Indexed OCR Text

Pages 241-260

الجزء الثاني عشر
٢٤١
١٢ - سورة يوسف
جمع عَجفاءَ، ﴿وسَبعَ سُنبُلاتٍ خُضرٍ، وأُخَرَ﴾ أي: سبعَ سُنبلات ﴿يابِساتٍ﴾ قد
التوتْ على الخُضر وعلت عليها. ﴿يا أيُّها المَلَأُ، أفْتُونِي فِي رُؤيايَ﴾: بيّنوا لي
تعبيرها، ﴿إِن كُنتُم لِلرُّؤيا تَعْبُرُونَ﴾ ٤٣ فاعبُروها. ﴿قالُوا﴾: هذه ﴿أضغاثُ﴾:
أخلاطُ ﴿أحلامٍ، وما نَحنُ بِتأوِيلِ الأحلامِ بِعالِمِينَ ٤٤ . وقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما﴾ أي:
من الفَتَينِ وهوّ الساقي، ﴿وَاذَّكَرَ﴾ - فيه إبدال التاء في الأصل دالًا وإدغامها في
الدال - أي: تذكّرَ ﴿بَعدَ أُمّةٍ﴾: حينٍ حالَ يُوسفَ: ﴿أنا أُنَبَّكُم بِتَأْوِيلِهِ.
فأرسِلُونٍ﴾ ٤٥. فأرسَلوه فأتى يوسفَ، فقال: يا ﴿يُوسُفُ - أيُّها الصِّدِّيقُ﴾: الكثيرَ
الصِّدقِ - ﴿أفتِنا فِي سَبعِ بَقَراتٍ سِمانٍ، يأْكُلُهُنَّ سَبعٌ عِجافٌ، وسَبع سُنبُلاتٍ خُضرٍ
وأُخَرَ يابِساتٍ، لَعَلِّيَ أَرجَعُ إِلَى النّاسِ﴾ أي: الملك وأصحابه، ﴿لَعَلَّهُمْ يَعلَمُونَ﴾ ٤٦
تعبيرها .
١- ﴿قَالَ: تَزْرَعُونَ﴾ أي ازرَعوا ﴿سَبعَ سِنِينَ دَأْبًا﴾: مُتتابعةً. وهي تأويل السبع
السِّمانِ - ﴿فما حَصَدْتُم فَذَرُوهُ﴾: اتركوه ﴿فِي سُبُلِهِ﴾، لئلّا يفسد، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمّا
تأكُلُونَ﴾ ٤٧ فادرُسوه - ﴿ثُمَّ يأتِي، مِن بَعدِ ذلِكَ﴾ أي: السبع المُخصبات، ﴿سَبِعٌ
شِدادٌ﴾: مُجدِبات صِعاب - وهي تأويل السبع العجاف - ﴿يأكُلُّنَ ما قَدَّمْتُم لَهُنَّ﴾ من
الحَبّ المزروع في السنينَ المُخصباتِ، أي: تأكلونه فيهنّ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمّا
تُحصِنُونَ﴾ ٤٨: تدخّرون، ﴿ثُمَّ يأْتِي مِن بَعدِ ذلِكَ﴾ أي: السبعِ المُجدبات ﴿عامٌ، فِيهِ
يُغاثُ النّاسُ﴾ بالمطر، ﴿وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ٤٩ الأعناب وغيرها لخِصبه.
◌ُنُورَة يُوسُفِ
الجزء الثَّانِى عَشِّر
قَالُواْ أَضْغَاتُ أَحْلَهِ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ اَلْأَعْلَمِ بِعَلِمِينَ (
وَقَالَ الَّذِى نَجَ مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ،
فَأَرْسِلُونِ ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَتٍ
سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ
وَأُخَرَ يَابِسَتِ لَعَلَّى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ الْبََّقَالَ
تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَبًا فَا حَصَدُمْ فَذَرُوهُ فِ سُنْبُلِهِ إِلَّا
قَلِيلًا مِعَّاتَأْكُونَ ﴿اثُمَ يَأْتِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادِ يَأْكُلْنَ
مَا قَدَّمْتُمْ لَنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَا تُحْصِنُونَ (٦) ثُمَ يَأْتِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ () وَقَالَ الملِكُ أَثْتُونِ
◌ِهِ، فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْئَلَهُ مَابَالُ
النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِ يَهُنَّ إِنَّ رَبِ بِكَيْدِ هِنَّ عَلِيمٌ شَّاقَالَ
مَا خَطْبُكُنَّإِذْ رَوَدِتُنَّ يُوسُفَ عَن نَفْسِةٍ، قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ
مَا عَلِّمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْأَنَ حَصْحَصَ
اَلْحَقُّ أَنَأْرَوَدَّتُّهُ عَن نَّفْسِهِ ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِّقِينَ ﴿ ذَلِكَ
لِيَعْلَم ◌َنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبٍ وَأَنَّالَّلَ يَهْدِى كَيْدَ الْخَيِنِينَ
٥٢
٢- ﴿وَقالَ المَلِكُ﴾، لمّا جاءه الرسول وأخبره بتأويلها: ﴿الْتُونِي بِهِ﴾ أي: بالذي عبَّرها. ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أي: يُوسفَ ﴿الرَّسُولُ﴾، وطلبه
للخروج، ﴿قالَ﴾ قاصدًا إظهار براءته: ﴿ارجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فاسألُهُ﴾ أن يسأل: ﴿ما بالُ﴾: حالُ ﴿النِّسْوةِ اللِّي قَطَّعْنَ أيدِيَهُنَّ؟ إنَّ رَبِّي﴾: سيّدي
﴿بِكَيدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ٥٠. فرجَع فأخبر الملك فجمعهنّ. ﴿قالَ: ما خَطبُكُنَّ﴾: شأنكنّ، ﴿إِذ راوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَفْسِهِ﴾؟ هل وجدتنّ منه مَيلًا إليكنّ؟
﴿قُلْنَ: حاشَ لِلهِ! ما عَلِمْنا عَلَيهِ مِن سُوءٍ. قالَتِ امرأةُ العَزِيزِ: الآنَ حَصحَصَ﴾: وضَحَ ﴿الحَقُّ. أنا راوَدتُهُ عَن نَفسِهِ، وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ٥١
في قوله: ((هِيَ راودَتْنِي عَن نَفسِي)). فأُخبر يُوسفُ بذلك، فقال: ﴿ذُلِكَ﴾ أي: طلبُ البراءة ﴿لِيَعلَمَ﴾ العزيزُ ﴿أَنِّي لَم أخُنْهُ﴾ في أهله،
﴿بِالغَيبِ﴾: حالٌ، ﴿وأنَّ اللهَ لا يَهدِي كَيدَ الخائِنِينَ﴾ ٥٢، ثم تواضع لله فقال: ﴿وما أُبَرِّئُّ نَفسِيَ﴾ من الزلل. ﴿إِنَّ النَّفسَ﴾ الجنس ﴿لَأَمّارةٌ﴾.
كثيرة الأمر ﴿بِالسُّوءِ، إلّا ما﴾ بمعنى: مَن ﴿رَحِمَ رَبِّيَ﴾ فعصمه. ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥٣.
(١) تزرعون: تنثرون الحَبّ في الأرض المعدّة للنبات. والدأب: المداومة والمتابعة. وهي: يعني سبع سنين دأبا. وحصدتم: قطعتموه مما انعقد حبه. وفي
سنبله أي: وفي قصبه ليكون أحفظ له من السوس. وتأكلون: تستهلكونه في الغذاء. وادرسوه: دوسوه لتستخرجوا حبه وتستهلكوه. ويأتي: يقع ويحصل.
وسبع أي: سبع سنين. والشداد: جمع شديدة. وهي: يعني ((سبع شداد)). ويأكلن: يستهلكن، أي: تستهلكون أنتم فيهن. وقدمتم لهن أي: ادخرتموه
للاستهلاك فيهن، وللبذار حين الزراعة. وتدخرون: تخزنونه للبذار والاستنبات والغذاء. والعام: السنة. ويغاث: يعان بالغيث. وهو المطر. ويعصرون:
يضغطون الحبوب بقوة لإخراج ما فيها من السائل. وغيرها أي: الزيتون والسمسم والحمضيات، لكثرة الخصب والأمطار في ذلك العام.
(٢) قال أي: للسادة الحاضرين في المجلس. والملك: ملك مصر المذكور في الآية ٤٣. وائتوني به: أحضروه. وجاءه: وصل إليه. والرسول: الساقي الذي
أرسل إليه من قبل. وقال أي: يوسف للساقي. وارجع: عُد. وربك: سيدك. وهو الملك. واسأله: التمس منه جواب ماجرى قبلُ لي. وقطعن: انظر الآية
٣١. والرب مراد به الله. والكيد: تدبير الحيل. والعليم: المحيط كاملَ الإحاطة. والشأن: الأمر العظيم. وراودتنّ: خادعتنّ بطلب المضاجعة. وحاش الله:
انظر الآية ٣١. وعلمنا: عرفنا. والسوء: فعل الشر. والعزيز: السيد الذي اشترى يوسف في مصر. والحق: الأمر الذي كان. والصادق: من يقول ما لاشك
فيه. و((قوله)) يعني مافي الآية ٢٦. و((فأخبر يوسف فقال)) هذا مبني على وقوع الهمّ من يوسف، ويحتاج إلى تكلف لربطه بما قبله. وظاهر السياق الكريم أن
مضمون الآيتين ٥٢ و٥٣ من قول امرأة العزيز، اعترافًا بالحق. ثم اعتذرت بأن النفس أمارة. انظر ((المفصل)). ويعلم: يتيقن. ولم أخنه: لم أغدر به.
والغيب: غيابه، أي: وهو غائب عني. ولا يهديه: لا ينفّذه ولا يمضيه. والكيد: المكر. والخائن: من يغدر بمن ائتمنه. وأبرئها: أصفها بالصفاء. والجنس:
يعني كل نفس بشرية عامة. والأمارة بالسوء هي التي تدعو إلى الشهوات. ورحمه: عطف عليه بالإحسان. والغفور: من المغفرة. وهي ستر الذنب وعدم
المؤاخذة به. والرحيم: من الرحمة، أي: العطف بتيسير الخير والعصمة.

١٢ - سورة يوسف
٢٤٢
الجزء الثالث عشر
◌ُوْرَة يُوسُفْ
الجزء الثَّالِمِ عَشَم
﴿ وَمَا أُبَرِىُّ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّمَا رَحِمَ
رَبِّ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [®ّ وَقَالَ الْمَلِكُ اثْنُونِ بِ أَسْتَخْلِصْهُ
الِنَفْسِى فَمَّا كَلَّمَهُ. قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ (٥) قَالَ
أَجْعَلْنِ عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِ إِى حَفِيظُ عَلِيمٌ هَا وَكَذَلِكَ
مَكَتَا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ
بَرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا تُضِيعُ أَجْرَالْمُحْسِنِينَ ﴿ وَلَأَجْرُ
اُلْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ (* وَجَآءَ إِخْوَةٌ
يُوسُفَ فَدَ خَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (٣) وَلَمَّا
جَهَّزَهُمْ يَجَهَازِهِمْ قَالَ أَثْنُونِ بِأَخْ لَّكُمْ مِنْ أَبِكُمْ أَلَتَرَوْنَ
(6) فَإِن لَّمْ تَأْتُونِبِهِ،فَلاَ
أَنِّ أُوْ فِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا نَقْرَبُونِ (٥ قَالُواْسَنَُّوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ
وَإِنَّالَفَعِلُونَ ﴿ وَقَالَ لِفِنْيَنِهِ أَجْعَلُواْ بِضَعَهُمْ فِ رِحَالِهِمْ
لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا أَنْقَلَبُواْ إِلَ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
◌َ فَلَمَّا رَجَعُواْإِلَى أَبِهِمْ قَالُواْ يَأَبَانَا مُنِعَ مِنَّالْكَيْلُ
٦٢
١- ﴿وقالَ المَلِكُ: اثْتُونِي بِهِ، أَستَخِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أجعلْه خالصًا لي دُون
الجزء ١٣
المجزئه؟
شريك. فجاءه الرسول وقال: أجبِ الملكَ. فقام وودّع أهل السجن ودعا
لهم، ثمّ اغتسل ولبس ثيابًا حِسانًا، ودخل عليه. ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ﴾ له:
﴿إِنَّكَ اليَومَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ ٥٤: ذو مكانة وأمانة على أمرنا. فماذا ترى أن
نفعل؟ قال: اجمعِ الطعام وازرع زرعًا كثيرًا في هذه السنين المُخصبة، وادّخرِ الطعام
في سُنبله، فيأتي إليك الخلق ليمتاروا منك. فقال: ومن لي بهذا؟ ﴿قَالَ﴾ يُوسف:
﴿اجعَلْنِ علَى خَزائنِ الأرضِ﴾ أرض مِصر. ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ٥٥: ذو حِفظ وعِلم
بأمرها، وقيل: کاتبٌ حاسب.
٢- ﴿وَكَذْلِكَ﴾: كإنعامنا عليه بالخلاص من السجن، ﴿مَكَّنَا لِيُوسُفَ في الأرضِ﴾
أرض مِصر، ﴿يَتَبَوَّأُ﴾: ينزل ﴿مِنها حَيثُ يَشاءُ﴾، بعد الضيق والحبس. وفي القِصّة
أنّ الملك توَّجَهُ وختَّمهُ وولّاه مكان العزیز وعزله. ومات بعدُ، فزوّجه امرأته فوجدها
عذراء وولدتْ له ولدين، وأقام العدل بمِصر ودانت له الرقاب. ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن
نَشاءُ، ولا نُضِيعُ أجرَ المُحسِنِينَ ٥٦، ولَأَجرُ الآخِرةِ خَيرٌ﴾ من أجر الدنيا، ﴿لِلَّذِينَ
آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٥٧ .
٣- ودخلتْ سِنِيُّ القحط وأصاب أرض كنعانَ والشامَ، ﴿وجاءَ إخوةٌ يُوسُفَ﴾ إلّا
بِيامِينَ ليمتاروا، لمّا بلغهم أن عزيز مِصر يُعطي الطعام بثمنه، ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ
فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ
فَعَرَفَهُم﴾ أنهم إخوته، ﴿وَهُم لَهُ مُنكِرُونَ﴾ ٥٨ لا يعرفونه، لبُعدِ عهدهم به وظنِّهم
هلاكَه. فكلّموه بالعِبرانيّة فقال كالمُنكِر عليهم: ما أقدَمَكم بلادي؟ فقالوا: للميرة. فقال: لعلّكم عُيون. قالوا: معاذَ اللهِ! قال: فمِن أين أنتم؟
قالوا: من بلاد كنعانَ وأبونا يعقوبُ نبيُّ الله. قال: وله أولادٌ غيرُكم؟ قالوا: نعم كُنّا اثنَي عشَرَ فذهب أصغرنا هلَكَ في البرّيّة، وكان أحبَّنا إليه،
وبقي شقيقه فاحتبسه ليتسلّى به عنه. فأمر بإنزالهم وإكرامهم.
٤- ﴿وَلَمّا جَهَّزَهُم بِجَهازِهِم﴾: وفَى لهم كيلهم ﴿قالَ: الْتُوني بِأَخِ لَكُم مِن أَبِيكُم﴾ أي: بِنِيامِين، لأعلم صِدقكم فيما قلتم. ﴿أَلا تَرَونَ أَنِّيَ أُوفِي
الكَيلَ﴾: أُتمّه من غير بخس، ﴿وأنا خَيرُ المُنزِلِينَ ٥٩؟ فإن لَم تأْتُونِي بِهِ فلا كَيلَ لَكُم عِندِي﴾ أي: مِيرةَ، ﴿وَلا تَقْرَبُونِ﴾ ٦٠ - نهيٌ أو عطف على
محلّ (فلا كيل)) - أي: تُحرموا ولا تقربوا. ﴿قالُوا: سَنُراوِدُ عَنهُ أباهُ﴾: سنجتهد في طلبه منه، ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ ٦١ ذلك. ﴿وقالَ لِفِتِيَتِهِ﴾، وفي
قراءة: ((لِفِتيانِهِ)): غلمانه: ﴿اجعَلُوا بِضاعتَهُم﴾ التي أتَوا بها ثمنَ المِيرة - وكانت دراهم - ﴿في رِحالِهِم﴾: أَوعيتهم، ﴿لَعَلَّهُم يَعرِفُونَها، إذا
انقَلَبُوا إِلَى أهلِهِم﴾ وفرّغوا أَوعيتهم، ﴿لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾ ٦٢ إلينا لأنهم لا يستحلّون إمساكها .
٥- ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلَى أبِيهِم قالُوا: يا أبانا، مُنِعَ مِنّا الكَيلُ﴾، إن لم تُرسل أخانا إليه. ﴿فأرسِلْ مَعَنا أخانا، نَكتَلْ﴾ - بالنون والياء - ﴿وإنّا لَهُ
(١) ائتوني به: أحضروه إليّ. وكلمه أي: حدث يوسفُ الملكَ. وقال أي: أجاب الملكُ. واليوم: منذ الآن. ومن لي أي: من يتكفل لي؟ ويمتار: يأخذ
الميرة. وهي ما يصلح للطعام. واجعلني: صيّرني قيمًا ومديرًا. والخزائن: خزائن الأموال والثمار، جمع خزينة. وحفيظ وعليم: من الحفظ والعلم، أي:
الحماية والدراية، أو الكتابة والحساب.
(٢) ذلك أي: تمكين يوسف. انظر ((المفصل)). ومكنا له: جعلناه ذا مكانة. ويشاء: يريد. وعزله: عزل الملكُ وزيرَه العزيز ليقوم يوسف مقامه. ومات
يعني: مات العزيز. وعذراء: يعني أن العزيز كان عاجزًا عن النكاح، فبقيت زوجته زليخا عنده عذراء. وبعض هذه التفصيلات مزاعم إسرائيلية. ونصيب
برحمتنا: نخص بعطفنا. ونضيعه: نهمله. والمحسن: من يخلص نيته ويتقن عمله بمراقبة الله. وخير: أكثر نفعًا. ويتقي: يتجنب غضب الله ويطلب رضاه.
(٣) سنيُّ القحط: انظر الآيات ٤٣-٤٩. وسنيّ: جمع سنة، كما قالوا: عصًا وعِصِيّ. وأرض كنعان: فلسطين. وكنعان: الكنعانيون العرب. وأصاب أي:
القحط. وجاؤوا: أتوا إلى مصر. ودخلوا عليه أي: صاروا في قصره. ويمتار: يأخذ ما يصلح للطعام. وعرف: علم. والمنكِر: الجاهل بحقيقة الأمر. وذكر
العبرانية خطأ، لأنها وجدت بعد عودة بني إسرائيل إلى الشام مع موسى، واصطُنعت من لهجات عربية. والعيون: جمع عين. وهو الجاسوس. واحتبسه: احتفظ به.
(٤) الجهاز: ما يُعدّ من المتاع وغيره. وترون: تعلمون. والكيل: التقدير بالمكيال. والبخس: النقص. وخير: أكثر نفعًا. والمُنزِل: المُضيف. ونراوده:
نطالبه مرارًا. ولفاعلون ذلك: نحقق ما وعدنا. والفتية: جمع فتى، خَدَمة بين يديه قليلون. والفتيان: الذين يكيلون الميرة. واجعلوها: ضعوها. والبضاعة:
القطعة من المال تكون للتجارة. والرحال: جمع رَحْل، يكون فوق الإبل يحمل فيه الزاد وغيره. وانقلبوا: رجعوا.
(٥) منع الكيل: حُكم بمنعه وحجبه في المستقبل. ونكتل: نأخذ من الطعام ما نحتاج إليه. وبالياء يريد القراءة ((يَكتَلْ)) أي: يأخذ ما يحتاج إليه. وآمنكم: أثق
بكم. ومن قبلُ: من قبلِ هذا الوقت. وخير: أكثر نفعًا. والحفظ: الوقاية والحماية. والراحم: من يعطف بالخير. والمراد أن يعقوب استسلم لأمر الله، ونوى
أن يرسل بنيامين معهم، واثقًا بالحفظ والرعاية.

الجزء الثالث عشر
٢٤٣
١٢ - سورة يوسف
لَحافِظُونَ ٦٣. قالَ: هَل﴾: ما ﴿آمَنُكُم عَلَيهِ إلَّا كَما أمِنْتُكُم عَلَى أخِيهِ﴾ يُوسفَ ﴿مِن
قَبلُ﴾، وقد فعلتم به ما فعلتم؟ ﴿فاللهُ خَيرٌ حِفْظًا﴾، وفي قراءة: ((حافِظًا)) تمییزٌ،
كقولهم: لله درُّه فارسًا! ﴿وَهْوَ أرحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ٦٤. فأرجو أن يمنّ بحِفظه.
١- ﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتَاعَهُم وَجَدُوا بِضاعتَهُم رُدَّتْ إلَيهِم. قالُوا: يا أبانا، ما نَبغِي﴾؟ ما:
استفهاميّة أي: أيَّ شيء نطلبُ من إكرام الملك، أعظمَ من هذا؟ وقُرئ بالفَوقانيّة
خِطابًا ليعقوب، وكانوا ذكروا له إكرامه لهم. ﴿لهذِهِ بِضاعتُنا رُدَّتْ إلَينا، ونَمِيرُ
أهلَنا﴾: نأتي بالمِيرة لهم - وهي الطعام - ﴿ونَحفَظُ أخانا، ونَزدادُ كَيلَ بَعِيرٍ﴾ لأخينا .
﴿ذُلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ ٦٥: سهل على الملك لسخائه.
٢- ﴿قَالَ: لَن أُرسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِي مَوثِقًا﴾: عهدًا، ﴿مِنَ اللهِ﴾، بأن تحلفوا
﴿لَتَأْتُنَِّي بِهِ إلّا أن يُحاطَ بِكُم﴾ أي: تموتوا أو تُغلبوا فلا تُطيقوا الإتيان به. فأجابوه
إلى ذلك. ﴿فَلَمّا آتَوَهُ مَوثِقَهُم﴾ بذلك ﴿قالَ: اللهُ علَى ما نَقُولُ﴾ نحن وأنتم
﴿وَكِيلٌ﴾ ٦٦: شهيد. وأرسله معهم. ﴿وقالَ: يا بَنِيَّ، لا تَدخُلُوا﴾ مِصر ﴿مِن بابٍ
واحِدٍ، وادخُلُوا مِن أبوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾، لئلّا تُصيبكم العين، ﴿وما أُغنِي﴾: أدفعُ
﴿عَنْكُمْ﴾، بقولي ذلك، ﴿مِنَ اللهِ مِن﴾: زائدةٌ ﴿شَيءٍ﴾ قدَّره عليكم! وإنّما ذلك
شفقةٌ. ﴿إِنِ﴾: ما ﴿الحُكمُ إلّ ◌ِهِ﴾ وحدَه، ﴿عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ﴾: به وثقتُ، ﴿وعلَيهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ٦٧ .
ينُورَة لُونُوا
الجزء الثَّالِ عَشْرَ
قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّكَمَآ أَمِنْتُكُمْ عَلَىَ أَخِيهِ مِن
قَبْلُ فَاَللَّهُ خَيْرٌ حَفِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ (٦) وَلَمَّا فَتَحُواْ
مَتَعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمَّ قَالُواْ يَكَأَ بَنَا
مَانَبْغِىّ هَذِهِ، بِضَعَتْنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَتَحْفَظُ
أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيْرٍ ذَلِكَ كَيْلُ يَسِيرٌ ﴾ قَالَ لَنْ
أُرْسِلَهُ , مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِلَتَأْنُنَّى بِإِلَّ
أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّ ءَاتَوْهُ مَوْنِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا تَقُولُ وَكِيلٌ
وَقَالَ يَبَنِىَّلَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَأَدْ خُلُواْ مِنْ أَبْوَبٍ
مُتَفَرِقَةٍ وَمَا أُغْنِى عَنَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا
لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتٌ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَلِ الْمُنَّوَكِّلُونَ (*) وَلَمَّا
دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُهُم مَّاكَانَ يُغْنِى عَنْهُم
مِّنَ اللَّهِ مِن شَىءٍ إِلََّ حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَنْهَا وَإِنَّهُ.
لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
ـَ وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَخَاةٌ قَالَ
إِنِّ أَنَأْ أَخُولَكَ فَلَا تَبْتَبِسْ بِمَا كَانُوايَعْمَلُونَ
٣- قال تعالى: ﴿وَلَمّا دَخَلُوا، مِن حَيثُ أمَرَهُم أبُوهُم﴾ أي: مُتفرّقين، ﴿ما كانَ يُغنِي عَنْهُم مِنَ اللهِ﴾ أي: قضائه ﴿مِن): زائدةٌ ﴿شَيءٍ، إلّا﴾:
لكن ﴿حاجةً في نَفسِ يَعقُوبَ قَضاها﴾، هي إرادة دفع العين شفقةً، ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلم لِما عَلَّمْناهُ﴾: لِتعليمِنا إياه، ﴿ولَكِنَّ أكثَرَ النّاسِ﴾ - وهم
الكُفّار - ﴿لا يَعلَمُونَ﴾ ٦٨ إلهام الله لأوليائه، ﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى﴾: ضمَّ ﴿إِلَيهِ أخاهُ، قالَ: إنِّيَ أنا أخُوكَ. فلا تَبَتَتِسْ﴾: تحزنْ ﴿بِما
كانُوا يَعمَلُونَ﴾ ٦٩ من الحسد لنا. وأمره ألّا يُخبرهم، وتواطأ معه على أنه سيحتال على أن يُبقيه عنده.
(١) المتاع: الأوعية. ووجد: رأى. والبضاعة: ما كانوا دفعوه ليوسف مقابل الميرة التي أخذوها. وبالفوقانية يريد القراءة ((ما تَبغِي)). وهي قراءة غير شاذة
عند السيوطي. انظر الإتقان ١٦٨:١. ونحفظ أخانا: نحمي بنيامين. والبعير: الجمل البالغ.
(٢) أُرسلُه: أبعثه. وتؤتوني: تقدموا لي. وفيما عدا الأصل والنسخ: (تؤتونٍ))، بحذف الياء تبعًا لرسم المصاحف. والموثق: العهد الموثق باليمين. ومن
الله: مؤكدًا بذكر الله. ويحاط بكم: تعمّكم الغلبة. ويا بني: يا أولادي. ولا تدخلوا من باب واحد: لا تمشوا في مصر مجتمعين. والأبواب: جمع باب.
و((تصيبكم العين)) هذا غير ظاهر من سياق النص الكريم. ثم إن للعين أثرها، إذا حُرم صاحبها حقه أو ظُلم، يدعو وليس بينه وبين الله حجاب. والراجح هنا
ما رُوي عن إبراهيم النخعي، وهو أن يعقوب قال ذلك لأنه كان يرجو أن يرى بعضُهم يوسفَ، في هذا التفرق، ويحب أن يلقى يوسفُ شقيقه في خلوة من
إخوته. وختام الآية ٦٨ يرجح هذا. وانظر فتح القدير ٦١:٣. فيعقوب كان في نفسه إلهام أن سيلقى بنيامينُ يوسفَ، ويريد أن يكون ذلك على انفراد، كما
سيفعل يوسف بعد - وهي الحاجة التي في نفسه، على ما سيُذكر في الآية ٦٨، خلافًا لما فسرها به السيوطي - فأوهم أبناءه ما ذكره المفسرون من خشية
الحسد أو ظن التجسس. ومن الله: من قضائه. وزائدة: يعني أن ((مِن)): للتنصيص على عموم النفي. والحكم: الأمر النافذ لا محالة. وعليه توكلت: إليه
وحده فوضت أمرنا مطمئنًا. والمتوكلون: من يريدون التوكل.
(٣) دخلوا أي: مصر وأسواقها. ومن حيث: من الأبواب المتفرقة. وأمرهم: طلب منهم. وانظر الآية ٦٧. ويغني: يدفع ويمنع. والحاجة: المقصد يُفتقر
إليه ويتشبث به. والنفس: الضمير والعقل. وقضاها: أرادها وسعى لها. و(دفع العين)) انظر تعليقنا على ((تصيبكم العين)) في تفسير الآية السابقة. وذو علم:
مصاحب فقه وإحاطة واعية. وعلمناه: ألهمناه وأوحينا إليه، من أن قضاء الله لارادّ له، وغير ذلك من الوحي والإلهام. والأكثر: الغالبية العظمى. والناس:
البشر. ولا يعلمون: لا يدركون ولا يفقهون. وفيما عدا الأصل وع: ((لأصفيائه)). انظر الفتوحات ٤٦٨:٢. وفي حاشية ث عن إحدى النسخ: ((لأوليائه)).
ودخلوا عليه: اجتمعوا عنده في قصره. وأخوه: شقيقه بنيامين. وقال أي: يوسف لأخيه. ويعملون: يقترفون بالمكر والخداع والإيذاء، نية أو قولًا أو فعلًا.
وتواطأ: توافق. وقول السيوطي ((معه)) هو من ابن كثير، ومثله شائع في كلام المتأخرين. والصواب خلافًا للكسائي: توطأ وإياه. انظر الارتشاف ٢: ٦٣٤.
فأفعال المشاركة الواردة، على وزن (تَفَاعَلَ)) أو ((افتَعَلَ))، تقتضي أن الفعل يقع من اثنين أو أكثر، والواو تفيد ذلك بالعطف أو المعية، فلا تحتاج إلى ((مع))
بين الاثنين المذكورين. وهذا ثابت لها في الاستعمال التركيبي، مالم يكن الفعل المجرد من ذلك يتعدى بـ ((مع)) أصلًا، كأن تقول: جمعت زيدًا مع عليّ.
فبالمطاوعة يجب أن تقول: اجتمع زيد معه .

١٢ - سورة يوسف
٢٤٤
الجزء الثالث عشر
سُورَة لُونُون)
فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِ رَحْلِ أَخِيهِ ثُمّ
أَذَّنَ مُؤَذِّنَّ أَيَّتُهَا الْعِيْرُ إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ ﴿ قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ
عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ ﴿ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ
وَلِمَن جَآءَ بِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَابِهِ، زَعِيمٌ ﴿قَالُواْ تَأْللَّهِ
لَقَدْ عَلِّمْتُمْ مَاحِثْنَا لِنُفْسِدَ فِ الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَرِقِينَ
قَالُواْفَمَا جَزَّؤُهُ وَإِن كُنْتُمْ كَذِبِينَ ﴿ قَالُوَأَجَزَّؤُهُ.
مَنْ وُجِدَ فِى رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَّؤُهُ، كَذَلِكَ نَجْزِى الَّلِمِينَ
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءٍ أَخِيهِ ثُمَ أَسْتَخْرَجَهَا مِن
VO
﴿وِعَاءِ أَخِيَةٍ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ
فِىِ دِينِ الْمَلِكِ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَآءُ
وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾﴾ قَالُواْإِن يَسْرِقْ
فَقَدْ سَرَفَ أَخُ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِنَفْسِهِ،
وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا
تَصِفُونَ * قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ{أَبَا شَيْخَا كَبِيرًا
فَخُذْ أَ حَدَنَا مَكَانَهُ: إِنَّا نَرَتِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(
١- ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُم بِجَهازِهِم جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ - هي صاعٌ من ذهب مُرضّعٌ بالجوهر -
﴿فِي رَحلِ أَخِيهِ﴾ بِنيامِينَ، ﴿ثُمَّ أَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: نادى مناد، بعد انفصالهم عن مجلس
يُوسف: ﴿أَيَّتُها العِيرُ﴾: القافلة، ﴿إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ٧٠. قالُوا، و﴾ قد ﴿أقبَلُوا عَلَيهِم:
ماذا﴾: ما الذي ﴿تَفْقِدُونَ﴾ ٧١ ـ﴾؟ ﴿قالُوا: نَفقِدُ صُواعَ﴾: صاعَ ﴿المَلِكِ، ولِمَن
جاءَ بِهِ حِملُ بَعِيرٍ﴾ من الطعام، ﴿وأنا بِهِ﴾: بالحِمل (زَعِيمٌ﴾ ٧٢: كفيل.
٢- ﴿قالُوا: تاللهِ﴾ - قسمٌ فيه معنى التعجّب - ﴿لَقَد عَلِمتُم: ما جِئنا لِنُفسِدَ في
الأرضِ. وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ٧٣: ما سرقنا قطُّ! ﴿قَالُوا﴾ أي: المُؤذّنُ وأصحابه:
﴿فما جَزَاؤُهُ﴾ أي: السارقِ، ﴿إِن كُنتُم كاذِبِينَ﴾ ٧٤ في قولكم ((ما كُنّا سارِقِينَ))،
ووُجد فيكم؟ ﴿قالُوا: جَزاؤُهُ﴾: مبتدأ خبرُه: ﴿مَن وُجِدَ فِي رَحِلِهِ﴾ يُستَرَقُّ. ثمّ أُكْد
بقوله ﴿فَهْوَ﴾ أي: السارق ﴿جَزَاؤُهُ﴾ أي: المسروقِ لا غيرُ. وكانت سُنَّةَ آلٍ
يعقوبَ. ﴿كَذْلِكَ﴾ الجزاءِ ﴿نَجزِي الظّالِمِينَ﴾ ٧٥ بالسرقة. فصُرفوا إلى
يوسف لتفتيش أوعيتهم.
الخِزَبْ
٢٥
٣- ﴿فَدَأَ بِأَوْعِيتِهِم﴾، ففتّشها ﴿قَبلَ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ لئلا يُتّهم، (ثُمَّ
استَخِرَجَها﴾ أي: السقايةَ ﴿مِن وِعاءِ أَخِيهِ﴾. قال تعالى: ﴿كَذْلِكَ﴾ الكيدِ ﴿كِدْنا
لِيُوسُفَ﴾: علّمناه الاحتيال في أخذ أخيه. ﴿ما كانَ﴾ يُوسف ﴿لِيأخُذَ أخاهُ﴾ رقيقًا
عن السرقة، ﴿فِي دِينِ المَلِكِ﴾: حُكم ملك مِصر، لأنّ جزاءه عِنده الضربُ وتغريمُ
مِثْلَي المسروقِ لا الاسترقاقُ، ﴿إلّا أن يَشاءَ اللهُ﴾ أخْذَه بحُكم أبيه، أي: لم يتمكّن
من أخذه إلّا بمشيئة الله - تعالى - بإلهامه سُؤالَ إخوته وجوابِهِم بسُنَّهم. ﴿نَرفَعُ
دَرَجاتِ مَن نَشاءُ﴾ - بالإضافة والتنوين - في العِلم كيُوسف، ﴿وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ﴾ من المخلوقين ﴿عَلِيمٌ﴾ ٧٦ أعلمُ منه، حتّى ينتهي إلى الله
تعالى.
٤- ﴿قالُوا: إن يَسرِقْ فَقَد سَرَقَ أخْ لَهُ مِن قَبلُ﴾ أي: يوسفُ. وكان سرقَ لأبي أُمّه صنمًا من ذهب، فكسره لئلّا يَعبده. ﴿فأسَرَّها يُوسُفُ في
نَفْسِهِ، ولَم يُبدِها﴾: يُظهرْها ﴿لَهُم﴾. والضمير الكلمة التي في قوله: ﴿قَالَ﴾ في نفسه: ﴿أنتُم شَرِّ مَكانًا﴾ من يُوسفَ وأخيه، لسرقتكم أخاكم
من أبيكم وظُلمكم له، ﴿واللهُ أعلَمُ﴾: عالمٌ ﴿بِما تَصِفُونَ﴾ ٧٧: تذكرون من أمره. ﴿قالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ، إنَّ لَهُ أَبَا شَيخًا كَبِيرًا﴾، يُحبّه أكثر
منّا، ويتسلّى به عن ولده الهالك، ويُحزنه فِراقه. ﴿فَخُذْ أَحَدَنا﴾: استعبدْه ﴿مَكانَهُ﴾: بدلًا منه. ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ المُحسِنِينَ﴾ ٧٨ في أفعالك.
﴿قالَ: معاذَ اللهِ﴾ - نُصِبَ على المصدر حُذف فِعله وأُضيف إلى المفعول - أي: نعوذ بالله من ﴿أن نأخُذَ إلّا مَن وَجدْنا مَتاعَنا عِندَهُ﴾! لم يقل:
((مَن سرق)) تحرّزًا من الكذب. ﴿إِنّا إذَا﴾: إن أخذنا غيره ﴿لَظالِمُونَ﴾ ٧٩ .
(١) جهزهم: أمر من يقوم بذلك. وجعل: وضع. والسقاية: وعاء يُشرب به. والرحل: ما يُحمل فيه الزاد وغيره. وأذّن: أعلم بصوت مرتفع. والمؤذن:
رجل ينادي للإعلام. والعير: جمع عَير. وهو ما يُحمل عليه من الحيوان. وأقبلوا عليهم: التفتوا إلى الموذّن وطالبي السقاية. وتفقدون أي : ضاع منكم.
والصواع: المكيال للثمار. وجاء به: حصّله أو دل عليه. وحمل بعير: ما يحمله البعير من الميرة. وبه زعيم: أؤديه إلى من جاء بالصواع.
(٢) علمتم: أيقنتم لِما رأيتم من صلاحنا. ونفسد: نُشيع الشر. والكاذب: من يقول غير الواقع. ووجد فيكم: وجد الصاع عندكم. وجزاؤه: عقوبة سرقة
المسروق. ويسترقّ: يستعبده صاحب المسروق سَنةً واحدة. والسُّنّة: الطريقة الشرعية في الحكم. والظالم: المتجاوز للحق. وصرفوا: أعيدوا مرفقين.
(٣) بدأ به: فتحه أول شيء. والأوعية: جمع وعاء. وأخوه: شقيقه من والديه. ويتهم يعني: بوضع السقاية في رحل بنيامين. وكدنا: دبّرنا لاستبقاء بنيامين.
ويأخذ أخاه: يستبقيه عنده. ومثلا المسروق: ضعف قيمته. وإلّا أن يشاء الله أي: لكن في مشيئة الله وإذنه. ويأخذه: يحتفظ به. والرقيق: العبد المملوك.
وعن السرقة: جزاء السرقة. وبحكم أبيه: بشريعته. ونرفع: نُعلي. والدرجة: المنزلة المقرَّبة. وبالتنوين يريد القراءة ((درجاتٍ)). وفوقه: في درجات تعلوه.
وذو علم: صاحب معرفة. وقوله ((حتى ينتهي إلى الله)) فيه إشكال. انظر ((المفصل)).
(٤) قبل: قبلَ هذا الوقت. و((كان سرق)) أشهر ما قيل في ذلك أن عمته كانت تربيه ولما أراد أبوه أخْذه دست تحت ثيابه مِنطقة أبيها، وادعت أنها فقدتها،
لتستبقيَه عندها عقوبة. ولم تثبت تلك الإسرائيليات المختلفة، والصحيح أن قول الإخوة هنا افتراء على يوسف، كما كذبوا قبلُ حين ادعوا أن الذئب أكله.
وأسرّها: أخفاها عنهم. ونفسه أي: ضميره وقلبه. و((الضمير للكلمة)) انظر ((المفصل)). والصواب أن الضمير يعود على مقولتهم قبل. البحر ٣٣٣:٥-٣٣٤.
وشر أي: أكثر شرًا. فيوسف وأخوه اتهما اتهامًا، وهم ثبت عليهم الجرم. فالتفضيل مبني على ما في نفوسهم. والمكان: المنزلة عند الله. وأعلم: محيط بالغَ
الإحاطة. والعزيز: القيم على خزائن مصر. وهو يوسف. والشيخ: المسن تجاوز الخمسين. وكبيرًا: في سنه وقدره. والهالك: الميت، أي: يوسف كما
يعتقدون. وخذ أحدنا: احتفظ بواحد منا. ونراك: تعلمك يقينًا. والمحسن: من تتصف أقواله وأفعاله بالخير. ونأخذه: نحتفظ به ونستبقيه عندنا. ووجدنا:
رأينا عِيانًا. والمتاع: ما يستخدم في الحاجات. وهو هنا السقاية. وعنده: في رحله. والظالم: المجاوز للحق. والمراد أننا نكون ظالمين بحسب فتواكم
وشرعكم.

الجزء الثالث عشر
٢٤٥
١٢ - سورة يوسف
١- ﴿فَلَمّا استَيْئَسُوا﴾: يئسوا ﴿مِنْهُ خَلَصُوا﴾: اعتزلوا ﴿نَجِيًّا﴾ - مصدر يصلح
للواحد وغيره - أي: يناجي بعضهم بعضًا، ﴿قالَ كَبِيرُهُم﴾ سِنَّا رَوِيلُ، أو رأيًا
يهوذَى: ﴿أَلَمْ تَعلَمُوا أَنَّ أباكُم قَد أخَذَ عَلَيْكُم مَوثِقًا﴾: عهدًا ﴿مِنَ اللهِ﴾ في أخيكم؟
﴿وَمِن قَبلُ ما﴾: زائدةٌ ﴿فَرَّطتمُ في يُوسُفَ﴾. وقيل: ما مصدريّة مبتدأ خبره: من قبل.
﴿فَلَنْ أبْرَحَ﴾: أُفارقَ ﴿الأرضَ﴾ أرض مِصر، ﴿حَتَّى يأْذَنَ لِيَ أْبِيَ﴾ بالعودة إليه، ﴿أو
يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ بخلاص أخي. ﴿وهْوَ خَيرُ الحاكِمِينَ﴾ ٨٠: أعدلهم. ﴿ارجِعُوا إِلَى
أبِيكُم فقُولُوا: يا أبانا، إنَّ ابنَكَ سَرَقَ، وما شَهِدْنا﴾ عليه ﴿إِلَّا بِما عَلِمْنا﴾: تَيَقَّنًا، من
مُشاهدة الصاع في رحله، ﴿وما كُنّا لِلغَيبِ﴾: لِما غاب عنّا حين إعطاء الموثق
﴿حافِظِينَ﴾ ٨١ - ولو علمنا أنه يسرق لم نأخذه - ﴿واسألِ القَريةَ الَّتِي كُنّا فِيهَا﴾ هي
مِصر، أي: أرسل إلى أهلها فاسألهم، ﴿والعِيرَ﴾ أي: أصحابَ العير ﴿الَّتِي أقبَلْنَا
فِيها﴾ - وهم قوم من كنعان - ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ٨٢ في قولنا .
٢- فرجعوا إليه، وقالوا له ذلك. ﴿قَالَ: بَل سَوَّلَتْ﴾: زيّنت ﴿لَكُم أنفُسُكُم أمرًا﴾
ففعلتموه. اتّهمهم لِما سبق منهم من أمر يُوسف. ﴿فصَبرٌ جَمِيلٌ﴾ صبري. ﴿عَسَى اللهُ
أن يأتِيَنِي بِهِم﴾ بُيُوسفَ وأخويه ﴿جَمِيعًا. إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ﴾ بحالي، ﴿الحَكِيمُ﴾ ٨٣ في
صُنعه. ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُم﴾ تاركًا خِطابهم، ﴿وقالَ: يا أسَفا﴾ الألف: بدل من ياء
الإضافة - أي: يا حُزني ﴿عَلَى يُوسُفَ. وابَيَضَّتْ عَيناهُ﴾: انمحق سوادهما، وبُدّل
بياضًا من بكائه ﴿مِنَ الحُزْنِ﴾ عليه، ﴿فَهْوَ كَظِيمٌ﴾ ٨٤: مغموم مكروب لا يُظهر كربه.
◌ُنَّوْرَة يُوسُفْ
قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن تَأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ إِنََّ
إِذَا لَّظَلِمُونَ ﴿ فَلَمَّا أَسْتَيْئَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً
قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُو ◌ْأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْأَ خَذَ عَلَيْكُمْ
ـمَّوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِى يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَعَ
الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِى أَبِىّ أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِىِّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ
أَرْجِعُواْ إِلَى أَبِكُمْ فَقُولُواْ يَتَأَبَانَا إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ
وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِّمْنَا وَمَاكُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ
(١) وَسَلِ اُلْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّافِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِىّ أَقْبَلْنَا فِيَهَا
وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَخْرَاً
فَصَبْرٌ جَمِيُ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَتَأَسَفَى عَلَى
الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ فه
يُوسُفَ وَأَبْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ()
قَالُواْ تَاَللَّهِ تَفْتَؤُ ◌ْتَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا
أَوْتَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوْ بَنِى
وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
٣- ﴿قَالُوا: تاللهِ﴾ لا ﴿تَفْتَأُ﴾: تزال ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ، حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: مُشرفًا على الهلاك لطُول مرضك - وهو مصدر يستوي فيه الواحد
وغيره - ﴿أَو تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ٨٥ الموتى! ﴿قالَ﴾ لهم: ﴿إِنَّما أشكُو بَنِّي﴾ - هو عظيم الحُزن الذي لا يُصبر عليه حتّى يُبثَّ إلى الناس -
﴿وَحُزْنِيَ إِلَى اللهِ﴾ لا إلى غيره، فهو الذي تنفع الشكوى إليه، ﴿وأعلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعلَّمُونَ﴾ ٨٦، من أنّ رُؤيا يُوسف صِدق وهو حيّ. ثم قال:
﴿يَا بَنِيَّ، اذهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾: اطلبوا خبرهما، ﴿ولا تَيأَسُوا﴾: تقنطوا ﴿مِن رَوحِ اللهِ﴾: رحمته. ﴿إِنَّهُ لا يَيَأْسُ مِن رَوحِ اللهِ إلّا
القَومُ الكافِرُونَ﴾ ٨٧.
(١) استيئس: قطع الرجاء مما يطلب. ومنه: من يوسف أن يجيبهم إلى ما طلبوه. وغيره يعني: للمثنى والجمع. ومتناجين: يتسارّون بصوت خفي. وكبيرهم:
أكبرهم. وتعلموا: تذكروا. وأخذ: حصّل. وعهدًا: تعهّدًا مؤكدًا بالأيمان. ومن الله أي: مؤكدًا باسمه في اليمين. وفي أخيكم: في حفظه ورده. انظر الآية
٦٦. وقبل: قبل هذا الموثق العظيم. وزائدة: يعني أن ((ما)) حرف زائد لتوكيد المعنى وتوثيقه. وفرطتم فيه: ضيّعتموه وظلمتوه. ومصدرية أي: تؤول مع ما
بعدها بمصدر. ويأذن: يسمح. ويحكم: يأمر. وهو أي: الله. والحاكم: القاضي يفصل بين المختلفين. وارجعوا: عودوا. وابنك أي: بنيامين. وسرق: أخذ
مال غيره خفية. وما شهدنا: ما أقررنا لك وأنبأناك. فهي شهادة بظاهر ماجرى عيانًا. يريد أنهم لا يجزمون بأنه سرق، ولكنهم يقرّرون ما رأوه بأعينهم. وغاب
عنّا: خفي على عقولنا ومداركنا. والحافظ: العالم المحيط إحاطة تامة. واسأل: استخبر واستعلم طالبًا ما تريد. والقرية: البلدة. والعير هي الإبل في
الأصل. وقول السيوطي ((أصحاب العير)) من البيضاوي، خلافًا لما مضى في الآية ٧٠، حيث فسر العير بالقافلة، من البيضاوي أيضًا. وأقبلنا: توجهنا وجئنا.
وفيها أي: معها. ومن كنعان: من العرب بني كنعان. وهم جيران ليعقوب. والصادق: من يقول الحق.
(٢) الأنفس: جمع نفس. وهي الضمير والعقل. وأمرًا: شأنًا. وهو حمل بنيامين معهم إلى مصر لطلب نفع عاجل، فكان ماكان. خ: ((فعلتموه)). وصبر
جميل: انظر الآية ١٨. وعسى: للترجي. فيعقوب ترجى أن يجمعهم الله، للرؤيا التي رآها يوسف، فكان ينتظر تحقيقها ويحسن الظن بالله، في كل حال.
ويأتيني بهم: يعيدهم عليّ. وأخواه هما بنيامين والكبير المعتصم في مصر. وجميعًا: مجتمعين. والعليم: المحيط بما خفي وما ظهر. والحكيم: الذي يضع
الأمور في مواضعها بإتقان بالغ. وتولى: أعرض بوجهه وانصرف. والأسف: الحزن الشديد، أي: ياأسفي، هذا زمانك فاحضر. والمراد: يا رَبِّ ارحم شِدّة
حزني على يوسف. فهو يشكو إلى الله، بدليل الآية ٨٦. والحزن: الهم. والكظيم: المكظوم الممتلئ من الحزن بدون شكوى.
(٣) تالله: قسم مع التعجب. ولا تزال: ستبقى وتستمرّ. وتذكره: تستحضر ذكره بالقلب واللسان تفجعًا عليه. وتكون: تصير. وأشكو: أنقل ألمي وأذكره.
والبث: نشر ما في النفس من الغم. والحزن: الغم الشديد. وأعلم: أعرف باليقين. ومن الله أي: من رحمته وإحسانه. وما لا تعلمون: ما لا تعرفونه. وهو
أنه يأتي بالفرج من حيث لانحتسب. وبَنيّ: أبنائي. واذهبوا: ارحلوا إلى مصر. وتحسسوا: تلمّسوا وتعرّفوا. وأخوه هو بنيامين. وبيأس: لا يتوقع رحمة
ولا ينتظر فرجًا لما يناله من البلاء. والروح: الفرج والتنفيس. والكافر: من كذّب الله ورسوله.

١٢ - سورة يوسف
٢٤٦
الجزء الثالث عشر
سُورَةِ يُوسُفْع
الجُ القَّالِمِعَشَّة
يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَتَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْيْئَسُواْ
مِن ◌َزَوْجِاللّهِإِنَّهُ لَا يَأْيْشَسُ مِنْ زَّوْجِ الَِّإلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ
فَلَمَّادَ خَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَكَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَاوَأَهْلَنَا الْفُّرُّ
وَجِئْنَا بِيِضَعَةٍ مُرْجَةٍ فَأَوْفِ لَنَا اُلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاً
إِنَّاللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ ﴿قَالَ هَلْ عَلِّمْتُ مَا فَعَلْتُمُ
بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَهِلُونَ (٨٩) قَالُواْ أَمِنَّكَ
لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَأْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ مَنَّ اللَّهُ
عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَلَ يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ ﴾ قَالُواْ تَأَللَّهِ لَقَدْ ءَاتَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا
وَ إِن كُتَّا لَخَطِينَ ﴾ قَالَ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ
اَلْيَوْمٌ يَغْفِرُ اَللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ (١)
أَذْهَبُواْبِقَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا
وَأَتُونِ بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ
اَلْعِيْرُ قَالَـ أَبُوهُمْ إِ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ
تُفَنِّدُونِ ﴿ قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ﴾
١- فانطلقوا نحو مصر ليوسف. ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيهِ قالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ، مَسَّنا وأهلَنا
الضُّرُّ﴾: الجُوعِ، ﴿وجِئنا بِضاعةٍ مُزجاةٍ﴾: مدفوعة، يدفعها كُلّ من رآها لرداءتها،
وكانت دراهمَ زُيوفًا أو غيرها. ﴿فَأَوفِ﴾: أتِمَّ ﴿لَنا الكَيلَ، وتَصَدَّقْ عَلَينا﴾
بالمُسامحة عن رداءة بضاعتنا. ﴿إِنَّ اللهَ يَجزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ ٨٨: يثيبهم. فرقَّ لهم
وأدركته الرحمة ورفع الحِجاب بينه وبينهم، ثمّ ﴿قَالَ﴾ لهم توبيخًا: ﴿هَل عَلِمتُم ما
فَعَلَتُم بِيُوسُفَ﴾ من الضرب والبيع وغير ذلك، ﴿وأخِيهِ﴾ من هضمكم له بعد فراق
أخيه، ﴿إِذ أنتُم جاهِلُونَ﴾ ٨٩ ما يؤول إليه أمر يوسف؟
٢- ﴿قالُوا﴾، بعد أن عرفوه، لِما ظهر من شمائله، مستثبتينَ: ﴿أِنَّكَ﴾ - بتحقيق
الهمزتين وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين - ﴿لَأَنتَ يُوسُفُ؟ قالَ:
أنا يُوسُفُ، ولهذا أخِي، قَد مَنَّ﴾: أنعم ﴿اللهُ عَلَينا﴾ بالاجتماع. ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾:
يَخَفِ اللهَ، ﴿وَيَصْبِرْ﴾ على ما يناله، ﴿فإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجرَ المُحسِنِينَ﴾ ٩٠. فيه
وضع الظاهر موضعَ المُضمر.
٣- ﴿قالُوا: تاللهِ لَقَد آثَرَكَ﴾: فضّلك ﴿اللّهُ عَلَيْنَا﴾ بالمُلك وغيره، ﴿وإنْ﴾ - مُخفّفة -
أي: إنّا ﴿كُنّا لَخَاطِئِينَ﴾ ٩١: آئمين في أمرك، فأذلّنا اللهُ لك! ﴿قالَ: لا تَثْرِيبَ﴾:
عتبَ ﴿عَلَيْكُمُ اليَومَ﴾. خصّه بالذكر لأنه مَظِنّة التثريب، فغيره أولى. ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُم،
وهْوَ أرحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ٩٢. وسألهم عن أبيه، فقالوا: ذهبتْ عيناه. فقال: ﴿اذهَبُوا
بِقَمِيصِي لهذا﴾ - وهو قميص إبراهيمَ الذي لبسه حين أُلقي في النار، كان في عُنقه في الجُبّ وهو من الجنّة، أمره جبريل بإرساله وقال: إنّ فيه
رِيحَها، ولا يُلقى على مُبتَلَّى إلّا عُوفي - ﴿فألقُوهُ علَى وَجِهِ أبِي، يأتِ﴾: يَصِرْ ﴿بَصِيرًا، والْتُوني بِأهلِكُمْ أجمَعِينَ﴾ ٩٣.
٤- ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾: خرجتْ من عريش مِصرَ ﴿قَالَ أَبُوهُم﴾ لمن حضر من بنيه وأولادهم: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. أوصلَتْه إليه الصَّبا
بإذنه - تعالى - من مسير ثلاثة أيام أو ثمانية أو أكثر، ﴿لَولا أن تُفَنِّدُونِ﴾ ٩٤ : تُسفّهونٍ لصدّقتموني. ﴿قالُوا﴾ له: ﴿تاللهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ﴾:
خطئك ﴿القَدِيمِ﴾ ٩٥ : من إفراطِك في محبّته، ورجاءٍ لِقائه على بُعد العهد!
(١) ليوسف أي: للبحث عنه. ودخلوا أي: القصرَ. والعزيز: الوزير القيّم على خزائن المال والطعام. ومسنا: أصابنا. والضر: سوء الحال. والأهل: من
يعولهم الرجل. والبضاعة: القطعة من المال للتجارة. والمدفوعة: المرغوب عنها. والزيوف: جمع زائف. وهو المعيب. والكيل: التقدير بالمكيال لمواد
الغذاء. وتصدق: تفضل بالزيادة. ورقّ لهم: أشفق عليهم. والحجاب: الستر الذي يكلمهم من خلفه. وعلمتم أي: تذكرون. وفعلتم: أوقعتم. وأخوه أي:
بنيامين. وجاهلون: طائشون لا تدركون الحقائق. ويؤول: يصير.
(٢) الشمائل: الأخلاق. والمستثبت: الطالب للتثبت والتحقق. فقد أدركوا، مما خاطبهم به، أنه هو يوسف. ولكنهم لم يكونوا على يقين، فاستفهموا لتثبيت
ما بدا لهم. وفيما عدا الأصل والنسخ والمنحة: ((متثبتين)). وتسهيلها: جعلها بينَ بينٍ. يريد القراءة ((أَإِنَّكَ)). وعلى الوجهين يريد قراءتين: ((آإِنَّكَ)) و((آإِنَّكَ))؟
ويخاف الله: يتجنب عصيانه ويلزم طاعته ورضاه. ويصبر: يتجلد يتحمل. ولا يضيع: لا يهمل ولا ينقص. والأجر: المكافأة. والمحسن: من كان عمله برقابة
الله والإخلاص له.
(٣) تالله: انظر الآية ٧٣. ومخففة يعني: للتوكيد. وفي ط وبعض المطبوعات ((أي إن)). والخاطئ: المتعمد للسوء والإيذاء. ث: ((وإذلالنا لك)). وفي ع
وط وقرة العينين: ((فأذللناك)). وفيما عدا ذلك وعدا الأصل: ((فأذلنا لك)). والتثريب: مبالغة في اللوم والتوبيخ. وغيره أولى يعني أن المراد: لا تثريب عليكم
أبدًا. وإنما ذكر ((اليوم)) لأنه يُظن أن يكون فيه عتب أكثر من غيره. وإذا كان العتب منفيًا هذا اليوم فهو في غيره أولى بالنفي. ويغفر لكم: يستر ذنوبكم
ولا يؤاخذكم عليها. والأرحم: الأكثر عطفًا بالإحسان. وذهبت عيناه: عمي. واذهبوا بقميصي: ارحلوا إلى أبي مع ثوبي. ووصف القميص هنا ذكره بعض
المفسرين وأطالوا فيه، وهو مما لادليل عليه في النصوص الموثقة. قال أبو حيان: الظاهر أنه قميص من ملبوس يوسف بمنزلة قميص كل واحد. البحر
٥: ٣٤٤. وألقوه: ضعوه. ويأت بصيرًا: يرجع إليه بصره كما كان. وائتوني بأهلكم: أحضروا معكم ما تعولون من النساء والأولاد والموالي.
(٤) العير: القافلة. وعريش مصر: أول مدينة فيها من جهة الشام. وأجد الريح: أشَمّها. وذكر الصبا فيه نظر. فهي ريح تهب من المشرق. ويعقوب كان في
نابلس قرب بيت المقدس. فالصبا لا تهب عليه من مصر، وإنما تهب منها الدَّبور. وهي ريح تكون من جهة الغرب، وغير محمودة عند أهل الشام. ثم إن
الريح في الآية هي الرائحة لا الهواء المتحرك. وتفندون أي: تفندوني. حذفت ياء المتكلم للتخفيف. وتسفهونني: تصفونني بالسفه، أي: الطيش وضعف
الرأي والتفكير. وتالله: انظر الآية ٧٣. والقديم: الذي مضى عليه زمن طويل.

الجزء الثالث عشر
٢٤٧
١٢ - سورة يوسف
١- ﴿فَلَمّا أن﴾ - زائدةٌ - ﴿جاءَ البَشِيرُ﴾ يَهوذَی بالقميص، وكان قد حمل قميص
الدم فأحبّ أن يُفرحه كما أحزنه، (ألقاهُ﴾: طرحَ القميصَ ﴿عَلَى وَجِهِهِ، فارتَدَّ﴾:
رَجَعَ ﴿بَصِيرًا، قَالَ: أَلَم أَقُلْ لَكُم: إنِّيَ أعلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعلَّمُونَ ٩٦؟ قالُوا: يا أبانا،
اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، إنّا كُنّا خاطِئِينَ ٩٧. قالَ: سَوفَ أستَغْفِرُ لَكُم رَبِّيَ. إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ
الرَّحِيمُ﴾ ٩٨. أخَّرَ ذلك إلى السّحر ليكون أقرب إلى الإجابة، وقيل: إلى ليلة
الجُمعة .
٢- ثمّ توجّهوا إلى مِصر، وخرج يُوسف والأكابر لتلقّيهم. ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَى
يُوسُفَ﴾، في مَضرِبه، ﴿آوَى﴾: ضمّ ﴿إِلَيهِ أَبَوَيهِ﴾: أباه وأُمَّه، أو خالته، ﴿وقالَ﴾
لهم: ﴿ادخُلُوا مِصرَ، إن شاءَ اللهُ، آمِنِينَ﴾ ٩٩. فدخلوا وجلس يُوسف على
سريره. ﴿وَرَفَعَ أبَوَيهِ﴾: أجلسهما معه ﴿عَلَى العَرشِ﴾: السرير، ﴿وَخَرُّوا﴾
الخِزْ
٢٥
أي: أبواه وإخوته ﴿لَهُ سُجَّدًا﴾ سُجودَ انحناءٍ لا وضعَ جبهةٍ - وكان تحيّتَهم في
ذلك الزمان - ﴿وقالَ: يا أَبَتِ، هذا تأوِيلُ رُؤيايَ مِن قَبْلُ، قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي
حَقًّا، وقَد أحسَنَ بِيَ﴾: إليَّ ﴿إِذ أخرَجَنِي مِنَ السِّجنِ﴾ - ولم يقل: ((من الجُبّ)
تكرّمًا، لئلّا يَخجل إخوتُه - ﴿وجاءَ بِكُم مِنَ الْبَدْوِ﴾: البادية، ﴿مِن بَعدِ أن نَزَغَ﴾ :
أفسد ﴿الشَّيطانُ بَيْنِي وَبَينَ إِخوَتِيَ. إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ. إنّهُ هُوَ العَلِيمُ﴾ بخلقه،
﴿الحَكِيمُ﴾ ١٠٠ في صُنعه.
نُورَةِ بُونَفِت
الجزء الثَّالِ عَشَر
فَلَمَّا أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنُهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ
أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) قَالُواْ
يَكَأَبَنَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَا خَطِينَ ﴾ قَالَ سَوْفَ
أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ إِنَّهُ هُوَالْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) فَلَمَّا
دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أَدْ خُلُواْ مِصْرَ
إِن شَآءَ اللَّهُءَامِنِينَ () وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ
لَهُ, سُجَّدًا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا
رَبِي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِ إِذْ أَخْرَجَنِ مِنَ السّجْنِ وَجَّةَ بِكُمْ
مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدٍ أَنْ تَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَفِيَّإِنَّ
﴿ ﴿ رَبِّ
رَبِّ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِمُ الْحَكِيمُ
قَدْءَاتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِّ فَاطِرَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيٍّ، فِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِى
مُسْلِمَا وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ
نُوحِيِهِ إِلَيْكٌ وَ مَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْأَ جْمَعُوْأَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ
وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْحَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
٣- وأقام عنده أبوه أربعًا وعشرين سنة أو سبعَ عشْرةَ سنة، وكانت مُدّة فِراقه ثمانيَ
عشْرةَ أو أربعين أو ثمانين سنة. وحضره الموت فوصَّى يُوسفَ أن يحمله ويدفنه عند أبيه، فمضى بنفسه ودفنه ثَمّةَ، ثمّ عاد إلى مصرَ وأقام بعده
ثلاثًا وعشرين سنة. ولمّا تمّ أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى المُلك الدائم، فقال: ﴿رَبِّ، قَدْ آتَيَتَنِي مِنَ المُلكِ، وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ
الأحادِيثِ﴾: تعبيرِ الرؤيا. ﴿فاطِرَ﴾: خالقَ ﴿السَّماواتِ والأرضِ، أنتَ وَلِّي﴾: مُتولّي مصالحي ﴿في الدُّنيا والآخِرةِ. تَوَفَّنِي مُسلِمًا وألحِقْنِي
بِالصّالِحِينَ﴾ ١٠١ من آبائي. فعاش بعد ذلك أسبوعًا أو أكثر ومات، وله مِائَة وعشرون سنة. وتشاعَّ المِصريّون في قبره، فجعلوه في صندوقٍ
مرمرٍ ودفنوه في أعلى النيل، لتعمّ البركة جانبيه. فسُبحان من لا انقضاء لملكه!
٤ - ﴿ذلِكَ﴾ المذكور من أمر يُوسف ﴿مِن أنباءِ الغَيبِ﴾: أخبارِ ما غاب عنك - يا مُحمّد - ﴿نُوحِيهِ إلَيكَ، وما كُنتَ لَدَيهِم﴾: لدی إخوةِ
يُوسفَ، ﴿إِذ أجمَعُوا أَمَرَهُم﴾ في كيده أي: عزموا عليه، ﴿وَهُم يَمكُّرُونَ﴾ ١٠٢ به - أي: لم تحضرهم فتعرفَ قِصّتهم فتُخبِرَ بها. وإنما حصل
لك عِلمها من جهة الوحي - ﴿وما أكثَرُ النّاسِ﴾ أي: أهلِ مكّة، ﴿وَلَو حَرَضْتَ﴾ على إيمانهم، ﴿بِمُؤمِنِينَ﴾ ١٠٣ .
(١) زائدة أي: ((أنْ)): حرف زائد للتوكيد. وجاء: وصل إلى يعقوب. والبشير: من يبلّغ ما يسر. وأحزنه: قدّم له القميص الملطخ بدم الذئب قبل. واستغفر
لنا: اطلب لنا من الله أن يغفر ذنوبنا. والخاطئ: من اكتسب الإثم عمدًا. والغفور: الكثير الستر للذنوب والعفو عنها. والرحيم: الكثير العطف بالإحسان.
والسحر: قبيل الفجر .
(٢) المضرب: المكان تُضرب فيه الخيام. وكان يوسف ضرب خيامًا لاستقبال أهله. وخالته: أخت أمه، وهي زوجة أبيه أيضًا. يعني أنه يقال للخالة: أُمّ.
وشاء: أراد دخولكم. والآمن: المطمئن إلى سعادته. ورفعهما: جعل لهما المكان الرفيع. وخرّ: حنى ظهره. والسجَّد: جمع ساجد. والتأويل: حصول
المضمون الصحيح. وجعلها: صيّرها. والحق: الصدق. وأحسن بي: أكرمني. وجاء بكم: أحضركم. والشيطان: من يوسوس بالشر. والإخوة: جمع أخ.
واللطيف: المحسِن إلى عباده في خفاء. ويشاء: يريد حصوله. والعليم: المحيط بالخفي وغيره من الأمور. والحكيم: المتصرف بعلم كامل وحكمة بالغة.
(٣) الخلاف في عدد السنوات هو من أخبار أهل الكتاب، وليس فيه فائدة. وحضره الموت: جاءت أسبابه يعقوبَ. وعند أبيه: في بيت المقدس. وثمة:
هناك. والملك الدائم: نعيم الآخرة. وربّ أي: ياربي. وآتيتني: أعطيتني. والملك: السلطان في مصر. وعلمتني: فقهتني بالوحي والإلهام. والأحاديث:
انظر الآية ٦. وألحقني بهم: ارفعني إلى درجاتهم. وتشاحوا في قبره: اختصموا في اختيار مكان قبره. وفي أعلى النيل: في جهة الصعيد. ثم حمل جثمانه
موسی معه إلى بيت المقدس، حیث قبور آبائه.
(٤) الأنباء: جمع نبأ. والغيب: ما غاب عن الإدراك والعقل. ونوحيه: أنزلنا جبريل به. ولديهم: معهم. ويمكرون: يحتالون للتخلص من يوسف. وفي هذا
احتجاج نظري يلزم الخصم الإقرار والموافقة، وفيه أيضًا تهكم بقريش واليهود الذين أرادوا إعنات النبي ◌ّ﴿ وإحراجه، لأنه لا يخفى على أحد أنه لم يكن مع
إخوة يوسف. وحرصت: رغبت. والمؤمن: من يصدّق الله ورسوله. وقد توقع النبي و # أن يكون نزول القصة مفصلة سببًا لإسلام الذين سألوا عنها، فخالفوا
توقعه وكان منهم عناد ومكابرة، فعزّاه الله بإنزال الآيات ١٠٣-١٠٧. البحر ٣٥٠:٥.

١٢ - سورة يوسف
٢٤٨
الجزء الثالث عشر
سُورَةِ لُونَيَقْ
الجزء الثَّالِعَشَة
وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ(
وَكَأَيِّنِ مِّنْ ءَايَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا
وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (٢٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِالَّهِ إِلَّا
وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴿ أَفَأَمِنُوْاْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَنِشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ الهِ
أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿قُلْ هَذِهِ،
سَبِيلِيَّ أَدْعُواْإِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِّ وَسُبْحَنَ
اُللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [٣] وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
إِلَّا رِجَالًا نُوحِىَّإِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوافِی
اُلْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
حَتَّ
وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
إِذَا أَسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوْاْأَنَّهُمْ قَدْ كُذِ بُواْجَآءَ هُمْ
نَصْرُ نَا فَنُسِىَ مَن نَشَاءُ وَلَايُرَدُّ بَأَسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ
لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ مَا كَانَ
١١٠
حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ
وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ الَبـ
١- ﴿وَما تَسأَلُهُم عَلَيهِ﴾ أي: القُرآنِ ﴿مِن أجرٍ﴾ تأخذه - ﴿إِن﴾: ما ﴿هُوَ﴾ أي:
القُرآن ﴿إِلّا ذِكرٌ﴾: عِظة ﴿لِلعالَمِينَ ١٠٤ - وكَأيِّنْ﴾: وكم ﴿مِن آيةٍ﴾ دالّة على
وحدانيّة الله، ﴿فِي السَّماواتِ والأرضِ، يَمُرُّونَ عَلَيها﴾: يُشاهدونها، ﴿وهُم عَنها
مُعرِضُونَ﴾ ١٠٥: لا يتفكّرون فيها! (وما يُؤمِنُ أكثَرُهُم بِاللهِ﴾، حيثُ يُقرّون بأنه
الخالق الرازق، ﴿إلّا وَهُم مُشرِكُونَ﴾ ١٠٦ به، بعبادة الأصنام. ولذا كانوا يقولون في
تلبيتهم: (لَيكَ لا شريكَ لكَ، إلّا شريكًا هو لكَ، تَملِكُه وما مَلَكَ)). يعنونها .
٢- ﴿أفأمِنُوا أن تأتِيَهُم غاشِيةٌ﴾: نِقمة تغشاهم، ﴿مِن عَذابِ اللهِ، أو تأتِيَهُمُ السّاعةُ
بَغْتَةً﴾: فَجأة، ﴿وَهُم لا يَشْعُرُونَ﴾ ١٠٧ بوقت إتيانها قبله؟ ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿هَذِهِ
سَبِيلِيَ﴾. وفسَّرَها بقوله: ﴿أَدْعُو إِلَى﴾ دِينِ ﴿اللهِ، عَلَى بَصِيرةٍ﴾: حُجّة واضحة ﴿أنا
ومَنْ اتَّبَعَنِي﴾: آمن بي - عطف على ((أنا)) المبتدأِ المُخبرِ عنه بما قبله - ﴿وسُبحانَ
اللهِ﴾: تنزيهًا له عن الشُّركاء! ﴿وما أنا مِنَ المُشرِكِينَ﴾ ١٠٨. من جُملة سبيله أيضًا.
٣- ﴿وما أرسَلْنا مِن قَبَلِكَ إلّا رِجالاً، يُوحَى﴾ - وفي قراءة بالنون وكسر الحاء -
﴿إِلَيهِمِ﴾، لا ملائكةٌ، ﴿مِن أهلِ القُرَى﴾: الأمصارِ لأنهم أعلم وأحلم، بخلاف أهل
البوادي لجفائهم وجهلهم. ﴿أفلَم يَسِيرُوا﴾ أهلُ مكّة ﴿في الأرضِ فَيَنظُرُوا: كَيفَ
كانَ عاقِبةُ الَّذِينَ مِن قَبِلِهِم﴾ أي: آخرُ أمرهم، من إهلاكهم بتكذيبهم رسلَهم؟ ﴿وَدارُ
الآخِرةِ﴾ أي: الجنّةُ ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوا﴾ اللهَ. ﴿أفلا يَعقِلُونَ﴾ ١٠٩ بالياء، والتاء: یا
أهلَ مكة هذا فتؤمنون؟ ﴿حَتَّى﴾: غايةٌ لِما دلّ عليه ((وما أرسَلْنا مِن قَبِلِكَ إلّا رِجالًا)) أي: فتراخى نصرهم، حتّى ﴿إذا استَيئَسَ﴾: يئس ﴿الرُّسُلُ،
وظَنُّوا﴾: أيقن الرسل ﴿أَنَّهُم قَد كُذِّبُوا﴾، بالتشديدِ: تكذيبًا لا إيمان بعده، والتخفيفِ أي: ظنّ الأُمم أنّ الرسل أُخلِفوا ما وُعدوا به من النصر،
﴿جاءَهُمْ نَصرُنا. فتُتَجِّي﴾ - بنونينِ مُشدّدًا ومُخفّفًا، وبنونٍ مُشدّدًا: ماض - ﴿مَن نَشاءُ، ولا يُرَدُّ بأسُنا﴾: عذابنا ﴿عَنِ القَومِ المُجرِمِينَ﴾ ١١٠ :
المشركين.
٤ - ﴿لَقَد كانَ في قَصَصِهِمِ﴾ أي: الرسلِ ﴿عِبْرةٌ لِأولي الألبابِ﴾: أصحاب العقول. ﴿ما كانَ﴾ هذا القُرآن ﴿حَدِيثًا يُفتَرَى﴾: يُختلق، ﴿ولكِن﴾
كان ﴿تَصدِيقَ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ﴾: قبله من الكُتب، ﴿وتَفْصِيلَ﴾: تبيينَ ﴿كُلِّ شَيءٍ﴾ يُحتاج إليه في الدِّين، ﴿وَهُدَى﴾ من الضلالة، ﴿وَرَحْمَةً لِقَومِ
يُؤْمِنُونَ﴾ ١١١. خُصّوا بالذكر لانتفاعهم به دون غيرهم.
(١) تسألهم: تطالبهم. وعليه: لأجل تبليغه. والأجر: المكافأة. والذكر: التذكير. والعالمون: الإنس والجان، مفرده عالَم. وكأين أي: كثير. والآية:
الحجة القاطعة. والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. والأرض: موطن الحياة الدنيا. ومعرضون: منصرفون. ويؤمن به: يتيقن وجوده وبعض صفاته.
والمشرك: من يقدس ويطيع بعض المخلوقات فيما حرم الله. ويعنونها أي: الأصنام. انظر الحديث ١١٨٥ في مسلم.
(٢) أمن: اطمأن فلم يخف. وتأتيهم: تنزل بهم. وتغشاهم: تغطيهم بالدمار. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. والساعة: يوم القيامة. ولا يشعرون:
لا يحسون بها، لانشغالهم وعدم إيمانهم بها. وقبله: قبل إتيانها. والسبيل: الطريق والسُّنّة، أي: هذه الدعوة طريقي التي أسلكها وأنا عليها. وأدعو: أحث
الناس وأوجههم. و((عطف ... قبله)) يعني أن ((على بصيرة)): متعلقان بالخبر المقدم المحذوف للمبتدأ ((أنا))، ومَن: معطوف على المبتدأ. والمشرك: الذي
يعبد مع الله شيئًا من الخلق، أي: يقدسه ويطيعه في معصية الله. ومن جملة سبيله: يعني أن تتمة الآية هي من تتمة تفسير السبيل، أي: وما كنت ممن أشرك.
(٣) أرسلناهم: بعثناهم للدعوة. والرجال: جمع رجل. وهو الذكر من البشر. ويوحى إليهم: يُلِّغون. وبكسر الحاء يريد القراءة ((نُوحِي)): نبلّغ على لسان
جبريل. والأهل: السكان. والقرى: جمع قرية. وهي البلدة. والأمصار: المدن جمع مِصر. والبوادي: جمع بادية. والجفاء: الخشونة والغلظة. ويسير:
يمشي ويرحل. وينظر: يتأمل. والذين: المكذبين للرسل. والدار: مكان الإقامة والاستقرار. وخير: أكثر نفعًا. واتقوه: تجنبوا عصيانه ولزموا طاعته.
ويعقلون: يستعملون عقولهم ليعلموا ما هو خير. وبالتاء يريد القراءة «أفلا تَعقِلُونَ»؟ واستيئس: انقطع الرجاء لإيمان الكافرين. والرسل: جمع رسول.
وبالتخفيف يريد القراءة ((كُذِبُوا)). وجاءهم: أتاهم. والنصر: العون على الكافرين بالهلاك. وننجّي: نُنقذ. ومخففًا يريد القراءة ((فنُنْجِيْ)). وبنون يريد القراءة
((فَنُجِّيَ)). ونشاء: نريد تنجيته. ويُردّ: يمنع. والقوم: الجماعة من الرجال والنساء. والمجرم: من يكتسب الجرائم باختيار وقصد.
(٤) كان أي: وما يزال. والعبرة: الاعتبار والاتعاظ. وأولو: مفرده: ذو. والألباب: جمع لبّ. والمراد باللب القلب السليم من الفساد. والقرآن أي: بما
تضمن من القصص وغيره. والحديث: ما يبلغ الناس من الكلام. والتصديق: المصدِّق. وهدى: هاديًا ومرشدًا إلى الحق. ورحمة: راحمًا بالإحسان ونعيم
الآخرة. ويؤمنون: مستعدون لتقبل الخير باعتقاد، يصدقون الله ورسوله وتعرف قلوبهم التوحيد والإخلاص.

الجزء الثالث عشر
٢٤٩
١٣ - سورة الرعد
سورة الرعد
١- مكيةٌ إلّا ((ولا يزال الذين كفروا)) الآيةَ و((ويقول الذين كفروا لستَ مرسلاً)) الآيةَ،
أو مدنيةٌ إلّا ((ولو أنّ قرآنًا)) الآيتين، ثلاثٌ أو أربع أو خمس أو ستّ وأربعون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرََّمَنِ الرَّحَيَةِ
٢ - ﴿الّمَر﴾ الله أعلم بمُراده بذلك. ﴿تِلكَ﴾: هذه الآيات ﴿ آياتُ الكِتاب﴾: القُرآن -
والإضافة بمعنى: مِن - ﴿وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أي: القُرآنُ، مبتدأ خبرُه:
﴿الحَقُّ﴾: لا شكّ فيه، ﴿ولَكِنَّ أكثَرَ النّاسِ﴾ أي: أهلِ مكّة ﴿لا يُؤمِنُونَ﴾ ١ بأنه من
عِنده، تعالی.
٣- ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ، بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَونَها﴾ أي: العمدَ: جمع عِماد - وهو
الأُسطوانة، وهو صادق بأنْ لا عمد أصلًا - ﴿ثُمَّ استَوَى علَى العَرشِ﴾ استواءً يليق
به، ﴿وَسَخَّرَ﴾: ذلّلَ ﴿الشَّمسَ والقَمَرَ، كُلِّ﴾ منهما ﴿يَجِرِي) في فلكه
﴿لِأَجَلِ مُسَمَّى﴾ يوم القيامة، ﴿يُدَبِّرُ الأمرَ﴾: يقضي أمر مُلكه، ﴿يُفَصِّلُ﴾:
يُبيّن ﴿الآياتِ﴾: دلالاتِ قُدرته، ﴿لَعَلَّكُم﴾ - يا أهل مكّة - ﴿بِلِقاءِ رَبَّكُم﴾:
ثلاثة انواع
الْجُزْنْ
٢٥
بالبعث ﴿تُوقِنُونَ ٢، وهْوَ الَّذِي مَدَّ﴾: بسَط ﴿الأرضَ، وجَعَلَ﴾: خلق ﴿فِيها
رَوَاسِيَ﴾: جِبالًا ثَوابتَ ﴿وأنهارًا، ومِن كُلِّ الثَمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوجَينِ اثْنَينٍ﴾ من كُلّ
نوع، ﴿يُغْشِي﴾: يُغطّي ﴿اللَّيلَ﴾ بظُلمته ﴿النَّهَارَ. إنَّ فِي ذُلِكَ﴾ المذكورِ ﴿لَآيَاتٍ﴾:
دلالاتٍ على وحدانيّته - تعالى - ﴿لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣ في صُنع الله.
الجزء الثالث عشر
سُوْرَةِ الرّعَالِ
سُورَةُ الرَّعَدِ
ـِلَهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ
بسـ
الَّمَرَّ تِلْكَءَايَنتُ الْكِتَبُّ وَالَّذِىِ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَ يُؤْمِنُونَ ﴿ اللَّهُالَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ
عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَ سْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَّكُلّ
يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَمَّى يُدَبِّرُاْلْأَمْرَ بُفَصِّلُ آلْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ
◌َرَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴿وَهُوَ الَّذِى مَذَاُلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ
﴿وَأَنْهَرًّا وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيَهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِى الَّيْلَ
النَّّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿ وَفِ الْأَرْضِ
قِطَعٌ مُتَجَوِرَاتٌ وَجَنَاتٌ مِّنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعٌ وَخِيلٌ صِنْوَانٌ
وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ
فِي الْأُكُلِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (َّـ
﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْهُمْ أَءِ ذَا كُنَّا تُرَبًا أَءِ نَا لَفِى خَلْقٍ
جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِهِمٌ وَأُوْلَئِكَ الْأَغْلَلُ
فِي أَعْنَاقِهِمٌ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ
٤- ﴿وفي الأرضِ قِطَعٌ﴾: بِقاع مُختلفة ﴿مُتَجاوراتٌ﴾: مُتلاصقات، فمنها طيّب وسَبخ وقليل الرَّيع وكثيرُه، وهو من دلائل قدرته - تعالى -
﴿وَجَنّاتٌ﴾: بساتينُ ﴿مِن أعنابٍ وَزَرِعٌ﴾، بالرفعِ عطفًا على ((جنّاتٌ))، والجرِّ على ((أعنابٍ))، وكذا قوله: ﴿ونَخِيلٌ صِنْوانٌ﴾: جمع صِنْو - وهي
النَّخَلات يجمعها أصل واحد وتتشعّب فُروعها - ﴿وغَيرُ صِنْوانٍ﴾: منفردةٌ، ﴿تُسقَى﴾، بالتاءِ أي: الجنّاتُ وما فيها، والياءِ أي: المذكورُ،
﴿بِماءٍ واحِدٍ، ونُفَضِّلُ﴾ - بالنون والياء - ﴿بَعضَها عَلَى بَعضٍ في الأُكُلِ﴾، بضمّ الكاف وسكونها. فمن حُلو وحامض، وهو من دلائل قُدرته
تعالى. ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ﴾ المذكورِ ﴿لَآيَاتٍ لِقَومِ يَعْقِلُونَ﴾ ٤: يتدبّرون.
٥- ﴿وإن تَعجَبْ﴾ - يا مُحمّد - من تكذيبَ الكُفّار لك ﴿فَعَجَبٌ﴾: حقيق بالعجب ﴿قَولُهُم﴾ منكرين للبعث: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا، أإِنّا لَفِي خَلقٍ
جَدِيدٍ﴾؟ لأنّ القادرَ على إنشاء الخلق وما تقدّم، على غير مثال، قادر على إعادتهم. وفي الهمزتين في الموضعين التحقيقُ، وتحقيقُ الأُولى
وتسهيلُ الثانية، وإدخالُ ألف بينهما على الوجهين وتركُها. وفي قراءة بالاستفهام في الأوّل والخبرِ في الثاني، وأُخرى عكسُه. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ
كَفَرُوا بِرَبِّهِم، وأُولَئِكَ الأغلالُ في أعناقِهِم، وأُولَئِكَ أصحابُ النّارِ هُم فِيها خالِدُونَ﴾ ٥.
(١) سقطت الواو قبل ((ويقول)) من الأصل والنسخ والمطبوعات. انظر ((المفصل)). (٢) بمعنى من: يعني أن التقدير: آيات من الكتاب. وأُنزل إليك: تُبلَّغ به
وحيًا. ومن ربك: من عنده وبأمره. والحق: الصدق. وأهل مكة أي: وغيرها أيضًا. ولا يؤمنون: لا يصدقون. (٣) رفعها: بناها وجعلها عالية. والعماد: ما
يُعمد به البناء ليستقر. وترون: تبصرون عيانًا. والعرش: مخلوق عظيم يحيط بالكون كله، لايعرف كنهه إلّا الله. ويليق به أي: لا يوصف ولا يمثل. وذللهما
أي: جعلهما طائعين لِما أراد لهما. والشمس تجري بسرعة هائلة حول مركز مَجَرّتها، ساحبة معها الكواكب السيّارة المعروفة. والأجل: مدة حياة الكائن.
ومسمى: معلوم معيّن عند الله. ولقاء ربكم: المصير إلى حضور حسابه. وتوقنون: تعلمون العلم الثابت. وبسطها أي: خلقها ممهدة طولًا وعرضًا تيسّر
الحياة. والرواسيّ: جمع الراسي. والأنهار: جمع نهر. والثمر: ماينعقد عن الزهر للغذاء وغيره من دواء وزينة. وزوجين أي: جنسين متقابلين. ويغشيه:
يجعله كالغطاء. ويتفكر: يستعمل عقله وبصيرته. (٤) القطع: جمع قِطعة. والطيب: الجيد ييسر النماء. والسبخ: المالح لا ينبت. والأعناب: جمع عنب.
وكذا قوله يريد القراءة ((وزَرع ونَخِيلٍ صِنوانٍ وَغَيرٍ)). والنخيل: شجر ثمره البلح. وتسقى: تروى وتغذّى. وبالياء يريد القراءة ((يُسقَى)). والمذكور: الجنات وما
فيها. ونفضله: نميّزه. وبالياء يريد القراءة ((ويُفَضِّلُ)) أي: اللهُ. والأكل: ما يؤكل. وبسكونها يريد القراءة ((الأَكْلِ)). ويعقل: يستعمل عقله. (٥) كنا: صرنا.
والتراب: ما تفتت من أجسادهم واختلط بالتراب. والخلق: التكوين من العدم. والجديد: الحادث مرة ثانية. وما تقدم أي: في الآيات ٢-٤، من الأدلة
القاطعة على التوحيد والقدرة. وذكر السيوطي هنا ست قراءات. فالأولى كما أثبتنا. والثانية: تسهيل الهمزة الثانية، أي: جعلها بين الهمزة والياء: ((أإذا ...
أإِنّا)). والثالثة والرابعة: إدخال الألف: ((آإذا ... آإِنّا))، و((آإِذا ... آإِنّا)). والخامسة: ((أإذا ... إنّا)). والسادسة: ((إذا ... أإنّا)). والوجهين أي: التحقيق
والتسهيل. وتركها: ترك الألف وعدم إيجادها بين الهمزتين، كما في القراءتين الأولى والثانية. والأغلال: جمع غُلّ. وهو طوق من حديد تقيد به اليد إلى
العنق. والأعناق: جمع عُنُق. والأصحاب: جمع صاحب. والخالد: المقيم أبدًا .

١٣ - سورة الرعد
٢٥٠
الجزء الثالث عشر
سُّوَرَة العبد
الجزء الثالثِ عَشَّة
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن
قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍلِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمٌ
وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ أَلْعِقَابِ ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَاً
أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّيِّهِ: إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِ قَوْمٍ هَادٍ
﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ
وَمَاتَزْدَادٌ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ {٥) عَلِمُ الْغَيْبِ
وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ جَ سَوَاءٌ مِّنكُمْ مَنْ أَسَرَّ
اُلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ
بِالنَّهَارِ ثْلَهُ مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ.
مِنْ أَمْرِ اللَّهِإِنَّ اللَّهَلَيُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْمَايِأَنْفُسِةْ
وَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمِ سُوءًا فَلَ مَرَدَّلَهُ, وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن
وَالٍ ﴿ هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا
وَيُنِشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ،
وَالْمَلَتِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا
مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُحَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ
١- ونزل في استعجالهم العذابَ استهزاءً: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: العذاب ﴿قَبَلَ
الحَسَنةِ﴾: الرحمة، ﴿وَقَد خَلَت مِن قَبَلِهِم المَثُلاتُ﴾: جمع المَثُلة بوزن السَّمُرة،
أي: عُقوباتُ أمثالهم من المُكذّبين. أفلا يعتبرون بها؟ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرةٍ لِلنّاسِ،
عَلَى﴾: معَ ﴿ظُلمِهِم﴾ - وإلّا لم يترك على ظهرها دابّة - ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ
العِقابِ﴾ ٦ لمن عصاه، ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا: لَولا﴾: هلّ ﴿أُنزِلَ عَلَيهِ﴾: على
مُحمّد ﴿آیةٌ مِن رَبِّهِ﴾، كالعصا واليد والناقة. قال تعالى: ﴿إِنَّما أنتَ مُنذِرٌ﴾: مُخوّف
الكافرين، وليس عليك إتيان الآيات، ﴿ولِكُلِّ قَومٍ هادٍ﴾ ٧: نبيٌّ يدعوهم إلى ربّهم،
بما يُعطيه من الآيات، لا بما يقترحون.
٢- ﴿اللّهُ يَعلَمُ ما تَحمِلُ كُلُّ أُنثَى﴾، من ذكرٍ وأُنثى وواحدٍ ومتعدّدٍ وغير ذلك، ﴿وما
تَغِيضُ﴾: تَنقُصُ ﴿الأرحامُ﴾، من مُدّة الحمل، ﴿وما تَزدادُ﴾ منه، ﴿وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ
بِمِقدارٍ﴾ ٨: بقدْر وحدٍّ لا يتجاوزه، ﴿عالِمُ الغَيبِ والشَّهادةِ﴾: ما غاب وما شُوهد،
﴿الكَبِيرُ﴾: العظيم ﴿المُتَعالِ﴾ ٩ على خلقه بالقهر، بياءٍ ودونِها، ﴿سَواءٌ مِنكُم﴾ في
عِلمه - تعالى - ﴿مَن أسَرَّ القَولَ ومَن جَهَرَ بِهِ، ومَن هُوَ مُستَخْفٍ﴾: مُستترٌ ﴿بِاللَّيلِ﴾:
بظلامه ﴿وسارِبٌ﴾: ظاهر بذهاب في سَربه، أي: طريقه ﴿بِالنَّهارِ ١٠، لَهُ﴾: للإنسان
﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾: ملائكة تَعتَقِبه، ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾: قُدّامِهِ ﴿وَمِن خَلفِهِ﴾: ورائه،
﴿يَحْفَظُونَهُ مِن أمرِ اللهِ﴾ أي: بأمره من الجنّ وغيرهم. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ﴾: لا
يسلبهم نِعمةً، ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنفُسِهِم﴾ من الحالة الجميلة بالمعصية، ﴿وإذا أرادَ
اللهُ بِقَوم سُوءًا﴾: عذابًا ﴿فلا مَرَدَّ لَهُ﴾، من المُعقّبَاتِ ولا غيرها، ﴿ومالَهُم﴾ - إن
أراد الله بهم سوءًا - ﴿مِن دُونِهِ﴾ أي: غيرَ الله ﴿مِن﴾: زائدةٌ ﴿والٍ﴾ ١١ يمنعه عنهم.
٣- ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرقَ خَوفًا﴾ للمُسافر من الصواعق، ﴿وَطَمَعًا﴾ للمُقيم في المطر، ﴿ويُنشِئُ﴾: يَخلق ﴿السَّحابَ الثَّقَالَ﴾ ١٢ بالمطر،
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعِدُ﴾ هو مَلَك مُوكل بالسحاب يسوقه، مُلتبسًا (بِحَمْدِهِ﴾ أي يقول: سبحان الله وبحمده، ﴿و﴾ تُسبّح ﴿المَلائكةُ مِن خِيفِهِ﴾ أي:
اللهِ، ﴿وَيُرسِلُ الصَّواعِقَ﴾ وهي نار تخرج من السحاب، ﴿فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ﴾ فتُحرقه - نزل في رجل بعث إليه النبيّ وَّر من يدعوه، فقال:
مَن رسولُ الله؟ وما اللهُ؟ أمِن ذهب هو أم فضة أم نحاس؟ فنزلتْ به صاعقة فذهبتْ بِقِحف رأسه - ﴿وهُم﴾ أي: الكُفّار ﴿يُجَادِلُونَ﴾: يُخاصمون
النبيّ ﴿فِي اللهِ، وهْوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ ١٣: القُوّة أو الأخذ.
(١) انظر سبب النزول في المفصل. ويستعجلونك: يطلبون تعجيل العذاب. والسيئة: ما يسوء الإنسان. والحسنة: ما يَسرّ. وخلت: مضت. وذو مغفرة:
صاحبها المختص بستر الذنوب وعدم التعجيل بالعقوبة. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. والشديد: القوي. والذين كفروا: المكذبون لك. وأُنزل عليه:
أُعطي. والآية: المعجزة تحملهم على الإيمان. ومن ربه: من عند ربه، كما يزعم. والعصا واليد والناقة يعني معجزات موسى وصالح. والقوم: الجماعة من
الرجال والنساء. والهادي: المرشد إلى الحق.
(٢) يعلمه: يحيط بدقائقه وخفاياه، حين تكوّنه وقبل ذلك أيضًا وبعده. وتحمل: تحفظ من البويضات والأجنة والقدرة على الإنجاب، في جميع الأحياء.
والأرحام: جمع رحم. وهو موضع تكون الجنين. وتزداد: تكثر ليتم خلق الجنين، أو تتجاوز ما هو مألوف في الحمل. ومنه أي: ما ذُكر قبل من مدة
الحمل. وعنده بمقدار أي: في حكمه وقضائه علم بالكمية والكيفية، بلا لبس أو إخلال. والعالم: المحيط كاملَ الإحاطة. وغاب: خفي على المخلوقات.
وشوهد: أدركته المخلوقات. والمتعالي: المترفع المستعلي بذاته وصفاته وأفعاله. وبياء ودونها يعني قراءتين: ((المُتَعالِي)) و((المُتَعالِ)). وانظر سبب النزول في
المفصل. وسواء: متساوٍ. وأسرّ: أخفى في نفسه. وجهر به: أظهره لغيره، أي: أن الله محيط علمه بأقوال المكلفين وتصرفاتهم، لا يغيب عنه شيء.
والمعقبات: الجماعات تتناوب المهامّ والأعمال لرعاية الخلق. ويحفظونه: يحمونه مما لا يَقدِر عليه. ومن أمر الله: بسبب قضائه. ويغير: يبدّل. ولا يسلبهم
نعمة أي: وبعكس ذلك لا يخصهم بخير. فالمراد العموم أي: لايبدل بحالهم حالًا مغايرة إلّا حين يبدلون ما في قلوبهم من النيات والمقاصد. وأراد: شاء.
وإنما اقتصر على ذكر السوء لأن سياق الكلام في التهديد. والمردّ: المنع. ووال أي: من يتولى أمورهم ويحميهم.
(٣) البرق: اللمعان الذي يظهر من خلال السحب. والخوف: الفزع. وللمسافر أي: وللمقيم. وطمعًا أي: لِما فيه خير. وللمقيم أي: ولغيره أيضًا.
والسحاب: الغيم المتحرك. ويسبحه: ينزهه عما يصفه به المشركون. وتفسير الرعد بأنه ملك مردود. وروي عن ابن عباس أن الرعد ريح تختنق بين السحاب.
انظر تعليقنا على تفسير الآية ١٩ من سورة البقرة. و((يقول سبحان الله وبحمده)) أي: بلسان الحال، يراد به التمثيل والتقريب، لا حقيقة اللفظ والقول. وفي
البيضاوي أن الرعد بنفسه يدل على وحدانية الله وكمال قدرته. والملائكة: جمع مَلَك. والخيفة: الهيبة والإجلال. ويرسلها: يبعثها. والصواعق: جمع
صاعقة. وتصيبه: تنزل به. ويشاء: يريد إصابته. وانظر ((المفصل)). وقحف الرأس: العظم الذي فوق الدماغ. وفي الله أي: في وحدانيته وصفاته الجليلة.
والشديد: القوي الذي لايقاوم. والأخذ: الانتقام بالعنف مماحلة ومكايدة.

الجزء الثالث عشر
٢٥
١٣ - سورة الرعد
١- ﴿لَهُ﴾ - تعالى - ﴿دَعوةُ الحَقِّ﴾ أي: كلمتُه - وهي: لا إله إلّا الله - ﴿والَّذِينَ
يَدْعُونَ﴾، بالياء والتاء: يعبدون ﴿مِن دُونِهِ﴾ أي: غيرَه - وهم الأصنام - ﴿لا
يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيءٍ﴾ ممّا يطلبونه، ﴿إِلَّ﴾ استجابةً ﴿كَباسِطٍ﴾ أي:
كاستجابة باسط ﴿كَفَّيهِ إلَى الماءِ﴾ على شفير البئر، يدعوه ﴿لِيَبلُغَ فَاهُ﴾
ـدَة
بارتفاعه من البئر إليه، ﴿وما هُوَ بِبالِغِهِ﴾ أي: فاه أبدًا - فكذلك ما هم
بمستجيبين لهم - ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ﴾: عِبادتُهم الأصنامَ أو حقيقةُ الدعاء ﴿إِلّ في
ضَلالٍ﴾ ١٤: ضياع، ﴿ولِلّهِ يَسجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرضِ، طَوعًا﴾ كالمُؤمنين،
﴿وَكَرْهًا﴾ كالمُنافقين ومَن أُكره بالسيف، ﴿و﴾ تسجد ﴿ظِلالُهُم بِالغُدُوِّ﴾: البُكَرِ
﴿والآصالِ﴾ ١٥: العشايا .
٢ - ﴿قُلْ﴾ - يا مُحمّد - لقومك: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرضِ؟ قُلٍ: اللهُ﴾. إن لم
يقولوه، لا جوابَ غيرُه. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿أَفَاتَّخَذْتُم مِن دُونِهِ﴾ أي: غيرَه ﴿أَولِياءَ﴾:
أصنامًا تعبدونها، ﴿لا يَملِكُونَ لِأَنفُسِهِم نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾، وتركتم مالِكَهما؟ استفهام
توبيخ. ﴿قُلْ: هَل يَستَوِي الأعمَى والبَصِيرُ﴾: الكافر والمؤمن؟ (أم هَل تَستَوِي
الظُّلُمَاتُ﴾: الكُفر ﴿والنُّورُ﴾: الإيمان؟ لا. ﴿أم جَعَلُوا لِلِهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلِقِهِ،
فتَشابَهَ الخَلقُ﴾ أي: خلقُ الشركاءِ بخلقِ الله ﴿عَلَيهِم﴾، فاعتقدوا استحقاق عبادتهم
بخلقهم؟ استفهام إنكار، أي: ليس الأمر كذلك، ولا يستحقّ العبادةَ إلّ الخالقُ.
﴿قُلِ: اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ لا شريك له فيه، فلا شريك له في العبادة، ﴿وهْوَ الواحِدُ
القَّارُ﴾ ١٦ لعباده.
سُورَةِ الرّعند
الجزء الثَّالِمِ شە
لَهُدَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَىْءٍإلَّا
كَبَسِطِ كَفَتَّهِ إِلَى الْمَآءِ لِبَلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَلِفِهِ، وَمَادُعَاءُ الْكَفِينَ
إِلَّا فِي ضَلَلِ ﴿ وَلِلَّهِيَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا
وَكَرْهَا وَظِلَلُهُمْ بِالْغُدُوِ وَالْأَصَالِ ﴿ ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْ تُمْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ
نَفْعًا وَلَا ضَرّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ نَسْتَوِى
الظُّلُمَتُ وَالنُورِّ أَمْ جَعَلُوْلِلَّهِ شُرَكَّةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ
عَلَيْهِمّ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَحِدُ الْقَهَّرُ ﴿ أَنْزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَآءُ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًّاً
وَمِمَا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَعِ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ
يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلَّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءُ وَأَمَّامَا
يَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُّ اللَّهُ الْأَمْثَالَ
لِلَّذِينَ أَسْتَجَابُوْلِرَ بِهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْلَهُ.
لَوْأَنَ لَهُمْ مَّافِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْبِهِّ
أُوْلَئِكَ لَمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَّمٌ وَيَتْسَ لِلْهَادُ
٣- ثمّ ضرب مثلًا للحق والباطل، فقال: ﴿أُنزَلَ﴾ - تعالى - ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً﴾: مطرًا، ﴿فِسالَتْ أَوِيٌ بِقَدَرِها﴾: بمِقدار مِلئها، ﴿فاحتَمَلَ
السَّيلُ زَبَدًا رابِيًا﴾: عاليًا عليه، هو ما على وجهه من قذر ونحوه، ﴿ومِمّا تُوقِدُونَ﴾ - بالتاءِ والياء - ﴿عَلَيهِ في النّارِ﴾ من جواهر الأرض،
كالذهب والفِضّة والنُّحاس، ﴿ابتغاءَ﴾: طلبَ ﴿حِلْيَةٍ﴾: زِينة ﴿أو مَتاعٍ﴾ يُنتفع به كالأواني إذا أُذيبت، ﴿رَبَدٌ مِثلُهُ﴾ أي: مِثلُ زبد السيل وهو خَبثه
الذي ينفيه الكِير - ﴿كَذْلِكَ﴾ المذكورِ ﴿يَضرِبُ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ أي: مَثلَهما - ﴿فأمّا الزَّبَدُ﴾ من السيل، وما أُوقد عليه من الجواهر،
﴿فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾: باطلًا مَرْمِيًّا به، ﴿وأمّا ما يَنفَعُ النّاسَ﴾ من الماء والجواهر ﴿فَيَمكُثُ﴾: يبقى ﴿في الأرضِ﴾ زمانًا. كذلك الباطل يضمحلّ
وينمحق، وإن علا على الحقّ في بعض الأوقات، والحق ثابت باق. ﴿كَذَلِكَ﴾ المذكورِ ﴿يَضرِبُ﴾: يُبيِّن ﴿اللهُ الأمثالَ﴾ ١٧.
٤ - ﴿لِلَّذِينَ استَجابُوا لِرَبِّهِم﴾: أجابوه بالطاعة ﴿الحُسنَى﴾: الجنَّةُ، ﴿وَالَّذِينَ لَم يَستَجِيبُوا لَهُ﴾ - وهم الكُفّار - ﴿لَو أنَّ لَهُم ما في الأرضِ جَمِيعًا
ومِثْلَهُ مَعَهُ لَافَتَدُوا بِهِ﴾ من العذاب، ﴿أُولَئِكَ لَهُم سُوءُ الحِسابِ﴾ - وهو المُؤاخذة بكُلّ ما عملوه لا يُغفر منه شيء - ﴿ومأواهُم جَهَنَّمُ، وبِنسَ
المِهادُ﴾ ١٨: الفراشُ هي! ونزل في حمزةَ وأبي جهل: ﴿أفمَن يَعلَمُ أنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾، فآمن به، ﴿كَمَن هُوَ أعمَى﴾ لا يعلمه ولا
يُؤمن به؟ لا. ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾: يتّعظ ﴿أُولُو الألبابِ﴾ ١٩ : أصحاب العُقول.
(١) الحق: الدعوةُ الصادقةُ. والظاهر أن المراد بالدعوة: الدعاء. وبالتاء يريد القراءة (تَدعُونَ)). وشفير البئر: حافَتها. و((هو)) أي: الماء. والدعاء:
الاستغاثة. ويسجد: يخضع لما خلق له. والطوع: الامتثال برضا. والكَره: الانقياد بقهر. والظلال: جمع ظِلّ، أي: ظلال الناس. والغدوّ: جمع غَدوة،
أي: أول النهار. والبُكَر: جمع بُكْرة. والآصال: جمع أصيل. وهو مِن بعد العصر إلى الغروب. والعشايا: جمع عَشِيّة.
(٢) الرب: الخالق المالك المتفرد بالتصرف. ولا جواب غيره: يعني أن المشركين يُقِرّون بهذا الجواب. انظر ((المفصل)). واتخذتم: جعلتم. والأولياء:
جمع ولي. وهو المعبود. والنفع: الفائدة. والضر: الأذى. ويستويان: يتماثلان في الحق والصفات. وعُبِّرَ عن الكفر بالعمى والظلمات، وعن الإيمان بالبصر
والنور. وجعل: صيّر. والشركاء: جمع شريك، أي: مشارك في الألوهية والعبادة. وخلق الشيء: أوجده من العدم. وتشابه: التبس واختلط. والخلق:
المخلوق. وبخلقهم أي: بسبب خلقهم كما خلق اللهُ. والإنكار: النفي. وفيه: في الخلق. والواحد: المتفرد في الألوهية. والقهار: الذي يغلب ما عداه.
(٣) أنزل: أسقط. والسماء: السحاب. والأودية: جمع الوادي. وهو المنفرج بين جبلين. والسيل: ما سال من الماء. والزبد: الرغوة تطفو. وتوقدون:
تشعلون. وبالياء يريد القراءة ((يُوقِدُونَ)). والحلية: ما يُتزين به من الجواهر. والمتاع: ما يستفاد منه. ويضرب: يبيّن. والحق: الثابت، أي: الإيمان.
والباطل: ما لا أصل له، أي: الكفر. ويذهب: يفنى. وينفع: يكون فيه فائدة. والأمثال: جمع مَثَل. وهو الحجة الدامغة.
(٤) افتدوا: أرادوا أن يستنقذوا أنفسهم. وسوء الحساب: الحساب الشديد العقاب. والمأوى: الملجأ. وبئس: بلغَ الغايةَ من السوء والشر والشقاء. وفي
حمزة وأبي جهل: انظر ((المفصل)). ويعلم: يتيقن ويؤمن. وأُنزل: أوحي. ومن ربك: من عنده وبأمره. والحق: الصدق الثابت. وأعمى: فاقد للبصر
والبصيرة. وأولو: واحده: ذو. والألباب: جمع لبّ. وهو خالص الشيء وخياره، فُسّر بالعقل لأنه خير ما في الإنسان.

١٣ - سورة الرعد
٢٥٢
الجزء الثالث عشر
سُودَة الرحم
الجزء الثَّالِ عَشَّة
﴿ أَفَمَن يَعْلَمْ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ إِنَّ يَنَذَكَّرُ
أُوْلُواْ الْأَ لْبٍ ﴿ الَّذِينَ يُونُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِيثَقَ
(جَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٦) وَالَّذِينَ صَبَرُوْ أَبْتِغَاءَ وَجْهِرَبِهِمْ
وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَارَزَقْتَهُمْ سِرَّا وَعَلَانِيَّةً وَيَدْرَءُونَ
بِاَ لَسَنَةِالسَّيِّئَةَ أُوْلَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَاحَتَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا
وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَبَِّهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَالْمَئِكَةُ يَدْخُلُونَ
عَلَّهِمْ مِن كُلِ بَابٍ (٦َسَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْثٌ فَنِعْمَ عُقْبَى الَّارِ
﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ
أَمَرَ اللَّهُ بِهِ- أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ اُلْأَرْضِ أُوْلَتِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ
﴿وَهُمْ سُوَهُ الدَّارِ اللَّهُيَسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ
﴿بَلْحَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا الْخَوَةُ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلََّ مَتَحُ ﴿ وَيَقُولُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّةٍ، قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُ
مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَبَ ® الَّذِينَءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ
قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَ بِذِكْرِاللَّهِ تَطْحَكِنُّ الْقُلُوبُ
٢٨
١- ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهدِ اللهِ﴾ المأخوذِ عليهم وهم في عالم الذرّ، أو كُلِّ
عهد، ﴿وَلا يَنقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ٢٠ بترك الإيمان أو الفرائض، ﴿والَّذِينَ
يَصِلُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أن يُوصَلَ﴾، من الإيمان والرحِم وغير ذلك، ﴿وَيَخْشَونَ
رَبَّهُم﴾ أي: وعيدَه، ﴿وَيَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ٢١ - تقدّم - ﴿والَّذِينَ
صَبَرُوا﴾ على الطاعة والبلاء، وعن المعصية، ﴿ابتغاءَ﴾: طلبَ ﴿وَجِهِ رَبِّهِم)، لا
غيرِهِ من أعراض الدنيا، ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ، وأنفَقُوا﴾ في الطاعة ﴿مِمّا رَزَقْنَاهُم سِرًّا
وعَلانِيةً، ويَدرَؤُونَ﴾: يدفعون (بِالحَسَنةِ السَّيِّئَةَ﴾، كالجهل بالحلم والأذى بالصبر،
﴿أُوْلَئِكَ لَهُم عُقْبَى الدّارِ﴾ ٢٢ أي: العاقبةُ المحمودة في الدار الآخرة، هي ﴿جَنّاتُ
عَدنٍ﴾: إقامةٍ، ﴿يَدخُلُونَها﴾ هم ﴿ومَن صَلَحَ﴾: آمن، ﴿مِن آبائِهِم وأزواجِهِم
وذُرِّيّاتِهِم﴾، وإن لم يعملوا بعملهم، يكونون في درجاتهم تكرمة لهم، ﴿والملائكةُ
يَدخُلُونَ عَلَيهِم مِن كُلِّ بابٍ﴾ ٢٣ من أبواب الجنّة أو القُصور، أوانَ أوّلِ دُخولهم
للتهنئة، يقولون: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُم﴾، هذا الثوابُ ﴿بِمَا صَبَرْتُم﴾: بصبركم في الدنيا .
﴿فَنِعِمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ ٢٤ عقباكم!
٢- ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهِدَ اللهِ مِن بَعدِ مِيثاقِهِ، ويَقطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أن يُوصَلَ،
ويُفسِدُونَ في الأرضِ﴾ بالكُفر والمعاصي، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾: البُعد من رحمة
الله، ﴿وَلَهُم سُوءُ الدّارِ﴾ ٢٥ أي: العاقبةُ السّيئة في الدار الآخرة. وهي جهنّم. ﴿اللّهُ
يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: يُوسّعه ﴿لِمَن يَشاءُ، ويَقدِرُ﴾: يُضيّقه لمن يشاء. ﴿وفَرِحُوا﴾ أي:
أهلُ مكّة فرحَ بطر ﴿بِالحَياةِ الدُّنيا﴾ أي: بما نالوه فيها، ﴿وما الحَياةُ الدُّنيا، في﴾ جنب حياة ﴿الآخِرةِ، إلّا مَتَاعٌ﴾ ٢٦: شيء قليل يُتمتّع به
ويذهب.
٣- ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكّة: ﴿لَولا﴾: هلّ ﴿أُنزِلَ عَلَيهِ﴾: على مُحمّد ﴿آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾، كالعصا واليد والناقة. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿إِنَّ اللهَ
يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ إضلاله فلا تُغني الآيات عنه شيئًا، ﴿ويَهدِي﴾: يُرشد ﴿إِلَيْهِ﴾: إلى دِينه ﴿مَن أنابَ﴾ ٢٧: رجَع إليه، ويُبدَل مِن ((مَن)): ﴿الَّذِينَ
آمَنُوا وتَطْمَئِنُ﴾: تسكن ﴿قُلُوبُهُم بِذِكرِ اللهِ﴾ أي: وعده. ﴿ألا بِذِكرِ اللهِ تَطمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ ٢٨ أي: قُلوب المُؤمنين. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصّالِحَاتِ﴾: مبتدأ خبرُه: ﴿طُوبَى﴾ - مصدرٌ من الطِّيب، أو شجرةٌ في الجنّة يسير الراكب في ظِلّها مِائَة عام ما يقطعها - ﴿لَهُم وحُسنُ
مآبٍ﴾ ٢٩: مرجع.
(١) عهد الله: ما عاهدوا الله عليه فوجبت تأديته. وعالم الذر: ما ذكره في تفسير الآية ١٧٢ من سورة الأعراف. وكل عهد أي: ما يوجبه الشرع، وما تقتضيه
الفطرة من التوحيد. ولا ينقضونه: لا يبطلونه. والميثاق: العهد الموثق بيمين. ويصلونه: يعملون به. وأمرَ: فرض. ويخشاه: يهابه للتعظيم والإجلال. ويخافه:
يفزع منه. وتقدم أي: في الآية ١٨. وصبروا: تجلدوا. والوجه: صفة وصف الله - تعالى - بها نفسه، كما يليق بجلاله وعظمته، من دون تمثيل أو تقريب أو
تكييف أو تعطيل. وأقاموا الصلاة: أدّوها كاملة. وأنفقوا: بذلوا المال والصحة والجهد والعلم والعمل والوقت والنفس، فيما هو واجب أو مندوب.
ورزقناهم: أعطيناهم. وسرًا: بكتمان. وعلانية: بالجهر. والحسنة: ما حسّنه الشرع. والسيئة: ماقبّحه. والجنة: الحديقة العظيمة. وآباؤهم: أصولهم من
الآباء والأمهات والأجداد والجدات. وأزواجهم: زوجاتهم اللواتي مُتْنَ في عصمتهم. وذريتهم: من كان من سلالتهم. والملائكة: جمع مَلَك. ويدخلون
عليهم: يزورونهم. والسلام: دوام السلامة والاطمئنان. ونعم أي: بلغ الغاية في النعيم والخير والسعادة. وعقباكم: ثوابكم. وقد مدح مرتين: في جنسه
((عقبى الدار)) وفي اختصاصه هنا .
(٢) انظر سبب النزول في المفصل. وينقض العهد: يبطل ما تعهد به أو يخالفه. وميثاقه: توثيقه بالإقرار والأيمان. ويقطع: يبطل ويفسد. وأمر به: فرضه.
ويوصل: يتبع. ويفسدون: يشيعون الفساد والشر. وانظر الآية ٢٧ من سورة البقرة. والرزق: ما يخلقه الله من متاع وزينة. ويشاء: يريد رزقه. وفرح: تلذذ
وسعد. والآخرة: الحياة يوم القيامة بما فيها من النعيم والخلود. والمتاع: ما ينتفع به أحيانًا .
(٣) كفروا: كذّبوا الله ورسوله. انظر ((المفصل)). وهلّا يعني أن ((لولا)) حرف تحضيض. وأُنزل: أوحي. والآية: المعجزة تلجئ إلى الإيمان. ومن ربه: من
عنده وبأمره. والعصا واليد والناقة: معجزات موسى وصالح. ويضله: يُمِدّه بحسب اختياره السيئ. ورجع إليه: إلى طاعته. وهذا يعني أن الهداية تكون لمن
قصد التوبة وعزم على الصلاح. والقلوب: جمع قلب. وبذكر الله: لذكر وعده بالخير والرحمة والعون والمغفرة والثواب. وعمل: اكتسب باختيار وعزم.
والصالحات: الأعمال التي فيها خير. والمبتدأ هو ((الذين)). ويقطعها أي: يتجاوزها. والحسن: الجمال والخير. وحسن مآب يعني: الرجوع الحَسَن إلى الله
يوم القيامة .

الجزء الثالث عشر
٢٥٣
١٣ - سورة الرعد
١- ﴿كَذَلِكَ﴾: كما أرسلنا الأنبياء قبلك، ﴿أُرسَلْنَاكَ فِي أُمّةٍ، قَد خَلَتْ مِن قَبلِها أُمَمِّ،
لِتَتْلُوَ﴾: تقرأ ﴿عَلَيهِم الَّذِي أوحَينا إلَيكَ﴾ أي: القُرآنَ، ﴿وهُم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمُنِ﴾،
حيثُ قالوا، لمّا أُمروًا بالسجود له: ((وما الرَّحمُنُ))؟ ﴿قُلْ﴾ لهم يا مُحمّد: ﴿هُوَ رَبِّي
لا إلَهَ إلّا هُوَ، عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ، وإِلَيْهِ مَتابٍ﴾ ٣٠.
٢- ونزل، لمّا قالوا له: ((إن كنتَ نبيًّا فسيِّرْ عنّا جبالَ مكّة، واجعلْ لنا فيها أنهارًا
وعُيونًا لنغرس ونزرع، وابعثْ لنا آباءنا الموتى يُكلّمونا أنك نبيّ)): ﴿وَلَو أنَّ قُرآنًا
سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾: نُقلت عن أماكنها، ﴿أو قُطِّعَتْ﴾: شُقّقتْ ﴿بِهِ الأرضُ، أو كُلِّمَ بِهِ
المَوتَى﴾ بأن يُحيَوا، لَما آمنوا. ﴿بَل لِهِ الأمرُ جَمِيعًا﴾ لا لغيره، فلا يُؤمن إلّ من شاء
إيمانَه دون غيره، وإن أُوتوا ما اقترحوا. ونزل، لمّا أراد الصحابة إظهار ما اقترحوا،
طمعًا في إيمانهم: ﴿أَفَلَم يَيَأْسِ﴾: يَعلمِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا أنْ﴾: مُخفّفةٌ أي: أنّه ﴿لَو يَشاءُ
اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا﴾ إلى الإيمان، من غير آية؟
٣- ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكّة ﴿تُصِيبُهُم، بِمَا صَنَعُوا﴾: بصنعهم أي:
كُفرهم، ﴿قارِعةٌ﴾: داهية تقرعهم بصُنوف البلاء، من القتل والأسر والحرب
والجدب، ﴿أو تَحُلُّ﴾ - يا مُحمّد - بجيشك ﴿قَرِيبًا مِن دارِهِم﴾: مكّة، ﴿حَتَّى يأْتِيَ
وَعدُ اللهِ﴾ بالنصر عليهم - ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخلِفُ المِيعادَ﴾ ٣١. وقد حلَّ بالحُديبية حتّى
أتى فتحُ مكّة - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَلِكَ﴾ كما استُهزئ بك - وهذا تسلية للنبيّ
- ﴿فأملَيتُ﴾: أمهلت ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ أَخَذَتُهُم﴾ بالعُقوبة. ﴿فَكَيفَ كانَ
عِقابٍ﴾ ٣٢؟ أي: هو واقع موقعه، فكذلك أفعل بمن استهزأ بك.
سُورَةِ الرَّعَبْدِ
الحرة التَّالِعَشَة
الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَِّحَتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ
مَثَابٍ ® كَذَلِكَ أَزْسَلْنَكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ
لِتَتْلُواْ عَلَيْهِمُ الَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ
قُلْ هُوَرَبِ لَا إِلَهَإِلَّ هُوَ عَلَيْهِ نَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَنَابٍ
وَلَوْأَنَّ قُرْءَانَا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَكُمْ
بِهِ الْمَوْقَىّ بَلِلِّلَّهِ آلْأَمْرُ جَمِيعًاً أَفَمْ يَأْيَسِ الَّذِينَءَامَنُوَّأَ
أَن لَّوْيَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًاْ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
تُصِيُهُم بِمَا صَنَعُواْ فَارِعَةٌ أَوَحُلُ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ
وَعْدُ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ لَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَّ بِرُسُلٍ
مِن قَبْلِكَ فَأَعْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ
أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ
عِقَابٍ
لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمَّأَمْ تُنِعُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى الْأَرْضِ أَم
بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلْ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْمَكْرُهُمْ وَصُدُّ واْعَنِ
السَّبِيلُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَ لَهُ مِنْ هَادٍ ٦َالَهُمْ عَذَابٌ فِى الْحَيَوْةِ
الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَىْ وَمَالَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ
٤ - ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائمٌ﴾: رقيب ﴿عَلَى كُلِّ نَفْسٍ، بِما كَسَبَتْ﴾: عملتْ من خير وشر - وهو الله - كمن ليس كذلك من الأصنام؟ لا. دلّ على هذا:
﴿وَجَعَلُوا لِلِهِ شُرَكَاءَ. قُلْ: سَمُّوهُم﴾ له مَنَ هم؟ (أم﴾: بل أ ﴿تُنَبُِّّونَهُ﴾: تُخبرون الله ﴿بِما﴾ أي: بشريك ﴿لا يَعلَمُ﴾ ـ﴾ ﴿في الأرضِ﴾؟
استفهام إنكار. أي: لا شريك له، إذ لو كان لعَلِمَه. تعالى عن ذلك. ﴿أم﴾: بل تُسمّونهم شُركاء ﴿بِظاهِرٍ مِنَ القَولِ﴾: بظنّ باطل لا حقيقة له
في الباطن.
٥ - ﴿بَلِ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَکرُهُم﴾: كُفرهم، ﴿وَصَدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾: طريق الهُدى. ﴿ومَن يُضلِلِ اللهُ فما لَهُ مِن هادٍ ٣٣. لَهُم عَذابٌ فِي الحَياةِ
الدُّنيا﴾ بالقتل والأسر، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾: أشدّ منه، ﴿وما لَهُم مِنَ اللهِ﴾ أي: عذابِهِ ﴿مِن واقٍ﴾ ٣٤: مانع. ﴿مَثَلُ﴾: صِفةُ ﴿الجَنّةِ
الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾: مبتدأ خبرُه محذوف، أي: فيما يُقَصُّ عليكم، ﴿تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ، أَكْلُّها﴾: ما يُؤكل فيها ﴿دائمٌ﴾:
لا يفنى، ﴿وَظِلَها﴾ دائم لا تنسخه شمس لعدمها فيها. ﴿تِلكَ﴾ أي: الجنّة ﴿عُقبَى﴾: عاقبةُ ﴿الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ الشِّركَ، ﴿وعُقْبَى
الكافِرِینَ النّارُ﴾ ٣٥.
(١) أرسل: كلف بالدعوة. والأمة: الجماعة من الناس. وخلت: مضت. وأوحينا: نزّلنا على لسان جبريل ويسّرنا الحفظ والتبليغ. ويكفرون به: ينكرونه.
والرحمن: من أسماء الله الحسنى، أي: البليغ العطف بالإحسان إلى خلقه، وإن كانوا كافرين أو عصاة. ولما أمروا: انظر ((المفصل)). والإله: المعبود بحق.
وعليه توكلت: عليه وحده أعتمد. ومتاب: متابي. يعني: توبتي في الدعاء، ورجوعي في النية والعمل. (٢) سيِّر: ادفع وأبعد. ويكلمونا: يكلموننا. حذفت
النون الأولى للتخفيف. وقرآنًا: كتابًا منزلًا يُقرأ. والجبال: جمع جبل. وكلم: خوطب فأجاب. والموتى: جمع ميت. والأمر: القدرة على جميع الأشياء.
وشاء: أراد الله. وإظهار ما اقترحوا: تحقيق ما طلبه الكافرون. وآمنوا: عرفت قلوبهم التوحيد وما يلزمه. ويشاء أي: أراد إيمان الناس كلهم. وهداهم:
أمدّهم وصرف قدراتهم إلى الهداية والصلاح. ومن غير آية: من دون معجزة خارقة. (٣) لايزال: سيبقى ويستمر. وتصيبهم: تنزل بهم. وتحل: تقيم وتستقر.
وقريبًا: مكانًا دانيًا. ويأتي: يتحقق. والوعد: البشارة بالخير. ولا يخلف: يفي دائمًا. والميعاد: وعده. واستهزئ به: سخر منه قومه. والرسل: جمع
رسول. وأمهلت أي: أطلت المدة بتأخير العقاب استدراجًا. وأخذتهم: أهلكتهم. وعقاب أي: جزائي لهم على كفرهم. (٤) النفس: المخلوق الحي من
الناس والملائكة والجن. ودل على هذا أي: دلّ على الخبر المحذوف. انظر الآية ١٩. وجعل: صيّر. والشركاء: جمع شريك. وهو المشارك في العبادة
والطاعة. وسموهم: صفوهم وبينوا حقيقتهم، لتروا: هل يستحقون العبادة؟ ولا يعلمه أي: ليس في علمه. وما ليس في علمه فهو محال. والظاهر من القول:
السطحي، تلفظه الأفواه من غير روية ولا تدبر. والقول: مجرد الكلام. (٥) زين: جُعل محببًا. والمكر: الكيد. وصَدوا: أعرضوا ومنعوا غيرهم. ويضله:
يُمدّه ويصرف قدراته إلى ما يناسب سوءً اختياره واستعداده. وهادٍ: مرشد يوصل إلى الحق. والآخرة: الحياة المتأخرة بالبعث بعد الموت ليوم القيامة. وأشق
أي: لشدته ودوامه. والمثل: الصفة العجيبة تُذكر للتعظيم والتعجيب. والجنة: الحديقة العظيمة. ووعد أي: وُعِدَها. يعني: بُشِّرَ بها في الدنيا. والمتقون:
الذين يتجنبون غضب الله ويطلبون رضاه. وتجري: تسيل بسرعة وتتدفق. ومن تحتها: من تحت قصورها وأشجارها. والأنهار: جمع نهر. والنهر: المجرى
العظيم للماء والعسل واللبن والخمر. والظل: ما يرتسم للشخص إذا تعرض للنور. واتقوه أي: تجنبوه وأنكروه. والنار: نار جهنم.

١٣ - سورة الرعد
٢٥٤
الجزء الثالث عشر
الجزء الثَّالِ عِيشَة
سٌُوَرَةِ الرَّعَامِ
﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَِّى وَعِدَ الْمُتَّقُونَّ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ
أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَأَ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى
اُلْكَفِرِنَ النَّارُ ﴿ وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ
بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكٌ وَمِنَ الْأَخْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ
(أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِّ إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَثَابٍ
وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ حُكْمَا عَرَبِيًّا وَلَيْنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا
جَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَ وَاقٍ ﴿ وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَارُسُلَّا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَالَهُمْ أَزْوَجَا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ
٣٨
لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِثَايَةٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِ أَجَلٍ كِتَابُ
يَمْحُواْ اللَّهُ مَايَشَآءُ وَيُثْبِثٌ وَعِندَهُ أُمُ الْكِتَبِ
وَإِن مَّانُزِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ
الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ فَأَتِ الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا
مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِةٍ، وَهُوَ سَرِيعُ
اَلْحِسَابِ ﴾ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا
يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُ نَفْسِ وَسَيَعْلَمُ الْكُفْتُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾
١- ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتابَ﴾، كعبد الله بن سلام وأصحابه من مؤمني
ربيع
الخِزَّب
اليهود، ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنزِلَ إلَيكَ﴾ لمُوافقته ما عِندهم، ﴿وَمِنَ الأحزابِ﴾
الذين تحزَّبوا عليك بالمُعاداة من المشركين واليهود ﴿مَن يُنكِرُ بَعضَهُ﴾، كذِكر
الرحمن وما عدا القَصص. ﴿قُلْ: إنَّما أُمِرْتُ﴾ فيما أُنزِل إليَّ ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿أَعْبُدَ
اللهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ. إِلَيهِ أدعُو وإِلَيهِ مَآبٍ﴾ ٣٦: مرجِعي. ﴿وَكَذْلِكَ﴾ الإنزالِ ﴿أَنزَلْناهُ﴾
أي: القُرآنَ ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب تحكم به بين الناس. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعتَ
أَهْواءَهُم﴾ أي: الكُفّارِ، فيما يدعونك إليه من مِلّتهم فَرْضًا، ﴿بَعدَ ما جاءَكَ مِنَ
العِلمِ﴾ بالتوحيد، ﴿مَالَكَ مِنَ اللهِ مِن﴾: زائدةٌ ﴿وَلِيٍّ﴾: ناصرٍ، ﴿ولا واقٍ﴾ ٣٧:
مانع من عذابه.
٢- ونزل، لمّا عيّروه بكثرة النساء: ﴿وَلَقَد أرسَلْنا رُسُلًا مِن قَبَلِكَ، وجَعَلْنا لَهُم
أزواجًا وذُرِّيّةً﴾: أولادًا - وأنت مِثلهم - ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ﴾ منهم ﴿أن يأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا
بإذنِ اللهِ﴾، لأنهم عبيد مربوبون. ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ﴾: مُدّةٍ ﴿كِتابٌ﴾ ٣٨ مكتوب فيه
تحديده. ﴿يَمحُو اللهُ﴾ منه ﴿ما يَشاءُ ويُثبِتُ﴾ - بالتخفيف والتشديد - فيه ما يشاء من
الأحكام وغيرها، ﴿وعِندَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ ٣٩: أصلُه الذي لا يَتغيّر منه شيء. وهو ما
کتبه في الأزل.
٣- ﴿وإمّا﴾ - فيه إدغام نون ((إن)) الشرطيّة في ((ما)) المزيدة - ﴿نُرِيَنَّكَ بَعضَ الَّذِي
نَعِدُهُم﴾ به من العذاب في حياتك، وجواب الشرط محذوف أي: فذاك، ﴿أو
نَتَوَفََّنَّكَ﴾ قبل تعذيبهم، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ البَلاغُ﴾: ما عليك إلّا التبليغ، ﴿وعلَينا
الحِسابُ﴾ ٤٠ إذا صاروا إلينا فنُجازيهم. ﴿أَوَلَم يَرَوا﴾ أي: أهلُ مكّة ﴿أنّا نأتِي الأرضَ﴾: نقصِد أرضهم، ﴿نَنقُصُها مِن أطرافِها﴾ بالفتح على
النبيّ؟ ﴿واللّهُ يَحِكُمُ﴾ في خلقه بما يشاء، ﴿لَا مُعَقِّبَ﴾: لا رادّ ﴿لِحُكمِهِ، وَهْوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ٤١.
٤- ﴿وَقَدٍ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبِلِهِم﴾، من الأُمم بأنبيائهم، كما مكروا بك. ﴿فِلِلّهِ المَكرُ جَمِيعًا﴾، وليس مكرهم كمكره، لأنه تعالى ﴿يَعلَمُ ما
تكسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾، فيُعِدّ لها جزاءه. وهذا هو المكر كُلّه، لأنه يأتيهم به من حيثُ لا يشعرون. ﴿وسَيَعلَمُ الكافِرُ﴾ - المُراد به الجنس. وفي
قراءة: ((الكُفّار)) - ﴿لِمَن عُقْبَى الدّارِ﴾ ٤٢ أي: العاقبةُ المحمودة في الدار الآخرة؟ ألهم أم للنبيّ وأصحابه؟
(١) آتيناهم: أعطيناهم. والكتاب: التوراة والإنجيل، اسم جنس يدل على الواحد والأكثر. فهو هنا بمعنى المثنى. وعبد الله بن سلام: من علماء اليهود أسلم
وحسن إسلامه. ومؤمني اليهود أي: والنصارى من نجران والحبشة. وأنزل: أوحي على لسان جبريل، مضمونًا له الحفظ والتبليغ. والأحزاب: جمع حزب.
وهو الجماعة من الناس تشاكلت أهواؤهم. وينكر: يكذّب. وأمرت: فُرض علي. وأعبده: أقدسه وأطيعه. ولا أشرك به أي: أوحّده في العبادة. وأدعو:
أحض الناس. وإليه مآب أي: إلى لقاء موعده بالبعث بعد الموت. وأنزلنا: أوحينا. وحكمًا: حاكمًا. واتبعت: وافقت. والتقدير: أقسمُ - لئن اتبعت
أهواءهم فما لك من واق - مالك ذلك. وفي هذا إيجاز وتوكيد. والأهواء: جمع هوى، أي: ما تميل إليه النفس من الشهوة. وفرضًا: على سبيل الافتراض،
لأن اتباعه لهم مُحال. وجاءك: أتاك وكُلّفت به. والعلم: المعرفة اليقينية. وزائدة أي: للتنصيص على عموم النفي. (٢) انظر سبب النزول في المفصل.
والنساء: الزوجات. وأرسلنا: بعثنا. والرسل: جمع رسول. وجعلنا: خلقنا ويسرنا. والأزواج: جمع زوج، أي: امرأة الرجل. وكان ليعقوب زوجتان
وجاريتان، ولسليمان مئات الزوجات والسراري، ولداود مائة. وما كان: لا يصح. ويأتي بآية: يجيء بمعجزة. والإذن: الأمر والإرادة. والكتاب: السجلّ،
وهو صحف الملائكة بما عندهم من العلم عن المخلوقات. وتحديده أي: تحديد الوقت المعين. والمحو والإثبات عامّان لكل شيء في الخلق، أي: في
القدر غير المحتوم، وما كان غير ذي أهمية في الحساب والجزاء. انظر تفسير القرطبي ٣٢٩:٩-٣٣٠ وفتح القدير ١٢٤:٣-١٢٥. ويمحوه: يزيله. ويثبت
أي: يُبقيه لوقته المحدد. وقد سُجل تقدير ذلك في القضاء المُبرَم، أي: في أمّ الكتاب. وبالتشديد يريد القراءة ((ويُثَبِّتُ)). وعنده: في علمه. وأُمّ الكتاب:
السجل الذي فيه القضاء المُبرَم ، مع تعيين ما هو غير محتوم محددًا ما يكون منه. فالحق أنه لاتبديل لقضاء الله. أما المحو والإثبات فممّا سبق به القضاء
المحتوم أيضًا وثبت في أمّ الكتاب. انظر ((المفصل)). والكتاب هنا هو صحف الملائكة، أي: كتبهم. وما كتبه في الأزل أي: عِلمه القديم أمر بتسجيله، قبل
وجود العالم. (٣) نريك: نبصّرك عيانًا. ونعدهم: نتوعدهم به. و((فذاك)) أي: فذاك هو المراد. انظر تعليقنا تفسير الآية ٤٦ من سورة يونس. ونتوفاك:
نستوفي روحك الشريفة. والبلاغ: تبليغ العقيدة والشريعة. وعلينا أي: بمقتضى الوعد والحق. والحساب: حسابهم. ويروا: يعلموا. ونأتيها: بالإرادة
والأمر. وننقصها: نزيل بعضها من حكمهم. والأطراف: جمع طرف. ويحكم: يقضي. والسريع: العاجل جدًا. والحساب: المحاسبة. (٤) مكرّ: دبر
المكروه خفية. ومكرِه تعالى: تدبيره القضاء كيدًا وخدعًا بعقوبته للكافرين من حيث لا يشعرون. ومكر الخلق لا يخفى على الله علمه، وهو يقضيه أو يمنعه دون
منازع، فلا يكون لهم مطلق التصرف. ويعلمه: يحيط به كامل الإحاطة. وتكسب: تعمل بالقلب واللسان وسائر الجوارح. والنفس: المخلوق الحي من
المكلفين. وسيعلم: سيدرك ويعاين. والجنس: جنس الكافرين، يعني: كل كافر. والكفار: جمع كافر. والعقبى: ما تنتهي إليه أمور المخلوق. والدار: مكان
الإقامة .

الجزء الثالث عشر
٢٥٥
١٤ - سورة إبراهيم
١- ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لك: ﴿لَسْتَ مُرسَلًا. قُلْ﴾ لهم: ﴿كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَينِي
وبَينَكُم﴾ على صِدقي، ﴿ومَن عِندَهُ عِلمُ الكِتابِ﴾ ٤٣ من مُؤمني اليهود والنصارى!
سورة إبراهيم
٢- مكية إلّا ((ألم تر إلى الذين بدّلوا)) الآيتين، إحدى أو ثنتان أو أربع أو خمس
وخمسون آية .
بِسْمِ اللَّهِ الَّغْمَنِ الرَّحَمَةِ
٣- ﴿الَرَ﴾ الله أعلم بمُراده بذلك. هذا القُرآن ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيكَ﴾ - يا مُحمّد -
﴿لِتُخرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ﴾: الكُفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾: الإيمان، ﴿بإذنِ﴾: بأمر
﴿رَبِّهِم﴾، ويُبدل من ((إلى النور)): ﴿إِلَى صِراطٍ﴾: طريقِ ﴿العَزِيزِ﴾: الغالب
﴿الحَمِيدِ﴾ ١: المحمود، ﴿اللهِ﴾ بالجرِّ: بدل أو عطف بيان وما بعده صِفة، والرفع:
مبتدأ خبرُه: ﴿الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وما في الأَرضِ﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا، ﴿وَوَيَلٌ
لِلكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ ٢، الَّذِينَ﴾: نعت ﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾: يختارون ﴿الحَياةَ الدُّنيا
عَلَى الْآخِرةِ، ويَصُدُّونَ﴾ الناسِ ﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾: دِين الإسلام، ﴿وَيَبِغُونَها﴾ أي:
السبيلَ ﴿عِوَجًا﴾: مُعْوَجّة. ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعَيدٍ﴾ ٣ عن الحقّ.
سُورَةِ أَبْرَ أَهْقْرَ
الجزء الثَّالِعَشَّة
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَسْتَ مُرْسَلَا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ
شَهِيدًا بَيْنِىِ وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ
٤٣
سُورَةُ إِبْرَاهِيمٌ
◌ِلَهِ الرَّحْمِ الرَّحِيمِ
بِسْـ
الرَّكِتَبُّ أَنزَ لْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الْقُلُمَتِ
إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
اللَّهِ الَّذِى لَهُ, مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضُِ وَوَيْلٌ
لِلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ
اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى اْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
وَيَبْغُونَهَا عِوَجَا أُوْلَئِكَ فِ ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا
مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمَّ فَيُضِلُّ اللَّهُ
مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَآأَنْ أَخْرِجْ
قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ أَيَّنِمِ
﴿اللَّهِإِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لَّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورِ (@)
٤ - ﴿وما أرسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ﴾: بلغةِ ﴿قَومِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُم﴾ ليُفهّمهم ما أتى به،
﴿فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشاءُ ويَهِدِي مَن يَشاءُ - وَهْوَ العَزِيزُ﴾ في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ ٤ في صُنعه - ﴿وَلَقَد أرسَلْنا مُوسَى بِآياتِنا﴾ التسع، وقلنا له: ﴿أنْ
أخرِجْ قَومَكَ﴾ بني إسرائيلَ، ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾: الكُفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾: الإيمان، ﴿وَذَكِّرْهُم بِأيّامِ اللهِ﴾: بنِعَمِه. ﴿إِنَّ في ذُلِكَ﴾ التذكير ﴿لَآيَاتٍ لِكُلِّ
صَبّارٍ﴾ على الطاعة، ﴿شَكُورٍ﴾ ٥ للنّعم.
(١) انظر سبب النزول في المفصل. وكفروا أي: كذّبوك وكذّبوا الله. ومرسلًا: مبعوثًا من عند الله لدعوة الناس إلى دين أو شريعة. وقل لهم: خاطبهم بالقول
جهارًا. وكفى: يغني نهاية الإغناء عن دليل آخر. والشهيد: الشاهد يؤيد الحقيقة بالأدلة والبراهين. ومَن أي: الذي. وعنده أي: في معرفته. والعلم: ما في
التوراة والإنجيل من حقائق.
(٢) سبب الخلاف في عدد الآيات هو اختلاف العلماء في تعيين أواخر بعضها. والآيتين: يعني الآيات ٢٨- ٣٠. فهي ثلاث، وعند بعض العلماء اثنتان. وفي
المنحة: ٢٨ و٢٩.
(٣) أنزلنا: أوحينا على لسان جبريل. وتخرجهم: تنقلهم. والظُّلْمة: السواد الشديد تغيب فيه معالم الخير والشر. ولتخرجهم ... إلى الإيمان أي: لتدعوهم
للخروج من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ولأن للكفر سبلًا كثيرة، وللإيمان سبيلاً واحدة، عُبِّرَ عن الأول بالجمع، وعن الثاني بالمفرد. وبدل: يعني أن
لفظ الجلالة بدل من ((العزيز)). وعطف بيان أي: لتوضيح المراد مع التوكيد. وبأمره أي: وتيسيره وتوفيقه. وبالرفع يريد القراءة ((الله)). والسماء: ما يحيط
بالأرض من عوالم علوية. وانظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. والويل: الهلاك والدمار. والكافر: من كذّب الله ورسوله. والعذاب: التعذيب عقوبة
وإهانة. والشديد: القوي الذي لامثيل له. ونعت: يعني أن ((الذين)): صفة لـ ((الكافرين)). والحياة: العيش بالروح والجسد. والدنيا: القريبة وما فيها من المتع
واللذات. والآخرة: الحياة المتأخرة إلى يوم القيامة، وما فيها من النعيم الدائم والخلود. ويصد: يمنع ويرد. والسبيل: الطريق الواضحة. ويبغي: يطلب،
أي: يريدونها معوجة منحرفة عن الحق، لتوافق شهواتهم ومنافعهم، وليقدحوا في العقيدة والشريعة ويسخروا منهما. وأولئك أي: الموصوفون بالكفر وما
بعده. والضلال: الخطأ والضياع والانحراف. والبعيد: المتناهي في الانحراف.
(٤) روي أن المشركين من قريش قالوا: مابال الكتب كلُّها بالأعجمية، وهذا عربي؟ فنزلت الآيتان ٤ و٥. البحر٥: ٤٠٥ وتفسير الآلوسي ٢٦٨:١٣.
وأرسلنا: بعثنا بوحي لتبليغ التوحيد وما يلزمه. وقوم الإنسان: الجماعة التي يعيش بينها. والمراد: ما أرسلنا قبلك رسولًا إلّا متكلمًا بلغة الذين هو منهم،
وأنت أرسلناك للناس كافة بلغة قومك، وهم يترجمون لغيرهم ويعلمونهم. خ: ((لتفهيمهم). ويضله: يُمدّه بالأسباب والتيسير، ويصرف قدراته إلى مايناسب
اختياره الفاسد والخروج على الحق. ويشاء: يريد ضلاله أو هدايته. ويهديه: يرشده إلى الإيمان ويُمدّه بما يناسب اختياره للحق ويوفقه فيه. وهو أي: الله عز
وجل. والعزيز: الغالب يقهر كل الخلق وتذل له المخلوقات. والحكيم: البالغ الإتقان بوضع كل شيء في موضعه الأمثل. وموسى: أعظم أنبياء بني إسرائيل،
نزلت عليه التوراة. والآيات: المعجزات القاهرة تحمل على الإيمان. والتسع: انظر تفسير الآية ١٠١ من سورة الإسراء. وأخرجهم: انقلهم بالدعوة إلى
التوحيد. والظلمات والنور: انظر الآية ١. وذكّرهم: أعِدْ عليهم ذكر ما مضى وعِظْهم به، ليستجيبوا للإيمان والطاعة. والأيام: جمع يوم، أي: ماكان من نعم
ونقم، هيأها الله للأمم الكافرة ولبني إسرائيل أيضًا. فذكر النعم ههنا لا يكفي. خ: ((في ذلك التذكر)). والآيات: الدلالات والبراهين القاطعة. والصبار:
الشديد التجلد والتحمل لما يكلّف به أو يصيبه. والشكور: الكثير الشكر. وهو استحضارُ الفضل والإحسان في النفس، والثناءُ على صاحبهما بالقلب والعمل
واللسان.

١٤ - سورة إبراهيم
٢٥٦
الجزء الثالث عشر
سُورَةِ إبراهيمَ
المجرة الثَّالِمِعَشَر
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُ واْنِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
إِذْأَ نْجَنِكُمْ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوْءَ اُلْعَذَابِ
وَيَُّتِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمْ وَفِيِ
ذَلِكُمْ بَلَّةٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ( وَ إِذْتَأَذَنَ
رَبُّكُمْ لَيِنِ شَكَرْتُمْلَأَ زِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَرْتُمْ إِنَّ
عَذَابِ لَشَدِيِدٌ ﴿ وَقَالَ مُوسَىّ إِن تَكْفُرُواأ ◌َنْتُمْ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ
جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِى حَمِيدٌ ﴾ْ أَلَمْيَأْتِكُمْ نَبَؤُاْلَّذِينَ
مِن قَبَلِكُمْ قَوْمِ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودٌ وَالَّذِينَ مِنْ
بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَتِ
فَرَدُّ وَأَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ وَقَالُوَاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم
◌ِهِ، وَ إِنَّالَفِى شَكٍ مِّمَا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ جَ﴾ قَالَتْ
رُسُلُهُمْ أَفِى اَللَّهِ شَكٌ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ
لِيَغْفِرَلَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ
◌ُسَتَّىَّ قَالُواْإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا
عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأَتُونَا بِسُلْطَنِ مُّبِينٍ
١- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قالَ مُوسَى لِقَومِهِ: اذكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم، إذ أنجاكُم مِن آلٍ
فِرِعَونَ، يَسُومُونَكُم سُوءَ العَذابِ، ويُذَبِّحُونَ أبناءَكُم﴾ المولودين، ﴿وَيَسْتَحِبُونَ﴾:
يَستَبْقُون ﴿نِساءَكُم﴾، لقول بعض الكهنة: إنّ مولودًا يُولد في بني إسرائيلَ، يكون
سببَ ذهابِ مُلكِ فِرعونَ - ﴿وَفيِ ذُلِكُم﴾ الإنجاءِ أو العذابِ ﴿بَلاءٌ﴾: إنعام أو
ابتلاء، ﴿مِنْ رَبَّكُمْ عَظِيمٌ ٦ - وإذ تأذَّنَ﴾: أعلمَ ﴿رَبُّكُم: لَئِنْ شَكَرْتُمِ﴾ نعمتي بالتوحيد
والطاعة ﴿لَأَزِيدَنَّكُم، ولَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾: جحدتم النِّعمة بالكُفر والمعصية لأُعذِّبتكم، دلّ
عليه: ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٧.
٢- ﴿وقالَ مُوسَى﴾ لقومه: ﴿إِن تَكفُرُوا، أنتُم ومَن في الأرضِ جَمِيعًا، فإنَّ اللهَ لَغَنِيِّ﴾
عن خلقه، ﴿حَمِيدٌ﴾ ٨: محمود في صُنعه بهم. ﴿أَلَم يأْتِكُم) - استفهام
تقرير - ﴿نَبَأَ﴾: خبرُ ﴿الَّذِينَ مِن قَبَلِكُم، قَومِ نُوحِ وعادٍ﴾: قومِ هودٍ
نظيف
الْخِزْبُ
﴿وَثَمُودَ﴾: قوم صالح، ﴿والَّذِينَ مِن بَعدِهِم، لا يَعلَمُهُّم إلّا اللّهُ﴾ لكثرتهم؟
﴿جاءتْهُم رُسْلُّهُم بِالبَيِّنَاتِ﴾: بالحُجج الواضحة على صِدقهم، ﴿فَرَدُوا﴾
أي: الأُممُ ﴿أيدِيَهُم في أفواهِهِم﴾ أي: إليها، ليعضّوا عليها من شِدّة الغيظ،
﴿وقالُوا: إنّا كَفَرْنا بِما أُرسِلْتُم بِهِ﴾، على زعمكم، ﴿وإنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدَعُونَنَا إِلَيْهِ
مُرِيبٍ﴾ ٩: مُوقعٍ للريبة.
٣- ﴿قَالَتْ رُسْلُهُم: أفِ اللهِ شَكٌّ﴾، استفهام إنكار، أي: لا شكَّ في توحيده للدلائل
الظاهرة عليه، ﴿فاطِرٍ﴾: خالقِ ﴿السَّماواتِ والأرضِ، يَدعُوكُم﴾ إلى طاعته، ﴿لِيَغْفِرَ لَكُم مِن ذُنُوبِكُم﴾ - من: زائدةٌ، فإنّ الإسلام يُغفر به ما
قبلَه، أو تبعيضيةٌ لإخراج حُقوق العباد - ﴿وَيُؤَخِّرَكُم﴾ بلا عذاب ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾: أجل الموت؟ ﴿قالُوا: إن﴾: ما ﴿أَنتُم إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا،
تُرِيدُونَ أن تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤنا﴾ من الأصنام. ﴿فَائْتُونا بِسُلطانٍ مُبِينٍ﴾ ١٠: حُجّة ظاهرة على صِدقكم.
(١) اذكر أي: لقومك تهديدًا بما كان من استئصال الكافرين، وتبشيرًا لنفسك والمؤمنين. وقوم الإنسان: الجماعة التي هو منها. واذكروا: استحضروا في
أذهانكم. والنعمة: الإنعام بأنواع الخير والمنافع. وأنجاكم: أنقذكم. وآل فرعون: أتباعه وأصحاب دينه. وفرعون: ملك مصر في زمن موسى. ويسومونكم:
يذيقونكم. وسوء العذاب: التعذيب السيئ. والأبناء: جمع ابن. وهو الولد الذكر. ويستبقونهن أي: على الحياة للإذلال والاستخدام. والنساء: واحدته
امرأة. والبلاء: الامتحان ليظهر الشكور من الكفور. والظاهر أن ((أو)) هنا بمعنى الواو، لأن المعنيين معًا مقصودان، تذكيرًا بالنعم والعذاب. ومن ربكم: من
عنده وبقدره. وعظيم: ضخم جدًا لامثيل له. وفي ((تأذن)) مع الإعلام معنى القسم، أي: أوجب على نفسه بالفضل وأقسم. والرب: الخالق المالك المتفرد
يرعى مصالح عبيده. وشكرَ النعمة: استحضرها في نفسه وأظهر آثارها للناس، وأثنى على المنعم بالقلب واللسان والعمل. وأزيدكم: أضاعف لكم النعم.
والتقدير: أقسمُ - لئن شكرتكم أزدكم - لأزيدنكم. فالزيادة حاصلة أولًا بالقسم وجوابه لمن لم يشكر، ومضاعفة ثانيًا بتكرار الجواب لمن شكر. والعذاب:
التعذيب عقوبة وإهانة. والشديد: القوي لامثيل له. ودل عليه: يعني أن هذه الجملة الأخيرة دلت على الجملة المعطوفة على ((لأزيدنكم)). ولم يُصرَّح هنا بأن
العذاب من الله ((لأعذبنكم))، كما صرّح بذلك في (لأزيدنكم))، لأن الخير ينسب إليه - تعالى - وإذا ذكر العذاب بعده عُدِل عن نسبته إليه، إشارة إلى الرحمة
والفضل.
(٢) الغني: المستغني عن كل شيء. والحميد: المستوجب للثناء على كل حال. ويأتيكم: يبلغكم فتعلمونه. وتقرير أي: تحقيق لأن الهمزة تفيد النفي، ولم:
للنفي أيضًا، ونفي النفي تحقيق، أي: قد بلغكم ذلك حقًّا. وقد مضت أخبار هذه الأقوام في سورتي الأعراف وهود. ونوح وهود وصالح: رسل ثلاثة.
ولا يعلمهم أي: لا يعرف حقيقة أخبارهم وتفصيلاتها. وجاءتهم رسلهم: أتاهم الذين أرسلوا إليهم وبلغوهم دعوة التوحيد. والرسل: جمع رسول. وردوا:
دفعوا. والأيدي: جمع يد. والمراد هنا رؤوس الأصابع. والأفواه: جمع فم. وكفرنا: كذّبنا. وما أرسلتم به: البينات وما ادعيتم أنكم بعثتم مكلفين بتبليغه.
وعلى زعمكم أي: بناء على ما زعمتم من أنكم مرسلون. والشك: التردد بين القبول والإنكار. وما تدعوننا إليه أي: التوحيد الذي تحثّوننا على تقبله
واعتقاده. وموقع للريبة أي: يُحدث القلق وعدم الطمأنينة.
(٣) إنكار أي: أن الهمزة حرف استفهام للإنكار الإبطالي. وهو النفي والاستبعاد. والخالق: الموجد للأشياء من العدم. ويدعوكم: يحتكم. ويغفر الذنوب:
يسترها ولا يؤاخذ عليها. والذنوب: جمع ذنب. وزائدة أي: للتنصيص على عموم النفي. وتبعيضية يعني: للتبعيض. والتقدير: ليغفر لكم شيئًا كائنًا من
ذنوبكم. وبذلك تبقى الذنوب المتعلقة بحقوق العباد، للمحاسبة عليها يوم القيامة. والتبعيضية هنا أصح من الزيادة. ويؤخركم بلا عذاب: لا يعذبكم، وإن
أصررتم على الكفر عاجلكم بالهلاك. والأجل: المدة المحددة لحياة المخلوق. والمسمى: المعلوم المعيّن عند الله. ومِثلُنا أي: من جنسنا لافضل لكم
علينا. فلِمَ تكونون أنبياء؟ ولو أراد الله بعث رسل لكانوا من جنسٍ أفضل منا. وتريدون: تقصدون. وتصدونا: تردونا. ويعبد: يقدس ويطيع. والآباء: جمع
أب. وهو يطلق على الوالد والجد. وائتونا: أحضروا لنا وأوجدوا .

الجزء الثالث عشر
٢٥٧
١٤ - سورة إبراهيم
١ - ﴿قَالَتْ لَهُم رُسْلُهُم: إن﴾: ما ﴿نَحنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُم﴾، كما قلتم، ﴿ولكِنَّ اللهَ يَمُنُّ
علَى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ بالنُّبوّة، ﴿وما كانَ﴾: ما ينبغي ﴿لَنا أن نأتِيَكُم بِسُلطانٍ إلّا
بإذنِ اللهِ﴾: بأمره، لأنّا عبيد مربوبون. ﴿وعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾ ١١: يثقوا به.
﴿وَمَا لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ﴾ أي: لا مانع لنا من ذلك، ﴿وَقَد هَدانا سُبْلَنا؟ ولَنَصْبِرَنَّ
علَى ما آذَيْتُمُونا﴾: على أذاكم. ﴿وَعلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ١٢.
٢- ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسْلِهِم: لَنُخرِجَنَّكُم مِن أرضِنا، أو لَتَعُودُنَّ﴾: لتصيرُنّ ﴿فِي
مِلَّتِنا﴾: دِيننا. ﴿فأوحَى إِلَيهِم رَبُّهُم: لَنُهلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ ١٣ : الكافرين، ﴿وَنُسكِنَنَّكُمُ
الأرضَ﴾: أرضهم، ﴿مِن بَعدِهِم﴾: بعدِ هلاكهم. ﴿ذلِكَ﴾ النصر وإيراث الأرض
﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أي: مَقامَه بين يديّ، ﴿وخافَ وَعِيدٍ﴾ ١٤ بالعذاب.
٣- ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾: استنصر الرسل بالله على قومهم، ﴿وخابَ﴾: خسر ﴿مكُلُّ
جَبّارٍ﴾: مُتكبّر عن طاعة الله، ﴿عَنِيدٍ﴾ ١٥: مُعاند للحقّ، ﴿مِن وَرائِهِ﴾ أي: أمامهِ
﴿جَهَنَّمُ﴾ يدخلها، ﴿ويُسقَى﴾ فيها ﴿مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ١٦ - هو ما يَسيل من جَوف أهل
النار، مُختلطًا بالقَيح والدم - ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾: يبتلعه مرّة بعد مرّة لمرارته، ﴿ولا يَكادُ
يُسِيغُهُ﴾: يزدرده لقُبحه وكراهته، ﴿ويأتِيهِ المَوتُ﴾ أي: أسبابه المُقتضية له، من أنواع
العذاب ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ، وما هُوَ بِمَيِّتٍ، ومِن وَرائِهِ﴾: بعدِ ذلك العذابِ ﴿عَذابٌ
غَلِيظٌ﴾ ١٧ : قويّ مُتّصل.
سُورَة إبراهيم
الحرة القالم عيشية
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّاللَّهَ
يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ
بِسُلْطَانٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
وَمَالَنَآ أَلَّانَتَوَ كَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَننَا سُبُلَنَا
وَلَنَصْبِرََ عَلَى مَآءَاذَيْتُمُونًا وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَنْوَكَلِ اَلْمُتَوَّكِلُونَ
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْلِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِ جَنَّكُمْ مِنْ
أَرْضِنَا أَوْلَتَعُودُنَ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْرَتُهُمْلَتُهُلِكَنَّ
الظَّالِمِينَ ﴿ وَلَنُسْكِنَتَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمَّ
ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ ﴿ وَأَسْتَفْتَحُواْ
وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴿مِن وَرَآَبِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى
﴿ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ.
مِن مَّآءِ صَدِيدٍ
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍّ وَمِن
مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُ واْبِرَبِّهِمْ
وَرَآَبِهِ، عَذَابٌ غَلِيظٌ
أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادِ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ
مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ اَلْبَعِيدُ
٤ - ﴿مَثَلُ﴾: صِفةُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم﴾: مبتدأ، ويُبدَل منه: ﴿أعمالُهُم﴾ الصالحة،
كصِلةٍ وصدقة في عدم الانتفاع بها، ﴿كَرَمادٍ اشتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَومِ عاصِفٍ﴾: شديدِ هُبوبِ الريح، فجعلتْه هباءً منثورًا لا يُقدر عليه. والمجرور
خبر المبتدأ. ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ أي: الكُفّار، ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾: عملوا في الدنيا، ﴿عَلَى شَيءٍ﴾ أي: لا يجدون له ثوابًا، لعدم شرطه. ﴿ذُلِكَ هُوَ
الضَّلالُ﴾: الهلاك ﴿البَعِيدُ﴾ ١٨.
(١) الرسل: جمع رسول. ويمن: ينعم ويتفضل. ويشاء: يريد نبوته. والعباد: جمع عبد. وهو المخلوق المملوك الخاضع للطاعة والعبادة. فقد سلّم الرسل
لأقوامهم أنهم يماثلونهم بالبشرية وحدها. ثم ذكروا ما خُصوا به من الصفات، مبيّنين أنه من فضل الله، ويكون لمن يريده بفضله. ونأتي به: نحضره.
والسلطان: الحجة والمعجزة. وعلى الله يتوكل: عليه وحده يعتمد وإليه دون غيره يفوض أمره. والمؤمنون: الرسل وأتباعهم، أي: نحن ومن آمن. ولا مانع
لنا: يعني أن الاستفهام معناه النفي، والمراد: أيُّ شيءٍ حاصلٌ لنا في عدم التوكل؟ أي: لاشيء في ذلك إطلاقًا، وفي التوكل جميع الخير. وهدانا: أمدّنا
بالعون على ما يناسب اختيارنا للحق، وصرف قدراتنا إلى ما يوافق استعدادنا الطيب للرشاد والصلاح. والسبل: جمع سبيل. وهو الطريق المستقيم في الدين.
والباء حركتها الضم في الجمع، سكنت للتخفيف. ونصبر: نحتمل ونتجلد. وآذيتمونا: أنزلتم بنا من الشر والضرر. والتوكل الأخير تثبيت لما جاء في آخر
الآية ١١، أي: فليدوموا وليستمروا في التوكل على الله وحده.
(٢) كفروا: كذبوا وأنكروا. ونخرجكم: نطردكم ونبعدكم. والأرض: مكان الإقامة والاستيطان. و((تصيرن)) يعني أن ((تعود)) هنا لا يعني: ترجع، لأنه فعل
ناقص بمعنى التحول والصيرورة. وأوحى إليهم: بلّغهم على لسان جبريل. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. ونُهلك: ندمر ونستأصل
بالعذاب في الدنيا. والظالم: من تجاوز الحد بوضع الأمور في غير مواضعها. والكفر أشنع الظلم. ونسكنكم الأرض: نجعلكم مستقرين فيها وارثين لها بدلًا
من الكافرين. وخافه: خشيه وتجنب بالطاعة ما يكون فيه من البلاء. والمقام: مكان القيام للحساب. ووعيد أي: وعيدي. حذفت الياء الثانية للتخفيف.
والوعيد: التهديد بالانتقام من العصاة.
(٣) إنما استنصر الرسل بالله لأنهم يئسوا من إيمان أقوامهم، وعجزوا عن دفع العدوان. وجهنم: اسم علم لنار الله الموقدة. ويسقى أي: يُضطرّ إلى الشرب
لقسوة العطش. والماء: السائل الذي يشرب للارتواء. وفي ذكره هنا تهكم وتبكيت. ومرة بعد مرة أي: جرعة بعد جرعة، لا يناوَلُه كما يحتاج رغم عطشه
الشديد، لِما يثيره من التقزز والغثيان. ويكاد: يقارب، أي: لا يقارب إساغتَه وتقبُلَه. فكيف يتقبّله؟ ولكنه مع هذا يتناوله متقززًا مضطرًا. ويأتيه: يقع فيه.
والموت أي: موته. والمكان: الموضع والجهة. وكل مكان: جميع جهات جسمه وما حوله. والميّت: الصائر إلى الهلاك. والعذاب: التعذيب والإهانة.
ومتصل أي: لا ينقطع ولا ينتهي أبدًا .
(٤) مَثلهم: حالهم التي تشبه الأمثال في الغرابة والعجب. وكفروا به: كذّبوا وحدانيته ورسله. ويبدل منه: يعني أن ((أعمالُ)): بدل من المبتدأ: مَثَلُ.
والأعمال: جمع عمل. وهي ما اكتسبوه من نية وقول وفعل. وصلة أي: صلة الأقرباء بالمعونة. والرماد: ما يتخلف من احتراق المواد. واشتدت به: حملته
ونثرته في الفضاء. والريح: الهواء الثائر. فكفرهم مِثلُ الريح للرماد، يُبطل الأعمال ويُحبطها، فتتلاشى دون أثر. والمجرور أي: رماد. انظر ((المفصل)). ولا
يقدرون عليه: لا يستطيعونه، أي: لا يصلون إليه ولا يظفرون به يوم القيامة، لأن شرط ثواب الأعمال هو الإيمان والتوحيد. والإشارة بـ ((ذلك)) هي إلى ما دل
عليه التمثيل من كفرهم وظنهم الفلاحَ. والبعيد أي: الغاية في التطرف عن طريق الحق.

١٤ - سورة إبراهيم
٢٥٨
الجزء الثالث عشر
سُِوَرَةِ أَبرُ الْهَعْمَم
أَلَمْ تَرَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِن يَشَأْ
يُدْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ ﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَؤُاْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوَاْ
إِنَّاكُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ
مِن شَىْءٍ قَالُواْ لَوْهَدَ نَنَا ◌َللَّهُ لَّدَيْنَكُمْ سَوَاءُ عَلَيْنَآَ
أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَّرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ وَقَالَ الشَّيْطَرُ
لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَ تُّكُمْ
فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانِإِلَّ أَنْ دَعَوْتُ
فَاسْتَجَبْتُمْلِ فَلَا تَلُومُونِ وَلُومُوَ أْأَنْفُسَكُمْ مَّآأَنَا
بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمِ بِمُصْرِخِىٌَّ إِنِى كَفَرْتُ بِمَآ
أَشْرَ كْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّالظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
أَ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَحْنِهَا آلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّنُهُمْ
فِيَهَا سَلَمُ ٣ أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً
كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا تَابِتُ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَآءِ @
١- ﴿أَلَم تَرَ﴾: تنظرْ يا مُخاطَبًا - استفهام تقرير - ﴿أنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ
بِالحَقِّ﴾: متعلق بـ ((خلقَ))؟ ﴿إِن يَشَأْ يُذهِبْكُم﴾ - أيُّها الناس - ﴿ويأتِ بِخَلقٍ
جَدِيدٍ﴾ ١٩ بدلَكم، ﴿وما ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ ٢٠: شدید.
٢ - ﴿وَبَرَزُوا﴾ أي: الخلائق - والتعبير فيه وفيما بعده بالماضي لتحقّق وقوعه - ﴿للهِ
جَمِيعًا، فقالَ الضُّعَفاءُ﴾: الأتباع ﴿لِلَّذِينَ استَكْبَرُوا﴾: المتبوعين: ﴿إِنّا كُنّا لَكُم
تَعًا﴾: جمعِ تابع. ﴿فَهَل أنتُم مُغْنُونَ﴾: دافعون ﴿عَنّا مِن عَذابِ اللهِ مِن شَيءٍ﴾؟ مِن
الأُولى: للتَّبيين، والثانية: للتبعيض. ﴿قالُوا﴾ أي: المتبوعون: ﴿لَو هَدانا اللهُ
لَهَدَيناكُم﴾: لدعوناكم إلى الهُدى. ﴿سَواءٌ علَينا أجَزِغْنا أم صَبَرْنا. مالَنا مِن﴾: زائدةٌ
﴿مَحِيصٍ﴾ ٢١: ملجأ .
٣- ﴿وَقَالَ الشَّيطانُ﴾ إبليس، ﴿لَمّا قُضِيَ الأمرُ﴾، وأُدخل أهلُ الجنّةِ الجنّةَ وأهلُ
النار النارَ، واجتمعوا عليه: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعدَ الحَقِّ﴾، بالبعث والجزاء فصدقكم،
﴿وَوَعَدتُكُم﴾ أنه غير كائن ﴿فَأخلَفتُكُم، وما كانَ لِي عَلَيْكُم مِن﴾: زائدةٌ ﴿سُلطانٍ﴾ :
قُوّة وقُدرة أقهركم على متابعتي، ﴿إِلّ﴾: لكن ﴿أن دَعَوتُكُم فاستَجَبْتُم لِي. فلا
تَلُومُونِي ولُومُوا أنفُسَكُم﴾ على إجابتي. ﴿ما أنا بِمُصرِخِكُمْ﴾: بمُغيثكم، ﴿وما أنتُم
بِمُصرِخِيَّ﴾، بفتح الياء وكسرها. ﴿إِنِّي كَفَرتُ بِما أشرَ كَتُمُونِي﴾: بإشراككم إياي مع
الله ﴿مِن قَبلُ﴾ في الدنيا - قال تعالى: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾: الكافرين ﴿لَهُم عَذابٌ
ألِيمٌ﴾ ٢٢: مُؤلم - ﴿وَأُدخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ جَنّاتٍ، تَجرِي مِن تَحتِها
الأنهارُ، خالِدِينَ﴾: حالٌ مُقدّرة ﴿فِيها بِإذنِ رَبِّهم، تَحِيَّتُهُم فِيها﴾ من الله ومن
الملائكة وفيما بينهم ﴿سَلامٌ﴾ ٢٣.
٤- ﴿أَلَم تَرَ﴾: تنظرْ: ﴿كَيفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا﴾، ويُبدل منه ﴿كَلِمَةً طَيِّةً﴾ أي: لا إلّهَ إلّا اللهُ، ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّةٍ﴾ هي النخلة، ﴿أصلُها ثابتٌ﴾ في
الأرض، ﴿وَفَرَعُها﴾: غُصنها ﴿فِي السَّماءِ ٢٤، تُؤْتِي﴾: تُعطي ﴿أُكْلَها﴾: ثمرها ﴿كُلَّ حِينٍ، بِإذْنِ رَبِّها﴾: بإرادته؟ كذلك كلمة الإيمان ثابتة في
(١) النظر هنا بمعنى التدبر والعلم. والمخاطب: كل سامع أو قارئ. وفيما عدا الأصل والنسختين: (يا مخاطب)). وتقرير: يعني أن الهمزة حرف استفهام
معناه التحقيق، أي: لقد رأيتَ وعلمتَ حقًّا. فلماذا لم تعتبر؟ وخلقه: أوجده من العدم. ويشاء: يريد استبدالكم. ويذهبكم: يهلككم جميعًا. ويأتي به:
يوجده. والخلق: المخلوقات. وجديد أي: آخَر مستحدث لم يكن من قبل. وبعزيز أي: وما إهلاككم مع إنشاء الخلق الجديد بمتعذر أو متعسر على الله،
وإنما هو أمر يسير يكون بطرفة عين.
(٢) برزوا: خرجوا وظهروا من قبورهم يوم القيامة. والخلائق: جمع خليقة. وهي الناس. ولله أي: لحساب الله وجزائه. والضعفاء: جمع ضعيف، أي:
ضعفاؤهم. واستكبروا: امتنعوا عن قبول الإيمان، لِما هم عليه من الرياسة. والتبع: المقلّدون بطاعة عمياء. وسقط ((أي)) من المنحة وبعض المطبوعات.
وهدانا: أرشدنا إلى الإيمان ووفقنا فيه. والسواء: التساوي بقدر واحد. وجزعنا: ضعفنا عن التحمل. وصبرنا: تحمّلنا. وملجأ: مهرب مما نحن فيه.
والمعنى: لانجاة لنا مما نحن فيه.
(٣) الشيطان: من يغري بالشر من الجن. وقضي الأمر: انتهى الحساب. ووعدكم: بلّغكم مبشِّرًا ومهدِّدًا. والحق: الثابت الواقع. ووعدتكم: منَّتكم بالفناء
النهائي بعد الموت. وغير كائن أي: أن ما ذكر من البعث والجزاء غيرُ حاصل. وأخلفت: كنت كاذبًا. وزائدة: يعني أن ((مِن)): للتنصيص على عموم النفي.
ودعوتكم: حضضتكم على الكفر. واستجبتم: استسلمتم. وتلومون: توبخون. والأنفس: جمع نفس. ونفس الإنسان حقيقته بروحه وجسده. وبكسرها يريد
القراءة ((بِمُصرِخِيٍّ)). والتقدير: ((مصرِخِيْيْ))، وحركت الياء الثانية بالكسر، وأدغمت فيها الياء الأولى. انظر ((المفصل)). وفي القراءة الأولى حركت الياء
بالفتح. وكفرت به: تبرأت منه. وأشركتموني: أطعتموني فجعلمتوني مشاركًا الله في التقديس والطاعة. وفيما عدا الأصل وخ وع: ((أشركتمونِ))، بحذف ياء
المتكلم للتخفيف. وهو واجب تبعًا لرسم المصاحف. وإنما جاز إثباتها بيانًا للقراءة التي اختارها السيوطي. ومن قبلُ: من قبلِ هذا الوقت. ومؤلم: شديد
الألم. وأدخلوا: ساقتهم الملائكة برفق حتى دخلوا. وآمنوا: صدّقوا الله ورسوله. وعملوا الصالحات: اكتسبوا باختيارهم وإرادتهم في الدنيا ما حسّنه الشرع.
والجنة: الحديقة العظيمة. وتجري: تسيل وتتدفق. ومن تحتها: من تحت قصورها. والأنهار: جمع نهر. وهو المجرى العظيم للماء والعسل واللبن والخمر.
والخالد: المقيم أبدًا. ومقدَّرة أي: أن الله قدّر لهم ذلك. والإذن: الأمر. والتحية: ما يقال أول المقابلة من دعاء بالخير. والسلام: السلامة من كل ضر
وسوء مع الاطمئنان الدائم.
(٤) الرؤية والنظر هنا بالقلب والبصيرة. والخطاب لكل قارئ أو سامع. وضرب: أوضح. والمثل: الأمر العجيب يبيِّن مايشبهه أوضح ما يكون. ويبدل منه:
يعني أن ((كلمة)): بدل من ((مثلًا)). والكلمة: ما يقال. والطيبة: المباركة العميمة الخير. وهي السحر الحلال. والطيبة تكون مباركة خيّرة، إذا جعلت في منبت
كريم ورعاية صالحة. وأصلها: أسفلها بجذوره. والثابت: المستقر المتمكن. وفي السماء أي: متطاول متفرع في الأعالي. والأكل: مايؤكل. والحين: الزمن
المحدَّد لنضج ثمار الشجرة المذكورة. وكل وقت: يعني أن ما تقدِّمه النخلة من ثمار يؤكل في كل وقت، وإن كان لجناها أجل معين. والأمثال: جمع مَثَل.
ويتذكر: يستحضر في نفسه ما تفيده الأمثال العجيبة، ليستدل به على وجوب الإيمان والتوحيد.

الجزء الثالث عشر
٢٥٩
١٤ - سورة إبراهيم
قلب المؤمن، وعملُه يصعد إلى السماء ويناله بركته وثوابه كُلَّ وقت. ﴿ويَضرِبُ﴾:
يُبيّن ﴿اللهُ الأمثالَ لِلنَّاسِ، لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢٥: يتّعظون فيؤمنون.
١- ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثِةٍ﴾ هي كلمة الكُفر ﴿كَشَجَرةٍ خَبِيثةٍ﴾ هي الحنظل، ﴿اجثُثَّتْ﴾:
استُؤْصلت ﴿مِن فَوقِ الأرضِ، مالَها مِن قَرارٍ﴾ ٢٦: مُستَقَرّ وثبات. كذلك
كلمة الكُفر لا ثبات لها ولا فرع ولا بركة. ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا، بِالقَولِ
الثّابِتِ﴾ هو كلمة التوحيد، ﴿في الحَياةِ الدُّنيا وفي الآخِرَةِ﴾ أي: في القبر،
لمّا يسألُهم الملَكانِ عن ربّهم ودينهم ونبيّهم، فيُجيبون بالصواب - كما في
حديث الشيخين - ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ﴾: الكُفّار فلا يهتدون إلى الجواب بالصواب
- بل يقولون: ((لا ندري)). كما في الحديث - ﴿ويَفعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ ٢٧ .
الْخِزَبْ
٢٦
٢- ﴿أَمْ تَرَ﴾: تنظرْ ﴿إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ﴾ أي: شُكرَها ﴿كُفْرًا﴾، ھم كُفّار
قريش، ﴿وأحَلُّوا﴾: أنزَلوا ﴿قَومَهُم﴾، بإضلالهم إياهم، ﴿دارَ البَوارِ﴾ ٢٨: الهلاكِ،
﴿جَهَنَّمَ﴾: عطفُ بيان ﴿يَصلَونَها﴾ يَدخلونها، ﴿وبِئْسَ القَرارُ﴾ ٢٩ المَقرُّ هي!
﴿وَجَعَلُوا لِلهِ أندادًا﴾: شُركاء ﴿لِيَضِلُّوا﴾ - بفتح الياء وضمّها - ﴿عَن سَبِيلِهِ﴾: دِين
الإسلام؟ ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ بدنياكم قليلًا. ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُم﴾: مرجعكم ﴿إِلَى
النّارِ﴾ ٣٠.
نُودَةِ ابراهيْمِ﴾
الجزء الثَّالِمِ وَشَة
تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَأْ وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ بَّذَكَّرُونَ ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ
كَشَجَرَةٍ خَبِثَةٍ أَجْتُثَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ
﴿ يُثَبِّتُ اللَهُ الَّذِينَءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَيَوْةِ
الدُّنْيَاوَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اَللَّهُ الظَّالِمِينْ وَيَفْعَلُ
اللَّهُ مَايَشَآءُ ﴿ ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً
وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ
اَلْقَرَارُ ﴿ وَجَعَلُوْلِلَّهِأَنْدَادًا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ
تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيَرَكُمْ إِلَى النَّارِ جَقُل لَّعِبَادِىَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَّةٌ
مِن قَبْلِ أَن يَأْتِى يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَلُ اللَهُ الَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ
بِهِ مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ
فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَرَلَكُمُ الْأَنْهَرَ جَ وَسَخَّرَلَكُمُ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَدَآِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الََّّلَ وَاَلنَّهَارَ
٣- ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا، يُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُنفِقُوا مِمّا رَزَقْنَاهُم سِرًّا وعَلانِيةً، مِن قَبَلِ أن يأتِيَ يَومٌ، لا بَيعَ﴾: فِداءَ ﴿فِيهِ ولا خِلالَ﴾ ٣١:
مُخالّة أي: صداقة تنفع، هو يوم القيامة. ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، وأنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فأخرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزقًا لَكُم، وسَخَّرَ
لَكُم الفُلكَ﴾: السُّفن، ﴿لِتَجْرِيَ في الْبَحِرِ﴾ بالركوب والحمل ﴿بِأمرِهِ﴾: بإذنه، ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنهارَ ٣٢، وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمسَ والقَمَرَ دائبَينِ﴾:
جاريين في فلكهما لا يفتران، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ لتسكنوا فيه، ﴿والنَّهارَ﴾ ٣٣ لتبتغوا فيه من فضله، ﴿وآتاكُم مِن كُلِّ ما سألتُمُوهُ﴾، على حسَب
(١) مثل كلمة أي: صفتها وحالها. والخبيثة: الشنيعة. وكلمة الكفر أي: كل ما دل على الكفر. والحنظل: ثمرته بحجم البرتقالة، ولبها شديد المرارة.
واجتثت من فوق الأرض: كأنها اقتُلعت، لأنها غير ثابتة أصلًا، وملقاة على التربة بلا جذر أو عروق. ويثبت: يقوّي بالاستقرار. والقول: الكلام في النفس
أو باللسان. والثابت: المتمكن في القلوب والألسنة بالبراهين القاطعة. والدنيا: القريبة قبل الموت، أي: فلا تزلزلهم الفتن والمصائب. و((لما يسألهم)) انظر
تفسير الآية ١٥٩ من سورة النساء. والملكان هما مُنكر ونكير. والشيخان: البخاري ومسلم. انظر الأحاديث ١٣٠٣ و٤٤٢٢ في البخاري و٢٨٧١ في مسلم.
ويضلهم: يُمدّهم بما يناسب اختيارهم السيئ واستعدادهم للباطل. والظالم: من يجاوز الحق فيضع الأمور في غير مواضعها. وفيما عدا الأصل: ((للجواب)).
ويفعل: يخلق. وما يشاء: ما يريده من التثبيت والإضلال بما يناسب اختيار الإنسان واستعداده.
(٢) تنظر: تعلم. والمراد: لقد نظرتَ إليهم، وعلمتَ ما انتهوا إليه. وبدّلوا كفرًا أي: جعلوا إنكار الفضل بدلًا. والنعمة: الإحسان بالخير. وكفار قريش
أي: أن الآيات ٢٨-٣٠ مدنية نزلت فيهم بعد غزوة بدر. فقد أكرمهم الله بالحَرَم، ووسّع عليهم الرزق، وشرّفهم بالنبوة والإسلام، فقابلوا ذلك كله بالكفر
والإنكار. وأنزلوهم: سببوا لهم النزول. ودار البوار: التي فيها الهلاك. وعطف بيان أي: فيه توضيح للإبهام قبله، مع التوكيد والتهويل. ويدخلونها أي:
ليقاسوا عذابها. وجعلوا: صيّروا. والأنداد: جمع ند. وهو النظير المشابه في الصفات والعمل. والمراد بذلك ما يعبدون من المخلوقات. ويَضلوا: ينحرفوا.
وبضمها يريد القراءة ((لِيُضِلَّوا)) أي: يصرفوا الناس. والسبيل: الطريق الواضح. وتمتعوا: تنعموا وتلذذوا. والنار: نار جهنم.
(٣) العباد: العابدون المطيعون الله، جمع عبد. وآمنوا: عرفت قلوبهم التوحيد واليقين. ويقيم الصلاة: يؤديها بشروطها وأركانها وآدابها. وينفق: يبذل في
وجوه الخير. ورزقناهم إياه: خلقناه لهم متاعًا وزينة. وسرًا: دون إطلاع أحد. وعلانية: جهارًا بعلم الآخرين. ويأتي: يحصل. واليوم: الزمن. والبيع:
المعاوضة. وهنا يراد به الشراء. وخلق: أوجد من العدم. والسماوات والأرض. انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. وأنزل: أسقط. والسماء:
السحاب. والماء: المطر وما يشبهه. وأخرج: أنبت. والثمرات: ما ينعقد من جنى النبات ليكون الطعام أوالشراب أو اللباس والزينة. والرزق: ما يُمنح من
ألوان المتاع والزينة. وسخره: يسّره وهيّأه للغاية التي وجد لها. ولكم: لقضاء حاجاتكم ومصالحكم. والفلك: اسم جمع مفرده من لفظه. وتجري: تسير
فوق الماء. والبحر: المكان الجامع للماء الكثير، ومنه البحيرات والأنهار. والشمس والقمر: الكوكبان المعروفان. والشمس نجم. فالتثنية كوكبان للتغليب.
وكذلك الشأن في كثير من النصوص. وهما يجريان مع مجرتهما بسرعة عظيمة. ولكل منهما جريان خاص أيضًا ضمن المجرة. ودائب: مستمر. ولا يفتر:
لا يضعف ولا يقف. ومن فضله أي: بالسعي والعمل والعبادة. وآتاكم: أعطاكم. وما سألتم أي: ما من شأنه أن تطلبوه أو تحتاجوا إليه. وتعدوا: تُحصوا.
وعدّ النعم: عدّ أنواعها لامفرداتها، لأن المفردات غير متناهية. والنعمة: التفضل بالخير. والإنسان: الفرد من البشر. انظر ((المفصل)). والظلم: مجاوزة الحق
والعدل. والكفر: الجحود وعدم الشكر للمنعم.

١٤ - سورة إبراهيم
٢٦٠
الجزء الثالث عشر
سُورَة أبراهيم
الجرةُ التَّالِ عَشَرَ
وَءَاتَنْكُمْ مِّنِ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّ واْنِعْمَتَ اللَّهِ
لَا تُحْصُوهَأَ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُوْمُ كَفَّارٌ () وَإِذْ
قَالَ إِبْرَهِيْمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَءَإِنًا وَأَجْنُبْنِ وَبَنِىَّ
أَنْ تَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ ◌ّارَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ
﴿فَمَنْ تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّ وَ مَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
أَزَّبَّنَآ إِنِّى أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٌ عِندَ بَيْئِكَ
اُلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْالصَّلَوةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ
تَهْوِيٍ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (يَّ
رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنٌ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَىْءٍ
فِ الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ ﴿َالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِ
عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَّ إِنَّ رَبِى لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ
رَبِّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوْةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيَّ رَبَنَا وَتَقَبَّلْ
دُعَاءِ ثَرَبَّنَا أَغْفِرْلِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقَومُ
الْحِسَابُ جَ وَلَا تَحْسَبَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ
الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِرُ هُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَرُ@)
مصالحكم. ﴿وإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ﴾ بمعنى إنعامه ﴿لا تُحصُوها﴾: لا تُطيقوا عدّها .
﴿إِنَّ الإنسانَ﴾: الكافرَ ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ ٣٤: كثير الظلم لنفسه بالمعصية والكُفر لنِعمة
ربه .
١ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قالَ إِبراهِيمُ: رَبِّ، اجعَلْ هذا الْبَلَدَ﴾ مكّة ﴿آمِنَا﴾: ذا أمنٍ - وقد
أجاب الله دُعاءَه فجعله حَرمًا لا يُسفك فيه دم إنسان، ولا يُظلم فيه أحد، ولا يُصاد
صيده ولا يُختلى خلاه - ﴿واجنُبْنِي﴾: بعِّدْني ﴿وَبَنِيَّ﴾ عن ﴿أَن نَعْبُدَ الأصنامَ ٣٥.
رَبِّ، إِنَّهُنَّ﴾ أي: الأصنامَ ﴿أضلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ بعبادتهم لها. ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾
على التوحيد ﴿فإنَّهُ مِنِّي﴾: من أهل دِيني، ﴿ومَن عَصانِي فإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣٦.
هذا قبل عِلمه أنه - تعالى - لا يَغْفِرِ الشِّرك.
٢ - ﴿رَبَّنَا، إنِّيَ أسكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أي: بعضَها - وهو إسماعيل مع أمّه هاجَرَ -
﴿بِوادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ﴾، هو مكّة، ﴿عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّم﴾ الذي كان قبل الطوفان،
﴿رَبَّنَا، لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ. فاجعَلْ أَفِئِدةً﴾: قُلوبًا ﴿مِنَ النّاسِ تَهوِي﴾: تَميلُ وتَحِنّ
﴿إِلَيهِم﴾ - قال ابن عبّاس: لو قال ((أفئدةَ الناسِ)) لحنّت إليه فارسُ والروم والناس
كُلّهم - ﴿وارزُقْهُم مِنَ الثَّمَراتِ، لَعَلَّهُم يَشكُرُونَ﴾ ٣٧. وقد فَعلَ بنقل الطائف إليه.
٣- ﴿رَبَّنَا، إِنَّكَ تَعلَمُ ما نُخفِي﴾: نُسِرّ ﴿وما نُعلِنُ، وما يَخِفَى عَلَى اللهِ مِن﴾: زائدةٌ
﴿شَيءٍ في الأرضِ ولا في السَّماءِ﴾ ٣٨. يحتمل أن يكون من كلامه - تعالى - أو
كلام إبراهيم. ﴿الحَمدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي﴾: أعطاني ﴿عَلَى﴾: معَ ﴿الكِبَرِ إسماعِيلَ﴾
- وُلِدَ وله تسعٌ وتسعون سنةً - ﴿وإسحاقَ﴾. وُلد وله مِائَة وثِنتا عَشْرةَ سنةً. ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ. ٣٩ رَبِّ، اجعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ، و﴾ اجعل
﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ من يُقيمها - وأتى بـ ((مِن)) لإعلام الله تعالى له أنّ منهم كُفّارًا - ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعائِي﴾ ٤٠ المذكورَ. ﴿رَبَّنا، اغفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ - هذا
قبل أن يتبيّن له عداوتهما لله، عزّ وجلّ. وقيل: أسلمتْ أُمّه. وقُرئَ: ((والِدِي)) مُفردًا و((وَلَدَيَّ)) - ﴿وَلِلمُؤْمِنِينَ يَومَ يَقُومُ﴾: يَثْبُتُ
﴿الحِسابُ﴾ ٤١.
٤- قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسِبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعمَلُ الظَّالِمُونَ﴾: الكافرون من أهل مكّة. ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُم﴾، بلا عذاب، ﴿لِيَومٍ تَشْخَصُ فِيهِ
الأبصارُ﴾ ٤٢ لهول ما ترى - يقال: شَخَصَ بصرُ فُلان، أي: فتحه فلم يُغمضه - ﴿مُهطِعِينَ﴾: مُسرِعِينَ حالٌ، ﴿مُقنِعِي﴾: رافعيّ ﴿رُؤُوسِهِم﴾
(١) رب أي: ياربي. واجعله: صيّره. والأمن: السلامة من كل أذى. ويختلى: يقطع. والخلى: الحشائش. وبنيّ: أولادي. ونعبد: نقدس ونطيع.
والأصنام: جمع صنم. وهو تمثال مصنوع يزعم المشركون أن عبادته تقربهم إلى الله. وأضللنه: سبّبْنَ له اعتقادَ الشرك. وتبعني: أطاعني. وعصاني: رفض
دعوتي. والغفور: الكثير الستر للذنوب والعفو عنها. والرحيم: الكثير العطف بالتفضل. و((هذا)) يعني أن ((ومن .. رحيم)) قاله قبل علمه عدم مغفرة الشرك،
كما استغفر لأبويه في الآية ٤١ .
(٢) أسكنتهم: أنزلتهم للإقامة. والذرية: النسل. والمراد إسماعيل وإخوته المستعربون ومَن يكون مِن نسلهم. والوادي: المنخفض بين جبلين. وغير ذي
زرع: لا يصلح للزراعة. والمحرم: الممنّع من العدوان والانتهاك. فقد نقل إبراهيمُ زوجته هاجرَ وابنَه إسماعيلَ من الشام، للإقامة قرب ما سيُبنى فيه البيت
الحرام ، فكان ذلك سببًا لتعرُّب إسماعيل وذريته. ثم تزوج أيضًا امرأة عربية كان له منها أولاد تعربوا، منهم ((مَدْيَنٌ)) جد النبي شُعيب. و((قبل الطوفان)) هذا
قول مردود. انظر الصواب في تفسير الآية ٩٦ من سورة آل عمران. ويقيم الصلاة: يؤديها كما يجب. واجعل: صيّر. والأفئدة: جمع فؤاد. وإليهم أي: لزيارة
بيتك. وارزقهم: هيئ لهم ما ينتفعون به. والثمر: ما ينعقد من زهر النبات. ويشكر: يستحضر النعم ويثني على المنعم بالقلب واللسان والعمل. ونقل الطائف
قول مردود أيضًا ليس له سند شرعي. انظر تعليقنا على تفسير الآية ١٢٦ من سورة البقرة.
(٣) تعلمه: تحيط بدقائقه وتفصيلاته. ونعلنه: نظهره للآخرين. ويخفى: يغيب. وزائدة: يعني أن ((مِن)): للتنصيص على عموم النفي. والحمد: الثناء لأجل
النعم. والكبر: بلوغ السن العالية. وله: لإبراهيم. وذكر السيوطي في تفسير الآية ٧٢ من سورة هود ما يخالف عدد السنين المذكور هنا. والسميع: المجيب.
والدعاء: الطلب بالتذلل. واجعلني مقيم الصلاة: ثبّتني على أدائها كاملة. والذرية: النسل من الأولاد والحفدة. وتقبله: يسر إجابته. ودعائي: طلبي متضرعًا.
وفيما عدا الأصل والنسخ وط والفتوحات والصاوي: ((دعاءٍ)) بحذف ياء المتكلم للتخفيف. والدعاء أي: فيما سألتك كله في الآيات ٣٥-٤٠. واغفر: استر
الذنوب ولا تؤاخذ عليها. والوالدان: الأب والأم. و((ولديّ)) أي: إسماعيل وإسحاق. ويثبت: يحصل ويتحقق. والحساب: محاسبة الناس.
(٤) تحسب: تظن أي: دم على يقينك القاطع. والغافل: الساهي. ويعمل: يكتسب بنياته أو قوله أو فعله. والظالم: من يتجاوز الحق. وأهل مكة أي:
وغيرها. ويؤخرهم: يؤجل عقابهم. وليوم: إلى وقت محدّد. والأبصار: جمع بصر. والرؤوس: جمع رأس. ولا يرتد أي: لا يملكون التصرف بأبصارهم.
والأفئدة: جمع فؤاد. وهو القلب.