Indexed OCR Text
Pages 221-240
الجزء الحادي عشر
٢٢١
١١ - سورة هود
١- ﴿قُلْ: يا أيُّها النّاسُ﴾ أي أهلَ مكّة، ﴿قَد جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبَّكُم. فمَنِ اهْتَدَى
فإنَّما يَهتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لأنّ ثواب اهتدائه له، ﴿ومَن ضَلَّ فإنَّما يَضِلُّ عَلَيها﴾ لأنّ وبال
ضلاله عليها، ﴿وما أنا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ ١٠٨، فأُجبرَكم على الهُدى. ﴿واتَّبَعْ ما يُوحَى
إلَيكَ، واصبِرْ﴾ على الدعوة وأذاهم، ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ فيهم بأمر. ﴿وهْوَ خَيرُ
الحاكِمِينَ﴾ ١٠٩: أعدَلُهم. وقد صبر حتّى حُكم على المشركينَ بالقِتال، وأهلِ
الكِتاب بالجِزية .
سورة هود
٢- مكية إلّا ((وأقم الصلاة)) الآية، وإلّا ((فلعلك تارك)) الآية و((أولئك يؤمنون به)) الآية،
مِائَة وثنتان أو ثلاث وعشرون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَيَةِ
٣- ﴿الّر﴾ الله أعلم بمُراده بذلك. هذا ﴿كِتَابٌ أُحكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، بعجيب النظم وبديع
المعاني، (ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾: بُيّتْ بالأحكام والقِصص والمواعظ، ﴿مِن لَدُنْ حَكِيم
خَبِيرٍ﴾ ١ أي: اللهِ، ﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿لا تَعْبُدُوا إِلّ اللهَ - إِنَّنِي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ﴾ بالعذابٌ
إن كفرتم، ﴿وَبَشِيرٌ﴾ ٢ بالثواب إن آمنتم - ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من الشّرك، ﴿ثُمَّ
تُوبُوا﴾: ارجِعوا ﴿إِلَيهِ﴾ بالطاعة، ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ في الدنيا، ﴿مَتَاعًا حَسَنًا﴾، بطِيب عيش
وسَعة رِزق، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ هو الموت، ﴿وَيُؤْتٍ﴾ في الآخِرة ﴿كُلِّ ذِي فَضْلٍ﴾
في العمل ﴿فَضِلَهُ﴾: جزاءه، ﴿وإن تَوَلَّوا﴾ فيه حذف إحدى التاءين، أي: تُعرِضوا
﴿فَإِنِّيَ أخافُ عَلَيْكُمْ عذابَ يَومٍ كَبِيرٍ﴾ ٣، هو يوم القِيامة. ﴿إِلَى اللهِ مَرَجِعُكُم، وهْوَ
عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤، ومنه الثواب والعذاب.
سُِّوْرَة ◌ُهُوُد
الجزء الحاءُ عَشَرَّه
وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلََّّهُوَّ وَإِن
يُرِدَّكَ بِخَيْرٍ فَلَاَ رَآَذَ لِفَضْلِهِ ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ.
وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٦) قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْجَاءَ كُمُ
اٌلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ آَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن
ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٢) وَآتَِّعْ
مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمُ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ أَبـ
شُورَةٌ هُوَد
بِسـ
الّرَكِنَبُّ أُحْكِمَتْءَ اَلُهُ ثُمَ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
ـُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ
أَلَّا تَعْبُدُ وَاْ إِلَّا اللَّهَ إِنَّتِى لَكُ مِّنْهُ نَذْرٌوَاَ
رَبَّكُمْثُمَّتُوبُواْإِلَيْهِ يُعَنِعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنَّا إِلَى أَجَلِ مُسَنَّى وَيُؤْتِ
كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَةٌ، وَإِنِ تَوَلَّوْ فَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ
كَبِيرٍ جَا إِلَى اللَّهِ مَنْ جِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٥) أَ إِنَهُمْ
يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوْمِنْهُ أَلَاحِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ
يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ؟
٤- ونزل كما رواه البخاريّ عن ابن عبّاس، فيمن كان يستحيي أن يتخلّى أو يُجامعَ فيُفضيَ إلى السماء، وقيل: في المنافقين: ﴿ألا إنَّهُم يَئِنُونَ
صُدُورَهُم، لِيَستَخْفُوا مِنْهُ﴾ أي: اللهِ. ﴿ألا حِينَ يَستَغْشُونَ ثِيابَهُم﴾: يتغطّون بها، ﴿يَعلَمُ﴾ تعالى ﴿ما يُسِرُونَ وما يُعلِنُونَ﴾، فلا يُغني
(١) النداء لأهل مكة، ويعم جميع الناس. وجاءكم: أتاكم وبُلّغتم به. والحق: دين الإسلام. ومن ربكم أي: من عنده وبأمره. والرب: الخالق المالك
المتكفل بمصلحة الخلق. واهتدى: استجاب لأمر الله ونهيه. ونفس الإنسان: حقيقته بروحه وجسده. وضل: دام على الانحراف عن طريق الحق. وعليها
أي: على نفسه. والوكيل: الحفيظ توكل إليه أمور غيره من الناس، ليتحكم فيهم ويُسأل عن تصرفاتهم. واتبعه أي: دم على العمل به في جميع شؤونك.
ويوحى إليك أي: تُبُلَّغه على لسان جبريل، وييسَّر لك حفظه وتبليغه. واصبر: تجلد ودم على الثبات. ويحكم: يقضي. (٢) الخلاف في عدد الآيات سببه
اختلاف العلماء في تحديد أواخر بعضها. والآية الأولى هي ١١٤ وحدها. والثانية والثالثة هما الآيتان ١٢ و١٧. يعني أن الثلاث مدنيات النزول. وفي الأصل
وخ وع: ((أو إلّا)). وفي المنحة أغفل الاستثناء الأول، وجعل الثاني قولًا واحدًا شاملًا للآيات الثلاث. (٣) الكتاب هو القرآن. وأحكمت: نُظمت نظمًا
متقنًا، كأجود ما يكون من البناء المحكم. والآيات: الجملُ والعبارات من السور، المنفصلُ بعضها عن بعض. ولدن: أي: عند. وحكيم خبير أي: أحكمَها
حكيمٌ بالغ الإتقان فيما يُصدر، وفضَّلَها خبير عالم بوقائع الأمور. ولا تعبدوا: لا تطيعوا وتقدسوا. ومنه: من جهته وبأمره. والنذير: المهدّد. والبشير: المخبر
بما يُسعد. واستغفروه: اطلبوا منه ستر ذنوبكم السالفة وعدم المحاسبة فيها. ويمتعكم: ينعم عليكم بما تنتفعون به وتسعدون. والأجل: الوقت المعين لحياة
المخلوق. ومسمى أي: مقدَّر عند الله، تعالى. ويؤتي: يجزي. والفضل: العمل الصالح يزيد على غيره في الخير. وتعرضوا أي: عن الإيمان والطاعة.
وأخاف: أتوقع باليقين. واليوم: الزمن. والكبير: العظيم لامثيل له. وإلى الله أي: إلى لقاء موعده يوم القيامة. والمرجع: الرجوع بالبعث للحساب والجزاء.
والقدير: من القدرة. وهي الاستطاعة المطلقة من دون معين أو منازع. ومنه أي: من كل شيء. (٤) ما رواه البخاري هو الحديثان ٤٤٠٤ و٤٤٠٥ في
صحيحه. وفيه كما في ابن كثير ٤١٧:٢-٤١٨ أن هذا لتفسير قراءة: ((تَثْنَوْنِي صُدُورُهُم))، أي: تبالغ في الثني والستر. فكان على السيوطي أن يذكر هذه
القراءة، لئلا يوهم أن ما رواه البخاري يتضمن القراءة المشهورة، فيقع فيما يشبه التدليس. ويتخلى: يقضي حاجته من البول والغائط. ويجامع: يضاجع
حليلته. ويفضي: تنكشف عورته. و(في المنافقين)) قول آخر في سبب نزول الآية بعيد من الصواب. فإن الآية مكية، والنفاق إنما حصل في المدينة. فكان على
السيوطي أن يقول: ((في المشركين)). انظر ((المفصل)). ويثنون صدورهم أي: يطوي أحدهم بعضه على بعض لستر العورة، أو يخفي ما في صدره من الشحناء
والعداوة. والصدور: جمع صدر. والمراد به القلب. ويستخفي: يطلب التستر. والثياب: جمع ثوب. ويُسرّه: يخفيه عن الآخرين. ويعلنه: يظهره مجاهرًا
بلسانه أو فعله. والعليم: المبالغ في الإحاطة. وذات الصدور أي: السرائر المصاحبة للصدور، خفية لا يطلع عليها أحد. وزائدة: يعني أن ((مِن)): للتنصيص
على عموم النفي، فيشمل الجنس كله. والدابة: الحيوان يمشي. ويشمل كل ذي حياة يتحرك بذاته. ورزقها أي: ما تعيش به من الغذاء وغيره. ويعلمه: يحيط
به كامل الإحاطة جملة وتفصيلاً، قبل التلقيح وتكوّن الجنين. والمستقر: موضع الوجود والإقامة. والصلب: صلب كل من الوالد والوالدة لهذه الدابة. انظر
تعليقنا على تفسير الآية ٧ من سورة الطارق. والمستودع: الموضع في المكان الخفي. وما ذكر أي: الدابة ورزقها ومستقرها ومستودعها. واللوح المحفوظ:
الكتاب الذي سجّل فيه ما كان وما سيكون في الوجود، من المحتملات والمحتمات، وهو ظاهر لمن ينظر فيه من بعض الملائكة المقربين.
١١ - سورة هود
٢٢٢
الجزء الثاني عشر
سورة هود
المجرة التَّانِعَشِ،
﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلََّّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْنَفَرَّهَا
وَسُسْتَوْدَ عَهَا كُلُّ فِىِ كِتَبٍ مُّبِينٍ (٦َ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ.
عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاٌ وَلَيِنْ قُلْتَ
إِنَّكُمْ قَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ
أَوَلَيْنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى
إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌمُّبِينٌ ﴾
أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَ يَوْمَ يَأْتِهِمْ لَيْسَ
مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ لَهَا
وَلَيْنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ مِنَّارَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ
لَيَئُوسُ كَفُورٌ ﴿ وَلَيِنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ
مَسَّتَّهُ لَيَقُولَنَ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِى إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورُ
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ
وَضَاِبِقٌ بِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوْلَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنُّ أَوْجَآءَ
مَعَهُ, مَلَكُ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ ها
استخفاؤهم. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ٥ أي: بما في القُلوب، ﴿وما مِن﴾
الجزء٢
الجزئ ٣
- زائدةٌ - ﴿دابّةٍ في الأرضِ﴾ هي ما دبَّ عليها ﴿إِلّا علَى اللهِ رِزقُها﴾ تكفّل به
فضلًا منه، ﴿وَيَعلَمُ مُستَقَرَّها﴾: مسكنها في الدنيا أو الصُّلبِ، ﴿ومُستَودَعَها﴾
بعد الموت أو في الرحِم، ﴿كُلَّ﴾ ممّا ذُكر ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٦: بيِّن، هو
اللوح المحفوظ .
١- ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ فِي سِتّةِ أيّامٍ﴾ أوّلها الأحد وآخِرِها
الجمعة، ﴿وكانَ عَرشُهُ﴾ قبل خلقهما ﴿عَلَى الماءِ﴾، وهو على متن الرِّيح،
﴿لِيَبْلُوَكُم﴾: مُتعلّق بـ ((خلقَ)) أي: خلقَهما، وما فيهما من منافع لكم ومصالح،
لِيَختبرَكم: ﴿أَيُّكُم أحسَنُ عَمَلًا﴾ أي: أطوَعُ لِهِ؟ ﴿وَلَئِنْ قُلتَ﴾ - يا مُحمّد - لهم:
﴿إِنَّكُم مَبِعُوثُونَ مِن بَعدِ المَوتِ، لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: إنْ﴾: ما ﴿هذا﴾ القُرآن الناطق
بالبعث أو الذي تقوله ﴿إِلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٧: بيِّن. وفي قراءةٍ ((ساحِرٌ))، والمُشار إليه
النبيّ.
٢- ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العَذابَ إلَى﴾ مجيء ﴿أُمّةٍ﴾: أوقاتٍ ﴿مَعدُودةٍ، لَيَقُولُنَّ﴾
استهزاءً: ﴿مَا يَحْبِسُهُ﴾: ما يمنعه من النزول؟ قال تعالى: ﴿ألا يَومَ يأتِيهِم لَيسَ
مَصرُوفًا﴾: مدفوعًا ﴿عَنْهُم، وحاقَ﴾: نزل ﴿بِهِم ما كانُوا بِهِ يَستَهْزِئُونَ﴾ ٨ من
العذاب، ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسانَ﴾ الكافر ﴿مِّ رَحْمةً﴾: غِنَّى وصِحّة، ﴿ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ،
إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ﴾: قَنوطٌ من رحمة الله، ﴿كَفُورٌ﴾ ٩: شديد الكُفر به، ﴿وَلَئِنْ أَذَتْنَاهُ نَعْمَاءَ،
بَعدَ ضَرّاءَ﴾: فقرِ وشِدّة ﴿مَسَّتُهُ، لَيَقُولَنَّ، ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ﴾: المصائب ﴿عَنِّيَ﴾، ولم
يتوقّع زوالها ولا شكَرَ عليها. ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ فَرَحَ بطرٍ، ﴿فَخُورٌ﴾١٠ على الناس بما أُوتي، ﴿إِلَّ﴾: لكن ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الضرّاءِ، ﴿وَعَمِلُوا
الصّالِحَاتِ﴾ في النعماءِ، ﴿أُولَئِكَ لَهُم مَغفِرَةٌ وأجرٌ كَبِيرٌ﴾ ١١ هو الجنّة.
٣- ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿تارِكٌ بَعضَ ما يُوحَى إلَيكَ﴾، فلا تُبلّغهم إيّاه لتهاونهم به، ﴿وضائقٌ بِهِ صَدرُكَ﴾: بتلاوته عليهم، لأجل ﴿أن
يَقُولُوا: لَولا﴾: هلّا ﴿أُنزِلَ عَلَيهِ كَنزٌ، أو جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يُصدّقه كما اقترحنا. ﴿إِنَّما أنتَ نَذِيرٌ﴾، فلا عليك إلّ البلاغ لا الإتيان بما اقترحوه،
﴿وَالهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ﴾ ١٢ : حفيظٌ فيُجازيهم.
(١) خلقه: قدّر إيجاده من العدم. والسماء: ما يحيط بالأرض من جو وأجرام وعوالم علوية. والأرض: موطن الحياة الدنيا. والأيام: جمع قلة لليوم. وذكر
الأحد والجمعة مصدره الإسرائيليات، وأهلُ الإنجيل يجعلون أول الأيام الاثنين وآخرها السبت. انظر البحر ٣٠٧:٤. والصحيح في مسلم ص ٢١٤٩-٢١٥٠
والمسند ٣٢٧:٢ أن أول يوم للخلق هو السبت، وآخر الأيام هو الخميس. وما دون ذلك فهو باطل الأباطيل. واليوم: الزمن مطلقًا، لا المعروف في الحياة
الدنيا، خلافاً لما يذكره الجلالان أحيانًا وكثير من المفسرين. فالمراد: ستة أوقات متوالية، أولها يوافق يوم السبت مما سيكون في الدنيا، وكل من هذه الأيام
يقابله في عالم السماوات آلاف السنوات. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٥٤ من سورة الأعراف. والعرش: مخلوق عظيم يحيط بالخلق كله، ولا يعلمه البشر
على الحقيقة إلّا بالاسم، وليس هو الكرسي ولا ما تذهب إليه أوهام العامة. وعلى الماء أي: عاليًا فوقه. والمراد أنه لا حائل بينهما، وليس المراد أنه كان
موضوعًا على متن الماء. و((هو)) أي: الماء. ويختبركم أي: ليمتحنكم فيُظهر حقيقة كل منكم في الواقع، ويكون الحساب على ما ظهر فعلًا. والعمل: يعم
كل نية أو قول أو فعل. ومبعوثون أي: مخرجون من القبور أحياء بعد الموت للحساب والجزاء. وسحر أي: كالسحر. وهو تمويهات وتخييلات تخدع سفهاء
الناس بالباطل، وتوهم الحواس والإدراك ما ليس له وجود أصلًا. والمبين: البالغ البيان لايخفى على أحد. والساحر: من يفعل ذلك ليخدع السفهاء
ويضللهم. (٢) انظر سبب النزول في المفصل. وأخرناه: أرجأنا نزوله بهم. والعذاب: التعذيب الذي يهددون به، ويستعجلون نزوله تحديًا ومكابرة.
والمعدودة: التي يسهل عدها لقلتها. واليوم: الوقت. ويأتيهم أي: يصيبهم العذاب. ونزل أي: وأحاط من كل جانب. ويستهزئون: يسخرون. وأذقناه:
أعطيناه ما يتذوق لذّاته. و((الكافر)) الظاهر أن المراد جنس الإنسان عامة على سبيل التغليب، لأن اليأس والبطر من سجاياه، إلّا من رحمه الله من المؤمنين.
ومنا أي: من عندنا وبتفضلنا. والرحمة: العطف بالإحسان. ونزعناها: أخذناها. وبه أي: بالله تعالى. والنعماء: الحال الحسنة. والضراء: الحال السيئة.
ومسته: أصابته. وذهب: مضى ولن يعود. والسيئات: ما كان يسوء الإنسان ويضره. والفخور: المتبجح المتطاول. والصواب أن الاستثناء متصل وأن
الصابرين مستثنَون مما وُصف به الإنسان في الآيتين ٩ و١٠. وصبروا: تجلدوا وتحملوا. وعملوا: اكتسبوا نية أو قولًا أو فعلًا. والصالحات: ما استحسنه
الشرع. والمغفرة: ستر الذنوب وعدم المؤاخذة بها. والأجر: المكافأة. والكبير: العظيم لامثيل له. (٣) في الوجيز أن سبب نزول الآية هو ما كان
المشركون يقترحونه من المعجزات، ويطلبونه من تبديل القرآن الكريم وموادعة الأصنام ، ليستجيبوا للإيمان، وكان النبي ◌َّه يكاد يستثقل أن يلقي إليهم ما
لا يقبلونه، لئلا يكرروا مقالاتهم المؤذية تلك. والتارك: المهمل. ويوحَى: يُنزَلِ على لسان جبريل وييسَّر حفظه، ويكلّف بتبليغه والعمل به. والضائق: العاجز
عن التحمل والأداء. والصدر مراد به القلب والضمير. ولأجل أي: بسبب. وأنزل: أرسل من عند الله. والكنز: المال العظيم. وجاء معه: رافقه في التبليغ
والرسالة. والملَك: مخلوق نوراني عظيم معصوم مطهر. والنذير: المهدِّد بالعذاب لمن كفر.
الجزء الثاني عشر
٢٢٣
١١ - سورة هود
١ - ﴿أم﴾: بل أ ﴿يَقُولُونَ: افتَراهُ﴾ أي: القرآنَ؟ ﴿قُلْ: فائْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثلِهِ﴾ في
الفصاحة والبلاغة ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ - فإنكم عربيّون نُصحاءُ مِثلي. تحدّاهم بها أوّلًا ثمُ
بسُورة - ﴿وادعُوا﴾ للمُعاونة على ذلك ﴿مَنِ اسْتَطَعتُم مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه، ﴿إِن
كُنْتُم صادِقِينَ﴾ ١٣ في أنه افتراء، ﴿فإنْ لَم يَسْتَجِيبُوا لَكُم﴾ أي: مَن دعوتموهم
للمُعاونة ﴿فاعلَمُوا﴾ - خِطاب للمُشركين - ﴿أَنَّمَا أُنزِلَ﴾ مُلتبسًا ﴿بِعِلمِ اللهِ﴾ وليس
افتراء عليه، ﴿وأنْ﴾: مُخفّفةٌ أي: أنّه ﴿لا إلَّهَ إلّا هُوَ. فَهَل أنتُم مُسلِمُونَ﴾ ١٤ بعد هذه
الحُجّة القاطعة؟ أي: أسلموا.
٢- ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنيا وزِينَتَها﴾ بأن أصَرَّ على الشِّرك - وقيل: هي في
المُرائينَ - ﴿نُوَفِّ إلَيهِم أعمالَهُم﴾ أي: جزاء ما عملوه من خير كصدقة وصلة رحِم
﴿فِيها﴾، بأن نُوسع عليهم رِزقهم، ﴿وهُم فِيها﴾ أي: في الدنيا ﴿لا يُخَسُونَ﴾ ١٥ :
يُنقَصُونَ شيئًا. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُم في الآخِرةِ إلّا النّارُ، وحَبِطَ﴾: بَطَل ﴿ما
صَنَعُوَ﴾ُ ﴿فِيها﴾ أي: في الآخِرة، فلا ثواب له، ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعمَلُونَ﴾ ١٦ .
٣- ﴿أَفَمَن كانَ عَلَى بَيِّنةٍ﴾: بيانٍ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ - وهو النبيّ، أو المؤمنون - وهي
القرآن، ﴿وَيَتْلُوهُ﴾: يتبعه ﴿شاهِدٌ﴾ يُصدّقه ﴿مِنْهُ﴾ أي: من اللهِ - وهو جِبريلُ - ﴿ومِن
قَبلِهِ﴾ أي: القُرآنِ ﴿كِتابُ مُوسَى﴾: التوراة، شاهد له أيضًا ﴿إِمامًا وَرَحْمةً﴾: حالٌ،
كمن ليس كذلك؟ لا. ﴿أُوْلْئِكَ﴾ أي: من كان على بيّنة ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: بالقُرآن
فلهم الجنّة، ﴿ومَن يَكفُرْ بِهِ مِنَ الأحزابِ﴾: جميع الكُفّار ﴿فالنّارُ مَوعِدُهُ. فلا تَكُ في
مِرْبةٍ﴾: شكِّ ﴿مِنْهُ﴾: من القُرآن. ﴿إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ، ولَكِنَّ أكثَرَ النّاسِ﴾ أي: أهلٍ
مكّة ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١٧ .
سورة هود
الجرةُ التَِّى عَشَرٌ
أَمْيَقُولُونَ أَفْتَرَنَهُ قُلْ فَأَتُواْبِعَشْرِسُوَرِمِثْلِهِ،مُفْتَرَیَتِ
وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إِن كُتُمْ صَدِقِينَ
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْم ◌َلَهِوَأَنَّ إِلَهَ
إِلَّا هُوَّ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ
الدُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيَهَا وَهُمْ فِبَها لَا يُتْخَسُونَ
﴿ أُوْلَهِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِإِلََّ النَّارُ وَحَبِطَ
مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّاكَانُواْ يَعْمَلُونَ (٦) أَفَمَنْ كَانَ
عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِنَبُ
مُوسَىّ إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَن يَكْفُرْبِهِ،
مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَتَكُ فِ مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ
مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَالنَّاسِ لَأَ يُؤْمِنُونَ ﴿ وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ
عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى
رَبِّهِمَّ ◌َلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَهَا ◌ِوَ جَا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ (4)
٤- ﴿ومَن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلَمُ مِمَّنِ افتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾، بنسبة الشريك والولد إليه؟ ﴿أُولَئِكَ يُعرَضُونَ عَلَى رَبِّهِم﴾ يوم القيامة، في جُملة
الخلق، ﴿وَيَقُولُ الأشهادُ﴾: جمع شاهد، وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكُفّار بالتكذيب: ﴿هُؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا عَلَى رَبِّهِم. ألا
لَعنَةُ اللهِ علَى الظَّالِمِينَ﴾ ١٨: المُشركين، ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾: دِين الإسلام، ﴿وَيَبْغُونَها﴾: يطلبون السبيل ﴿عِوَجًا﴾: مُعوَجّة،
﴿وهُم بالآخِرَةِ هُم﴾: تأكيد ﴿كافِرُونَ ١٩. أُولَئِكَ لَم يَكُونُوا مُعجِزِينَ﴾ اللهَ ﴿في الأرضِ، وما كانَ لَهُم مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه ﴿مِن أَولِياءَ﴾:
(١) افتراه أي: اختلق محمد ما يوحى إليه. والسور: جمع سُورة. ومفتريات: جمع مفتراة، أي: مختلَقة صنعها البشر. ولم يستيجبوا لكم أي: لم يجيبوكم
إلى ما دعوتموهم إليه، لعجزهم عنه. واعلموا أي: أذعنوا بثبوت ما يُعلمكم علم اليقين. وأنزل: أوحي. والملتبس: المصاحب. وعلم الله: إذنه وأمره.
ومخففة: يعني أن أصلها ((أنّ)). والإله: المعبود بحق دون غيره. والمسلمون: التابعون للإسلام. و((أسلموا)) يعني أن الاستفهام بـ ((هل)) معناه الأمر، تلطفًا
بالدعوة وتأنيسًا بالاستجابة.
(٢) يريدها: يطلبها وحدها وينهمك فيها. والزينة: ما يُتلذّذ به ويُتفاخر. ونوفيه: نبذله كاملًا. والأعمال: جمع عمل. وهو ما يكتسبه الإنسان من نية أو قول
أوفعل. والآخرة: الحياة البعيدة تكون بالبعث بعد الموت. والنار أي: العذاب في نار جهنم. وصنعوه: عملوه بإتقان مع اختيار وإرادة، دون إيمان أو
إخلاص. وفيها أي: بطل فيها. وفيما عدا خ: ((أي الآخرة)). والباطل: الفاسد لا يعتدّ به. ويعملون أي: يعملونه في الدنيا من البر والإحسان.
(٣) انظر سبب النزول في المفصل. و((هو)) أي: من كان على بينة. ومن ربه أي: من عنده وبوحيه وأمره. ويتبعه: يؤيده ويسدده. والشاهد: المؤيد المقوي
يشهد بصحة ما جاء به الآخَر. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((شاهد له يصدقه)). والإمام: المقتدَى به في الدين. والرحمة: العطف والإحسان بالنعم. فالبينة هي
القرآن، والشاهد هو جبريل، والتوراة شاهد آخر. وحال: يعني أن إمامًا: حال من التوراة، ورحمة: معطوف. و((لا)) هو جواب للاستفهام التقريري، أي:
لا يستويان. والمراد: أفمن كان مصاحبًا للقرآن، ويشهد له جبريل والتوراة من قبل، كالمشرك الذي يريد الحياة الدنيا وزينتها؟ محال أن يكونا سواء، بل بينهما
فرق عظيم، يتميز به الأول في الدنيا والآخرة. وتقدير السيوطي ((كمن ليس كذلك)) غير واف بالمعنى المراد في النظم الكريم. والتوراة بشرت برسالة محمد
*. فهي شاهد أيضًا يؤيده. ويؤمنون به أي: يصدّقونه قلبًا ولسانًا وعملًا. ويكفر به أي: يكذّبه. والأحزاب: جمع حزب. وهو الجماعة من الناس على دين
واحد. والنار: نار جهنم خالدًا فيها. وموعده: مكان وعده الذي يصير إليه. والحق: الصدق الثابت. ومن ربك أي: من عنده وبوحيه وأمره. و((أهل مكة))
الصواب أن المراد جميع البشر. ولا يؤمنون أي: لقلة تبصرهم لا يتدبرون ما في القرآن فلا يصدقونه.
(٤) أظلم أي: أكثر تجاوزًا للحق. وأفظع التجاوز هو الشرك. وافترى: اختلق. ويُعرَضون: يُحضرون فتنشر أعمالهم. واللعنة: الطرد من رحمة الله.
ويصدون: يمتنعون ويمنعون الناس. والسبيل: الطريق الواضح. والكافر: المكذب قلبًا ولسانًا وعملًا. وتأكيد: يعني أنّ ((هم)): توكيد لفظي لنظيره قبل.
والمعجز هو المتفلّت الهارب لا يدركه من يطلبه. والأولياء: جمع وليّ. ويضاعف: يجعل أضعافًا. وبإضلالهم أي: بسبب إضلالهم غيرَهم. ولا يستطيعه:
لا يقدر على استعماله. ولا يبصرونه أي: لا يدركون دلائله ولا يتعظون بها. وخسروا أنفسهم أي: فقدوا سعادتها، وسببوا لها ضياع ما كانت تأمل من خير.
ويفتزون أي: يختلقونه من الآلهة التي عبدوها، وزعموا أنها تشفع لهم يوم القيامة. والأخسرون: الأكثر خسارة من غيرهم، أي: ما أعظم خسارتَهم !
١١ - سورة هود
٢٢٤
الجزء الثاني عشر
الجزء الثَّانِ عِش
سُورَة ◌ُهُود
أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِينَ فِ اَلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم ◌ِن
دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءُ يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابٌ مَاكَانُوا يَسْتَطِيعُونَ
السَّمْعَ وَمَاكَانُو ◌ْيُبْصِرُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوّا
أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿ لَاجَرَمَ أَنَهُمْ
(١) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
فِ الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
الصَّلِحَتِ وَأَخْبَنُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ
هُمْ فِيَهَا خَلِّدُونَ ﴿﴿ مَثَلُ اَلْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى
وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَ هَلْ يَسْتَوِيَنِ مَثَلًا أَفَلا ◌َذَّكَّرُونَ
﴿ وَلَقَدْ أَرْ سَلْنَا نُوحَا إِلَى قَوْمِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾
أَنْ لَّا تَعَبُّدُوَأْ إِلَّا اللَّهِ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ
أَفَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ مَانَرَنِكَ إِلَّا بَشَرًا
مِثْلَنَا وَمَانَرَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ
اٌلَّأْيِ وَمَانَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلِبَّ نَقُكُمْكَذِبِنَ
(٣) قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمْ إِن كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةِمِّن رَّبِ وَءَانَمِنِىِرَحْمَةً
مِنْ عِندِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْلْمٍ مُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَمَا كَرِهُونَ ()
أنصارٍ يمنعونهم من عذابه، ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ بإضلالهم غيرَهم، ﴿ما كانُوا
يَسْتَطِيعُونَ السَّمعَ﴾ للحقّ، ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ٢٠»، أي: لفَرط كراهتهم له كأنهم
لا يستطيعون ذلك. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنفُسَهُم﴾، لمصيرهم إلى النار المُؤبّدة
عليهم، ﴿وَضَلَّ﴾: غاب ﴿عَنْهُم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٢١ على الله، من دعوى الشريك،
﴿لَا جَرَمَ﴾: حقًّا ﴿أَنَّهُم في الآخِرَةِ هُمُ الأخسَرُونَ﴾ ٢٢ .
١- ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وأخبَتُوا﴾: سكنوا واطمأنّوا أو
أنابوا ﴿إِلَى رَبِّهِم، أُولَئِكَ أصحابُ الجَنّةِ هُم فِيها خالِدُونَ ٢٣. مَثَلُ﴾: صِفَةُ
﴿الفَرِيقَينِ﴾: الكُفّارِ والمُؤمنين ﴿كالأعمَى والأصَمِّ﴾ - هذا مَثل الكافر -
الخْـ
﴿والبَصِيرِ والسَّمِيع﴾. هذا مَثل المُؤمن. ﴿هَل يَستَوِيانِ مَثَلًا﴾؟ لا. ﴿أفلا
تَذَّكَّرُونَ﴾ ٢٤، فيه إدغام التاء في الأصل في الذال: تتّعظون؟
٢- ﴿وَلَقَد أرسَلْنا نُوحًا إِلَى قَومِهِ، أَنِّي﴾ أي: بأني - وفي قراءة بالكسر على حذف
القول - ﴿لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ٢٥: بيّنُ الإنذارِ، ﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿لا تَعْبُدُوا إِلّ اللهَ. إِنِّيَ
أخافُ عَلَيْكُم﴾، إن عبدتم غيره، ﴿عَذابَ يَومٍ ألِيمٍ﴾ ٢٦: مؤلم في الدنيا والآخِرة.
﴿فقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَومِهِ﴾، وهم الأشَّرافُ: ﴿مَا نَرَاكَ إلّا بَشَرًا مِثلَنا﴾، ولا
فضل لك علينا، ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هُم أراذِلُنا﴾: أسافِلُنا كالحاكة والأساكفة
﴿بادِئَ الرّأيٍ﴾، بالهمز وتركه، أي: ابتداءً من غير تفكّر فيك - ونصبُه على الظرف
أي: وقتَ حُدوثٍ أوّل رأيهم - ﴿وما نَرَى لَكُم عَلَينا مِن فَضْلٍ﴾، فتستحقّون به الاتّباع
مِنّ، ﴿بَل نَظُنُكُم كاذِبِينَ﴾ ٢٧ في دعوى الرسالة. أَدرجوا قومه معه في الخِطاب.
٣- ﴿قَالَ: يَا قَومِ، أَرَأيتُم﴾: أخبروني، ﴿إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾: بيان ﴿مِن رَبِّي، وآتانِي رَحْمةً﴾: نُبوّة ﴿مِن عِندِهِ، فَعَمِيَتْ﴾: خَفِيَتْ ﴿عَلَيْكُم﴾ -
(١) آمنوا: عرفت قلوبهم التوحيد وما يلزمه. وعملوا الصالحات: قاموا بالأعمال التي حسنها الشرع نية وقولًا وفعلًا. وإلى ربهم أي: إلى رضاه ورحمته.
وأصحاب الجنة: المقيمون فيها كالمالكين. والأصحاب: جمع صاحب. والجنة: الحديقة العظيمة. والخالد: الذي يطيل البقاء فيلزمه أبدًا. والفريق:
الجماعة. وكالأعمى أي: كصفة الأعمى. والأصم: الذي فقد السمع. و((لا)) يعني: لا يستويان، لأن الفرق بينهما كبير جدًا كالمتناقضين. ومثلًا أي: صفة.
والتذكر: استحضار الأمور في الذهن، للاستدلال بها على الصواب.
(٢) أرسلناه: بعثناه رسولًا لتبليغ التوحيد. ونوح: رابع نبي كان بعد آدم وشيث وإدريس، فيما نعلم. وقومه: جماعته كانت تعبد الأصنام. وبالكسر يريد
القراءة ((إنِّي)). والمحذوف ((قائلًا)) بعد ((نوحًا)). والنذير: المخوِّف بالعذاب لمن كفر وعصى. ولا تعبدوا: لاتطيعوا ولا تقدسوا. وأخاف: أتوقع بيقين. واليوم:
الوقت. والملأ: الذين يملؤون المجالس بأجسامهم والقلوب مهابة. وكفروا: كذّبوا الله ورسوله وأشركوا بالله بعض مخلوقاته. ونرى: نبصر عِيانًا. والبشر:
الآدمي. ومثلنا أي: مماثل إيّانا في الصفة والمنزلة. واتبعك: قلدك وأطاعك. والأراذل: جمع أرذَل. وهو أكثر الناس رغبة عنه لرداءة حاله وضعف تفكيره،
سريع الاستجابة والانقياد، لا يبالي ما يقول ولا ما يقال له. انظر الآية ١١١ من سورة الشعراء. والحاكة: جمع حائك. وهو الذي ينسج القماش.
والأساكفة: جمع إسكاف. وهو صانع الأحذية. والبادئ والبادي: الأول. والرأي: التفكر في مبادئ الأمور، للعلم بما تؤول إليه من الصواب والخطأ.
وتركه أي: ترك الهمز. يريد القراءة ((بادِيَ)). وقومه أي: الذين آمنوا برسالته. والفضل: الزيادة في القدرات والصفات والعمل. وفي قرة العينين: ((تستحقون)).
وفي المنحة: ((فتستحقوا)). ونظنكم: نتيقنكم. وفي هذه الآية ثلاث شُبَهٍ احتجوا بها. وهي: أن نوحًا إنسان، واتباع الفقراء له على غير يقين وصدق، وعدم
التميز بما يجيز الرياسة. وسيجاب عنها في الآيات ٢٨-٣١.
(٣) القوم هنا هم الذين كفروا. ومن ربي أي: من عنده وبوحيه. وآتى: أعطى ومنح. والرحمة: العطف بالإحسان، والنبوةُ مسبَّبة عنه. ومن عنده أي: بفضله
وإحسانه. وللمفعول يريد القراءة ((فَعُمِّيَتْ)) أي: أُخفِيتْ. والكاره: المبغض للشيء ينكره. وعلى ذلك أي: على إلزامكم إياها، لأنه مما تقردت به قدرة الله.
وإنما نقدر أن ندعوكم وننذركم. وأسألكم: أطلب منكم. والمال: ما يُملك من المتاع والزينة. وفي الأصل: ((تعطونه)). وعلى الله أي: أوجبه على نفسه
تفضلًا. والطارد: المُبعِد لغيره استخفافًا به. فقد كان الملأ الكافرون طلبوا من نوح بالمكابرة والتعنت أن يُبعد المؤمنين عنه، ليجالسوه ويتبعوه، ترفعًا عن
مجالسة الفقراء، كما قال زعماء قريش أيضًا عن فقراء الصحابة للنبي ويقول: اطرد هؤلاء عنك، ونحن نتبعك. وملاقو ربهم أي: راجعون إليه. وأرى: أعلم
بيقين. وتجهلون: لا تفكرون ولا تعلمون. وفيما عدا الأصل وخ وع وبعض النسخ: ((فهلّا)). فالهمزة: استفهامية للإنكار التوبيخي، ولا: حرف تحضيض
ومبالغة في التوبيخ. وهذا من نادر بليغ البيان. انظر الآية ١١ من سورة البلد. والمعنى: أتستمرون على الجهل والعناد، فلا تتذكرون ما يجب أن تفعلوه من
الإيمان والطاعة؟ دعوا ما أنتم عليه، وسارعوا إلى الإيمان والصلاح. وعندي أي: في تصرفي. والخزائن: جمع خزانة. وهي مكان الحفظ للمتلكات. وفي
هذا رد لقولهم: ما نرى لكم علينا من فضل. وأعلم: أعرف. والغيب: ماغاب عن حواس المخلوقات ومداركهم. وفي هذا رد لاتهامهم المؤمنين بالنفاق.
والملَك: واحد الملائكة. وفي هذا رد لاحتجاجهم بأنه بشر. وتزدري أي: تزدريهم، والأعين: جمع عين. ويؤتي: يعطي. وخيرًا أي: توفيقًا وهداية وإيمانًا
وأجرًا. وأعلم أي: محيط الإحاطة البالغة. والأنفس: جمع نفس. وقلت ذلك أي: ادّعيت ما نفيت عن نفسي من القول كله. والظالم: من يضع الأمور في
غير مواضعها .
الجزء الثاني عشر
٢٢٥
١١ - سورة هود
وفي قراءة بتشديد الميم والبناء للمفعول - ﴿أَتُلزِمُكُمُوها﴾: أنُجبِركم على قَبولها،
﴿وَأَنتُم لَها كارِهُونَ﴾ ٢٨؟ لا نقدِرُ على ذلك، ﴿ويا قَومِ، لا أسألُكُم عَلَيهِ﴾: على
تبليغ الرسالة ﴿مالًا﴾ تُعطونيه - ﴿إِنْ﴾: ما ﴿أجرِيَ﴾: ثوابي ﴿إِلّا علَى اللهِ - وما أنا
بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كما أمرتموني - ﴿إِنَّهُم مُلاقُو رَبِّهِم) بالبعث فيجازيهم، ويأخذ لهم
ممّن ظلمَهم وطردَهم - ﴿ولَكِنِّيَ أراكُم قَومًا تَجْهَلُونَ﴾ ٢٩ عاقبة أمركم، ﴿ويا قَومِ،
مَن يَنصُرُنِي﴾: يمنعنيٍ ﴿مِنَ اللهِ﴾ أي: عذابِهِ، ﴿إِن طَرَدْتُهُم﴾؟ أي: لا ناصر لي.
﴿أفلا﴾: أفهلّا ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ ٣٠، بإدغام التاء الثانية في الأصل في الذال،
تتّعظون؟ ﴿ولا أَقُولُ لَكُم: عِندِي خَزائنُ اللهِ. ولا﴾ إني ﴿أَعلَمُ الغَيبَ، ولا أقُولُ:
إِنِّي مَلَكٌ﴾. بل أنا بشر مِثْلكم. ﴿ولا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي﴾: تحتقر ﴿أعيُنُكُم: لَن
يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيرًا. اللهُ أعلَمُ بِما في أنفُسِهِم﴾: قُلوبهم. ﴿إِنِّيَ إذَا﴾: إن قلت ذلك ﴿لَمِنَ
الظّالِمِينَ﴾ ٣١.
سُورَة هُود
الجزء الثَّانِى عَشِير
وَيَقَوْمِلَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَا لََّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَآ
أَنَأْبِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُّوْاْ إِنَّهُمْ مُلَقُواْرَبِهِمْ وَلَكِنِّي أَرَكُمْ
قَوْمًا تَجْهَلُونَ () وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُ فِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدَُّّهُمّ
أَفَلَانَذَ كَّرُونَ ﴿ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآبِنُ اللَّهِ وَلَآ
أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىّ
أَعْيُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُأَعْلَمُ بِمَا فِى أَنْفُسِهِمَّ إِى إِذَا
لَّمِنَ الظَّالِمِينَ جَ قَالُواْ يَنُوعُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ
جِدَ لَنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ {قَالَ
إِنَّمَا يَأْنِيكُمْ بِهِاللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنْتُمْ بِمُعْجِينَ ﴿ وَلَا يَنفَعُّكُمْ
نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَثُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ
هُوَرَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ آَفْتَرَنَةٌ
قُلْ إِنِ أَفْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِ وَأَنَاْ بَرِىٌّمِّمَّا ◌ُجْرِمُونَ(
وَأُوْجِىَ إِلَى نُوجِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْءَامَنَ
فَلَا نَبْتَكِسْ بِمَا كَانُوْيَفْعَلُونَ ﴿ وَأَصْنَعُ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا
وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
١ - ﴿قَالُوا: يا نُوحُ، قَد جادَلَنا﴾: خاصمتنا، ﴿فَأكثَرَتَ جِدالَنا. فائتِنا بِما تَعِدُنا) به
من العذاب، ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ٣٢ فيه. ﴿قالَ: إنَّما يأتِيكُم بِهِ اللهُ، إن شاءَ﴾
تعجيلَه لكم، فإنّ أمره إليه لا إليَّ، ﴿وما أنْتُم بِمُعجِزِينَ﴾ ٣٣: بفائتين اللهَ، ﴿ولا
يَنفَعُكُمْ نُصحِيَ، إن أرَدتُ أن أنصَحَ لَكُم، إن كانَ اللهُ يُرِيدُ أن يُغوِيَكُم﴾ أي: إغواءكم.
وجواب الشرط دلّ عليه ((ولا يَنفعُكم نُصحي)). ﴿هُوَ رَبُّكُم، وإِلَيْهِ تُرجَعُونَ﴾ ٣٤. قال
تعالى: ﴿أم﴾: بل أ ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: كُفّار مكّة: ﴿افتَراهُ﴾: اختلق مُحمّد القُرآنَ؟
﴿قُلْ: إِنِ افْتَرَيتُهُ فعلَيَّ إجرامِي﴾: أي: عُقوبتُه، ﴿وأنا بَرِيٌ مِمّا تُجرِمُونَ﴾ ٣٥: من إجرامكم في نسبة الافتراء إليّ.
٢- ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحِ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَومِكَ إلَّا مَن قَدَ آمَنَ. فلا تَبَتِسْ﴾: تحزنْ ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٣٦ من الشِّرك، فدعا عليهم بقوله: ((رَبِّ،
لا تَذَرْ علَى الأرضِ) إلى آخره، فأجاب الله - تعالى - دُعاءه وقال: ﴿واصنَعِ الفُلكَ﴾: السفينةَ، ﴿بِأعيُنِنا﴾: بمرأَى منّا وحِفظِنا ﴿ووَحْيِنا﴾:
أمرِنا، ﴿وَلا تُخاطِيْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: كفروا بترك إهلاكهم. ﴿إِنَّهُم مُغرَقُونَ﴾ ٣٧ .
(١) أكثرته أي: أطلته وعرضت كثيرًا من أنواعه. وائتنا به أي: استحضره وأنزله بنا. وتعدنا: تُوعدنا به وتخوّفنا. والصادق: من يقول الحق. ويأتيكم به أي:
ينزله بكم. وشاء: أراد. وفائتين الله أي: هاربين من عذابه وناجين منه، إذا أراد التعجيل به في الدنيا. وإنما يؤخره لحكمة. وينفع: يفيد ويجدي. والنصح:
الإرشاد إلى ما فيه الصلاح. ويغويكم: يضلكم ويثبّت في قلوبكم الضلال، لما أنتم عليه من الإصرار على الكفر والعصيان. وجواب الشرط: يعني جواب
الشرط الأول في هذه الآية. أما الثاني فجوابه دل عليه الشرط الأول كله. والتقدير: إن كان الله يريد إغواءكم واستدراجكم فإن أردتُ نصحكم لا ينفعْكم
نصحي. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ما يملك. وإليه أي: إلى لقاء موعده يوم القيامة، لا إلى غيره مما تعبدون، ولا إلى الفناء المطلق.
وترجعون: تردون بالبعث من القبور بعد الموت، للحساب والعقاب. ويقولون: يجاهرون بالقول. وذكر ((كفار مكة)) من ابن كثير، وهو قول بعض المفسّرين
كما جاء عن مقاتل. وآخرون على أن الضمير لقوم نوح، كما روي عن ابن عباس، والجواب من نوح نفسه. انظر تفاسير البغوي ٣٨١:٢ والخازن ٢٢٨:٣
وأبي السعود ٢٠٥:٤. ويُضعف قولَ الآخرين ورودُ ((قل)) و((أوحي إلى نوح)) بعدُ، خلافًا لما جاء في تفسير القرطبي ٢٩:٩ والبحر ٢٢٠:٥ والآلوسي
٧١:١٢. فالراجح ما ذكره السيوطي هنا، يعني أن الآية ٣٥ معترضة في قصة نوح، لبيان أن مشركي مكة هم مثل قوم نوح في التكذيب والمكابرة. وافتريته:
اختلقته من تلقاء نفسي كما تزعمون. والإجرام: اكتساب الذنب. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((إجرامي إثمي أي عقوبته)). وعقوبته يعني: عقوبة إجرامي.
والبريء: المتبرئ البعيد كل البعد. وتجرم: تتحمل من الذنوب والفساد باختيار وإرادة وعزم.
(٢) أوحي إليه: بُلِّغ على لسان جبريل. ولن يؤمن أي: لن يعترف قلبه بالتوحيد وعبودية الخلق لله. وآمن: توجّه إلى الإيمان باختياره الصالح لِما في نفسه من
الفطرة، فوفقه الله فيه. ويفعلون أي: يكتسبونه ويتحملونه اختيارًا وإرادة وعزمًا، بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم. و((بقوله)) انظر الآية ٢٦ من سورة نوح. وفي قرة
العينين والمنحة وبعض المطبوعات: ((فأجاب الله دعاءه)». ولفظ الجلالة ليس في ث وع. واصنع الفلك: اعملها متقنة محكمة. والأعين: جمع عين، يراد به
التعظيم لا التكثير، مبالغة في الحفظ والحماية. وعين الله صفة وصف نفسه بها، كما يليق بجلاله وعظمته، من دون تمثيل أو تقريب أو تعطيل. ولاتخاطبني
فيهم أي: لا تراجعني في شأنهم، ولا تدعُني برفع العذاب عنهم حين يحل بهم. وظلم: تجاوز الحق فوضع الأمور في غير مواضعها. والكفر أشنع ذلك.
والمغرق: الذي يختنق بالماء.
١١ - سورة هود
٢٢٦
الجزء الثاني عشر
سُورَةِ هُوُدم
الجزء الثَّانِى عَشَر
وَيَصْنَعُ الْقُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأَمِّنْ قَوْمِهِ، سَخِرُواْ
مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْرِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ
مُقِيمٌ ﴿ حَتَّى إِذَاجَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ النَّنُّورُ قُلْنَا أَحْمِلِْفِيهَا
مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلََّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
وَمَنْ ءَا مَنَّ وَمَآءَامَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿ ﴿ وَقَالَ أَرْكَبُواْ
فِهَ بِسْمِ لّهِ يَحْرِ بِهَا وَمُرْسَهَ إِنَّ رَبِى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ لَّاوَهِىَ
تَجْرِى بِهِمْ فِ مَوْعَ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوعُ أَبْنَهُوَكَانَ
فِي مَعْزِلٍ يَبُنَّأَرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَفِرِينَ لَ﴾
قَالَ سَشَاوِيّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِ مِنَ الْمَآءِ قَالَ لَا عَاصِمَ
الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِإِلََّ مَن رَّحِمَّ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ
مِنَ الْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكٍ وَبَسَمَاءُ
أَقْلِ وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِّ وَقِيلَ
بُعْدًالِلّقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١) وَنَادَى نُوُحُ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبٍ إِنَّ
أَبْنِى مِنْ أَهْلِى وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكُمُ الْحَكِمِينَ [ِّ
١ - ﴿وَيَصنَعُ الفُلكَ﴾ - حكاية حال ماضية - ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيهِ مَلَأٌ﴾: جماعة ﴿مِن
قَومِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾: استهزؤوا به. ﴿قالَ: إن تَسخَرُوا مِنّا فإنّا نَسخَرُ مِنكُم كَما
تَسخَّرُونَ﴾ ٣٨، إذا نجونا وغرقتم. ﴿فَسَوفَ تَعلَمُونَ مَن﴾: موصولة مفعول العِلم
﴿يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخزِيهِ، ويَحِلُّ﴾: ينزل ﴿عَلَيهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ٣٩: دائم.
٢- ﴿حَتَّى﴾: غايةٌ للصنع ﴿إذا جاءَ أمُرُنا﴾ بإهلاكهم، ﴿وفارَ التُّّورُ﴾ للخبّاز
نصف
لخرب
٢٣
بالماء - وكان ذلك علامة لنُوح - ﴿قُلْنا: احمِلْ فِيها﴾: في السفينةِ ﴿مِن كُلِّ
زَوجَينِ﴾ أي: ذكرٍ وأُنثَى، أي: من كُلّ أنواعهما ﴿اثنَينِ﴾ ذكرًا وأُنثى، وهو
الياء
مفعول - وفي القِصّة أنّ الله حشر لنُوح السباع والطير وغيرهما، فجعل
يضرِب بيده في كُلّ نوعٍ، فتقع يده اليُمنى على الذكر واليُسرى على الأُنثى، فيحملهما
في السفينة - ﴿وأهلَكَ﴾ أي: زوجته وأولاده، ﴿إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيهِ القَولُ﴾ أي: منهم
بالإهلاك - وهو زوجته واعلةُ وولده كنعانُ، بخلاف سامٍ وحامٍ ويافثَ، فحملهم
وزوجاتهم ثلاثةً - ﴿وَمَن آمَنَ. وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ ٤٠. قيلَ: كانوا ستّة رجال
ونساءهم. وقيل: جميع من كان في السفينة ثمانون نصفهم رجال ونصفهم نساء.
٣- ﴿وقالَ﴾ نُوح: ﴿اركَبُوا فِيها، بِاسم اللهِ مَجراها ومَرساها﴾، بفتح الميمين
وضمّهما، مصدران أي: جريُها ورُسُّها، أي: منتهى سيرها. ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ
رَحِيمٌ﴾ ٤١ حيثُ لم يُهلِكنا. ﴿وَهْيَ تَجرِي بِهِم في مَوجِ كالجِبالِ﴾، في الارتفاع
والعِظم، ﴿ونادَى نُوحُ ابنَهُ﴾ كنعانَ، ﴿وكانَ في مَعزِلٍ﴾ عن السفينة: ﴿يا بُنَيِّ، ارکَبْ
مَعَنا، ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ ٤٢. قالَ: سَاوِي إِلَى جَبَلٍ، يَعْصِمُنِي﴾: يمنعني ﴿مِنَ الماءِ. قالَ: لا عاصِمَ اليَومَ مِن أمرِ اللهِ﴾: عذابِهِ، ﴿إلّا﴾:
لكن ﴿مَنْ رَحِمَ﴾ اللهُ فهو المعصوم. قال تعالى: ﴿وحالَ بَينَهُما المَوجُ، فكانَ مِن المُغْرَقِينَ﴾ ٤٣ .
٤- ﴿وقِيلَ: يا أرضُ، ابلَعِي ماءَكِ﴾ الذي نبع منك - فشربَتْه، دُون ما نزل من السماء فصار أنهارًا وبحارًا - ﴿ويا سَماءُ، أقلِعِي﴾: أمسِكي عن
المطر. فأمسكتْ، ﴿وغِيضَ﴾: نَقَص ﴿الماءُ، وقُضِيَ الأمرُ﴾: تمّ أمر هلاك قوم نُوح، ﴿واستَوَتْ﴾: وقفَتِ السفينةُ ﴿عَلَى الجُودِيِّ﴾: جبل
بالجزيرة بقرب الموصل، ﴿وَقِيلَ: بُعْدًا﴾: هلاكًا ﴿لِلقَومِ الظّالِمِينَ﴾ ٤٤: الكافرين. ﴿ونادَى نُوحٌ ربَّهُ، فَقالَ: رَبِّ، إنَّ ابني﴾ كنعانَ ﴿مِن
أهلِي﴾، وقد وعدتَني بنجاتهم، ﴿وإنَّ وَعدَكَ الحَقُّ﴾ الذي لا خُلف فيه، ﴿وأنتَ أحكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ٤٥: أعلمهم وأعدلهم.
(١) يصنعها: يعملها بإتقان وإحكام. وحكايتها أي: استحضارها كأنها تحصل الآن. ومر عليه أي: مشى قريبًا منه. وقومه: الناس الذين كذبوه وكفروا.
وتعلمون: تعرفون بيقين. ويأتيه: ينزل به. ويخزيه: يفضحه. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة.
(٢) غاية للصنع أي: بقي يصنع السفينة حتى أمرْنا بركوبها. وجاء: حلّ وقته. وفار: نبع الماء. وللخباز: يعني أن التنور هو مستوقد النار للخبز. والراجح أن
التنور هنا هو وجه الأرض. انظر فتح القدير ٦٩٥:٢. واحمل أي: ضع. والزوجان: من الحيوان كل فردين يحصل بينهما تزاوج. ومفعول: يعني أن ((اثنين)):
مفعول به لـ ((احمل)). والوصف لما كان في السفينة هو من التفصيلات الإسرائيلية المصنوعة المتناقضة. وسبق عليه أي: مضى وتحقق في علم الله. وأم كنعان
كافرة. وزوجة نوح الأولى مؤمنة، وهي أم الأولاد المؤمنين، حملها معه في السفينة. وعدد الأولاد قول فيه نظر، لأن من عاش ألف سنة يكون له عدد كبير
من الأولاد يتجاوز العشرات أو المئات، خلافًا لِما هو شائع في التاريخ. والحديث الذي تفرد به الترمذي ٤١٨:٤، في هذا، لم يذكر في الصحاح، فلا
يكون دليلا في الغيبيات. انظر الجامع الصغير ٤٩:٢ وصحيحه ٦٧٢:١ والآية ٤٨. و(ثلاثة)) كذا بالتاء، وهو جائز صحيح لأن العدد لم يضف إلى المعدود.
وآمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. والخلاف في عدد الذكور والإناث لا فائدة فيه .
(٣) المَرسى: الثبوت والاستقرار. وبضمهما يريد القراءة ((مُجراها ومُرساها)). ومُجراها: إجراؤها ودفعها. ومُرساها: إرساؤها وإيقافها. والغفور الرحيم: من
المغفرة، أي: ستر الذنوب وعدم المؤاخذة عليها، ومن الرحمة، أي: العطف بالإحسان. وتجري: تنطلق بسرعة. والموج: ارتفاع الماء حين اضطرابه.
والجبال: جمع جبل. والمعزل: الموضع البعيد. وبُنَّيِّ: ابني، مصغر ((ابن)) مضافًا إلى ياء المتكلم. وفي الفتوحات والصاوي: ((يا بُنَيَّ)). وآوي: ألتجئ
وأتحصّن. والعاصم: المنجّ. ورحم: عطف عليه بالنجاة. وحالَ: فصل. وكان: صار. والمغرق: الهالك خنقًا بالماء.
(٤) قول السيوطي ((دون ما نزل من السماء)) الصواب أن يقال: ما على وجهك من ماء الطوفان. وابلعيه: اشربيه. والنقص وحده لا يدل على معنى ((غيض))،
لأن المراد استمرار النقص حتى نضب الماء وذهب كله. والظالم: من جاوز الحق. وأشنع ذلك هو الكفر. وناداه أي: دعاه متضرعًا. ورب أي: ياربي.
حذفت ((يا)» للمبالغة في توكيد النداء، وفي التعظيم دفعًا لِما تُشعر به من معنى الأمر والتنبيه. ومن أهلي أي: من صُلبي. والوعد: العهد الموثق. والحق:
النافذ فعلًا دون شك. والحاكم: القاضي ذو الحكمة والتبصر. وأحكم الحاكمين: أعلمهم وأعدلهم وأكثرهم حكمة.
الجزء الثاني عشر
٢٢٧
١١ - سورة هود
١- ﴿قالَ﴾ تعالى: ﴿يا نُوحُ، إِنَّهُ لَيسَ مِن أهلِكَ﴾ الناجين، أو من أهل دِينك. ﴿إِنَّهُ﴾
أي: سُؤالَك إيّاي بنجاته ﴿عَمَلٌ غَيرُ صالِحٍ﴾. فإنه كافر، ولا نجاة للكافرين. وفي
قراءةٍ بكسر ميمٍ ((عَمِلَ)): فعلٌ، ونصبٍ (غيرَ)) فالضمير لابنه. ﴿فلا تَسأَلَنِّي﴾ -
بالتشديد والتخفيف - ﴿مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ﴾ من إنجاء ابنك. ﴿إِنِّيَ أَعِظُكَ أن تَكُونَ
مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ٤٦، بسؤالك ما لم تعلم. ﴿قَالَ: رَبِّ، إنِّيَ أعُوذُ بِكَ﴾ من ﴿أن
أسأَلَكَ ما لَيسَ لِي بِهِ عِلمٌ، وإلّا تَغْفِرْ لِي﴾ ما فَرَط منّي ﴿وَتَرَحَمْنِي أَكُنْ مِنَ
الخاسِرِينَ﴾ ٤٧ .
٢ - ﴿قِيلَ: يا نُوحُ، اهبِطْ﴾: انزِل من السفينة، ﴿بِسَلام﴾: بسلامة أو بتحيّة ﴿مِنّا،
وبَرَكاتٍ﴾: خيرات ﴿عَلَيكَ، وعَلَى أُمَم مِمَّن مَعَكَ﴾ في السفينة، أي: من أولادهم
وذُرّيّتهم - وهم المؤمنون - ﴿وَأُمَمّ﴾،َ بالرفع، ممّن معك ﴿سَنُمَتِّعُهُم﴾ في الدنيا،
﴿َثَمَّ يَمَسُّهُم مِنَّ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤٨ في الآخِرة. وهم الكُفّار. ﴿تِلكَ﴾ أي: هذه الآياتُ
المُتضمّنة قِصّةَ نُوحِ ﴿مِن أنباءِ الغَيبِ﴾: أخبارِ ما غاب عنك، (نُوحِيها إلَيكَ﴾ - يا
مُحمّد - ﴿مَا كُنتَ تَعلَمُها أنتَ ولا قَومُكَ مِن قَبلِ هذا﴾ القُرآنِ. ﴿فَاصْبِرْ﴾ على التبليغ
وأذى قومك، كما صبر نُوح. ﴿إِنَّ العاقِبَةَ﴾ المحمودةَ ﴿لِلمُتَّقِينَ﴾ ٤٩.
◌ُسُورَة هُوُّد
الجزء الثَّانِ عَيَّة
قَالَ يَنُوُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌ إِنَّهُ, عَمَلُ غَيْرُصَلِحْ فَلَا تَسْتَلْنِ
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمَّ إِى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ
قَالَ رَبٍ إِنّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَالَّسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا
تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ قِيلَ يَنُوحُ
أَهْبِطْ بِسَلَمِ قِنَا وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَن مَّعَنَّ
وَأُمَمُ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَ يَمَسُهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ◌ّتِلْكَ
مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكٌ مَاكُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ
مِن قَبْلِ هَذَّا فَأَصْبِرٍّ إِنَّالْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ () وَإِلَى عَادٍ
أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَالَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ
غَيِّرُهُمِنْ أَنْتُمْ إِلَّمُفْتَرُونَ ﴾َّ يَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْعَلَيْهِ
أَجْرًاْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّ عَلَى الَّذِى فَطَرَبِى أَفَلَا تَعْقِلُونَ
وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُ واْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ
عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَنَوَلَوْاْ
مُجْرِمِينَ ﴿﴿قَالُواْ يَهُودُ مَاجِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ
بِشَارِكِيَّالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
٣- ﴿و﴾ أرسلنا ﴿إِلَى عادٍ أخاهُم﴾ من القبيلة ﴿هُودًا. قالَ: يا قَوم، اعْبُدُوا اللهَ﴾:
وحِّدوه. ﴿مَا لَكُم مِن﴾: زائدةٌ ﴿إِلَّهِ غَيرُهُ. إنْ﴾: ما ﴿أَنتُم﴾ في عِبادتكم الأوثانَ ﴿إلّا
مُفْتَرُونَ﴾ ٥٠: كاذبون على الله. ﴿يَا قَوم، لا أسألُكُم عَلَيهِ﴾: على التوحيد ﴿أجرًا. إنْ﴾: ما ﴿أُجرِيَ إلّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِيَ﴾: خلقني. ﴿أفلا
تَعْقِلُونَ ٥١؟ ويا قَومِ، استَغفِرُوا رَبَّكُم﴾َ من الشِّرك، (ثُمَّ تُوبُوا﴾: ارجِعوا ﴿إِلَيْهِ﴾ بالطاعة، ﴿يُرسِلِ السَّماءَ﴾: المطرَ - وكانوا قد مُنِعوه -
﴿عَلَيْكُم مِدرارًا﴾: كثير الدُّرور، ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى﴾: معَ ﴿قُوَّتِكُم﴾ بالمال والولد، ﴿ولا تَتَوَلَّوا مُجْرِمِينَ﴾ ٥٢: مُشرِكِينَ.
٤ - ﴿قالُوا: يا هُودُ، ما جِئتَنا بِبَيِّنةٍ﴾: بُرهانٍ على قولك، ﴿وما نَحنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنا عَن قَولِكَ﴾ أي: لقولك، ﴿وما نَحنُ لَكَ بِمُؤمِنِينَ ٥٣. إن﴾:
(١) الجمهور على أن المراد، بالضمير في ((إنه)) في الموضعين، هو كنعان بن نوح، وعملٌ أي: ذو عمل. ويرجِّح تفسيرَ الجمهور قراءةُ ((عَمِلَ غَيرَ)). والعمل:
الفعل المكتسب باختيار وإرادة، من نية أو قول أو تصرف. وغير صالح أي: فاسد بالشهوات. وتسألني: تلتمس مني. وقد حذفت الياء فيما عدا الأصل
والنسخ، وإثباتها جائز لبيان لفظ القراءة. وقد كانت القراءات المختلفة المشهورة، بزيادة لا يحتملها رسم المصحف الواحد، ثابتة في بعض مصاحف الإمام.
الإتقان ٣٧٤:٢. وفي قرة العينين: ((فلا تسألَنَّ)). وبالتخفيف يريد القراءة ((فلا تَسأَلْنِي)). وما ليس لك به علم أي: ما لا تعلم أصواب هو أم لا؟ والعلم:
الإدراك اليقيني. وأعظك: أنصحك. وتكون: تصير. والجاهلون: الذين تَصرِفهم العواطف عن معرفة ما يجب. وأعوذ بك: ألتجئ إليك. وتغفر لي: تصفح
عني ولا تؤاخذني. وترحمني: تعطف عليّ فتحسن إليّ بالعفو والهداية. وأكن: أصِرْ. والخاسر: الذي ضيّع ما كان يأمله.
(٢) منا أي: من عندنا وبأمرنا. والأمم: جمع أمة. وممن معك: انظر تعليقنا على تفسير الآية ٤٠. ونمتعهم: نهيئ لهم ما ينتفعون به ويتلذذون، استدراجًا
وإغراقًا في الغي والعصيان. ويمسهم: يَنزل بهم. والأليم: المؤلم. والأنباء: جمع نبأ. ونوحيها إليك: نبلغك إياها على لسان جبريل، ونيسر لك حفظها
وتبليغ الناس إياها. وتعلمها: تعرفها، أي: ماكنت تعرفها مفصلة كما ذكرناها، وإن كنت تعلم بعض وقائعها مجملة. واصبر أي: تجلد وانتظر بطمأنينة ما
سيكون لك ولقومك. والعاقبة: الخاتمة فيما بينه وبين المشركين. والمتقي: من يخاف الله ويتجنب غضبه وعصيانه، ويلزم الامتثال للأمر والنهي.
(٣) عاد: قبيلة من العرب العاربة، مساكنها بين عُمان وحضرموت. وقوم هود: جماعته. وهو أول نبي في الأمم المعروفة بعد نوح. ووحدوه أي: في
التقديس والطاعة. وزائدة: يعني أن ((مِن)): للتنصيص على عموم النفي. وأسألكم: أطلب منكم. وعلى التوحيد أي: على تبليغي إياكم به. والأجر: المكافأة.
وتعقلون: تستخدمون عقولكم لتعرفوا الصواب من الخطأ. واستغفروه: اطلبوا منه ستر الذنوب والصفح عنها. ويرسل: ينزل. ومُنعوه: حُجب عنهم ولم ينزل
بأرضهم. والدرور: النزول والتتابع. ويزدكم: يضاعف عليكم. والقوة: الشدة والبأس. وتتولوا: تعرضوا عن التوحيد. والمجرم: من يقترف الجرائم والفساد
باختيار وقصد وتصميم.
(٤) ما جئتنا ببينة أي: ما أحضرتها لنا. يريدون المعجزات القاهرة، استهزاء وتعنًا. وتاركي آلهتنا أي: متخلين عن عبادة الأصنام. والآلهة: جمع إله. وهو
المعبود. والمؤمن: المصدق المتبع. وبعض الآلهة أي: واحد منها أو أكثر. والسوء: ما يؤذي. وخبلك: أفسد عقلك. وتهذي: تتكلم بالكلام الساقط لا يقبله
أحد. وأُشهِده: أُقرّ أمامه بالحق ليشهد لي ويؤيّدني. واشهدوا أي: اعلموا لكي تعترفوا يوم القيامة وتقرّوا. والبريء: المتبرئ المتباعد. وتشركونه أي:
تجعلونه مشاركًا في العبادة والطاعة. ومن دونه أي: غيرَ الله. ولا تنظرون أي: لاتنظروني: حذفت الياء للتخفيف. يعني: اسرعوا في هلاكي إن استطعتم.
وتوكلت عليه: اعتمدت عليه وحده واثقًا مطمئنًا. وزائدة: يعني أن ((مِن)): للتنصيص على عموم النفي. والنسمة: الكائن الحي فيه الروح. وتدب: تتحرك .=
١١ - سورة هود
٢٢٨
الجزء الثاني عشر
سُورَة ◌ُهُود
الجُزءُ الثَّانِ عَشَرٌ
إِن تَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ بَعْضُءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّ أُشْهِدُ اللَّهَ
وَأَشْهَدُوْ أَنِّ بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٥٩) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِ
إِّى تَوَّكَلْتُ عَلَى اللَّهِرَبِ وَرَبِّكُمَّا
جَمِيعًا ثُوَّلَا نُظِرُونِ
00
مِن دَابَةٍ إِلَّ هُوَءَ اخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
٥] فَإِن تَوَلَّوْ فَقَدْ أَبْلَغَشُكُمْ مَّا أُزْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ
رَبِّ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظُ
جا وَلَمَاجَآءَ أَمْرُ نَا غَيْنَا هُوَدَّا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ
مِنَاوَ تَخَيْنَهُ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٦) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُ واْبِعَايَتِ
◌َرَبِهِمْ وَعَصَوْرُسُلَهُ، وَأَتَّبَعُواْ أَمْرَكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴿ وَأُتْبِعُواْ
فِى هَذِهِ الدُّنْالَغْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَا إِنَّ عَدَا كَفَرُواْ رَبَّهُمُّ أَلَا
بُعْدَالِعَادِ قَوْمِ هُودٍ [ج﴾ وَإِلَى تَمُودَأَخَاهُمْ صَلِحاً قَالَ
يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرٌٌ هُوَ أَنشَأَ كُمْ مِّنَ اْأَرْضِ
وَأَسْتَعْمَرَكُمُفِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْإِلَيَّةٍ إِنَّرَبِ قَرِيبٌ مُجِيبٌ
﴿ قَالُواْ يَصَلِحُ قَذَّكُنْتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَنَتْهَمنَآ أَنَ
تَّقْبُدَ مَا يَقْبُدُ ءَبَاؤُنَا وَإِنََّا لَفِى شَكٍ مِّمَّاتَدْعُونَّإِلَيْهِ مُرِيبٍ (
ما ﴿نَقُولُ﴾ في شأنك ﴿إِلّا: اعتَراكَ﴾: أصابك ﴿بَعضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾، فخَبّلك لِسبّك
إياها، فأنت تهذي. ﴿قَالَ: إِنَّ أُشهِدُ اللهَ﴾ عليَّ، ﴿واشهَدُوا أَنِّي بَرِيٌ مِمّا
تُشْرِكُونَ﴾ ٥٤ ـه به، ﴿مِن دُونِهِ. فَكِيدُونِي﴾: احتالوا في هلاكي ﴿جَمِيعًا﴾، أنتم
وأوثانكم، ﴿ثُمَّ لا تُنظِرُونِ﴾ ٥٥: تُمهِلُونِ. ﴿إِنِّي تَوَّلتُ عِلَى اللهِ رَبِّي وَرَبَّكُم. ما
مِن﴾: زائدةٌ ﴿دابّةٍ﴾: نسمة تدِبّ على الأرض ﴿إِلّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيتِها﴾ أي: مالكُها
وقاهرها. فلا نفع ولا ضرر إلّا بإذنه. وخَصَّ الناصيةَ بالذكر لأنّ مَن أُخذ بناصيته
يكون فيِ غاية الذلّ. ﴿إِنَّ رَبِّي علَى صِراطٍ مُستَقِيمٍ﴾ ٥٦ أي: طريق الحقّ والعدل.
﴿فإن تَوَلَّوا﴾، فيه حذف إحدى التاءين، أي: تُعرّضوا ﴿فَقَد أبلَغْتُكُم ما أُرسِلتُ بِهِ
إِلَيْكُم، ويَستَخِلِفُ رَبِّي قَومًا غَيرَكُم، ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ بإشراككم! ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ
شَيءٍ حَفِيظٌ﴾ ٥٧: رقيب.
ثلاثة أنواع
الحزب
٢٣
١- ﴿وَلَمّا جاءَ أمُرُنا﴾: عذابنا ﴿نَجَّينا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، بِرَحْمَةٍ﴾:
هِداية ﴿مِنّ، ونَجَّيناهُم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ٥٨ : شديد. ﴿وتِلكَ عادٌ﴾ إشارة
إلى آثارهم. أي: فسيحوا في الأرض وانظروا إليها. ثم وصف أحوالهم فقال:
﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم، وعَصَوا رُسُلَهُ﴾ - جَمَعَ، لأنّ من عصى رسولًا عصى جميع
الرسل، لاشتراكهم في أصل ما جاؤوا به. وهو التوحيد - ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ أي: السَّفَلَةُ
﴿أمرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ٥٩: مُعارضٍ للحق من رُؤسائهم، ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هُذِهِ الدُّنيا
لَعْنَةَ﴾ من الناس، ﴿وَيَومَ القِيامةِ﴾ لعنةً على رُؤوس الخلائق. ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا﴾:
جحدوا ﴿رَبَّهُم. ألا بُعدًا﴾ من رحمة الله ﴿لِعادٍ قَومٍ هُودٍ﴾ ٦٠.
٢- ﴿و﴾ أرسلنا ﴿إِلَى ثَمُودَ أخاهُم﴾ من القبيلة (صالِحًا. قالَ: يا قَوم، اعْبُدُوا اللهَ﴾: وحِّدوه. (مالَكُم مِن إلَهِ غَيْرُهُ. هُوَ أَنشَأَكُم﴾: ابتدأ
خلقكم ﴿مِنَ الأرضِ﴾، بخلق أبيكم آدم منها، ﴿واستَعمَرَكُم فِيها﴾: جعلكم عُمّارًا تسكنون بها. ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ من الشّرك، ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾:
ارجِعوا ﴿إِلَيْهِ﴾ بالطاعة. ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ من خلقه بعلمه، ﴿مُجِيبٌ﴾ ٦١ لمن سأله. ﴿قالُوا: يا صالِحُ، قَد كُنتَ فِينا مَرَجُوًّا﴾: نرجو أن تكون
سيّدًا، ﴿قَبَلَ هُذا﴾ الذي صدر منك. ﴿أتَنهانا أن نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤنا﴾ من الأوثان؟ ﴿وإنَّنَا لَفِي شَكِّ، مِمّا تَدَعُونا إِلَيْهِ﴾ من التوحيد،
﴿ مُرِيبٍ﴾ ٦٢: مُوقعٍ في الريب.
=والناصية: الشعر في مقدم الرأس. وهي حقيقة في بعض الخلق، واستعارة في بعض. والصراط: الطريق الواضح، والمستقيم: المعتدل. وتولوا: تتولوا،
أي: تستمروا على الإعراض عما أبلغكم من التوحيد. وأبلغتكم: بينت لكم. وأرسلت به أي: بعثت للدعوة إليه وأمرت باتباعه وبتبليغه. ويستخلف غيركم
أي: يستأصلكم بالعذاب المهلك، ويخلق بعدكم من يكون صالحًا للطاعة والتوحيد. ولا تضرونه أي: لا يسبب كفركم ضررًا أو نقصًا لمُلكه. ورقيب أي:
لا تخفى عليه أعمالكم وأعمالي، فيجازي كلَّا بما هو أهله.
(١) جاء: وقع وحصل. والأمر: الحكم والقضاء. ونجيناه: أنقذناه. وآمنوا: عرفت قلوبهم التوحيد وما يلزمه. والرحمة: العطف بالإحسان. ومنا أي: من
عندنا وبأمرنا. والعذاب: التعذيب المهلك بالريح التي سخرت على الكافرين. وتكرار التنجية فيه التوكيد، ودفع لقلق اللفظ إذا وقعت (مِن)) بعد («منّا)).
وجحد: كفر وكذّب ما يعلم أنه حق لاشك فيه. والآيات: دلالة المعجزات على صدق هود في رسالته. وعصوا: أصرّوا على المخالفة والعصيان. والرسل:
جمع رسول. وهو من بعث وكلف بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. وجمع أي: عَبّر بالجمع لا بالمفرد رسول. واتبعوا أمره: وافقوه وأطاعوه فيما
أمرهم به. والسفلة: جمع سافل. وهو الحقير الدنيء. والجبار: من يرغم الناس على ما يريد. والعنيد: من يخالف الحق وهو يعرفه. وفيما عدا الأصل
والنسخ: ((معاند للحق)). واللعنة: الطرد والإبعاد عن رحمة الله. وأتبعوها أي: جُعلت ملازمة لهم تصاحبهم. و((من الناس)) كذا. والصواب: من الله وعباده
المؤمنين، كما في تفسير ابن كثير. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من القبور بالبعث للحساب والجزاء. ط: ((ألّا إنّ عادًا)). وجحدوه: أنكروا الإيمان
به. والبعد: الطرد والهلاك بالعذاب العظيم.
(٢) ثمود هي عاد الثانية قبيلة من العرب العاربة أيضًا، أقدم الأمم التي لها آثار معروفة حتى الآن، كان موطنها في الحِجر، شمال المدينة المنورة. وأخوهم
أي: من هو أحد أفرادهم لأنه من ذريتهم ويعيش معهم أيضًا. والإله: المعبود بحق. والأرض: موطن الحياة الدنيا. واستغفروه أي: اطلبوا منه أن يستر
ذنوبكم ويصفح عنها. وإليه أي: إلى امتثال أمره ونهيه، وطلب رضاه بترك الكفر واتباع الإيمان. وانظر الآية ٥٠. وبعلمه أي: وبرحمته وسلطانه. فالقرب
بالمكانة لا بالمكان. ومجيب أي: يعطي ما سئل بالدعاء والرجاء. وتنهى: تمنع وتحرّم. ونعبد: نقدس ونطيع. والآباء: جمع أب. وهو يطلق على الوالد
والجد. والشك: التردّد وعدم الطمأنينة. وتدعونا إليه أي: تبلغنا به وترشدنا إليه. والريب: الحيرة وقلق النفس وانتفاء اليقين.
الجزء الثاني عشر
٢٢٩
١١ - سورة هود
١- ﴿قالَ: يا قَوم، أرَأيتُم إن كُنتُ علَى بَيِّنةٍ﴾: بيان ﴿مِن رَبِّي، وآتانِي مِنْهُ رَحْمةٌ﴾:
نُبوّة، ﴿فَمَن يَنصُرُنِي﴾: يمنعني ﴿مِنَ اللهِ﴾ أي: عذابه، ﴿إِن عَصَيتُهُ؟ فما تَزِيدُونَنِي)
بأمركم لي بذلك ﴿غَيرَ تَخسِيرٍ﴾ ٦٣: تضليل. ﴿ویا قَوم، هذِهِ ناقةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾: حالٌ
عاملُه الإشارة. ﴿فَذَرُوها تأكُلْ في أرضِ اللهِ، ولا تَمَسُّوَها بِسُوءٍ﴾: عَقرٍ، ﴿فِيأْخُذَكُم
عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ٦٤ إن عقرتموها. ﴿فَعَقَرُوها﴾ عقرها قُدارٌ بأمرهم، ﴿فقالَ﴾ صالح:
﴿تَمَتَّعُوا﴾: عيشوا ﴿في دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ﴾، ثمّ تَهلِكون. ﴿ذُلِكَ وَعِدٌ غَيرُ
مَكذُوبٍ﴾ ٦٥ فيه.
٢- ﴿فَلَمّا جاءَ أمُرُنا﴾ بإهلاكهم ﴿نَجَّينا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ - وهم أربعة آلاف
- ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا، و﴾ نجّيناهم ﴿مِن خِزْىٍ يَومِئذٍ﴾، بكسرِ الميم إعرابًا، وفتحِها بناءً
لإضافته إلى مبنيّ - وهو الأكثر. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ٦٦: الغالب - ﴿وأخَذَ
الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيحةُ، فأصبَحُوا في دِيارِهِم جاثِمِينَ﴾ ٦٧: باركين على الرُّكب ميّتينَ،
﴿كأنْ﴾: مُخفّفةٌ واسمها محذوف أي: كأنّهم ﴿لَم يَغْنَوا﴾: يُقيموا ﴿فِيها﴾: في
ديارهم. ﴿أَلا إِنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهُم. ألا بُعدًا لِئَمُودٍ﴾ ٦٨، بالصرفِ وتركِه على معنى
الحيّ والقبيلة.
سُورَةِ هُود
الزَةُ القَانِى عَشِر
قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْثُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَءَاتَنِى
مِنْهُ رَحْمَةٌ فَمَن يَنْصُرُفِىِ مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْنُهُ، فَمَا تَزِيدُونَنِى
غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴿ وَيَقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً
فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُوهَا بِسُوْءٍ فَأْخُذَّكُمْ
عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ
ثَثَةَ أَيَّامِ ذَلِكَ وَعْدَّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴿ فَلَمَّاجَآءَ
أَمُنَا بَيْنَا صَلِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا
وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ( وَأَخَذَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْفِ دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ
﴿ كَن لَّمْ يَغْنَوْفِهَاْ أَ إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُواْرَتَّهُمْ أَلَ بَعْدًا
لِّثَمُودَ ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَا إِنْزَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ
سَلَمَّا قَالَ سَلَمٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ فَمَّا
رَءَا أَيْدِ يَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِنَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً
قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴿ وَأَمَْتُهُ قَائِمَةٌ
فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِسْحَقَ وَمِن وَرَآءٍ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (
٣- ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسْلُنا إِبراهِيمَ بِالْبُشرَى﴾، بإسحاقَ ويعقوبَ بعده، ﴿قالُوا:
سَلامًا﴾: مصدر. ﴿قالَ: سَلامٌ﴾ عليكم. ﴿فما لَبِثَ أن جاءَ بِعِجلٍ حَنِيذٍ﴾ ٦٩:
مشويّ، ﴿فَلَمّا رَأَى أيدِيَهُم لا تَصِلُ إلَيهِ نَكِرَهُم﴾ بمعنى: أنكرهم، ﴿وَأَوجَسَ﴾: أضمرَ في نفسه ﴿مِنهُم خِيفةً﴾: خوفًا. ﴿قالُوا: لا تَخَفْ. إنّا
أُرسِلْنا إِلَى قَومِ لُوطٍ﴾ ٧٠ لنُهلكَهم. ﴿وامرأتُهُ﴾ أي: امرأة إبراهيمَ سارةُ ﴿قائمةٌ﴾ تخدمهم، ﴿فضَحِكَتْ﴾ استبشارًا بهلاكهم، ﴿فَبَشَّرْناها
بإسحاقَ، ومِنَ وَراءِ﴾: بعدِ ﴿إِسحاقَ يَعقُوبُ﴾ ٧١ ولدُه تَعيشُ إلى أن تراه.
(١) أرأيتم أي: أخبروني. وآتاني: أعطاني. ومنه: من عنده وبأمره. والرحمة: العطف بالإحسان. وعصيته: خالفت أمره. وتزيدونني: تضيفون إلى ما أنا
عليه. وتخسير أي: جعلي مضيِّعًا ما منحني الله من الخير. والناقة: الأنثى من الإبل. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٧٣ من سورة الأعراف. ولكم أي: مختصة
بكم. والآية: المعجزة الدالة على صدق النبي صالح. وحال: يعني أن («آيَةً)): حال من ((ناقة)). وذروها أي: اتركوها. وتأكلُ: تتغذى. وتمس: تصيب.
والسوء: الأذى. والعقر: قطع إحدى القوائم ليتيسر الذبح. ويأخذكم: يعاقبكم. والعذاب: التعذيب المستأصِل. والقريب: العاجل لا يتأخر بعد إساءتكم إلى
الناقة. وقدار: ابن سالف من أشقياء بني ثمود، كان جزارًا ذا منعة وسيادة. وداركم: بلدكم. والأيام: جمع يوم. وذلك أي: ما أهدّدكم به من العذاب بعد
الأيام المذكورة. والوعد: الوعيد بالهلاك.
(٢) في عدد المؤمنين خلاف كبير، ولا فائدة فيه. انظر تفسير الآلوسي ٢٤٩:٨-٢٥٠. والخزي: الذلة والعار. ويومئذ أي: يوم هلاك الكافرين. وبفتحها
يريد القراءة ((يَومَئذٍ)). ومبني يعني: إذْ. والأكثر: يعني أن بناء ((يومَ)) على الفتح، في مثل هذا، هو أكثر في الاستعمال لا في القراءات هنا، إذ الفتح والكسر
فيها متساويان. الفتوحات ٤٠٨:٢ والصاوي ٢٢١:٢. والخطاب بعدُ هو للنبي ◌َّر. والقوي: الكامل القوة بذاته، لا يعجزه شيء بحال من الأحوال. وأخذ:
أهلك واستأصل بالقهر والعنف. وظلموا: تجاوزوا الحد بالكفر والعصيان. والصيحة: الصوت العظيم من السماء زُلزلت له الأرض بمن فيها. وأصبحوا:
دخلوا في الصباح. والديار: جمع دار. ومخففة: يعني أن ((كأنْ)) أصلها ((كأنّ)). وكفروه: جحدوا ألوهيته وتوحيده. والبعد: الهلاك بالعذاب العظيم.
وبالصرف ... الحي: يعني أن تنوين ((ثمود)) في الموضعين على إرادة معنى الحي، أي: أبناء الجد الواحد. وتركه: ترك الصرف. يريد القراءة ((إنَّ ثَمودَ))
و ((لِثَمودَ)). فعدم التنوين يعني أن الاسم مؤنث على إرادة معنى القبيلة.
(٣) جاءته: أتته وقابلته عيانًا. والرسل: جمع رسول. وهم هنا ملائكة فيهم جبريل. والمشهور أن إبراهيم كان مقيمًا في نابلس، بعد أن هاجر مع زوجته
سارة ولوط. والبشرى: الخبر يَسرّ ويُسعد. وبإسحاق ويعقوب بعده أي: بتبشير الملائكة له أن يكون له ولدٌ اسمه إسحاق، وبعدُ حفيدٌ من إسحاق اسمه
يعقوب. وهذه البشارة لم ينقلوها إليه حينذاك، وإنما سترد بعد ضحك سارة، وقبلها سيكون التبشير بنجاة لوط وإهلاك قومه. والسلام: السلامة والأمن. وما
لبث: ما أبطأ وما تأخر. وجاء بعجل: أحضر ولد بقرة لم يبلغ الشهر من عمره. ورأى: أبصر إبراهيمُ بعينه. والأيدي: جمع يد. ولا تصل إليه: لا تمتد إلى
العِجل للأكل. يعني أنهم امتنعوا من الطعام. وأنكرهم: أنكر حالهم، لأن امتناعهم من الطعام يعني أنهم لم يقبلوا الضيافة، وقد يكونون ممن يُضمرون له
الشر، إذ لم يكن يعلم أنهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون كالبشر. ومنهم: من جهتهم. ولا تخف: اطمئن وائمن. وأرسلنا: بُعثنا بأمر الله. وقوم لوط: الجماعة
التي يعيش بينهاقريبًا من مدينة حمص. ولوط لم يكن من نسل هذه الجماعة، وإنما أرسله الله إليها بعد هجرته مع عمه إبراهيم من العراق. وقائمة: في حالة
قيام ونشاط تعمل لإكرام الضيف. وضحكت: انفرجت شفتاها من السرور. وبشرناها: أخبرناها على ألسنة الملائكة ما يَسرّها. وبإسحاق أي: بأن تحمل به
وتلده. وكانت عقيمًا لم تحمل قط. ويعقوب: أبو يوسف. وولده أي: ولد إسحاق.
١١ - سورة هود
٢٣٠
الجزء الثاني عشر
سُورَةِ هُوُّد
الجزء الثَّانِى عَشَ
قَالَتْ يَوَئِلَغَىْءَ أَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا
لَشَىْءُ عَجِيبٌ ﴿ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ رَحْمَتُ اُللَّهِ
وَبَرَكَنُهُ, عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِيدٌ الْأَّفَلَمَّاذَهَبَ
عَنْ إِنْزَهِيَمَ الزَّوْعُ وَجَاءَتْهُ اَلْبُشْرَى يُحَدِ لْنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ لََّ
إِنَّ إِبْهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّةٌ مُِّيبٌ ﴿َّإَِهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَّا إِنَّهُ.
قَدْجَآءَ أَمْرُ رَبِّكٌ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَنْ دُودٍ الثَّوَلَمَّا
جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطَّاسِىَّ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا
﴿ وَجَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ
١ - ﴿قَالَتْ: يا وَيلَتا﴾ - كلمة تقال عند أمر عظيم، والألف مبدلة من ياء الإِضافة -
﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ لي تسع وتسعون سنة، ﴿وهذا بَعلِي شَيخًا﴾ له مِائَة أو وعشرون
سنة؟ ونصبُه على الحال والعامل فيه ما في ((ذا)) من الإشارة. ﴿إِنَّ هذا لَشَيءٌ
عَجِيبٌ﴾ ٧٢ أن يُولد ولد لهرِمَينٍ. ﴿قَالُوا: أتَعجَبِينَ مِن أمرِ اللهِ﴾: قُدرته؟ ﴿رَحْمةُ اللهِ
وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُم﴾، يا ﴿أهلَ البَيتِ﴾: بيت إبراهيم. ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾: محمود
﴿مَجِيدٌ﴾ ٧٣: کریم.
٢- ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَن إِبراهِيمَ الرَّوعُ﴾: الخوف، ﴿وجاءَتهُ البُشرَى﴾ بالولد، أخذ
﴿يُجَادِلُنا﴾: يُجادل رُسلنا ﴿في﴾ شأن ﴿قَومِ لُوطٍ ٧٤. إنَّ إِبراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾: كثير
يَوْمُ عَصِيبٌ
يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ، قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِى هُنَّأَظْهَرُ لَكُمْ
فَاتَّقُواْاللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىّ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ
﴿ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا نُرِيدُ
﴿ قَالَ لَوْأَنَّلِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْءَاوِى إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ ﴿ قَالُواْ
يَبْلُوطُ إِنَّارُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ
مِّنَ الَّلِ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّإِلَّا أَمْرَأَنَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا
مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَ هُمُ الصُّبْحُ ◌َلَيْسَ الُبْحُ بِقَرِيبٍ
الأناة، ﴿أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ٧٥ : رَجّاع. فقال لهم: أتُهلِكون قرية فيها ثلاثُمِائَةٍ مؤمنٍ؟
قالوا: لا . قال: أفْتُهلكون قرية فيها مِاتَتا مؤمنٍ؟ قالوا؟ لا. قال: أفْتُهلِكون قرية فيها
أربعون مؤمنًا؟ قالوا: لا. قال: أفتُهلِكون قرية فيها أربعةَ عشَرَ مؤمنًا؟ قالوا: لا .
قال: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا. ((قالَ: إنَّ فِيها لُوطًا. قالُوا: نَحنُ
أعلَمُ بِمَن فِيها)) إلى آخره. فلمّا أطال مُجادلتهم قالوا: ﴿يا إبراهيمُ، أعرِضْ عَن لهذا﴾
الجدال. ﴿إِنَّهُ قَدْ جاءَ أمرُ رَبِّكَ﴾ بهلاكهم، ﴿وإِنَّهُم آتِيهِم عَذابٌ غَيْرُ مَرَدُودٍ﴾ ٧٦.
٣- ﴿وَلَمّا جاءَتِ رُسْلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمِ﴾: حَزِنَ بسببهم، ﴿وضاقَ بِهِم ذَرعًا﴾
صدرًا، لأنهم حِسان الوجوه في صُورة أضياف، فخاف عليهم قومه، ﴿وقالَ: هذا
يَومٌ عَصِيبٌ﴾ ٧٧: شديد. ﴿وجاءَهُ قَومُهُ﴾، لمّا علموا بهم، ﴿يُهِرَعُونَ﴾: يُسرعون
﴿إِلَيهِ، ومِن قَبَلُ﴾: قبلِ مجيئهم ﴿كانُوا يَعمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾. هي إتيان الرجال في
الأدبار. ﴿قالَ﴾ لوط: ﴿يَا قَوم، هُؤُلاءِ بَناتِي﴾ فتزوّجوهنّ، ﴿هُنَّ أطهَرُ لَكُم. فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخزُونِ﴾: تَفضحوني ﴿فِي ضَيفِي﴾: أضيافي.
﴿أَلَيسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ٧٨،َ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ ﴿قَالُوا: لَقَد عَلِمتَ: ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقِّ﴾: حاجة، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعلَمُ ما
نُرِيدٌ﴾ ٧٩ من إتيان الرجال. ﴿قالَ: لَو أنَّ لِي بِكُم قُوّةً﴾: طاقة، ﴿أو آوِي إلى رُكنِ شَدِيدٍ﴾ ٨٠: عشيرة تنصرني لبطشتُ بكم.
٤- فلمّا رأتِ الملائكة ذلك ﴿قالُوا: يا لُوطُ، إنّا رُسُلُ رَبِّكَ. لَن يَصِلُوا إلَيكَ﴾ بسوء. ﴿فَأَسْرِ بِأهلِكَ بِقِطْعِ﴾: طائفة ﴿مِنَ اللَّيلِ، ولا يَلْتَفِتْ
(١) الويلة: الفضيحة، تستعمل في الكلام للتعجب من أمر يدهم النفس. ومبدلة: يعني أن الأصل: يا وَيلَتِي! وألد: أحمل وأضع طفلًا. والعجوز: التي
تجاوزت الستين سنة. والبعل: الزوج. والشيخ: من أدرك الشيخوخة. و((أو)) المراد: أو مائة وعشرون سنة. والإشارة يعني: مافي ((ذا)) من معنى الفعل
والحدث. انظر الآية ٦٤. والشيء: ما هو موجود. والعجيب: الغريب حصوله يدعو إلى إنكار وقوعه. والرحمة: العطف بالإحسان. والبركة: الفضل الثابت
النامي. والأهل: الأصحاب. يعني: أهل بيت النبوة من أزواج وأولاد حاضرين أو قادمين. والحميد: المستحق للحمد والثناء دائمًا. والمجيد: البالغ النهاية
في الكرم والعز.
(٢) ذهب: انكشف. والمراد بالخوف ما استشعره منهم في أول الآية ٧٠. وجاءته: أتته. والبشرى: البشارة. ويجادل رسلنا: يعترض عليهم، حرصًا على
استجابة قوم لوط للهداية. والأناة: التمهل والترفق في معالجة الأمور. والأوّاه: الكثير التلهف والتضرع إلى الله. والرجّاع: الكثير الرجوع والبعد عما يكرهه
الله خوفًا ورجاء. والقول المنسوب إلى إبراهيم هنا أسقط السيوطي منه بعض الجمل اختصارًا. انظر الدر المنثور ٣٤٢:٣. والقرية: المدينة. وإلى آخره:
يعني الآية ٣٢ من سورة العنكبوت. وأعرض عنه: اتركه وانصرف عنه. والأمر: ما حكم به. وجاء: حان وقت وقوعه. وآتيهم: واقع بهم ومهلكهم.
والعذاب: التعذيب المستأصل. وغير مردود: حاصل لامحالة، ولا مرد له بجدال أو دعاء أو غير ذلك.
(٣) جاءته الرسل: وصلت الملائكة إلى القرية التي يقيم فيها لوط، واسمها سدوم، قريبة من حمص. وسيء: لحقه ما يُحزن. وضاق بهم: لم يقوَ على
احتمالهم. والذرع: القدرة. واليوم: الوقت. ويهرعون: يساقون لطلب الفاحشة في الأضياف. ويعملون: يقترفون. والسيئة: المعصية الشنيعة. وإتيان الرجال
أي: اللّواطة بهم. وبناتي أي: بنات قومي، لأن النبي يكون بمنزلة الأب لقومه. واتقوه أي: تجنبوا عصيانه والتزموا الامتثال لأمره. وتُخزونِ أي: تُخزوني،
حذفت ياء المتكلم للتخفيف. وفي ضيفي: في شأنهم والإساءة إليهم. والرشيد: المُرشِد إلى الحق. وعلمت: عرَفت معرفة يقينية. والحق: النصيب من
الشهوة. ونريد: نطلب. وبكم أي: على دفعكم. وآوي: ألتجئ للاستعانة والاستنصار. والركن: ما يُستنَد إليه ويُمتنع به. والشديد: القوي المنيع.
(٤) الرسل: جمع رسول، ملائكة لإهلاك الكافرين من قومك. فاطمئن. وما كان يعلم قبل هذا أنهم ملائكة. ولن يصلوا إليك أي: لن يقدروا على إيصال
ضرر إلينا، ليسببوا ضررًا لك. وأسرٍ: سِرْ في الليل. وبأهلك: مع مَن آمن بك مِن أسرتك وقومك. وبقطع: في الجزء الأخير. وهو السَّحَر كما في الآية ٣٤
من سورة القمر. والمراد هو الليل الذي هم فيه. وامرأة لوط اسمها والهة. ولا تسر بها: اتركها مع الكافرين، لأنها كافرة مثلهم. وهذا أحد التفسيرين
للاستثناء - وهو مستفاد من قراءة النصب - والآخر هو الالتفات مستفادًا من قراءة الرفع. والمراد: لا تمنعها من الالتفات لتهلك. والراجح أنّ الزوجة لم
تخرج مع المؤمنين لأنها ليست منهم، ولاتثق بما كان من تهديد زوجها للكافرين. وعلى هذا فالاستثناء منقطع وهو من النجاة، ولا علاقة للزوجة بالخروج
والالتفات. ومصيبها: يعني: لكن امرأتك نازل بها ومهلكها. و((خرجت والتفتت)) مبني على ما ذكر قبل. وقولها ((واقوماه) تفجُّع وحسرة ونُدبة. وموعدهم:
وقت وعيد هلاكهم. والصبح: الفجر. وهو بُعيد السَّحر. وقريب أي: سريع مجيئه.
الجزء الثاني عشر
٢٣١
١١ - سورة هود
مِنكُم أحَدٌ﴾ لئلّا يَرى عظيم ما ينزل بهم، ﴿إلّا امرأتُكَ﴾ - بالرفع بدل من ((أحدٌ))،
وفي قراءة بالنصب استثناءً من الأهل، أي: فلا تُشْرِ بها - ﴿إِنَّهُ مُصِيبُها ما
أصابَهُم﴾. فقيل: لم يخرج بها. وقيل: خرجتْ والتفتت فقالت: واقوماه.
الحـ
فجاءها حجر فقتلها. وسألهم عن وقت هلاكهم، فقالوا: ﴿إِنَّ مَوعِدَهُمُ
الصُّبخُ﴾. فقال: أريد أعجَلَ من ذلك. قالوا: ﴿أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ٨١؟
١- ﴿فَلَمّا جاءَ أمُرُنا﴾ بإهلاكهم ﴿جَعَلْنا عالِيَها﴾ أي: قُراهم ﴿سافِلَها﴾، بأن
رفعَها جبريل إلى السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض، ﴿وأمطَرْنا عليها حِجارةً مِن
سِجِّيلٍ﴾: طين طُبخ بالنار ﴿مَنضُودٍ﴾ ٨٢: متابع، ﴿مُسَوَّمَةً﴾: مُعلَمة عليها اسمُ من
يُرمى بها ﴿عِندَ رَبِّكَ﴾: ظرف لها. ﴿وما هِيَ﴾: الحجارةُ أو بلادُهم ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾
أي: أهلِ مكّة ﴿بِبَعِيدٍ﴾ ٨٣.
سورة هود
الجزء الثانى عشر
فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا
حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ مَّنْضُودٍ (٨٢ مُسَوَّمَةً عِنْدَرَبِّكَ
وَمَا هِىَ مِنَ الظَّلِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴿٥ ﴾ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
شُعَنْيَا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ.
وَلَا نَنْقُصُوْ اَلْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِّ أَرَنكُمْ بِخَيْرِ
وَإِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ (® وَيَقَوْمِ
أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ
النَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
٨٥)
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُم ◌ُؤْ مِنِينَّ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم
بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالُواْيَشُّعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُ لَكَ أَنْ
تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا أَوْأَن نَفْعَلَ فِى أَمْوَلِنَا مَا ذَشَتُؤْأ
قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن
٢ - ﴿و﴾ أرسلنا ﴿إِلَى مَدْيَنَ أخاهُم شُعَيبًا. قالَ: يَا قَوم، اعبُدُوا اللهَ﴾: وحِّدوه،
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
كُنْتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَبِ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَّأَ وَمَا أُرِيدُأَنْ
أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَدُكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلََّ الْإِصْلَحَ
مَا اسْتَطَعْتُ وَمَاتَوْفِيقِيّ ◌ِلَّ ◌ِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِأُبِيْبُ
﴿مَالَكُم مِن إِلَهِ غَيْرُهُ، ولا تَنقُصُوا المكيالَ والمِيزانَ - إنِّيَ أَرَاكُم بِخَيرٍ﴾: نِعمة تُغنيكم
عن التطفيف، ﴿وإنِّيَ أخافُ عَلَيْكُمْ﴾، إن لم تُؤمنوا، ﴿عَذابَ يَومٍ مُحِيطٍ﴾ ٨٤ بكم
يُهلككم. ووصفُ اليوم به مجاز لوقوعه فيه - ﴿ويا قَوم، أَوفُوا المِكيالَ والمِيزانَ﴾:
أتمّوهما، ﴿بِالقِسطِ﴾: بالعدل، ﴿ولا تَبَخَسُوا النّاسَ أَشياءَهُم﴾: لا تَنقُصوهم من
حقّهم شيئًا، ﴿ولا تَعَثَوا في الأرضِ مُفسِدِينَ﴾ ٨٥ بالقتل وغيره. من: عَثِيَ، بكسر
المُثلّثة: أفسد. ومفسدين: حال مؤكّدة لمعنى عاملها: تعثَوا. ﴿بَقِيَةُ اللهِ﴾: رِزقُه
الباقي لكم، بعد إيفاء الكيل والوزن، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من البخس، ﴿إِن كُنتُم مُؤمِنِينَ، وما أنا علَيَكُم بِحَفِيظٍ﴾ ٨٦: رقيبٍ أُجازيكم بأعمالكم، إنما
بُعثتُ نذیرًا .
٣- ﴿قالُوا﴾ له استهزاء: ﴿يا شُعَيبُ، أصَلَواتُكَ تأمُرُكَ﴾ بتكليفِ ﴿أَن نَتَرُكَ ما يَعْبُدُ آبَاؤُنا﴾ من الأصنام، ﴿أو﴾ نتركَ ﴿أن نَفْعلَ في أمْوالِنا ما
نَشاءُ﴾؟ المعنى: هذا أمر باطل، لا يدعو إليه داعي خير. ﴿إِنَّكَ لَأَنتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ٨٧. قالوا ذلك استهزاء.
٤- ﴿قالَ: يَا قَومٍ، أَرَأيْتُم إِن كُنتُ علَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي، وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزقًا حَسَنًا﴾: حلالًا، أفأشوبه بالحرام من البخس والتطفيف؟ ﴿وما أُرِيدُ أن
(١) جاء أمرنا: قضي ما أمرنا به. وجعل: صيّر. والعالي: ما كان فوق الأرض من المساكن والمصالح. والسافل: ما كان تحت سطح الأرض، أي:
وسافلَها عاليَها أيضًا. وأمطر: أسقط. والحجارة: جمع حجر. و((معلمة)) الراجح أن المسومة هي التي عليها علامات تدل على أنهاليست من حجارة الأرض.
انظر البحر ٢٥٠:٥. وعند ربك أي: سُوِّمت بأمر الله. والظالم: من تجاوز الحق. والكفر أشنع ذلك. والراجح أن المراد عموم الظالمين.
(٢) مَدْيَن: قبيلة جدها مَدْيَنٌ. ومعناه مُحكِم. وهو ابن إبراهيم من زوجتة قنطورى بنت مقطور، من العرب العاربة، وكان له إخوة أشقاء أقاموا بمكة، ثم
تفرقوا فكان منهم قوم شعيب وترك خراسان وما حولها. وأخاهم أي: هو من قبيلتهم. وشعيب نبي عربي كان في عهد موسى وهو أبو زوجته. والإله: المعبود
بحق وحده. وتنقصوا: تقللوا. والمكيال: الكيل. والميزان: الوزن. فقد كانوا يقللون حين يبيعون، ويزيدون حين يشترون، والقوي غالب للضعيف في ذلك.
وأرى: أعلمُ وأُدركُ. وأخاف: أتوقع بيقين. والعذاب: التعذيب الشديد. واليوم: الوقت. وبه أي: بمحيط. وأوفوه: اجعلوه وافيًا دون نقص أو زيادة.
والأشياء: واحدها شيء. والمفسد: الذي يقترف الفساد ويشيعه بين الناس، اختيارًا وقصدًا. والمثلثة: الثاء. وحال مؤكدة: يعني أن ((مفسدين)): حال تفيد
توكيد الفعل، لأنها تتضمن ما يدل عليه من المعنى، وهو عامل فيها النصب. وفيما عدا الأصل وخ وع وقرة العينين: ((بقيّتُ)). وجازت مخالفة هذا الرسم
الكريم لأن النص هنا في تفسير لا في مصحف شريف. وخير أي: أكثر نفعًا. والمؤمن: الذي صدّق الله ورسوله.
(٣) الصلوات: جمع صلاة. وفيما عدا الأصل والنسخ والفتوحات: ((أصلاتُكَ)). وتأمر: تفرض. ونترك: نهمل. والآباء: جمع أب. ويطلق على الوالد
والجد. ونفعل: نتصرف. والأموال: جمع مال. والحليم: ذو العقل الراجح والرأي السليم. والرشيد: المهتدي إلى الحق والخير. أي: أنت تصطنع الحلم
والرشد، ولست من ذلك في شيء، إذ تأمرنا بما يناقضه. فأنت سفيه جاهل.
(٤) أرأيتم: أخبروني. والبينة: البيان. ومن ربي: من عنده وبأمره. ورزقني: أعطاني. ومنه: من عنده وبفضله. وحلالًا أي: طيبًا. و((أفأشوبه)) فيه نظر، لأن
المشهور في جواب الشرط ألّا تدخل عليه همزة الاستفهام. البحر ١٢٧:٤. وكان عليه أن يجعل التقدير: فهل أشوبه ... ؟ وأولى منه أن يقال: فهل يجوز
لكم أن تقولوا في شأني ماقلتم من السخرية والاستهزاء؟ انظر فتح القدير ٧٢٤:٢. وأريد: أقصد. وأخالفكم - يعني أنه لا يخلفهم فيما نهاهم عنه.
والإصلاح: إصلاحكم. وما استطعت: مدة اقتداري على ذلك. وتوفيقى: كوني ملهمًا الصواب. ط: ((وما توفيقيْ)). وبالله أي: بمعونته. وعليه توكلت:
فوضت أمري إليه وحده. وأرجع يعني: إلى طاعته ورضاه. والضمير: ضمير المخاطبين. والثاني أي: إصابتكم. ويصيبكم: ينزل بكم. وانظر الآيات ٢٥ -
٨٣. واستغفروه: اطلبوا منه ستر ذنوبكم، بعد أن تؤمنوا به وتطيعوه. وتوبوا إليه: ارجعوا إليه بالطاعة وترك العصيان. والرحيم: الكثير العطف بالإحسان.
١١ - سورة هود
٢٣٢
الجزء الثاني عشر
سُورَةِ هُوُد
الحرة القَّانِعِشْم،
وَقَوْمِ لَايَجْرِ مَنَّكُمْ شِقَاقِىَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَآ أَصَابَ
قَوْمَ نُوُجِ أَوْقَوْمَ هُودٍ أَوَقَوْمَ صَلِحْ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُم
بِبَعِيدٍ () وَأَسْتَغْفِرُواْرَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْإِلَيْهِ إِنَّ رَتٍِ
رَحِيمٌ وَدُودٌ جَا قَالُواْيَشُعَيْبُ مَانَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَا تَقُولُ
وَإِنَّالَتَرَكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْتَكٌّ وَمَآ أَنْتَ
عَلَيْنَا بِعَزِيزِ ﴾ قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِىَّ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ
اللَّهِ وَأَتَّخَذْ تُمُوهُ وَرَآءَ كُمْ ظِهْرِتًّا إِنَ رَبِ بِمَا تَعْمَلُونَ
مُحِيطٌ ﴿وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِّ عَمِلٌ
سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ
وَلَمَّا جَآءَ
كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِ مَعَكُمْرَقِيبٌ
أَمْرُنَا ◌َتْنَا شُعَيْبًا وَاُلَّذِينَءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَأَخَذَتِ
﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْالصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ (@)
كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْفِيَا أَلَ بُعْدَ الْمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [٥] وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٦ إِلَى فِرْعَوْنَ
وَمَلَإِيْهِ فَأَنَّبَّهُوَ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (
أخالِفَكُم﴾ وأذهبَ ﴿إِلَى ما أنهاكُم عَنهُ﴾ فأرتكبَه - ﴿إن﴾: ما ﴿أُرِيدُ إلّ الإصلاحَ﴾
لكم بالعدل ﴿ما استَطَعتُ، وما تَوفِيقِيَ﴾: قُدرتي على ذلك وغيره من الطاعات (إلّا
بِاللهِ. عَلَيهِ تَوَّلتُ، وإلَيهِ أُنِيبُ﴾ ٨٨ : أرجع - ﴿ويا قَومٍ، لا يَجرِ مَنَّكُم﴾: يُكسِنكم
﴿شِقاقِيَ﴾: خِلافي، فاعل ((يَجرِم)) والضمير مفعول أوّل، والثاني: ﴿أن يُصِيبَكُم مِثلُ
ما أصابَ قَومَ نُوحٍ، أو قَومَ هُودٍ أو قَومَ صالِحٍ﴾ من العذاب - ﴿وما قَومُ لُوطٍ﴾ أي:
منازلُهم أو زمنُ هَلاكهم ﴿مِنْكُم بِبَعِيدٍ﴾ ٨٩. فاعتبِروا - ﴿واستَغْفِرُوا رَبَّكُم، ثُمَّ تُوبُوا
إِلَيهِ، إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بالمُؤمنين، ﴿وَدُودٌ﴾ ٩٠: مُحبّ لهم.
١ - ﴿قالُوا﴾ إيذانًا بقِلّة المُبالاة: ﴿يا شُعَيبُ، ما نَفقَهُ﴾: نفهم ﴿كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ، وإنّا
لَنَرَاكَ فِينا ضَعِيفًا﴾: ذليلًا، ﴿ولَولا رَهطُكَ﴾: عشيرتك ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ بالحجارة،
﴿وما أنتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ٩١: كريم عن الرجم. وإنما رهطك هم الأعِزّة.
٢- ﴿قالَ: يَا قَوم، أرَهطِيَ أعَزُّ عَلَيْكُمٍ مِنَ اللهِ﴾، فتتركون قتلي لأجلهم ولا تحفظوني
الله، ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: اللهَ ﴿وَرَاءَكُمَ ظِهِرِيًّا﴾: منبوذًا خلف ظُهوركم لا تُراقبونه؟
﴿إِنَّ رَبِّي بِما تَعمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ٩٢ عِلمًا، فيُجازيكم. ﴿ويا قَومِ، اعمَلُوا عَلَى
مَكانِكُم﴾: حالتكم - ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ على حالتي. ﴿سَوفَ تَعلَمُونَ مَن﴾: موصولة
مفعول العِلم ﴿يأْتِيهِ عَذَابٌ يُخزِيهِ، ومَن هُوَ كاذِبٌ - وارتَقِبُوا﴾: انتظروا عاقبة
أمركم. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ ٩٣: منتظر.
٣- ﴿وَلَمّا جاءَ أمرُنا﴾ بإهلاكهم ﴿نَجَّينا شُعَيِبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، بِرَحْمَةٍ مِنّا،
وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيحةُ﴾ صاحَ بهم جبريل، ﴿فأصبَحُوا فِي دِيارِهِم جاثِمِينَ﴾ ٩٤ باركين على الرُّكب ميّتينَ، ﴿كأنْ﴾: مُخفّفةٌ أي: كأنّهم
﴿لَم يَغْنَوا﴾: يُقيموا ﴿فِيها. ألا بُعدًا لِمَذْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودٌ﴾ ٩٥.
٤ - ﴿وَلَقَد أرسَلْنا مُوسَى، بِآيَاتِنا وسُلطانٍ مُبِينٍ﴾ ٩٦: برهانٍ بَيّنٍ ظاهرٍ، ﴿إِلَى فِرِعَونَ ومَلَئِهِ، فَاتَّبَعُوا أمرَ فِرِعَونَ، وما أَمرُ فِرِعَونَ بِرَشِيدٍ﴾ ٩٧ :
سديد. ﴿يَقْدُمُ﴾: يتقدّم ﴿قَومَهُ يَومَ القِيامةِ﴾، فيتّبعونه كما اتّبعوه في الدنيا، ﴿فأورَدَهُمُ﴾: أدخلَهم ﴿الّارَ، وبِئْسَ الوِردُ المَورُودُ﴾ ٩٨ هي!
﴿وَأُتْبِعُوا في هذِهٍ﴾ أي: الدنيا ﴿لَعْنَةً، وَيَومَ القِيامَةِ﴾ لعنةً، ﴿بِسَ الرِّفدُ﴾: العونُ ﴿المَرفُودُ﴾ ٩٩ رِفدُهم!
(١) الإيذان: الإعلام. والكثير: الكمية الوافرة. وتقول: تتكلم به وتدعو إليه. ونراك فينا: نعلمك فيما بيننا. والضعيف: الذي لاقوة له ينتصر بها.
ورجمناك: قتلناك. والعزيز: الممتنع بقوته أن يناله أحد بشرّ. والأعزة: جمع عزيز.
(٢) رهط الإنسان: جماعته من الأقربين. وأعز: أكثر منعة وحماية. والله: لفظ الجلالة اسم علم للمعبود بحق وحده والواجب الوجود المستحق للألوهية
والتوحيد ولجميع المحامد بذاته وصفاته وأفعاله. واتخدتم: جعلتم. وتعملون: تكتسبونه من نية أو قول أو فعل. ومحيط به أي: كامل العلم بوجوده وأحواله.
وياقوم: توكيد لفظي لنظيره قبل. واعملوا: تصرفوا وتحملوا ما شئتم. وهو أمر تهديد. والمكانة: الجهة. والعامل: المستمر في عمله باختيار وإرادة وعزم.
وحالتي: ما أنا عليه من الإسلام والمصابرة والتبليغ. وتعلم: تعرف وتدرك يقينًا. وموصولة مفعول العلم: يعني أن ((مَن)): اسم موصول في محل نصب مفعول
به لـ ((تعلم)). ويأتيه: يصيبه. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. ويخزيه: يذله ويفضحه بين الأمم.
(٣) جاء: حان وقت حصوله. والأمر: الحكم والقضاء. ونجيناه: انقذناه. وآمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. والرحمة: العطف بالإحسان. ومنا أي: من
عندنا وبأمرنا. وأخذت: أهلكت. وظلموا أي: تجاوزوا الحد بالكفر والعصيان. والصيحة: الصرخة العظيمة تزلزل الأرض بمن فيها. وأصبحوا: صاروا.
والديار: جمع دار. ومخففة: يعني أنه حذفت نونها الثانية للتخفيف. والبعد: الهلاك بالعذاب العظيم. ومدين: القبيلة التي كفرت بشعيب. وبعدت: هَلَكَت
وطُرِدَت من رحمة الله. وانظر الآيات ٦٦ -٦٨ .
(٤) أرسلنا: بعثنا. وموسى: الرسول الذي كلمه الله وأنزل عليه التوراة. والآيات: المعجزات وفيها السلطان المبين الذي يشهد بنبوة موسى، ويحمل الناس
على تصديقه. وفرعون: ملك مصر في عهد موسى. والملأ: الرؤساء والسادة الذين يملؤون المجالس بأجسامهم والقلوب مهابة بمظاهرهم. واتبعوه: استمروا
على اتباعه وطاعته وتنفيذ ذلك. والأمر: ما أوجبه من المفاسد والمظالم والكفر. ونفي الرشد يعني ثبوت الضلال مؤكدًا. وقومه: الجماعة من أتباعه
وجنوده. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من القبور بالبعث للحساب والجزاء. والنار: نار جهنم. وبئس: بلغ الغاية في الشر والضرر والبؤس. والورد:
مكان الدخول. وجُعلت النار موردهم للتهكم. والمورود: المدخول. وأتبعوا: ألحقوا. واللعنة: الدعاء بالطرد من رحمة الله، تدعوها عليهم سائرُ الأمم.
والمرفود: المُعان به. ورِفدهم هنا: اللعنة المزدوجة في الدارين. فالأولى رفد للهلاك بالغرق، والثانية رفد للعذاب في جهنم. والتعبير عنهما بالرفد، الذي هو
في الأصل ما يُستند إليه ليَعمده، تهكم وتقريع.
الجزء الثاني عشر
٢٣٣
١١ - سورة هود
١ - ﴿ذلِكَ﴾ المذكور مبتدأ خبرُه: ﴿مِن أنباءِ القُرَى، نَقُصُّهُ عَلَيكَ﴾ - يا مُحمّد -
﴿مِنها﴾ أي: القُرى ﴿قائمٌ﴾: هَلَكَ أهله دونه، ﴿و﴾ منها ﴿حَصِيدٌ﴾ ١٠٠: هَلَكَ
بأهله فلا أثر له، كالزرع المحصود بالمناجل. ﴿وما ظَلَمْناهُم﴾ بإهلاكهم بغير ذنب،
{وَلْكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمِ﴾ بالشِّرك، ﴿فما أغنَتْ﴾: دفعتْ ﴿عَنْهُم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ﴾ :
يعبدون، ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه، ﴿مِن﴾: زائدةٌ ﴿شَيءٍ! لَمّا جاءَ أمرُ رَبِّكَ﴾:
عذابُه، ﴿وما زادُوهُم﴾ بعبادتهم لها ﴿غَيرَ تَتَبِيبٍ﴾ ١٠١ : تخسير.
٢- ﴿وَكَذَلِكَ﴾: مِثلُ ذلك الأخذِ ﴿أَخْذُ رَبِّكَ، إذا أخَذَ القُرَى﴾ - أُريدَ أهلُها - ﴿وَهْيَ
ظالِمٌ﴾ بالذنوب. أي: فلا يغني عنهم من أخذِه شيء. ﴿إِنَّ أخذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ١٠٢ .
روى الشيخان عن أبي مُوسَى الأشعريّ قال: قال رسول الله وَّه: ((إنَّ اللهَ لَيُملِي
لِلظّالِمِ، حَتَّى إذا أخَذَهُ لم يُفِتْهُ))، ثم قرأ ◌َهَ: ((وكَذْلِكَ أخذُ رَبِّكَ)) الآيَةَ. ﴿إِنَّ في
ذُلِكَ﴾َ المذكورِ من القِصص ﴿لَآيَةَ﴾: لعِبرةً، ﴿لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرةِ. ذَلِكَ﴾ أي:
يومُ القِيامة ﴿يَومٌ مَجمُوعٌ لَهُ﴾ فيه ﴿النّاسُ، وذلِكَ يَومٌ مَشهُودٌ﴾ ١٠٣ : يشهده جميع
الخلائق، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأَجَلِ مَعدُودٍ﴾ ١٠٤ : لوقت معلوم عند الله.
سُورَة هُود
الجزء الثَّانِ عَشَ
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ
اَلْمَوْرُودُ جَ وَأُتْبِعُواْ فِى هَذِهِ، لَغَنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ بِئْسَ
اُلْرِفْدُ اُلْمَرْفُودُ [®َ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ
وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْاْ
مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾
أَنْفُسَهُمَّ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّاجَآءَ أَمْرُرَبِّكَ وَمَازَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ الأ
وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّأَخْذَهُ.
أَلِمٌ شَدِيدٌ (﴾ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ
ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوْعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [4] وَمَا
تُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ
إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ ﴿﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى
النَّارِلَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ [ْ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ
السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَايُرِيدُ
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُ واْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا مَادَا مَتِ
١٠٧
الحزب
٢٤
٣- ﴿يَومَ يأتِي﴾ ذلك اليومُ ﴿لا تَكَلِّمُ﴾ - فيه حذف إحدى التاءين - ﴿نَفْسٌ
السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلََّ مَا شَآءَ رَبُّكٌ عَطَاءَ غَيْرَ مَجْذُودٍ لَّ
إلّا بِإِذنِهِ﴾ تعالى. ﴿فَمِنْهُم﴾ أي: الخلقِ ﴿شَقِيٍّ، و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ﴾ ١٠٥،
كُتب كُلٌّ في الأزل. ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ في عِلمه - تعالى - ﴿ففِي النّارِ، لَهُم فِيهَا
زَفِيرٌ﴾: صوت شديد ﴿وَشَهِيقٌ﴾ ١٠٦: صوت ضعيف، ﴿خالِدِينَ فِيها، ما دامَتِ السَّماواتُ والأرضُ﴾ أي: مُدّةَ دوامهما في الدنيا، ﴿إلّا﴾:
غيرَ ﴿ما شاءَ رَبُّكَ﴾ من الزيادة على مُدّتهما، ممّا لا مُنتهى له، والمعنى: خالدين فيها أبدًا - ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَالٌ لِما يُرِيدُ ١٠٧ - وأمّا الَّذِينَ
سَعِدُوا﴾، بفتح السينِ وضمّها، ﴿ففِي الجَنّةِ خالِدِينَ فِيها، ما دامَتِ السَّماواتُ والأرضُ، إلّا﴾: غيرَ ﴿ما شاءَ رَبُّكَ﴾ كما تقدم، ودلّ عليه فيهم
قوله ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجذُوذٍ﴾ ١٠٨: مقطوع. وما تقدّم من التأويل هو الذي ظهر، وهو خال من التكلف. والله أعلم بمُراده.
(١) المذكور أي: في الآيات ٢٥-٩٩. ومبتدأ خبره: يعني أن ((من أنباء)»: متعلقان بالخبر المحذوف للمبتدأ: ذا. والأنباء: جمع نبأ. وهو الخبر العظيم.
والقرى: جمع قرية. وهي المدينة. ونقصه: نسرده. ومنها أي: بعضها. والقائم: ما بقي منه آثار. والحصيد: ما دُمِّر واختفى. والمناجل: جمع مِنجل. وما
ظلمناهم: ما تجاوزنا العدل في عقاب تلك الأمم المستأصَلة. وبغير ذنب أي: إنما اقترفوا من الذنوب ما يستوجب الهلاك. وظلموا أنفسهم: جاروا عليها
فعرضوها للعذاب. والأنفس: جمع نفس. والآلهة: ما عُبد من المخلوقات، جمع إله. ويعبدون أي: كانوا يعبدونها. وزائدة أي: للتنصيص على عموم
النفي. وجاء: وقع وحصل. والأمر: الحكم والقضاء. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. وما زادوهم: ما أضافوا إليهم، يعني: لم تُحدِث
الآلهة لعابديها زيادة.
(٢) مثل ذلك أي: ما ذكر في الآيات ٢٥-١٠١. والأخذ: العقوبة قهرًا. وأهلها: يعني أن التقدير: إذا أخذ أهلَ القرى. والظالمة: المتجاوزة للحق بالكفر
والعصيان. ولا يغني: لا يمنع. والأليم: المؤلم. والشديد: العنيف. والشيخان: الإمامان البخاري ومسلم. والمراد بما روياه الحديثان ٤٤٠٩ في البخاري
و٢٥٨٣ في مسلم، واللفظ للبخاري بخلاف يسير، لأن النص نقله السيوطي من تفسير ابن كثير ٢: ٤٤٠. وأبو موسى الأشعري صحابي مشهور. ويملي له:
يطيل عمره ويزيد له متع الحياة استدراجًا. ولم يفلته: لم يتركه حتى يستوفي عقابه. والعبرة: الاعتبار والاتعاظ. وخاف: خشي. والعذاب: التعذيب الشديد.
والآخرة: يوم القيامة في الحياة الآخرة. واليوم: الوقت. ومجموع: محشور من القبور للحساب والجزاء. ويشهده: يشهد فيه ويحضر. والخلائق: جمع خليقة
من البشر والجن والملائكة. ونؤخره: نؤجل وقوعه. والمعدود: القليل العدد بالنسبة إلى الزمن المطلق.
(٣) يوم أي: حين. ويأتي: يحدث. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((يأتِ)) بحذف الياء. وجاز إثباتها هنا لتبيين القراءة التي اختارها السيوطي. ولا تكلم: لا تنطق
بما ينفع. والنفس: الكائن الحي. والإذن: السماح. والشقي: الذي وجبت له النار، لاختياره الكفرَ وإصراره عليه. والسعيد: الذي ينعم بالجنة، لاختياره
الإيمانَ وصلاحه. والأزل: الزمن القديم ليس له ابتداء. فقد علم الله في سابق غيبه أن بعض الناس سيتوجه إلى اختيار الضلال، وبعضًا آخر سيختار الإيمان
والطاعة، فأمدّهم بما يناسب اختيارهم وإرادتهم، وأعد لهم المصيرَ الذي تقتضيه الحكمة. انظر ((المفصل)). وشقوا: تعسوا. والخالد: المقيم أبدًا. ودامت:
بقيت. وما شاء: الزمن الذي أراده. وفعال: محقَّق فعلُه. ويريد: يشاؤه. وسعد: نال النعيم الدائم. وبضمها يريد القراءة ((سُعِدُوا))، أي: أسعدهم الله.
والجنة: الحديقة العظيمة. والعطاء: المنح تكرمًا. وبمراده أي: بحقيقة الاستثناء في الآيتين ١٠٧ و١٠٨. فقد اختلف في بيان المراد على عشرين وجهًا،
اختار السيوطي منها ماظهر له أنه أقرب إلى الصواب.
١١ - سورة هود
٢٣٤
الجزء الثاني عشر
سورة هود
الجزء الثانى عشر
فَلاَتَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ
ءَابَآؤُهُمْ مِن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَقُوهُمْ تَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ()
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن رَّبِكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمّ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكِ مِنْهُ مُرِيبٍ
﴿ وَإِنَّ كُلُّاَ لَّمَّا لَيُوَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمَّإِنَّهُ بِمَايَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ ® فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْاْ
إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٨) وَلَا تَزْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَالَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ
لَاتُنْصَرُونَ ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَوْهَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًامِنَ
الَّلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِّ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ
﴿ وَأَصْبِرْ فَإِنَّاللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٧٥) فَلَوْلَا
كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْبِقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ
فِ الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمُ وَأَنَّبَعَ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِ فُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (١٦) وَمَا كَانَ
رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ()
١- ﴿فلا تَكُ﴾ - يا مُحمّد - ﴿فِي مِرْبةٍ﴾: شكّ ﴿مِمّا يَعْبُدُ هُؤُلاءِ﴾ من الأصنام،
أنّما نُعذّبهم كما عذّبنا مَن قبلهم. وهذا تسلية للنبيّ. ﴿ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ
آبَاؤُهُم﴾ أي: كعِبادتهم ﴿مِن قَبلُ﴾، وقد عذّبناهم، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهُم﴾ مِثْلَهم
﴿نَصِيبَهُم﴾: حظّهم من العذاب، ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ ١٠٩ أي: تامًّا .
٢- ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الكِتابَ﴾: التوراة، ﴿فاختُلِفَ فِهِ﴾ بالتصديق والتكذيب
كالقُرآن - ﴿وَلَو لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾، بتأخير الحِساب والجزاء للخلائق إلى يوم
القيامة، ﴿لَقُضِيَ بَينَهُم﴾ في الدنيا فيما اختلفوا فيه - ﴿وإنَّهُم﴾ أي: المكذّبين به
﴿لَفِي شَكٌّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ ١١٠: مُوقع في الرِّيبة، ﴿وإنَّ)، بالتشديد والتخفيف، ﴿كُلَّا﴾
أي: كُلَّ الخلائق ﴿لَما﴾ - ما: زائدة، واللام: مُوطّنَةٌ لقسم مُقدّر أو فارقةٌ. وفي
قراءة بتشديد ((لَمّا)) بمعنى: إلّا. فإنْ: نافية - ﴿لَيُوَفِّيَّنَّهُم رَبُّكَ أعمالَهُم﴾ أي:
جزاءها. ﴿إِنَّهُ بِما يَعمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ١١١ : عالم ببواطنه كظواهره.
٣- ﴿فَاستَقِمْ﴾ على العمل بأمر ربّك والدُّعاء إليه ﴿كَما أُمِرْتَ، و﴾ ليستقم ﴿مَن
تابَ﴾: آمن ﴿مَعَك، ولا تَطْغَوا﴾: تُجاوزوا حُدود الله - ﴿إِنَّهُ بِما تَعمَلُونَ
بَصِيرٌ﴾ ١١٢ فيُجازيكم به - ﴿ولا تَركَنُوا﴾: تَميلوا ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، بمودّة أو
مُداهنة أو رضًا بأعمالهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾: تُصيبَكم ﴿النّارُ، وما لَكُم مِن دُونِ اللهِ﴾ أي:
غيرَه ﴿مِن﴾: زائدةٌ ﴿أَولِياءَ﴾ يحفظونكم منه، ﴿ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ ١١٣ : تُمنعون من
عذابه .
٤- ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهارِ﴾: الغداةَ والعشيَّ، أي: الصُّبحَ والظهرَ والعصر، ﴿وَزُلَفًا﴾: جمعُ زُلْفةٍ أي: طائفةٍ ﴿مِنَ اللَّيلِ﴾ أي: المغربَ
والعِشاءَ - ﴿إِنَّ الحَسَناتِ﴾، كالصلوات الخمس، ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾: الذنوبَ الصغائر. نزلتْ فيمن قَبَّلَ أجنبيّة فأخبره وََّ، فقال ألِيَ هذا؟
قال: (لِجَمِيعِ أُمّتِي كُلِّهِم)). رواه الشيخان. ﴿ذُلِكَ ذِكرَى لِلذّاكِرِينَ﴾ ١١٤: عِظّةٌ للمُتّعظين - ﴿واصبِرْ﴾، يا مُحمّد، على أذى قومك أو على
الصلاة. ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجرَ المُحسِنِينَ﴾ ١١٥ بالصبر على الطاعة.
٥- ﴿فَلَولا﴾: فهلّ ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ﴾: الأُمم الماضية ﴿مِن قَبلِكُم أُولُو بَقِيَّةٍ﴾: أصحابُ دِين وفضل، ﴿يَنهَونَ عَنِ الفَسادِ في الأرضِ﴾. المُرادُ
به النفيُ أي: ما كان فيهم ذلك، ﴿إِلّا﴾: لكنَّ ﴿قَلِيلًا مِمَّن أنجَينا مِنْهُم﴾ نهَوا فنجَوا - ومِن: للبيان - ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالفساد وترك النهي
﴿ما أُتِرِفُوا﴾: نَعِموا ﴿فِيهِ، وكانُوا مُجرِمِينَ ١١٦، وما كانَ رَبُّكَ لِيُهلِكَ القُرَى بِظُلمِ﴾ منه لها، ﴿وأهلُها مُصلِحُونَ﴾ ١١٧ : مُؤمنون.
(١) لاتك في مرية أي: دُم على ما تعتقده. ويعبد أي: يقدسه. وهؤلاء أي: المشركون. والأصنام أي: وغيرها من المخلوقات كالملائكة والجن والبشر
والحيوان والأوهام. والآباء: جمع أب. والمراد الجدود أيضا. وموفوهم نصيبهم: نعطيهم إياه كاملاً. ومنقوص: مقلَّل متروك بعضه.
(٢) آتيناه: أعطيناه وكلفناه بالتبليغ. وموسى: أعظم أنبياء بني إسرائيل. واختلف فيه: كان خلاف وخصام في حقه. والكلمة: الحكم الأزلي من الله فيما
عَلِمَه وقدّره. وسبقت: وقع تقديرها ووجب القضاء بها. ومن ربك أي: من عنده وبأمره. وقضي بينهم: فُصل عاجلًا بين المختلفين، أي: بما يستحقه الكافر
والمؤمن. وبه أي: بالقرآن الكريم. والمكذبون هم كفار مكة ومن يمائلهم. والشك: التردد بين القبول والإنكار. والريبة أي: التوهم للأباطيل. وبالتخفيف
يريد القراءة ((إنْ)). وزائدة أي: للتوكيد. وموطئة ... نافية: انظر ((المفصل)). والأعمال: جمع عمل.
(٣) استقم: اثبُتْ فيما أنت عليه. وأمرت: فُرض عليك. وتاب: رجع عن الشرك ولزم الإيمان. وتعمل: تكتسب من نية أو قول أو فعل. والبصير: المحيط
بدقائق الأمور وعظائمها. وظلموا: كفروا وأشركوا. والمداهنة: المساهلة بالتنازل عن الحق. وزائدة أي: للتنصيص على عموم النفي. والأولياء: جمع ولي.
وهو النصير يعين في الشدائد.
(٤) أقمها: دُم على القيام بها. والطرف: الجانب. والحسنة: ما استحسنه الشرع. ويُذهب: يَمحو. والجملة ((إن الحسنات يذهبن السيئات)) تفيد أيضًا
بالمقابلة واللزوم أنّ السيئاتِ يُذهبن الحسناتِ. والأجنبية: التي يحل للرجل نكاحها بأصول شرعية. انظر ((المفصل)). ورواه الشيخان: يعني الأحاديث ٥٠٣
و٤٤١٠ في البخاري و٢٧٦٣ في مسلم. وذلك أي: الأمر بالاستقامة وما بعده. والذكرى: ما يدعو إلى الصلاح. واصبر: تجلد وتحمل. ولا يضيع:
لا يهمل. والأجر: الثواب. والمحسن: من يخلص في نيته وعمله.
(٥) القرون: جمع قرن. وينهى: يمنع ويزجر. والفساد: الإفساد. والنفي: يعني أن ((لولا)) تتضمن معنى النفي. انظر ((المفصل)). وأنجينا: أنقذنا. وللبيان
أي: لتبيين الإبهام الذي في ((قليلًا)) قبلها. واتبعوها: استسلموا لها. والمجرم: من يقترف الجرائم باختيار وإرادة. ويُهلِك: يدمر بالكوارث والعذاب. والقرى
أي: ومَن فيها. وهي جمع قرية، أي: مدينة. والظلم: مجاوزة العدل. والمصلح: من كان يطلب الخير في عمله.
الجزء الثاني عشر
٢٣٥
١١ - سورة هود
١- ﴿وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمّةً واحِدةً﴾: أهل دِين واحد، ﴿ولا يَزالُونَ
مُختَلِفِينَ﴾ ١١٨ في الدِّين، ﴿إِلَّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾: أراد لهم الخير فلا يختلفون فيه.
﴿وَلِذْلِكَ خَلَقَهُم﴾ أي: أهلَ الاختلاف له وأهلَ الرحمة لها، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾،
وهي ﴿لَأَمَلَأَنَّ جَهَثَّمَ مِنَ الجِنّةِ﴾: الجنّ ﴿والنّاسِ أجمَعِينَ ١١٩. وكُلَّا﴾، نُصبَ بـ
(نقصّ)) وتنوينه عوض من المضاف إليه، أي: كلَّ ما يُحتاج إليه ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ مِن أنباءِ
الرُّسُلِ، ما﴾: بدل من ((كلَّا)) ﴿نُثَبّتُ﴾: نُطِمِّنُ ﴿بِهِ فُؤَادَكَ﴾: قلبك، ﴿وجاءَكَ في
هُذِهِ﴾ الأنباءِ أو الآياتِ ﴿الحَقُّ، ومَوعِظَةٌ وذِكرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١٢٠. خُصّوا بالذكر
الانتفاعهم بها في الإيمان، بخلاف الكُفّار.
٢- ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ: اعمَلُوا علَى مَكانِتِكُم﴾: حالتكم - ﴿إِنّا عامِلُونَ﴾ ١٢١
على حالتنا، تهديد لهم - ﴿وانتَظِرُوا﴾ عاقبة أمركم. ﴿إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ١٢٢ ذلك. ﴿ولثِهِ
غَيبُ السَّماواتِ والأرضِ﴾ أي: عِلمُ ما غاب فيهما، ﴿وإِلَيْهِ يَرجِعُ﴾، بالبناء للفاعل:
يعودُ، وللمفعول: يُردّ ﴿الأمرُ كُلُّهُ﴾ فينتقم ممّن عصى. ﴿فَاعْبُدْهُ﴾: وحِّدْه، ﴿وَتَوَكَّلْ
عَلَيْهِ﴾: ثق به. فإنه كافيك. ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعمَلُونَ﴾ ١٢٣، وإنّما يُؤخّرهم
لوقتهم. وفي قراءة بالفَوقانيّة .
سورة هود
الجزء الثَّانِى عَشَرٌ
وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَيَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ
﴿ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمُّ وَثَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَاَلنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦] وَكُلَّا نَّقُصَّ
عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الرُّسُلِ مَانُثَيِّتُ بِهِ فُؤَادَلَكَ وَجَآءَكَ فِ هَذِهِ
اٌلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (*) وَقُل لِّلَّذِينَ لَ يُؤْمِنُونَ
أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَمِلُونَ ﴿ وَأَنْتَظِرُوَاْ إِنَّا مُنْتَظِرُونَ
(١٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ.
فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهٍ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
شُورَةُ يُوسُفَ)
بِسِْلَهِالرَّحْمِالرَّحِيمِ
الْرَتِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُّبِينِ ؟ إِنَّ أَنَزَلْنَهُ قُرُءَ نَّا عَرَبِيًّا
الَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ جَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ
بِمَآ أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِنقَبْلِهِ،
لَمِنَ الْغَفِلِينَ ﴿ إِذْقَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِيَأَبَتِ إِنِّ رَأَيْتُ
أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ
سورة يُوسُف
مكية، مِائَة وإحدى عشْرَةَ آيَة .
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
٣- ﴿الَرَ﴾ الله أعلم بمُراده بذلك. ﴿تِلكَ﴾: هذه الآياتُ ﴿ آياتُ الكِتابِ﴾: القُرآن - والإضافة بمعنى: مِن - ﴿المُبِينِ﴾ ١: المُظهر الحقَّ من
الباطل. ﴿إِنّا أَنزَلْناهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ - يا أهل مكّة - ﴿تَعْقِلُونَ﴾ ٢: تفقهون معانيه. ﴿نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أحسَنَ القَصَصِ،
بِما أَوحَينا﴾: بإيحائنا ﴿إِلَيكَ هذا القُرآنَ، وإنْ﴾: مُخفّفةٌ أي: وإنّه ﴿كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ ٣. اذكرْ ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ﴾ يعقوبَ: ﴿یا
أَبَتِ﴾ - بالكسرِ دلالةٌ على ياء الإضافة المحذوفة، والفتح دلالةً على ألف محذوفة قُلبت عن الياء - ﴿إِنِّي رأَيتُ﴾ في المنامِ ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبًا
والشَّمسَ والقَمَر رأيتُهُم﴾، تأكيد، ﴿لي ساجِدِينَ﴾ ٤. جُمِع بالياء والنون للوصف بالسجود الذي هو من صِفات العُقلاء.
(١) شاء: أراد هداية الناس. وجعلهم: صيّرهم. ولا يزالون مختلفين أي: سيبقون أبدًا متنازعين. ورحمهم: عطف عليهم بالإحسان. والإشارة بـ ((ذلك)) هي
إلى الاختلاف والرحمة. ولام الجر قبلها: للصيرورة. انظر ((المفصل)). وخلقهم: أنشأهم. وتمت: وجبت. وكلمة ربك: حكمه الأزلي بحسب علمه - عز
وجل - ما سيختاره كل مكلف. و((هي)) يعني أن تتمة الآية هنا تفسير لـ ((كلمة)). وأملؤها: أضع فيها ما يشغلها. ونصب أي: أن ((كلَّا)): مفعول به مقدم
منصوب. ونقص: نسرد ونتلو، والأنباء: جمع نبأ. وهو الخبر العظيم. والرسل أي: مع أقوامهم، جمع رسول. ونطمن: نُطمئن ونسكّن. انظر تعليقنا على
تفسير الآية ١٢٤ من سورة آل عمران. وجاءك: وصل إليك بالوحي. والحق: الصدق من الأنباء، والثابت من الأدلة على التوحيد والعدل والنبوة. والموعظة:
ما يَزجر سامعَه ويحمله على الصلاح. والذكرى: التذكير بالحق ووجوب الإيمان.
(٢) اعملوا: استمروا في العمل. وهو أمر تهديد. وحالتكم: الجهة التي أنتم عليها من الكفر. وعاملون: مستمرون على ما نحن فيه من الإيمان والعمل.
وانتظروا: ترقبوا. وذلك أي: عاقبة أمركم وأمرنا. وما غاب فيهما أي: وفي غيرهما أيضًا، لأن المراد هو الكون كله. انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل
عمران. وإليه: إلى قضائه وحكمته. ويَرجِع أي: في الدنيا والآخرة. وللمفعول يريد القراءة ((يُرجَعُ)). والأمر: الحكم على الخلائق. وفي الأصل: ((وحده).
والغافل: الساهي لا يدري ما يكون. ويعملون: يكتسبونه اختيارًا وقصدًا. وبالفوقانية يريد القراءة ((تَعمَلُونَ)).
(٣) نزلت السورة إجابة لطلب قريش ذلك. انظر سبب النزول في المفصل. والآيات: النصوص القرآنية. وبمعنى من: يعني أن التقدير: آيات من الكتاب.
وأنزلناه: أوحينا الكتاب إليك على لسان جبريل، ويسّرنا حفظه، لتتّبع ما فيه وتُبلّغه الناس. والقرآن: المقروء. والعربي: المنسوب إلى العرب، بلغتهم
المتناهية في البلاغة والبيان. ونقص: نتلو. والأحسن: الأجود لما فيه من بالغ الصدق والعلم والعظة. والقَصص: ما يروى من الوقائع. وأوحينا: بلّغنا على
لسان جبريل. ومخففة: يعني أن أصلها ((إنّ)). انظر ((المفصل)) أيضًا. والغافل: من لم يكن له علم بما يتضمنه القرآن. ويوسف معناه الضيف. وبالفتح يريد
القراءة ((يا أبَتَ)). ورأيت: حَلَمت. والكوكب: النجم يدور حول الشمس. وتأكيد: يعني أن ((رأيتهم)): توكيد لفظي. وساجدين: خاضعين لي داخلين تحت
أمري. وبالياء والنون أي: لم يقل: ساجدةً، مع أن الكواكب ليست من العقلاء.
١٢ - سورة يوسف
٢٣٦
الجزء الثاني عشر
الحرة الثَّانِ عَشَر
قَالَ يَبُنَّلَا نَقْصُصْ رُءٌ يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُ واْلَكَ كَيْدًا
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ
رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
وَعَلَ ءَالٍ يَعْقُوبَ كُمَا أَتَّمَّهَا عَلَى أَبَوَيِّكَ مِن قَبْلُ إِبْرَهِيمَ وَإِشْمَقَّ
﴿ لَقَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإِخْوَيِّهِ:
إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )
◌ُِّوْرَةِ لُسْنِيَقْ
١- ﴿قالَ: يا بُنَيِّ، لا تَقْصُصْ رُؤياكَ عَلَى إخوَتِكَ، فَيَكِيدُوا لَكَ كَيدًا﴾: يحتالوا في
هلاكك حسدًا، لعِلمهم بتأويلها من أنهم الكواكب والشمسَ أُمّك والقمرَ أبوك. ﴿إِنَّ
الشَّيطانَ لِلإنسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾٥: ظاهر العداوة. ﴿وكَذْلِكَ﴾: كما رأيتَ،
﴿يَجْتَبِيكَ﴾: يختارك ﴿رَبُّكَ، ويُعَلِّمُكَ مِن تأوِيلِ الأحادِيثِ﴾: تعبير
الرؤيا، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ﴾ بالنبوّة، ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾: أولادِه، ﴿كَما
نظّف
الْحِزْبُ
بخلقه، ﴿حَكِيمٌ﴾ ٦ في صُنعه بهم.
أَتَمَّها﴾ بالنبوّة ﴿عَلَى أَبَوَيكَ مِن قَبْلُ إِبراهِيمَ وإسحاقَ. إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾
٢٤
.َأَتُّ لِلسَّآبِلِينَ ﴿ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى
٢- ﴿لَقَد كانَ في﴾ خبرِ ﴿يُوسُفَ وإخوَتِهِ﴾ - وهم أحدَ عشرَ - ﴿آياتٌ﴾: عِبَرٌ
﴿لِلّائِلِينَ﴾ ٧ عن خبرهم، اذكرْ ﴿إِذ قالُوا﴾ أي: بعضُ إخوةِ يُوسف لبعضهم:
﴿لَيُوسُفُ﴾: مبتدأ ﴿وأخُوهُ﴾: شقيقه بِنيامِينُ ﴿أَحَبُّ﴾: خبرٌ ﴿إِلَى أبِيْنا مِنّا، ونَحنُ
عُضبةٌ﴾: جماعة. ﴿إِنَّ أبانا لَفِي ضَلالٍ﴾ خطأٍ ﴿مُبِينٍ﴾ ٨: بيّنٍ بإيثارهما علينا .
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ، أوِ اطرَحُوهُ أرضًا﴾ أي: بأرض بعيدة، ﴿يَخْلُ لَكُم وَجهُ
يجب الاشمم
أو الرَّوم
أَبِنَا مِنَّا وَفَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِىِ ضَلَلِ مُبِينٍ جَ اقْتُلُواْ
يُوسُفَ أَوِاُطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِكُمْ وَتَكُونُواْمِنْ
بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِحِينَ ﴾ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا نَقْئُلُواْ يُوسُفَ
﴿وَأَلْقُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْنَفِظُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ
فَعِلِينَ ﴿ قَالُوا يَكَأَبَنَا مَالَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَ إِنَّ لَهُ.
لَنَصِحُونَ ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَزْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّالَهُ
لَحَفِظُونَ ﴿ قَالَ إِنِّى لَيَحْزُ نُِ أَنْ تَذْهَبُواْبِهِ، وَأَخَافُ
أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ ﴾ قَالُوْلَيِنْ
أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَا لَّخَسِرُونَ ﴾
أبِيكُم﴾ بأن يُقْبِلَ عليكم ولا يلتفتَ لغيركم، ﴿وتَكُونُوا مِن بَعدِهِ﴾ أي: بعدٍ
قتل يوسفَ أو طرحه ﴿قَومًا صالِحِينَ﴾ ٩ بأن تتوبوا. ﴿قالَ قائلٌ مِنْهُم﴾ هو يَهوذَى:
﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ، وألقُوهُ﴾: اطرحوه ﴿في غيابةِ الجُبِّ﴾: مُظلم البئر - وفي قراءة
بالجمع - ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعضُ السَّيّارَةِ﴾: المُسافرين، ﴿إِن كُنتُم فاعِلِينَ﴾ ١٠ ما أردتم من
التفريق فاكتفُوا بذلك.
٣- ﴿قالُوا: يا أبانا، مالَكَ لا تأمَنًا عَلَى يُوسُفَ، وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ١١ : لقائمون
بمصالحه؟ ﴿أرسِلْهُ مَعَنا غَدًا﴾ إلى الصحراء، ﴿فَرَتَعْ وَلَعَبْ﴾، بالنون والياء فيهما: ننشط ونتّسع، ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ١٢ . قالَ: إِنِّي لَيَحِزُنُنِي أن
تَذْهَبُوا﴾ أي: ذهابُكم ﴿بِهِ﴾ لفِراقه، ﴿وأخافُ أن يأكُلَهُ الذُّئبُ﴾ - المُراد به الجنس، وكانت أرضهم كثيرة الذئاب - ﴿وأنتُم عَنْهُ غافِلُونَ﴾ ١٣ :
مشغولون. ﴿قالُوا: لَئِنْ﴾ - لام قسم - ﴿أَكَلَهُ الذَّئبُ، ونَحنُ عُصْبَةٌ﴾: جماعة، ﴿إِنّا إذَا لَخاسِرُونَ﴾ ١٤: عاجزون. فأرسلَه معهم، ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا
بِهِ وأجمَعُوا﴾: عزموا ﴿أن يَجعَلُوهُ في غَيابةِ الجُبِّ﴾. وجواب (لمّا)) محذوف، أي: فعلوا ذلك بأن نزعوا قميصه، بعد ضربه وإهانته وإرادة
قتله، وأدلَوه - فلمّا وصل إلى نصف البئر ألقَوه ليموت، فسقط في الماء ثمّ أوى إلى صخرة، فنادَوه فأجابهم لِظنّ رحمتهم، فأرادوا رضخه
بصخرة فمنعهم يهوذَى - ﴿وأوحَينا إلَيهِ﴾ في الجُبّ وحيَ حقيقة، وله سبعَ عشْرةَ سنةً أو دونها، تطمينًا لقلبه: ﴿لَتُنََّنَّهُمِ﴾ بعد اليوم ﴿بِأمرِهِم﴾:
بصنيعهم ﴿لهذا، وهُم لا يَشْعُرُونَ﴾ ١٥ بك حالَ الإنباء.
(١) بنيٍّ: انظر الآية ٤٢ من سورة هود. ولا تقصص: لا تسرد. والرؤيا: ما يُرى في النوم. والإخوة: جمع أخ. يعني أن يعقوب علم من قصة الرؤيا أن الله
يصطفي يوسف للرسالة من دون إخوته، وإذا علموا ذلك احتالوا للتخلص منه. والشيطان: من يوسوس بالشر من الإنس أو الجن. والعدو: المعادي.
والمبين: المُظهِر. ويجتبيك: يخصك بفيض إلهي تحصل منه أنواع المكرمات. ويعلمك: يلهمك وييسّر لك. والتأويل: رد الشيء إلى الغاية المقصودة به.
والأحاديث: جمع حديث. وهو ما يُتحدث به من رؤيا في المنام. ويتم نعمته: يجعل إحسانه كاملًا. والآل: الأهل. والأبوان هنا: إسحاق جدّه وإبراهيم جدّ
أبيه. ويطلق على الجد عند العرب اسم الأب. ومن قبل: من قبلك. والعليم: المحيط علمه بالخفايا والظواهر. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح
ملكه. والحكيم: الذي تكون أقواله وأفعاله مع الحكمة البالغة، يضع الأشياء مواضعها الحقة.
(٢) الخبر: القصة الحقيقية. وإخوة يوسف هنا هم العشرة من زوجات أبيه الثلاث. وأخوه بنيامين: شقيقه من أبيه وأمِّه راحيل. والسائل: من يطلب إخبارًا.
وأحب: أكثر حبًا وتفضيلًا. ونحن عصبة أي: نحن جماعة أكثر نفعًا لأبينا. فنحن أحق بزيادة المحبة منهما. واطرحوه: ألقوه. ويخلو: يتفرغ ويصفو.
وتكونوا: تصيروا. والصالح: من أصلح عمله وجعله كما شرع الله. والغيابة: ما غاب من الشيء لخفائه وظلمته. وبالجمع يريد القراءة ((غياباتِ)). ويلتقطه:
يأخذه لُقطة. والسيارة: مفرده سيّار. وهو الكثير الأسفار. وفاعلين: عازمين على التفرقة بينه وبين أبيه.
(٣) لا تأمنا: لا تطمئن إلينا. انظر ((المفصل)). والناصح لغيره: من يخلص له المودة وإرادة الخير. وأرسله: لا تمنعه من الذهاب. ونلعب: نتسابق ونتدرب
على الرمي والمناضلة. وفيهما: في الفعلين. يريد القراءة ((يَرْتَعْ ويَلَعَبْ)). والحافظ: الحامي. ويحزنني: يؤلم قلبي. وتذهبوا به: تصطحبوه. هذا هو الظاهر.
ويقال: ذهب به، إذا أهلكه أو أبعده. ولعل للعبارة معنيين، أرادهما يعقوب معًا لِما يتوقعه من نياتهم، وما يعلمه من مستقبل ليوسف. وأخاف: أخشى.
ويأكله: يقتله ويفترسه. والذئب: حيوان متوحش. وكأنّ يعقوب، بذكره عدوانَ الذئب، لقّنهم بقصد أو بإلهام ما يقولون من العذر بعد. والخاسر: من ضيّع ما
يأمله. ويجعلوه: يلقوه. وأدلوه: أنزلوه بحبل. والرضخ: الضرب. والتفصيلات من أقاصيص الإسرائيليات، ولم يتعرض القرآن الكريم ولا الحديث الصحيح
لشيء منها. وأوحينا إليه: بلغناه على لسان جبريل. و((سبع عشرة)) الراجح أن يوسف كان أصغر من ذلك، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. انظر البحر ٢٨٨:٥
وتفسير الآلوسي ٢٩٨:١٢. وتنبئهم: تعلمهم وتخبرهم. ولا يشعرون: لا يحسون ولا يعلمون.
الجزء الثاني عشر
٢٣٧
١٢ - سورة يوسف
١- ﴿وجاؤُوا أباهُم عِشاءً﴾: وقتَ المساء ﴿يَيكُونَ ١٦، قالُوا: يا أبانا، إنّا ذَهَبْنا
نَستَبِقُ﴾: نرمي، ﴿وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنا﴾: ثيابنا، ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئبُ. وما أنتَ
بِمُؤمِنٍ﴾: بمُصدّق ﴿لَنا، ولَو ◌ُنّا صادِقِينَ﴾ ١٧ عِندك لاتّهمتنا في هذه القِصّة، لمحبّة
يوسف. فكيف وأنت تُسيء الظنّ بنا؟ ﴿وجاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ﴾ - محلُّه نصب على
الظرفيّة - أي: فوقه ﴿بِدَمِ كَذِبٍ﴾ أي: ذي كذب، بأن ذبحوا سخلة ولطّخوه بدمها ،
وذَهِلوا عن شَقّه، وقالوا: إنه دمه. ﴿قالَ﴾ يعقوب، لمّا رآه صحيحًا وعلم كذِبهم:
﴿بَل سَوَّلَتْ﴾: زيّنت ﴿لَكُمْ أَنفُسُكُم أمرًا﴾، ففعلتموه به. ﴿فصَبرٌ جَمِيلٌ﴾ لا جزع
فيه. وهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: أمري. ﴿واللهُ المُستَعانُ﴾: المطلوب منه العونُ
﴿عَلَى ما تَصِفُونَ﴾ ١٨: تذكرون من أمر يُوسف.
٢ - ﴿وجاءَتْ سَيّارةٌ﴾: مُسافرون من مَدْيَنَ إلى مِصرَ، فنزلوا قريبًا من جُبّ يُوسف،
﴿فَأَرسَلُوا وارِدَهُم﴾ الذي يَرِدُ الماء ليستقي منه، ﴿فأدَلَى﴾: أرسل ﴿دَلوَهُ﴾ في البئر،
فتعلّق بها يُوسف فأخرجه. فلمّا رآه ﴿قَالَ: يا بُشْرايَ﴾ - وفي قراءة: ((بُشْرَى)).
ونداؤها مَجاز أي: احضُري فهذا وقتُك - ﴿هذا غُلامٌ﴾. فعلم به إخوته فأتَوهم،
﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ أي: أخفَوا أمره جاعليه (بِضاعةً﴾، بأن قالوا: هذا عبدُنا أبَقَ. وسكت
يوسف خوفًا أن يقتلوه، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ١٩، وشَرَوَهُ﴾: باعوه منهم ﴿بِثَمَنِ
بَخسٍ﴾: ناقص، ﴿دَراهِمَ مَعدُودةٍ﴾ عشرين أو اثنين وعشرين، ﴿وكانُوا﴾ أي: إخوتُهُ
﴿فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ ٢٠. فجاءت به السيّارة إلى مِصرَ، فباعه الذي اشتراه بعشرين
دینارًا وزوجي نعل وثوبین.
سُورَة تُقْ
الجزء الثَّانِ عَتِ،
فَلَمَّا ذَهَبُواْبِهِ، وَأَجْمَعُوْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُنَّ وَأَوْحَيْنَاً
إِلَيْهِلَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُ وّ
[أَبَاهُمْ عِشَآءُ يَبْكُونَ (٤) قَالُواْ يَتَبَنَآ إِنَّاذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ
وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبٌ وَمَآ أَنْتَ
بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْكُتَّا صَدِقِينَ ﴿ وَجَآءُوعَلَى قَمِصِهِ،
◌ِيِدَمِ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَلَتْ لَكُمْأَنفُسُكُمْ أَمْرًّا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
وَاللَّهُالْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴿ وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ
وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَّةٌ قَالَ يَبُشْرَى هَذَا غُلَمٌ وَأَسَرُوهُ بِضَعَةٌ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦) وَشَرَوْهُ بِثَمَنِ تَخْسِ
دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْفِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ ﴿ وَقَالَ
﴿الَّذِى أَشْتَرَنُهُ مِن مِّصْرَ لِأَمْرَأَنِّهِ تَّأَكْرِمِى مَثْوَنُهُ عَسَى
أَنْ يَنفَعَنَّا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًّا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّالِيُوسُفَ فِى
اَلْأَرْضِ وَلِنُعَلِمَهُ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِّ وَاللَّهُ غَالِبُ عَلَى
أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ وَلَمَّابَلَغَ
﴿أَشُدَهُ {ءَانَيْنَهُ حُكْمَا وَ عِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ
٣- ﴿وقالَ الَّذِي اشتَرَاهُ مِن مِصرَ﴾ - وهو قِطفِير العزيز - ﴿لِامرأتِهِ﴾ زَلِيخا: ﴿أُكرِمِي مَثْواهُ﴾: مُقامه عِندنا، ﴿عَسَى أَن يَنفَعَنا، أو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
وكان حَصورًا. ﴿وَكَذَلِكَ﴾: كما نجَّيناه من القتل والجُبّ، وعطّفنا عليه قلب العزيز، ﴿مَكَّا لِيُوسُفَ في الأرضِ﴾: أرض مِصر حتّى بلغ ما بلغ،
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تأوِيلِ الأحادِيثِ﴾: تعبير الرؤيا. عطفٌ على مُقدّرٍ مُتعلِّقٍ بـ ((مكّنّا)) أي: لنُملّكَه، أو الواو: زائدة - ﴿واللهُ غالِبٌ عَلَى أمرِهِ﴾،
تعالى، لا يُعجزه شيء، ﴿وَلَكِنَّ أكثَرَ النّاسِ﴾ وهم الكُفّار ﴿لا يَعلَمُونَ﴾ ٢١ ذلك - ﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾، وهو ثلاثون سنة أو وثلاث، ﴿ آتيناهُ
حُكمًا﴾: حِكمة ﴿وعِلمًا﴾: فِقِهَا في الدِّين، قبل أن يُبعث نبيًّا. ﴿وكَذلِكَ﴾: كما جزَيناه ﴿نَجزِي المُحسِنِينَ﴾ ٢٢ لأنفُسهم.
(١) جاؤوه: رجعوا إليه من دون يوسف. وييكون أي: يتباكون بتكلّف الحزن والصراخ. وذهبنا: مضينا ورحلنا. وقول السيوطي ((نرمي)) أي: ونعدو. يعني:
نتسابق ونتبارى في رمي السهام والجري. وتركنا: أبقينا وخلّينا. وعنده أي: قربه. وثيابنا: يعني وما كان معنا من طعام وحاجات، لأن المتاع: ما ينتفع به
عامة. وأكله: قتله وأكل بعضه. والصادق: من يقول الحق. وقول السيوطي ((لاتهمتنا)) يعني أن ((لو)) حرف امتناع لامتناع، فيَنتفي عنهم الصدق والاتّهام. وفي
هذا إحالة إذ المعنى: ما كنّا صادقين فما اتّهمتنا. والصواب أن لو: زائدة للتعميم. والمراد: ما أنت بمصدق لنا على كل حال. انظر ((المفصل)). والقميص:
ما يُلبس من الثياب. والكذب: المكذوب المختلق. والسخلة: الوليد من الغنم. وشقُّه: شقُّ القميص لتحقيق ما زعموه من فعل الذئب. وزينته: جعلته محبًّا.
والنفس: الضمير. والأمر: العمل والصنيع. وانظر تفسير المنار ٢٦٧:١١-٢٦٩. والصبر: حسن الاحتمال. و(خبر)) المراد به ((صبرٌ)). وأمري: صبري. وعلى
ما تصفون: على تحمل ما تصفونه من المزاعم.
(٢) جاءت: وصلت. وسيارة: انظر الآية ١٠. ومدين: قرية على ساحل البحر الأحمر محاذية لتبوك. والراجح أن البئر قرب نابلس. انظر ((المفصل)).
وأرسلوا: بعثوا. والدلو: إناء يربط بحبل ويُستقى به الماء من البئر. وببشرى يريد أن القراءة ((يابُشرَى)). وهي البشارة. ط: ((قال يا بُشرَى. وفي قراءة:
بُشراي)). والغلام: الطفل. وأتوهم: جاؤوا إليهم. والبضاعة: القطعة من المال تجعل للتجارة. وأبق: هرب من سيده. والعليم: المحيط إحاطة بالغة بالخفايا
وغيرها. ويعملون: يكتسبونه من نية أو قول أو فعل. وفي البحر ٢٩١:٥ أن المفسرين والقصاصين ((ذكروا أقوالًا متعارضة فيمن اشتراه، وفي الثمن الذي
اشتراه به. ولا يتوقف تفسير كتاب الله على تلك الأقوال المتعارضة)). والثمن: ما يأخذه البائع قيمة لِما باعه. والدراهم: جمع درهم. وهو قطعة فضية من
النقد ذات قيمة زهيدة. والمعدودة: القليلة يسهل عدها. والزاهد: الراغب عن الشيء يريد الخلاص منه. وزوجَي نعل أي: فردتَي نعل.
(٣) مصر: البلد المعروف بهذا الاسم الآن. والعزيز: وزير ملك مصر مسؤول عن خزائنها. والمرأة: الزوجة. وأكرمي مثواه: اجعلي مكان إقامته كريمًا،
بأحسن معاملة. وينفعنا: يكون فيه خير لنا بقضاء مصالحنا. ونتخذه: نجعله. وولدًا أي: نتبنّاه كولد لنا. وكان أي: العزيز. والحصور: العقيم لاولد له.
ومكّنّا له: جعلنا له مكانّا ليكون متحكمًا. ونعلمه: نلهمه ونيسر له المعرفة والتبصر. والأحاديث: انظر الآية ٦. ولا يعلم: لا يدرك ولا يعرف. والغالب:
القاهر لغيره. وأمره: ما يريده. وبلغه: أدركه. والأشُدّ: منتهى اشتداد الجسم والقدرات. وآتيناه: أعطيناه. ونجزي: نكافئ. والمحسن: الذي يحسن في
عمله بالنية والإخلاص مع مراقبة الله .
١٢ - سورة يوسف
٢٣٨
الجزء الثاني عشر
سُورَةِ لُسُقْ
الجزء الثَّانِ عَشَر
وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ
وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَّ قَالَ مَعَاذَاللّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَىٌّ
إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا
لَوْلَا أَن رَّءَا بُرْهَنَ رَيٍِّ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوْءَ
وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ وَأَسْتَبَقَا
الْبَابَ وَقَذَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابِ
قَالَتْ مَاجَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ
أَلِمٌ هَاقَالَ هِىَ رَوَدَتْنِ عَن نَفْسِىَّ وَشَهِدَ شَاهِدٌمِنْ
أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ، قُدَّمِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ
اَلْكَذِبِينَ ﴿ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ
مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ فَمَّارَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ.
مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٥ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ
هَذَا وَاسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِّ ◌ِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ
﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى الْمَدِينَةِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَوِدُ فَنَنَهَا
عَن نَّفْسِهِ، قَدْ شَغَفَهَا حُبَّ إِنَّا لَرَهَا فِ ضَلَلِمُبِينٍ
مـ
﴿فَكَذَبَتْ، وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ٢٧ .
١ - ﴿وراوَدَتَهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها﴾ - هي زَلِيخا - ﴿عَن نَفْسِهِ﴾ أي: طلبتْ منه أن
يُواقعها، ﴿وَغَلَّقَتِ الأبوابَ﴾ للبيت، ﴿وقالَتْ﴾ له: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أي: هَلُمَّ.
واللام: للتبيين. وفي قراءة بكسر الهاء، وأُخرى بضمّ التاء. ﴿قالَ: مَعاذَ اللهِ﴾: أعوذ
بالله من ذلك! ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الذي اشتراني ﴿رَبِّيَ﴾: سيّدي، ﴿أحسَنَ مَثْوايَ﴾ مُقامي
فلا أخونه في أهله. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشأنَ ﴿لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢٣ الزُّناة. ﴿وَلَقَد هَمَّتْ
بِهِ﴾: قصدتْ منه الجِماع، ﴿وَهَمَّ بِها﴾: قصد ذلك، ﴿لَولا أن رأَى بُرهانَ رَبِّهِ﴾. قال
ابن عبّاس: مُثِّلَ له يعقوب فضرب صدره، فخرجتْ شهوته من أنامله، وجواب ((لولا))
محذوف. ﴿كَذَلِكَ﴾ أرَيناه البرهان، ﴿لِنَصرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾: الخِيانة ﴿والفَحشاءَ﴾:
الزنَى. ﴿إِنَّهُ مِن عِبادِنا المُخلِصِينَ﴾ ٢٤ في الطاعة. وفي قراءة بفتح اللام أي:
المُختارين.
٢ - ﴿ واستَبَقا البابَ﴾: بادر إليه يُوسف للفرار وهي للتشبّث به، فأمسكت ثوبه وجذبته
إليها، ﴿وَقَدَّتْ﴾: شقّت ﴿قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ، وألفَيا﴾: وجدا ﴿سَيِّدَها﴾: زوجها ﴿لَدَى
البابِ﴾. فنزَّهت نفسَها، ثمّ ﴿قَالَتْ: ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهلِكَ سُوءًا﴾: زنّى
﴿إلّا أن يُسجَنَ﴾: يُحبس أي: سَجنٌ، ﴿أو عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢٥: مؤلم بأن
ثلاثة أرباع
الخِرَبُ
يُضرب. ﴿قالَ﴾ يُوسف مُتبرّئًا: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَن نَفْسِي. وشَهِدَ شاهِدٌ مِن
٢٤
أهلِها﴾: ابنُ عمّها - رُوي أنه كان في المهد - فقال: ﴿إن كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن
قُبُلٍ﴾: قُدّامٍ ﴿فِصَدَقَتْ، وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ ٢٦، وإن كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾: خلفٍ
٣- ﴿فَلَمّا رَأَى﴾ زوجُها ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرِ قالَ: إِنَّهُ﴾، أي: قولَكِ ((ما جَزاءُ مَن أرادَ بأهلِكَ)) إلى آخره، ﴿مِن كَيدِكُنَّ. إنَّ كَيدَكُنَّ﴾ - أيها
النساء - ﴿عَظِيمٌ﴾ ٢٨. ثمّ قال: يا ﴿يُوسُفُ، أعرِضْ عَن هذا﴾ الأمر ولا تذكرْه، لئلّا يشيع. ﴿واستَغْفِرِي﴾ - يا زَلِيخا - ﴿لِذَنِكِ. إِنَّكِ كُنتِ
مِنَ الخاطِئِينَ﴾ ٢٩ : الآثمين. واشتَهر الخبر وشاع، ﴿وقالَ نِسْوةٌ في المَدِينةِ﴾ مدينة مِصر: ﴿امرأةُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتَاها﴾: عبدها ﴿عَن نَفْسِهِ. قَد
شَغَفَها حُبًّا﴾: تمييز، أي: دخل حُبّه شغاف قلبها، أي: غِلافه. ﴿إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ﴾: خطأٍ ﴿مُبِينٍ﴾ ٣٠: بَيِّن بحُبّها إياه.
(١) راودته: خادعته لتثنيه عن تمنعه. ونفسه: قصده وإباؤه. ويواقعها: يجامعها زنى. والأبواب: جمع باب. وهلم: أقبل. والتبيين أي تقول: أخاطبك
والخطاب لك. وفي قراءة: يريد قراءتين ((هِيتَ)) و((هَيتُ)). والقراءات معناها: تعالَ وأسرع. وأحسن مثواي: تعهّدني بالإكرام وأمَرَكِ بذلك. ولا يفلح: لا يظفر
بالخير. ورأى: شاهد ببصيرته مشاهدة واصلة إلى مرتبة عين اليقين. والبرهان: العلم اليقيني والحجة الدالة على تحريم الفواحش. وقد ذكر القصاصون هنا
أقوالًا كثيرة متناقضة متكاذبة. ولذا يحسن الوقف هنا على ((به))، ليكون التحقيق بـ ((لقد)) مقصورًا على همها وحدها. وجملة هم بها: معطوفة علة جملة ((قال))
لا على جملة: همت به. ومحذوف أي: يدل على الجواب المحذوف ما قبله. وانظر المقباس في حاشية الدر المنثور ٢: ٣٢٥. وفي التلخيص: ((لولا أن
رأى برهان ربه لهمَّ بها. وهذا يؤذن بنفي الهم، أي: أنه لم يهمّ بها)). ونفي الهمّ - وهو النية وحديث النفس - أبلغُ من نفي الإرادة أو الفعل نفسه. فيوسف
لم يحدِّث نفسه بالفاحشة ولم ينوِها البتة، لأنه عرف البرهان وكان ذلك راسخًا في نفسه. وهذا أولى مما ذكره السيوطي من مزاعم الإسرائيليات. وفي بعض
النسخ والمطبوعات: ((وجواب لولا لجامعها)). وهو تفسير مخالف لما عُرف من كلام العرب، لأن الجواب المحذوف يقدر من لفظ ما دل عليه السياق، لامن
لفظ آخر، إذا استقام المعنى والتركيب، وماقبلَ الشرط دليل عليه، ولا يحذف الشيء لغير دليل. ونصرف: نمنع. والسوء: ما يقبح من الفعل. والفحشاء: ما
عظم قبحه من الأفعال. والعباد: جمع عبد. وهو العابد. والمخلص: مَن جعل عمله مجردًا لله. وبفتح اللام يريد القراءة ((المُخلَصِينَ)).
(٢) القميص: الثوب. ومن دبُر: من خلفه. ولدى: عند. ونزهت نفسها: ادعت أنها تفرّ من يوسف. وأراد: قصد. وراودتني: خادعتني وأغرتني. وشهد:
قال ما يَصلح شهادة. والأهل: الأقرباء الأدنون. وفي المهد أي: رضيع في السرير. وهو قول مستمد من حديث ضعيف. والمشهور بين المفسرين أن الشاهد
كان رجلًا حكيمًا. انظر ((المفصل)). وصدقت: قد صح ما تقوله وثَبَتَ. وكذبت أي: فقد بَطَلَ قولها وثبَتَ كذبها واختلاقها .
(٣) رأى: أبصر عيانًا. والكيد: المكر والخديعة. والعظيم: لامثيل له. وقد وُصف كيد النساء بالعِظم، وإن كان في الرجال من يكيد أكثر، لأنهن أبعد مكرًا
بما جُبلن عليه من التلطف والقدرة على النفوذ. ومكرُ الشيطان ضعيف لأنه وسوسة، وُصف بالضعف لأنه في مقابلة كيد الله، ومكرُهن عظيم لأنه مواجهة
وتلعّب بالكلام والعواطف، وُصف بالعظم في مقابلة كيد الرجال وتداعي أكثرهم أمام إغراء النساء. وأعرِضْ عنه: اكتمه. واستغفري: توبي واطلبي العفو.
والذنب: المعصية تقتضي العقاب. والخاطئون: جمع خاطئ، وهم يشملون الرجال والنساء، بخلاف الخاطئات. ومن الآثمين أي: بطلب الفاحشة واتهام
يوسف. وإنما اشتهر الخبر لأن امرأة العزيز نفسها أخبرت بعض النساء بما حصل لها، ولا يكون سرًا ماعرفته النساء. وتراوده: تطلب منه أن يضاجعها .
والحب: الرغبة القوية والشهوة. ونراها أي: نعلمها بحق.
الجزء الثاني عشر
٢٣٩
١٢ - سورة يوسف
١- ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكرِهِنَّ﴾: غِيبتهنّ لها ﴿أرسَلَتْ إلَيهِنَّ، وأعتَدَتْ﴾: أعدّت ﴿لَهُنَّ
مُتَكَأَ﴾: طعامًا يُقطع بالسكّين للاتكاء عنده - وهو الأُتْرُجّ - ﴿وآتَتْ﴾: أعطت ﴿كُلَّ
واحِدةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينَا، وقالَتِ﴾ لِيُوسفَ: ﴿اخرُجْ عَلَيهِنَّ. فَلَمّا رأيتَهُ أكبَرْنَهُ﴾: أعظمْنَه،
﴿وَقَطَّعْنَ أيدِيَهُنَّ﴾ بالسكاكين، ولم يشعرْنَ بالألم لشُغل قلوبهنّ بيُوسف، ﴿وقُلْنَ:
حاشَ لِثِ﴾: تنزيهًا له! ﴿ما هذا﴾ أي: يُوسف ﴿بَشَرًا، إنْ﴾: ما ﴿هذا إلّا مَلَكٌ
كَرِيمٌ﴾ ٣١، لِما حواه من الحُسن الذي لا يكون عادة في النسمة البشريّة. وفي
الحديث أنّه ((أُعطِيَ شَطِرَ الحُسنِ)). ﴿قَالَتْ﴾ امرأة العزيز، لمّا رأت ما حلّ بهنّ:
﴿فِذْلِكُنَّ﴾: فهذا هو ﴿الَّذِي لُمْتُنَِّي فِيهِ﴾: في حُبّه. بيان لعُذرها. ﴿وَلَقَد راوَدتُهُ عَن
نَفْسِهِ فاستَعَصَمَ﴾: امتنع. ﴿وَلَئِنْ لَم يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ به، ﴿لَيُسجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ
الصّاغِرِينَ﴾ ٣٢: الذليلين. فقلن له: أطع مولاتك.
٢- ﴿قالَ: ربِّ، السّجنُ أحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِيَ إِلَيهِ. وإلّا تَصرِفْ عَنِّي كَيدَهُنَّ
أصْبُ﴾: أمِلْ ﴿إِلَيهِنَّ، وأكُنْ﴾: أصِرْ ﴿مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ٣٣: المُذنبين. والقصد بذلك
الدعاءُ. فلذا قال تعالى: ﴿فاستَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ دُعاءه، ﴿فَصَرَفَ عَنهُ كَيدَهُنَّ - إنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ﴾ للقول، ﴿العَلِيمُ﴾ ٣٤ بالفعل - ﴿ثُمَّ بَدَا﴾: ظهرَ ﴿لَهُم، مِن بَعدِ ما رأَوُا
الآياتِ﴾ الدالّات على براءة يُوسف، أن يسجنوه، دلّ على هذا: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى﴾:
إلى ﴿حِينٍ﴾ ٣٥ ينقطعُ فيه كلام الناس، فسُجن.
◌ُوَرَة ◌ُسُفْ
الحجة الثَّانِ عَشَرٌ
فَلَمَا سَمِعَتْ بِمَكْرِ هِنَّأَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَكَفَاوَءَاتَتْ
كُلَّ وَحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِينًا وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَتِهِنَّفَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبْنَهُ.
وَقَطّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلََّ مَلَكٌ
كَرِيمٌ ﴿ قَالَتْ فَذَ لِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُنَّنِ فِيهِ وَلَقَدْ رَوَدَنُّهُ عَن
ـنَفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمّوَلَيِنِ لَّمْ يَفْعَلْ مَآءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَ وَلَيَكُونًا
مِنَ الصَّغِرِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىّ
إِلَيٍّْ وَ إِلَّا تَصْرِفِ عَنِى كَيْدَ هُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّوَكُن مِنَ الْجَاهِلِينَ
﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُرَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَ هُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
﴿اَلْعَلِيمُ (جا ثُمَّ بَدَالَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَواْ الْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَا
٣٥
حتّىحِينٍ
إِنِّ أَرَنِيَّ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنَّ أَرَئِّ أَحْمِلُ فَوْقَ
رَأْسِى خُبًْتَأْكُلُ الَّيْرُ مِنَّةٌ نَبِّثْنَا بِتَأْ وِيلِ إِنَّانَئِكَ مِنَ
﴿اَلْمُحْسِنِينَ ﴿ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَائِلََّ بَأْتُكُمَا
◌َبِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَّا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبِّ إِى تَرَكْتُ
مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِلْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ
٣- ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجنَ فَتَيَانِ﴾: غُلامان للملك، أحدهما ساقيه والآخر صاحب
طعامه، فرأياه يُعبّر الرؤيا فقالا: لنَختبرَنَّه. ﴿قَالَ أحَدُهُما﴾ الساقي: ﴿إِنِّيَ أرانِيَ أعصِرُ خَمْرًا﴾ أي: عِنْبًا. ﴿وقالَ الآخَرُ﴾ صاحب الطعام:
﴿إِنَّ أرانِيَ أحمِلُ فَوقَ رأسِي خُبزًا، تأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ. نَبِّنا﴾: خبّرْنا ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾: بتعبيره. ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ المُحسِنِينَ ٣٦. قالَ﴾ لهما، مُخبرًا أنه
عالم بتعبير الرؤيا: ﴿لا يأتِيكُما طَعامٌ تُرِزَقانِهِ﴾ في منامكما، ﴿إلّا نَبَّأَتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ في اليقظة، ﴿قَبلَ أن يأتِيَكُما﴾ تأويلُه. ﴿ذَلِكُمَا مِمّا عَلَّمَنِي
رَبِّيَ﴾. فيه حثّ على إيمانهما. ثمّ قوّاه بقوله: ﴿إِنِّي تَرَكتُ مِلَةَ﴾: دِينَ ﴿قَومٍ لا يُؤمِنُونَ بِاللهِ، وهُم بِالآخِرَةِ هُم﴾ - تأكيد - ﴿كَافِرُونَ ٣٧،
واتَّبَعتُ مِّةَ آبَائِيَ، إِبراهِيمَ وإسحاقَ ويَعْقُوبَ. ما كانَ﴾: ينبغي ﴿لَنا أن نُشرِكَ بِاللهِ مِن﴾: زائدةٌ ﴿شَيءٍ﴾، لِعِصمتنا. ﴿ذلِكَ﴾ التوحيد ﴿مِن فَضلِ
(١) المكر: تدبير الأذى. وأرسلت إليهن: دعتهن لزيارتها. وأعتدت: هيأت. والأترج: الكبّاد. واخرج عليهن: فاجئهن بالظهور. ورأينه: أبصرنه عيانًا.
وأعظمنه: دهشْن بجماله وهيبته، ورأين فيه العظمة البالغة. وقطّع: جرّح. والأيدي: جمع يد. وفي الأصل: ((حاشا لِلِ)). وحذف الألف للتخفيف على غير
قياس، تعبيرًا عن الدهشة والاستعظام. والتنزيه: الإقرار بقدرة الله وعظمته، لخلق هذا الجمال الباهر. والبشر: الإنسان. وما هذا بشرًا أي: مُحال أن يكون
هذا من البشر. وكريم أي: شريف مفضل عند الله، إذ منحه هذا الحسن العظيم المفرط. والنسمة: الكائن الحي ذو الروح. والحديث هو تحت الرقم ٢٥٩
في مسلم. والشطر: النصف. يعني أنه وحده حوى نصف الحسن الذي منح اللهُ البشرَ كلهم إياه. ع: ((نصف الحسن)). وراودت: انظر الآية ٢٣. ولمتنّ:
وصفتنّ بالقبيح. واستعصم: اعتصم. وامتنع أي: عَفَّ وتنزَّهَ. ويفعله: ينفّذه دون خلاف أو تقصير. وآمره به: أدعوه إليه وأطلبه منه. ويسجن: يوضع في
السجن. ويكوننْ: يصيرنْ. ط: ((وليكونا)). وفيما عداها وعدا خ: ((وليكونًّا)) اتباعًا لرسم المصاحف. وإنما جاز ما أثبتناه لأن النص في تفسير. والمولاة:
السيدة. والحق أنهن راودنه أيضًا، بدليل الآيتين ٣٣ و٥١، ولم يأمرنه بطاعة مولاته فقط. وهذا شأن النساء المترفات، في المجتمعات الفاسدة.
(٢) السجن: مكان الحبس. و((أحب)) ليس على معنى التفضيل، وإنما هذان شرّان فضل منهما ما لامعصية فيه. ويدعونني إليه: يأمرنني به. وتصرف: تمنع.
والجاهل: السفيه لا يميز الخير من الشر. واستجاب: أجاب. والسميع: العظيم الإدراك للمسموعات وما هو أخفى منها. والعليم: المبالغ في الإحاطة بكل
شيء. وبدا لهم: تحقق للعزيز ومَن حوله وثَبَتّ في نفوسهم ، لئلّا يشيع ما كان من زليخا والنساء الماجنات. ورأوا: علموا علم اليقين. والآية: الحجة
القاطعة. ويسجنه: يحبسه لإخفاء جريمة النساء. والحين: الوقت.
(٣) دخلا معه أي: صاحباه في الدخول. ونختبره: نمتحنه لنعلم صدق ما يدعيه. وأراني: رأيتني في الحلم. والخمر: ما يُسكِر من عصير العنب وغيره.
وأحمل: أضع. وتأكل: تتغذى. والطير: واحده طائر. وتأويله: تأويل ما ذكرنا لك. ونراك: نبصرك عيانًا. والمحسن: من يعمل الخير لنفسه ولغيره. فقد
كان يوسف في السجن يتقن عبادته، ويساعد كل محتاج بما يستطيع. ويأتيكما: يصل إليكما. وترزقانه: تطعمانه. ونبّأ: أخبر. وفي منامكما أي: تحلمان به
في المنام. و((قبل ... تأويله)) يعني أنه يفسر لهما حلم الطعام قبل وصول طعام إليهما في اليقظة. وعلمني: أوحى إليّ. وتركتها: تجنبتها. والدين: العقيدة
والشريعة. ولا يؤمنون: يكفرون. وتأكيد: يعني أن ((هم)) الثاني: توكيد لفظي للأول. واتبعتها: آمنت بها. والآباء: جمع أب. وهو يطلق على الوالد والجد.
فيعقوب أبو يوسف، وإسحاق جده. وإبراهيم أبو جده. ونشرك بالله: نعبد معه بعض مخلوقاته، ونطيعهم فيما لايرضاه. وزائدة: يعني أن ((مِن)): للتنصيص
على عموم النفي. والعصمة: الحفظُ من الضلال. والفضل: التفضل بالإحسان والنعم. و((الكفار)) تفسير ك ((أكثر الناس)). ويشكر: يستحضر النعم ويثني على
المنعم بقلبه ولسانه وعمله.
١٢ - سورة يوسف
٢٤٠
الجزء الثاني عشر
◌ُوَرَة ◌ُوسُفْ
الجزء الثَّانِ عَشَرِ
وَأَتَبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّ إِبْرَهِيمَ وَ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ مَا كَانَ
لَنَا أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى
النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [﴿ يَصَحِتِى
السّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِفُونَ خَيْرُ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
} مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ إِلَّ أَسْمَاءَ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ
وَءَابَآؤُكُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُبِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُ واْ إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الّذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ يَصَحِبَىِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُ كُمَا
فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْ كُلُ الطَّيْرُ
مِن رَّأْسِهِ، قُضِىَ آلْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْنَفْتِيَانِ ﴿ وَقَالَ لِلَّذِى
ظَنَّ أَنَّهُ نَاحِ مِّنْهُمَا أَذْكُرْنِ عِندَرَبِّكَ فَأَنسَنُهُ
الشَّيْطَنُ ذِكْرَرَبِّهِ فَلَبِثَ فِى السِّجْنِ يِضْعَ سِنِينَ
﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنَّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ
سَبْعُ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَتْ
يَأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِ رُءٌ يَنِىَ إِن كُنتُمْ لِلرّءُ يَا تَعْبُرُونَ [﴾
اللهِ عَلَينا وعلَى النّاسِ، ولَكِنَّ أكثَرَ النّاسِ﴾ - وهم الكُفّار - ﴿لا يَشكُرُونَ﴾ ٣٨ الله
فیشرکون .
١- ثمّ صرّح بدعائهما إلى الإيمان، فقال: ﴿يا صاحِبَي﴾ ساكنَي ﴿السّجنِ، أأربابٌ
مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أم اللهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ٣٩ خيرٌ؟ استفهام تقرير. ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾
أي: غيرَه ﴿إِلَّ أسماءً، سَمَّيْتُمُوهَا﴾: سمّيتم بها أصنامكم ﴿أَنتُم وآبَاؤُكُم، ما أَنزَلَ
اللهُ بِها﴾: بعبادتها ﴿مِن سُلطانٍ﴾: حُجّةٍ وبُرهان. ﴿إِنِ﴾: ما ﴿الحُكمُ﴾: القضاء
﴿إِلّ ◌ِلّهِ﴾ وحدَه، ﴿أَمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ. ذُلِكَ﴾ التوحيد ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾:
المُستقيم، ﴿وَلَكِنَّ أكثَرَ النّاسِ﴾ - وهم الكُفّار - ﴿لا يَعلَمُونَ﴾ ٤٠ ما يصيرون إليه
من العذاب فيُشركون.
٢- ﴿يا صاحِبَي السِّجنِ، أمّا أحَدُكُما﴾ أي: الساقي فيخرج بعد ثلاث، ﴿فَيَسقِي
رَبَّهُ﴾: سيّده ﴿خَمْرًا﴾ على عادته - هذا تأويل رؤياه - ﴿وَأمّا الآخَرُ) فيخرج بعد
ثلاث ﴿فِيُصلَبُ، فتأكُلُ الطَّيرُ مِن رأسِهِ﴾. هذا تأويل رُؤياه. فقالا: ما رأينا شيئًا .
فقال: ﴿قُضِيَ﴾: تمَّ ﴿الأمرُ الَّذِي فِيهِ تَستَقْتِيانِ﴾ ٤١: عنه سألتما، صدقتما أم
كذبتما. ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ﴾: أيقن ﴿أَنَّهُ ناج مِنْهُما﴾، وهو الساقي: ﴿اذكُرْنِي عِنْدَ
رَبِّكَ﴾: سيّدك، فقلْ له: إنّ في السجن غُلامًا محبوسًا ظلمًا. فخرج ﴿فأنساهُ﴾ أي:
الساقيَ ﴿الشَّيطانُ ذِكِرَ﴾ يُوسفَ عند ﴿رَبِّهِ، فَلَبِثَ﴾: مكَثَ يُوسف ﴿في السِّجنِ بِضعَ
سِنِينَ﴾ ٤٢ قيل: سبعًا، وقيل: اثنتي عشْرةَ.
٣- ﴿وَقَالَ المَلِكُ﴾ ملكُ مصرَ الرِيّانُ بنُ الوليد: ﴿إِنِّيَ أَرَى﴾ أي: رأيتُ ﴿سَبِعَ بَقَراتٍ سِمانٍ، يأكُلُهُنَّ﴾: يبتلعهنَّ ﴿سَبعٌ﴾ من البقر ﴿عِجافٌ﴾:
(١) الصاحب: من يلازم الشيء. والأرباب: جمع رب. وهو المعبود. والمتفرقون أي: من بشر وملائكة وجن وحيوان وذهب وفضة وخشب وحجارة.
وخير: أجلب للنفع وأدفع للضرر. والواحد: المتفرد بذاته وصفاته وأفعاله. والقهار: الغالب لجميع الخلق بقدرته المطلقة، فيذلون لسلطانه ويستسلمون.
وتعبدون: تقدسون وتطيعون - والخطاب هنا صار لأهل السجن كلهم - أي: ما تعبدون إلّا الألفاظ الفارغة التي سميتم بها ما لا يستحق العبادة. فهي كلمات
أحدثتموها لامسمياتِ لها. والأسماء: جمع اسم. وهو لفظ يطلق على الشيء ليعرف به أو يستدل به عليه. وسميتموها أي: جعلتموها أسماء. وفيما عدا
الأصل وث: ((سميتم بها أصنامًا)). وأنزل: أوحى وأعلم. ووحده يعني: ليس لكم ولا لآلهتكم حكم نافذ دون إرادة الله. وأمر: فرض وأوجب. وتعبدوا:
تقدسوا وتطيعوا. والدين: العقيدة بالألوهية وصفاتها. ولا يعلمون: لا يعرفون لأنهم يقلدون الآباء ويتبعون شهواتهم، ولا يستعملون عقولهم. وفي قرة العينين
وبعض المطبوعات: فهم يشركون.
(٢) أحدكما: واحد منكما دون تعيين، إذ المراد الإبهام لئلّا يواجَه المقصود بالعذاب. وثلاث: ثلاث ليال. ويسقيه: يخدمه في تقديم الشراب. وتأويل
رؤياه: يعني أن يوسف شرع في تعبير الرؤيا، بعد أن مهد لذلك بالدعوة إلى التوحيد. وفيما عدا الأصل وث وع: ((على عادته وأما)). والآخر: الثاني المغاير.
ويصلب: يعلق ويثبّت على الخشب ليقتل. وفيما عدا الأصل وث وع: ((تأويل رؤياكما فقال)). وما رأينا شيئًا: يعني أنهما اختلقا قصة الحُلمَينِ ليختبراه، ولم
يريا من ذلك شيئًا في منامهما. والراجح أنهما رأيا الحلمين كما ذكرا قبل. وتم: وجب بإرادة الله. يعني: سيقع حتمًا. والأمر: حكم التأويل. ع: ((عنه
سألتماه)). وفيما عدا الأصل والنسخ: ((سألتما عنه)). وناج: سيتخلص من السجن. واذكرني عنده: حدثه عما أنا فيه. وأنساه: أذهله بما وسوس له من الهم.
والشيطان: من يغري بالباطل من الجن. والذكر: الخبر. وذكر السِّنين يقتضي أن البضع: من الواحدة إلى العشر. وهو قطعة من العدد. والسنون: جمع سنة.
وماذكره السيوطي يعني أن المقصود بإحدى المدتين كل ماقضاه في السجن.
(٣) الملك: الحاكم المتصرف حينئذ. وقد حكم مصرَ قبل كثير من الفراعنة العرب وبعدهم أسر عربية أيضًا مالكة، في عدة قرون. وأرى أي: أُبصِر في
الحُلم. والسمان: جمع سمينة، أي: كثيرة اللحم والشحم. والعجفاء: الضعيفة. والسنبلة: الجزء الأعلى من نبات القمح وما يشبهه. والخضر: جمع
خضراء. والأُخر: المغايرات، جمع أُخرَى. واليابسة: الجافة بلغت وقت حصادها. والملأ: الكهنة والسحرة. والرؤيا: ما يراه النائم من الخيالات.
وتعبرونها: تفسرونها. واعبروها أي: أفتوني. والأضغاث: جمع ضِغث. وهو في اللغة: ماجُمع وحُزم من أخلاط النبات، استعير للرؤيا الكاذبة. والأحلام:
جمع حُلم. وهو ما يُرى في النوم من الأخيلة الكاذبة. والتأويل: التفسير والتعبير. والعالم: العارف الدقيق المعرفة. ونجا: تخلص من السجن. و((الدال))
كذا في الأصل والمطبوعات. وفي خ وع وقرة العينين وحاشية المنحة: ((الذال)). وفي إحدي النسخ: ((الذال بعد قلبها دالاً)). انظر الفتوحات ٤٥٧:٢. وكله
وهَمِّ. والصواب أن الأصل: ((اذْتَكَرَ)) أبدلت التاء دالًا لأنها تاء ((افتعل)) بعد ذال: ((اذْدَكَرَ))، وأبدلت الذال دالًا أيضًا وأدغمت في الدال الثانية. والأمة: المدة
الطويلة. وحال يوسف: ما هو عليه من علمه بتأويل الرؤيا. وأرسلونٍ أي: أنا أخبركم بتفسيره عمن عنده علم ذلك. فابعثوا بي إليه في السجن. والخطاب
للملك عظّمه بضمير الجماعة. وأفتنا: أعلِمنا وبيِّن لنا. وأرجع: أعود. ويعلمون: يعرفون. وتعبيرها: تفسيرها وما يُقصد بها. وهذا يعني أن الفتيين لم يكذبا
فيما ذكرا من حُلميهما. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٤١ .