحتانيّة - ﴿لَهُ
عاقِةُ الدّارِ﴾ أي: العاقبةُ المحمودة في الدار الآخرة، أي: وهو أنا في الشِّقَّين، فأنا
مُحقّ فيما جئتُ به. ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ٣٧: الكافرون.
٢- ﴿وقالَ فِرْعَونُ: يا أيُّها المَلَأُ، ما عَلِمتُ لَكُم مِن إِلَّهِ غَيرِي. فَأَوقِدْ لِي - يا هامانُ
- عَلَى الطِّينِ﴾: فاطبخْ لي الآجُرَّ، ﴿فاجعَلْ لِي صَرِحًا﴾: قصرًا عاليًا، ﴿لَعَلِّيَ أَطَّلِعُ
إلَى إِلَّهِ مُوسَى﴾: أنظرُ إليه وأقف عليه. ﴿وإنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الكاذِينَ﴾ ٣٨، في ادعائه
إلّهًا آخَر وأنه رسوله. ﴿واستَكبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ، في الأرضِ بِغَيرِ الحَقِّ، وظَنُّوا أنَّهُم إلَينا
لا يَرْجِعُونَ﴾ ٣٩ - بالبناء للفاعل والمفعول - ﴿فَأخَذْنَاهُ وجُنُودَهُ، فَبَذْناهُم﴾ :
طرحناهم ﴿فِي اليَمِّ﴾: البحر المالح فغرقوا. ﴿فانظُرْ: كَيفَ كانَ عاقِبةُ
الظّالِمِينَ﴾ ٤٠، حينَ صاروا إلى الهلاك؟
٣- ﴿وَجَعَلْناهُم﴾ في الدنيا ﴿أَئمّةً﴾، بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء: رُؤساء في
الشِّرك، ﴿يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ بدُعائهم إلى الشِّرك، ﴿وَيَومَ القِيامةِ لا يُنصَرُونَ﴾ ٤١
بدفع العذاب عنهم، ﴿وَأَتَبَعناهُم في هذِهِ الدُّنيا لَعْنَةً﴾: خِزِيًا، ﴿ويَومَ القِيامَةِ هُم مِنَ
المَقْبُوحِينَ﴾ ٤٢: المُبعَدِينَ. ﴿وَلَقَد آتَيْنا مُوسَى الكِتابَ﴾: التوراة، ﴿مِن بَعدِ ما
أهلَكْنا القُرُونَ الأُولَى﴾: قوم نوح وعادٍ وثمودَ وغيرهم، ﴿بَصائرَ لِلنّاسِ﴾: حالٌ من ((الكتاب)) جمعُ بصيرة - وهي نور القلب - أي: أنوارًا
للقلوب، ﴿وَهُدَى﴾ من الضلالة لمن عمل به، ﴿وَرَحْمةً﴾ لمن آمن به، ﴿لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤٣: يتّعظون بما فيه من المواعظ.
(١) جاءهم بها: عرضها عليهم عيانًا. وواضحات أي: في الدلالة على صحة الرسالة. وفيما عدا الأصل والنسختين: ((واضحات حال)). يعني أن ((بينات)):
حال من («آيات)) منصوبة بالكسرة عوضًا من الفتحة لأنها جمعُ مؤنثٍ سالمٌ. وهذا أي: ماجئتَ به. والسحر: ما يخدع الحواس والعقول الساذجة، ويخيل لها
غير الواقع. والمختلق: الذي اختُرع للتضليل والإفساد. وماسمعنا بهذا: لم يبلغنا خبر مثله. والآباء: جمع أب. ويطلق على الوالد والجدود. والأولون:
المتقدمون. وبدونها يريد القراءة ((قال)) بدون واو العطف. والعالم بالشيء: المحيط بخفاياه وحقائقه. وجاء به: أحضره وبلّغ به الآخرين. والهدى: الرشاد
إلى الحق والخير في الدنيا والآخرة. والضمير أي: الذي في ((عنده)). وعلى مَن أي: في قوله ((بمن)). وفيما عدا الأصل والنسخ وط: ((على من قبلها)).
وتكون: تصير. والفوقانية: التاء. وبالتحتانية يريد القراءة ((يَكُونُ)). والعاقبة: النهاية. وفي الشِّقَّين أي: من جاء بالهدى، ومن تكون له عقبى الدار. وسقط ((أنا
في)) من المنحة. ويفلح: يظفر بالسعادات التي تطيب بها الحياة. والكافرون: يعني أن الظلم هنا بمعنى الكفر بالله واليوم الآخر. ذلك لأن الكفر أشنع ما
عُرف من الظلم للنفس والحقيقة. والمراد أيضًا: وإنما يفلح المؤمنون المخلصون.
(٢) والملأ: السادة والقادة يملؤون النفوس مهابة والمجالس بأجسامهم. وما علمت: لم يصل إليّ خبر. ونفي العلم مراد به نفي وجود المعلوم، أي: لا إله
غيري. وأوقد: أشعل نارًا. وهامان: وزير فرعون ومؤيده في طغيانه. وعلى الطين أي: بعد جعله لَبِناتٍ. واجعل: ابن واصنع. والإله: المعبود بحق. وأقف
عليه أي: على صحة ما زعم عنه. وأظن: أعتقد. والكاذب: من يقول غير الواقع. وأنه رسوله أي: في زعمه وجودَ إله، وزعمه أنه أرسله بدعوة. وقول
فرعون هذا كان بعد جمع السحرة وإيمانهم بموسى. واستكبر: طلب الكبرياء، فأظهر في نفسه ما ليس فيها من التعالي. والجنود: جمع جند. والجند: اسم
جنس جمعي واحده جندي. وغير الحق: الباطل الذي لا أصل له في الواقع. وظن: اعتقد. وإلينا: إلى لقاء حسابنا والعقاب. وللمفعول يريد القراءة ((لا
يُرجَعُونَ)) أي: يكون الموت نهاية أخيرة لهم، فلا يُردّون بالبعث للحساب والجزاء. وأخذناه: قضينا اقتلاعه من مصر إلى البحر، بعدما بلغ في الكفر
والعصيان أقصى الغايات. والمالح: ذو الماء المالح، وهو البحر الأحمر. وانظر: تأمل وتدبر بفكرك، خطابًا لكل سامع أو قارئ. وكان أي: صار.
والعاقبة: النهاية والختام. والظالم: من يتجاوز الحق. وأشنع ذلك هو الكفر.
(٣) جعل: صيّر. والأئمة: جمع إمام. وهو القائد الرئيس يُقتدى به. وبإبدال الثانية ياء يريد القراءة ((أيِمّةً)). ويدعون: يحثون من عاصرهم أو جاء بعدهم
ويدفعونه، لِما سنُّوه من الكفر والعصيان. وإلى النار: إلى الخلود في عذابها. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من قبورهم بالبعث للحساب والجزاء.
ويُنصر: يمنع عنه العذاب. وأتبعناهم: ألحقنا بهم لعْنَهم والدعاء عليهم بالطرد من الرحمة، على ألسنة المؤمنين والملائكة. والمبعدين: المطرودين من الرحمة
إلى العذاب الأبدي. وآتيناه: أعطيناه على يد جبريل. وأهلكنا: أفنينا بالعذاب. والقرون: جمع قرن. وهو الجيل البشري. والأولى: المتقدمة الماضية. وعاد
وثمود: قبيلتان من العرب العاربة، أقدم الأمم التي عرفت لها آثار حتى الآن، وفيها كتابات بالخط المسماري. قصص الأنبياء ص ٥١. وغيرهم أي: سائر
الأمم المكذبة، ومنها فرعون وأعوانه. والناس: البشر. والنور هنا: ما ينير ويُستبصَر به طريق الحق. والهدى: الإرشاد والتوجيه. والرحمة: الإحسان
والعطف. ويتعظون: يستجيبون فيتركون الشرك ويؤمنون بالتوحيد مخلصين.

الجزء العشرون
٣٩١
٢٨ - سورة القَصص
١ - ﴿وما كُنتَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿بِجانِبٍ﴾ الجبل أو الوادي أو المكان ﴿الغَربِيِّ﴾ من
مُوسَى، حين المُناجاة، ﴿إِذْ قَضَينا﴾: أوحَينا ﴿إِلَى مُوسَى الأمرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون
وقومه، ﴿وما كُنتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ٤٤ لذلك، فتعرفَه فتُخبرَ به، ﴿ولْكِنّا أنشأُنا
قُرُونًا﴾: أُممًا بعدَ مُوسَى، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيهِم العُمُرُ﴾ أي: طالت أعمارهم، فنسوا
العهود واندرسَتِ العلوم وانقطع الوحي، فجئنا بك رسولًا وأوحينا إليك خبر
مُوسَى وغيرِهِ، ﴿وما كُنتَ ثاوِيًا﴾: مُقيمًا ﴿في أهلِ مَذْيَنَ، تَتَلُو عَلَيهِم آيَاتِنا﴾: خبرٌ
ثان، فتعرفَ قِصّتهم فتُخبِرَ بها، ﴿ولَكِنّا كُنّا مُرسِلِينَ﴾ ٤٥ لك وإليك بأخبار
المُتقدّمین.
٢- ﴿وما كُنتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾: الجبل، ﴿إِذ﴾: حين ﴿نادَينا﴾ مُوسَى: أن ((خُذِ
الكِتابَ بِقُوّةٍ))، ﴿ولكِنَ﴾ أرسلناك ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَومًا، ما أتاهُم مِن نَذِيرٍ مِن
قَبلِكَ﴾ - وهم أهل مكّة - ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤٦ : يتّعظون، ﴿ولَولا أن تُصِيبَهُم
مُصِيبٌ﴾: عُقوبة، (بِما قَدَّمَت أيدِيهِم﴾ من الكُفر وغيره، ﴿فَيَقُولُوا: رَبَّنَا، لَولا﴾:
هلّا ﴿أرسَلتَ إلَينا رَسُولًا، فَبَعَ آيَاتِكَ﴾ المُرسَلَ بها، ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ﴾ ٤٧ .
وجواب ((لولا)) محذوف وما بعدها مبتدأ. والمعنى: لولا الإصابةُ المُسبَّبُ عنها
قولُهم، أو لولا قولُهم المسبَّبُ عنها، ما أرسلناك إليهم رسولًا .
سُورَةِ القَصَصِّ
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَاكُنْتَ
مِنَ الشَّنِهِدِينَ ﴿ وَلَكِنَآ أَنشَأْنَا قُرُونَّ فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ
الْعُمُرُّ وَمَاكُنْتَ ثَاوِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَنْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿ وَمَاكُنْتَ بِحَانِبٍ
الُورِ إِذْنَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ لِتُّنْذِرَ قَوْمًا
مَّآ أَتَّهُمْ مِن نَذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (
٤٦
وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَ مَتْ أَيْدِيِهِمْ فَيَقُولُواْ
رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَارَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَلِكَ وَتَكُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ®فَلَمَّاجَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ
لَوْلَا أُوِى مِثْلَ مَآأُوِى مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُواْبِمَا أُوِيَ
مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَهَرَا وَقَالُواْ إِنَّابِكُلٍ كَفِرُونَ
(٨) قُلْ فَأَتُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَبِعْهُ
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَإِ لَّمْ يَسْتَجِيبُواْلَكَ فَاعْلَمْ
أَنَّمَا يَتَِّعُونَ أَهْوَآءَ هُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّعَ هَوَنَهُبِغَيْرِ
هُدَى ◌ِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَلَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
٣- ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ مُحمّد ﴿مِن عِندِنا قالُوا: لَولا﴾: هلّا ﴿أُوتِيَ مِثلَ ما أُوتِيَ
مُوسَى﴾ من الآياتِ، كاليد البيضاء والعصا وغيرهما، أو الكتابِ جُملةً واحدة. قال تعالى ﴿أَوَلَم يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسَى مِنِ قَبلُ﴾، حيثُ
﴿قَالُوا﴾ فيه وفي مُحمّد: ﴿ساحِرانِ﴾ - وفي قراءةٍ: ((سِحرانٍ)) أي: التوراة والقُرآن - ﴿تَظاهرا﴾: تعاونا، ﴿وقالُوا: إنّا بِكُلِّ﴾ من النبيِّينِ
والكتابَيَنِ ﴿كَافِرُونَ ٤٨؟ قُلْ﴾ لهم: ﴿فَائْتُوا بِكِتَابٍ مِن عِندِ اللهِ، هُوَ أهدَى مِنْهُما﴾ أي: من الكتابين، ﴿أَتَّبِعْهُ إن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٤٩ في قولكم.
﴿فإن لَم يَستَجِيبُوا لَكَ﴾ دُعاءك، بالإتيان بكتاب، ﴿فاعلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُم﴾ في كُفرهم. ﴿ومَن أَضَلَّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ، بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللهِ﴾؟
أي: لا أحد أضلّ منه. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥٠: الكافرين.
(١) في الآيات ٤٤-٤٦ امتنانٌ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بما خُصّ من أخبار الغيب، وتحقيقٌ لكونها وحيًا من الله. والجانب: الطرف والناحية.
ومن موسى أي: حيث كان يناجيه الله. والراجح أن الغربي هو الجانب نفسه. وهو موضع المناجاة، وفيه اليمن والبركة. والأمر: التكليف. والشاهد:
الحاضر الذي يرى ويسمع. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((فتعلمه)). وأنشأنا: خلقنا وأوجدنا. وفيما عدا الأصل والنسخ أيضًا: ((من بعد موسى)). والعمر:
المدة المحددة لحياة المخلوق. واندرست: ضاعت وضل الناس، فاقتضت الحكمة تجديد العقيدة والتشريع. خ: ((فاندرست)). ومدين: المدينة التي كان فيها
شعيب. انظر الآية ٢٣. وتتلو: تقرأ وترتل لتتعلم وتبلغ الناس الآن. والآيات هنا: النصوص القرآنية التي فيها قصة شعيب ومن معه. وخبر ثان: يعني أن
جملة ((تتلو)): في محل نصب خبر ثان لـ ((كان)). والمرسِل: المبلِّغ بالوحي للتكليف والدعوة.
(٢) الجبل هو الذي كانت فيه المناجاة والتكليف بالتوراة. انظر الآية ٤٤. وناديناه: خاطبناه باسمه ونبهناه. و((خذ الكتاب بقوة)) كذا من التلخيص. وهذه
العبارة هي في الآية ١٢ من سورة مريم، موجهة إلى يحيى لا إلى موسى، والرحمة: العطف بالإحسان. ومن ربك: من عنده وبأمره. وتنذرهم: تخوفهم
غضب الله وانتقامه من العاصين. وما أتاهم: ما جاءهم بتكليف من الله. والنذير: المنذر المخوف بالعذاب لمن كفر. وقبلك أي: في الفترة بينك وبين
إسماعيل. وتصيبهم: تنزل بهم. وقدمت أيديهم أي: اكتسبوه وتحملوه. والأيدي: جمع يد. وهلّ: حرف للتمني. وأرسلتَ: كلفت بالدعوة. ونتبعها: نعمل
بما فيها. ونكون: نصير. و((جواب لولا)) يعني: الأولى. وتقدير المحلي للشرط فيه نظر، لأنه يعني وجود الإصابةِ والقولِ المسبَّب عنها. وكان عليه بيان أن
الإصابة والقول هنا افتراضيان لِما يُحتمل أن يكون، كما ذكر صاحب الانتصاف. حاشية الكشاف ٠٤١٨:٣-٤١٩.
(٣) روي أن اليهود بلّغوا المشركين بوصف النبي في التوراة، فازداد تعنّتهم وأنكروا الرسالتين، وروي أن اليهود اقترحوا على المشركين طلب معجزات
كموسى، فجاءت الآيات ترد عليهم، وانظر سبب النزول في المفصل. وجاءهم: أتاهم مبلّغًا ومنذرًا. والحق: الصادق صدق اليقين. ومن عندنا: بأمرنا.
وأوتي: أعطي. وجملة واحدة: دُفعة واحدة في ألواح تُقرأ. ويكفروا به: ينكروه. والساحر: الذي يخدع العقول والحواس بتخييل ماليس له وجود. وهو
السحر. وتعاونا: عاون كل منهما الآخر. وائتوا به: أحضروه. ومن عنده: بأمره. وأهدى: أوضح في إرشاد الناس إلى الحق. وأتبعه: أومن بصحته.
والصادق: من يقول الحق. ويستجيبوا لك: يفعلوا ما أمرتهم به. واعلم أي: دم على علمك اليقيني. ويتبعونها: يؤثرونها على الحق فينقادون لها. والأهواء:
جمع هوى. وهو ما تزينه النفس وتشتهيه. وأضل: أكثر بعدًا عن الحق. وبغير أي: بدون. والهدى: الرشاد والتوفيق. ومن الله: من عنده وبأمره. ولا يهديه:
لا يُمده بتقبل الإيمان لِما في نفسه من الخبث والعناد، ويتركه لِما هو فيه ويزيده. والظالم: من اختار الكفر بقصد وتصميم.

٢٨ - سورة القصص
٣٩٢
الجزء العشرون
سُورَةِ القَصَصَ
وَلَقَدْ وَضَّلْنَالَمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَّكَّرُونَ * الَّذِينَ
ـَانَيْنَهُمُ الْكِتَبَ مِنْ قَبْلِهِ، هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (*) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ
قَالُوَاْءَامَنَّابِهِ= إِنَّهُ الْحَقّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ (
أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَاصَبَرُواْ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ
السَّيِّئَةَ وَمِمَّارَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ (٨) وَإِذَا سَمِعُواْاللَّغْوَ
أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُوْلَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ
لَا نَبْتَغِى الْجَهِلِينَ [®َّ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ
﴿اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿ وَقَالُوَآإِنِ
تَتَِّعِ الْهُدَى مَعَكَ نُنَخَظَّفْ مِنْ أَرْضِنَاً أَوَلَمْ نُمَكِن لَّهُمْ
حَرَمَاءَامِنَّا يُحْىَّ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْ ءِ رِزْقًامِن لَّدُنَا وَلَكِنَ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ
بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَاْ فَتِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ نُسْكَنْ مِنْ بَعْدِ هِمْ
إِلَّا قَلِيلًاٌ وَكُنَا نَحْنُ الْوَرِثِنَ ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ
الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِىَ أُمِّهَا رَسُولًا يَنْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَأْوَمَا
كُنَا مُهْلِكِى الْقُرَىَّ إِلَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ
١- ﴿وَلَقَدٍ وَصَّلْناَ﴾: بَيّا ﴿لَهُمُ القَولَ﴾: القُرآن، ﴿لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٥١:
الحزبُ
يتّعظون فيُؤمنون. ﴿الَّذِينَ آتَيناهُمُ الكِتابَ، مِن قَبِلِهِ﴾ أي: القُرآنِ، ﴿هُم بِهِ
يُؤمِنُونَ﴾ ٥٢ أيضًا - نزل في جماعة أسلموا، من اليهود كعبد الله بن سلام
وأصحابه، ومن النصارى قدموا من الحبشة ومن الشام - ﴿وإذا يُتَلَى
عَلَيهِم﴾ القُرآنُ ﴿قَالُوا: آمَنّا بِهِ. إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا. إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسلِمِينَ﴾ ٥٣:
مُوحّدین.
٢- ﴿أُوْلِئِكَ يُؤْتَونَ أجرَهُم مَرّتَيْنِ﴾ بإيمانهم بالكتابين، ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بصبرهم على
العمل بهما، ﴿وَيَدْرَؤُونَ﴾: يدفعون ﴿بِالحَسَنةِ السَّيِّئَةَ﴾ منهم، ﴿ومِمّا رَزَقْنَاهُم
يُنفِقُونَ﴾ ٥٤: يتصدّقون، ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغوَ﴾ الشتم والأذى من الكُفّار ﴿أعرَضُوا
عَنْهُ، وقالُوا: لَنا أعمالُنا ولَكُم أعمالُكُم، سَلامٌ عَلَيكُم﴾: سلام مُتاركة، أي: سلمتم
منّا من الشتم وغيره. ﴿لَا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ ٥٥: لا نصحَبهم. ونزل في حِرصه ◌َِّ
على إيمان عمّه أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهِدِي مَن أحبَبتَ﴾ هِدايتَه، ﴿ولكِنَّ اللهَ يَهدِي مَن
يَشاءُ، وهوَ أعلَمُ﴾ أي: عالمٌ ﴿بِالمُهتَدِينَ﴾ ٥٦.
٣- ﴿وقالُوا﴾ أي: قومه: ﴿إِن نَتَبع الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرضِنا﴾ أي: نُنَتَزَعْ منها
بسُرعة. قال تعالى: ﴿أُوَلَم نُمَكِّنَ لَهُم حَرَمًا آمِنًا﴾ يأمنون فيه، من الإغارة والقتل
الواقعَينِ من بعض العرب على بعض، (تُجَبَى﴾ - بالفَوقائيّة والتحتانيّة - ﴿إِلَيهِ
ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيءٍ﴾ من كُلّ أَوب، ﴿رِزْقًا﴾ لهم ﴿مِن لَدُنّا﴾: من عِندنا؟ ﴿ولُكِنَّ أكثَرَهُم لا يَعلَمُونَ﴾ ٥٧ أنّ ما نقوله حقّ، ﴿وكَم أهلَكْنا مِن قَرْيةِ،
بَطِرَتْ مَعِيشتَها﴾ أي: في عيشها! وأُريد بالقرية أهلُها - ﴿فِتِلكَ مَساكِنُهُم، لَم تُسِكَنْ مِن بَعدِهِم إلّا قَلِيلًا﴾ للمارّة يومًا أو بعضه - ﴿وَكُنّا نَحنُ
الوارِثِينَ﴾ ٥٨ منهم. ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهلِكَ القُرَى﴾ بظلم أهلها، ﴿حَتَّى يَبعَثَ في أُمِّها﴾ أي: أعظمِها ﴿رَسُولًا يَتْلُو عليهِم آياتِنا، وما كُنّا مُهلِكِي
القُرَى إلّا وأهلُها ظالِمُونَ﴾ ٥٩ بتكذيب الرُّسل.
(١) وصَّلناه: تابعنا تنزيله متواصلاً، في المواعظ والعقيدة والشريعة. والتبيين مسبَّب عن ذلك. ولهم: للمشركين وأهل الكتاب، لا للمشركين وحدهم، بدليل
الآيات التالية. ويؤمنون أي: ويتركون الشرك والعصيان. وفي ط وبعض المطبوعات: ((فيؤمنوا)). وآتيناهم: أنزلنا إلى آبائهم الذين بلّغوهم وعلموهم. والكتاب
مراد به الكتب التي نزلت على موسى وداود وعيسى. ويؤمنون به: يصدّقون القرآن يقينًا ويتبعونه. ونزل أي: نزلت الآيات ٥١-٥٥، خلافاً لما توهم عبارة
المحلي وأقوال بعض المفسرين. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((نزلت)). وأصحابه: الذين أسلموا من مؤمني اليهود. وفيما عدا الأصل: ((وغيره)). وقد روي أن
بعض أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، كانوا على التوحيد وانتظار البعثة النبوية. فلما بلغتهم جاؤوا مؤمنين، من المدينة والحبشة والشام. ويتلى: يقرأ.
وآمنا به: أيقنا بأنه كلام الله. والحق: الصدق لاشك فيه. ومن قبله: من قبل تنزيله. وموحدين أي: ومستسلمين لأمر الله، ومصدقين للوحي وللقرآن، لأننا
علمنا ذلك مما في أصل كتبنا المنزلة، وننتظر ذلك لنستجيب له. وهذا لا يمنع أن يكون للحكم عموم لآخرين من أهل الكتاب أيضًا، وإن كان ثمة خصوص
للنزول. انظر تفسير الآلوسي ١٣٩:٢٠.
(٢) يؤتون: يكافؤون في الدنيا والآخرة. ومرتين: في زمانين مختلفين، فيكون الأجر مضاعفًا. وصبر: حبس نفسه على الثبات والتحمل. والحسنة: العمل
الصالح. والسيئة: المعصية تكون منهم، أو إيذاء الأعداء لهم. ورزقنا: خلقنا وهيأنا لهم من المتاع والزينة. ويتصدقون أي: ويبذلون في العون والبر
والجهاد. وسمعوه: بلغ سمعهم. وأعرض: انصرف. والأعمال: جمع عمل. وهو مايكتسبه الإنسان بقلبه ولسانه وجوارحه. والمراد أن كل إنسان مسؤول عن
عمله، ولا يجازى بما فعل غيره. والسلام: التحية بالمسالمة والموادعة. والمتاركة: الإعراض والفراق. والجاهل: الطائش لا يحسن التصرف. ولا نصحبهم:
لا نطلب صحبتهم، ولانقابلهم بمثلما يقولون. وإيمان عمه: انظر الأحاديث ١٢٩٤ و٤٤٩٤ من البخاري و٣٩-٤٢ في مسلم و٣١٨٧ في الترمذي، والمسند
٤٤١:٢. ولا تهديه: لاتقدر على خلق الهداية فيه، وإنما ترشده وتنصحه. وأحببتها: رغبت فيها وأردتها. ويشاء: يريد هدايته. وعالم: يعني أن ((أعلم)) هنا
على صيغة اسم التفضيل بمعنى اسم الفاعل للمبالغة. والمهتدي: من يتقبل الهداية لما لديه من استعداد وطيب نفس.
(٣) انظر سبب النزول في المفصل. ونتبع الهدى معك أي: نصاحبك في التوحيد. ونمكنه: نثبته. والحرم: البلد يُحرَّم القتال فيه. وهو مكة المكرمة.
والآمن: الذي يأمن أهله ويطمئنون. وتجبى: تجمع وتحمل وتساق. وبالتحتانية يريد القراءة ((يُجَبَى)). والثمر: ما ينعقد من زهر النبات غذاء وزينة ومتاعًا.
والأوب: الجهة والمكان. والرزق: ما ييسَّر للخلق. ولا يعلم: يجهل. فهم يعتقدون أن الأصنام سبب الأمن والنعم. وأهلك: أفنى. وقرية: بلدة. وبطرت:
طغت لعدم القيام بحق النعمة. وفي عيشها: يعني أن ((عيشة)): منصوب بنزع الخافض. والمساكن: جمع مسكن. أي: ما بقي من آثار التدمير. والوارث:
المالك للشيء يتصرف فيه. وما كان: ما صح في القضاء المحكم. والمهلك: المستأصل. والقرى: جمع قرية. وبظلمهم: بسبب كفرهم. وفيما عدا الأصل:
(بظلم منها)). ويبعث: يرسل للدعوة والإنذار. ويتلو: يبلّغ ويقرأ. والآيات: النصوص الإلهية في العقيدة والتشريع. وأهلها: أصحابها والمقيمون فيها .

الجزء العشرون
٣٩٣
٢٨ - سورة القصص
١ - ﴿وما أُوتِيتُم مِن شَيءٍ فمَتَاعُ الحَياةِ الدُّنيا وزِيتُها﴾ أي: تتمتّعون وتتزيّون به أيام
حياتكم ثمّ يفنى، ﴿وما عِندَ اللهِ﴾ - وهو ثوابه - ﴿خَيْرٌ وأبقَى. أفلا تَعقِلُونَ﴾ ٦٠ -
بالتاء والياء - أنّ الباقي خير من الفاني؟ ﴿أفمَن وَعَدْناهُ وَعِدًا حَسَنًا، فَهْوَ لاقِهِ﴾:
مُصيبُهُ - وهو الجنّة - ﴿كَمَن مَتَّعْنَاهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنيا﴾ فیزول عن قريب، (ثُمَّ هُوَ يَومَ
القِيامةِ مِنَ المُحضَرِينَ﴾ ٦١ النارَ؟ الأوّل المؤمن والثاني الكافر، أي: لا تساوي
بینھما .
٢- ﴿وَ﴾ اذكرْ ﴿يَومَ يُنادِيهِم﴾ اللهُ، ﴿فِيَقُولُ: أينَ شُركائيَ الَّذِينَ كُنتُم تَزْعُمُونَ﴾ ٦٢
ـهم شركائي؟ ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِم القَولُ﴾، بدخول النار، وهم رؤساء الضلالة:
﴿رَبَّنَا، هُؤُلاءِ الَّذِينَ أغوَينا﴾ هم: مَبتدأ وصفةٌ ﴿أغوَيناهُم﴾: خبرُه، فَغَوَوا ﴿كَما
غَوَينا﴾ لم نُكرهْهم على الغيّ. ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ منهم. ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ٦٣.
ما: نافية، وقُدّم المفعول للفاصلة. ﴿وقِيلَ: ادعُوا شُرَكاءَكُم﴾ أي: الأصنام، الذين
كنتم تزعمون أنهم شُركاء الله. ﴿فِدَعَوهُم فَلَم يَستَجِيبُوا لَهُم﴾ دُعاءهم، ﴿وَرَأَوُا﴾ هم
﴿الْعَذابَ﴾: أبصروه. ﴿لَو أنَّهُم كانُوا يَهتَدُونَ﴾ ٦٤ في الدنيا ما رأَوه في الأُخرى.
٣- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿يَومَ يُنادِيهِم فَيَقُولُ: ماذا أجَبتُمُ المُرسَلِينَ﴾ ٦٥ إليكم؟ ﴿فَعَمِيَتْ
عَلَيهِم الأنباءُ﴾: الأخبار المُنجية في الجواب ﴿يَومَئذٍ﴾، أي: لم يجدوا خبرًا لهم فيه
نجاة، ﴿فَهُم لا يَتَساءَلُونَ﴾ ٦٦ عنه فيسكتون. ﴿فَأمّا مَن تَابَ﴾ من الشِّرك، ﴿وَآمَنَ﴾:
صدّق بتوحيد الله، ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾: أدّى الفرائض، ﴿فَعَسَى أن يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ ٦٧: الناجين بوعد الله.
سُورَة القصص﴾
وَمَا أُوِتُمْ مِنْ شَىْءٍ فَمَتَعُ الْحَيَوَةِالدُّنْيَا وَزِينَتُهَاَ وَمَا عِندَ
اَللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدَّا حَسَنًا
فَهُوَ لَقِيهِ كَمَن مَّنَّعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوِ الذُّنْيَاتُمَّهُوَيَوْمَ الْقِيَامَةِ
مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ
كُمْ تَزْعُمُونَ ﴿﴿ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَّنَا هَؤُلَاءِ
الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأَنَا إِلَيْكَّ مَا كَانُواْإِيَّنَا
يَعْبُدُونَ ﴿ وَقِيلَ أَدْ عُواْ شُرَّكَ كُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ
لَهُمْ وَرَوُاْ الْعَذَابَّ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْنَّدُونَ (١) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ
٦٥
فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
ـجَ فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ
يَوْمَيِذٍفَهُمْ لَا يَتَسَاءَ لُونَ
صَلِحَا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾ وَرَبُّكَ
يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَنَ
اللَّهِ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِ كُونَ ﴿ وَرَبِّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُ
صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿٦َ وَهُوَ اللَّهُلَآ إِلَهَ إِلََّّهُوَّلَهُ
الْحَمْدُ فِى الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ نُرْجَعُونَ
٤- ﴿وَرَبُّكَ يَخلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ ما يشاء، ﴿ما كانَ لَهُمُ﴾: للمشركين ﴿الخِيَرةُ﴾: الاختيار في شيء، ﴿سُبحانَ اللهِ وَتَعالَى عَمّا
يُشرِكُونَ﴾ ٦٨: عن إشراكهم! ﴿وَرَبُّكَ يَعلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُم﴾: تُسِرُّ قُلوبهم، من الكُفر وغيره، ﴿وما يُعلِنُونَ﴾ ٦٩ بألسنتهم من ذلك، ﴿وَهُوَ اللهُ
لا إلّهَ إلّا هُوَ، لَهُ الحَمدُ في الأُولَى﴾: الدنيا ﴿والآخِرةِ﴾: الجنّة، ﴿ولَهُ الحُكمُ﴾: القضاء النافذ في كل شيء، ﴿وإِلَيهِ تُرجَعُونَ﴾ ٧٠ بالنُّشور.
(١) أوتيتم: أعطيتم. والمتاع: ما يُستلذ به ويفاخر. والزينة: ما يحسّن به الشيء. وثوابه أي: مكافأة الإيمان والطاعة. وخير: أكثر نفعًا. وأبقى: أكثر
دوامًا. ولا تعقلون: لا تستعملون عقولكم، لتدبر الأدلة والاتعاظ بها، لتدَعوا الشرك وتوحدوا. وبالياء يريد القراءة ((أفلا يَعقِلُونَ)). وفي خ وع والمنحة: ((أفلا
يعقلون بالياء والتاء)). وقيل: إن الآية ٦١ نزلت في حمزة وأبي جهل، أو غيرهما. الواحدي ص ٣٥٣. والراجح أن هذا تمثيل وتقريب، والآية عامة لكل
مؤمن وكافر. تفسير الآلوسي ١٤٧:٢٠-١٤٨. ووعدناه: تعهدنا له. والحسن: الجميل يُسعَد به. ومصيبه: مدركه لامحالة. ومتعناه: أمددناه بما يستلذه.
واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من قبورهم بالبعث للحساب. والمحضر: الذي جيء به ليُجزى. ولا تساوي أي: في النهاية والعاقبة.
(٢) يناديهم: يدعو المشركين على لسان ملائكة العذاب. وشركائي: الذين جعلتم لهم شركة في استحقاق العبادة، جمع مفرده شريك. وتزعمون: تظنون.
وحق: وجب لِما هم عليه من الكفر والعصيان. والقول: ما يقتضيه الوعيد، كالآية ١١٩ من سورة هود. وأغويناهم: زينا لهم الشرك والباطل. ومبتدأ وصفة:
يعني أن ((أولاء)»: في محل رفع مبتدأ، والذين: في محل رفع صفة له. وغوينا: ضللنا. وتبرأنا: تخلصنا. ويعبدون: يقدسون ويطيعون، أي: إنما كانوا
يقدسون أهواءهم وشهواتهم. وللفاصلة: يعني أن الأصل ((يعبدوننا))، فقدم المفعول به ((نا)) على الفعل منفصلًا، ليوافق لفظُ رأس الآية هذه رؤوسَ الآيات التي
حولها. وادعوهم: استغيثوا بهم. ولم يستجيبوا: لم يجيبوهم بشيء. وهم: المشركون المخاطبون أبصروا العذاب عيانًا. ويهتدي: يستجيب للتوحيد والطاعة.
(٣) يناديهم: انظر الآية ٦٢. وماذا يعني: أيَّ جواب؟ وأجبتم المرسلين: رددتم على من أرسلناهم لتبليغ التوحيد والإيمان. وعميت: صارت كالعُمْي
لا تهتدي. وفي التركيب قلب للمبالغة، والأصل: فعمُوا عن الأنباء ولم يستحضروا منها شيئًا. ويومئذ: يوم إذْ نودوا. ويسكتون أي: بسبب الحَيرة واليأس،
فلا يسأل بعضهم بعضًا. وأما: لم يكرر هنا لأن ماقبله أغنى عن ذلك، وهو مراد به المصرّون على الشرك، وهم الفريق المقابل لهؤلاء التائبين. وتاب:
اعترف بذنبه وتعهد بعدم العودة إليه وأصلح ما أفسد وطلبَ المغفرة. ويكون: يصير. وعمل: اكتسب بنية أو قول أو فعل. وعسى: وجب. والناجين بوعده:
الناجين من العذاب، بسبب وعد الله إياهم بذلك.
(٤) انظر سبب النزول في المفصل. ويخلق: ينشئ. ويشاء: يريد أن يخلقه. ويختار ما يشاء: يصطفي من البشر من يريده للنبوة. وما كان أي: ماصح ولا
يجوز. والمعنى: ليس لأحد من خلقه أن يختار شيئًا اختيارًا حقيقيًا قاطعًا، بدون إذن الله وعلمه. وسبحانه أي: تنزيهًا له. انظر الآية ١ من سورة الإسراء.
وتعالى: ترفع وتسامى. ويشركون: يزعمون من الشركاء في الألوهية. ويعلمه: يحيط به إحاطة تامة. والصدور: جمع صدر. والمراد به القلب، موطن التدبر
والاعتقاد والانفعال. ولا ينكر أن للدماغ بالقلب اتصالًا، يقتضي فساد العقل إذا فسد الدماغ، لأن ذلك ينعكس من القلب أيضًا. انظر البحر ٣٧٨:٦.
ويعلنون: يجهرون به. والحمد: الثناء بالجميل على النعم. وإليه: إلى لقاء وعده بالحشر. وترجعون: تُردون للحساب والجزاء.

٢٨ - سورة القصص
٣٩٤
الجزء العشرون
سُورَةِ القَصَّص
قُلْ أَرَهَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَتْلَ سَرْ مَدًا إِلَى يَوْمِالْقِيَمَةِ
مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِيَأْتِكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (
قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْ مَدًا إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ الَهِيَأْتِكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ
فِيَةِ أَفَلَ تُبْصِرُونَ ﴿ وَمِن زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ
وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْفِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
◌َ وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنتُمْ
تَزْعُمُونَ [®] وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا
هَاتُوْبُرْهَنَّكُمْ فَعَلِمُوْاْ أَنَّالْحَقّ ◌ِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ ﴿ ﴿ إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْرِ مُوسَى فَبَغَى
عَلَيْهِمّ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوْأُ بِالْعُصْبَةِ
أُوْلِ الْقُوَّةِإِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحِّ إِنَّاللَّهَلَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
وَأَبْتَغِ فِيمَآءَاتَنْكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ
نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهِإِلَيْكٌ
وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِ الْأَرْضِّ إِنَّالََّ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
١- ﴿قُلْ﴾ لأهل مكّة: ﴿أَرَأَيْتُم﴾ أي: أخبروني، ﴿إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ
سَرَمَدًا﴾: دائمًا ﴿إِلَى يَومِ القِيامةِ، مَن إِلَّهُ غَيرُ اللهِ﴾ بزعمكم ﴿يأْتِيكُم بِضِياءٍ﴾: نهار،
تطلبون فيه المعيشة؟ ﴿أَفَلا تَسمَعُونَ﴾ ٧١ ذلك سماعَ تفهّم، فترجعون عن الإِشراك؟
﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿أَرَأَيْتُم، إن جَعَلَ اللهُ عَلَيَكُمُ النَّهارَ سَرمَدًا إلَى يَومِ القِيامةِ، مَن إلّهٌ غيرُ
اللهِ﴾ بزعمكم ﴿يأْتِيكُم بِلَيلٍ، تَسكُنُونَ﴾: تستريحون ﴿فِيهِ﴾ من التعب؟ ﴿أفلا
تُبْصِرُونَ﴾ ٧٢ ما أنتم عليه، من الخطأ في الإشراك، فترجعون عنه؟ ﴿ومِن رَحْمتِهِ﴾ .
تعالى - ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، لِتَسكُنُوا فِيهِ﴾: في الليلِ، ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضِلِهِ﴾
في النهار بالكسب، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٧٣ النّعمة فيهما.
٢- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿يَومَ يُنادِيهِم فيَقُولُ: أينَ شُرَكائيَ الَّذِينَ كُنتُم تَزْعُمُونَ﴾ ٧٤؟
ذُكِر ثانيًا ليُبنى عليه: ﴿وَنَزَعْنا﴾: أخرجنا ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ - وهو نبيّهم
الخِزَبُ
- يشهد عليهم بما قالوه، ﴿فقُلْنا﴾ لهم: ﴿هاتُوا بُرهانَكُم﴾ على ما قلتم من
الإشراك. ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الحَقَّ﴾ في الإلهيّة ﴿لِلهِ﴾، لا يُشاركه فيها أحد،
﴿وَضَلَّ﴾: غاب ﴿عَنْهُم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٧٥ في الدنيا، من أنّ معه شريكًا. تعالى
عن ذلك.
٣- ﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوم مُوسَى﴾ ابنَ عمّه أو ابنَ خالته وآمن به، ﴿فَبَغَى عَلَيهِم﴾
بالكِبْر والعلوّ وكثرة المالَ، ﴿وآتيناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾: تَثْقُل
﴿بِالعُضْبةِ﴾: الجماعة ﴿أُولِي﴾: أصحابِ ﴿القُوّةِ﴾ أي: تُثِقِلُهم - فالباء: للتعدية.
وعِدّتهم قيل: سبعون، وقيل: أربعون، وقيل: عشَرةٌ، وقيل غيرُ ذلك - اذكرْ ﴿إِذْ قالَ لَّهُ قَومُهُ﴾ المؤمنون من بني إسرائيل: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ بكثرة
المال فرحَ بطر - ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ٧٦ بذلك - ﴿وابتَغْ﴾: اطلب ﴿فِيما آتَاكَ اللهُ﴾ من المال ﴿الدّارَ الآخِرَةَ﴾ بأن تُنفقه في طاعة الله،
﴿وَلا تَنْسَ﴾: تتركْ ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيا﴾ أي: أن تعمل فيها للآخرة، ﴿وأحسِنْ﴾ للناس بالصدقة ﴿كَما أحسَنَ اللهُ إلَيكَ، ولا تَبغِ﴾: تطلبٍ
﴿الفسادَ في الأرضِ﴾ بعمل المعاصي. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفسِدِينَ﴾ ٧٧ بمعنى أنه يُعاقبهم.
(١) قل لهم: خاطبهم جهارًا للإلزام بالحجة. وهذا يعني أن المأمور رسول مكلف، لا كما يزعم الكافرون. ولأهل مكة أي: ولغيرهم تذكيرًا بدلائل
التوحيد. وأخبروني يعني: انظروا في حقائق الكون وتدبروها لتخبروني بالجواب الصحيح. فالهمزة قبل ((رأيتم)) للأمر والإيجاب. وجعل: صيّر. والليل:
مابين الغروب والفجر. ودائمًا يعني: بحجبِ الشمس وعدم شروقها. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من القبور بالبعث للحساب والجزاء. والإله:
المعبود. ويأتي به: يحضره. وعُبِّرَ عن النهار بالضياء لأن منافع الضياء متكاثرة. وتسمع: تدرك ما يقال. وفي المنحة وبعض المطبوعات: ((فترجعوا)) في
الموضعين. وعن الإشراك أي: إلى التوحيد والطاعة. وكرر الفعل ((قل)) لتوكيد ما قبله، وللمبالغة في الإلزام بالحجة والتقريع. والنهار: من الفجر إلى
الغروب. وسرمدًا أي: بعدم غروب الشمس. وتبصرون أي: ترون وتعلمون. وانظر الآية ٧١. والرحمة: العطف بالفضل والنعم. وجعل: خلق. وتسكن:
تستقر وتستريح. وتبتغي: تطلب. وفضله: تفضّل الله بتيسير متاع الدنيا وزينتها. وبالكسب أي: لأجله. ط: ((للكسب)). وتشكر النعمة: تذكرها وتثني على
منعمها بالقلب واللسان والعمل. وفيهما: في الليل والنهار، لِما في تعاقبهما وما يكون فيهما من نقص وزيادة واختلاف في الصفات، تيسيرًا للسعي والراحة
من الجهد .
(٢) ذكر ثانيًا: يعني أن هذه الآية ذكر فيها ما جاء في الآية ٦٢، توكيدًا للتوبيخ والتقريع والإلزام بالحجة، وتمهيدًا لما يلي. والأمة: الجماعة من الناس.
والشهيد: من يتكلم بما يعلم للفصل في الحكم. وبما قالوه أي: في الدنيا من تكذيب وتعنت. وفيما عدا الأصل والنسخ والمنحة: ((قالوا)). ولهم: لأفراد
الأمم من الكافرين. وهاتوا: أحضروا وقدموا. والبرهان: الحجة التي كانوا يزعمونها، ويعتقدون أنها تؤيدهم. وعلموا: أدركوا بالعِيان واليقين. والحق:
الأمر الثابت بحسب ما يجب دون شك أو إخلال. والإلهية: الألوهية. وفي الأصل وث والفتوحات: ((الآلهية)). وهي مُشكِلة لأن المصدر الصناعي في الجمع
لا يجوز في حق الله، عز وجل. وفيما عدا الأصل والنسختين: ((لايشاركه فيه)). ويفتري: يختلق ويصطنع الأكاذيب والأباطيل. وعن ذلك أي: عن الشركة في
الألوهية .
(٣) قوم موسى: جماعته بنو إسرائيل، وهم ذرية يعقوب في مصر. وفيما عدا الأصل وخ: ((وابن خالته)). انظر تفسير الآلوسي ١٦٣:٢٠. وبغى: طلب
التعالي والتسلط بماله وسيادته، لأنه نافق وكفر كالسامري. وآتينا: أعطينا ورزقنا. والكنوز: جمع كنز. وهو ما يجمع من المال ولا يؤدى حقه. والمفاتح:
جمع مِفتح. وهو ما يكون لفتح الأقفال وإغلاقها. وتثقل بهم: لا يستطيعون حملها ولا ضبط ما تحفظه. وواحد أولي: ذو. والقوة: القدرة العظيمة. وتثقلهم:
تعجزهم فتميل بهم. وللتعدية: يعني أن الفعل ((تنوء)): لازم عُدّي بالباء، وهي تتعلق به. قال أبو حيان عن القصاصين: ((وذكروا من كثرة مفاتحه ما هو كذب
أو يقارب الكذب)). البحر ١٣٢:٧. ولا تفرح: اترك السرور والتفاخر. ولا يحبهم: يكرههم فينتقم منهم. وآتاك: أعطاك إياه. والدار الآخرة هي الجنة.
والنصيب: ما يحتاجه الإنسان لحقوقه وواجباته. ومن الدنيا أي: من ضروراتها. وأحسِنْ: قدّم الحسن النافع. وأحسنَ إليك: أنعم عليك. والفساد: إشاعة
الضرر والشر. والمفسد: من يقترف الفساد ويشيعه باختيار وقصد.

الجزء العشرون
٣٩٥
٢٨ - سورة القَصص
١- ﴿قالَ: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾ أي: المالَ ﴿عَلَى عِلمٍ عِندِيَ﴾ أي: في مُقابلته. وكان أعلم
بني إسرائيل بالتوراة، بعد مُوسَى وهارون. قالَ تعالى ﴿أُوَلَم يَعلَمْ أَنَّ اللهَ قَد أهلَكَ مِن
قَبِلِهِ، مِنَ القُرُونِ﴾: الأُمم، ﴿مَن هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوّةً وأكثَرُ جَمعًا﴾ للمال؟ أي: هو عالم
بذلك ويُهلكه الله. ﴿وَلاَ يُسألُ عَن ذُنُوبِهِم المُجرِمُونَ﴾ ٧٨ لعِلمه - تعالى - بها،
فيدخلون النار بلا حساب.
٢- ﴿فَخَرَجَ﴾ قارون ﴿عَلَى قَومِهِ، في زِينِهِ﴾: بأتباعه الكثيرين رُكبانًا، مُتحلِّينَ
بملابس الذهب والحرير، على خُيول وبغال مُتحلّية. ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ
الدُّنيا: يا﴾ - للتنبيه - ﴿لَيتَ لَنا مِثلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾، في الدنيا. ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظّ﴾:
نصيب ﴿عَظِيمٌ﴾ ٧٩ وافٍ فيها. ﴿وقالَ﴾ لهم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ﴾، بما وعد الله في
الآخرة: ﴿وَيَلَّكُم﴾: كلمةُ زجرٍ. ﴿ثَوابُ اللهِ﴾ في الآخرة بالجنّة ﴿خَيْرٌ، لِمَن آمَنَ
وعَمِلَ صالِحًا﴾، ممّا أُوتِي قارون في الدنيا، ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أي: الجنّةَ المُثابَ بها
﴿إِلّ الصّابِرُونَ﴾ ٨٠ على الطاعة وعن المعصية.
٣- ﴿فَخَسَفْنا بِهِ﴾: بقارونَ ﴿وبِدارِهِ الأرضَ، فما كانَ لَهُ مِن فِئةٍ يَنصُرُونَهُ، مِن دُونِ
اللهِ﴾: من غيرِهِ، بأن يمنعوا عنه الهلاك، ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ ٨١ منه، ﴿وأصبحَ
الَّذِينَ تَمَنَّوا مَكانَهُ بِالأمسِ﴾، أي: من قريب، ﴿يَقُولُونَ: وَي كَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ﴾ يُوسِّع
﴿الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، ويَقدِرُ﴾: يُضيّق على من يشاء. وويْ: اسم فعل بمعنى:
أعجبُ أي: أنا. والكاف: بمعنى اللام. ﴿لَولا أن مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا﴾، بالبناء
للفاعل والمفعول. ﴿وَي كَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ ٨٢ لنعمة الله كقارونَ.
سُورَة القصص
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْأَ هْلَكَ
مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَأَشَدُّمِنْهُ قُوَّةً وَأَكْتُ جَمعاً
وَلَا يُسَْلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ،
فِ زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا
مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَدْرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ ﴿ وَقَالَ
الَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ وَيْلَكُمْ نَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ ءَآ مَن
وَعَمِلَ صَلِحًاً وَلَا يُلَقَّتِهَا إِلَّاَ الصَّبِرُونَ ﴿فَسَفْنَا
بِهِ، وَبِدَارِهِ اَلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ
اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْاْ
مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَ اَللَّهَيَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ
يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌّ لَوْلًا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّاً
وَيْكَنَّهُ لَأَ يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ جَاتِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا
لِلَّذِينَ لَ يُرِيدُ ونَ عُوا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ
﴿ مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌمِّنْهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا
يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٨٤
٤- ﴿تِلكَ الدّارُ الآخِرةُ﴾، أي: الجنّة، ﴿نَجعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرضِ﴾ بالبغي، ﴿ولا فَسادًا﴾ بعمل المعاصي، ﴿والعاقِبَةُ﴾
المحمودة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٨٣ عقابَ الله، بعمل الطاعات. ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾: ثوابٌ بسببها - وهو عشر أمثالها - ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ
فلا يُجزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إلّا﴾ جزاءَ ﴿ما كانُوا يَعمَلُونَ﴾ ٨٤.
(١) أوتيته: أُعطيته. والعلم: الدراية والمعرفة. وفي مقابلته أي: مكافأة باستحقاق، لا تفضلً وإنعامًا. ويعلمُ: يدري يقينًا. وأهلكه: أفناه. والقرون: جمع
قرن. وأشد: أعظم وأبلغ. والجمع: الحشد والكنز. ويهلكه الله أي: إذا أراد إهلاكه لم تنفعه كنوزه. وفيما عدا الأصل والنسخ وقرة العينين: ((ويهلكهم
الله)). والذنوب: جمع ذنب. وهو المعصية. والمجرم: الذي يقترف الجرائم باختيار وعزم. و((بلا حساب)) هذا قول قتادة، والجمهورُ على أن المجرمين
يحاسبون أشد حساب، بدليل آيات كثيرة. وإنما المراد هنا أنهم لايُسألون سؤال استعلام أو عتاب، بل سؤال توبيخ وتقريع وتجريم.
(٢) خرج عليهم: برز من قصوره مفاجئًا. والزينة: ما يُتحلى به ويفاخَر. قال الشوكاني: ((وقد روي عن جماعة من التابعين أقوال، في بيان ما خرج به على
قومه من الزينة، ولا يصح منها شيء مرفوعًا، بل هي من أخبار أهل الكتاب)). فتح القدير ٢٦٦:٤. ويريدونها: يفضلونها على غيرها. والمثل: الشبيه
المقارب في القدر. وأوتي: أعطيَه. وواف فيها: كثير في الدنيا يُحسد عليه. والعلم: الدراية اليقينية. وأوتوا: أُعطوا. وكلمة أي: عبارة. والزجر: الردع
والحث على ترك ما لا يُرتضى. والثواب: المكافأة. وخير: أكثر نفعًا. وعمل: اكتسب بنية أو قول أو فعل. والصالح: ما أمر الله به. ويلقّى: يعطَى.
والصابر: من يتجلد ويتحمل.
(٣) روى الإخباريون حكايات لهلاك قارون، نقل بعضها ابن كثير في ٣٨٧:٣، ثم قال: ((وذُكِرَ ههنا إسرائيليات غريبة أضربنا عنها صفحًا)). وخسفناها:
غوّرناها وغمرناها بالأنقاض. وداره: قصوره. والأرض: ما كانت عليه تلك القصور والكنوز. والفئة: الجماعة. وفي الصاوي: ((من دن)). وفيما عدا الأصل
والنسخ وقرة العينين: ((أي غيره)). ويمنعوا: يحجبوا ويدفعوا. خ: ((ويمنعوه عند)). والمنتصرين منه أي: الممتنعين بأنفسهم من العذاب. وأصبح: صار.
وتمنوا: أحبوا. والمكان: المنزلة من الغنى والجاه. والرزق: ما يعطاه المخلوق من المتاع والزينة. ويشاء: يريد أن يبسط رزقه. والعباد: جمع عبد.
و ((أعجب أي أنا)) تسمح في التعبير. والصواب: ((نعجب أي نحن))، لأن الكلام هنا لجماعة لا لفرد. وبمعنى اللام أي: حرف جر معناه السببية. والمصدر
المؤول من ((أنّ الله يبسط)) في محل جر. والجار والمجرور متعلقان بـ ((وي))، والتقدير: نعجب لبسط الرزق وقدره. ومنّ علينا: تفضل علينا بالإيمان
والرحمة. وبالمفعول يريد القراءة ((لَخُسِفَ بِنَا)). والجار والمجرور في محل رفع نائبُ فاعل. ولا يفلح: لا يظفر بالرحمة. والكافر للنعمة: من لا يقوم
بواجبها من الشكر. والمعنى: نعجب لعدم فلاح الكافرين، مع غناهم وجبروتهم.
(٤) الدار: مكان الإقامة. والآخرة: الأخيرة. ونجعل: نصيّر. ويريد: يطلب. والعلو: التكبر. والعاقبة: النهاية. والمتقي للعقاب: من يخاف العذاب
ويتجنب ما يسببه ويلزم الطاعة. وجاء: حضر يومَ القيامة. والحسنة: ما يحمد فعله شرعًا. وخير: أكثر نفعًا. والمحلي لفق هنا بين تفسيرين، موهمًا أنهما
واحد. انظر ((المفصل)). والسيئة: ما يذم فاعله شرعًا. ويجزي: يعاقب. وعمل: اكتسب من نية أو قول أو فعل. وفي ((الذين عملوا السيئات)) إقامة للاسم
الظاهر مَقام المضمر تهجينًا لحالهم وتبغيضًا للسيئة إلى قلوب السامعين. وفيه أيضًا مراعاة معنى الجمع في ((مَن))، بعد أن روعي لفظها بالإفراد. وفيما عدا
الأصل والنسخ: ما كانوا يعملون أي مثله.

٢٨ - سورة القَصص
٣٩٦
الجزء العشرون
المجرةُ الْتَخْفُرُونَ
سُورَةِ القَصَّصْ
إِنَّالَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَآدُكَ إِلَى مَعَادٍ قُل ◌َِّ
أَعْلَمُ مَنْ جَآءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ (٥) وَمَا كُنْتَ
تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلََّرَحْمَةً مِّن رَّبِّكٌَ
فَلَا تَكُونَنَ ظَهِيرًا لِّلْكَفِرِينَ ﴿ وَلَا يَصُدُّنَكَ عَنْءَايَتِ
اللَّهِ بَعْدَ إِذْأُنْزِلَتْ إِلَيْكٌَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكٌَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ﴾ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِإِلَهَاءَاخَرُلَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَّكُلُ شَىْءِ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(ب)
آياتها
سُورَةُ الجَنْكِتُوتِ
الَّمَّ أَا أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُوَأْءَامَنَا وَهُمْ لَا
يُفْتَنُونَ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمٌّ فَلَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ
صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَاْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿﴿ مَن كَانَ يَرْجُواْ
لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّأَجَلَ الَّهِ لَتٍّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥ وَمَنْ
جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّاللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ()
١- ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ القُرآنَ﴾: أنزله ﴿لَراتُكَ إِلَى مَعادٍ﴾: إلى مكّة. وكان قد
اشتاقها. ﴿قُلْ: رَبِّيَ أعلَمُ مَن جاءَ بِالهُدَى، ومَن هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٨٥. نزل
جوابًا، لقول كُفّار مكّة له: ((إنّكَ في ضَلالٍ))، أي: فهو الجائي بالهدى، وهم في
الضلال. وأعلم بمعنى: عالمٌ. ﴿وما كُنتَ تَرجُو أن يُلقَى إلَيكَ الكِتابُ﴾: القُرآن.
﴿إلّا﴾ لكن أُلقي إليك ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ. فلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾: مُعينًا ﴿لِلكافِرِينَ﴾ ٨٦
على دِينهم الذي دعَوك إليه، ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ﴾ - أصله ((يَصُدُّونَنَّكَ)) حُذفت نونُ الرفع
للجازم، والواوُ الفاعلُ لإتيانها مع النون الساكنة - ﴿عَن آياتِ اللهِ، بَعدَ إذ أُنزِلَتْ
إِلَيكَ﴾ أي: لا تَرجِع إليهم في ذلك، ﴿وادعُ﴾ الناس ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ بتوحيده وعبادته،
﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشرِكِينَ﴾ ٨٧ بإعانتهم - ولم يؤثّرِ الجازمُ في الفعل لبنائه -
﴿ولا تَدعُ﴾: تعبدْ ﴿مَعَ اللهِ إِلّهًا آخَرَ لا إِلّهَ إلّا هُوَ، كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إلّا
وَجِهَهُ﴾: إلّا إياه، ﴿لَهُ الحُكمُ﴾: القضاء النافذ، ﴿وإِلَيْهِ تُرجَعُونَ﴾ ٨٨
الخِـ
بالنشور من القبور.
سورة العنكبوت
مكية، وهي تسع وستون آية .
بِسْمِ اللّهِ الََّنِ الرَّحَمَةِ
٢- ﴿الَّمّ﴾ ١ الله أعلم بمُراده به. ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أن يُترَكُوا، أن يَقُولُوا﴾ أي:
بقولهم: ﴿آمَنّا. وَهُم لا يُفتَنُونَ﴾ ٢: يُختَبَرُون بما يتبيّن به حقيقة إيمانهم - نزل في
جماعة آمنوا، فآذاهم المشركون - ﴿وَلَقَدٍ فَتَّا الَّذِينَ مِن قَبِلِهِم؟ فَلَيَعلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في إيمانهم عِلمَ مُشاهدة، ﴿وَلَيَعلَمَنَّ الكاذِينَ﴾ ٣
فيه. ﴿أم حَسِبَ الَّذِينَ يَعمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: الشِّركَ والمعاصي ﴿أن يَسْبِقُونا﴾: يفوتونا، فلا ننتقمَ منهم؟ (ساءَ﴾: بئس ﴿ما﴾: الذي
﴿یَحکُمُونَ﴾ ٤ہ حُکمُهم هذا!
٣- ﴿مَن كانَ يَرجُو﴾: يخافُ ﴿لِقَاءَ اللهِ فإنَّ أجَلَ اللهِ﴾ به ﴿لَآتٍ﴾، فلْيستعدَّ له، ﴿وَهْوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوال العِباد، ﴿العَلِيمُ﴾ ٥ بأفعالهم، ﴿ومَن
جاهَدَ﴾ جِهادَ حرب أو نفس ﴿فإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾، لأنّ منفعة جِهاده له لا لله. ﴿إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ ٦: الإنسِ والجِنّ والملائكة، وعن
(١) روي أنه لما خرج النبي ◌ّهر مهاجرًا اشتاق إلى مكة موطنه ومولده، فنزلت الآية تبشره بالعودة إليها منتصرًا على المشركين. فتح القدير ٢٦٧:٤. وانظر
الحديث ٤٤٩٥ في البخاري. وأنزله: أوحاه وكلفك تبليغه والعمل به. والراد: مَن يردّ. ومعاد: الموضع الذي خرج منه مهاجرًا. وجاء به: صاحَّبَه.
والهدى: الهداية إلى الحق. والضلال: الخروج عن الحق إلى الباطل. والمبين: الظاهر لاشك فيه. وفي قول المحلي ((نزل جوابًا)) ما يوهم أن الآية مكية.
انظر ((المفصل)). والجائي: المصاحب الملابس. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((في ضلال)). وبمعنى عالم أي: اسم فاعل على صيغة اسم التفضيل للمبالغة.
والمراد أنه محيط بذلك إحاطة بالغة. وترجو: تطلب قبل تكليفك بالرسالة. ويلقى: يوحى. والرحمة: العطف بالإحسان. ومن ربك: من عنده وبأمره.
ولا تكونن ظهيرًا لهم أي: اثبت على التوحيد ولا تلتفت إلى ما يقولون. والكافر: من كذّب الله ورسوله. ويصد: يمنع. والصواب في أصل التركيب هو
(يَصْدُدُونَنْنَكَ)) أدغمت النون الثانية في الثالثة، ونقلت حركة الدال الأولى إلى الساكن قبلها وأدغمت الدال في الثانية أيضًا. وإتيانها: مجيئها. وفيما عدا
الأصل: ((لالتقائها)). والنون الساكنة هي النون الثانية المدغمة في الثالثة. وعن آياته: عن تلاوتها وتبليغها والعمل بها. وأنزلت إليك: أوحيت إليك وكلفت
العمل بها. وفي ذلك: بسبب ما يريدون. وادعهم: بلغهم الدعوة. وإلى ربك أي: إلى دينه وطاعته. والمشرك: من يقدس ويطيع غير الله. ولبنائه أي: على
الفتح لاتصاله بنون التوكيد. والإله: المعبود. والآخر: المغاير. والهالك: الفاني بالعدم. وتفسير الوجه بالذات الإلهية قول بعض المفسرين. والأَولى أن
يفسر اللفظ على ظاهره، دون تكييف أو تمثيل أو تعطيل. وبقاء الوجه يقتضي بقاء الذات أيضًا، من باب ذكر ما يدل عليها. وإليه أي: إلى لقاء حسابه
وجزائه. وترجعون: تردون. (٢) أعلم بمراده أي: هو حروف مقطعة، هي سره المكنون في كتابه العزيز. وفيما عدا الأصل وث وع: ((بمراده بذلك)).
وحسب: ظن. والناس: المؤمنون. ويترك: يهمل. وآمنا: صدّقنا الله ورسوله. خ: ((قولهم)). وانظر ((المفصل)). وجماعة: يعني المؤمنين الذين عذبوا. انظر
الواحدي ص ٣٥٥. وهذا لا يمنع العموم لكل من آمن بعدُ إلى الأبد. وفتنا: امتحنا بالشدائد المختلفة. ويعلمه: يُظهره للعيان. يعني أنه يتبين ما في النفوس
من الإيمان، فيشاهَد بعد أن كان خفيًا في علم الله وقدره. وصدقوا: وافق فعلهم ماقالوا واعتقدوا. والكاذبون: الذين ينافقون. ويعمل: يكتسب بنية أو قول
أو فعل. وساء: بلغ الغاية في السوء والشر والقبح. ويحكمون: يظنون ويدّعون. و((حكم)) هو المخصوص بالذم محذوف. وهو مذموم مرتين: الأولى ضمن
جنسه ((ما))، والثانية باختصاصه هنا. (٣) لقاء الله: لقاء حسابه وعقابه. وأجله: الوقت المحدّد للقاء الجزاء. وآت: واقع لا محالة. والسميع: البالغ الإدراك
لِما خفي وظهر. والعليم: المحيط إحاطة بالغة. وجاهد: بذل أقصى ما يستطيع، من المال والقدرة والصبر والعلم والعمل. وفيما عدا الأصل والنسخ وقرة
العينين: ((فإن منفعة جهاده)». والغني: المستغني لا يحتاج إلى أحد. والعالَم: الجنس من الخلق. وعمل: اكتسب بنية أو قول أو فعل. والصالح: ماحسنه
الشرع. ونكفرها: نسترها ونعفو عنها. والسيئة: مانهى عنه الشرع. ونجزي: نكافئ.

الجزء العشرون
٣٩٧
٢٩ - سورة العنكبوت
عِبادتهم. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَنْكَفِّرَنَّ عَنْهُم سَيِّئَاتِهِم)، بعمل
الصالحات، ﴿وَلَنَجِزِيَنَّهُم أحسَنَ﴾ بمعنى: حَسَنَ - ونصبُه بنزع الخافض الباء -
﴿الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٧. وهو الصالحات.
١- ﴿ووَصَّينا الإنسانَ بِوالِدَيهِ حُسنًا﴾ أي: إيصاءً ذا حُسن بأن يَبَرَّهما. ﴿وإن
جاهَدَاكَ، لِتُشْرِكَ بِي ما لَيسَ لَكَ بِهِ﴾: بإشراكه (عِلمٌ﴾ - مُوافقً للواقع فلا مفهوم له -
﴿فلا تُطِعْهُما﴾ في الإشراك. ﴿إِلَيَّ مَرجِعُكُمْ، فَأُنَبَّكُم بِما كُنتُمْ تَعمَلُونَ﴾ ٨، فأُجازيكم
به. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَتُدخِلَنَّهُم في الصّالِحِينَ﴾ ٩: الأنبياءِ والأولياءِ،
بأن نحشرهم معهم .
٢- ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: آمَنّا بِاللهِ. فإذا أُوذِيَ في اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ أي: أذاهم
له ﴿كَعَذابِ اللهِ﴾، في الخوف منه، فيُطيعهم فيُنافق، ﴿ولَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿جاءَ
نَصرٌ﴾ للمؤمنين ﴿مِن رَبِّكَ﴾ فغنموا ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، حُذفت منه نونُ الرفع لتوالي النونات،
والواوُ ضمير الجمع لالتقاء الساكنين: ﴿إِنّا كُنّا مَعَكُم﴾ في الإيمان. فأشركونا في
الغنيمة. قال تعالى: ﴿أَوَلَيسَ اللهُ بِأَعلَمَ﴾ أي: بعالمٍ ﴿بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ١٠ :
قُلوبِهم من الإِيمان والنفاق؟ بلى. ﴿وَلَيَعلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقُلوبهم، ﴿وَلَيَعلَمَنَّ
المُنافِقِينَ﴾ ١١، فيجازي الفريقين. واللام في الفعلين: لام قسم.
٣- ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾: طريقنا في دِيننا، ﴿ولْنَحمِلْ
خَطاياكُم﴾ في اتّباعنا، إن كانت. والأمر بمعنى الخبر. قال تعالى: ﴿وما هُم بِحامِلِينَ
مِن خَطاياهُم مِن شَيءٍ - إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ ١٢ في ذلك - ﴿وَلَيَحمِلُنَّ أثقالَهُم﴾:
أوزارهم، ﴿وأثقالًا مَعَ أثقالِهِم﴾ بقولِهم للمؤمنين ((اتَّبِعُوا سَبِيلَنا)) وإضلالِهم مُقلّديهم، ﴿وَيُسألُنَّ يَومَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ١٣ : يكذبون
على الله، سُؤالَ توبيخ. واللام في الفعلين: لام قسم. وحذف فاعلهما الواو ونون الرفع.
٤- ﴿وَقَد أرسَلْنا نُوحًا إلَى قَومِهِ﴾، وعمره أربعون سنة أو أكثر، ﴿فَلَبِثَ فِيهِم ألفَ سَنةٍ إلّا خَمسِينَ عامًا﴾، يدعوهم إلى توحيد الله فكذّبوه،
(١) عندما أسلم سعد بن أبي وقاص أقسمت أمّه الكافرة ألّا تكلمه ولا تأكل ولا تشرب حتى يعود إلى الشرك، وبقيت كذلك ثلاثة أيام، فنزلت الآية ٨. انظر
الأحاديث ١٧٤٨ في مسلم و٣١٨٨ في الترمذي وفي المسند ١٢٠:٣ و٢٨٦. ووصيناه به: أمرناه بتعهده ومراعاته. والوالدان: الأب والأم. والحُسن: جمال
القول والفعل والمعاملة. وجاهدك: أكرهك وحملك. وتشرك بي: تجعل معي شريكًا في الألوهية. ولا مفهوم له: يعني أن ((ما ليس لك به علم)) غير مقصود
به ما يفهم من ظاهره، والمراد أنه ليس هناك شريك تعلمه أو لا تعلمه. فالنفي للعلم مقصود به نفي المعلوم، أي: وجودِ الشريك أصلًا. وهذا ما يوافق
الواقع الثابت بلا شك. وتطيعه: تستجيب له. وإليّ: إلى لقاء ما وعدت في يوم القيامة. والمرجع: العودة بعد البعث للحساب والجزاء. وأنبئ: أخبر وأذكّر.
وندخلهم: نجعلهم. وفي الصالحين: في جملتهم ومنزلتهم. ومعهم أي: في الجنة.
(٢) نزلت الآيتان ١٠ و١١ في بعض المسلمين، آمنوا في مكة، ولما آذاهم المشركون رجعوا إلى الكفر. ولذلك وصفوا بالنفاق. الدر المنثور ٤٢:٥. ومن
الناس: بعضهم. وآمنا به: صدّقناه وأقررنا بوحدانيته. وأوذي: عُذب تعذيبًا لا يصبر عليه. وفي الله أي: بسبب دينه. وجعل: صيّر. والفتنة: الامتحان.
والناس هنا: الكافرون. والعذاب: التعذيب في الدنيا والآخرة. وجاء: وقع وحصل. والنصر: العون على العدو ليرتدع. ومن ربك: من عنده وبأمره.
والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. وعالم يعني أن ((أعلم)): اسم فاعل بلفظ اسم التفضيل، للمبالغة في الإحاطة. والصدور: جمع صدر.
والمراد به القلب الذي فيه. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. فالمراد هنا ما كان من المخلوقات التي تعقل. وبلى أي: هو عالم بذلك دون شك.
والمنافق: من أظهر الإيمان بلسانه ولم يطمئن به قلبه. و((لام قسم)) يعني أنها واقعة في جواب قسم مقدر، جوابية للتوكيد.
(٣) كفر: كذّب الله ورسوله. واتبعوه: اسلكوه واعملوا به. وسقط ((طريقنا)) مما عدا الأصل وخ. ونحملها: نتحمل عقابها عنكم. والخطايا: جمع خطيئة.
وهي الذنب والمعصية. و((إن كانت)) يعني: على فرض أنها خطايا، وهي في رأينا ليست كذلك. وكان كبار مشركي مكة يقولون لمن آمن: لا نُبعث نحن ولا
أنتم. فإن كان عليكم من الإقامة على دين الآباء شيء فهو علينا. البحر ١٤٣:٧. وبمعنى الخبر: يعني أن ((لنحمل)) فيه الأمر لأنفسهم مجازًا، عُبِّرَ به كذلك
عن معنى الخبر: نحملُ، مبالغة في الالتزام بالحمل. وخطاياهم: خطايا المؤمنين المخاطَبين. والكاذب: من يقول غير الحق. والأثقال: جمع ثقل.
وبقولهم: بسبب قولهم. ويسأل: يذكَّر. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من قبورهم للحساب والجزاء. والتوبيخ: التقريع والتعنيف. ولام قسم أي:
واقعة في جواب القسم المحذوف. وفاعلهما أي: فاعل ((يحمل)) ونائب فاعل ((يسأل)). عُبِّرَ عنهما بالفاعل تغليبًا للأشهر.
(٤) أرسلناه: بعثناه مبلّغًا ومنذرًا. ونوح: النبي بعد آدم وشيث وإدريس. وقومه: الجماعة التي هو من أبنائها. ولبث: أقام وبقي. وتحديد عمره هنا فيه
خلاف كثير. قال أبو حيان: ((واختُلف في مقدار عمره، حين كان بعث وحين مات، اختلافًا مضطربًا متكاذبًا)). ولبث: بقي. والسنة والعام شيء واحد في
المدة. وأخذهم: عاقبهم وأهلكهم. والطوفان: الماء الغامر الجارف. وطاف: أحاط من كل جانب. والظالم: من يتجاوز الحق. وأنجيناه: أنقذناه.
وأصحاب: جمع صاحب. وهو الملازم للشيء كمن يملكه. وجعل: صيّر. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. ورسولهم: من أرسل إليهم بالتوحيد
والشريعة والعمل. وفيما عدا الأصل والنسختين وبعض النسخ: (رسلهم)).
الجزءُ الْعَمْرُه
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَتُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِى كَانُوْيَعْمَلُونَ ﴿ وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ
بَوْلِدَيْهِ حُسْنٌَّ وَإِن جَهَدَ الَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ
فَلَا تُطِعْهُمَاْ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنُبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (3)
وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِ الصَّلِحِينَ
(ج وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّابِاللَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ
فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَيْنِ جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ
إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَلَمِينَ
أَوَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَ الْمُنَفِقِينَ
(٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا
وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ وَمَاهُمْ يَحَمِلِينَ مِنْ خَطَيَهُمْ مِّن
شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا.
مَّعَ أَثَقَالِهِمٌّ وَلَيُسْتَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ
٣] وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَّةٍ
إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الُوفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)
سُورَةِ الْعَنكُب

٢٩ - سورة العنكبوت
٣٩٨
الجزء العشرون
سُورَةِ الْعَنكُ
فَأَنْجَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَهَاَءَايَةً لِّلْعَلَّمِينَ
﴿ وَإِنْرَاهِيمَ إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا وَتَخْلُقُونَ إِفْكَا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اَللَّهِ لَيَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقَا فَأَبْنَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ
وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُ وْلَهُ: إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ وَإِنْ تُكَذِّبُواْ
فَقَدْ كَذَّبَ أُمَنٌ مِن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ
اَلْمُبِيثُ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْكَيْفَ يُبْدِىُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ
يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ
فَأَنْظُرُ واْكَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةُ
﴿إِنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٥) يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ
مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ بِمُعْجِرِينَ فِ
الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَمَالَكُمْ مِن دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِّ
وَلَ نَصِيرِ جَ وَالَّذِينَ كَفَرُ واْبِشَايَتِ اللَّهِ وَلِقَآپِهِ،
٢٣
أُوْلَئِكَ يَبِسُواْ مِن رَّحْمَتِ وَأُوْلَهِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ أي: الماء الكثير، طاف بهم وعلاهم فغرقوا، ﴿وهُم
ظالِمُونَ﴾ ١٤: مُشركون، ﴿فأنجَيناهُ﴾ أي: نُوحًا ﴿وأصحابَ السَّفِينةِ﴾ أي: الذين
كانوا معه فيها، ﴿وجَعَلْناها آيةً﴾: عِبرة ﴿لِلعالَمِينَ﴾ ١٥: لمن بعدهم من الناس، إن
عصَوا رسولهم. وعاش نُوح بعد الطوفان ستّين سنة أو أكثر حتّى كثر الناسُ.
١ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِبراهِيمَ، إذ قالَ لِقَومِهِ: اعْبُدُوا اللهَ واتَّقُوهُ﴾: خافوا عقابه. ﴿ذُلِكُم
خَيْرٌ لَكُم﴾ ممّا أنتم عليه، من عبادة الأصنام، ﴿إِن كُنتُم تَعلَمُونَ﴾ ١٦ الخيرَ من غيره.
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه ﴿أو ثانًا، وتَخلُّقُونَ إفكًا﴾: تقولون كذبًا: ((إنّ
الأوثان شُركاءُ لله)). ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَملِكُونَ لَكُمْ رِزقًا﴾: لا يقدرون
أن يرزقوكم. ﴿فابتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزْقَ﴾: اطلبوه منه، ﴿واعْبُدُوهُ واشكُرُوا لَهُ. إلَيهِ
تُرجَعُونَ﴾ ١٧ .
٢- ﴿وإن تُكَذِّبُوا﴾ أي: تُكذّبوني - يا أهل مكّة - ﴿فقَد كَذَّبَ أُمَمِّ مِن قَبَلِكُم﴾ مَن
قبلي. ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ١٨ : الإبلاغ البَيِّنُ. في هاتين القصتين
تسلية للنبيّ. وقال - تعالى - في قومه: ﴿أُوَلَم يَرَوا﴾، بالياء والتاء: ينظروا: ﴿كَيفَ
يُبدِئُ اللهُ الخَلقَ﴾ - بضمّ أوله، وقُرئ بفتحه من: بَدأَ وأبدأً بمعنّى - أي: يخلقهم
ابتداء؟ ﴿ثُمَّ﴾ هو ﴿يُعِيدُهُ﴾ أي: الخلقَ كما بدأه. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ المذكورَ، من الخلق
الأوّل والثاني، ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ ١٩. فكيف ينكرون الثاني؟
٣- ﴿قُلْ: سِيرُوا في الأرضِ، فانظُرُوا: كَيفَ بَدَأَ الخَلقَ﴾ لمن كان قبلكم وأماتهم؟ (ثُمَّ اللهُ يُنشِئُ النَّشَاءَةَ الآخِرَةَ﴾، مدًّا، وقصرًا مع سكون
الشين. ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢٠، ومنه البدء والإعادة، ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ تعذيبه، ﴿وَيَرحَمُ مَن يَشاءُ﴾ رحمته، ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ٢١ :
تُردّون، ﴿وما أنْتُم بِمُعجِزِينَ﴾ ربَّكم، عن إدراككم ﴿في الأرضِ ولا في السَّماءِ﴾ - لو كنتم فيها، أي: لا تفوتونه - ﴿وما لَكُم مِنِ دُونِ اللهِ﴾ أي:
غيرَه ﴿مِن وَلِيٍّ﴾ يمنعكم منه، ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ ٢٢: ينصركم من عذابه. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ ولِقائِهِ﴾، أي: القُرآنِ والبعث، ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن
رَحْمَتِي﴾ أي: جنّتي، ﴿وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ ٢٣: مُؤلم.
(١) إبراهيم: أبو الأنبياء بعد نوح وهود وصالح. واعبدوه: قدسوه وحده. والأمر بالتقوى يستلزم الطاعة للأمر والنهي. وخير: أكثر نفعًا. والتفضيل هنا بناء
على ما يزعمه المشركون من خير في عبادة الأصنام. وتعلم: تميز. والمراد: إن كنتم تعلمون، وتعملون بما يوجب ذلك، حصل لكم الأفضل. والأوثان:
جمع قلة للوثن مراد به الكثرة، عُبِّرَ عنها بالقلة للتحقير. والوثن: ماجعل معبودًا من خشب أو غير ذلك. وتخلقونه: تصطنعونه من الباطل. وشركاء الله أي:
في الألوهية والعبادة. وفي الأصل وقرة العينين والمنحة: ((شركاء الله)). والرزق: تيسير المتاع والزينة. واشكروا له: استحضروا نعمه في نفوسكم، وأظهروا ما
يجوز إظهاره منها، وأثنوا عليه لذلك بالقلب واللسان والطاعة. وإليه: إلى لقاء حسابه وجزائه. وترجعون: تُردون وتصيرون بعد الموت والبعث.
(٢) تكذبونني: تنكرون ما جئت به. وضمير المتكلم للنبي وير. والأمم: جمع أمة. ومن قبلي أي: الرسل الذين بعثوا قبلي. والإبلاغ: إيصال الرسالة. وفيما
عدا الأصل والنسخ: ((إلّا البلاغ)). والقصتين يريد: قصتي نوح وإبراهيم مع قومهما. والرؤية ههنا بالتفكر والتدبر، فيما يحصل من تكوين الإنسان والحيوان
والنبات والجماد. وقومه: قوم النبي ◌ّ. وبالتاء يريد القراءة ((أوَلَم تَرَوا))؟ والخلق: المخلوقات. وبفتحه أي: ((يَبدَأ)). والقراءة الأولى مضارع ((أبداً)).
وبمعنى أي: بمعنّى واحد. وهو الإيجاد للشيء من العدم. ويعيده: يردّ تكوين الأجسام بعد الفناء، ويردّ إليها أرواحها. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((بدأهم)).
واليسير: الهين. والثاني يعني البعث بعد الموت للحساب والجزاء.
(٣) سيروا: امشوا مسافرين ومتنقلين. وانظروا: تأملوا بالتفكر وتفهم الدلائل. والخلق: الإيجاد من العدم. ولمن كان أي: للأمم الماضية. خ: ((أي مِن
كان)). فالخلق يكون بمعنى المخلوقين. وينشئ: يكوّن ويُحدث. والآخرة: التالية تكون يوم القيامة. والمد: همزة بعد ألف. وقصرًا يريد القراءة ((النَّشْأَةَ))
بهمزة دون ألف قبلها، وهو القصر. والشيء: ماهو موجود أو محتمل وجوده. والقدير: المبالغ في الاقتدار لا يعجزه شيء. ومنه: من الشيء المذكور.
ويعذبه: يخصه بما يسوءه ويشقيه في الدنيا والآخرة. ويشاء: يريد. ويرحمه: يعطف عليه فيحسن إليه بما يسعده في الدارين. وتردون أي: يوم القيامة
للحساب والجزاء. والمعجز: القادر على التخلص والنجاة من القهر والسلطان. والأرض: موطن الحياة الدنيا. والسماء: ما يحيط بالأرض من الجو
والأجرام والعوالم الغيبية. والولي: من يتولى أمور غيره ويرعى مصالحه. والنصير: من يدفع البلاء وينقذ منه. وكفر بها: جحدها وأنكرها. و((القرآن)) تفسير
للآيات. و((البعث)) تفسير للقاء. ويئس: قطع الأمل والرجاء. والعذاب: التعذيب في الدنيا والآخرة عقوبة وإهانة.

الجزء العشرون
٣٩٩
٢٩ - سورة العنكبوت
١- قال تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فما كانَ جَوابَ قَومِهِ إلّا أن قالُوا: اقتُلُوهُ أو حَرِّقُوهُ.
فأنجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ﴾ التي قذفوه فيها، بأن جعلها عليه بردًا وسلامًا - ﴿إِنَّ في ذُلِكَ﴾
أي: إنجائه منها ﴿لَآيَاتٍ﴾، هي عدمُ تأثيرها فيه مع عِظَمِها، وإخمادُها وإنشاءُ روض
مكانها في زمنٍ يسير، ﴿لِقَومِ يُؤمِنُونَ﴾ ٢٤: يصدّقون بتوحيد الله وقُدرته، لأنهم
المنتفعون بها - ﴿وقالَ﴾ إبراهيم: ﴿إِنَّ ما اتَّخَذْتُم مِن دُونِ اللهِ أو ثانًا﴾
تعبدونها - وما: مصدريّة - ﴿مَوَدّةُ بَينِكُم﴾: خبر ((إنّ))، وعلى قراءة النصب
الْخِرَبُ
٤
مفعول له، وما: كافة. المعنى: تواددتم على عِبادتها ﴿في الحَياةِ الدُّنيا، ثُمَّ
يَومَ القِيامةِ يَكفِّرُ بَعضُكُم بِبَعضٍ﴾: يتبرّأ القادةُ من الأتباع، ﴿ويَلعَنُ بَعضُكُم
بَعضًا﴾: يلعن الأتباعُ القادةَ، ﴿ومأواكُمُ﴾: مصيركم جميعًا ﴿النّارُ، ومالَكُم مِن
ناصِرِينَ﴾ ٢٥: مانعين منها .
٢- ﴿فَآمَنَ لَهُ﴾: صدّق بإبراهيم ﴿لُوطٌ﴾، وهو ابن أخيه هارانَ، ﴿وقالَ﴾ إبراهيم:
﴿إِنِّي مُهاجِرٌ﴾ من قومي، ﴿إِلَى رَبِّيَ﴾ أي: إلى حيثُ أمرني ربّي. وهجر قومه وهاجر
من سواد العِراق إلى الشام. ﴿إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ﴾ في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ ٢٦ في خلقه.
﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ بعد إسماعيل ﴿إسحاقَ، ويَعْقُوبَ﴾ بعد إسحاق، ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيّتِهِ
النُّبُوَّةَ﴾ - فكلّ الأنبياء بعد إبراهيم من ذُرّيّته - ﴿والكِتابَ﴾ بمعنى الكُتب، أي:
التوراةَ والإنجيل والزبور والقرآن، ﴿وآتَيْناهُ أجرَهُ في الدُّنيا﴾. وهو الثناء الحسن في
كُلّ أهل الأديان. ﴿وإنَّهُ في الآخِرةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ٢٧ الذين لهم الدرجات العُلا.
سُورَةِ الْعَنكُ
الدورة الـ
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَن قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْحَرِّقُوهُ
فَأَنْجَنُهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
﴿ وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْ تُ مِن دُونِ اللَّهِأَوْثَنَا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ
فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ
بِبَعْضِ وَيَلْعَربُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْ وَنَكُمُ النَّارُ
(٥* فَامَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ
وَمَا لَكُمْ مِّن نَّصِرِينَ
إِنِّ مُهَاجِرٍ إِلَى رَبِىِّ إِنَّهُ هُوَ اَلْعَزِيزُ اُلْحَكِيمُ ﴾ وَوَهَبْنَا
لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَافِ ذُرِيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَاَلْكِنَبَ
وَءَيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ
﴿ وَلُوطَا إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ
مَاسَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ هَا
أَبِتَّكُمْ لَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَّعُونَ السَكِيلَ وَتَأْتُونَ
فِ نَادِيكُمُ الْمُنكَرِّ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ
أَنْ قَالُواْ أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ
جَ قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِى عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِين
٣- ﴿﴾ اذكرْ ﴿لُوطًا، إذ قالَ لِقَومِهِ: أإِنَّكُم﴾ - بتحقيق الهمزتين وتسهيلِ الثانية، وإدخالِ ألف بينهما على الوجهين في الموضعين - ﴿لَتَأْتُونَ
الفاحِشةَ﴾ أي: أدبارَ الرجال، ﴿مَا سَبَقَكُم بِها مِن أَحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ٢٨: الإنس والجنّ؟ ﴿أإِنَّكُم لَتْأْتُونَ الرِّجالَ وتَقطَعُونَ السَّبِيلَ﴾: طريق
المارّة، بفِعلكم الفاحشةَ بمن يمرّ بكم، فترك الناس الممرّ بكم، ﴿وتأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أي: مُتحدَّثِكم ﴿المُنكَرَ﴾: فِعلَ الفاحشة بعضكم ببعض؟
﴿فما كانَ جَوابَ قومِهِ إلّا أن قالُوا: ائِنا بِعذابِ اللهِ، إن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ٢٩ في استقباح ذلك، وأن العذاب نازل بفاعليه. ﴿قالَ: رَبِّ،
انصُرْنِي﴾ بتحقيق قولي، في إنزال العذاب ﴿عَلَى القَومِ المُفسِدِينَ﴾ ٣٠: العاصين بإتيان الرجال. فاستجاب الله دعاءه.
(١) جواب قومه: ردهم على حججه من الرؤساء، موجهًا إلى أتباعهم. وحرقوه: ألقوه في نار لتحرقه. وأنجاه: أنقذه وحفظه. انظر الآية ٦٩ من سورة
إبراهيم. والآيات: البراهين الدالة على التوحيد والقدرة البالغة. والروض: البستان. وإنشاء الروض ليس له ما يصححه، ضعفه أبو حيان بقوله: ((إن صح ما
نُقل)). البحر ٢٤٨:٧. وبها: بتلك الآيات يتعظون وبأمثالها. واتخذ: جعل وصيّر. والأوثان: انظر الآية ١٧. ومصدرية: يعني أن التقدير: إنّ اتخاذكم
الأوثانَ مودة. وهي الألفة والصداقة. وبالنصب: يعني ((مَوَدّةً بَينِكُم))، أي: إنما عبدتم الأوثان لإرضاء بعضكم بعضًا ومودته، لا لاعتقادكم صحة ما تفعلون.
فيكون رسم ((إن ما)) هو ((إنما)): للحصر. والدنيا: القريبة منهم لأنهم يعيشون فيها. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من قبورهم بالبعث. وبعضهم:
الواحد منهم أو الأكثر. ويلعنه: يدعو عليه بالطرد من الرحمة.
(٢) صدق به أي: بنبوته. والمهاجر: الراحل يغادر وطنه وقومه. والشام: فلسطين وما حولها من بلاد الشام. والعزيز: الغالب على أمره لا يعجزه شيء.
والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء. وخلقه: إيجاده ما يريد. وفيما عدا الأصل والنسخ وقرة العينين: ((في صنعه)).
ووهب: أعطى. ويعقوب هو ابن إسحاق حفيد لإبراهيم. وجعل: صيّر. وذريته: نسل إبراهيم. والنبوة: التكليف بوحي وإلهام للدعوة إلى التوحيد مع العمل.
والكتاب هنا يدل على الكثرة. وفيما عدا الأصل وخ: ((الفرقان)) موضع ((القرآن)). وآتى: أعطى. والأجر: المكافأة. والدنيا: الحياة القريبة التي يعيش فيها
الناس الآن. والآخرة: الحياة يوم القيامة. والصالح: من كان عمله مما يرضي الله.
(٣) لوط: ابن أخي إبراهيم هاجر معه من العراق إلى الشام، ثم ذهب إلى سدوم قرب حمص. وقومه: الجماعة التي يعيش بينها وصاهرها. و((بتحقيق ...
في الموضعين)) يعني: في الآيتين ٢٨ و٢٩. ففي كل منهما أربع قراءات: ما أثبتنا، و((أإِنَّكُم))، و((آإِنَّكُم))، و((آإِنَّكُم)). وتأتون: تفعلون بالوطء. والفاحشة:
القبيحة الشنيعة من المنكرات. وما سبقكم بها أي: لم يفعلها قبلكم. والعالَم: الجنس من الخلق. وجمعه يدخل فيه الحيوان أيضًا، مما يجعل قوم لوط أحط
من البهائم. وتأتون الرجال: تستحلون أدبارهم باللّواطة. والرجال: جمع رجل. وتقطعونه: تمنعون الناس من العبور فيه بإيذائهم، والعدوان عليهم وعلى
أموالهم وأعراضهم. والممر: المرور. والمنكر: ما قبحه الشرع والعقل والنفس الكريمة. وجوابهم: انظر الآية ٢٤. وائتنا به: أوقعه بنا. والصادق: من يقول
الحق. ورب أي: ياربي، حذف حرفُ النداء مبالغة في التعظيم لِما فيه من معنى الأمر والتنبيه، وياءُ المتكلم للتخفيف. وانصرني: أعِنّي للغلبة عليهم.

٢٩ - سورة العنكبوت
٤٠٠
الجزء العشرون
سُورَةِ الْعَنكُّة
وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ
أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةٌ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْظَالِمِينَ لَّه
قَالَ إِنَّ فِيهَالُوطَأَ قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُبِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ.
وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِرِينَ * وَلَمَّآ
أَنْ جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطَّاسِىءَ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا
وَقَالُوْ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنِّ إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا أَمْرَأَتَكَ
كَانَتْ مِنَ الْغَبِنَ ﴿ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ
هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًاً مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
﴿﴿ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآءَايَةٌ بِنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
(٢٦) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا
اُللَّهَ وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ اُلْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
ثَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي
دَارِهِمْ جَثِمِينَ ﴾ وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَقَد تَبَّيَّنَ
لَكُمْ مِّن مَّسَكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ
أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ
١- ﴿وَلَمّا جاءَتِ رُسْلُنا إِبراهِيمَ بِالْبُشرَى﴾، بإسحاق ويعقوب بعده، ﴿قالُوا: إنّا
مُهلِكُو أهلِ هُذِهِ القَرْبةِ﴾ أي: قرية لُوط. ﴿إِنَّ أهلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ٣١: كافرين.
﴿قَالَ﴾ إبراهيم: ﴿إِنَّ فِيها لُوطًا. قالُوا﴾ أي: الرسل: ﴿نَحنُ أعلَمُ بِمَن فِيها.
لَنُنْجِيَنَّهُ﴾ - بالتخفيف والتشديد - ﴿وأهلَهُ إلّا امرأتَهُ، كانَت مِنَ الغابِرِينَ﴾ ٣٢ :
الباقين في العذاب.
٢- ﴿وَلَمّا أن جاءتْ رُسْلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِم﴾: حَزِنَ بسببهم، ﴿وضاقَ بِهِم ذَرعًا﴾:
صدرًا، لأنهم حِسانُ الوجوه في صورة أضياف، فخاف عليهم قومه، فأعلموه بأنهم
رُسل ربه، ﴿وقالُوا: لا تَخَفْ ولا تَحزَنْ. إنّا مُنَجُّوكَ﴾ - بالتشديد والتخفيف -
﴿وأهلَكَ إلّا امرأتَكَ، كانَت مِنَ الغابِرِينَ﴾ ٣٣. ونُصِبَ ((أهلك)) عطفًا على محلّ
الكاف. ﴿إِنّ مُنْزِلُونَ﴾ - بالتخفيف والتشديد - ﴿عَلَى أهلِ هذهِ القَرْيةِ رِجْزًا﴾: عذابًا
﴿مِنَ السَّماءِ، بِما﴾: بالفعل الذي ﴿كانُوا يَفسُقُونَ﴾ ٣٤ به، أي بسبب فِسقهم.
﴿وَلَقَد تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةَ﴾: ظاهرة، هي آثار خرابها، ﴿لِقَومِ يَعْقِلُونَ﴾ ٣٥: يتدبّرون.
٣- ﴿و) أرسلنا ﴿إِلَى مَدْيَنَ أخاهُمْ شُعَيبًا، فقالَ: يا قَومٍ، اعْبُدُوا اللهَ وارجُوا اليَومَ
الآخِرَ﴾: اخشَوه - هو يوم القيامة - ﴿ولا تَعثَوا في الأَرضِ مُفسِدِينَ﴾ ٣٦: حالٌ
مُؤكِّدة لعاملها، من ((عَثِيَ)) بكسر المُثلّثة: أفسدَ. ﴿فَكَذَّبُوهُ فأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: الزلزلة
الشديدة، ﴿فأصبَحُوا في دارِهِم جاثِمِينَ﴾ ٣٧: باركين على الرُّكب ميّتين.
٤ - ﴿و﴾ أهلكنا ﴿عادًا وَثَمُودًا﴾ - بصرف ((ثمود)) وتركه، بمعنى الحيّ والقبيلة،
﴿وَقَد تَبَيَّنَ لَكُم﴾ إهلاكُهم، ﴿مِن مَساكِنِهِم﴾ بالحِجر واليمن - ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ
أعمالَهُم﴾ من الكُفر والمعاصي، ﴿فصَدَّهُم عَنِ السَّبِيلِ﴾: سبيل الحقّ، ﴿وكانُوا مُستَبصِرِينَ﴾ ٣٨: ذوي بصائرَ، ﴿و﴾ أهلكنا ﴿قَارُونَ وفِرِعَونَ
وهامانَ، ولَقَد جاءَهُم﴾ من قبلُ ﴿مُوسَى بِالبَيِّناتِ﴾: بالحُجج الظاهرات، ﴿فاستَكبَرُوا في الأرضِ، وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ٣٩: فائتين عذابنا.
(١) جاءته: دخلت بيته. والرسل: جمع رسول. وهم الملائكة هنا وفي الآية ٣٣. والبشرى: البشارة بالخبر السار، وفيها إهلاك قوم لوط، مع ما ذكر
المحلي من الولد والحفيد. ومهلكوهم: مفنوهم بالعذاب. وقرية لوط هي مدينة سدوم وحولها مدن أخرى. وكانوا أي: وما زالوا في واقع أمرهم. والظلم:
مجاوزة الحق، فسّره بالكفر لأنه أشنع الظلم. وأعلم: أدرى منك. وننجيه: ننقذه. وبالتشديد يريد القراءة (لَنُنَجِّيَنَّهُ)). خ: ((بالتشديد والتخفيف)). وهو أولى لِما
سيلي في الآية ٣٣. والأهل: من يعولهم الرجل من نساء وأولاد. وامرأته: زوجة له كافرة. وكانت أي: في علم الله وحكمه الأزلي. والباقين أي:
المنغمسين، لاننجيها لأنها كانت تؤيد قومها، وتنقل إليهم أخبار زوجها. (٢) الذرع: القدرة. وضاق بهم ذرعًا: عجَز عن احتمال حضورهم، إذ لم يكن يعلم
أنهم ملائكة. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((فأعلموه أنهم رسل ربه)). ولا تخف: لاتخش أذى لنا أو لك واطمئن. ولا تحزن: لا تجزع. ومنجوك: منقذوك.
وبالتخفيف يريد القراءة ((مُنْجُوكَ)). والأولى أن يعكس ليوافق ما في الآية ٣٢، ويكون إيراد كل من التشديد والتخفيف مع مثله في القراءة. وعطفًا على محل
الكاف: يعني أن الكاف محلها النصب تقديرًا، ولذلك عطف ((أهل)) عليها بالنصب. وفيما عدا الأصل والنسختين: ((عطف)). ومنزلون: مسقطون. وبالتشديد
يريد القراءة (مُنَزِّلُونَ)). والرجز: ما يُقلق ويسبب الاضطراب والهلاك. وهو هنا الزلازل والخسف والريح والحجارة المحرقة. ومن السماء أي: أن الأمر بذلك
من عند الله ، فعُبِّرَ بالسماء للدلالة على الرفعة والسلطان. ويفسق: يخرج على الحق ويرتكب الفواحش. وترك: جعل. والآية: العظة والدلالة على ما نزل
بالكافرين العصاة. ويتدبرون أي: تدبُّرَ ذوي العقول والتفكر والاتعاظ. (٣) وإلى مدين أي: إلى أهلها، من قدماء العرب ذرية مدينٍ بن إبراهيم. وهي مدينة
على ساحل البحر الأحمر محاذية لتبوك. وأخاهم أي: أنهم قومه. فهو رسول عربي أيضًا. واعبدوه: وحّدوه بالتقديس والطاعة. واليوم: الوقت. والآخر:
المتأخر يكون بالبعث بعد الموت. واخشوه: خافوا جزاءه وتجنبوه بالامتثال للأمر والنهي. والمثلثة: الثاء. وأفسد: يعني أن ((عثي)) بمعنى: أفسد. ولذلك
كانت الحال من الفاعل مؤكّدة لـ ((تعثوا))، أي: تُشيعوا الشر والسوء بين الناس. وكذبوه: أنكروا ما ذكره من التوحيد والحساب. وأخذتهم: أهلكتهم. والزلزلة
كانت بالصيحة الشديدة التي دمرت وخسفت. انظر الآية ٩٤ من سورة هود. وأصبحوا: صاروا . (٤) عاد: قوم هود كانوا بين عُمان وحضرموت. والقومان
المذكوران أبناء إرم من العرب العاربة، أقدم الأمم بعد نوح عرفت لها آثار. والصرف وتركه هما في عبارة المحلي خاصان بثمود، خلافًا لِما جاء في المنحة
ص ٥٢٥. وبتركه يريد القراءة (وثَمُودَ)). والترك هو المنع من التنوين. وقوم النبي صالح كانوا بالحِجر، على طريق المدينة إلى الشام. وتبين: ظهر للعيان.
والمساكن: جمع مسكن، أي: ما بقي فيها من آثار الدمار والفناء. وزينها: جملها. والشيطان: من يوسوس بالشر والضلال من الجن والإنس. والأعمال:
جمع عمل. وهو ما يقوم به الإنسان من تفكير أو تدبير أو تصرف. وصد: منع. والسبيل: الطريق المستقيم. والبصائر: جمع بصيرة. وهي القدرة على معرفة
الحق من الباطل. وذوي بصائر أي: عقلاء متمكنين من التدبر والتفكير، لكنهم لم يفعلوا ذلك تعنتًا وإصرارًا على العصيان. وقارون: ابن عم موسى. انظر
الآيات ٧٦- ٨٢ من سورة القصص. وفرعون: ملك مصر في عهد موسى. وهامان: وزير فرعون. وجاءهم بها من قبل: أحضرها لهم قبل إهلاكهم، يدعوهم
إلى التوحيد. وبالحجج أي: بالأدلة والبراهين. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((الحجج)). واستكبروا: طلبوا ماليس لهم، من التعالي على الإيمان والطاعة.
وفائتين عذابنا أي: فارّين منه رغم ما هم عليه من الغنى والسلطان.