Indexed OCR Text
Pages 261-280
الجزء الثالث عشر
٢٦١
١٤ - سورة إبراهيم
إلى السماء، ﴿لَا يَرتَدُّ إلَيهِم طَرْفُهُم﴾: بصرهم، ﴿وأفئِدتُهُم﴾: قُلوبهم ﴿هَواءٌ﴾ ٤٣ :
خالية من العقل لفزعهم.
١ - ﴿وَأَنذِرٍ﴾: خوَّفْ - يا مُحمّد - ﴿النّاسَ﴾: الكُفّار ﴿يَومَ يأْتِيهِمِ العَذابُ﴾، هو
يوم القيامة، ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: كفروا ﴿: رَبَّنَا، أخِّرْنا﴾ بأنَ تردّنا إلى الدنيا
﴿إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ، نُجِبْ دَعوَتَكَ﴾ بالتوحيد، ﴿ونَتَّبَعِ الرُّسُلَ﴾. فيقال لهم توبيخًا:
﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقِسَمْتُم﴾: حلفتم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ في الدنيا، ﴿ما لَكُم مِن﴾: زائدةٌ
﴿زَوالٍ﴾ ٤٤ عنها إلى الآخرة، ﴿وسَكَنتُم﴾ فيها ﴿فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم﴾
بالكُفر، من الأُمم السابقة، ﴿وتَبَيَّنَ لَكُم كَيفَ فَعَلْنا بِهِم﴾ من العُقوبة؟ فلم تنزجروا،
﴿وَضَرَبْنَا﴾: بيّا ﴿لَكُمُ الأمثالَ﴾ ٤٥ في القُرآن، فلم تعتبروا؟
٢- ﴿وَقَدْ مَكَرُوا﴾ بالنبيّ ﴿مَكْرَهُم﴾، حيثُ أرادوا قتله أو تقييده أو إخراجه، ﴿وعِندَ
اللهِ مَكرُهُم﴾ أي: عِلمُه أو جزاؤه، ﴿وإنْ﴾: ما ﴿كانَ مَكرُهُم﴾، وإن عظُم، ﴿لِتَزُولَ
مِنْهُ الجِبالُ﴾ ٤٦. المعنى: لا يُعبأ به ولا يضرّ إلّا أنفُسَهم. والمُراد بالجبال هنا قيل:
حقيقتها، وقيل: شرائعُ الإسلام المُشبّهةُ بها في القرار والثبات. وفي قراءة بفتح لام
(لَتَزُولُ)) ورفع الفعل. فإنْ: مُخفّفة. والمراد تعظيم مكرهم. وقيل: المُراد بالمكر
كُفرهم. ويُناسبه على الثانية: (تَكادُ السَّماواتُ يَنفَطِرْنَ مِنْهُ وتَنشَقُّ الأرضُ وتَخِرُّ الجِبالُ
هَذَّا))، وعلى الأُولى ما قُرئ: ((وما كانَ)). ﴿فلا تَحسِبَنَّ اللهَ مُخلِفَ وَعدِهِ رُسُلَهُ﴾.
بالنصر. ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾: غالب لا يُعجزه شيء، ﴿ذُو انتِقامٍ﴾ ٤٧ ممّن عصاه.
سُورَة ابراهيم،
الجزء الثَّالِمِ عَشَرَ
مُهْطِعِينَ مُفْنِعِى رُءُ وسِهِمْ لَا يَتَدُ إِلَيْهِمْ طَرَّفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ
هَوَآءٌ جَا وَ أَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرِنَا إِلَى أَحَلِ قَرِيبٍ نُحِبْ دَعْوَتَكَ وَتَّبِعِ
الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْأَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَالَكُمْ
مِّنْ زَوَالٍ ﴿ وَسَكَنتُمْ فِى مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
أَنفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا
لَكُمُ الْأَمْثَالَ (®ّ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ
مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ
﴿ فَلَ تَحْسَبَنَّاللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَةُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ اُلْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ
ذُو أَنِقَامِ ه
وَبَرَزُ وْلِلَّهِالْوَحِدِ الْقَهَّارِ ﴿ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَبِدٍ
◌ُقَرَّنِينَ فِ الْأَصْفَادِ ٦ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى
وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥ لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسِ مَا كَسَبَتْ
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (@
هَذَابَلَغُ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ
بِهِ، وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَلِيَذَّكَّرُ أُوْلُوْأَلْبُبِ
٥٢
٣- اذكرْ ﴿يَومَ تُبَدَّلُ الأرضُ غَيرَ الأرضِ والسَّماواتُ﴾، هو يوم القيامة، فيُحشر الناس على أرض بيضاء نقيّة، كما في حديث الصحيحين،
وروى مسلم حديثَ: سُئل النبيّ وَّهَ: أينَ الناسُ يَومَئذٍ؟ قالَ: ((عَلَى الصِّراطِ))، ﴿وَبَرَزُوا﴾: خرجوا من القُبور ﴿للهِ الواحِدِ القَهّارِ ٤٨ - وَتَرَى﴾
يا مُحمّد: تُبْصِر ﴿المُجرِمِينَ﴾: الكافرين، ﴿يَومَئذٍ مُقَرَّنِينَ﴾: مشدودينَ مع شياطينهم ﴿في الأصفادِ﴾ ٤٩ : القُيود أو الأغلال، ﴿سَرابِيلُهُم﴾:
قُمصُهم ﴿مِن قَطِرانٍ﴾، لأنه أبلغ لاشتعال النار، ﴿وَتَغْشَى﴾: تعلو ﴿وُجُوهَهُمُ النّارُ ٥٠ - لِيَجِزِيَ﴾: مُتعلّق بـ((برزوا)) ﴿اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾،
من خير وشرّ. ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ٥١: يحاسِبُ جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، لحديثِ بذلك. ﴿هذا﴾ القُرآن ﴿بَلاغٌ
لِلنّاسِ﴾ أي: أُنزل لتبليغهم، ﴿وَلِيُنذَرُوا بِهِ، ولِيَعلَمُوا﴾ بما فيه من الحُجج ﴿أَنَّمَا هُوَ﴾ أي: اللهُ ﴿إِلَّهٌ واحِدٌ، ولِيَذْكَّرَ﴾، بإدغام التاء في الأصل
في الذال: يتّعظَ ﴿أُولُو الألبابِ﴾ ٥٢: أصحابُ العقول.
(١) يأتيهم: ينزل بهم. وظلم: تجاوز الحق. والكفر أقبح ذلك. وأخِّرنا: أجّل عذابنا، لنتدارك ما فرطنا من الإيمان. والأجل: المدة المحدودة من الزمن.
والقريب: اليسير. ونجب دعوتك: نؤمن كما أمرت. ونتبعهم: نعمل بما بلّغوا. والرسل: جمع رسول. وزائدة: يعني أنّ ((مِن)): للتنصيص على عموم النفي.
والزوال: الانتقال. وسكنتم: أقمتم. وفيها: في الدنيا. والمساكن: جمع مسكن. وظلموا أنفسهم: جاروا عليها وسببوا لها عذاب الدنيا والآخرة. وتبين:
اتضح يقينًا. والأمثال: جمع مَثَل. وهو قصة قوم مضوا تشبه حال المخاطبين، وفيها من الهول والعجب ما يشبه الأمثال السائرة.
(٢) مكروا: دبّر كفار مكة المكايد للإيذاء. انظر الآية ٣٠ من سورة الأنفال. وعند الله أي: ثابت ومسجل. يعني أن مكرهم امتنع ما يريدون به، ولن يتحقق
منه شيء. وتزول: تنقلع وتتصدع. والجبال: جمع جبل. وبفتح اللام الأولى يكون المعنى: قد كان مكرهم شديدًا يَهدّ الجبال. وعلى القراءة الأولى
فالمعنى: مُحال أن تزول لكيدهم الجبال. فكيف بأصول التوحيد والشرائع، وهي أشد رسوخًا بإرادة الله؟ و((تكاد ... هدًّا)) هو الآية ٩٠ من سورة مريم. وفيما
عدا الأصل والنسخ: ((يتفطّرن)). وماكان يعني: أن هذه القراءة تناسب ذلك التفسير على قراءة: ((لِتَزُولَ)). وتحسب: تظن. والمخلف للوعد: من لايفي بما
تعهد. والرسل: جمع رسول. وذو انتقام: مالك العقاب الشديد لمن أصرّ على العصيان.
(٣) تبدل: تزول ليكون غيرها. والسماوات أي: تبدل سماواتٍ أخرى. وحديث الصحيحين: الحديثان ٦١٥٦ في البخاري و٢٧٩٠ في مسلم. والصراط:
جسر ممدود على متن جهنم يمر عليه الناس. وحديث مسلم هو ذو الرقم ٢٧٩١ في صحيحه. وبرزوا: بالبعث. ولله: للقاء حكمه ومجازاته. والواحد:
المتفرد بالألوهية. والقهار: الغلّاب لكل شيء. والمجرم: من يقترف الشر باختيار وإرادة. ويومئذ أي: يومَ إذْ تبدل الأرض. والأصفاد: جمع صَفَد.
والأغلال: جمع غُلّ. وهو الطوق تُشد به اليدان إلى العنق. والسرابيل: جمع سِربال. والقمص: جمع قميص. وهو الثوب. والقطران: ما يُطلَّى بها الإبل
الجربى. والوجوه: جمع وجه. ويجزي: يكافئ. والنفس: المخلوق المكلف. وكسبت: عملته اختيارًا وقصدًا. والسريع: العظيم السرعة. والحساب:
المحاسبة. و((من أيام الدنيا)) كذا، والتوجيه للحديث غير صحيح. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٢٠٢ من سورة البقرة. والبلاغ: التبليغ. وينذَر: يخوَّف.
ويَعلم: يتيقن. والإله: المعبود بحق. ويتذكر: يستحضر ما يوجبه ذلك التبليغ. وأولو: واحده ذو. والألباب: جمع لب.
١٥ - سورة الحِجر
٢٦٢
الجزء الرابع عشر
الجزء الثانى عشر
سُورَة الجُحرم
شُورَةَ الحِجر
الجزء١٤
الجزء ٢٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
١- ﴿الّرَ﴾ الله أعلم بمُراده بذلك. ﴿تِلكَ﴾: هذه الآيات ﴿آياتُ الكِتابِ﴾:
القُرآنِ - والإضافة بمعنى: مِن - ﴿وَقُرآنٍ مُبِينٍ﴾ ١ : مُظهِرٍ للحقّ من الباطل. عطفٌ
بزيادة صِفة. ﴿رُبَّما﴾ - بالتشديد والتخفيف - ﴿يَوَدُّ﴾: يتمنّى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يوم
القيامة، إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين، ﴿لَو كانُوا مُسلِمِينَ﴾ ٢. ورُبّ: للتكثير.
فإنه يكثر منهم تمنّي ذلك. وقيل: للتقليل. فإنّ الأهوال تُدهشهم فلا يُفيقون حتّى
يتمنَّوا ذلك إلّا في أحيان قليلة.
٢- ﴿ذَرْهُمْ﴾: اترُكِ الكُفَّارَ - يا مُحمّد - ﴿يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ بدنياهم، ﴿ويُلْهِهِم﴾.
يَشغلْهُم ﴿الأمَلُ﴾ بطُول العُمر وغيره، عن الإيمان. ﴿فَسَوفَ يَعلَمُونَ﴾ ٣ عاقبة
أمرهم. وهذا قبل الأمر بالقتال. ﴿وما أهلَكْنا مِن﴾: زائدةٌ ﴿قَرْيَةٍ﴾، أُريدَ أهلُها،
﴿إلّا ولَها كِتابٌ﴾: أجل ﴿مَعْلُومٌ﴾ ٤: محدود لهلاكها، ﴿ما تَسبِقُ مِن﴾: زائدةٌ ﴿أُمّةٍ
أجَلَها، وما يَستأخِرُونَ﴾ ٥: يتأخّرون عنه.
٣- ﴿وقالُوا﴾ أي: كُفّارُ مكّة للنبيّ: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيهِ الذِّكرُ﴾: القرآنُ، في
زعمه، ﴿إِنَّكَ لَمَجِنُونٌ ٦. لَو ما﴾: هلّا ﴿تأتِينا بِالمَلائكةِ، إن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ٧
في قولك: إنك نبيّ، وإنّ هذا القُرآن من عند الله. قال تعالى: ﴿مَا تَنَزَّلُ﴾ - فيه حذف إحدى التاءين - ﴿الملائكةُ إلّا بِالحَقِّ﴾: بالعذاب، ﴿وما
كانُوا إذًا﴾ أي: حين نزول الملائكة بالعذاب ﴿مُنظَرِينَ﴾ ٨: مُؤخّرين. ﴿إِنّا نَحنُ﴾: تأكيدٌ لاسم ((إن)) أو فَضْلٌ ﴿نَزَّلْنا الذِّكرَ﴾: القُرآن، ﴿وإنّا لَهُ
لَحافِظُونَ﴾ ٩ من التبديل والتحريف والزيادة والنقص.
٤ - ﴿وَقَد أرسَلْنا مِن قَبِلِكَ﴾ رُسلًا، ﴿فِي شِيَع﴾: فِرَقِ ﴿الأوَّلِينَ ١٠، وما﴾ كان ﴿يأْتِيهِم مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بهِ يَستَهزُِونَ﴾ ١١، كاستهزاء
قومك بك. وهذا تسلية له مَ ﴿ ﴿كَذْلِكَ نَسلُكُهُ﴾ أي: مِثلَ إدخالنا التكذيبَ، في قُلوب أُولئك، نُدخله ﴿فِي قُلُوبِ المُجرِمِينَ﴾ ١٢ أي: كُفّارِ
مكة، ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: بالنبيّ، ﴿وَقَد خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ ١٣ أي سُنّ الله فيهم، من تعذيبهم بتكذيبهم أنبياءهم - وهؤلاء مِثلهم - ﴿وَلَو فَتَحْنا
عَلَيهِم بابًا مِنَ السَّماءِ، فَظَلّوا فِيهِ﴾: في الباب ﴿يَعْرُجُونَ﴾ ١٤: يصعدون، ﴿لَقالُوا: إنَّما سُكِّرَتْ﴾: سُدّت ﴿أبصارُنا، بَل نَحنُ قَومٌ
مَسحُورُونَ﴾ ١٥ : يُخيّل إلينا ذلك.
(١) أعلم بمراده أي: حروف مقطعة، هي سره المكنون في كتابه العزيز. والآيات: النصوص القرآنية. وبمعنى من: يعني أن التقدير: آيات من الكتاب.
وانظر الآية ١ من سورة الرعد. وبزيادة صفة أي: الوصف بالإبانة والتوضيح. وبالتخفيف يريد القراءة: ((رُبَما)). وكفروا أي: بالقرآن ومافيه. ولو كانوا
مسلمين: لو استسلموا في الدنيا لأمر الله، وآمنوا به وبرسوله. والتكثير أي: تكثير مضمون الفعل. وللتقليل يعني أن ((رب)): تحتمل المعنيين المختلفين. وقد
جمع بينهما بعضهم، على أنّ التكثيرَ بالنظر إلى مَرّات التمني، والتقليلَ بالنظر إلى زمان هذا التمني. وحتى يتمنوا أي: ليتيسر لهم التمني. (٢) ذرهم أي:
لا تتعرض لخصامهم. ويأكل: يتغذى بالطعام والشراب. ويتمتع: يتنعم ويتلذذ. والأمل: التوقع والتمني. وسوف: لتحقيق حصول الفعل ولو تأخر ذلك.
ويعلمون: يعرفون باليقين عيانًا. و((هذا)) يعني أن الموادعة للمشركين العرب نسختها آيات الأمر بقتالهم. وهي الآيات ٦-٣٠ من سورة التوبة. وأهلكنا: أفنينا
بالعذاب. وزائدة: يعني أنّ (مِن)): للتنصيص على عموم النفي. والقرية: البلدة. والكتاب: المكتوب المسجل، أي: وقت مدوّن. ومحدود أي: هو في علم
الله معيّن أجله لا يتغير. وما تسبقه: لا يتقدم هلاكها على أجلها المحتوم. والأمة: الجماعة يؤلف بينها دين أو عقيدة. وأجلها: المدة المعينة لنهاية حياتها .
(٣) انظر سبب النزول في المفصل. ونُزّل عليه: أوحي إليه. والذكر: التذكير. والمجنون: الفاقد للتفكير السوي. وتأتينا بهم: تحضرهم ليشهدوا بصدق
نبوتك. والملائكة: جمع مَلَك. والصادق: من يقول الحق. وتَنزَّلُ: تَهبط بصور مرئية. والحق: الثابت بالقدْر المُحكَم. وما كانوا: ما أصبح المصرّون على
الكفر. ومؤخرين: مؤخَّرًا هلاكُهم. و((فصل)) معناه التوكيد أيضًا. ونزلناه: أوحيناه. والحافظ: الواقي والحامي. وحفظ القرآن يعني حفظ العربية والعرب
والإسلام والمسلمين. وهي أمور خمسة متلازمة كما يقتضي مدلول الآية. (٤) أرسلنا: بعثنا للتبليغ والعمل. والشيع: جمع شِيعة. وهي الجماعة تتعصب
لسيد أو توجّه في الدين. والفرق: جمع فِرقة. والأولون: الماضون من الأمم. ويأتيهم: يجيء الأولين مبلغًا وداعيًا. والرسول: المرسَل لتبليغ العقيدة
والشريعة مع العمل. ونسلكه أي: الاستهزاء والتكذيب. والقلوب: جمع قلب. وكفار مكة أي: وغيرها. ويؤمن به: يصدّقه ويتّبعه. وخلت: مضت نافذة
محقّقة. والسُّنّة: الطريقة المحكمة. والأولين: الأقوام الماضية المستأصلة. وفتحنا عليهم بابًا: هيّأنا لهم سبيلًا ومكّناهم من الصعود فيه. وظلوا: استمروا.
ويصعدون: في ملكوت السماء تحقيقًا لصدق الرسالة. والأبصار: جمع بصر. والمسحور: من خُدع بتخييلات لا حقيقة لها .
الرَّتِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَ انِ مُبِينٍ ﴿رُّبَمَا يَوَدُ
الَّذِينَ كَفَرُوْلَوْكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴿ ذَرَهُمْ يَأْكُلُواْ
وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُذْهِهِ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا
مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ﴿ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُقَةٍ
أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ ﴾﴾ وَقَالُواْيَأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ
الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴿الَّوْمَا تَأْتِنَا بِالْمَلَّمِكَةِ إِن كُنْتَ
مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ مَا نَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ
إِذَا مُّنْظَرِينَ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّ لَهُ لَفِظُونَ (٥)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ اَلْأَوَّلِينَ ()وَمَا يَأْتِهِمْ مِن
أَرَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى
قُلُوبٍ الْمُجْرِمِينَ ﴿لَيُؤْمِنُونَ بِهِ مَوَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ
وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَتْهِمْ بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ
لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ أَبْصَرُ نَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (٥]
١٤
سورة الحِجْر
مكية، تسع وتسعون آية .
الجزء الرابع عشر
٢٦٣
١٥ - سورة الحجر
١- ﴿وَلَقَد جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ اثنَي عَشَرَ: الحَمَل والثَّور والجَوزاء والسَّرطان
والأسَد والسُّنبلة والمِيزان والعَقرب والقَوس والجَدْي والدَّلْو والحُوت - هي منازل
الكواكبِ السبعةِ السيّارةِ: المِرّيخ وله الحَمَل والعَقرب، والزُّهَرة ولها الثَّور والمِيزان،
وعُطارِدٌ وله الجَوزاء والسُّنبلة، والقمر وله السَّرَطان، والشمس ولها الأسَد،
والمُشتري وله القَوس والحُوت، وزُحَلُ وله الجَدْي والدَّلْو - ﴿وَزَيَّاها﴾ بالكواكب
﴿لِلنّاظِرِينَ ١٦، وحَفِظْناها﴾ بالشُّهب ﴿مِن كُلِّ شَيطانٍ رَجِيم﴾ ١٧: مرجوم، ﴿إِلَا﴾
لكن ﴿مَنِ استَرَقَ السَّمعَ﴾: خَطِفَه، ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ ١٨ : كوكب يُضيء، يُحرقه
أو يَثقبه أو يُخبِّله.
٢ - ﴿والأرضَ مَدَدْناها﴾: بسطناها، ﴿وألقَينا فِيها رَواسِيَ﴾: جِبالًا ثوابتَ لئلّا تتحرّك
بأهلها، ﴿وأنَتْنَا فِيها مِن كُلِّ شَيءٍ مَوزُونٍ﴾ ١٩ : معلوم مُقدّر، ﴿وجَعَلْنا لَكُم فِيها
مَعايِشَ﴾ - بالياء - من الثمار والحبوب، ﴿و﴾ جعلنا لكِمّ ﴿مَن لَستُم لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ ٢٠
من العبيد والدواب والأنعام. فإنما يرزقهم الله .
٣- ﴿وإن﴾: ما ﴿مِن﴾: زائدةٌ ﴿شَيءٍ إلّا عِندَنا خَزائُهُ﴾: مَفاتيحُ خزائنه، ﴿وما نُنَزِّلُهُ
إلّا بِقَدَرٍ مَعلُومٍ﴾ ٢١ على حسَبِ المصالح، ﴿وأرسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾: تُلِقِح السحابَ
فيمتلئ ماء، ﴿فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّماءِ﴾: السحابِ ﴿ماءً﴾: مطرًا ﴿فأسقَيناكُمُوهُ، وما أنتُم
لَّهُ بِخازِنِينَ﴾ ٢٢ أي: ليست خزائنه بأيديكم، ﴿وإنّا لَنَحنُ نُحِي ونُمِيتُ، ونَحنُ
الوارِثُونَ﴾ ٢٣: الباقون نَرتُ جميعَ الخلق.
◌ُيُوَرَةِ الإِجْرء
الجزء التَّارة عشر
وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَآءِ بُرُوجَا وَزَيَّتَهَا لِلنَّظِرِينَ
وَحَفِظْنَهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانِ رَحِيمٍ ﴿ إِلَّا مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ
فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا
رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ قَوْزُونٍ ﴿وَجَعَلْنَالَكُمْفِهَا
مَعَيِشَ وَمَن لَّسْتُمْلَهُ بِزَزِقِينَ (٥) وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا
خَرَآبِتُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَ رٍمَّعْلُومٍ (١) وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَعَ
لَوَقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ.
بِخَزِنِينَ ﴿﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحِى، وَنُمِيتُ وَنَحْنُ اَلْوَرِثُونَ [®)
وَلَقَدْ عَلِيْنَا الْمُسْتَقْدِ مِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَشْخِرِينَ (@
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُ هُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)وَلَقَدْ خَلَقْنَا ◌ُلْإِنسَانَ
مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَاٍ مَسْنُونٍ (٦ وَالْجَانَ خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ
السَّمُومِ ® وَإِذْقَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِّ خَلِقٌ بَشْرًامِنْ
صَلْصَلٍ مِنْ حَمَلٍ مَسْنُونٍ ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن
رُوحِى فَقَعُواْلَهُ سَجِدِينَ ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُهُمْ
أَجْمَعُونَ ﴿ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ أَنْ يَكُونَ مَعَ اُلسَّجِدِينَ
٤ - ﴿وَلَقَد عَلِمْنا المُستَقدِمِينَ مِنكُم﴾ أي: من تقدّم من الخلق من لدن آدم، ﴿وَلَقَد
عَلِمْنا المُستأخِرِينَ﴾ ٢٤: المتأخّرين إلى يوم القيامة، ﴿وإنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحشُرُهُم - إنَّهُ حَكِيمٌ﴾ في صُنعه ﴿عَلِيمٌ﴾ ٢٥ بخلقه - ﴿ولَقَد خَلَقْنا
الإنسانَ﴾: آدَمَ ﴿مِن صَلصالٍ﴾: طين يابس، يُسمَع له صلصلة إذا نُقْر، ﴿مِن حَمَأٍ﴾: طين أسود ﴿مُسنُونٍ﴾ ٢٦: متغيّر، ﴿والجانَّ﴾ أبا الجِنّ -
وهو إبليس - ﴿خَلَقْناهُ مِن قَبَلُ﴾ أي: قبلِ خلقِ آدَمَ ﴿مِن نَارِ السَّمُومِ﴾ ٢٧، هي نار لا دخان لها تنفذ من المسامّ.
٥- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذا قالَ رَبُّكَ لِلمَلائكةِ: إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلصالٍ مِنْ حَمَأْ مَسنُونٍ ٢٨. فإذا سَوَّيتُهُ﴾: أتممتُه، ﴿ونَفَختُ﴾: أجرَيتُ ﴿فیهِ مِن
رُوحِي﴾ فصار حيًّا - وإضافةُ الروح إليه تشريف لآدم - ﴿فَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ٢٩ سجودَ تحيّة بالانحناء. ﴿فَسَجَدَ المَلائكةُ كُلَّهُم أجمَعُونَ﴾ ٣٠ -
فيه تأكيدان - ﴿إلّا إِيلِيسَ﴾ هو أبو الجنّ، كان بين الملائكة، ﴿أَبَى﴾: امتنع من ﴿أَن يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ٣١.
(١) جعلنا: خلقنا. والبروج: جمع برج. وهو محل نزول أحد الكواكب السبعة وسيره المحكم. وزيناها: خلقنا فيها ما يجملها. والناظرون: المبصرون
المتأملون استدلالًا على قدرة الخالق. وحفظناها: حميناها ومنعنا الدخول. والشيطان: مخلوق من النار. والمرجوم: المطرود من الرحمة. والسمع: ما يُسمع
من الكلام. وأتبعه: طارده. والمبين: الظاهر للعيان. ويخبّله أي: يفسده ويضلله. (٢) بسطناها: جعلناها مبسوطة غير محدّبة، ولا مقعّرة ولا مائعة رجراحة،
لتيسير حياة البشر. وألقينا: جعلنا. والرواسي: جمع الراسي. وتتحرك: تزلزل وتميد. وأنبتنا: أوجدنا وأظهرنا أنواع المعادن والنبات والحيوان. ومقدر: له
قدْر مُحكَم بما يكون لمصلحة الخلق. وجعلنا: خلقنا. والمعايش: جمع مَعيشة. وهي ما يعيش به الأحياء من الحاجات. وبالياء: يعني أن القراءة بدون
همز. والرازق: من يهيئ لغيره ما ينتفع به. والدواب: ما يُركب من الحيوان، مفرده دابّة. والأنعام: الإبل والبقر والضأن والمعز، جمع نَعَم. (٣) زائدة:
يعني أن ((مِن)): للتنصيص على عموم النفي. وعندنا: في علمنا وتصرفنا. والخزائن: جمع خزانة. وهي ما تخزن فيه الأشياء. وننزّله: نوجده في الدنيا.
والقدر: المقدار المعيَّن. والمعلوم: المحسوب بما تقتضيه مصالح الخلق. وأرسلنا: بعثنا، والرياح: جمع ريح. وهي الهواء المتحرك. واللواقح: جمع
لاقِح، أي: حاملة للماء. وأنزلنا: أسقطنا. وأسقيناكموه: جعلناه لكم مُعَدَّا لسقي أنفسكم والأرض والمواشي. والخازن: من يجمع الشيء، ليخرجه في
الوقت المناسب. ونحيي: نوجد الحياة في فاقدها. ونميت: نزيل الحياة ممن هي فيه. ونرثهم: نبقى بعد فنائهم، ويزول ملكهم لِما كان مجازًا في حوزتهم،
ليعود إلينا كما هو حقيقة. (٤) انظر سبب النزول في المفصل. وعلمناهم: أحطنا بأحوالهم. ويحشرهم: يجمعهم للحساب. والحكيم: من يتقن كل ما يصدر
عنه بما فيه مصلحة الوجود. والعليم: المحيط بدقائق الأمور وخفاياها. وخلقنا: أوجدنا من العدم. ومتغير: تغيرت رائحته بعد زمن. و((أبا الجن)) صوابه:
((أبا شياطين الجن)). انظر الآية ٥٠ من سورة الكهف. والجن: خلق مستورون عن أعين البشر، منهم المؤمنون ومنهم الشياطين يغرون بالشر. والنار: اللهيب
يبدو من الاشتعال. والسموم: السريعة الاختراق. والمسام: المنافذ الخفية بين الأشياء، كمسام الجسد - وهي مجاري العرَق - جمع مفرده مَسَمّ. (٥)
الملائكة: جمع مَلَك. والخالق: الموجد للشيء من العدم. والبشر: آدم. وأتممته: فعلت فيه مايصير به مستويًا معتدلًا مستعدًا لفيضان الروح. ونفخت فيه من
روحي: أحييته وخلقت فيه الحياة والقدرات الإنسانية. وتشريف: يعني أن الروح من خلق الله، أضافه إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا. وقعوا: انحنوا مسرعين.
وسجد: حنى ظهره وطأطأ رأسه احترامًا. وأجمعون: مجتمعون في وقت واحد. وتأكيدان: يعني أن ((كل)) توكيد للملائكة، و((أجمعون)) توكيد ثان فيه دلالة
على الاجتماع في السجود معًا، لدفع توهم أن كل واحد سجد على حِدة. ويكون: يصير. ومعهم أي: في استجابتهم وفعلهم.
١٥ - سورة الحجر
٢٦٤
الجزء الرابع عشر
سُورَة ◌ِلِّحْم
الجزء الثانى عشر
قَالَ يَتَابِلِيسُ مَالَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ ﴿ قَالَ لَمْ أَكُنْ
لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلَّصَلٍ مِّنْ حَمَاٍ مَّسْنُونٍ [ قَالَ
فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ (٦) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ
الدِّينِ (®] قَالَ رَبٍّ فَنَظِرْ نِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٦) قَالَ فَإِنَّكَ
مِنَ الْمُنَظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴿ قَالَ رَبِّ ◌ِمَآ
أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَلَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٦)
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَىّ
مُسْتَقِيمٌ ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ إِلَّا مَنٍ
أَتَّبَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (*) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَّوْعِدُ هُمْ أَجْمَعِينَ ()
لَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّفْسُوهُ ﴿ إِنَّ
الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [9] ادْ خُلُوهَا بِسَلَمِءَإِمِنِينَ (ج)
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلِّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَبِلِينَ
٤٨
لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبُ وَمَاهُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (
٤٧
﴿ نَبِّئْ عِبَادِىّ أَنِى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِ
هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ هَا وَنَبِئْهُمْ عَن ضَيْفٍِ إِبْرَاهِيمَ (@)
١- ﴿قَالَ﴾ تعالى: ﴿يا إبليسُ، مالَكَ﴾: ما منعك ﴿ألّا﴾: زائدةٌ ﴿تَكُونَ مَعَ
السَّاجِدِينَ ٣٢؟ قالَ: لَم أكُنْ لِأَسجُدَ﴾: لا ينبغي لي أن أسجد ﴿لِبَشَرٍ، خَلَقْتَهُ مِن
صَلصالٍ مِن حَمَأٍ مَسنُونٍ﴾ ٣٣.
٢- ﴿قالَ: فاخرُجْ مِنها﴾ أي: من الجنّة، وقيل: من السماوات. ﴿فَإِنَّكَ
رَجِيمٌ﴾ ٣٤: مطرود، ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَومِ الدِّينِ﴾ ٣٥: الجزاءِ. ﴿قَالَ: رَبِّ،
فأنظِرْنِي إِلَى يَوم يُبعَثُونَ﴾ ٣٦ أي: الناسُ.
٣- ﴿قَالَ: فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ ٣٧، إلَى يَومِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ٣٨: وقت النفخة
الأُولى. ﴿قَالَ: رَبِّ، بِما أغوَيَتَنِي﴾ أي: بإغوائك لي، والباء: للقسم وجوابه:
﴿لِأَزَيِّنَنَّ لَهُم في الأرضِ﴾ المعاصيَ ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُم أجمَعِينَ ٣٩، إلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ
المُخلِصِينَ﴾ ٤٠ أي: المُؤمنين.
٤- ﴿قَالَ﴾ تعالى: ﴿هذا صِراطٌ علَيَّ مُستَقِيمٌ﴾ ٤١، وهو ﴿إِنَّ عِبادِي﴾ أي:
المُؤمنين ﴿لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطانٌ﴾: قُوّة، ﴿إلّ﴾: لكن ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
الغاوِينَ﴾ ٤٢: الكافرين، ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوعِدُهُم أجمَعِينَ﴾ ٤٣ أي: مَن اتبعك معك،
﴿لَها سَبْعَةُ أبوابٍ﴾: أطباقٍ، ﴿لِكُلِّ بابٍ﴾ منها ﴿مِنْهُم جُزءٌ﴾: نصيب
﴿مَقْسُومٌ﴾ ٤٤.
٥- ﴿إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ﴾: بساتينَ، ﴿وَعُيُونٍ﴾ ٤٥ تجري فيها، ويقال
لهم: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامِ﴾ أي: سالمين من كُلّ مَخُوف، أو معٍ سلام أي
سَلّموا وادخلوا ﴿آمِنِينَ﴾ ٤٦ من كُلّ فزع. ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِم مِن غِلٌ﴾: حِقد،
﴿إخوانًا﴾: حالٌ من ((هم)) ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ٤٧: حالٌ أيضًا، أي: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدوران الأسرّة بهم، ﴿لا يَمَشُّهُم فِيها
نَصَبٌ﴾: تعب، ﴿وما هُم مِنها بِمُخرَجِينَ﴾ ٤٨ أبدًا .
ربع
الخِزت
٢٧
٦ - ﴿نَبِّئُ﴾: خبّر - يا مُحمّد - ﴿عِبادِيَ أَنِّيَ أنا الغَفُورُ﴾ للمؤمنين ﴿الرَّحِيمُ﴾ ٤٩ بهم، ﴿وأنَّ عَذابِي﴾ للعُصاة ﴿هُوَ العَذابُ الألِيمُ﴾ ٥٠:
(١) زائدة: الصواب أنّ ((لا)): حرف نفي، والتقدير: أيُّ غرضٍ ثابتٌ لك في عدم كونك مع الساجدين؟ انظر الآية ٢٤٦ من سورة البقرة. وتكون: تصير.
ومعهم أي: منهم. وبشر أي: إنسان. وخلقته: أوجدته. وحما مسنون أي: وخلقتني من نار، وهي أشرف من الطين. فهي نيرة وهو مظلم.
(٢) اخرج منها: فارقها وابتعد عنها. ومطرود أي: من الرحمة. واللعنة: التعذيب الأبدي. واليوم: الوقت. وأنظرني: أخّر وفاتي ولا تُمِتني. ويبعثون:
يخرجون من قبورهم للحساب والجزاء. فهو يطلب هذا لئلا يكون ممن يموت، لأن الموت بالنفخة الأولى ينتهي ويكون البعث بالنفخة الثانية.
(٣) المُنظَر: المؤخَّرة وفاتُه من الجن والملائكة. والوقت: الزمن. والمعلوم: الذي هو في علم الله محدد لنهاية الأحياء. والنفخة الأولى أي: في الصور
حين يفنى جميع المخلوقات الحية. وأغويتني: أعنتني على استحسان العصيان والضلال. وأزيّن: أحبّب. ولهم: للناس. وهم المذكورون في قوله ((يبعثون)).
والأرض: مكان الحياة الدنيا. ولم يذكر ما في الجنة لئلّا يَحذر آدمُ فيها إغراءه بعد. وأُغويهم: أحملهم على الضلال والعصيان. وأجمعين: كلّهم. والعباد:
جمع عبد. وهو المملوك خلقًا وقهرًا وتعبدًا. والمخلص: من آمن وجعل نيته وقوله وعمله لله وحده .
(٤) هذا أي: إغواؤك للضالين، وعجزك عن إغواء المخلصين. يعني أنه واقع متحقق بمقتضى حكم الله وإرادته، لا بطلب إبليس اللعين. وفي ذلك تصديقٌ له
فيما ادعاه، وتعظيمٌ لشأن المخلصين. والصراط: الطريق الواضح. ومستقيم: معتدل. واتبعك: أطاعك. والغاوي: من أَغرِيَ بالكفر. وانظر ((المفصل)).
والموعد: موضع تحقق الوعد. ولها أي: لجهنم. والأبواب: جمع باب. وهو المدخل. والأطباق: جمع طَبَق أي: طبقة. فجهنم طبقات لأنواع من العذاب
متفاوتة. والنصيب المقسوم أي: الجزء المفروق.
(٥) انظر سبب النزول في المفصل. والمتقي: مَن تجنب عصيان الله ولزم الصلاح وطلب الرضا. والجنة: البستان العظيم. والعيون: جمع عين. والسلام:
النجاة والاطمئنان. وسلّموا أي: ليسلّم بعضكم على بعض. والآمن: المطمئن. ونزع: محا وأزال. والصدور: جمع صدر. وهو القلب. وإخوانًا: جمع أخ،
أي: متصافين. و((مِن هم)) أي: من الضمير في ((صدورهم)). وفي قرة العينين والمنحة وبعض المطبوعات: ((منهم)). والسرر: جمع سرير. و((لا ينظر بعضهم))
قول مستنبط من حديث ضعيف مرفوع. والراجح أن التقابل هنا التساوي في التواصل والتزاور. ويمس: يصيب وينال بخفة. فنفي الشِّدة أولى. وفيها أي: في
الجنات. والمخرج: المبعد بزوال أو فناء.
(٦) انظر سبب النزول في المفصل. والعباد: جمع عبد. والغفور: الكثير المغفرة، أي: ستر الذنوب وعدم المؤاخذة بها. والرحيم: المبالغ في العطف
بالإحسان. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. وأرسل الله هؤلاء الملائكة، بصورة الغلمان الحسان، ليبشروا إبراهيم بالولد ويهلكوا قوم لوط. والضيف: مَن
ينزل على غيره لينال معروفه. وجُعلوا ضيفًا لإبراهيم لأنهم في صورة من كان ينزل عنده من الضيوف. ودخلوا أي: صاروا داخل داره. واللفظ: يعني لفظ
(سلامًا))، والمراد به التحية بالأمان والطمأنينة. وخائفون أي: لأن الضيف إذا لم يأكل مما يُقدّم إليه يكون في نيته شر للمضيف. ونبشرك: نبلّغك ما يَسرّك.
والغلام: الشاب البالغ. وإنما ذكر هذا مع العلم الكثير، باعتبار ما سيكون عليه المولود حين يشب. وهود: يعني الآية ٧١ من تلك السورة.
الجزء الرابع عشر
٢٦٥
١٥ - سورة الحِجر
المُؤلم، ﴿ونَبِّثْهُم عَن ضَيفِ إِبراهِيمَ﴾ ٥١ وهم ملائكة اثنا عشَرَ أو عشَرةٌ أو ثلاثةٌ،
منهم جِبريل، ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيهِ فَقالُوا: سَلامًا﴾ أي: هذا اللفظَ. ﴿قَالَ﴾ إبراهيم، لمّا
عرض عليهِم الأكل فلم يأكلوا: ﴿إِنّ مِنكُم وَجِلُونَ﴾ ٥٢: خائفون. ﴿قالُوا: لا
تَوَجَلْ﴾: تَخَفْ. ﴿إِنّا﴾ رُسل ربّك ﴿نُشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ٥٣: ذي عِلم كثير، هو
إسحاق، كما ذُكر في سورة ((هود)).
١- ﴿قالَ: أَبَشَّرْتُمُونِي﴾ بالولد، ﴿عَلَى أن مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾: حالٌ أي: مع مسّه إياي؟
﴿فَبِمَ﴾: فبأيّ شيء ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ ٥٤؟ استفهام تعجّب. ﴿قالُوا: بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾:
بالصّدق. ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القائِطِينَ﴾ ٥٥: الآيسينَ. ﴿قالَ: ومَن﴾ أي: لا ﴿يَقِطُ﴾ -
بكسر النون وفتحها - ﴿مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضَّالَّونَ﴾ ٥٦: الكافرون؟
٢- ﴿قالَ: فما خَطبُكُم﴾: شأنكم؟ ﴿أيُّها المُرسَلُونَ ٥٧. قالُوا: إنّا أُرسِلْنا إلَى قَوم
مُجْرِمِينَ﴾ ٥٨: كافرين، أي: قوم لوط لإهلاكهم، ﴿إِلّا آلَ لُوطٍ. إنّا لَمُنَجُوهُمَ
أجمَعِينَ﴾ ٥٩ لإيمانهم، ﴿إِلّ امرأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ ٦٠: الباقين في العذاب
لگُفرها .
سُورَة الِ حرم
إِذْدَ خَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْسَلَمًّا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٨) قَالُواْ
لَا نَوْجَلْ إِنَّانُبَشِّرَ بِغُلَهٍ عَلِيمٍ ﴿ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِ عَلَ أَنْ
مَّسَّنِىَ اُلْكِبَرُ فَبِمَ بُبَشِّرُونَ [٩] قَالُوْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ
فَلَا تَكُنْ مِّنَ الْقَنِطِينَ (* قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ
رَبِّهِ: إِلَّا الضَّالُونَ جَاقَالَ فَمَا خَطِبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
◌ْ قَالُوَاْ إِنَّا أَرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ تُّجْرِمِينَ الثَّ إِلَّءَ الَ لُوطٍ
إِنَا لَمُنَجُوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ
الْغَبِينَ ﴿ فَمَّاجَآءَ ءَالَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ﴾ قَالَ
إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ ﴿٣) قَالُواْ بَلْ جِثْنَكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ
يَمْتَرُونَ ﴿﴿ وَأَتَيْتَكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴿ فَأَسْرِ
بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ الَّيْلِ وَأَتَّبِعْ أَدْبَهُمْ وَلَيَلْنَفِتْ مِنْكُأَحَدٌ
وَأَمْضُوْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَأَنَّ
دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوْعٌ مُّصْبِحِينَ () وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ
يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِى فَلَ نَفْضَحُونِ (هَ وَأَنَّقُواْ
اُللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ﴿ قَالُواْأَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ
٣- ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ﴾ أي: لوطًا ﴿المُرسَلُونَ ٦١ قالَ﴾ لهم: ﴿إِنَّكُم قَومٌ
مُنكَرُونَ﴾ ٦٢: لا أعرِفكم. ﴿قالُوا: بَل جِئناكَ بِما كانُوا﴾ أي: قومُك ﴿فِيهِ
يَمْتَرُونَ﴾ ٦٣: يشكّون - وهو العذاب - ﴿وأتَيناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ٦٤ في قولنا. ﴿فَأسْرِ بِأهلِكَ بِقِطْعِ مِنَ اللَّيلِ، واَّعْ أدبارَهُم﴾: امشٍ
خلفهم، ﴿ولا يَلتَفِتْ مِنكُم أَحَدٌ﴾ لئلّا يرى عظيم ما ينزل بهم، ﴿وامضُوا حَيثُ تُؤْمَرُونَ﴾ ٦٥ وهو الشام.
٤- ﴿وَقَضَينا﴾: أوحَينا ﴿إِلَيهِ ذُلِكَ الأمرَ﴾، وهو ﴿أَنَّ دَابِرَ هُؤُلاءِ مَقطُوعٌ مُصبِحِينَ﴾ ٦٦: حالٌ أي: يتمّ استئصالهم في الصباح، ﴿وجاءَ أهلُ
المَدِينةِ﴾ مدينةِ سَدُومَ - وهم قوم لوط - لمّا أُخبروا أنّ في بيت لوط مُردًا حِسانًا وهم الملائكة، ﴿يَستَبشِرُونَ﴾ ٦٧: حالٌ طمعًا في فِعل الفاحشة
بهم. ﴿قَالَ﴾ لوط: ﴿إِنَّ هُؤُلاءِ ضَيفِي. فلا تَفضَحُونِ ٦٨، واتّقُوا اللهَ ولا تُخزُونِ) ٦٩ بقصدكم إياهم بفِعل الفاحشة. ﴿قالُوا: أوَلَم نَنْهَكَ عَنِ
العالَمِينَ﴾ ٧٠: عن إضافتهم؟ ﴿قَالَ: هُؤُلاءِ بَناتِ، إِن كُنتُم فاعِلِينَ﴾ ٧١ ما تُريدون من قضاء الشهوة فتزوّجوهنّ.
(١) مسني: أصابني. والكبر: الشيخوخة. فقد تجاوز المائة من العمر. وحال: يعني أن ((على أن)) متعلقان بحال محذوفة عن مفعول: بشّر. ط: ((فِيمَ)).
واستفهام: يعني مافي ((ما)) الاستفهامية التي حذفت ألفها لدخول ((الباء)) عليها. وإنما تعجب لأنه لم يكن يعلم أنهم ملائكة. والصدق: ماهو واقع. ولاتكن:
لاتصِرْ. والآيسين: من رحمة الله. وبفتحها يريد القراءة ((يَقنَطُ))، أي: ييأسُ. والرحمة: العطف بالإحسان. والضالون: المخطئون لسبيل الإيمان، لا يعرفون
سعة رحمة الله، وكمال علمه وقدرته.
(٢) الخطب: القصد العظيم. والمرسل: الذي بعثه الله إلى الناس لأمر مهمّ. والمراد هنا هو الملائكة. وأُرسِلنا: بَعثَنا الله. والقوم: الجماعة من الناس.
والمجرم: الذي يقترف الشر باختيار وقصد. والآل: الأهل، أي: أتباع لوط كأسرته ومن آمن به. ولوط: ابن أخي إبراهيم نبي كان في مدينة سدوم وما حولها
قرب حمص. والمنجي: المنقذ من العذاب. وأجمعين: كلُّهم لا يتخلف منهم أحد. وامرأته أي: لأنها كانت من القوم الكافرين، تحرضهم على زوجها .
وقدرنا: قضينا ونفذنا. وجازت نسبة ذلك إلى الملائكة لأنهم رسل الله. فهم يتكلمون بما أمر.
(٣) جاءه: وصل إلى بلده ودخل داره. و((أي لوطًا)) كذا، للزعم بأن ((آل)) زائدة. وليس هذا بلازم، لأن الملائكة إنما جاءت لوطًا في داره، وآله ممن في
الدار. والآل هنا هم أهل البيت من زوجة وأبناء. والمرسلون: الملائكة أنفسهم. ولا أعرفكم: يعني أنهم غرباء في زِيّهم وجمالهم. انظر الآية ٧٧ من سورة
هود. وجئناك به: أتينا لتنفيذه. والحق: الأمر المتيقّن. ويشكون: في وقوعه بهم. وأتيناك: حضرنا بيتك. والصادق: من يتكلم بما هو واقع فعلًا. وأسر:
سر في الليل. والقطع: الجزء. واتبعهم أي: سر وراءهم. والأدبار: جمع دبر. وهو الظهر. ويلتفت: يوجه نظره إلى الخلف. وتؤمرون: يطلب منكم.
والشام أي: مكان إقامة الخليل من فلسطين. والظاهر أن المراد بالمضي الانطلاق والنفوذ.
(٤) أوحينا: على لسان جبريل. وإليه: إلى لوط. والأمر: الحكم. ودابر القوم: آخر من يبقى منهم على قيد الحياة. والمقطوع: المقضيّ عليه بالهلاك.
والمصبح: الذي صار في الصباح. وجاؤوا: أتوا إلى دار لوط. وأهل المدينة: سكانها وكانوا منغمسين في اللُّواطة. ويستبشرون: يغمرهم الفرح والسرور بما
سيلقون. وحال: يعني أن جملة ((يستبشرون)): في محل نصب حال من: أهل. وضيفي: نازلون في ضيافتي وحمايتي. ولا تفضحونِ: لا تفضحوني، أي:
لا تفعلوا ما يلزمني العار منه في حق ضيفي. واتقوا الله: تجنبوا عصيانه وغضبه والزموا طاعته. ولا تخزونٍ: لا تخزوني، أي: لاتُذّوني بظلم ضيوفي. وننهى:
نمنع. والعالمون هنا هم الناس. وننهاك عنهم أي: نأمرك بالكف عنهم وتركهم. وبناتي أي: بنات قومي فتزوجوهن.
١٥ - سورة الحِجر
٢٦٦
الجزء الرابع عشر
سُورَة الخُخْرُء
قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِيَّإِن كُمْ فَعِلِينَ (٦) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنِهِمْ
يَعْمَهُونَ ﴿٣] فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴿أَ فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا
سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَيَتِ لِّلْمُتَوَسّمِينَ [٥] وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلِ مُقِيمٍ (٤٦) إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَآيَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَبُ اُلْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ
فَانَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِ مَامِ مُّبِينٍ ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ
اٌلِجْرِالْمُرْسَلِينَ ﴿وَءَانَيْنَهُمْ ءَايَتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ
فَأَخَذَتُمُ
وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًّاَءَامِينَ لَّهُ
الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴿َ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْيَكْسِبُونَ ب)
وَمَاخَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلََّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ
السَّاعَةَ لَنِيَّةٌ فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٥ّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ
اْخَلَقُ الْعَلِيمُ ﴾ وَلَقَدْءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ
اَلْعَظِيمَ ﴿َلَا تَمُذَنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِّنْهُمْ
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (َّ وَقُلْ إِنِّى
◌َنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ هَ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
١- قال تعالى: ﴿لَعَمِرُكَ﴾ - خِطاب للنبيّ وَّ - أي: وحياتِك ﴿إِنَّهُم لَفِي سَكْرتِهِم
يَعْمَهُونَ﴾ ٧٢: يتردّدون. ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيحةُ﴾ صيحة جِبريلَ ﴿مُشرِقِينَ﴾ ٧٣: وقتَ
شُروق الشمس، ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها﴾ أي: قُراهم ﴿سافِلَها﴾، بأن رفعها جبريل إلى
السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض، ﴿وأمطَرْنا عَلَيهِم حِجارةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ٧٤: طِين
طُبخ بالنار.
٢- ﴿إِنَّ في ذلِكَ﴾ المذكور ﴿لَآيَاتٍ﴾: دلالاتٍ على وحدانية الله،
﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ٧٥: للناظرين المُعتبرين، ﴿وإنَّها﴾ أي: قُرى قوم لُوط ﴿لَبِسَبِيلِ
مُقِيمٍ﴾ ٧٦: طريقٍ قُريش إلى الشام لم تندرس. أفلا يعتبرون بهم؟ ﴿إِنَّ فِي ذُلِكٌ
لَآيَةً﴾: لعِبرة ﴿لِلمُؤمِنِينَ ٧٧، وإنْ﴾: مُخفّفةٌ أي: إنّه (كانَ أصحابُ الأَيكةِ﴾ هي
غَيضة شجر بقُرب مَدْيَنَ - وهم قوم شعيب - ﴿لَظَالِمِينَ﴾ ٧٨ بتكذيبهم شعيبًا،
﴿فَانتَقَمْنا مِنْهُم﴾ بأن أهلكناهم بشِدة الحرّ، ﴿وإِنَّهُما﴾ أي: قُرى قوم لُوط والأيكة
﴿لَبِإِمَامٍ﴾: طريقٍ ﴿مُبِينٍ﴾ ٧٩: واضح. أفلا يعتبر بهم أهل مكّة؟
٣- ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصحابُ الحِجرِ﴾: وادٍ بين المدينة والشام - وهم ثمودُ -
﴿المُرسَلِينَ﴾ ٨٠ بتكذيبهم صالحًا، لأنه تكذيب لباقي الرُّسل لاشتراكهم في المجيء
بالتوحيد، ﴿وَآتَيناهُم آياتِنا﴾ في الناقة، ﴿فكانُوا عَنها مُعرِضِينَ﴾ ٨١: لا يتفكّرون
فيها، ﴿وكانُوا يَنحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ ٨٢، فأخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُصبِحِينَ﴾ ٨٣:
وقتَ الصباح، ﴿فما أغنَى﴾: دَفَعَ ﴿عَنْهُمِ﴾ العذابَ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٨٤، من
بناء الحُصون وجمع الأموال. ﴿وَمَا خَلَقْنا السَّماواتِ والأرضَ وما بَينَهُما إلّا بِالحَقِّ. وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيةٌ﴾ - لا محالةَ - فيُجازَى كُلّ أحد بعمله.
﴿فاصفَحِ﴾ - يا مُحمّد - عن قومك ﴿الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ ٨٥: أعرض عنهم إعراضًا لا جزعَ فيه. وهذا منسوخ بآية السيف. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ
الخَلَاقُ﴾ لكُلّ شيء، ﴿العَلِيمُ﴾ ٨٦ بكُلّ شيءٍ.
٤ - ﴿وَلَقَدْ آتَيناكَ سَبعًا مِنَ المَثانِ﴾ قَال ◌َ: ((هِيَ الفاتِحةُ)). رواه الشيخان. لأنها تُثْنَى في كُلّ ركعة، ﴿والقُرآنَ العَظِيمَ ٨٧ - لا تَمُدَّنَّ عَينَيَكَ
إِلَى ما مَتَّعْنا بِهِ أزواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِنْهُم، ولا تَحزَنْ عَلَيهِم﴾ إن لم يُؤمنوا، ﴿واخفِضْ جَناحَكَ﴾: ألِنْ جانبك ﴿لِلمُؤمِنِينَ ٨٨، وقُلْ: إنِّيَ أنا
الَّذِيرُ﴾ من عذاب الله أن ينزل عليكم، ﴿المُبِينٌ﴾ ٨٩: البيّن الإنذار - ﴿كَما أنزَلْنَا﴾ العذاب ﴿عَلَى المُقْتَسِمِينَ﴾ ٩٠ اليهودِ والنصارى، ﴿الَّذِينَ
جَعَلُوا القُرآنَ﴾: أي: كُتبهم المُنزلة عليهم ﴿عِضِينَ﴾ ٩١: أجزاء، حيثُ آمنوا ببعض وكفروا ببعض. وقيل: المُراد بهم الذين اقتسموا طُرق مكّة
يصدّون الناس عن الإسلام، وقال بعضهم في القرآن: سِحر، وبعضهم: كِهانة، وبعضهم: شِعر.
(١) السكرة: شدة الغُلمة والشهوة. وأخذتهم: أهلكتهم. والصيحة: الصرخة تدمر. والمشرق: الداخل في وقت الشروق. وجعلنا: صيّرنا. وعاليها: ما هو
فوق وجه أرضها تلك. وسافلها: ما كان تحت أرضها. أي: وجعلنا سافلها عاليها أيضًا. وأمطر: أسقط. والحجارة: جمع حجر.
(٢) المذكور: ما ورد في الآيات ٤٩-٧٤. والسبيل: الطريق السهل. والمقيم: الباقي. وأصحابها: المقيمون فيها. وغيضة الشجر: الموضع يكثر فيه
الشجر. ومدين: مدينة تحاذي تبوك على ساحل البحر الأحمر. وشعيب: نبي عربي من ذرية مدينٍ بن إبراهيم، كان في عهد موسى وزوجه ابنته. والظالم: من
تجاوز الحق. وانتقمنا منهم: عاقبناهم.
(٣) كذبوه: جحدوا ما جاء به. والوادي: وادي القرى، كانت فيه بلدة الحِجر موطن ثمود. والمدينة: المدينة المنوّرة. والمرسل: من أرسله الله بالهداية.
وآتيناهم: أعطيناهم. والآيات: الأدلة القاطعة بصدق صالح، ومنها الناقة المذكورة هنا. وانظر الآيات ٦١-٦٨ من سورة هود وتعليقنا على تفسيرها.
والمعرض: المنصرف. وينحت: يحفر. والجبال: جمع جبل. والبيوت: جمع بيت. والآمن: المحفوظ من الشدائد. وأخذتهم: أهلكتهم. والصيحة:
الصاعقة من السماء. والمصبح: الذي دخل في وقت الصباح. ويكسبون: يعملونه ويجمعونه. وخلقناها: أوجدناها من العدم. والحق: الحكمة ومصلحة
الكون. والساعة: يوم القيامة. وآتية: حاصلة. والجميل: اللطيف بدون عتاب. وأعرض عنهم أي: لا تؤاخذهم بما يعملون. وآية السيف: آيات قتال
المشركين. انظر ((المفصل)). والخلاق: الموجد من العدم. والعليم: المحيط بخفايا الأمور.
(٤) آتيناك: أعطيناك. والسبع: الآيات السبع في تلك السورة. والمثاني: جمع مَثْناة. وهي ما يعاد مرة بعد أخرى. انظر ((المفصل)). و((رواه الشيخان)) كذا،
وعبارة ((هي الفاتحة)) ليست في الصحيحين. انظر فتح الباري ٨: ٢٠٠ وتنوير الحوالك ١: ١٠٠. والعظيم: الفخم لامثيل له. ولا تمدن عينيك: لا تطمح ببصرك
راغبًا. ومتعناه: هيأنا له ما ينتفع به. والأزواج: جمع زوج. وهو الرجل وامرأته. والخطاب يشمل المسلمين كلهم أيضًا. ومنهم: من الكافرين. وتحزن:
تتألم. وعليهم: بسببهم. والنذير: المهدّد المفزّع. وأنزلنا: أوحينا. والمقتسمون: المقسّمون للشيء تبعًا للشهوات. وجعلوا: صيّروا. والقرآن: ما يُقرأ في
الكتب السماوية .
الجزء الرابع عشر
٢٦٧
١٦ - سورة النحل
١ - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسأَلَنَّهُمْ أجمَعِينَ﴾ ٩٢ سُؤالَ توبيخ، ﴿عَمّا كانُوا يَعمَلُونَ ٩٣. فاصدَعْ﴾
- يا مُحمّد - ﴿بِما تُؤْمَرُ﴾ به أي: اجهر به وأمضهِ، ﴿وأعرِضْ عَنِ المُشرِكِينَ﴾ ٩٤.
هذا قبل الأمر بالجهاد. ﴿إِنّا كَفَيناكَ المُستَهِزِئِينَ﴾ ٩٥ بك، بأن أهلكنا كُلَّ منهم بآفة
- وهم: الوليدُ بن المُغيرةِ والعاصِ بنُ وائلٍ وعديُّ بن قيسٍ والأسْودُ بن المُطّلبِ
والأسودُ بن عبد يغوثَ - ﴿الَّذِينَ يَجعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَّهَا آخَرَ﴾: صفةٌ، وقيل مبتدأ،
ولتضمنه معنى الشرط دخلت الفاء في خبره، وهو: ﴿فَسَوفَ يَعلَمُونَ﴾ ٩٦ عاقبة
أمرهم.
٢- ﴿وَلَقَد﴾: للتحقيق ﴿نَعلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ٩٧، من
الاستهزاء والتكذيب. ﴿فَسَبِّحْ﴾ مُلتبسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: قل: سُبحانَ الله
وبحمده، ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ٩٨ : المُصلّين، ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ
اليَقِینُ﴾ ٩٩ : الموت.
سُورَةِ النَّحة
الجزء التَّارِعُ عَشَر
الَّذِينَ جَعَلُواْالْقُرْءَانَ عِضِينَ (ج فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ ﴿ عَمَّا كَانُو ◌ْيَعْمَلُونَ (٣) فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضِ
عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿ إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ ﴿ الَّذِينَ
يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ () وَلَقَدْ نَعْلَمُ
أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وَكُنْ
مِنَ السَّجِدِينَ ﴿ وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ
٩٩
شُوَةُ النَّحْمِ
◌ِسِْلَّهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ
◌َ أَمْرُاللَّهِ فَلَ تَسْتَعْجِلُوهُ، سُبْحَانَهُ، وَتَعَلَى عَمَّ ◌ُثْرِكُونَ
﴿ يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ:
أَنْ أَنْذِرُوَّأ ◌َنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَاْ فَاتَّقُونِ (٢ خَلَقَ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضَ بِآلْحَقِّ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ أَ خَلَقَ
اَلْإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ وَالْأَنْعَمَ
خَلَقَهَاْ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ نَسْرَحُونَ ()
سورة النحل
مكية إلّا ((وإن عاقبتم)) إلى آخرها، مِائَة وثمان وعشرون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
٣- لمّا استبطأ المُشركون العذاب نزل: ﴿أَتَى أمرُ اللهِ﴾ أي: الساعةُ - و((أتى)) بصيغة
الماضي لتحقّق وُقوعه - أي: قَرُبَ. ﴿فلا تَستَعجِلُوهُ﴾: تطلبوه قبل حِينه. فإنه واقع لا
محالة. ﴿سُبحانَهُ﴾: تنزيها له، ﴿وَتَعالَى عَمّا يُشرِكُونَ﴾ ١ به غيرَه! ﴿يُنْزِلُ المَلائكةَ﴾ أي: جِبريلَ، ﴿بِالرُّوحِ﴾: بالوحي ﴿مِن أمرِهِ﴾: بإرادته،
﴿عَلَى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ - وهم الأنبياء - ﴿أن﴾: مُفسّرَةٌ ﴿أَنذِرُوا﴾: خوّفوا الكافرين بالعذاب، وأعلموهم ﴿أنَّهُ لا إلّهَ إلّا أنا. فَاتَّقُونِ﴾ ٢:
خافونِ. (خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ بِالحَقِّ﴾ أي: مُحقًّا. ﴿تَعالَى عَمّا يُشرِكُونَ﴾ ٣ به من الأصنام!
٤ - ﴿خَلَقَ الإنسانَ مِن نُطْفةٍ﴾: مَنِيٌّ إلى أن صيّره قويًّا شديدًا، ﴿فإذا هُوَ خَصِيمٌ﴾: شديد الخصومة، ﴿مُبِينٌ﴾ ٤: بيُّها في نفي البعث، قائلًا:
((مَن يُحيِي العِظامَ، وهْيَ رَمِيمٌ))؟ ﴿والأنعامَ﴾: الإبل والبقر والغنم، ونَصبُه بفعل يُفسّره: ﴿خَلَقَها لَكُم﴾ في جُملة الناس، ﴿فِيها دِفٌ﴾: ما
(١) نسألهم: نذكّرهم على لسان ملائكة العذاب. ويعملون أي: يكتسبونه من التفرقة بين الآيات والتكذيب ومنع الإيمان. وما تؤمر: ما أوحي إليك. واجهر:
بلّغ الناس جهارًا. وأعرض عنهم: لاتخاصمهم. والمشرك: الذي يقدس بعض المخلوقات ويطيعه في معصية الله. فالإعراض عن المشركين العرب نسخته
آيات الأمر بالقتال في سورة براءة. وكفيناك إياهم: تولينا أمرهم. والمستهزئ: الساخر. والآفة: ما يصيب الشيء فيتلفه ويهلكه. انظر («المفصل)). ويجعلون:
يصيّرون. والإله: المعبود المقدس. وآخر أي: مغايرًا لله. وسوف: لتحقيق حصول الفعل في المستقبل، وإن تأخر ذلك. ويعلمون: يدركون باليقين.
(٢) نعلم أي: علِمْنا. ويضيق: يحزن ويعجز عن التحمل. والصدر هنا: القلب. وسبح: نُزهِ الله عما يصفون. والحمد: الثناء على النعم. والساجد: من
يحني ظهره ويطأطئ رأسه ليضع وجهه على الأرض. واعبده: قدسه وادعه للعون. ويأتيك: يصيبك، أي: لا تشغل نفسك عن العبادة بالهموم. واليقين:
التحقق والثبوت. والموت لا شك فيه.
(٣) انظر سبب النزول في المفصل. والأمر: الحكم. والساعة أي: يوم القيامة. و((قرب)) كذا، وقُربُ الوقوع غيرُ تحققه الذي يعني: سيأتي حتمًا وإن تأخر
حصوله. وتعالى: ترفّع وتعظّم. ويشركون: يجعلون لله بعض مخلوقاته مشاركًا في الألوهية. وينزل: يرسلَ للتبليغ. والملائكة: جمع ملّك. ويشاء: يريد
إرساله. والعباد: جمع عبد، ومفسرة: حرف تفسير. والأله: المعبود بحق وحده. وخافون: خافوني والزموا الطاعة. وخلقها: أوجدها من العدم.
والسماوات والأرض أي: ومافيهما أيضًا. والحق: الواجب اللائق بمن هو صاحب الحياة والعلم والإرادة والقدرة. والأصنام أي: وغيرها من المخلوقات.
(٤) روي أن أُبيَّ بن خلف جاء بعظم رميم إلى الرسول ◌َّه وقال: يا محمد، أترى اللهَ يحيي هذا، بعدما قد رَمَّ؟ فنزلت هذه الآيات والآيات ٧٧-٨٣ من سورة
يس. الواحدي ص ٢٨٤. وخلق: أوجد وكوّن. والإنسان هنا: البشر عدا آدم وحواء وعيسى. والنطفة: القطرة الدقيقة جدًا، لاحس لها ولا قدرة على النمو.
والمنيّ: ماء الرجل المُخصِب في تكوين الجنين. وخُصّ بالذُكر، دون البُبيضة النِّسوية، لأنه هو عنصر الإخصاب وبه تصبح البيضة منجبة. والرميم: البالي
المتلاشي. وقائلًا يعني: ما في الآية ٧٨ من سورة يس. والأنعام: جمع نَعَم. ويفسره: يعني أنّ الأنعام: مفعول به لفعل محذوف يفسره الفعل التالي، أي:
وخلق الأنعام. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((بفعل مقدر يفسره)). وفي قرة العينين وبعض المطبوعات: ((من جملة الناس)). والأكسية: جمع كساء. والأردية:
جمع رداء. والمنافع: جمع منفعة. والنسل: ما يكون من أولاد الأنعام. والدر: ما يكون من اللبن. وتأكلون: تتغذون وتتمتعون. وللفاصلة يعني: ليجانس
لفظُ الفاصلة هذه لفظً الفواصل التي حولها من الآيات. والمُراح: المكان تأوي إليه الأنعام. وبالغداة: في الصباح. وتحمل أي: الأنعام. والأثقال: جمع
ثِقْل. وهو الإنسان وما يحتاج إليه. والرؤوف: المتعطف بالفضل. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان.
١٦ - سورة النحل
٢٦٨
الجزء الرابع عشر
سُورَة النّب
الجزء الرابع عشر
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْتَكُونُواْبَلِغِيهِ إِلَّ بِشِقٍ
الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ
وَالْحَمِيرَ لِتَرَكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ الـ
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَابِرٌ وَلَوْشَآءَ لَدَنكُمْ
أَجْمَعِينَ ﴿ هُوَ الَّذِىَّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لَّكُرُ عِنْهُ
شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴿ يُنْبِتُ لَكُمْ
بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْنُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ
الثَّمَرَتِ إِنَ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ
وَسَخَّرَلَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ
مُسَخَّرَتٌ بِأَمْرِةِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
أَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَنُهُ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِى
سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوْ
مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَفِيهِ
وَلِتَبْتَغُوْمِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
تستدفئون به، من الأكسية والأردية من أشعارها وأصوافها، ﴿ومَنافِعُ﴾ من النسل
والدرّ والركوب، ﴿وَمِنها تأكُلُونَ﴾ ٥ - قدّم الظرف للفاصلة - ﴿وَلَكُم فِيها جَمالٌ﴾:
زِينة، ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ تردّونها إلى مُراحها بالعشيّ، ﴿وَحِينَ تَسرَحُونَ﴾ ٦ :
تُخرجونها إلى المرعى بالغداة، ﴿وتَحمِلُ أثقالَكُم﴾: أحمالكم ﴿إِلَى بَلَدٍ، لَم تَكُونُوا
بالِغِيهِ﴾: واصلين إليه على غير الإبل ﴿إلّا بِشِقِّ الأنفُسِ﴾: بجَهدها. ﴿إِنَّ رَبَّكُم
لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٧ بكم، حیثُ خلقها لكم.
١- ﴿و﴾ خلقَ ﴿الخَيلَ والبِغالَ والحَمِيرَ، لِتَركَبُوها وزِينَةً﴾: مفعول له - والتعليل
بهما لتعريف النِّعم لا يُنافي خلقها لغير ذلك، كالأكلِ في الخيل الثابتِ في حديث
الصحيحين - ﴿وَيَخلُقُ ما لا تَعلَمُونَ﴾ ٨ من الأشياء العجيبة الغريبة، ﴿وعلَى اللهِ قَصْدُ
السَّبِيلِ﴾ أي: بيانُ الطريقِ المستقيم، ﴿ومِنها﴾ أي: السبيلِ ﴿جائرٌ﴾: حائد عن
الاستقامة، ﴿وَلَو شاءَ﴾ هِدايتكم ﴿لَهَدَاكُم﴾ إلى قصد السبيل ﴿أجمَعِينَ﴾ ٩،
فتهتدون إليه باختيار منكم.
٢- ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، لَكُم مِنْهُ شَرابٌ﴾ تشربونه، ﴿ومِنْهُ شَجَرٌ﴾ ينبتُ
بسببه، ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ١٠ : ترعون دوابكم، ﴿يُنْبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ
والأعنابَ، ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ. إنَّ في ذُلِكَ﴾ المذكورِ ﴿لَآيَةً﴾ دالّة على وحدانيّة الله -
تعالى - ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١١ في صُنعه فيؤمنون.
٣- ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيلَ والنَّهَارَ والشَّمسَ﴾ - بالنصبِ عطفًا على ما قبله، والرفع مبتدأ
- ﴿والقَمَرَ والنُّجُومَ﴾، بالوجهين، (مُسَخَّراتٍ﴾، بالنصبِ حالٌ والرفعِ خبرٌ، ﴿بِأمرِهِ﴾: بإرادته - ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَاتٍ لِقَومٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١٢ :
يتدبّرون - ﴿و﴾ سخّر لكم ﴿مَا ذَرَأَ﴾: خلق ﴿لَكُم في الأرضِ﴾، من الحيوان والنبات وغير ذلك، ﴿مُختَلِفًا ألوانُهُ﴾ كأحمر وأخضر وأصفر
وغيرها. ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَةً لِقَومٍ يَذَّرُونَ﴾ ١٣ يتّعظون.
٤ - ﴿وهْوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحرَ﴾: ذلّله لرُكوبه والغوص فيه، ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هو السمك، ﴿وتَستَخرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلَبَسُونَها﴾ هي اللؤلؤ
والمَرجان - ﴿وَتَرَى﴾: تُبْصِرُ ﴿الفُلْكَ﴾ السُّفْنَ ﴿مَواخِرَ فِيهِ﴾: تمخر الماء أي: تشقّه، بجريها فيه مُقبلةً ومُدبرةً بريح واحدة - ﴿ولِتَبَتَغُوا﴾ عطفٌ
على ((لتأكلوا)): تطلبوا ﴿مِن فَضِلِهِ﴾ - تعالى - بالتجارة، ﴿وَلَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ ١٤ الله على ذلك.
(١) الخيل: واحده فرس. والبغال: جمع بغل. وهو ابن الفرس من الحمار. والحمير: جمع حمار. والصحيحين: يعني الأحاديث ٥١٩١ و٥١٩٣ و٥٢٠٠
و٥٢٠١ و٥٢٠٤ في البخاري و١٩٤١ و١٩٤٢ في مسلم. ويخلق: ينشئ من العدم. ولا تعلمون: لاتعرفونه. وعليه أي: بيان ذلك ثابت بفضله. والسبيل:
الطريق الواضح. فالسبيل قسمان: قصد - وهي طريق الحق أي: دين الإسلام - وجائرة. وهي طريق الكفر من يهودية ونصرانية ومجوسية وشرك وإلحاد.
وشاء: أراد. وهداكم: وجّهكم إلى الحق وأوصلكم إليه. وأجمعين: كلكم. وباختيار منكم: بدون حاجة إلى أدلة ورسل. يعني: بل قضى بيان الطريق
والدلالة عليه، ليحمل كل إنسان مسؤولية ما يختاره قصدًا باستعداداته وتدبره.
(٢) أنزل: أسقط. والسماء: السحاب. والماء أي: والثلج والبرد والندى. والشجر: النبات. وينبت: يخرج. والزرع: ما زُرع لقوت الناس والحيوان والزينة
والدواء. والزيتون: شجر يؤكل ثمره مملّحًا ويعصر منه الزيت. والنخيل: جمع نخل، شجر يثمر البلح والتمر. والأعناب: جمع عنب، شجر الكرم. والثمر:
ما انعقد ونضِج من نتاج الشجر. والآية: البرهان والدلالة القاطعة. ويتفكرون: يستدلون بما يرون على كمال الألوهية، والقدرة على الخلق والإبداع.
(٣) سخره: جعله مهيّأ لما خُلق له من الفائدة. وبالرفع يريد القراءة ((والشَّمسُ)). والنجوم: جمع نجم. وهو الكوكب يظهر ليلًا ببريقه. وبالوجهين يعني:
بالنصب كما أثبتنا، عطفًا على ((الليلَ))، وبقراءة الرفع أيضًا ((والقَمَرُ والنُّجُومُ))، عطفًا على ((الشّمسُ)). والمسخرات: الميسرات. وبالرفع يريد القراءة
(مُسَخَّراتٌ)). والآيات: البراهين القاطعة. ويتدبرون أي: بعقولهم هذه الآثار الدالة على وجود الصانع وتفرده. وذرأ أي: ذرأه. والألوان: جمع لون. وهو
النوع والهيئة والمنظر والشكل. وفيما عدا الأصل والنسخ : كأحمر وأصفر وأخضر.
(٤) البحر: ما اجتمع من الماء الكثير. وتأكل: تتغذى وتتلذذ. واللحم: المادة العضلية الرخوة بين الجلد والعظم. والطري: الغض. وتستخرجون:
تخرجون. والحلية: ما يُتزين به. وتلبسونها: تتزينون بها، خطابًا للرجال لأن أكثر ما تتزين به النساء من حليّ البحر يكون من أجلهم، فكأنها زينتهم. ثم إن
بعض الرجال يتزين بذلك. والفلك: واحده بلفظه نفسه. والمواخر: جمع ماخرة. والفضل: الإحسان بتيسير المخلوقات وما فيها من قدرة على العلم والعمل
والجهاد وغير ذلك. ولعلكم أي: ليُترجَّي لكم. وتشكرون: تُظهرون نعم الله وتستحضرونها في نفوسكم، وتثنون عليه بالقلب واللسان والعمل. و((ذلك)) يعني:
تسخير البحر وما فيه ليتمكن الإنسان من الانتفاع به في مصالحه.
الجزء الرابع عشر
٢٦٩
١٦ - سورة النحل
١- ﴿وألقَى في الأرضِ رَواسِيَ﴾: جِبالًا ثوابتَ، لِـ (أن) لا (تَمِيدَ﴾: تتحرّك
﴿بِكُم، و﴾ جعل فيها ﴿أنهارًا﴾ كالنيل، ﴿وَسُبُلًا﴾: طُرقًا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهتَدُونَ﴾ ١٥ إلى
مقاصدكم، ﴿وعَلاماتٍ﴾ تستدلّون بها على الطرق، كالجِبال بالنهار. ﴿وبِالنَّجْمِ﴾
بمعنى النجوم ﴿هُم يَهتَدُونَ﴾ ١٦ إلى الطُّرق والقِبلة بالليل. ﴿أفمَن يَخلُقُ﴾ - وهو اللهُ
- ﴿كَمَن لا يَخلُقُ﴾. وهو الأصنام، حتى تُشركونها معه في العبادة؟ لا. ﴿أفلا
تَذَّرُونَ﴾ ١٧ هذا فتُؤمنون؟ ﴿وإن تَعُدُّوا نِعْمةَ اللهِ لا تُحصُوها﴾ تضبطوها، فضلًا أن
تُطيقوا شُكرها. ﴿إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١٨، حيثُ يُنعم عليكم، مع تقصيركم
وعِصیانکم.
٢- ﴿وَاللهُ يَعلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعلِنُونَ ١٩، والَّذِينَ تَدْعُونَ﴾، بالتاء والياء: تعبدون
﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ - وهم الأصنام - ﴿لا يَخلُقُونَ شَيئًا، وهُم يُخلَقُونَ﴾ ٢٠ : يُصوَّرون من
الحِجارة وغيرها، ﴿أَمْواتٌ﴾: لا روح فيهم خبرٌ ثانٍ ﴿غیرُ أحیاءٍ﴾: تأكید، ﴿وما
يَشْعُرُونَ﴾ أي: الأصنامُ ﴿أيّانَ﴾: وقتَ ﴿يُبعَثُونَ﴾ ٢١ أي: الخلقُ. فكيف يُعبَدون،
إذ لا يكون إلّهًا إلّا الخالقُ الحيّ العالم بالغيب؟
٣- ﴿إِلَهُكُم﴾: المُستحقّ للعبادة منكم ﴿إِلَهٌ واحِدٌ﴾: لا نظير له في ذاته ولا صِفاته.
وهو الله، تعالى. ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرةِ قُلُوبُهُم مُنكِرَةٌ﴾: جاحدة للوحدانيّة،
﴿وَهُم مُستَكِرُونَ﴾ ٢٢ : مُتكبّرون عن الإيمان بها. ﴿لا جَرَمَ﴾: حقًّا ﴿أَنَّ اللهَ يَعلَمُ ما
يُسِرُونَ وما يُعلِنُونَ﴾، فيُجازيهم بذلك. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُستَكبِرِينَ﴾ ٢٣ بمعنى أنه
يُعاقبهم .
سُورَة النت
الجزء الرابع عشر
وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَرًا وَسُبُلًا
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿ وَعَمَتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿ وَإِن
تَعُدُ وانِعْمَةَ اللَّهِلَا تُخْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌرَّحِيمٌ(َ
وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٨٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ
مِن دُونِاللَّهِ لَ يَخْلُقُونَ شَيْئًّاوَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢)أَمْوَتُّ غَيْرُ
أَخْيَةٍ وَمَايَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ
فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْثِرُونَ
﴿َ لَاجَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَهُ مَا يُسِزُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ.
لَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِينَ ﴿َّاوَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنزَلَ رَبِّكُمْ
قَالُواْأَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ *لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً
يَوْمَ الْقِيَمَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا
سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
فَأَتَى اللهُبُنْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ
مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٦)
٤- ونزل في النضر بن الحارث: ﴿وإذا قِيلَ لَهُم: ما﴾: استفهاميّة ﴿ذا﴾: موصولة ﴿أنزَلَ رَبُّكُم﴾ على مُحمّد؟ ﴿قالُوا﴾: هو ﴿أساطِيرُ﴾:
أكاذيبُ ﴿الأوَّلِينَ﴾ ٢٤. إضلالاً للناس. ﴿لِيَحمِلُوا﴾ في عاقبة الأمر ﴿أوزارَهُم﴾: ذُنوبهم، ﴿كامِلَةَ﴾: لم يُكفّر منها شيء ﴿يَومَ القِيامةِ،
ومِن﴾: بعضِ ﴿أوزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيرِ عِلمٍ﴾، لأنهم دعوهم إلى الضلال، فاتّبعوهم فاشتركوا في الإثم. ﴿ألا ساءَ﴾: بئس ﴿ما
يَزِرُونَ﴾ ٢٥ : يحملونه حِملُهم هذا!
٥- ﴿قَد مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمِ﴾ وهو نُمروذُ، بنَى صرحًا طويلًا ليصعد منه إلى السماء ليُقاتل أهلها، ﴿فأتَى اللهُ﴾: قصد ﴿بُنيانَهُم مِنَ القَواعِدِ﴾:
(١) ألقى: وضع. والرواسي: جمع الراسي. وتتحرك أي: لئلا تضطرب أجزاؤها أو تخسف أو تزلزل. والأنهار: جمع نهر. والنيل هو النهر المشهور في
مصر والسودان. والسبل: جمع سبيل. وتهتدون: تتوجهون. والعلامة: الدليل الواضح. والنجم: الكوكب يظهر في الليل ببريقه. وهم: الناس. و((تشركونها))
كذا. والصواب: تشركوها. انظر ((المفصل)). ويخلق: يبدع الأشياء من العدم. وتذكّرون: تستحضرون الجهل في الشرك، والنعم والأدلة، لتعرفوا الحق. وفي
المطبوعات: ((تَذَكَّرُونَ)). والغفور: الكثير السترِ للذنب وعدم المؤاخذة. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان.
(٢) يعلمه: يحيط به كامل الإحاطة. وتُسرّون: تخفونه في أنفسكم. وتعلنون: تظهرونه للناس. والمراد: يستوي في علمه ما خفي وما ظهر. وبالياء يريد
القراءة ((يَدْعُونَ)) أي: يعبدونهم. ومن دونه: من غيره. ولا يخلقونه: لا يوجدونه من العدم. ويُخلقون أي: هم ذواتٌ مفتقرة إلى التخليق. والأموات: جمع
ميْت. والأحياء: جمع حيّ. ولا يشعرون: لا يحسون. ويبعثون: يخرجون من القبور للحساب والجزاء. والضميران في الفعلين مختلفان: أولهما للأصنام
والثاني للمشركين. ط: إذًا لا يكون.
(٣) إلهٌ أي: معبود بحق وحده. وواحد: صفة للاسم قبلها فيها معنى التوكيد. ولا يؤمن: يكذّب ولا يعترف. والقلوب: جمع قلب. وللوحدانية: لتوحيد
الألوهية الثابت بما مضى من الأدلة القاطعة. والمستكبر: من يطلب من الأمور ما ليس له، فيتعالى عن الحق ويخالفه. ويجازيهم: انظر الآية ١٩. ولا يحبهم:
لا يودهم كما يليق بذاته من الصفات، أي: يكرههم ويمقتهم.
(٤) انظر الآية ٣٢ من سورة الأنفال وسبب النزول في المفصل. وأنزل: أوحى وأمر بالتبليغ والعمل. والأساطير: جمع أسطورة. والأولون: الأمم الماضية.
والناس: المقيمون في مكة والوافدون عليها. ويحملوا: يتحملوا للحساب والعقاب. والأوزار: جمع وِزر. والكاملة: التامة كما هي من دون نقص أو زيادة.
واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من قبورهم للحساب. وبعض: يعني أن ((مِن)): للتبعيض. والظاهر أن ((مِن)) هنا: للسببية، والتقدير: وشيئًا كائنًا بسبب
أوزارهم. انظر ((المفصل)). ويضلونهم: يسببون لهم الكفر. وبغير علم أي: جهلًا من الأتباع أن الداعين ضالون. وساء: بلغ الغاية في السوء والشر والفساد.
وحملهم: مذموم مرتين .
(٥) مكر: دبر المكايد ليضل الناس. ونمروذ: ابن كنعان أحد الجبابرة في بابل، كان في عهد إبراهيم. والصرح: ما كان منه بُرج بابل. والبنيان: ما يُبنَى.
والقواعد: جمع قاعدة. وهي الأصل يعتمد عليه البناء. والإساس: جمع أَسّ. وهو أصل البناء ومستقرّه. وفي ع وط وقرة العينين والمنحة والمطبوعات:
((الأساس)). وخر: سقط سريعًا. والسقف: غطاء البناء يرفع على الجدران. وأتاهم: نزل بهم. ولا يشعرون: لا يحتسبون ولا يتوقعون، أي: جاءهم من مكان
ظنّهم الأمانَ وتجنُّبَ البلاء.
١٦ - سورة النحل
٢٧٠
الجزء الرابع عشر
الملحة التَّارَةُ عَشْر
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يُخْرِيِهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ
كُنْتُمْ تُشَقُونَ فِيهِمَّ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْىَ
اَلْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَفِرِينَ * الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ
ظَالِمِىّ أَنفُسِهِمٌّ فَلْقَواْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلٌ مِن سُوْعَ بَ
إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الْ فَادْ خُلُوا أَبْوَبَ جَهَنَّمَ
خَلِينَ فِيَهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَِّنَ (٩ ﴾ وَقِيلَ
لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرٌ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْفِ
هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَدَارُالْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ
جَنَّتُ عَدٍْ يَدْ خُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ لَهُمْ فِيهَا
مَا يَشَاءُونَّ كَذَلِكَ يَجْزِى اَللَّهُ الْمُنَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ تَوَقَُّهُمُ
اُلْمَلَئِكَةُ طَيِينٌ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْنِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ
أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُرَبِّكَّ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ
اُللَّهُ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿ فَأْصَابَهُمْ
سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِمْ مَّاكَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ
الإساس، فأرسل عليه الريح والزلزلة فهدمته، ﴿فخَرَّ عَلَيهِم السَّقفُ مِن فَوقِهِم﴾ أي:
وهم تحته، ﴿وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٢٦: من جهةٍ لا تخطر ببالهم.
وقيل: هذا تمثيل لإفساد ما أبرموه من المكر بالرسل.
١- ﴿ثُمَّ يَومَ القِيامةِ يُخِيهِم﴾: يُذِلّهم، ﴿وَيَقُولُ﴾ لهم الله على لسان الملائكة
توبيخًا: ﴿أينَ شُرَكائِيَ﴾ - بزعمكم - ﴿الَّذِينَ كُنتُم تُشاقُونَ﴾: تُخالفون
المؤمنين ﴿فِيهِم﴾: في شأنهم؟ ﴿قالَ﴾ أي: يقول ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ﴾، من
ثلاثة ارباع
الحزب
الأنبياء والمُؤمنين: ﴿إِنَّ الخِزيَ اليَومَ والسُّوءَ عَلَى الكافِرِينَ﴾ ٢٧ - يقولونه
٢٧
شماتةً بهم - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ﴾، بالتاء والياء، ﴿المَلائكةُ ظالِمِي أنفُسِهِم﴾
بالكُفر. ﴿فألقَوُا السَّلَمَ﴾: انقادوا واستسلموا عِند الموت قائلين: ﴿مَا كُنّا نَعَمَلُ مِن
سُوءٍ﴾: شِرك. فتقول الملائكة: ﴿بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ ٢٨، فيُجازيكم
به. ويقال لهم: ﴿فادخُلُوا أبوابَ جَهَنَّمَ، خالِدِينَ فِيها. فَبِئْسَ مَثوَى﴾: مأوى
﴿المُتَكَبِّرِينَ﴾ ٢٩!
٢- ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوا﴾ الشِّركَ: ﴿ماذا أَنزَلَ رَبُّكُم؟ قالُوا: خَيرًا، لِلَّذِينَ أحسَنُوا﴾
بالإيمان ﴿في هذِهِ الدُّنيا حَسَنَةٌ﴾: حياة طيّبة، ﴿وَلَدَارُ الآخِرةِ﴾ أي: الجنّةُ ﴿خَيرٌ﴾
من الدنيا وما فيها. قال تعالى فيها: ﴿وَلَنِعمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ٣٠ هي! ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾:
إقامةٍ، مبتدأُ خبرُه: ﴿يَدخُلُونَها، تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ، لَهُم فِيها ما يَشاؤُونَ.
كَذْلِكَ﴾ الجزاءِ ﴿يَجِزِي اللهُ المُتَّقِينَ ٣١، الَّذِينَ﴾: نعت ﴿تَتَوَفّاهُمُ المَلائكةُ طَيِِّينَ﴾:
طاهرين من الكُفر، ﴿يَقُولُونَ﴾ لهم عند الموت: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾، ويقال لهم في الآخرة: ﴿ادخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنتُمْ تَعمَلُونَ﴾ ٣٢.
٣- ﴿هَلِ﴾: ما ﴿يَنظُرُونَ﴾: ينتظر الكُفّار (إلّا أن تأتِيَهُمُ﴾ - بالتاء والياء - ﴿المَلائكةُ﴾ لقبض أرواحهم، ﴿أو يأْتِيَ أمرُ رَبِّكَ﴾: العذابُ أو
القيامة المشتملة عليه؟ ﴿كَذْلِكَ﴾: كما فعل هؤلاء ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم﴾ من الأُمم، كذّبوا رُسلهم فأُهلكوا، ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ بإهلاكهم بغير
ذنب، ﴿وَلْكِن كَانُوا أَنفُسَهُم يَظْلِمُونَ﴾ ٣٣ بالكُفر، ﴿فأصابَهُم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أي: جزاؤها، ﴿وحاقَ﴾: نزل ﴿بِهِم ما كانُوا بِهِ
يَستَهْزِئُونَ﴾ ٣٤ أي: العذابُ.
(١) اليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من قبورهم بالبعث. وفي ط وقرة العينين والمنحة والمطبوعات: ((ويقول الله لهم)). والشركاء: جمع شريك. وهو
المشارك في الألوهية والطاعة. وفي شأنهم: في شأن المعبودات. والمعنى: مالهم لم يحضروا معكم ليدفعوا عنكم، كما كنتم تزعمون؟ وقال أي: في موقف
الحساب. وأوتوا: أعطوا. والعلم: المعرفة اليقينية. والخزي: الهوان. والسوء: مايغم ويؤذي. واليوم: هذا الوقت. وتتوفاهم: تقبض أرواحهم. وبالياء يريد
القراءة ((يَتَوَفّاهُمُ)) في هذه الآية. وتجب مع نظيرتها من الآية ٣٢ أيضًا. والملائكة: ملك الموت وأعوانه. والظالم: المتجاوز للحق يسبب لنفسه عذاب جهنم.
والأنفس: جمع نفس. وألقوه: قدموه بالطوع. والسلم: الخضوع. و((عند الموت)) الراجح أن قولهم هنا هو في يوم القيامة. ونعمل: نكسب ونجني. والعليم:
المحيط إحاطة تامة. والأبواب: المداخل، جمع باب. والخالد: المقيم أبدًا. وفيها: في جهنم. وبئس: بلغ الغاية في السوء والبؤس والشقاء. والمتكبر: من
تكلف العظمة وتشبع بذلك، وترفع أن يكون من المؤمنين الطائعين.
(٢) قيل أي: قال الذين أراد المشركون منعهم من الإيمان، ولم يستجيبوا لهم وجاؤوا يسألون المؤمنين. واتقوه: تجنبوه بالإيمان والطاعة. وأنزل: أوحى.
والخير: ما فيه نفع في الدنيا والآخرة. وأحسنوا: اكتسبوا الأعمال المَرْضية إيمانًا واحتسابًا. والحسنة: البهيجة. وفُسّرت بالحياة الطيبة مكافأة على الإحسان.
والدار: مكان الإقامة والاستقرار. وخير: أكثر نفعًا. ونعم: بلغ الغاية في الخير والنعيم والسعادة. و((هي)) يعود على الجنة قبله، وممدوح مرتين: الأولى في
جنسه (دار المتقين))، والثانية في اختصاصه هنا. والجنة: الحديقة العظيمة. وتجري: تسيل بسرعة وتتدفق. وتحتها أي: تحت أشجارها وقصورها. والأنهار:
جمع نهر. وهو المجرى العظيم من الماء والعسل واللبن والخمر. ويشاؤون: يريدونه من النعم. ويجزي: يكافئ. وتتوفاهم: انظر الآية ٢٨. وطاهرين من
الكفر أي: ومن نجاسة الجهل والفسق وقبائح الأعمال، ومتحلَّين بالعلم والإيمان والصلاح والإحسان. و((عند الموت)) الظاهر أن القول هذا وما بعده حاصل
في الآخرة. والسلام: السلامة من كل سوء مع الأمان. وتعملون: تكتسبونه من الصالحات بالقلب أو اللسان أو سائر الجوارح.
(٣) تأتيهم: تقصدهم. وبالياء يريد القراءة ((يأتِيَهُمُ)). ع: ((بالياء والتاء)). ويأتي: يحصل ويُقضى. وأمره: حكمه وقضاؤه. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى
مصالح ملكه. والعذاب: التعذيب في الدنيا عقوبة بنصر المؤمنين أو استئصال الكافرين. وفعل أي: اكتسب بالاختيار والقصد، من نية أو قول أو عمل. وما
ظلمهم أي: عاقبهم بما يستحقون، دون تجاوز للعدل. ونفس الإنسان: حقيقته بروحه وجسده. ويظلمونها: يعتدون عليها فيسببون لها العذاب والخسارة
الأبدية. وبالكفر أي: فاستحقوا العذاب أو الاستئصال. وقبض أرواح الكفار فيه عذاب شديد أيضًا، بخلاف ما يكون للمؤمنين من طمأنينة وسعادة حين
ذلك. وأصابهم: نالهم. والسيئة: ما قبح من القول والفعل، وكان فيه الشر والفساد. وعملوا: اكتسبوه قصدًا واختيارًا، من نية أو قول أو فعل. ونزل أي:
وأحاط من كل جانب. ويستهزئ: يسخر. والعذاب تفسير لـ ((ما))، أي: عذاب الدنيا بالهلاك والاستئصال.
الجزء الرابع عشر
٢٧١
١٦ - سورة النحل
١ - ﴿وقالَ الَّذِينَ أشرَكُوا﴾ من أهل مكّة: ﴿لَو شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيءٍ نَحنُ
ولا آبَاؤُنا، ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيءٍ﴾ من البحائر والسوائب. فإشراكنا وتحريمنا
بمشيئته، فهو راض به. قال تعالى: ﴿كَذْلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبَلِهِم﴾ أي: كذّبوا رُسلهم
فيما جاؤوا به. ﴿فَهَل﴾: فما ﴿عَلَى الرُّسُلِ إلّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ٣٥: الإبلاغ البيّن؟
وليس عليهم هداية.
٢- ﴿وَلَقَد بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمّةٍ رَسُولًا﴾، كما بعثناك في هؤلاء، (أنِ﴾ أي: بأنِ ﴿اعبُدُوا
اللهَ﴾: وحّدوه، ﴿واجتَنُوا الطّاغُوتَ﴾: الأوثان أن تعبدوها، ﴿فمِنْهُم مَن هَدَى اللهُ﴾
فآمن، ﴿ومِنْهُم مَن حَقَّتْ﴾: وَجَبَتْ ﴿عَلَيهِ الضَّلالةُ﴾ في علم الله، فلم يُؤمن.
[فسِيرُوا﴾ - يا كُفّار مكّة - ﴿في الأرضِ، فانظُرُوا: كَيفَ كانَ عاقِبُ المُكَذِّبِينَ﴾ ٣٦
رسلَهم من الهلاك؟ ﴿إِن تَحرِصْ﴾ - يا مُحمّد - ﴿علَى هُداهُم﴾، وقد أضلّهم الله، لا
تقدِرْ على ذلك ﴿فإنَّ اللهَ لا يُهدَى﴾ - بالبناء للمفعول وللفاعل - ﴿مَن يُضِلّ﴾: من
يُريد إضلاله، ﴿وما لَهُم مِن ناصِرِينَ﴾ ٣٧: مانعين من عذاب الله.
سُورَةِ النَّحْتُ
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْلَوْشَآءَ اللَّهُ مَاعَبَدْنَا مِن دُونِهِ،مِن
◌َشَىْ ءٍ نَحْنُ وَلَآءَابَاؤُنَا وَلَاحَرَّمْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ كَذَلِكَ
فَعَلَ اُلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ
(٢٥] وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْاللَّهَ
وَاجْتَنِبُواْ الطّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ
حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ فَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿ إِن تَحْرِصُ عَلَى هُدَنهُمْ
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ
وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَ يْمَنِهِمٌ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى
وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
لِيُّبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ كَفَرُوْ أَنَّهُمْ
كَانُواْ كَذِبِينَ ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءِ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٢َ وَالَّذِينَ هَاجَرُ واْ فِى اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ
لَنُوِّتَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرٌ لَوَ كَانُواْ
يَعْلَمُونَ ﴿ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَنَوَكَّلُونَ
٣- ﴿وأقسَمُوا بِاللهِ جَهِدَ أَيمانِهِم﴾ أي: غايةَ اجتهادهم فيها، ﴿لا يَبعَثُ اللهُ مَن
يَمُوتُ﴾. قال تعالى: ﴿بَلَى﴾ يبعثهم، ﴿وَعدَا عَلَيْهِ حَقًّا﴾: مصدران مؤكِّدان منصوبان
بفعلهما المُقدّر، أي: وَعَدَ ذلك وحقّه حقًّا - ﴿ولَكِنَّ أكثَرَ النّاسِ﴾ أي: أهلِ مكّة ﴿لا
يَعلَمُونَ﴾ ٣٨ ذلك - ﴿لِيُبَيِّنَ﴾: مُتعلّق بـ ((يبعثهم)) المُقدّرِ، ﴿لَهُمُ الَّذِيِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مع
المؤمنين ﴿فِيهِ﴾ من أمر الدِّين، بتعذيبهم وإثابة المؤمنين، ﴿ولِيَعلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُم
كانُوا كاذِبِينَ﴾ ٣٩ في إنكار البعث. ﴿إِنَّمَا قَولُنا لِشَيءٍ، إذا أرَدْناهُ﴾ أي: أردنا إيجاده، وقولُنا: مبتدأ خبره: ﴿أن نَقُولَ لَهُ: كُنْ. فَيَكُونُ﴾ ٤٠
أي: فهو يكون. وفي قراءة بالنصب عطفًا على ((نقولَ)). والآية لتقرير القُدرة على البعث.
٤ - ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ﴾: لإقامة دِينه، ﴿مِن بَعدِ ما ظُلِمُوا﴾ بالأذى من أهل مكّة - وهم النبيّ وأصحابه - ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُم﴾: نُنزلنّهم ﴿في
الدُّنيا﴾ دارًا ﴿حَسَنَةً﴾ هي المدينة، ﴿ولَأَجرُ الآخِرَةِ﴾ أي: الجنّةُ ﴿أكبَرُ﴾: أعظم. ﴿لَو كانُوا يَعلَمُونَ﴾ ٤١ أي: الكُفّار، أو المُتخلفّون عن
الهِجرة، ما للمُهاجرين من الكرامة لوافقوهم. هم ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أذى المُشركِينَ والهِجرة لإظهار الدِّين، ﴿وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٤٢،
فيرزقهم من حيثُ لا يحتسبون.
(١) أشرك: جعل بعض المخلوقات شريكًا لله في التقديس والطاعة. وشاء: أراد مَنْعَ إشراكنا وتحريمِنا. وعبدنا: قدسنا وأطعنا. والآباء: جمع أب. ويطلق
على الجد أيضًا. ومن دونه أي: بغير إرادته. والبحائر والسوائب: انظر الآية ١٠٣ من سورة المائدة. والاحتجاج بالمشيئة تهرب من المسؤولية وإنكار
للإصلاح، وما زال يتردد على ألسنة كثير من المسلمين جهلا أو مكابرة أو مغالطة. والرسل: جمع رسول.
(٢) بعثناه: أرسلناه بالوحي للتبليغ والعمل. والأمة: الجماعة من الناس. واجتنبوها: اتركوا عبادتها والزموا التوحيد. والطاغوت: كل ما يُعبد من
المخلوقات. وهداه: صرف قدراته إلى ما يناسب استعداده الطيب واختياره الحسن. ووجبت: ثَبَتَت لِما في نفسه من الإصرار على الكفر. والضلالة:
الانصراف إلى التكذيب والشرك. وفي علم الله أي: في علمه القديم أن هذا الإنسان لن يصغي إلى الحق، ويصرُّ على المكابرة. وسيروا: تنقلوا للنظر
والاعتبار. وانظروا: تفكروا. والعاقبة: النهاية. والهلاك: بالطوفان والزلازل والريح العقيم. وتحرص: ترغب وتجتهد. والهدى: الرشاد إلى الإيمان والتوفيق
فيه. وأضلهم: أمدّهم بما يناسب اختيارهم الخبيث واستعدادهم السيئ. و((لا تقدر على ذلك)) انظر ((المفصل)). وللفاعل يريد القراءة ((لايَهدِي)). والإضلال:
إمداد الإنسان بالبعد عن الإيمان، وصرف قدراته إلى ما يناسب اختياره.
(٣) الأيمان: جمع يمين. وهو القسم. انظر سبب النزول في المفصل. ولا يبعثه: لا يحييه بعد موته. وحقَّ: أوجب عليه حِكمةً وعدلًا. وأهل مكة أي:
وغيرها. ولا يعلمون: يجهلون لعدم تفكّرهم بالأدلة القاطعة. ويبين: يوضح. والمقدر: المحذوف بعد ((بلى)). و(مع المؤمنين)) و((بتعذيبهم)) الصواب إسقاطُ ((مع
المؤمنين))، وقولُ: ((بتعذيب الكافرين))، ليستقيم المراد. ويعلم: يدرك يقينًا. والكاذب: من يقول الباطل. وأردنا: شئنا. ونقول له أي: نقضي خلقه. وليس
هناك قول ولامقول له، ولا مأمور يطلب وجوده حتى يوجه إليه الأمر. إنما هو إرادة وحصول معًا. وكن أي: احدُثْ. ويكون: يحدث. انظر الآية ١٧ من
سورة البقرة. وفي هذا كناية عن سرعة الخلق بمحض المشيئة والقدرة. وبالنصب يريد القراءة ((فَيَكُونَ)).
(٤) انظر سبب النزول في المفصل. وذكر السيوطي للنبي ◌َله يشعر أن الآيتين مدنيتان نزلتا بعد هجرته، خلافًا لما ذكره في مستهل تفسير السورة. وهاجروا:
انتقلوا من مكة إلى غيرها. وفي الله: لأجل رضاه وإظهار دينه. وظلموا: أصابهم العدوان. والحسنة: التي فيها الخير والسيادة. والأجر: الثواب. وأكبر أي:
من الأجر في الدنيا. ويعلمون: يدركون باليقين. وصبروا: تحملوا. وعليه يتوكلون: يفوّضون أمرهم إليه وحده.
١٦ - سورة النحل
٢٧٢
الجزء الرابع عشر
شُورَةِ النَّحَّةُ
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّ رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسَتَلُواْأَهْلَ
الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٣) بِالْبَيْنَتِ وَالزُّبْرِوَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ
﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اَللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ
أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ
فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَاهُم بِمُعْجِزِينَ ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ
رَبَّكُمْ لَرَّءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اَللَّهُ مِن شَىْءٍ
يَنَفَيَّوْاْظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ سُجَّدً الِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ
﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَآبَةٍ
وَالْمَلَئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٦ يَخَافُونَ رَبَّهُمْمِّنْ فَوْقِهِمْ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (٢٥﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَ نَتَّخِذُوْاْ إِلَهَيْنِ
آثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ فَإِنَّنَ فَارْهَبُونِ (١) وَلَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَلَهُ الّذِينُ وَصِبَّا أَفَغَيََّ اللَّهِنَنَّقُونَ ﴿ وَمَابِكُمْ مِّن
نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَكُمُ الْضُرُّ فَإِلَيْهِ تَجَّْرُونَ {تَأَثُمَّ
إِذَا كَشَفَ الضُّرَّعَنْكُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنَكُمْ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ
١- ﴿وما أرسَلْنا مِن قَبِلِكَ إلّا رِجَالًا يُوحَى إِلَيهِم﴾ لا ملائكةً - ﴿فاسألُوا أهلَ
الذُّكرِ﴾: العلماءَ بالتوراة والإنجيل، ﴿إِن كُنتُم لا تَعلَمُونَ﴾ ٤٣ ذلك فإنهم يعلمونه،
وأنتم إلى تصديقهم أقرب من تصديق المُؤمنين بمُحمّد - ﴿بِالبَيِّنَاتِ﴾: مُتعلّق
بمحذوف أي: أرسلناهم بالحُججِ الواضحة، ﴿والزُّبُرِ﴾: الكُتب، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيكَ
الذِّكرَ﴾: القُرآن، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم﴾ فيه من الحلال والحرام، ﴿وَلَعَلَّهُم
يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤٤ في ذلك فيعتبرون.
٢- ﴿أفأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا﴾ المَكَراتِ ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ بالنبيّ في دار الندوة، من تقييده أو
قتله أو إخراجه، كما ذُكر في ((الأنفال))، ﴿أن يَخسِفَ اللهُ بِهِمِ الأرضَ﴾ كقارونَ، ﴿أو
يأتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٤٥ أي: من جهةٍ لا تخطر ببالهم، وقد أُهلكوا
ببدر ولم يكونوا يُقدِّروا ذلك، ﴿أو يأخُذَهم في تَقَلَبِهِم﴾ في أسفارهم للتجارة
- ﴿فما هُم بِمُعجِزِينَ﴾ ٤٦: بفائتين العذابَ - ﴿أُو يأخُذَهُم عَلَى تَخَوُّفٍ﴾:
الحزب
٢٨
تنقّصِ شيئًا فشيئًا حتّى يَهلِكَ الجميعُ؟ حال من الفاعل أو المفعول. ﴿فإنَّ
رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٤٧، حيثُ لم يُعاجلهم بالعُقوبة .
٣- ﴿أَوَلَم يَرَوا إلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيءٍ﴾، له ظِلّ كشجرة وجبل، ﴿تَتَفَيَأْ﴾:
تتميّلُ ﴿ظِلالُّهُ عَنِ الْيَمِينِ والشَّمائلِ﴾: جمع شِمال، أي: عن جانبيها أوّلَ
النهار وآخِرِه، ﴿سُجَّدًا لِلّهِ﴾: حالٌ أي: خاضعين بما يُراد منهم، ﴿وهُم﴾ أي:
الظِّلال ﴿داخِرُونَ﴾ ٤٨ صاغرون؟ نُزّلوا منزلة العُقلاء. ﴿ولِثِ يَسجُدُ ما فِي السَّماواتِ
وما في الأرضِ، مِن دابّةٍ﴾ أي: نسمة تدبّ عليها، أي: يخضع له بما يراد منه -
وغُلّب في الإتيان بـ ((ما)) ما لا يعقل لكثرته - ﴿والملائكةُ﴾، خصّهم بالذكر تفضيلاً، ﴿وهُم لا يَستَكِبِرُونَ﴾ ٤٩: يتكبّرون عن عِبادته،
﴿يَخافُونَ﴾ أي: الملائكةُ: حالٌ من ضمير ((يستكبرون)) ﴿رَبَّهُم مِن فَوقِهِمَ﴾: حالٌ منهم، أي عاليًا عليهم بالقهر، ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ٥٠ به.
٤ - ﴿وقالَ اللهُ: لا تَتَّخِذُوا إلَهَينِ اثْنَينٍ﴾: تأكيد. ﴿إِنَّما هُوَ إِلَّهٌ واحِدٌ﴾ - أتى به لإثبات الإلهيّة والوحدانيّة. ﴿فإِيّايَ فارهَبُونٍ﴾ ٥١: خافونِ دُون
غيري. وفيه التفات عن الغَيبة - ﴿وَلَّهُ ما في السَّماواتِ والأرضِ﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا، ﴿ولَهُ الدِّينُ﴾: الطاعةُ ﴿واصِبًا﴾ دائمًا: حالٌ من ((الدِّين))
والعاملُ فيه معنى الظرف. ﴿أَفَغَيرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ ٥٢، وهو الإله الحقّ ولا إلّه غيره؟ والاستفهام للإنكار أو للتوبيخ.
٥- ﴿وما بِكُم مِن نِعْمَةٍ فمِنَ اللهِ﴾ لا يأتي بها غيره - وما: شرطية أو موصولة - ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ﴾: أصابكم ﴿الضُّرُّ﴾: الفقرِ والمرض ﴿فَإِلَيْهِ
تَجْأَرُونَ﴾ ٥٣: ترفعون أصواتكم بالاستغاثة والدعاء ولا تَدْعُون غيره، ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُم إذا فَرِيقٌ مِنكُم بِرَبِّهِم يُشرِكُونَ ٥٤، لِيَكفُرُوا بِما
(١) كان مشركو مكة ينكرون النبوة، ويقولون تعنتًا ومكابرة: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا. فهلّا بعث إلينا ملكًا. فنزلت الآيات ٤٣-٤٧. الواحدي ص
٢٨٤. وانظر الآية ١٠٩ من سورة يوسف. وأرسلناه: بعثناه ليبلغ العقيدة والشريعة مع العمل. والرجال: جمع رجل. وهو الذكر من الناس. ويوحى إليهم:
يبلّغهم جبريل أمر الله. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((نُوحِي)). واسألوهم: اطلبوا منهم أن يعلموكم الحقيقة. والخطاب لمشركي مكة. والذكر: الكتب السماوية
المتقدمة. ولا تعلمون: تجهلون حقائق النبوة. والزبر: جمع زَبور. وأنزلنا: أوحينا على لسان جبريل. وتبين: توضّح. ونُزِّل: أوحي على دفعات. ويتفكرون:
يتدبرون الوحي ليدركوا دلالته على التوحيد. (٢) أمن: سلم ولم يخف. ومكر: احتال. والأنفال: يعني الآية ٣٠ من تلك السورة. ويخسف الأرض: يزلزلها
ويغيبهم فيها. ولا يشعرون: لا يحسون خطرًا ولا يتوقعون. و((يقدروا)) كذا بحذف النون. انظر («المفصل)). ويأخذهم: يهلكهم عقوبة. والتقلب: التنقل.
والرؤوف: الكثير الرأفة. والرحيم: الكثير الرحمة. وهي العطف بالإحسان. (٣) يروا: ينظروا. وخلق: أوجد من العدم. وتتميل أي: وتتنقل من جانب إلى
آخر. والظلال: جمع ظِلّ. واليمين: يمين الظل. والشمال: شماله. والمراد جميع الجهات. والسجد: جمع ساجد. وهو الخاضع للإرادة والتسيير.
والصاغر: الذليل. والنسمة: ما فيه حياة من المخلوقات. وتدب: تتحرك. والظاهر أن المراد ما في السماوات والأرض معًا. تفسير الرازي ٧: ٢١٧
و٢٩٩:٩. والملائكة: جمع ملّك، مخلوقات نورانية معصومة مطهرة. ويخافونه: يعظمونه ويطلبون رضاه. ويفعل: ينفّذ. (٤) قال أي: أمر وفرض.
وتتخذوا: تعبدوا وتقدسوا. وواحد أي: متفرد لامثيل له. ومعنى الظرف أي: الاستقرار المفهوم من ((له))، وهو ((استقرَّ)). وتتقونه: تخافونه وتطلبون رضاه.
وفي ط وقرة العينين والمنحة والمطبوعات: ((والتوبيخ))، وهو الصواب. فالمعنيان واحد فقط، هو الإنكار التوبيخي للتقريع والتبكيت على ما يقوم به الكفرة من
الشرك، بعد ما عرفوا من تفرد الله بالملك والطاعة. (٥) النعمة: الحال الحسنة من متاع أو زينة. ومن الله: من عنده وبتفضله. فالتوبيخ يزداد تحققه بوجود
هذا الإنعام وما بعده من الاستغاثة حين البلاء. والضر: ما يؤذي ويؤلم، ومنه الفقر والمرض. وفي الفتوحات عن إحدى النسخ: ((ولا تدعون لغيره))، وأنه
على تضمين ((تدعون)) معنى: تلجؤون. وفيه أيضًا أن اللام بمعنى: إلى. وكشفه: رفعه وأزاله. والفريق: الجماعة. ويشركون به: يعبدون معه بعض مخلوقاته
تقديسًا وطاعة. ويكفر بها: يجحدها وينكر أنها من عند الله، ويعبد بعض المخلوقات شكرًا عليها. وآتيناهم: أعطيناهم إياه. وتمتعوا: انتفعوا وتلذذوا.
وتعلمون: تدركون باليقين والمعاينة.
الجزء الرابع عشر
٢٧٣
١٦ - سورة النحل
آتَيناهُم﴾ من النِّعمة. ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ باجتماعكم على عبادة الأصنام. أمر تهديد. ﴿فسَوفَ
تَعلَّمُونَ﴾ ٥٥ عاقبة ذلك.
١- ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾ أي: المُشركون ﴿لِما لا يَعلَمُونَ﴾ أنها تضرّ ولا تنفع - وهي
الأصنام - ﴿نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُم﴾ من الحرث والأنعام، بقولهم: ((هُذا لِلِهِ ... وهذا
لِشُرَكائنا)). ﴿تاللهِ لَتُسأَلُنَّ﴾ سُؤالَ توبيخ، وفيه التفات عن الغَيبة، ﴿عَمّا كُنتُم
تَفْتَرُونَ﴾ ٥٦ على الله، من أنه أمركم بذلك! ﴿وَيَجعَلُونَ لِلهِ البَناتِ﴾ بقولهم: الملائكةُ
بناتُ الله - ﴿سُبحانَهُ﴾: تنزيهًا له عمّا زعموا - ﴿وَلَهُم ما يَشتَهُونَ﴾ ٥٧ أي: البنون.
والجُملة في محلّ رفع، أو نصب بـ ((يجعل)). المعنى: يجعلون له البنات التي
يكرهونها، وهو منزّه عن الولد، ويجعلون لهم الأبناء التي يختارونها فيختصّون
بالأسنى، كقوله: ((فاستَفْتِهِم: ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ الْبَنُونَ»؟
٢ - ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهُم بِالأُنثَى﴾ تُولد له ﴿ظَلَّ﴾: صار ﴿وَجِهُهُ مُسْوَدًّا﴾: مُتغيّرًا تغيّر
مُغتمّ، ﴿وَهْوَ كَظِيمٌ﴾ ٥٨: ممتلئ غمًّا. فكيف تُنسب البنات إليه تعالى؟ ﴿يَتَوارَى﴾:
يختفي ﴿مِنَ القَومِ﴾ أي: قومه، ﴿مِن سُوءٍ ما بُشِّرَ بِهِ﴾، خوفًا من التعبير مُتردّدًا فيما
يفعل به، ﴿أَيُمسِكُهُ﴾: يتركه بلا قتل ﴿عَلَى هُونٍ﴾: هَوانٍ وذُلٌّ، ﴿أم يَدُسُهُ في
التّرابِ﴾ بأن يئدَه؟ ﴿ألا ساءَ﴾: بئس ﴿مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٥٩ حُكمُهم هذا، حيثُ نسبوا
لخالقهمِ البنات اللّاتي هي عِندهم بهذا المحلّ!
سُورَةِ النّصّل
الجزء التَّارِعُ عَشِير
لِيَكْفُرُواْبِمَاءَانَيْنَهُمَّ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥) وَيَجْعَلُونَ
لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّارَزَقْنَهُمُّ تَاللَّهِ لَتُسْتَلُنَّ عَمَّا كُتُهُ
تَفْتَرُونَ ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِالْبَنَتِ سُبْحَنَهُ، وَلَهُم ◌َا يَشْتَهُونَ
وَإِذَابُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِآلْأَنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
Cov
أَيَنَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوْءٍ مَا بُشِّرَبِهٍ: أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ
٥٨
أَمْيَدُسُّهُ فِى الْتُرابُّ أَلَسَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٦) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِالْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُالْحَكِيمُ
وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّاتَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ
يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ
سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿وَيَجْعَلُونَ اللَّهِ مَا يَكْرَهُونَ
وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنِى لَاجَرَمَ أَنَّ
لَمُمُ النَّارَ وَأَنَهُمْ مُفْرَطُونَ (٣) تَّهِ لَقَدْ أَرْ سَلْنَا إِلَى أُمَمِ مِّن
قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اَلْيَوْمَ وَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّ لِتُبَيِّنَ ◌َُهُ
اَلَّذِى أُخْتَلَفُواْفِيَّةٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٣- ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أي: الكُفّار ﴿مَثَلُ السَّوءِ﴾ أي الصفةُ السَّوءَى بمعنى
القبيحة، وهي وأدهم البناتِ مع احتياجهم إليهنّ للنكاح، ﴿ولِلّهِ المَثَلُ الأعلَى﴾ الصفةُ
العُليا - وهو أنه لا إلّه إلّا هو - ﴿وَهْوَ العَزِيزُ﴾ في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ ٦٠ في خلقه، ﴿وَلَو يُؤَاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلمِهِم﴾: بالمعاصي ﴿مَا تَرَكَ
عليها﴾ أي: الأرضِ ﴿مِن دابّةٍ﴾: نسمةٍ تدِبّ عليها، ﴿وَلَكِن يُؤَخِّرُهُم إلَى أَجَلِ مُسَمَّى، فإذا جاءَ أَجَلُهُم لا يَستأخِرُونَ﴾ عنه ﴿ساعةً ولا
يَستَقْدِمُونَ﴾ ٦١ عليه. ﴿وَيَجعَلُونَ لِلهِ ما يَكرهُونَ﴾ لأنفُسهم من البناتِ والشريكِ في الرياسة وإهانةِ الرسل، ﴿وتَصِفُ﴾: تقول ﴿السِنْتُهُمُ﴾ مع
ذلك ﴿الكَذِبَ﴾، وهو ﴿أَنَّ لَهُمُ الحُسنَى﴾ عِند الله أي: الجنّةَ، كقوله: ((ولَئِنْ رُجِعتُ إلَى رَبِّيَ إنَّ لِي عِندَهُ لَلحُسنَى)). قال تعالى: ﴿لَا جَرَمَ﴾:
حقًّا ﴿أَنَّ لَهُمُ النّارَ، وأَنَّهُمِ مُفرَطُونَ﴾ ٦٢: متروكون فيها أو مُقدّمون إليها. وفي قراءة بكسر الراء أي: مُتجاوِزون الحدَّ.
٤ - ﴿تاللهِ لَقَد أرسَلْنا إِلَى أُمَم مِن قَبِلِكَ﴾ رُسلًا، ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ أعمالَهُم﴾ السيّئة، فرأَوها حسنة فكذّبوا الرسل! ﴿فَهْوَ وَلِيُّهُم﴾: مُتولّي
أمورهم ﴿اليَومَ﴾ أي: في الدنيا، ﴿وَلَهُم عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ ٦٣: مُؤلم في الآخِرة. وقيل: المُراد باليوم يوم القيامة على حكاية الحال الآتية أي: لا
(١) يجعلون: يصيّرون. ولا يعلمون أي: ليس عندهم علم يقيني. والنصيب: القدر المعيّن. ورزقناهم: أعطيناهم. والحرث: ثمار الزرع وحبوبه. والأنعام:
جمع نَعَم. وهو الإبل والبقر والغنم. وبقولهم يعني: الآية ١٣٦ من سورة الأنعام. وتُسألون: يطلب منكم يوم القيامة استحضار ما فعلتم. وتفترون أي:
تختلقونه وتكذبونه. ويجعلون له: ينسبون إليه الأبوة. والبنات أي: الملائكة. وما يشتهون: ما تميل إليه نفوسهم. والأسنى: الأرفع أي: الذكور. وفي
النسختين: ((فيختصون بالأبناء)). وكقوله يعني: الآية ١٩٤ من سورة الصافات. (٢) بُشّر: أُخبر. وفي هذا تهكم واستهزاء. والكظيم: الحابس للغيظ والغضب.
والسوء: القبح والأذى. ويمسكه: يبقيه حيًا. ويدس: يطمر. ويئده: يدفنه وهو حي. وقد كانت بعض القبائل في الجاهلية تئد ما يولد لها من البنات، خوف
العار والفقر، وتخلصًا مما لا يستطيع الدفاع عن نفسه. وساء: بلغ الغاية في السوء والفساد والشر. ويحكمون أي: يختلقونه من الأحكام ويعملون به. والمحل
أي: المنزلة من المهانة. (٣) العليا: التي تفوق كل صفة كريمة. والعزيز: الغالب القهار لما سواه. والحكيم: البالغ الإتقان بوضع الأشياء في مواضعها.
ويؤاخذ: يعاقب ويهلك. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه كالكفر والمعصية. وما تركها: أفناها. والنسمة: مافيه حياة من الخلق. وتدب: تمشي أو
تتحرك. ويؤخرهم: يرجئ عقابهم. والأجل: الوقت المحدد لنهاية الشيء. والمسمى: المعين عند الله. وجاء: أتى وقتُ حصوله. ويستأخرون: يتأخرون.
والساعة: القليل من الزمن. ويستقدمون: يتقدمون. وانظر آخر الآية ٣٤ من سورة الأعراف. ويجعلون الله: ينسبون إليه ويصفونه. ويكرهون أي: يبغضونه.
والألسنة: جمع لسان. والكذب: ما هو مختلق. وكقوله يعني: ما في الآية ٥٠ من سورة فصلت. وفي النسخ: ((مُتْرَكون)). وبكسر الراء يريد القراءة «مُفْرِطُونَ)).
(٤) تالله: قسم وتعجب مما فعل الكافرون بأنفسهم. وأرسلناهم: بعثناهم على لسان جبريل لتبليغ التوحيد والشريعة والعمل بهما. والأمم: جمع أمة. وهي
الجماعة من الناس على دين واحد. وزينها لهم: حسّنها وجعلها محبوبة لديهم. والشيطان: من يوسوس بالشر من الجن أو الإنس. والأعمال: جمع عمل.
وهو ما يكتسبه الإنسان من نية أو قول أو فعل. واليوم: الوقت. والعذاب: التعذيب عقوبة وتنكيلًا. وهو أي: الشيطان. وأنزلنا: أوحينا على لسان جبريل، مع
التكفل بالحفظ وتيسير التبليغ. وتبين: توضح وتفسر بالقول والعمل. واختلفوا: تنازعوا وتخاصموا. والهدى: الإرشاد إلى الحق والخير. وعطف: يعني أن
((هدى)): معطوف على محل الجار والمجرور في ((لتبين))، ومحلهما النصب. فهو منصوب بالفتحة المقدرة على الألف المحذوفة لفظًا لالتقائها بسكون التنوين.
والرحمة: العطف بالإحسان والخير والنعم. والقوم: الجماعة من الناس. ويؤمنون: يصدّقون ويتيقنون. وبه أي: بالقرآن أنه حق من عند الله.
١٦ - سورة النحل
٢٧٤
الجزء الرابع عشر
سُورَة الفعَّال
وَاللَّهُأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهاَ إِنَّ فِى ذَلِكَ
لَيَّةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (١٥) وَإِنَّلَكُمْفِى الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ تُسْقِيَكُمْمِمَا
فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمِ لَّنَا خَالِصًا سَابِغَا لِلشَّرِبِينَ ﴾
وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًّا وَرِزْقًا
حَسَنَّا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمِ يَعْقِلُونَ (١٧) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
أَنِ أَتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَ مِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِسُونَ ◌َثُمَ كَلّى
مِنْ كُلّ الثَّعَرَتِ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا
شَرَابٌ مُخْتَلِفَ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسَِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ
يَنَفَكَّرُونَ ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ تُمَّيَنَّوَقَّكُمْ وَمِنْكُمَنْ يُرُ إِلى أَزْذَلِ
الْعُمُرِ لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمِ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ وَاللَّهُ
فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِ فِ الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَّدِى
رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ
اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْأَزْوَجًا
وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِّنَ
الطَّيّبَتِ أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
وليّ لهم غيره، وهو عاجز عن نصر نفسه، فكيف ينصرهم؟ ﴿ وما أنزَلْنا عَلَيكَ﴾ - یا
مُحمّد - ﴿الكِتابَ﴾: القُرآن ﴿إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾: للناس ﴿الَّذِي اختَلَفُوا فِيهِ﴾، من أمر
الدِّين، ﴿وَهُدَى﴾ - عطف على ((لتبيّن)) - ﴿وَرَحْمَةً لِقَومٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٦٤ به.
١- ﴿وَاللهُ أَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فأحْيا بِهِ الأرضَ﴾ بالنبات ﴿بَعدَ مَوتِها﴾: يُبْسِها .
﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ﴾ المذكورِ ﴿لَآيَةَ﴾ دالّة على البعث، ﴿لِقَومٍ يَسمَعُونَ﴾ ٦٥ سماعَ تدبّر،
﴿وَإِنَّ لَكُم في الأنعامِ لَعِبْرَةٌ﴾: اعتبارًا، ﴿نُسقِيكُمْ﴾ - بيان للعِبرة - ﴿مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾
أي: الأنعام، ﴿مِن﴾: للابتداء مُتَعلّقة بـ ((نُسقيكم)) ﴿بَيْنِ فَرْثٍ﴾: ثُفْل الكَرِش ﴿وَدَمِ،
لَبَنّا خالِصًا﴾: لا يشوبه شيء من الفرث والدم، من طعم أو ريح أو لون، وهُو
بينهما، ﴿سائغًا لِلشّارِبِينَ﴾ ٦٦: سهلَ المُرُور في حلقهم لا يُغَصّ به، ﴿ومِن ثَمَراتِ
النَّخِيلِ والأعنابِ﴾ ثمرٌ، ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾: خمرًا يُسكِرِ، سُمّيتْ بالمصدر -
وهذا قبل تحريمها - ﴿ورِزقًا حَسَنًا﴾ كالتمر والزَّبيب والخلّ والدِّبْس. ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ﴾
المذكورِ ﴿لَآيَةً﴾ دالّة على قُدرته - تعالى - ﴿لِقَومِ يَعْقِلُونَ﴾ ٦٧: يتدبّرون.
٢- ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحلِ﴾، وحْيَ إلهام، ﴿أنٍ﴾: مُفسّرةٌ أو مصدرية ﴿اتَّخِذِي مِنَ
الجِبالِ بُيُوتًا﴾، تأوين إليها، ﴿ومِنَ الشَّجَرِ﴾ بُيوتًا، ﴿ومِمّا يَعِرِشُونَ﴾ ٦٨ أي: الناسُ
يبنون لكِ من الأماكن - وإلّا لم تأوِ إليها - ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ، فاسلُكِي﴾:
ادخلي ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾: طُرقَه في طلب المرعى، ﴿ذُلْلًا﴾: جمع ذلولٍ، حالٌ من السبل
أي: مُسخّرةً لكِ، فلا تعسُرَ عليكِ وإن توعّرتْ، ولا تضلّي عن العود منها وإن
بعدتْ. وقيل: من الضمير في ((اسلكي)) أي مُنقادةً لِما يُراد منكِ. ﴿يَخرُجُ مِن بُطُونِها
شَرابٌ﴾ هو العسل، ﴿مُختَلِفٌ أَلْوانُهُ، فِيهِ شِفَاءٌ لِلنّاسِ﴾ من الأوجاع، قيل: لبعضها كما دلّ عليه تنكير ((شفاء))، أو لكُلّها بضميمته إلى غيره.
أقول: وبدونها بِنِيّته. وقد أمر به وَّهِ مَن استُطلِقَ بطنُه. رواه الشيخانِ. ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَةً لِقَومِ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٦٩ في صُنعه، تعالى.
٣- ﴿وَاللهُ خَلَقَكُم﴾ ولم تكونوا شيئًا، ﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكُم﴾ عِند انقضاء آجالكم، ﴿ومِنكُم مَن يُرَدُّ إِلَىَ أرذَلِ العُمُرِ﴾ أي: أخسّه من الهرم والخرف،
﴿لِكَيلا يَعلَمَ بَعدَ عِلم شَيْئًا﴾. قال عِكرِمة: مَن قرأ القرآن لم يصِر بهذه الحالة - ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ بتدبير خلقه، ﴿قَدِيرٌ﴾ ٧٠ على ما يُريده - ﴿واللهُ
فَضَّلَ بَعضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾، فمنكم غنيّ وفقير ومالك ومملوك، ﴿فما الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ أي: الموالي ﴿بِرادِّي رِزقِهِم علَى ما مَلَكَت
أيمانُهُم﴾، أي: بجاعلي ما رزقناهم من الأموالِ وغيرِها شركةً بينهم وبين مماليكهم، ﴿فَهُم﴾ أي: المماليك والموالي ﴿فِيهِ سَواءٌ﴾: شُركاءُ.
(١) أنزل: أسقط. والسماء: السحاب. والآية: البرهان. والأنعام: الإبل والبقر والغنم. والعبرة: ما يكون به الاتعاظ. ونسقيكم إياه: نهيئه لتشربوه.
والبطون: جمع بطن. وهو يحوي ماتكرهه النفوس من أخلاط مستقذرة. ومن بين فرث ودم أي: من بين أجزاء الفرث فأجزاء الدم. أعني ما يستخلص من
تلك الأجزاء في باطن الحيوان. فاللبن خلق متميز تولد من بعض تلك الأجزاء. انظر ماقاله الرازي في تفسيره ٢٣٢:٧-٢٣٤. وثُفل الكرش: ما يتبقى من
الطعام، بعد امتصاص ما فيه. والخالص: الصافي الطاهر المعقّم. والثمرات: جمع ثمرة. والنخيل: شجر البلح. والأعناب: جمع عنب. وتتخذون:
تحصّلون. والرزق: ما يخلقه الله غذاء ومتاعًا. والحَسن: ما يَسُرّ. ويعقلون: يستعملون عقولهم. (٢) النحل: واحدته نحلة. ووحي إلهام أي: قدّر في
نفسها وفطرتها ما سُخّرت له من العمل. واتخذي: اجعلي. والجبال: جمع جبل. والبيوت: جمع بيت. والشجر: واحدته شجرة. والسبل: جمع سبيل.
والمسخرة: الميسّرة. ويخرج: يظهر. والبطون: جمع بطن. والشراب: ما يُشرب. ومختلف أي: متفرقة متفاوتة. والألوان: جمع لون. وهو الشكل
والصفات. وفيه: في تناوله. والشفاء: البرء من المرض. وبضميمته: بمزجه. وبدونها أي: بدون مزج، وبنيته: مع نية الشفاء. واستطلق بطنه: أصابه إسهال
شديد. والشيخان أي: الأحاديث ٥٣٦٠ و٥٣٨٦ في البخاري و٢٢١٧ في مسلم، ويتفكرون: يتدبرون تلك النعم ، ليعلموا حقيقة الألوهية. (٣) خلقكم:
أوجدكم وأوجد فيكم الحياة. ويتوفاكم: يقبض أرواحكم. ويُردّ: يُنقل ويحول. وأرذله: آخره الذي تفسد فيه الحواس ويختل النطق والفكر والحركة والإرادة،
وليس هذا مقيَّدًا بسنّ معينة. فقد يكون بسنوات أو عقود أو قرون، كما كان في الأمم القديمة. ويعلم: يدرك. وللتركيب هذا معنيان: الأول هو الكناية عن
سرعة النسيان، إذ يصير الإنسان ضعيف الذاكرة، بحيث إذا اكتسب علمًا بشيء لم يلبث أن ينساه. والثاني هو العجز عن الإدراك والفهم، بعد ما كان من تعلّم
كثير. والمعنيان مقصودان معًا في النظم الكريم، لا يفضل أحدهما على الآخر، وهما حاصلان بكثرة في حياة الناس، كما هو معلوم. انظر الآية ٥ من سورة
الحج. والعليم: المحيط كاملَ الإحاطة بدقائق الأمور وعظائمها. والقدير: البالغ القدرة والتمكن. وفضلهم: ميّزهم بشيء من الصحة أو القدرات أو الغنى
والجاه. والبعض: الواحد أو الأكثر. والرزق: مايهيّأ للإنسان من النعم. والموالي: جمع مولى. وهو السيد المالك لغيره. والراد: المحوّل. والأيمان: جمع
يمين. وهي اليد اليمنى. والسواء: المتساوون. والنعمة: الإنعام بما ينفع. وجعل: خلق. ومن أنفسكم أي: من جنسكم. والأزواج: جمع زوج. وهي
المرأة. وكون حواء من ضلع آدم قول ضعيف غير ثابت. انظر تعليقنا على تفسير الآية ١ من سورة النساء. وسائر الناس: بقيتهم عدا آدم وعيسى. والبنون:
جمع ابن. والحفدة: جمع حافد. ويشمل الذكر والأنثى. ورزقكم: هيأ لكم. والطيب: ما يُستلذ من الطعام وغيره. والباطل: ما بُني على الكذب والوهم.
ويؤمن: يعتقد ويصدق. ويكفر: يكذّب، أي: ينسبون النعم إلى الآلهة المزعومة، وينكرون أن الفضل لله وحده.
الجزء الرابع عشر
٢٧٥
١٦ - سورة النحل
المعنى: ليس لهم شُركاء من مماليكهم في أموالهم. فكيف يجعلون بعض مماليك الله
شُركاءَ له؟ (أفبِنِعْمَةِ اللهِ يَجِحَدُونَ﴾ ٧١: يكفرونَ، حيثُ يجعلون له شُركاء؟
﴿واللهُ جَعَلَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أزواجًا﴾، فخلق حوّاءَ من ضِلَع آدَمَ، وسائرَ
الناس من نُطف الرجال والنساء، ﴿وجَعَلَ لَكُم مِن أزواجِكُم بَنِينَ وحَفَدةً﴾
الحرب
٢٨
أولادَ الأولادِ، ﴿وَرَزَقَكُم مِنَ الطَّيِّاتِ﴾، من أنواع الثمار والحُبوب
والحيوان. ﴿أَفِالباطِلٍ﴾: الصنمِ ﴿يُؤمِنُونَ، وبِنِعْمَةِ اللهِ هُم يَكْفُرُونَ﴾ ٧٢ بإشراكهم؟
١- ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه ﴿ما لا يَملِكُ لَهُم رِزقًا، مِنَ السَّماواتِ﴾
بالمطر ﴿والأرضِ﴾ بالنبات، ﴿شَيئًا﴾: بدل من («رزقًا))، ﴿ولا يَستَطِيعُونَ﴾ ٧٣:
يقدرون على شيء. وهم الأصنام. ﴿فلا تَضرِبُوا لِلّهِ الأمثالَ﴾ أي: لا تجعلوا له
أشباهًا، تُشركوهم به. ﴿إِنَّ اللهَ يَعلَمُ﴾ أنْ لا مِثلَ له، ﴿وأنتُم لا تَعلَّمُونَ﴾ ٧٤ ذلك.
◌ُّوَرَةِ النّحة
أَوَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿ فَلَا تَضْرِ بُو ◌ْلِلَّهِ اَلْأَمْثَالَّ
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٨) ﴾ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا
مَّمْلُوكَا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّارِزْقًا حَسَنًا
فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرَّاً وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُنَ الْحَمْدُ لِلَّهِ
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنٍ
أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى
مَوْلَنَةُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرِ هَلْ يَسْتَوِى هُوَوَمَن
يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطِ مُسْتَقِيمٍ (٨) وَلِلَّهِ غَيْبُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَمْجِ الْبَصَرِ
أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ ﴿ وَاللَّهُ
أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ
لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
VA
٤ أَلَمْيَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَتٍ فِى جَوِّالسَّمَآءِ
مَا يُمْسِكُهُنَّإِلَّا لَهَإِنَّ فِي ذَلِكَ لَ يَتٍ لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ
٢- ﴿ضَرَب اللهُ مَثَلًا﴾، ويُبدل منه: ﴿عَبدًا مَملُوكًا﴾: صفةٌ تُميّزه من الحُرّ فإنه عبدُ
الله، ﴿لا يَقدِرُ عَلَى شَيءٍ﴾ لعدم مُلكه، ﴿ومَن﴾: نكرةٌ موصوفة أي: حُرًّا ﴿رَزَقْناهُ مِنّا
رِزْقًا حَسَنَا، فَهْوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وجَهْرًا﴾ أي: يتصرّف فيه كيف يشاء؟ والأوّل مَثَل
الأصنام والثاني مَثَلُه تعالى - ﴿هَل يَستَؤُونَ﴾ أي: العبيد العَجَزة والحُرّ المُتصرّف؟
لا. ﴿الحَمدُ للهِ﴾ وحده. ﴿بَل أكثَرُهُم﴾ أي: أهلِ مكّة ﴿لا يَعلَمُونَ﴾ ٧٥ ما يصيرون
إليه من العذاب فيُشركون - ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا﴾، ويُبدل منه: ﴿رَجُلَينٍ، أَحَدُهُما
أبكَمُ﴾ وُلدَ أخرسَ، ﴿لَا يَقْدِرُ علَى شَيءٍ﴾ لأنه لا يَفهَم ولا يُفهِم، ﴿وهْوَ كَلِّ﴾: ثقيل
﴿عَلَى مَولاهُ﴾: وليّ أمره، ﴿أينَما يُوَجِّهْهُ﴾: يُصرّفْه ﴿لا يأتِ﴾ منه ﴿بِخَيرٍ﴾: بنُجح - وهذا مَثَل الكافر - ﴿هَل يَستَوِي هُوَ﴾ أي: الأبكمُ
المذكور ﴿ومَن يأمُرُ بِالعَدلِ﴾ أي: ومَن هو ناطق، نافع للناس حيثُ يأمر به ويحثّ عليه، ﴿وهْوَ عَلَى صِراطٍ﴾: طريق ﴿مُستَقِيمٍ﴾ ٧٦، وهو
الثاني المؤمن؟ لا. وقيل: هذا مَثلٌ للهِ والأبكمُ للأصنام، والذي قبله للكافر والمُؤمن.
٣- ﴿وَلِهِ غَيِبُ السَّماواتِ والأرضِ﴾ أي: عِلمُ ما غاب فيهما، ﴿وما أمرُ السّاعةِ إلّا كَلَمح البَصَرِ، أو هُوَ أَقْرَبُ﴾ منه لأنه بلفظ «كُنْ، فَيَكُونُ)) -
﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ ٧٧ - واللهُ أخرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُم، لا تَعلَمُونَ شَيئًا﴾ - الجملة: حال - ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ﴾ بمعنى الأسماع،
﴿والأبصارَ والأفْئِدةَ﴾: القلوب، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٠٧٨ على ذلك فتُؤمنون.
٤- ﴿أَلَم يَرَوا إِلَى الطَّيرِ مُسَخَّراتٍ﴾: مُذَلَّلاتٍ للطيران، ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ﴾ أي: الهواء بين السماء والأرض، ﴿ما يُمسِكُهُنَّ﴾ عند قبض
(١) يعبد: يقدس ويطيع في المعاصي. ويملكه: ينفرد بحيازته والتصرف فيه. والرزق: ما يهيأ من المتاع والزينة. والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم
عُلوية. والمطر بعض رزق السماء، والنبات بعض رزق الأرض. ومعهما نعم كثيرة لا تحصى. والشيء: ماهو موجود أو محتمل وجوده أو متوهم. و((هم))
هذا تفسير لـ (ما)). والأمثال: جمع مِثل. وهو الشبيه والمثيل. والمراد: لا تجعلوا معي إلهًا آخر، فإنه لا إله غيري. ويعلم: يحيط إحاطة كاملة بدقائق الأمور
وخفاياها. ولا تعلمون: لاتدركون ولا تعرفون.
(٢) ضرب: وضّح وبيّن. والمَثَل: ما يُذكر لبيان شيء يشبهه. والعبد: المخلوق من البشر. والمملوك: من يملكه إنسان آخر فهو سيده. ولا يقدر: لا يستطيع
بدون إذن سيده. ونكرة موصوفة: يعني أن التقدير: إنسانًا ما مرزوقًا. ورزقناه: أعطيناه. ومنا أي: بفضلنا. والحسن: انظر الآية ٦٧. وينفق: يبذل. وسرًا:
من دون أن يطلع أحدًا. وجهرًا: بإطلاع الناس. ويستوون: يكونون متساوين في القدرة والعمل والمنزلة. والحمد: الثناء على الفضل والإنعام. وأهل مكة
أي: وغيرها أيضًا. ولا يعلمون: يجهلون. والبَكَم أيضًا: عمى بالولادة وعجز عن الإبانة وبلاهة. ويصرّفه: يرسله في حاجة. ولا يأتي به: لا يرجع به.
والنجح: النجاح. ويأمر بالعدل: يحكم بالحق ويوجّه الناس. والمستقيم: المعتدل.
(٣) السماء: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. وما غاب فيهما يعني: ما اختفى عن حواس المخلوقات وإدراكها. والأمر: الشأن والحال. والساعة: وقت
إماتة الأحياء أو إحياء جميع الأموات. وأمرها أي: شأن حدوثها عند الله. ولمح البصر: فتح العين للإبصار. وهو: أمر الساعة. وأقرب منه: أسرع من لمح
البصر. وبلفظ: يعني أن المراد يحصل فور إرادة الله قضاءه. انظر الآية ٤٠. وكل: لاستغراق أفراد النكرة. والشيء: ما هو موجود أو محتمل وجوده.
والقدير: البالغ القدرة. وأخرجكم: قدّر إخراجكم. والبطون: جمع بطن. والمراد به الرَّحِم. والأمهات: جمع أم. ولا تعلمونه: تجهلونه كل الجهل.
وجعل: خلق. والأبصار: جمع بصر. والأفئدة: جمع فؤاد. والمراد هو قدرات الإدراك والتفهم والإرادة. وتشكرونه: تستحضرون النعم وتذكرونها بالثناء
عليه .
(٤) الطير: مفرده طائر. وهو الحيوان الذي له جناحان. والجو: الفضاء الواسع. ويمسكهن: يحفظهن حين الطيران. وأن يقعن أي: لمنعهن من الوقوع.
والآية: البرهان القاطع. والقوم: الجماعة من الرجال والنساء. ويؤمنون: يصدّقون الحق ويقرون به.
١٦ - سورة النحل
٢٧٦
الجزء الرابع عشر
سُورَةِ الفِعَّ
الجزء الرابع عشر
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُ مِّنْ جُلُودٍ
اُلْأَنْعَمِ بُونَا تَسْتَخِقُونَهَا يَوْمَ طَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ
وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَثًا وَمَتَعًا إلَىحِينٍ
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ
٨٠
مِّنَ الْجِبَالِ أَكْفَنَا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ
اُلْحَرَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ
عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿﴿ فَإِن تَوَلَوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ
الْبَلَغُ الْمُبِينُ ﴿﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّيُنكِرُونَهَا
◌َجَ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أَمَّةٍ
وَأَكْثَرُهُمُ اُلْكَفِرُونَ
شَهِيدًا ثُمَّلَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَاهُمْ يُسْتَعْنَبُونَ
◌َ وَإِذَا رَءَالَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَهُمْ
يُنْظَرُونَ ﴿ وَ إِذَارَءَا الَّذِينَ أَشْرَكُواْشُرَكَاءَ هُمْ
قَالُواْرَتَنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ مِن دُونِكَ
فَأَلْقَوْ إِلَيْهِمُ اَلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ وَأَلْفَوَأْ
إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلُمْ وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ
أجنحتهنّ وبسطها أن يَقَعْنَ ﴿إِلّ اللهُ﴾ بقُدرته؟ ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَاتٍ لَقَومٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٧٩،
هي خلقُها بحيثُ يُمكنها الطيران، وخلقُ الجوّ بحيثُ يُمكن الطيرانُ فَيْه، وإمساكُها .
١- ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾: موضعًا تسكنون فيه، ﴿وجَعَلَ لَكُم مِن جُلُودِ
الأنعامِ بُيُوتًا﴾، كالخِيام والقِباب، ﴿تَستَخِفُونَها﴾ للحمل ﴿يَومَ ظَعَنِكُم﴾: سفركم
﴿وَيَومَ إقامتِكُم، ومِن أصوافِها﴾ أي: الغنم، ﴿وأوبارِها﴾ أي: الإبلِ، ﴿وأشعارِها﴾
أي: المعزِ ﴿أثاثًا﴾: متاعًا لبيوتكم، كُبُسَط وأكسية، ﴿ومَتاعًا﴾ تتمتّعون به ﴿إِلَى
حِينٍ﴾ ٨٠ يبلى فيه، ﴿واللهُ جَعَل لَكُم مِمّا خَلَقَ﴾، من البيوت والشجر والغمام،
﴿ظِلالًا﴾: جمع ظِلّ، تقيكم حرّ الشمس، ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِنَ الجِبالِ أكنانًا﴾: جمع
كِنّ - وهو ما يُستكنّ فيه كالغار والسَّرَب - ﴿وَجَعَلَ لَكُم سَرابِيلَ﴾: قُمصًا ﴿تَقِيكُمُ
الحَرَّ﴾ أي: والبردَ، ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكُم بأسَكُم﴾: حربكم، أي: الطعن والضرب
فيها، كالدروع والجواشن. ﴿كَذْلِكَ﴾: كما خلق هذه الأشياء، ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ﴾ في
الدنيا ﴿عَلَيْكُم﴾، بخلق ما تحتاجون إليه، ﴿لَعَلَّكُم﴾ - يا أهل مكّة -
﴿تُسلِمُونَ﴾ ٨١: تُوحّدونه.
٢- ﴿فإن تَوَلَّوا﴾: أعرضوا عن الإسلام ﴿فإنَّما عَلَيكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿البَلاغُ
المُبِينٌ﴾ ٨٢: الإبلاغ البَيِّن. وهذا قبلَ الأمر بالقتال. ﴿يَعرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ﴾ أي: يُقرّون
بأنها من عِنده، ﴿ثُمَّ يُنكِرُونَها﴾ بإشراكهم، ﴿وَأكثَرُهُمُ الكافِرُونَ ٨٣. و﴾ اذكرْ ﴿يَومَ
نَبعَثُ مِن كُلِّ أُمّةٍ شَهِيدًا﴾، هو نبيّها يشهد عليها ولها - وهو يوم القيامة - ﴿ثُمَّ لا
يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الاعتذار، ﴿ولا هُم يُستَعتَبُونَ﴾ ٨٤: لا يُطلب منهم العُنبى، أي: الرجوع إلى ما يُرضي اللهَ.
٣- ﴿وإذا رأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: كفروا ﴿العَذابَ﴾: النار ﴿فلا يُخَفَّفُ عَنْهُم﴾ العذاب، ﴿ولا هُم يُنظَرُونَ﴾ ٨٥: يُمهَلون عنه إذا رأَوه، ﴿وإذا
رأَى الَّذِينَ أشرَكُوا شُرَكَاءَهُم﴾، من الشياطين وغيرها، ﴿قالُوا: رَبَّنَا، هُؤُلاءِ شُرَكاؤنا الَّذِينَ كُنّا نَدعُو﴾: نعبدهم ﴿مِن دُونِكَ. فألقَوا إِلَيهِم
القَولَ﴾ أي: قالوا لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٨٦ في قولكم: ((إنكم عبدتمونا)) كما في آية أُخرى ((ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ))، ((سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ)).
﴿وألقَوا إِلَى اللهِ يَومَئذٍ السَّلَمَ﴾ أي: استسلموا لحُكمه، ﴿وَضَلَّ﴾: غاب ﴿عَنْهُم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٨٧، من أنّ آلهتهم تشفع لهم. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا،
وصَدُّوا﴾ الناسَ ﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾: دِينه ﴿زِدْناهُم عَذابَا فَوقَ العَذابِ﴾ الذي استحقّوه بكُفرهم - قال ابن مسعود: عقاربُ أنيابها كالنخل الطوال
- ﴿بِما كانُوا يُفسِدُونَ﴾ ٨٨ بصدّهم الناسَ عن الإيمان.
(١) جعل: صيّر. والبيوت: جمع بيت. والجلود: جمع جلد. وهو غشاء الجسم. والأنعام: جمع نَعَم. وهو الإبل والبقر والشاء. والخيام: جمع خيمة.
والقباب: جمع قبة. وهي أصغر من الخيمة. وتستخفونها: تجدونها يسيرة الاستعمال والنقل. واليوم: الوقت. والإقامة: الاستيطان. والأصواف: جمع
صوف. وهو الشعر يغطي جلد الضأن. والأوبار: جمع وَبَر. والأثاث: ماكَثُرَ من آلات البيت وحوائجه، واحدته أثاثة. والمتاع: ما ينتفع به في البيت.
والبسط: جمع بساط. والأكسية: جمع كساء. والحين: الوقت المؤجل. وخلق: أوجد من العدم. والظل: ما يرتسم عن الشيء إذا تعرض للشمس.
والجبال: جمع جبل. والغار: ما انخفض في الجبل كالبيت. والسرب: الحفرة تحت الأرض لامنفذ لها. وجعل: خلق. والسرابيل: جمع سِربال. والقمص:
الثياب، جمع قميص. وتقيكم الحر: تحفظكم من حرارة الشمس. والدروع: جمع درع. وهي لباس من الزرد كالقميص. والجواشن: جمع جَوشن. وهو
الدرع القصيرة. ويتمها: يجعلها وافية بالحاجات. والنعمة: الإنعام بما فيه الخير. ويا أهل مكة أي: وغيرِها من البلاد.
(٢) انظر سبب النزول في المفصل. وأعرضوا أي: بعد هذه الأدلة القاطعة. و((هذا)) يعني أن التلبيغ وحده منسوخ بآيات القتال للمشركين العرب في أوائل
سورة التوبة. وهو قول فيه نظر، لأن الإبلاغ لا ينسخ بالقتال. وينكرونها: يكفرونها بزعمهم أنها بشفاعة آلهتهم. والكافر: المكذّب الله ورسوله. واليوم:
الوقت. ونبعثه: نحييه ونحضره. والأمة: الجماعة من الناس. والشهيد: الشاهد يؤدي ما يعلمه يقينًا. ويشهد عليها أي: على بعضها بالكفر والعصيان. ويشهد
لها أي: على بعضها الآخر بالإيمان والطاعة. ولا يؤذن: لا يباح ولا يسمح، أي: لا يكون لهم اعتذار عما أجرموا، بعد شهادة الأنبياء عليهم، لأن الاعتذار
يكون لمن آمن وأطاع في الدنيا، وكان منه بعض الذنوب.
(٣) رآه: أدركه وصار فيه. ولا يخفف: لا يقلل ولا يهوّن. ويمهل: يؤخَّر. ورأوهم: أبصروهم. وأشركوا: عبدوا مع الله بعض مخلوقاته. والشركاء: جمع
شريك الله في التقديس والطاعة. وألقوه إليهم: قدمه المعبودون إلى العابدين. والكاذب: من يقول غير الواقع. يعني أنهم كانوا يعبدون شهواتهم ومصالحهم،
وتسيّرهم الأهواء ومكاسب الدنيا. والآيتان المذكورتان هما ٦٣ من سورة القصص و٨٢ من سورة مريم. وألقوه: قدمه الذين أشركوا طائعين. وإلى الله: إلى
حكمه وقضائه. والسلم: الاستسلام. وغاب: لم يكن له ما يتوهمه المشركون. ويفترون: يختلقونه. وصدوا: منعوا. والسبيل: الطريق الواضح. وزدناهم:
أضفنا عليهم. وعبد الله بن مسعود صحابي جليل. ويفسدون: يقترفون الشر ويشيعونه بالاختيار والقصد.
الجزء الرابع عشر
٢٧٧
١٦ - سورة النحل
١ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿يَومَ نَبعَثُ في كُلِّ أُمّةٍ شَهِيدًا عَلَيهِم مِن أَنفُسِهِمِ﴾، هو نبيّهم، ﴿وجِثْنَا
بِكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿شَهِيدًا عَلَى هُؤُلاءِ﴾ أي: قومك. ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾:
القُرآن، ﴿تِبيانًا﴾: بيانًا ﴿لِكُلِّ شَيءٍ﴾، يَحتاج إليه الناسُ من أمر الشريعة، ﴿وَهُدّى﴾
من الضلالة، ﴿وَرَحْمَةً وبُشرَى﴾ بالجنّة ﴿لِلمُسلِمِينَ﴾ ٨٩ المُوحّدين.
٢- ﴿إِنَّ اللهَ يأمُرُ بِالعَدلِ﴾: التوحيدِ أو الإنصافِ، ﴿والإحسانِ﴾: أداء
لچربْ
٢٨
الفرائض، أو ((أن تَعبُدَ اللهَ كأنّكَ تَراهُ)) كما في الحديث، ﴿وإيتاءِ﴾: إعطاءِ
﴿ذِي القُربَى﴾: القرابةِ - خصّه بالذكر اهتمامًا به - ﴿وَيَنْهَى عَنِ الفَحشاءِ﴾:
الزِّنى، ﴿والمُنكَرِ﴾ شرعًا من الكُفر والمعاصي، ﴿والبَغْي﴾: الظلم للناس - خصّه
بالذكر اهتمامًا، كما بدأ بالفحشاء كذلك - ﴿يَعِظُكُم﴾ بالأمر والنهي، ﴿لَعَلَّكُم
تَذَّكَّرُونَ﴾ ٩٠: تتّعظون. وفيه إدغام التاء في الأصل في الذال. وفي ((المستدرك)) عن
ابن مسعود: ((هذه أجمعُ آيَةٍ في القُرآن للخير والشرّ)).
سُورَة النت
الجزء الثَّانُ عَشَرّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّ واْعَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ
اَلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْيُفْسِدُونَ ﴿﴾وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِ كُلِّ
أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمٌّ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى
هَؤُلَاءٍ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِبْيَنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدِّى
﴿ إِنَّ اللَّهَيَأْمُرُ بِالْعَدُلِ
وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (9هـ
وَاَلْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ اَلْفَحْشَآءِ
وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا تَنقُضُوْاْأَيْمَنَ
٩٠
بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًاً إِنَّ
اللَّهَ يَعْلَؤُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَلَّتِى نَقَضَتْ
غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَثَّا نَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُرْدَخَلَا
بَيْسَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةُ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمٍَّ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ
اللّهُبِهِ، وَلَيُبَيَِّنَّلَكُمْيَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَن
يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَلَتَُّلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْتَعْمَلُونَ
٩٣
٣- ﴿وَأَوْفُوا بِعَهدِ اللهِ﴾ من البِيَع والأيمانِ وغيرها، ﴿إِذا عاهَدتُم، ولا تَنقُضُوا الأَيمانَ
بَعدَ تَوكِيدِها﴾: توثيقها، ﴿وَقَدَ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُم كَفِيلًا﴾ بالوفاء، حيثُ حلفتم به -
والجُملة: حال. ﴿إِنَّ اللهَ يَعلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ٩١ تهديد لهم - ﴿ولا تَكُونُوا كَالَّتِي
نَقَضَتْ﴾: أفسدت ﴿غَزْلَها﴾: ما غزلتْه، ﴿مِن بَعدِ قُوّةٍ﴾: إحكام له وبرم، ﴿أنكاثًا﴾:
حالٌ جمع نِكث - وهو ما يُنكث أي: يُحَلّ إحكامه. وهي امرأة حمقاء من مكّة، كانت
تغزل طول يومها ثم تنقضه - ﴿تَتَّخِذُونَ﴾: حالٌ من ضمير ((تكونوا)) أي: لا تكونوا
مثلها في اتّخاذكم ﴿أَيمَانَكُم دَخَلًا﴾، هو ما يدخل في الشيء وليس منه، أي: فسادًا وخديعة ﴿بَينَكُم﴾، بأن تنقضوها، ﴿أن﴾ أي: لأن ﴿تَكُونَ
أُمّةٌ﴾: جماعة ﴿هِيَ أربَى﴾: أكثر ﴿مِن أُمّةٍ﴾. وكانوا يحالفون الحُلفاء، فإذا وجدوا أكثر منهم وأعزّ نقضوا حلف أُولئك وحالفوهم.
٤- ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمْ﴾: يختبركم ﴿اللهُ بِهِ﴾ أي: بما أمر به من الوفاء بالعهد لينظر المُطيع منكم والعاصي، أو بكون أُمّة هي أربى لينظر: أتَفُونَ أم
لا؟ ﴿وَلَيُبَيِّئَنَّ لَكُمْ يَومَ القِيامةِ ما كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ٩٢ في الدنيا، من أمر العهد وغيره، بأن يُعذِّبَ الناكث ويُثيبَ الوافي، ﴿وَلَو شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُم
◌ُّةً واحِدةً﴾: أهلَ دِين واحد، ﴿ولُكِن يُضِلُّ مَن يَشاءُ، ويَهدِي مَن يَشاءُ، ولَتُسأَلُنَّ﴾ يوم القيامة سُؤالَ تبكيت ﴿عَمّا كُنتُمْ تَعمَلُونَ﴾ ٩٣ لتُجازَوا
علیه .
(١) انظر الآية ٨٤. ومن أنفسهم أي: منهم عاش بينهم ويشهد لهم بما يعلمه حقًا. وجئنا بك: أحضرناك بعد البعث. وقومك: قريش وغيرها من الأمة
الإسلامية. ونزلنا: أوحينا على لسان جبريل في مراحل متعددة. والشيء: ما هو موجود أو محتمل وجوده. وكون القرآن تبيانًا لكل ذلك هو بالنظر إلى أن فيه
نصّا على الكثير الكثير، وإحالةً بالباقي على السُّنّة الشريفة. والهدى: الإرشاد إلى الحق. والرحمة: العطف بالفضل والصلاح. والبشرى: التبشير السارّ.
والمسلم: من انقاد لله واستسلم لأمره ونهيه.
(٢) يأمر به: يفرضه. والأصل في العدل هو التوسط في كل شيء، والتوحيد أساس لذلك. وكأنك تراه: مراقبًا الحضرة الإلهية بإخلاص فيما تفعل. وانظر
الأحاديث ٥٠ في البخاري و٨ و٩ و١٠ في مسلم. وينهى عنه: يأمر بالكف عنه وعدم حصوله. والفحشاء: ما اشتد قبحه. والمنكر: ما قبّحه الشرع.
ويعظكم: يذكركم بفعل الخير وترك الشر. وتذكرون: تمتثلون بالاتعاظ والطاعة. و((أجمع آية)) كذا. وانظر المستدرك ٣٥٦:٢. وقد كان نزول هذه الآية سببًا
لإيمان عثمان بن مظعون. المسند ٤ :٣٣٠ ومجمع الزوائد ٤٨:٧-٤٩.
(٣) أوفوا به: أدّوه تامًا. وعهد الله: ما يلتزمه الإنسان مع القسم مما يوافق الشريعة. والبِيَع: جمع بِيعة. وهي المبايعة للأمير المسلم على الطاعة والنصرة.
انظر ((المفصل)). والأيمان: جمع يمين. وهو القَسم. وعاهد: وعد بالالتزام. ولا تنقضوها: لاتُخِلّوا بها ولا تخالفوها. وجعلتم: صيّرتم. والكفيل: الشاهد.
ويعلمه: يحيط به كامل الإحاطة. وتفعلون: تكتسبونه من النيات والأقوال والأعمال. ولا تكونوا: لا تصيروا. ونقضته: نفّشته وخلخلته. والبرم: التشديد
والتقوية. وتنقضه أي: تنقض ما غزلت وتفسده. وتتخذ: تجعل. وضمير تكونوا أي: الضمير المتصل. وتنقضوها أي: الأيمانَ والعهود. وتكون: تحصل.
وأكثر: أوفر عددًا وعُدة ومالًا. وحالفوهم أي: وحالفوا الأقوياء على الضعفاء، بنقض العهود الموثقة قبل.
(٤) يختبركم: يعاملكم معاملة من يمتحن، ليظهر كل إنسان على حقيقته. وينظر أي: يعلم علم حدوث، ويُظهر لكم ولغيركم. ويبينه: يكشف حقيقته.
واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من قبورهم بالبعث للحساب والجزاء. وتختلفون: تختصمون وتتنازعون. وشاء: أراد إيمانَ جميع الناس أو كفرَهم.
وجعل: صيّر. وواحدة أي: متوحدة متفقة في العقيدة والشريعة والأخلاق والعمل. ويضله: يصرف قدراته ويُوفقه فيما يناسب اختياره السيئ واستعداداته
الفاسدة. ويهديه: يُمدّه ويوجّه قدراته إلى ما يناسب اختياره الطيب واستعداده لقبول الخير. ويشاء: يريد إضلاله أو هدايته، لما فيه نفسه. وفي هذا اختبار
وابتلاء ليذهب كل إلى ما يُسّر له، بما في ضميره من الرغبة في الخير أو الشر. وتعملون: تقترفون من الكفر وتكتسبون من الإيمان، بنية أو قول أو فعل.
١٦ - سورة النحل
٢٧٨
الجزء الرابع عشر
سُورَةِ المحل
وَلَا تَتَّخِذُوَأْأَيْمَنَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ فَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ نُونِهَا
وَتَذُوقُواْ السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ ﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ
هُوَخَيْرٌلَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنَفَدُّ
وَمَا عِندَ اللَّهِبَانِّ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦) مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ، حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَاكَانُوا يَعْمَلُونَ (٣) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ
فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَرُّ
عَلَى الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَ كَّلُونَ (١) إِنَّمَا
سُلْطَانِبُهُ, عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ, وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ
﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
◌ِمَا يُنَزِّلُـ قَالُواْإِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْلَا يَعْلَمُونَ
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَّبِتَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَّى وَيُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ
١ - ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيمَانَكُمْ دَخَلَا بَينَكُم﴾ - كرّره تأكيدًا - ﴿فَزِلَّ قَدَمٌ﴾ أي: أقدامكم
عن محجّة الإسلام، ﴿بَعدَ ثُبُوتِها﴾: استقامتها عليها، ﴿وتَذُوقُوا السُّوءَ﴾: العذاب
﴿بِما صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: بصدّكم عن الوفاء بالعهد، أو بصدّكم غيرَكم عنه
لأنه يَستَنُّ بكم، ﴿وَلَكُم عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٩٤ في الآخرة، ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنَا
قَلِيلًا﴾ من الدنيا، بأن تنقضوه لأجله. ﴿إنَّ ما عِندَ اللهِ﴾، من الثواب، ﴿هُوَ خَيرٌ
لَكُمِ﴾ ممّا في الدنيا، ﴿إِن كُنتُم تَعلَّمُونَ﴾ ٩٥ ذلك فلا تنقضوا .
٢ - ﴿مَا عِندَكُم﴾ من الدنيا ﴿يَنفَدُ﴾: يفنى، ﴿وما عِندَ اللهِ باقٍ﴾: دائم، ﴿وَلَيَجِزِيَنَّ﴾
- بالياء والنون - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الوفاء بالعهود ﴿أجرَهُم، بِأحسَنِ ما كانُوا
يَعمَلُونَ﴾ ٩٦: أحسن بمعنى: حَسَن. ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أو أُنثَى، وهْوَ
مُؤمِنٌ، فَنُحِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قيل: هي حياة الجنّة، وقيل: في الدنيا بالقناعة أو الرزق
الحلال، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُم أجرَهُم بِأحسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٩٧ .
٣- ﴿فإذا قَرَأْتَ القُرآنَ﴾، أي: أردتَ قراءته، ﴿فاستَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ
الرَّجِيم﴾ ٩٨، أي: قل: ((أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيم)). ﴿إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلطانٌ﴾:
تسلّط ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وعلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ ٩٩. إنَّماَ سُلطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّونَهُ﴾
بطاعته، ﴿وَالَّذِينَ هُم بِهِ﴾ أي: اللهِ ﴿مُشرِكُونَ﴾ ١٠٠ .
٤ - ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيةٍ﴾ بنسخِها، وإنزال غيرها لمصلحة العباد - ﴿ واللهُ أعلمُ
بِما يُنَزِّلُ - قالُوا﴾ أي: الكُفّار للنبيّ: ﴿إِنَّمَا أنتَ مُفَرٍ﴾: كذّابٌ، تقولُه من عندك.
﴿بَل أكثَرُهُم لا يَعلَمُونَ﴾ ١٠١ حقيقةَ القُرآن وفائدةَ النَّسخِ. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ جبريلُ، ﴿مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾: مُتعلّق بـ «نزّل))،
﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بإيمانهم به، ﴿وَهُدَى وبُشرَى لِلمُسلِمِينَ﴾ ١٠٢ .
(١) كرره: يعني ما في الآية ٩٢، وجاء النهي هنا صريحًا للتوكيد والمبالغة، مع شيء خاص، هو عامّ يشمل الحلف والمبايعة والحقوق كلها، ويترتب عليه
الوعيد والتهديد. وتزل: تنزلق وتنحرف. والقدم: ما يطأ الإنسان به الأرض. ذكرت القدم والمراد صاحبها نفسه. والمحجة: الطريق الواضح. والثبوت:
الاستقرار والاطمئنان. وتذوقوه: تنالوه وتقاسوا أهواله. والعذاب: عذاب الدنيا بالمحن والبلاء. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((أي العذاب))، كما في الوجيز.
وصددتم: امتنعتم ومنعتم. وسبيل الله: دين الإسلام بما فيه من العقيدة والشريعة والوفاء. ويَستن بكم: تصيرون قدوة في الغدر، فيَقتدى بكم غيركم. وفي
الأصل: ((فُيُستنّ)). والعظيم: الضخم لامثيل له. وتشتروا: تستبدلوا. والثمن: ما يكون عوضًا في بيع أو مبادلة. والقليل: اليسير لأنه مهما عظم ثمن الغدر
فهو قليل جدًا، لا يسوّغ نقض العهد. وعنده: في حكمه وتفضله. والثواب: المكافأة في الدنيا والآخرة. وخير: أكثر نفعًا. وتعلمون: تعرفون معرفة يقينية.
(٢) عندكم: في حوزتكم وتصرفكم. ومن الدنيا أي: متاعها وزينتها. ويجزي: يكافئ ويثيب. وبالنون يريد القراءة (لَنَجزِيَنَّ)). والفاعل هو ضمير العظمة:
نحن. وصبروا: تجلدوا وتحملوا. والعهود: ما عاهدوا به الله أو الناس. والأجر: الثواب. ويعملون: يكتسبونه من نية أو قول أو فعل. والصالح: كل عمل
حسّنه الشرع والعقل السليم. والذكر: الرجل المكلَّف. والأنثى: المرأة المكلَّفة. والمؤمن: الذي صدّق قلبه التوحيد وما يتعلق به. وإنما قيِّد العمل بالإِيمان
لأن عمل الكافر لايُعتدّ به في الآخرة، وصاحبه في الدنيا مع الوساوس والقلق الدائمين. ونحييه: نجعله يعيش بروحه وجسده. والطيبة: السعيدة المطمئنة
الراضية. وانظر آخر الآية ٩٦.
(٣) قرأت: تلوث سرًا أو جهرًا. والخطاب للنبي وَّله ولكل مسلم أو مسلمة. وذكرت القراءة مكان إرادتها لأنها مترتبة عليها. واستعذ به: اسأله أن يحميك
من الوساوس والانصراف عن تفهم الآيات. والشيطان: إبليس وأعوانه من الجن والإنس. والعموم للمسلمين، وخصوص الإنس للنبي وَلّ، لأنه معصوم من
الجن إطلاقًا. والرجيم: الملعون المطرود من رحمة الله. و((أعوذ)) هذا النص ورد في السُّنّة الشريفة، ويجوز أن يقال بصيغة أخرى من صيغ الاستعاذة. فعن
ابن مسعود أن الرسول ◌َ﴿ أمره بهذا القول، وقال له: «هكذا أقرأَنِيهِ جِبرِيلُ، عَنِ القَلَمِ عَنِ اللَّوحِ المَحفُوظِ». انظر الكافي الشاف في حاشية الكشاف ٢: ٦٣٤
وتفسير الآلوسي ١٤: ٣٣٧-٣٣٨. وله: للشيطان. وآمنوا: عرفت قلوبهم التوحيد وصَدّقوا الله والرسول. وعليه يتوكلون: إليه وحده يفوّضون أمورهم إيمانًا
واحتسابًا. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. ويتولونه: يجعلونه وليّ أمورهم ويطيعون وساوسه. وبه مشركون أي: جاعلون له شركاء بعضَ
خلقه في الألوهية والطاعة.
(٤) بدلناها: جعلناها في مكانٍ غيرها. وهو النسخ أي: رفع اللفظ والمعنى معًا، أو تبديل الحكم وإبقاء اللفظ. وأعلم بما ينزّل أي: محيط كامل الإحاطة
بما يوحيه من أحكام لمصلحة العباد. انظر ((المفصل)). ولا يعلمون: لا يدركون ولايعرفون، فيلقون الاتهام تقليدًا لزعمائهم من المعاندين. ونزله أي: نزل به
وجاء به وحيًا للإبلاغ وإيجاب العمل. والقدس: الطهارة من الأدناس. والأصل: الروح المقدَّس فأضيف الموصوف إلى صفته للمبالغة. ومن ربك: من عنده
وبأمره. وأضيف الرب إلى النبي ◌َّ تشريفًا للمخاطب وإعراضًا عن المشركين. والحق: الواقع الثابت لاشك فيه. ويثبت: يقوي ويرسخ. وآمنوا: صدّقوا الله
ورسوله. والهدى: الإرشاد إلى الحق. والبشرى: التبشير والتبليغ بما فيه الخير والسعادة. والمسلم: من استسلم لحكم الله وفوّض أموره إليه .
الجزء الرابع عشر
٢٧٩
١٦ - سورة النحل
١- ﴿وَلَقَدِ﴾: للتحقيق ﴿نَعلَمُ أنَّهُم يَقُولُونَ: إنَّما يُعَلِّمُهُ﴾ القُرآنَ ﴿بَشَرٌ﴾. وهو قَين
نصرانيّ، كان النبيّ وَّه يدخل عليه. قال تعالى: ﴿لِسانٌ﴾: لغةُ ﴿الَّذِي يُلحِدُونَ﴾:
يُميلون ﴿إِلَيْهِ﴾ أنه يُعلّمه ﴿أُعجَمِيٌّ، وهذا﴾ القُرآن ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ١٠٣ : ذو بيان
وفصاحة. فكيف يُعلّمه أعجميّ؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ لا يَهدِيهِم اللهُ، ولَهُم
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١٠٤: مُؤلم. ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ﴾: القُرآن -
بقولهم: هذا من قول البشر - ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ ١٠٥. والتأكيد بالتكرارِ و(«إنّ))
وغيرِهما ردٌّ لقولهم: ((إنَّما أنتَ مُفْتَرٍ)).
٢- ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعدِ إِيمانِهِ، إلّا مَن أُكرِهَ﴾ على التلفظ بالكُفر فتلفظ به، ﴿وَقَلِبُهُ
مُطمَئِنٌّ بِالإِيمانِ﴾ - ومَن: مبتدأ أو شرطيّة والخبرُ أو الجواب: لهم وعيد شديد - دلّ
على هذا: ﴿وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفرِ صَدرًا﴾ له، أي: فَتَحَه ووَسَّعَه، بمعنى: طابت به
نفسُه، ﴿فِعلَيهِم غَضَبٌ مِنَ اللهِ، ولَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠٦ . ذُلِكَ﴾ الوعيد لهم ﴿بِأَّهُمُ
استَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنيا﴾: اختاروها ﴿عَلَى الآخِرِةِ، وأنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ
الكافِرِينَ ١٠٧. أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم وسَمِعِهِم وأبصارِهِم، وأُولَئِكَ هُمُ
الغافِلُونَ﴾ ١٠٨ عمّا يُراد بهم، ﴿لَا جَرَمَ﴾: حقًّا ﴿أنَّهُم في الآخِرةِ هُمُ
الخاسِرُونَ﴾ ١٠٩ لمصيرهم إلى النار المُؤبّدة عليهم.
سُورَة الفعَّالِ
الوز التَّارَى عَشَّر
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ
الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِىُ
إِنَّالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِ اللَّهِلَآَ يَهْدِيهِمُ
مُبِينُ
اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (٣) إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ
أَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِإِلَّا مَنْ أُكْرِهَ
١٠٥
وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِصَدْرًا
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌّ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ لـ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَسْتَحَبُّواْالْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ
﴿ أُوْلَئِكَ
وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ
أْلَاجَرَمَ أَنَّهُمْ فِى
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ
ثُمَّإِنَّ رَبَّكَ
اُلْأَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ اللَّ
لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ
وَصَبَرُوَّأَ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمُ (3)
٣- ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ إلى المدينة، ﴿مِن بَعدِ ما فُتِنُوا﴾: عُذّبوا وتلفّظوا
بالكُفر - وفي قراءة بالبناء للفاعل، أي: كفروا أو فَتنوا الناسَ عن الإيمان - ﴿ثُمَّ
جاهَدُوا وصَبَرُوا﴾ على الطاعة، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعدِها﴾ أي: الفِتنةِ ﴿لَغَفُورٌ﴾ لهم
﴿رَحِيمٌ﴾ ١١٠ بهم. وخبر ((إنّ)) الأُولى دلّ عليه خبرُ الثانية. اذكرْ ﴿يَومَ تأتِي كُلُّ نَفْسٍ، تُجادِلُ﴾: تُحاجُ ﴿عَن نَفْسِها﴾، لا يُهمّها غيرُها - وهو
(١) التحقيق: التثبيت والتوثيق. ونعلم أي: علمنا ونحيط إحاطة تامة. ويعلّمه: ينقل إليه ويلقّنه. والبشر: الإنسان. وهذا يعني أن بعض المشركين يزعمون أن
القرآن من عند الرومي المذكور، واسمه جبر أو يسار. والقين: الحداد يصنع السلاح. ويدخل عليه أي: يزوره فيسمع بعض ما يقرأ من كتب النصارى باللغة
الرومية. وقد زعم المشركون أن هذا النصراني الرومي كان يعلم النبي * آيات القرآن الكريم، فنزلت الآية بتكذيبهم وبالحجة القاطعة لمزاعمهم. سيرة ابن
هشام ٣٣:٢ والواحدي ص ٢٨٧- ٢٨٨. واللسان: اللغة أي: الكلام المنطوق. ويميلون إليه: يحرفون إليه أقوالهم فينسبون إليه ما يزعمون. والأعجمي:
منسوب إلى الأعجم. وهو مَن كان مِن غير العرب. والعربي: المنسوب إلى العرب، أي: بلغتهم الفصحى. ولا يؤمنون: يكذّبون مكابرة وعنادًا. والآيات:
آيات القرآن والمعجزات بالبراهين القاهرة. ولا يهديهم: لا يرشدهم إلى الحق لما يعلم من سوء استعدادهم، ويتركهم على ما اختاروه، من الضلال والانهماك
في العصيان ويمدهم في ذلك. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. ويفتري: يختلق. والكذب: ما لا أصل له في الواقع. والمراد به هنا ما اتهم المشركون به
النبي ◌َ ﴾. وقولهم مضمن في الآية ١٠٣. والكاذبون: البالغون حد النهاية في الكذب. وقول السيوطي ((إنّ)) الصواب أن ((إنّما)) كلها للحصر أي: التوكيد
المحقق. ولقولهم يعني: ما في الآية ١٠١ .
(٢) كفر: أنكر التوحيد. فقد روي أن الآيات ١٠٦- ١١٠ نزلت في عمّار بن ياسر وأصحابه الذين عذبهم المشركون في مكة، ليرتدوا عن الإسلام، فأبوا وقتل
بعضهم على ذلك، واضطُرّ عمّار أن يلفظ كلمة الكفر لينجو. ثم جاء إلى النبي ◌ََّ باكيًا، فمسح له عينيه وهو يقول: ((إن عادُوا لكَ فَعُدْ لَهُم بِما قُلتَ)).
الواحدي ص ٢٨٨ والمستدرك ٢: ٣٥٧. والإيمان: التصديق بالتوحيد والنبوة. وأكره: أجبر بالقوة. وقلبه مطمئن بالإيمان: لم تتغير عقيدته. ودل على هذا
يعني: دل على الجواب أو الخبر المحذوف ما يلي من جواب الشرط الثاني في الآية: فعليهم غضب. وصدرًا له أي: صدره وما فيه من ضمير واعتقاد.
والغضب: السخط الشديد. ومن الله: من عنده وبتقديره. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. والعظيم: الضخم الذي لامثيل له. والحياة أي: حياتهم.
ولا يهديهم: لا يرشدهم إلى الحق لِما يعلم من سوء استعدادهم، ويمدهم بما هم فيه من الضلال. والكافر: من كذب الله ورسوله. وطبع عليها: أغلقها وختم
عليها، فلاتستجيب للخير. والقلوب: جمع قلب. والسمع: حاسة الإدراك للمسموعات. والأبصار: جمع بصر. وهو العين. والغافل: الساهي لا يتدبر
العواقب. والآخرة: الحياة يوم القيامة. والخاسر: من ضيع كل شيء مما بذله وينتظره، فصرف حياته فيما يوصله إلى عذاب الخلد.
(٣) الرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ما يملك. وهاجروا: غادروا ديارهم هربًا بدينهم. وإلى المدينة أي: قبل هجرة النبي ﴿، وكذلك الهجرة
إلى الحبشة. فقد روي أن هذه الآية نزلت في أمثال عمار وصهيب وخباب وبلال والمسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة. وللفاعل يريد القراءة ((فَتَنُوا))، أي:
فتنوا أنفسهم أو غيرهم. وجاهدوا: بذلوا جهدهم بأنفسهم وأموالهم وأوطانهم وأهلهم وكل ما يملكون. وصبروا: تجلدوا وتحملوا. والغفور: الكثير السترِ
للذنوب وعدم المؤاخذة عليها. والرحيم: الكثير العطف بالإحسان والعفو. واذكر أي: لقومك لعلهم يعتبرون ويتعظون، ولنفسك وأصحابك تأنيسًا وتسلية.
فهو ترهيب وترغيب. وتأتي: تحضر بعد البعث من القبور. وكل: لاستغراق أفراد النكرة. والنفس: المخلوق المكلف من البشر. وهو الإنسان بروحه وكيانه.
وتحاج: تخاصم بالحجج والأدلة وتسعى في النجاة من العذاب إلى النعيم. ونفسها: ذاتها وحقيقتها. وتُوفاه: تُعطاه وافيًا تامًا لانقص فيه ولا زيادة. وعملت:
اكتسبته في الدنيا بالاختيار والقصد، من نية أو قول أو فعل. وهم أي: جميع البشر. ولا يظلمون: يجزون ما يوجبه العدل والحق، بلا نقص أو إهمال. ونفي
الظلم يعني إثبات العدل المطلق مؤكدًا .
١٦ - سورة النحل
٢٨٠
الجزء الرابع عشر
سِوَرَةِ المَحِّر
الجزء التَّارِعُ عَشَر
* يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسِ تُحَدِلُ عَن نَفْسِهَا وَتُوَّى كُلُّ
نَفْسٍ مَّاعَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٨) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
قَرْيَةٌ كَانَتْءَامِنَةً مُطْمَيِنَّةٌ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا
مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ
اَلْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ () وَلَقَدْ
جَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ
ظَالِمُونَ ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَا طَيِّبًا
وَأَشْكُرُ وانِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَآ
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَ
اللَّهَ عَبُونَ *
غَفُورٌرٌّحِيمٌ ﴿ وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ
اٌلْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبُّ
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِالْكَذِبَ لَأَ يُفْلِحُونَ (١٦) مَتَحٌ قَلِيلٌ
وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ
مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن كَانُواْأَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ لَـ
ثلاثة أنواع
الخزب
٢٨
يوم القيامة - ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ جزاءَ ﴿ما عَمِلَتْ، وهُم لا يُظْلَمُونَ﴾ ١١١
شيئًا .
١- ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا﴾، ويُبدل منه: ﴿قَرْيَةً)، هي مكّة والمراد أهلها،
﴿كَانَت آمِنَةً﴾ من الغارات لا تُهاج، ﴿مُطمَئِنَةً﴾ لا يُحتاج إلى الانتقال عنها لضيق أو
خوف، ﴿يأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا﴾: واسعًا ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ، فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللهِ﴾، بتكذيب
النبيّ، ﴿فَأذاقَها اللهُ لِياسَ الجُوعِ﴾: فقُحطوا سبعَ سنين، ﴿والخَوفِ﴾ بسرايا النبيّ،
﴿بِمَا كَانُوا يَصنَعُونَ ١١٢، ولَقَدَ جَاءَهُم رَسُولٌ مِنْهُم﴾ مُحمّد ◌َّةَ، ﴿فَكَذَّبُوهُ، فَأَخَذَهُمُ
العَذابُ﴾: الجوع والخوف، ﴿وهُم ظالِمُونَ﴾ ١١٣ .
٢- ﴿فِكُلُوا﴾ - أيها المُؤمنون - ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا، واشكُرُوا نِعْمةَ اللهِ، إن
كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ ١١٤ - إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحمَ الخِنزِيرِ، وما أُهِلَّ لِغَيرِ اللهِ
بِهِ. فَمَنِ اضطُرَّ غَيرَ باغ ولا عادٍ فإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١١٥ - ولا تَقُولُوا، لِما تَصِفُ
ألستَتُكُمُ﴾ أي: لوصف ألسنتكم ﴿الكَذِبَ: هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ﴾، لِما لم يُحِلَّه الله
ولم يُحرّمْه، ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ﴾ بنسبة ذلك إليه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ
الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ١١٦، لهم ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ في الدنيا، ﴿وَلَهُم﴾ في الآخرة ﴿عَذابٌ
ألِيمٌ﴾ ١١٧ : مُؤلم.
٣- ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا﴾ أي: اليهودِ ﴿حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيكَ مِن قَبلُ﴾، في آيَةٍ:
((وعلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ)) إلى آخرها، ﴿وَمَا ظَلَمْناهُم﴾ بتحريم ذلك،
﴿وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُم يَظْلِمُونَ﴾ ١١٨ بارتكاب المعاصي المُوجبةِ لذلك، ﴿ثُمَّ إِنَّ
رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾: الشِّرك ﴿بِجَهالةٍ، ثُمَّ تَابُوا﴾: رجَعوا ﴿مِن بَعدِ ذُلِكَ وأصلَحُوا﴾ عَمَلَهم، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعدِها﴾ أي: الجهالةِ أو الثَّوبة
﴿لِغَفُورٌ﴾ لهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ ١١٩ بهم.
(١) ضرب: أوضح وبيّن. والمثل: قول فيه ما يشبه حوادث أُخرى، يُذكر لِما فيه من العجب والعظة بيانًا واعتبارًا. ويبدل منه: يعني أن ((قرية)): بدل من
(مثلًا)) منصوب، يفيد البيان والتوكيد. والقرية: المدينة العامرة بالسكان. والآمنة: المحفوظة المَحمِيّة. والمطمئنة: الهادئة المستقرة بأهلها، لا يزعجها بلاء أو
عدوان. ويأتيها: يصل إليها. والرزق: ما يحصل عليه الإنسان من متاع وزينة. وكفرت: جحدت وكذبت. والأنعم: جمع نعمة. وهي الإنعام بالرزق والحال
الحسنة من الأمن والطمأنينة والسيادة. وبتكذيب النبي أي: بسبب تكذيبه. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((النبي ◌َّر)). وأذاقها لباس الجوع: خصها بالقحط
والحاجة إلى الغذاء، حتى عمّاها من كل جانب ولازماها كالثوب اللاصق بالجسد. والخوف: الفزع من العدوان والمصائب. وذكر السرايا من الوجيز، وهو
مبني على أن الآية مدنية كما ذكر مقاتل. معاني الفراء ١١٤:٢ وتفسير الخازن ١١٩:٤- ١٢٠ والفتوحات ٦٥٦:٢. وهذا ما لم يشر إليه السيوطي في مستهل
تفسير السورة. والراجح أنها مكية بدليل ما في الآية التالية. البحر ٥٤٢:٥. وعليه يكون معنى ((ضرب)) في الآية: جعل وصيّر. والمراد: جعلكم - يا أهل
مكة - مثلًا يُضرب للناس، لِما أنتم عليه من الكفر والعصيان وتلقي الانتقام. ويصنعون: يُتقنونه ويتفننون فيه من الشرك والعناد والظلم والجبروت. وجاءهم:
أُرسل إليهم وبلّغهم ما كُلّف به. والرسول: المرسَل بوحي من الله لتبليغ العقيدة والشريعة مع العمل. ومنهم: من جنسهم وقومهم، ليكون أقرب إليهم وأدعى
إلى التبيين والإقناع. وكذبوه: أنكروا أنه رسول وأن ماجاء به هو من عند الله. وأخذهم: نزل بهم عقوبة وترهيبًا فآذاهم. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة.
وظالمون أي: كافرون، لأن الكفر أشنع الظلم الذي هو وضع الشيء في غير موضعه.
(٢) كلوا: تناولوا الطعام والشراب. ورزقكم: أعطاكموه وهيأه لكم من أنواع الغذاء المباح. والحلال: الذي أباحه الله فكان عليه أجر وثواب. والطيب: ما
تستلذه الأذواق السليمة والنفوس الخالصة من الفساد. واشكروها: استحضروها في قلوبكم، وأثنوا على خالقها باللسان والعمل، توحيدًا وطاعة. والنعمة:
الإنعام بالخير والإكرام. والله: لفظ الجلالة اسم علم للمعبود بحق وحده والواجب الوجود المستحق للألوهية والتوحيد ولجميع المحامد بذاته وصفاته
وأفعاله. وإياه تعبدون: تقدسونه وحده وتطيعونه دون غيره. وانظر الآية ١٧٣ من سورة البقرة. والخطاب للمسلمين أيضًا، وفيه تعريض بالمشركين. وتصف:
تذكر. والألسنة: جمع لسان يراد به الأفواه. والكذب: ما لا أصل له في الواقع من شرع أو حكمة. والحرام: ما هو ممنوع شرعًا. وتفتروا: تختلقوا
وتكذبوا. ولا يفلحون: لا يفوزون بخير في الدنيا والآخرة. والمتاع: ما يتمتع به الإنسان من منافع زائلة. والقليل: اليسير بالنسبة إلى ما في الآخرة من نعيم.
والعذاب: التعذيب والتنكيل عقوبة وإهانة .
(٣) هادوا: تحرّوا طريقة اليهود في الدين. وحرمناه: جعلناه ممنوعًا لا يجوز أكله. وقصصنا: حكيناه بالوحي. و((في آية)) يعني الآية ١٤٦ من سورة الأنعام.
وما ظلمناهم: لم نعاقبهم بما لا يستحقون. والأنفس: جمع نفس. ونفس الإنسان: حقيقته بروحه وجسده. ويظلمونها: يسببون لها العقوبة والعذاب. وعملوا:
اقترفوا واكتسبوا باختيار وقصد. والسوء: ما يَشين صاحبه ويقبحه. والجهالة: عدم المعرفة للفساد والصلاح. ورجعوا: تركوا ماكانوا يقترفون. وذلك: إشارة
إلى عمل السوء. وأصلحوه: جعلوه صالحًا موافقًا لأمر الله. والغفور: العظيم السترِ للذنوب وعدم المؤاخذة عليها. والرحيم: الكثير العطف بالعفو
والإحسان. وليس المعنى أن المغفرة هي للمسيء بجهالة فقط، ولا يُغفر لمن عملُه بغير جهالة. بل المرادَ أن جميع من تاب فهذا سبيله، وإنما خص الجاهلون
لأن أكثر المذنبين يأتون ذلك بقلة فكر في عاقبة، أو عند شهوة غالبة، أو في جهالة شباب. فذُكر الأكثر هنا، على عادة العرب في مثل هذا، تعبيرًا بالغالبية.