Indexed OCR Text
Pages 161-180
الجزء الثامن
١٦١
٧ - سورة الأعراف
١- ﴿وَما كانَ جَوابَ قَومِهِ إلّا أن قالُوا: أخرِجُوهُم﴾ أي: لوطًا وأتباعه ﴿مِن قَرْيتِكُم.
إِنَّهُم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ٨٢ من أدبار الرجال. ﴿فأنجَيناهُ وأهلَهُ إلّا امرأتَهُ، كانَتْ مِنَ
الغابِرِينَ﴾ ٨٣: الباقين في العذاب، ﴿وأمطَرْنا علَيهِم مَطَرًا﴾، هو حِجارة السِّجّيل
فأهلكتهم. ﴿فانظُرْ: كَيفَ كانَ عاقِبُ المُجرِمِينَ﴾ ٨٤؟
٢- ﴿و﴾ أرسلنا ﴿إِلَى مَذْيَنَ أخاهُم شُعَيبًا. قالَ: يا قَوم، اعْبُدُوا اللهَ، ما لَكُم مِن إِلَّهِ
غَيْرُهُ. قَدْ جاءَتكُم بَيَِّةٌ﴾: مُعجزة ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ على صِدقَي. ﴿فَأَوْفُوا﴾: أتمُّوا ﴿الكَيلَ
والمِيزانَ، ولا تَبَخَسُوا﴾: تَنقُصوا ﴿النّاسَ أشياءَهُم، ولا تُفسِدُوا في الأرضِ﴾ بالكُفر
والمعاصي ﴿بَعدَ إصلاحِها﴾ ببعث الرُّسل - ﴿ذَلِكُم﴾ المذكور ﴿خَيْرٌ لَكُم، إن كُنتُم
مُؤمِنِينَ﴾ ٨٥ مُريدي الإِيمان فبادروا إليه - ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾: طريق،
﴿تُوعِدُونَ﴾: تُخوّفونَ الناس بأخذ ثيابهم أو المكس منهم، ﴿وَتَصُدُّونَ﴾: تَصرِفون
﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾: دِينه ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ بتوعّدكم إياه بالقتل، ﴿وتَبْغُونَها﴾: تطلبون
الطريق ﴿عِوَجًا﴾ مُعْوَجّة، ﴿واذكُرُوا إِذْ كُنتُم قَلِيلًا فكَثَّرَكُم، وانظُرُوا: كيفَ كانَ عاقِبَةُ
المُفسِدِينَ﴾ ٨٦ قبلكم بتكذيبهم رسلَهم، أي: آخرُ أمرهم من الهلاك؟ ﴿وإن كانَ طائفةٌ
مِنكُم آمَنُوا بِالَّذِي أُرسِلْتُ بِهِ، وطائفةٌ لَم يُؤمِنُوا﴾ به، ﴿فاصْبِرُوا﴾: انتظروا، ﴿حَتَّى
يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا﴾ وبينكم بِإنجاءِ المُحقِّ وإهلاك المُبطل، ﴿وهْوَ خَيرُ الحاكِمِينَ﴾ ٨٧ :
أعدلهم.
سُورَة الأَعْاف
وَ مَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن
قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ ﴿٨ فَأَنَجَيِّنَهُ وَأَهْلَهُ:
إِلَّا أَمْرَأَتَهُ، كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ ﴾ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم
مَّطَرًّا فَانْظُرْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (@
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَبْبَّا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ
مَالَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتُكُمْ بَيِّنَةٌ مِّنْ
رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاُلْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ
النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا تُفْسِدُ واْفِى الْأَرْضِ بَعْدَ
إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌلَكُمْ إِن كُنتُمْ مُؤْ مِنِينَ
﴿ وَلَا نَقْعُدُ واْ بِ كُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجَا
وَأَذْكُرُوَاْ إِذْكُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَتَّرَكُمْ وَأَنْظُرُواْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٦) وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ
مِّنكُمْ ءَامَنُواْ بِالَّذِىّ أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطَآئِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُواْ
فَأَصْبِرُ واحَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ (ثّ
(١) في الأصل: ((فما كان)). انظر الآيتين ٥٦ من سورة النمل و٢٩ من سورة العنكبوت. وجواب قومه أي: ردّ المستكبرين منهم، على الإنكار والتوبيخ.
يعني قول بعضهم لبعض استثارة وتهييجًا. وجواب: خبر مقدم لـ ((كان)). وإلّا: حرف حصر. والمصدر المؤول من ((أن)) وما بعدها في محل رفع اسم مؤخّر
لـ ((كان)). والجملة معطوفة على جملة: قال. وليس المراد بهذا أنهم لم يقولوا غير ذلك، بل المراد أنه كان هو الوحيد في آخر ما قالوه. وأخرجوهم أي:
اطردوهم وشرّدوهم لنتخلص منهم. والقرية: مدينتهم سدوم وما حولها من المدن. ويتطهرون: يتنزهون. وفي هذا تهكمٌ بالمؤمنين لتجنبهم الفاحشة، وافتخارٌ
بما هو عليه الكافرون من القذارة. والأدبار: جمع دبر. وأنجيناه: أنقذناه من العذاب والهلاك. وأهله: من يعولهم كالمرأة والأولاد. وامرأته اسمها واهلة،
نافقت وأضمرت الكفر به وبرسالته، وكانت تنقل أخباره إلى قومها الكافرين وتؤيدهم في الضلال والكفر. وآمنت ابنتاه به فكانتا ممن هاجر معه إلى فلسطين
مقر عمه إبراهيم. وكانت: صارت. وأمطرنا: أرسلنا وأنزلنا. والمطر: ما يسقط من السماء. والسجيل: الآجرّ المحروق. وهو طين يطبخ بالنار ليتصلب.
وانظر: تأمل وتدبر. والخطاب لكل سامع أو قارئ. والعاقبة: النهاية والمآل. والمجرمون: الذين اقترفوا جرائم الكفر والعصيان باختيار وقصد وتصميم، من
قوم نوح وهود وصالح ولوط وغيرهم.
(٢) إلى مدين ... من ربكم: انظر الآيتين ٦٥ و٧٣. ومدين هنا: مدينة على شاطئ البحر الأحمر محاذية لتبوك، وهي مدينة شُعيب النبي العربي من ذرية
إبراهيم العربية، أطلق عليها اسم مَدْيَنِ بن إبراهيم. ومدين هذا من زوجة عربية أخرى لإبراهيم، كان له إخوة عرب أيضًا، انتشروا في مكة وغيرها فيما بعد.
وأخاهم أي: في النسب إلى جدهم إبراهيم. ولم تُذكر معجزة شعيب ما هي؟ والكيل والميزان: انظر الآية ١٥٢ من سورة الأنعام. والناس: البشر.
والأشياء: جمع شيء. وهي الحقوق والأموال فيما يكون من التعامل. ولا تفسدوا أي: لا توقعوا الفساد والشر قاصدين متعمدين. والأرض: بلادهم
وماحولها. وإصلاحها: جعلها صالحة لمنافع الخلق والحياة في الدنيا والآخرة. والإشارة بـ ((ذلكم)) إلى ما مضى، من إيفاء الكيل والميزان وترك البخس
والفساد. وخير: أكثر نفعًا وفائدة في الدارين. والمراد التفضيل بالنظر إلى ما كانوا يعتقدونه، من أن ما هم عليه فيه خير لهم. وإليه أي: إلى ما ذكر من الأمر
والنهي. وتقعدوا أي: تترصدوا الناس. يعني أنهم كانوا يقطعون الطريق على الناس، ليؤذوهم ويسلبوا ما معهم. والمكس: الضريبة يأخذونها من التجار بغير
حق. وهي هنا الإتاوة والغصب. والسبيل: الطريق الواضح لا اعوجاج فيه ولا اضطراب. وآمن به: صدّقه اعتقادًا يقينيًا. وتطلبون الطريق يعني بـ ((الطريق)) ما
فسر به قبل. وهو الصراط أي: تطلبون غير سبيل الله. وبعض عبارات التفسير مستفاد من ابن كثير، وعنده أن قطع الطريق حسّي ومعنوي. وفي التلخيص:
(بكل صراط: طريق من طرق الحق ... تبغونها عوجًا: تطلبون أن تكون طريق الحق معوجة)). فالصراط إذًا هو سبيل الله نفسها، خلافًا لما تفيده عبارة
السيوطي. ولهذا تعقبه صاحب الفتوحات ١٦٤:٢ بوجوب بيان أن المراد هو سبيل الله لا الطريق المذكور قبل. فذاك حسي وهذا معنوي. يعني أن قوم شعيب
كانوا يريدون اعوجاج سبيل الحق، ليصرفوا الناس عن الإيمان، لا اعوجاج الطريق الذي يسلكه الناس. وانظر الصاوي ٨٦:٢. واذكروا: استحضروا في
أذهانكم للاعتبار والاتعاظ. وقليلًا أي: في العدد والقوة والمال. وكثركم: جعلكم أكثر عددًا وقوة ومالًا. وانظروا أي: تأملوا وتدبروا. والمفسدون: الذين
يقترفون الكفر والعصيان باختيار وقصد، أي: الذين أهلكوا قبلهم لكفرهم. والهلاك يفسر عاقبة أمرهم. والطائفة: الجماعة. وآمنوا: صدّقوا واعتقدوا. وما
أرسلت به أي: الذي بُعثت للدعوة إليه والعمل به، من العقيدة والشريعة والأحكام. واصبروا أي: تحملوا ما يكون من الخلاف وتريثوا. والأمر بالصبر
خطاب للفريقين معًا، للمؤمنين بانتظار النصر، وللكافرين بترقب البلاء. ويحكم: يقضي ويفصل بأمره. و((وبينكم)) هو من ابن كثير، بجعل الضمير في ((بيننا))
الشعيب ومَن آمن، وجعل الأمر بالصبر للكافرين وحدهم. والأولى أن الضمير والأمر للفريقين، بناء على تفسيرنا قبل، وفي ذلك وعد للمؤمنين وتهديد
للكافرين. وأعدلُهم أي: لأنه منزّه عن الجور والميل والحيف والخطأ، ولا مانع لحكمه وعدله.
٧ - سورة الأعراف
١٦٢
الجزء التاسع
سُورَة الأعراف
﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوْ مِن قَوْمِهِ،لَنُخْرِجَنَّكَ يَشُعَيْبُ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْمَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَ فِ مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ
كُتَّاكَرِهِينَ ﴿َ قَدِ أَفْتَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ
بَعْدَ إِذْ نَنَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَن يَشَآءَ
اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَأْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَا رَبَّنَا أَفْتَحْ
بَيْنَنَاوَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَنِحِينَ (٨٩) وَقَالَ المَلَاُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ ، لَيِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْإِذَا لَّخَسِرُونَ
فَأَخَذَ تْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَشِينَ ﴾
الَّذِينَ كَذَّبُواْسُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْفِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا
كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ ﴿﴿ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ
أَبْلَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَءَاسَى
عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ (*) وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيّ إِلَّ
أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٢).
بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْقَدْ مَشََ
◌ََْةَ وَهُمْ لَا يَشْعُونَ
ءَابَآَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ فَأَخَذْ نَهُمْ بَغْثَةً وَهُهْ
١- ﴿قَالَ المَلَأُ الَّذِينَ استَكبَرُوا مِن قَومِهِ﴾ عن الإِيمان: ﴿لَنُخرِ جَنَّكَ - يا
شُعَيبُ - والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيتِنا، أَو لَتَعُودُنَّ﴾: تَرجِعُنّ ﴿فِي مِلَّتِنَا﴾:
المجزب ٧
ديننا. وغَلّبوا في الخِطاب الجمعَ على الواحد، لأنّ شُعيبًا لم يكن في مِلّتهم
قَطُّ. وعلى نحوه أجاب، ﴿قالَ: أ﴾ نعود فيها، ﴿وَلَو كُنّا كارِهِينَ﴾ ٨٨ لها؟
استفهام إنكار. ﴿قَدِ افْتَرَينا عَلَى اللهِ كَذِبًا، إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُم بَعدَ إِذْ نَجّانا اللهُ مِنها .
وما يَكُونُ﴾: ينبغي ﴿لَنا أن نَعُودَ فِيها، إلّا أن يَشاءَ اللهُ رَبُّنا﴾ ذلك فَيَخذُلَنا. ﴿وَسِعَ
رَبُّنا كُلَّ شَيءٍ عِلمًا﴾ أي: وسع علمُه كُلَّ شيء، ومنه حالي وحالكم. ﴿عَلَى اللهِ
تَوَكَّلْنا. رَبَّنا، افَتَحْ﴾: احكم ﴿بَيْنَنا وَبَيْنَ قَومِنا بِالحَقِّ، وأنتَ خَيرُ الفاتِحِينَ﴾ ٨٩:
الحاكمين .
٢- ﴿ وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَومِهِ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿لَئِنِ﴾ - لامُ قسم
- ﴿أَبَعْتُمْ شُعَيبًا إِنَّكُمْ إذَا لَخَاسِرُونَ ٩٠. فَأَخَذَتَهُمُ الرَّجْفةُ﴾: الزلزلة الشديدة،
﴿فَأصبَحُوا في دارِهِم جائِمِينَ﴾ ٩١: باركين على الركب ميّتين. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا
شُعَيبًا﴾: مبتدأ خبرُه ﴿كأَنْ﴾ - مُخفّفةٌ واسمها محذوف - أي: كأنّهم ﴿لَم يَغْنَوا﴾:
يُقيموا ﴿فِيها﴾: في ديارهم. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ٩٢. التأكيد
بإعادة الموصولِ وغيرِه للردّ عليهم في قولهم السابق.
٣- ﴿فَتَوَلَّى﴾: أعرَضَ ﴿عَنْهُم، وقالَ: يا قَوم، لَقَد أبلَغْتُكُم رِسالاتِ رَبِّي، ونَصَحْتُ
لَكُمِ﴾ فلم تُؤمنوا. ﴿فَكَيفَ آسَى﴾: أحزنُ ﴿عَلَى قَومٍ كافِرِينَ﴾ ٩٣؟ استفهام بمعنى
النفي .
٤- ﴿وما أرسَلْنا في قَرْيةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ فكذّبوه، ﴿إِلَّا أَخَذْنا﴾: عاقبنا ﴿أهلَها بِالبأساءِ﴾: شِدّةِ الفقر ﴿والضَّرّاءِ﴾: المرضِ، ﴿لَعَلَّهُم
يَضَّرَّعُونَ﴾ ٩٤: يتذلّلون فيُؤمنون، ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا﴾: أعطيناهم ﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ﴾: العذابِ ﴿الحَسَنَةَ﴾: الغِنى والصحّةَ، ﴿حَتَّى عَفَوا﴾: كثُروا،
﴿وقالُوا﴾ كُفرًا للنعمة: ﴿قَد مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ كما مسّنا. وهذه عادة الدهر وليست بعقوبة من الله، فكونوا على ما أنتم عليه. قال
تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُم﴾ بالعذاب ﴿بَغْتَةَ﴾: فجأة، ﴿وَهُم لا يَشْعُرُونَ﴾ ٩٥ بوقت مجيئه قبله.
(١) قال ... من قومه: انظر الآية ٧٥. ونخرج: نطرد ونشرّد. والقرية هي مَدْيَن، بناها مدين بن إبراهيم فسميت باسمه. وقط أي: فيما مضى من الزمان.
يعني أن المؤمنين بشعيب كانوا قبل ذلك في ملة الكافرين، فجاء الخطاب لهم مع شعيب، بتغليب ضمير الجماعة على المفرد، وليس المقصود أن شعيبًا كان
على ملة الكفر قبل، ليراد منه العودة إليها. وعلى نحوه أي: على نحو التغليب المذكور في كلام الكافرين، جاء جوابه بتغليب الجماعة على المفرد. و((فيها))
كذا من الوجيز والتلخيص، بجعل الإنكار للعودة فقط، مع أن ذلك للعودة أو الإخراج. وكارهين لها أي: مبغضين ملتكم لانرضاها. والكره هنا للأمرين
أيضًا: العودة إلى الكفر، والخروج من الديار. وافترينا: كذبنا. والكذب: الباطل المخالف للواقع. وعدنا: رجعنا. ونجانا: أنقذنا وهدانا. ويشاء أي: يريد
عودتنا فيها. والرب: الخالق المالك والمعبود. ويخذلنا أي: يتخلى عن عوننا وتثبيتنا. ووسعه: أحاط به وحواه مجملًا ومفصلًا. والعلم: الإحاطة بحقيقة
الأشياء. وعلى الله توكلنا أي: استسلمنا إليه واعتمدنا عليه وحده. وقومنا أي: الذين كفروا. والحق: العدل الثابت لاشك فيه. وخير: أفضل وأعدل. (٢)
قال الملأ: انظر الآية ٧٥. و((لام قسم)) الصواب أن اللام موطئة لجواب القسم المحذوف. والتقدير: واللهِ - لئن اتبعتم شعيبًا فإنكم إذًا لخاسرون - إنكم إذا
لخاسرون. واتبعتم شعيبًا: آمنتم به وعملتم ما يريد. وخاسرون أي: مغبونون ومضيعون أموالكم بتوفية الكيل والميزان وترك البخس. وأخذتهم: نزلت بهم
وأهلكتهم. وأصبحوا: صاروا. انظر الآية ٧٨. وكذبوه: أنكروا ما دعا إليه. ومبتدأ خبره: يعني أن الاسم الموصول ((الذين)): في محل رفع مبتدأ، خبره
الجملة: كأن لم يَغْنَوا فيها. وقولهم السابق يعني: ما جاء عنهم في الآية ٩٠، حيث زعموا أن المؤمنين سيخسرون، فكان الرد عليهم أن الخاسرين هم لا
المؤمنون. (٣) تولى ... ونصحت لكم: انظر الآية ٧٩. وبمعنى النفي يعني أن الاستفهام بـ ((كيف)) معناه الإنكار الإبطالي، أي: محالٌ أن آَسَى على الذين
كفروا بآيات الله وجحدوها، وأصرّوا على الآثام. (٤) في الآية إجمال لما فُصّل في الآيات ٥٩-٩٣ من أحوال الأمم المكذبة للرسل، مع التعميم بالإشارة
إلى ما لم يذكر من ذلك. وفي هذا تهديد لأهل مكة وأمثالهم، وتسلية للمؤمنين بأن النصر لهم. وأرسله: بعثه مكلفًا بالتبليغ والدعوة مع التبشير والإنذار
ووجوب العمل. والقرية: البلدة العامرة بالسكان. والنبي: من بعث وكلف بالدعوة والعمل. وأهل القرية: أصحابها المقيمون فيها. وفي المنحة وبعض
المطبوعات: ((يتذللون فيؤمنوا)). وبدلنا: غيّرنا، أي: جعلنا شيئًا مكان آخر للابتلاء والاختبار. و((أعطيناهم)) من التلخيص والبيضاوي، وهو حلّ للمعنى،
لا تفسير لغوي يوجّه الإعراب ولا بيان لتضمين، خلافًا لما تأثره الآلوسي في تفسيره ٩: ١٤، ولما ورد في الآية ٥٦ من سورة النساء. والسيئة: ما يسوء ويؤذي
من المصائب. والحسنة: ما يُستحسن من النعم. وكثروا أي: عددًا وغنى وقوة. وقالوا أي: بعضهم لبعض تبجحًا بالقول جهارًا. وكفرًا للنعمة أي: ومكابرة
وتكذيبًا للأنبياء. ومسهم أي: أصابهم ونزل بهم. والآباء: جمع أب. وهو يطلق على الوالد والجد. وهذه عادة الدهر: يعني أنهم لم يتعظوا بما كان لهم
ولآبائهم من الابتلاء والاختبار، وأصرّوا على العصيان. وأخذناهم: عاقبناهم بالفناء. ولا يشعرون: لايحسون. فنفيُ الشعور يعني أنهم أحط من الحيوان الذي
يشعر بما حوله، فيتجنب الضرر. وبوقت مجيئه أي: لايعرفون وقت حلول العذاب قبل ذلك، لانهماكهم في الكفر والعصيان والمكابرة.
الجزء التاسع
١٦٣
٧ - سورة الأعراف
١- ﴿وَلَو أنَّ أهلَ القُرَى﴾ المُكذِّبين ﴿آمَنُوا﴾ بالله ورُسلهم، ﴿وَاتَّقَوا﴾ الكُفرَ
والمعاصي، ﴿لَفَتَحْنا﴾ - بالتخفيف والتشديد - ﴿عَلَيهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّماءِ﴾ بالمطر
﴿والأرضِ﴾ بالنبات، ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ الرُّسلَ، ﴿فَأَخَذْناهُم﴾: عاقبناهم ﴿بِما كانُوا
يَكسِبُونَ ٩٦. أفأمِنَ أهلُ القُرَى﴾ المُكذّبون ﴿أن يأتِيَهُم بأسُنا﴾: عذابنا ﴿بَيانًا﴾:
ليلًا، ﴿وَهُم نائمُونَ﴾ ٩٧ غافلون عنه؟ ﴿أُوَأْمِنَ أهلُ القُرَى أن يأتِيَهُم بأسُنا ضُحَى﴾:
نهارًا، ﴿وَهُم يَلْعَبُونَ ٩٨؟ أفأمِنُوا مَكرَ اللهِ﴾: استدراجَه إيّاهم بالنعمة وأخذَهم بغتةً؟
﴿فلا يأمَنُ مَكَرَ اللهِ إلّ القَومُ الخَاسِرُونَ﴾ ٩٩.
٢ - ﴿أُوَلَم يَهْدِ﴾: يَتَبَّنْ ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرضَ﴾ بالسُّكنى، ﴿مِن بَعدِ﴾ هلاكِ ﴿أهلِھا،
أنْ﴾ - فاعلٌ مُخفّفة واسمها محذوف - أي: أنّه ﴿لَو نَشاءُ أصَبْنَاهُم﴾ بالعذاب
﴿بِذُنُوبِهِم﴾، كما أصبنا مَن قبلهم؟ والهمزة في المواضع الأربعة للتوبيخ، والفاء
والواو الداخلة عليهما للعطف. وفي قراءة بسكون الواو في الموضع الأوّل عطفًا بـ
((أوْ)). ﴿و﴾ نحن ﴿نَطَبَعُ﴾: نَخْتِمُ ﴿عَلَى قُلُوبِهِم، فهُم لا يَسمَعُونَ﴾ ١٠٠ الموعظةَ
سماعَ تدبُّر.
٣- ﴿َتِلكَ القُرَى﴾ التي مرَّ ذِكرها ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿مِن أنبائها﴾: أخبارٍ
أهلها. ﴿وَلَقَد جاءَتُهُم رُسْلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾: المُعجزات الظاهرات، ﴿فما كانُوا
لِيُؤْمِنُوا﴾ عِند مجيئهم ﴿بِما كَذَّبُوا﴾: كفروا به ﴿مِن قَبلُ﴾ قبلِ مجيئهم، بل استمرّوا
على الكُفر. ﴿كَذْلِكَ﴾ الطبعِ ﴿يَطَبَعُ اللهُ علَى قُلُوبِ الكافِرِنَ ١٠١. وما وَجَدْنا
لِأكثَرِهِم﴾ أي: أكثر الناس ﴿مِن عَهدِ﴾ أي: وفاءٍ بعهدهم يوم أخذِ الميثاق، ﴿وإنْ﴾
- مُخفّفةٌ - ﴿وَجَدْنا أكثَرَهُم لَفَاسِقِينَ﴾ ١٠٢ .
سُورَة الأغاف
الخبرُ التّة
﴿وَلَوْأَنَّ أَهْلَ الْقُرَىِّءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ
﴿مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ ﴿ أَفَأَ مِنَ أَهْلُ الْقُرَىَ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَابَيَتًا
وَهُمْ نَآَيِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأَسُنَا
ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٦) أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ
مَكْرَ اللَّهِإِلَّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ
يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدٍ أَهْلِهَا أَن لَّوْنَشَآءُ أَصَبْنَهُم
بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (ّ
تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهَا وَلَقَدْ جَآءَ تَهُمْ رُسُلُهُم
بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْ مِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلُ
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ اَلْكَفِرِينَ ﴿وَمَا وَجَدْنَا
لِأَكْتَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَ إِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ
◌ُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى ◌ِثَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ.
١٠٢
فَظَلَمُواْ بِهَا فَأَنْظُرْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
وَقَالَ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
٤- ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا، مِن بَعدِهِم﴾ أي: الرُّسلِ المذكورين، ﴿مُوسَى بِآيَاتِنا﴾ التسع ﴿إِلَى فِرِعَونَ ومَلَئِهِ﴾: قومِه، ﴿فَظَلَمُوا﴾: كفروا ﴿بِها. فانظُرْ:
كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُفسِدِينَ﴾ ١٠٣ بالكفر، من إهلاكهم؟ ﴿وقالَ مُوسَى: يا فِرِعَونُ، إنِّي رَسولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ١٠٤ إليك. فكذّبه، فقال: أنا
﴿حَقِيقٌ﴾: جدير ﴿عَلَى أن﴾ أي: بأن ﴿لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إلّ الحَقَّ﴾. وفي قراءة بتشديد الياء - فحقيق: مبتدأ خبره ((أن)) وما بعده - ﴿قَد مِئْتُكُم
(١) أهل القرى: أصحابُ المدن المذكورون في الآية ٩٤. والقرى: جمع قرية. واتقوا: تجنّبوا. وفتحناها: وسّعناها فأقبلت وتنزّلت. وبالتشديد يريد القراءة
(لَفَتَّحْنا)). والبركة: ثبوت الخير الإلهي. وهذا يشمل المطر والنبات وغيرهما من النعم. والسماء: السحاب وما حوله من عوالم علوية. وكذبوه: أنكروا ما
دعاهم إليه. ويكسبون أي: يقترفونه من الكفر والعصيان. وأمن: اطمأن ولم يخف. ويأتيهم: ينزل بهم. والنائم: من اضطجع ونعس. وسقط ((عنه)) من خ.
والضحى: وقت ارتفاع الشمس. ويلعبون: يتلهون بما يضرهم ولا ينفعهم. والمكر: الاحتيال والخديعة، كما يليق بصفات الألوهية، لإيصال الضرر إلى العدو
بطريق خفي. والقوم: الجماعة من الناس رجالاً ونساء. والخاسرون: الذين أهلكوا أنفسهم بالكفر والعصيان، فوقعوا في خسران الدنيا والآخرة. (٢) يتبيّن:
يظهر ويتضح. خ: ((يُبيِّن)). ويرثون الأرض أي: يَخلفون من هلك ويرثون ديارهم. وفاعل: يعنى أن المصدر المؤول من ((أنْ)) واسمها وخبرها: في محل رفع
فاعل للفعل ((يهد))، أي: ألم يتبين إصابتنا لهم بالعذاب لو شئنا ذلك. ومحذوف أي: ضمير الشأن والموضوع. ونشاء: نريد إصابتهم بالعذاب. وأصبناهم:
أنزلنا بهم وأهلكناهم. وبذنوبهم أي: بسببها. والذنوب: جمع ذنب. وهو المعصية التي تقتضي العقوبة. والمواضع الأربعة هي أوائل الآيات ٩٧-١٠٠.
والداخلةُ عليهما يعني: ((الداخلةُ الهمزة عليهما)) أي: على الفاء والواو. وعطفًا بـ((أو)) يعني أول الموضعين اللذين فيهما الواو بعد الهمزة، يريد القراءة ((أو
أمِنَ)) في أول الآية ٩٨. ونطبع عليها أي: نغلقها ونسد عليها المنافذ، لأنها امتلأت مكابرة. ولا يسمع أي: لا يدرك المسموعات. والقلوب: جمع قلب.
والمراد بالموعظة ما جاءهم من أخبار الأقوام المُهلَكة، فهم لا يسمعونها كما يجب، فضلًا عن التدبر والتفكر فيها والاتعاظ بها. (٣) المراد بالقرى أهلها
ومن كان فيها. ونقص: نتلو ونفصّل. والأنباء: جمع نبأ. وهو الخبر العظيم. وجاءتهم بالبينات: أتتهم بها وأحضرتها عيانًا. والرسل: جمع رسول. ويؤمنوا
أي: يصدقوا ويقرّوا يقينًا. والمراد بـ ((مجيئهم)) في الموضعين: مجيء الرسل بالمعجزات. والكافرون: المكذبون للتوحيد والرسل والآيات بإصرار وعناد.
ووجد: لقي وصادف. والمراد بالعهد: ما عهد الله - تعالى - إلى الناس من الإيمان والتقوى، بنصب الدلائل والحجج وإنزال الآيات. و((أخذ الميثاق)) يشير
إلى ما سيرد في الآية ١٧٢، وهو مذهب بعض المفسرين. ووجدنا أي: علمنا. والفاسقون: الخارجون عن الطاعة. (٤) بعثنا: أرسلنا للدعوة والعمل.
والآيات: المعجزات. والتسع: انظر الآية ١٠١ من سورة الإسراء. والملأ: السادة الذين يملؤون صدور المجالس بأجسادهم، والعيون بجمالهم وهيئاتهم
والقلوب بمهابتهم، ويتمالؤون بما لامزيد عليه من المكر والفساد. وظلم: وضعَ الشيء في غير موضعه. والكفر أشنع ذلك وأقبحه. وانظر أي: تأمل وتدبر.
والعاقبة: النهاية. والمفسد: الذي يسبب الفساد والشر لنفسه ولغيره. ومنه أي: من عنده بتكليف منه. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. و((فقال)) أي:
موسى لفرعون. وبتشديد الياء يريد القراءة: ((عَلَيَّ)). ومعنى ((حقيق)) على هذه القراءة: واجب ثابت. وعلى الله أي: عنه تعالى. والحق: الصدق الذي لا شك
فيه. وجئتكم: أحضرت لكم. والبينة: المعجزة المؤيدة للرسالة. وأرسلهم أي: أطلق سبيلهم ودعهم يذهبون. والشام أي: الأرض المقدسة من بلاد الشام.
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق. وبنوه أي: ذريته من سلالة أبنائه. واستعبدهم أي: عاملهم معاملة العبيد .
٧ - سورة الأعراف
١٦٤
الجزء التاسع
سُورَة الأَعْرف
الجزء الحادى
حَقِيقُ عَلَى أَنْ لَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِإِلَّا الْحَقَّ قَدْجِئْتُكُمْ
بِسَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِّ إِسْرَِّيِلَ (٤٥) قَالَ إِنَ كُنْتَ
أَجِئْتَ بِثَايَةٍ فَأَتِ بِهَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ( فَأَلْقَى
وَنَزَعَ يَدَهُ، فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ
عَصَاهُ فَإِذَاهِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (*)
لِلنَّظِرِينَ ﴿ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرُ
عَلِيمٌ (٤٦ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِ اُلْمَدَآبِنِ حَشِرِينَ ( يَأْتُوكَ
بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ (١) وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْإِنَّ
لَنَا لَأَجْرًّا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ ﴾ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ
لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿ قَالُواْيَمُوسَىّ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن
تَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (9) قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ
﴿أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُ وبِسِحْرٍ عَظِيمٍ
الْخِزْبِ
﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا
يَأَفَكُونَ (١٦) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(٨) فَغُلِبُواْ
هُنَالِكَ وَأَنْقَبُواْ صَغِرِينَ () وَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ (*
بِبَيِّنَةٍ مِن رَبَّكُم. فأرسِلْ مَعِي﴾ إلى الشام ﴿بَنِي إِسرائيلَ﴾ ١٠٥. وكان استعبدهم.
١ - ﴿قالَ﴾ فرعون له: ﴿إِن كُنتَ جِئتَ بِآيَةٍ﴾ على دعواك ﴿فائْتِ بِها، إن كُنتَ مِنَ
الصّادِقِينَ﴾ ١٠٦ فيها. ﴿فألقَى عَصاهُ، فإذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ١٠٧ : حيّة عظيمة،
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾: أخرجها من جيبه، ﴿فإذا هِيَ بَيضاءُ﴾ ذات شُعاع ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ ١٠٨،
خلافُ ما كانت عليه من الأُدمة .
٢- ﴿قَالَ المَلَّأُ مِن قَوم فِرْعَونَ: إنَّ لهذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ١٠٩: فائق في عِلم السِّحر -
وفي ((الشعراء)) أنه من قول فرعون نفسه، فكأنّهم قالوه معه على سبيل التشاور -
﴿يُرِيدُ أن يُخرِجَكُم مِن أرضِكُم. فماذا تأمُرُونَ ١١٠؟ قالُوا: أرجِثُهُ وأخاهُ﴾: أخِّرْ
أمرهما، ﴿وأرسِلْ فِي المَدائنِ حاشِرِينَ﴾ ١١١ : جامعين، ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحٍِ﴾ -
وفي قراءة ((سَحّارٍ)) - ﴿عَلِيمِ﴾ ١١٢ يفضُلُ موسى في عِلم السِّحر.
٣- فجمعوا، ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرِعَونَ، قالُوا: أإنَّ﴾ - بتحقيقِ الهمزتين، وتسهيلِ
الثانية، وإدخالِ ألف بينهما على الوجهين - ﴿لَنا لَأَجرًا، إن كُنّا نَحنُ الغالِينَ ١١٣؟
قالَ: نَعَمْ، وإنَّكُمْ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ١١٤ .
٤- ﴿قالوا: يا مُوسَى، إمّا أن تُلِقِيَ﴾ عصاك، ﴿وإمّا أن نَكُونَ نَحنُ
رضيع
المُلِقِينَ﴾ ١١٥ ما معنا. ﴿قالَ: ألقُوا﴾. أمَرَ للإذن بتقديم إلقائهم توسُّلًا به
إلى إظهار الحقّ. ﴿فَلَمّا ألقَوا﴾ حِبالهم وعصيّهم ﴿سَحَرُوا أعيُنَ النّاسِ﴾:
صرفوها عن حقيقة إدراكها، ﴿واستَرهَبُوهُم﴾: خوّفوهم حيثُ خَيّلوها حيّاتٍ تسعى،
﴿وجاؤُوا بِسِحِرٍ عَظِيمٍ﴾ ١١٦ .
٥- ﴿وَأَوحَينا إلَى مُوسَى: أن أَلقِ عَصاكَ. فإذا هِيَ تَلقَّفُ﴾، بحذف إحدى التآءين من الأصل: تبتلعُ ﴿ما يأْفِكُونَ﴾ ١١٧ : يقلبون بتمويههم،
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾: ثَبَتَ وظهر، ﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعمَلُونَ﴾ ١١٨ من السِّحر، ﴿فَغُلِبُوا﴾ أي: فرعونُ وقومه ﴿هُنالِكَ، وانقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ١١٩ :
صاروا ذليلين، ﴿وأُلِقِيَ السَّحَرةُ ساجِدِينَ ١٢٠، قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ ١٢١، رَبِّ مُوسَى وهارُونَ﴾ ١٢٢. لعِلمهم بأنّ ما شاهدوه من العصا
لا يتأتَّى بالسِّحر.
(١) جئت بآية أي: حملت وأحضرت دليلًا وبرهانًا. وائت بها أي: أظهرها لتصح دعواك ويثبت صدقك. والصادق: من يقول الحق لاشك فيه. وألقاها:
رماها من يده إلى الأرض. والعصا: ما يتخذ من الخشب وغيره للتوكؤ أو الضرب. و((حية عظيمة)) تفسير للثعبان. والمبين: الظاهر للعِيان لايُشك في أنه
ثعبان. ونزعها أي: بعد ما جعلها تحت إبطه الأيسر. ويده أي: كفه اليمنى. والجيب: طوق القميص. وهو ما يدخل منه الرأس عند لبسه. وبيضاء أي: ذات
لون أبيض. والناظر: المبصر بعينه. والأدمة: السُّمرة. وكان موسى شديد السُّمرة.
(٢) قوم فرعون هم الأقباط العرب الذين يعبدونه ويعينونه على بني إسرائيل. والساحر: من يخدع أبصار الناس وعقولهم، بالتخيل والتمويه لما هو غير
حقيقي. والشعراء: يعني الآية ٣٤ من سورة الشعراء. و((أنه)) يعني القول ((إن هذا لساحر عليم)). ويريد: يقصد ويطلب. ويخرجكم: يبعدكم لتكون له السيادة
ولقومه. وأرضكم أي: أرض مصر. أي: يريد أن يجعل لبني إسرائيل سلطانًا، يا أيها الأقباط. وتأمرون أي: تشيرون علينا في شأنه. وفي هذا تلطف
لاستمالة القلوب أكثر. وفي ث وقرة العينين والمنحة: ((أرجِه)). وأخّر أمرهما أي: أجّل الحكم في شأنهما. وأرسل: ابعث. والمدائن: مُدن المملكة جمع
مدينة. وجامعين أي: الذين يجمعون السحرة والناس. ويأتوك به أي: يحضروه إلى مجلسك. والعليم: الخبير بخفايا الأمور ودقائقها .
(٣) جمعوا أي: جمع الحاشرون السحرةَ. وجاؤوه أي: حضروا مجلسه. والسحرة: جمع ساحر. و((بتحقيق ... على الوجهين)) يريد ثلاث قراءات، بالإضافة
إلى ما أثبتنا: ((أإِنّ)) و((آإنّ)) و((آإِنّ)). والأجر: المكافأة بالمال والجاه والسلطان. وكنا أي: صرنا. والغالبين أي: المتغلبين على موسى في السحر وإبطال ما
يأتي به. ومن المقربين يعني: ولكم المنزلة الرفيعة عندي، زيادة على الأجر.
(٤) تلقيها: ترميها إلى الأرض لتصنع ما تريد. وألقُوا أي: ارموا ما معكم. وإظهار الحق أي: القصد بتقديم إلقائهم هو إلى تغلب الحق على الباطل.
والحبال: جمع حبل. والعصي: جمع عصا. والأعين: جمع عين. وهي عضو الإبصار. والناس أي: البشر في ذلك المكان، وهو موضع احتفال بعيد لهم.
و((عن حقيقة إدراكها)) يعني: عن إدراك حقيقتها. وجاؤوا به: فعلوه. والسحر: تخييل في الأشياء لِعين الرائي وإدراكه، مع أن الأشياء المرئية هي على حقيقتها
لم تتغير. والعظيم: الكبير الضخم في فنه وأثره.
(٥) أوحينا أي: أنزلنا الأمر على لسان جبريل. والحق: الأمر الذي لا شك فيه. وبطل: ظهر فساده. ويعمل أي: يصطنع ويموّه بخبرة ومهارة. وغلبوا:
خسروا وقهروا. وهنالك: في مكان اجتماعهم. وألقي السحرة: خروا على وجوههم مذعنين لِما بهرهم، من صدق موسى وبطلان سحرهم. والسحرة: جمع
ساحر. والساجد: من يحني ظهره ويضع جبهته على الأرض خضوعًا وتعظيمًا. وآمنا: صدّقنا واعتقدنا يقينًا. والرب: المالك والمعبود. والعالَم: مجموع
الجنس من الخلق. فالعالمون كل الخلائق. وهارون: أخو موسى، وكان رسولًا معه. ولا يتأتى بالسحر أي: لا يتيسر ولا يمكن حدوثه بالسحر، وهو معجزة
من عند الله، تعالى.
الجزء التاسع
١٦٥
٧ - سورة الأعراف
١- ﴿قَالَ فِرْعَونُ: أَآمَنتُمْ﴾ - بتحقيقِ الهمزتين، وإبدالِ الثانية ألفًا - ﴿بِهِ﴾: بمُوسى،
﴿قَبلَ أن آذَنَ﴾ أنا ﴿لَكُم؟ إنَّ هذا﴾ الذي صنعتموه ﴿لَمَكرٌ، مَكَرَ تُمُوهُ في المَدِينِةِ،
لِتُخرِجُوا مِنها أهلَها. فَسَوفَ تَعلَمُونَ﴾ ١٢٣ ما ينالكم منّي. ﴿لَأُقَطْعَنَّ أَيْدِيَكُم
وأرجُلَكُم، مِن خِلافٍ﴾ أي: يدَ كُلّ واحد اليُمنى ورِجَلَه اليُسرى، ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُم
أجمَعِينَ﴾ ١٢٤ .
٢- ﴿قَالُوا: إنّا إلَى رَبِّنا﴾ بعد موتنا، بأيّ وجه كان، ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾ ١٢٥ : راجعون في
الآخِرة، ﴿وما تَنِقِمُ﴾: تُنكر ﴿مِنّا إلّا أن آمَنّا بِآيَاتِ رَبِّنا، لَمّا جاءَتنا. رَبَّنَا، أفرغْ عَلَينا
صَبْرًا﴾ عِند فِعل ما توعَّدَه بنا، لئلّا نرجع كُفّارًا، ﴿وَتَوَفَّنَا مُسلِمِينَ﴾ ١٢٦ .
٣- ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوم فِرِعَونَ﴾ له: ﴿أَتَذَرُ﴾: تتركُ ﴿مُوسَى وَقَومَهُ، لِيُفسِدُوا في
الأرضِ﴾ بالدُّعاء إلى مُخَالفتك، ﴿وَيَذَرَكَ وآلِهِتَكَ﴾؟ وكان صنع لهم أصنامًا صِغارًا
يعبدونها، وقال: أنا ربّكم وربّها. ولذا قال «أنا رَبُّكُمُ الأعَلى)). ﴿قَالَ: سَنُقَتَّلُ﴾ -
بالتشديد والتخفيف - ﴿أبناءَهُم﴾ المولودين، ﴿ونَستَحْيِي﴾: نستبقي ﴿نِساءَهُم﴾
كفِعلنا بهم من قبلُ. ﴿وَإِنّا فَوقَهُم قاهِرُونَ﴾ ١٢٧ : قادرون. ففعلوا بهم ذلك، فشكا
بنو إسرائيل.
٤- ﴿قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ: استَعِينُوا بِاللهِ واصبِرُوا﴾ على أذاهم. ﴿إِنَّ الأرضَ للهِ
يُورِثُها﴾: يُعطيها ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والعاقِبةُ﴾ المحمودة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١٢٨ اللهَ.
﴿قَالُوا: أُوذِينا مِن قَبَلِ أن تأتِيَنا، ومِن بَعدِ ما جِئْتَنا. قالَ: عَسَى رَبُّكُم أن يُهلِكَ
عَدُوَّكُم، ويَستَخِلِفَكُمْ فَي الأرضِ، فَيَنظُرَ: كَيفَ تَعمَلُونَ﴾ ١٢٩ فيها؟
سُورَة الأعاف
الجزء العَرَاة
قَالُواْءَامَنَّا بِرَتِ الْعَلَمِينَ (٩ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ (٦] قَالَ
فِرْعَوْنُ ءَامَنْتُم بِهِ، قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْإِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ
فِي الْمَدِينَةِ لِنُخْرِجُواْمِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿ لَأَقَطِّعَنَّ
أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَفٍ ثُمَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٦)
قَالُواْ إِنَّ إِلَى رَبِنَا مُنْقَلِبُونَ (٤٥) وَمَا نَنِقِمُ مِنَّا إِلََّ أَنْءَامَنَا
◌ِشَايَتِ رَيْنَا لَمَّاجَاءَ تْثَرَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفََّا مُسْلِمِينَ
﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ
فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَنَّكَ قَالَ سَنُقَفِلُ أَنَ هُمْ وَنَسْتَحِى.
نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَِهِرُونَ [٦] قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ
اسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُ وَأَ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن
يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٦) قَالُواْ أُوْذِينَا
مِن قَبْلٍ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنُ بَعْدِ مَا جِئْتَنَأَ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ
أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ اْلْأَرْضِ
فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَخَذْنَآءَالَ فِرْعَوْنَ
◌ِاَلْسِنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
٥- ﴿وَلَقَد أخَذْنا آلَ فِرِعَونَ بِالسِّنِينَ﴾: بالقحط، ﴿ونَقصِ مِنَ الثَّمَراتِ، لَعَلَّهُم يَذْكَّرُونَ﴾ ١٣٠ يتعظون فيُؤمنون، ﴿فإذا جاءَتُهُمُ الحَسَنَةُ﴾:
(١) قال أي: للسحرة. وآمنتم به أي: صدقتموه واعتقدتم ما يدعو إليه. وقول السيوطي ((بتحقيق ... ألفًا)) يريد قراءتين: الأولى هي ما أثبتنا، والثانية:
((آمَنتُم)). مع تقدير المدة بألفين لأنها مبدلة من همزتين: الهمزة المزيدة على الفعل، والهمزة التي هي فاء الفعل أصلًا. فليس المراد قراءة واحدة، أو أن الثانية
للخبر بهمزة بعدها ألف، خلافًا لما جاء في الفتوحات ١٧٧:٢ و١٠١:٣ و٢٧٨ والصاوي ٩١:٢ وقرة العينين ص ٢١١. انظر ((المفصل)). وهمزة الاستفهام
معناها الإنكار التوبيخي وتقريع السحرة على استسلامهم للحق. وآذن لكم أي: أسمح لكم وآمُركم. والمكر: الحيلة والخداع. ومكرتموه أي: احتلتموه أنتم
وموسى وتواطأتم عليه. والمدينة هنا هي مصر، أي: لتخرجوا الأقباط ويستبد بها بنو إسرائيل. فهو يموه على الناس لئلا يتبعوا موسى والسحرة. وأهلها أي:
أصحابها الأصليون، وهم العرب الأقباط. وسوف تعلمون: تهديد ووعيد، أي: سوف ترون. وأقطعها: أفصلها عن الجسد. والأيدي: جمع يد. واليد: من
المنكب إلى أطراف الأصابع. والأرجل جمع رجل. وهي من أصل الفخذ إلى أطراف أصابع القدم. ومن خلاف أي: مختلفة. وأصلبنكم: أجعلنكم مصلوبين
في جذوع النخل. والصَّلب هو شدّ صُلب الإنسان، أي: ظهره، إلى الخشب أو غيره بحبال ومسامير. وأجمعين أي: كلكم مجتمعين لايتخلف منكم أحد.
(٢) إلى ربنا أي: إلى لقاء موعده بالحشر والحساب. ومنّا أي: من أحوالنا. وآمنا بها: صدّقناها تصديق يقين. والآيات: المعجزات الدالة على صدق
موسى. وجاءتنا: أتتنا ورأيناها عيانًا. وأفرغ علينا صبرًا: ارزقنا إياه واسعًا يفيض علينا. والصبر: التحمل والتجلد. وما توعّده بنا يعني: ما تَوعّدَنا به. ففي
العبارة قلب للتركيب. وفي قرة العينين والمنحة والمطبوعات: ((ما توعدنا به)). ومسلمين أي: أمِتْنا ثابتين على الاستسلام لك.
(٣) انظر الآية ١٠٩. وقوم موسى: مَن آمن به من بني إسرائيل. ويفسدوا أي: يشيعوا الفساد والشر. والأرض أي: مصر. ويذرك أي: يتركَ موسى وقومه
عبادتك ويعبدوا غيرك. وأسند هذا الترك إلى موسى، مع أنه لم يكن يعبد فرعون قبل، لأنه هو سببه. والآلهة: جمع إله. والمراد بالأصنام ماجعله على شكل
الكواكب والبقر، ليعبدها الناس. و((لذا قال)) انظر الآية ٢٤ من سورة النازعات. ونقتلهم: نزهق أرواحهم. وبالتخفيف يريد القراءة: ((سَنَقْتُلُ)). والأبناء: جمع
ابن. وهو الولد الذكر والحفيد. والنساء: واحدته امرأة. وهي الأنثى صغيرة كانت أو كبيرة. و((كفعلنا)): انظر الآية ٤٩ من سورة البقرة. وفوقهم أي:
مستعلون عليهم مسيطرون. وشكا أي: إلى موسى.
(٤) استعينوا: اطلبوا العون والنصرة. واصبروا أي: تجلدوا وتحملوا. ويشاء أي: يريد إعطاءه إياها وتمليكه. والعباد: جمع عبد. والعاقبة: نهاية الأمر.
والمتقون: الذين يخافون ويطيعون الأمر والنهي. وأوذينا: ابتلينا بالذبح والتعذيب والاستخدام. وتأتينا أي: تجيء إلينا بالرسالة. وعدوكم: معاديكم.
ويستخلفكم: يجعلكم خلفاءهم فيملككم بلادهم وأموالهم. وينظر: يرى رؤية تحقق وحدوث. والمراد هنا بالنظر إظهار أعمالهم، لأن الله يحاسب الناس
عليها، لا على ما يعلم منهم فحسب. وتعملون أي: تكتسبون من نية وقول وفعل.
(٥) أخذنا: ابتلينا وعذبنا. وآل فرعون: قومه وأنصاره. والسنون: جمع سنة. وهي الجدبُ واحتباس المطر. والنقص: التقليل بالآفات والكوارث. والثمرة:
ما ينعقد عن الزهر للغذاء. ولعلّ: للترجي والتعليل أي: ليُترجَّى لهم تذكر قدرة الله ونعمه. وجاءتهم: كانت في بلادهم. والحسنة: ما يستحسن من النعم
والخير. وتصبهم: تنزل بهم. والسيئة: ما يسوء ويؤذي. وشؤمهم أي: ما تشاءموا به ولحقهم من السوء. وعند الله أي: إرادتُه وحكمته وأعمالهم المكتوبة
عنده هي سبب شؤمهم وابتلائهم، لا وجود المؤمنين بينهم. ويعلم: يدرك ويعرف. ونفي العلم يعني إثبات الجهل مؤكدًا .
٧ - سورة الأعراف
١٦٦
الجزء التاسع
الجزء التَّاةُ
سُورَةِ الأَعْراف
فَإِذَا جَآءَ تُهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَاهَذِّهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
يَطَّبَُّ واْبِمُوسَى وَمَنْ مَعَةٌ أَلَا إِنَّمَا طَِّرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ
وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ ءَايَةٍ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَّـ
(٣٠) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ
لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
اُلْتُلُوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَاُلَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ
فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ [٣] وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ
الرِّجْزُ قَالُواْيَمُوسَى آدْعُ لَنَارَبَّكَ بِمَاعَهِدَ عِندَكَ لَبِن
كَشَفْتَ عَنَا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّلَكَ وَلَغُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيّ
! فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ
إِسْرَءِيلَ ®
أَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ
هُمْ بَلِغُوهُ إِذَاهُمْ يَنْكُثُونَ
فِ آلْيَمِ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَا يَدِنَا وَكَانُواْعَنْهَا غَفِلِينَ (
وَأَوْرَثْنَا اٌلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ
اُلْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَّكْنَافِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ
اٌلْحُسْنَى عَ بَنِي إِسْرَةِ يلَ بِمَا صَبِرُواْ وَدَمَرْنَا مَا كَانَ
يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ
الخِصب والغِنى ﴿قالُوا: لَنا هذِهِ﴾ أي: نستحقّها - ولم يشكروا عليها - ﴿وإن تُصِبْهُم
سَيِّئَةٌ﴾: جدب وبلاء ﴿يَطَّيَّرُوا﴾: يتشاءموا ﴿بِمُوسَى ومَن مَعَهُ﴾ من المُؤمنين. ﴿ألا
إنَّما طائرُهُم﴾: شُؤمهم ﴿عِندَ اللهِ﴾، يأتيهم به، ﴿ولَكِنَّ أكثَرَهُم لا يَعلَمُونَ﴾ ١٣١ أنَّ
ما يُصيبهم من عنده.
١- ﴿وقالُوا﴾ لمُوسى: ﴿مَهما تأتِنا بِهِ مِن آيةٍ، لِتَسحَرَنا بِها، فما نَحنُ لَكَ
بِمُؤمِنِينَ﴾ ١٣٢. فدعا عليهم، ﴿فأرسَلْنا عَلَيهِم الطُّوفانَ﴾، وهو ماء دخل بيوتهم
ووصل إلى حُلوق الجالسين سبعةَ أيّام، ﴿والجَرَادَ﴾ فأكل زرعهم وثمارهم كذلك،
﴿وَالقُمَّلَ﴾: السُّوسُ أو نوعٌ من القُراد فتتبّع ما تركه الجراد، ﴿والضَّفادِعَ﴾ فملأَت
بُيوتهم وطعامهم، ﴿والدَّمَ﴾ في مِياههم، ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾: مُبَّنَات، ﴿فاستَكْبَرُوا﴾
عن الإيمان بها، ﴿وكانُوا قَومًا مُجرِمِينَ﴾ ١٣٣ .
٢- ﴿وَلَمَا وَقَعَ عَلَيهِم الرِّجزُ﴾: العذاب ﴿قَالُوا: يَا مُوسَى، ادعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ
عِندَكَ﴾، من كشف العذاب عنّا إن آمنا، ﴿لَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿كَشَفْتَ عَنّا الرِّجزَ
لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ، ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسرائيلَ ١٣٤. فَلَمّا كَشَفْنا﴾ بدعاء مُوسى ﴿عَنْهُمُ
الرِّجَزَ، إِلَى أَجَلٍ هُم بالِفُوهُ، إذا هُم يَنكُثُونَ﴾ ١٣٥ : ينقضون عهدهم، ويُصرّون على
گُفرهم.
٣- ﴿فَانتَقَمْنا مِنْهُم، فأغرَقْنَاهُم في اليَمِّ﴾: البحر المِلح، ﴿بِأَنَّهُم﴾: بسبب أنهم ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا، وكانُوا عَنها غافِلِينَ﴾ ١٣٦: لا يتدبّرونها،
﴿وَأَورَثْنَا القَومَ الَّذِينَ كانُوا يُستَضعَفُونَ﴾ بالاستعباد - وهم بنو إسرائيل - ﴿مَشارِقَ الأرضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنَا فِيها﴾ بالماء والشجر - صفة
للأرض وهي الشام - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسنَى﴾، وهي قوله ((ونُرِيدُ أن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضعِفُوا)) إلى آخره، ﴿عَلَى بَنِي إسرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾
على أذى عدوّهم، ﴿وَدَمَّرْنا﴾: أهلكنا ﴿ما كانَ يَصنَعُ فِرِعَونُ وقَومُهُ﴾ من العَمارة، ﴿وما كانُوا يَعرِشُونَ﴾ ١٣٧، بكسر الراء وضمّها: يرفعون من
البنيان.
(١) تأتينا به: تحضره وترينا إياه عيانًا. والآية: المعجزة على زعمك. وفي ذلك سخرية واستهزاء به. ولذلك عللوا الإتيان بقولهم: لتسحرنا، أي: تخدع
أبصارنا وعقولنا بما هو غير حقيقي. فهم يزعمون أن المعجزات ضرب من السحر والإيهام. ومؤمنون: مصدقون ومتبعون. وأرسلناه: أطلقناه وبعثناه.
والطوفان: الماء الكثير الغامر. وسبعة أيام أي: استمر في تلك المدة وتتابع. والجراد: واحدته جرادة للذكر والأنثى. وكذلك القمل واحدته قمّلة. وهو من
الحشرات يأكل السنابل غضة. والسوس: نوع من الحشرات يأكل مايعيش فيه. والقراد: دُوَيْبَة ذات أرجل كثيرة تتعلق بالحيوان. و((فتتبع ما تركه الجراد)) تفسير
للسوس لا للقراد. والضفادع: جمع ضِفدع للذكر والأنثى، حيوان برمائيّ له نقيق مشهور. والدم: السائل الأحمر الذي يسري في عروق الحيوان. قيل: إن
الله سلط عليهم الرُّعاف الشديد، فكان الدم يختلط بما يتناولون من مياه وغيرها. وكان الابتلاء بهذا كله على مراحل، كما سيلي في الآيتين ١٣٤ و١٣٥ .
والآيات: الأدلة والبراهين. ومبينات أي: لا يغيب عن العاقل أنها عذاب بسبب الكفر. وفي الأصل: ((آياتٌ مفصلاتٌ بينات)). واستكبروا: امتنعوا تكبرًا
وتجبرًا مع علمهم بالحقيقة. والمجرمون: الذين يقترفون الجرائم بالكفر والعصيان اختيارًا وقصدًا .
(٢) وقع عليهم: نزل بهم وذاقوا شدته. وكان وقوع الأصناف الخمسة على مراحل، كل منها يكون في مدة وينكشف بدعاء موسى. وادعه أي: ناده باسمه
مستغيئًا لكشف العذاب عنا. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. وعهد عندك أي: أعلمك إياه ووعدك به. و((لام قسم)): انظر الآية ٩٠.
والتقدير: نقسمُ - لئن كشفت عنا الرجز نؤمن لك - لنؤمنن لك. وكشفت: رفعت وأزلت. ونؤمن: نصدق ونتبع. ونرسلهم: نبعثهم إلى البلد الذي تريد.
والأجل: الوقت المعيّن لنهاية الشيء. وبالغوه أي: مدركوه وواصلون إلى نهايته ليكون الانتقام.
(٣) انتقمنا أي: أردنا الانتقام - وهو العقوبة ممن كفر - وقضينا به. عُبِّرَ عن الإرادة بالفعل ليزداد توكيد ما عطف عليه بعد. وأغرقناهم: أمتناهم خنقًا
بالماء. والملح: المالح. وهذا يعني أن الغرق كان في بحر لا في نهر، خلافًا لما يزعمه المكابرون. انظر البحر ٣٧٧:٤. ث: ((البحر المالح)). وكذبوا بها:
أنكروها وجحدوا صدقها مع أنهم علموا وجوب الإيمان. والآية: المعجزة والدليل على صدق موسى. وغافلين عنها: تاركين الاستجابة لها. وأورثناهم:
مّكناهم خلَفًا لمن ذهب قبلهم من العماليق العرب. ويُستضعفون: يُجعلون ضعفاء أذلاء. والمشارق: جمع مَشرِق. وهو موضع شروق الشمس. والمغارب:
جمع مَغرِب. وهو موضع غروبها. والمراد جميع جهات تلك الأرض وما بينها. وباركنا فيها: جعلنا الخير فيها كثيرًا جدًا. وصفة للأرض: يعني أن ((التي)):
في محل جر صفة لـ ((الأرض)). وتمت: تحققت وثَبَّتَت كاملة. وكلمة ربك أي: وعده بالنجاة والنصر، والاستخلاف والتمليك والسيادة. والحسنى: تأنيث
الأحسن، يراد بها الوعد بالمحبوب يفضل كل شيء حسن. و((قوله)) يعني ما في الآيتين ٥ و٦ من سورة القصص. وبنو إسرائيل: سلالة الأسباط أبناء يعقوب.
وصبر: تجلد وتحمل. ويصنع أي: يبنيه بدقة ومهارة. وبضمها يريد القراءة ((يَعرُشُونَ)). والبنيان أي: كصرح هامان والقصور والمعابد للأصنام والملوك.
الجزء التاسع
١٦٧
٧ - سورة الأعراف
١- ﴿وجاوَزْنا﴾: عبرنا ﴿بِبَنِي إسرائيلَ البَحرَ، فأتَوا﴾: فمرّوا ﴿عَلَى قَومِ يَعكُفُونَ﴾ -
بضمّ الكاف وكسرها - ﴿عَلَى أصنام لَهُم﴾: يُقيمون على عبادتها. ﴿قالُوا: يا مُوسَى،
اجعَلْ لَنَا إِلّهًا﴾: صنمًا نعبده، ﴿كَمَا لَهُم آلهةٌ. قالَ: إِنَّكُم قَومٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١٣٨، حيثُ
قابلتم نعمة الله عليكم بما قلتموه. ﴿إِنَّ هُؤُلاءِ مُتَبَّرٌ﴾: هالك ﴿ما هُم فِيهِ، وباطِلٌ ما
كانُوا يَعْمَلُونَ ١٣٩. قالَ: أَغَيرَ اللهِ أبغِيكُمْ إِلَّهَا﴾: معبودًا - وأصله: أبغي لكم -
﴿وَهْوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالَمِينَ﴾ ١٤٠ في زمانكم؟ بما ذكره في قوله:
٢- ﴿و﴾ اذكروا ﴿إِذْ أَنجَيناكُم﴾ - وفي قراءة ((أنجاكُم)) - ﴿مِن آلٍ فِرِعَونَ،
يَسُومُونَكُم﴾: يُكلّفونكم ويُذيقونكم ﴿سُوءَ العَذابِ﴾: أشَدَّه، وهو ﴿يُقَتِّلُونَ
أبناءَكُم ويَستَحِبُونَ﴾: يستبقون ﴿نِساءَكُم. وفي ذُلِكُمْ﴾ الإِنجاءِ أو العذابِ
﴿بَلَاءٌ﴾: إنعام أو ابتلاء، ﴿مِن رَبَّكُمْ عَظِيمٌ﴾ ١٤١. أفلا تتّعظون فتنتهون عمّا
قلتم؟
نقف
الخِرَبُ
٣- ﴿وواعَدْنا﴾ - بألِفٍ ودونِها - ﴿مُوسَى ثَلاثِينَ لَيلةً﴾ نُكلّمه عِند انتهائها، بأن
يصومها - وهي ذو القَعدة - فصامها، فلمّا تمّت أنكرَ خُلوفَ فمه فاستاك، فأمره الله
بعشرة أُخرى ليُكلّمه بخُلوف فِيه، كما قال تعالى: ﴿وأتمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحِجّة،
﴿فَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ﴾: وقتُ وعده بكلامه إيّاه، ﴿أَربَعِينَ﴾: حالٌ ﴿لَيلَةً﴾: تمييز، ﴿وقالَ
مُوسىَ لِأَخِيهِ هارُونَ﴾، عِند ذهابه إلى الجبل للمُناجاة: ﴿اخلُفْنِ﴾: كنْ خليفتي(في
قَومِي وأصلِحْ﴾ أمرهم، ﴿ولا تَتَبَعْ سَبِيلَ المُفسِدِينَ﴾ ١٤٢ بمُوافقتهم على المعاصي.
سُورَة الآغاف
وَجَوَزْنَابِبَنِيّ إِسْرَّءِ يلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَأْ عَلَى قَوْمٍ يَعَكُفُونَ عَلَ
أَصْنَاءٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَمُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْءَ الِهَةُ
قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٦) إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبَّرُمَاهُمْ فِيهِ وَتَطِلٌ
مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهَا
وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿ وَإِذْ أَ نَجَيْنَكُمْ
مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ
أَبْنَآءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمْ وَ فِي ذَلِكُمْ بَاءٌ مِّن
◌َرَّبِكُمْ عَظِيمٌ ﴿﴿ وَوَعَدْنَا مُوسَى تَثِينَ لَيْلَةُ
وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَيِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ وَقَالَ
مُوسَى لِأَخِيهِ هَرُونَ أَخْلُفْتِ فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ
سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿ وَلَمَّاجَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ.
رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِبِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَطِنِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ
إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أُسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَبِىّ فَلَمَّا تَجَلَّى
رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً فَلَمَّا أَفَاقَ
قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ()
٤- ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسَى لِمِيقاتِنا﴾ أي: للوقت الذي وعدناه بالكلام فيه، ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ بلا واسطة كلامًا، يسمعه من كُلّ جِهة، ﴿قالَ: رَبِّ،
أرِنِيَ﴾ نفسَك، ﴿أنظُرْ إلَيكَ. قالَ: لَن تَرانِي﴾ أي: لا تقدِر على رُؤيتي - والتعبير به دون (لن أُرَى)) يُفيد إمكان رُؤيته تعالى - ﴿ولكِنِ انظُرْ إلَى
الجَبَلِ﴾ الذي هو أقوى منك. ﴿فإنِ استَقَرَّ﴾: ثَبَتَ ﴿مَكَانَهُ فسَوفَ تَرانِي﴾ أي: تَتْبُتُ لرؤيتي، وإلّا فلا طاقة لك. ﴿فَلَمّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾ أي: ظهر
من نُورِه قدرُ نِصفِ أُنمُلِ الخِنصِر .. كما في حديث صحّحه الحاكم ﴿لِلجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا﴾، بالقصر والمدّ، أي: مدكوكًا مستويًا بالأرض، ﴿وخَرَّ
مُوسَى صَعِقًا﴾: مَغشِيًّا عليه لهول ما رأى، ﴿فَلَمّا أفاقَ قالَ: سُبحانَكَ﴾: تنزيهًا لك! ﴿تُبتُ إلَيكَ﴾ من سُؤال ما لم أُومَرْ به، ﴿وأنا أوَّلُ
المُؤمِنِينَ﴾ ١٤٣ في زماني.
(١) جاوزنا: جزنا بفلق البحر، أي: ارتفاع بعض أراضيه وانخساف مائه ليتيسر العبور. والبحر هو المعروف باسم الأحمر. والقوم هم الكنعانيون العرب أُمر
موسى بقتالهم. وبكسرها يريد القراءة ((يَعكِفُونَ)). والأصنام: جمع صنم. وهو تمثال للبقر من الحجارة وغيرها. وقالوا أي: بعض بني إسرائيل. واجعل لنا
إلهًا أي: عيّن لنا صنمًا. والآلهة: جمع إله. وتجهلون أي: لا تعلمون حقيقة التوحيد والنعم. وماهم فيه أي: من الشرك. والباطل: الفاسد المضمحل.
وأبغي: أطلب. وفضلكم: شرّفكم وأكرمكم بالنعم. والعالَمون: الخلق. وفي زمانكم أي: في الوقت الذي تعيشون فيه.
(٢) أنجيناكم أي: أنقذناكم بأمر الله وفضله. والخطاب تتمة لقول موسى من قبل. وأنجاكم أي: أنقذكم الله. فالخطاب منه لبني إسرائيل. وآل فرعون: جنوده
وقومه من العرب الأقباط. ويقتلون: يزهقون الروح. والأبناء: جمع ابن. وهو الولد والحفيد. ويستبقونها أي: للخدمة والاستعباد. والبلاء: الاختبار لتمييز
المطيع من العاصي. ومن ربكم أي: من عنده وبقضائه. والعظيم: الكبير الضخم يدركه كل ذي عقل. وفي ط والمنحة والمطبوعات: فتنتهوا عما تقولون.
(٣) واعدناه: وضعنا له أجلًا للقائه. ودونها أي: بدون ألف. يريد القراءة (ووَعَدْنا)). والمراد هنا بالليلة هو اليوم الكامل. وذو القعدة هو الشهر الحادي عشر
من السنة القمرية. وصامها أي: الثلاثين يومًا. واستاك: نظف أسنانه بالسواك. وخلوف فيه: تغيير رائحة فمه من أثر الصيام. وانظر ((المفصل)). وأتممناها:
أكملنا المواعدة. وتم: اكتمل. وحال: يعني أن ((أربعين)) حال من: ميقات. وأصلح أمرهم أي: احفظ صلاحه وامنعهم من الضلال. ولا تتبع أي: اثبتْ
على التجنب. والسبيل: الطريق والمذهب. والمفسدون: الذين يشيعون الفساد باختيار وقصد. والموافقة هنا مراد بها السماح وعدم الإنكار.
(٤) وجاء: حضر. وكلمه ربه أي: أزال الحجاب الذي يمنعه من سماع كلامه، فصار يدركه ويفهمه. ورب: أي: ياربي. وأرني أنظر إليك أي: مكِّنِّي من
رؤيتك. إن فعلتَ ذلك أوجّة نظري فأرك. ولن تراني أي: لا قدرة لك على رؤيتي في الدنيا. وانظرْ أي: وجّه بصرك. والجبل: ما ارتفع وغلظ من الأرض.
وهو جبل زَبِير أو الطور قرب مَدْيَن. وتثبت: تستقر. والأنملة: المفصل الأعلى من الإصبع فيه الظفر. والخنصر: الإصبع الصغرى. والحديث في المستدرك
٢: ٣٢٠. وجعله: صيّره. و((بالقصر)) خطأ، لأن الألف في ((دكًا)) إنما تكون بدلًا من التنوين في الوقف. وبالمد يريد القراءة ((دَكّاءَ)) أي: أرضًا مستوية
منبسطة. والدك: الدق والتفتيت. وخر: سقط بضجة. وما رأى أي: وما سمع وأدرك. وأفاق: صحا مما كان فيه، ورجع إليه الحس والإدراك والفهم.
وتبتُ: ندمت على ما طلبت ورجعت عنه. ولم أومر به أي: لم يؤذن لي به وليس من حقي. وفي قرة العينين: ((لم أؤمر به)). وفي المنحة ((لم اؤمر به)).
وكلاهما خطأ ظاهر. والمؤمن: المصدق المُقِرّ بعظمتك ووحدانيتك وأن شيئًا لا يقوم لبطشك.
٧ - سورة الأعراف
١٦٨
الجزء التاسع
سُورَة الأَعْرِفُ
قَالَ يَمُوسَى إِنِّى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَمِى
،فَخُذْ مَآءَ اتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ [8] وَكَتَبْنَا
لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْضِيلًاً لِّكُلِّ
شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُ واْبِأَ حْسَنِهَا سَأُوْرِيَكُمـ
دَارَ الْفَسِقِينَ ﴿٤ سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىِ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ
فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْأُ كُلَّ ءَايَةٍ لََّيُؤْمِنُواْ
◌ِهَا وَ إِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَ إِن يَرَوْأ
سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَكِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْبِنَايَكِنَا
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْبِشَايَتِنَا وَلِقَاءِ
وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ (هـ
الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمّ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّمَاكَانُواْ
وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِمِنْ حُلِيِهِمْ
يَعْمَلُونَ
عِجْدًا جَسَدًا لَهُ، خُوَارٌ أَلَمْيَرَوْاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِهِمْ
سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ () وَّاسُقِطَ
فِى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْقَالُواْ لَيِن لَّمْ يَرْحَمْنَا
رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ (!)
١- ﴿قَالَ﴾ تعالى له: ﴿يَا مُوسَى، إنِّيَ اصطَفَيْتُكَ﴾: اختَرتك ﴿عَلَى النّاسِ﴾: أهل
زمانك ﴿بِرِسالاتِي﴾ - بالجمع والإفراد - ﴿وبِكَلامِي﴾ أي: تكليمي إيّاك. ﴿فخُذْ ما
آتَيْتُكَ﴾ من الفضل، ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ١٤٤ لأنعُمي. ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾
أي: ألواح التوراة. وكانت من سِدر الجنّة أو زَبَرْجَدٍ أو زُمرّدٍ سبعةً أو عشرة - ﴿مِن
كُلِّ شَيءٍ﴾ يُحتاج إليه في الدِّين، ﴿مَوعِظَةً وَتَفصِيلًا﴾: تبيينًا، ﴿لِكُلِّ شَيءٍ﴾: بدلٌ من
الجارّ والمجرور قبله. ﴿فخُذْها﴾ - قبْلَه «قلنا)» مقدّرًا - ﴿بِقُوّةٍ﴾: بجِدّ واجتهاد،
﴿واؤْمُرْ قَومَكَ يأخُذُوا بأحسَنِها. سأُرِيكُم دارَ الفاسِقِينَ﴾ ١٤٥ : فرعونَ وأتباعِه -
وهي مصر - لتعتبروا بهم.
٢- ﴿سأصرِفُ عَنِ آياتِيَ﴾: دلائلِ قُدرتي، من المصنوعات وغيرها، ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ
في الأرضِ بِغَيرِ الحَقِّ﴾، بأن أخذُلَهم فلا يتفكّرون فيها؟ ﴿وإن يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤمِنُوا
بِها، وإن يَرَوا سَبِيلَ﴾: طريقَ ﴿الرُّشدِ﴾: الهُدى الذي جاء من عند الله ﴿لا يَتَّخِذُوهُ
سَبِيلًا﴾: يسلكوه، ﴿وإن يَرَوا سَبِيلَ الفَيّ﴾: الضلالِ ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا - ذُلِكَ﴾
الصرف ﴿بِأَنَّهُم كَذَّبُوا بِآيَاتِنا، وكانُوا عَنها غافِلِينَ﴾ ١٤٦. تقدّمَ مِثْلُه - ﴿وَالَّذِينَ
كَذَّبُوا بِآيَاتِنا، ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾: البعث وغيره، ﴿حَبِطَتْ﴾: بَطَلت ﴿أعمالُهُم﴾: ما
عملوه في الدنيا من خير، كصِلة رَحِم وصدقة، فلا ثواب لهم لعدم شرطه، ﴿هَل﴾:
ما ﴿يُجَزَونَ إلّا﴾ جزاءَ ﴿ ما كانُوا يَعمَلُونَ﴾ ١٤٧، من التكذيب والمعاصي؟
٣- ﴿وَاتَّخَذَ قَومُ مُوسَى مِن بَعدِهِ﴾ أي: بعدِ ذهابه إلى المُناجاة، ﴿مِن حُلِيِّهِم﴾ الذي استعاروه من قوم فرعون بعّة ◌ِرس، فبقي عِندهم،
﴿عِجْلًا﴾ صاغه لهم منه السامريّ، (جَسَدًا﴾: بدلٌ لحمًا ودمًا ﴿لهُ خُوارٌ﴾ أي: صوت يسمع. انقلب كذلك بوضع التُّراب الذي أخذه من حافر
فرسِ جِبريلَ في فمه، فإن أثره الحياةُ فيما يُوضع فيه. ومفعول ((اتّخذ)) الثاني محذوف أي: إلّهًا - ﴿أَلَم يَرَوا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُم، ولا يَهدِيهِم سَبِيلًا﴾؟
فكيف يُنَّخذ إِلَّهَا؟ ﴿اَتَّخَذُوهُ﴾ إلّهًا، ﴿وكانُوا ظالِمِينَ﴾ ١٤٨ باتّخاذه - ﴿وَلَمّا سُقِطَ في أيدِيهِم﴾ أي: ندموا على عبادته، ﴿وَرَأَوا﴾: علموا
﴿أَنَّهُم قَد ضَلُّوا﴾ بها - وذلك بعد رجوع موسى - ﴿قَالُوا: لَئِنْ لَم يَرَحَمْنا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ١٤٩ .
(١) برسالاتي أي: بتبليغها مع العمل. وبالإفراد يريد القراءة ((برسالتي)). وخذه أي: تناوله وبلّغه واعمل به. وآتيتك: أعطيتك إياه. وكن أي: دُم على ذلك.
والشاكر: الذي يذكر النعم ويثني على معطيها بالقلب واللسان والعمل. والأنعم: جمع نعمة. وكتبنا فيها أي: خلقنا الكتابة فيها. وكانت الكتابة باللغة العربية
القبطية، إذ لم يكن لبني إسرائيل لغة خاصة، وهم عائدون من مصر. ولما أقاموا في الشام اصطنعوا لهم لغة من لهجات عربية لدى الكنعانيين والعماليق.
والألواح: جمع قلة للوح. وهو الصفيحة العريضة. وسدر الجنة: نوع من شجرها. انظر الآية ٢٨ من سورة الواقعة. والزبرجد والزمرد: نوعان من الحجر
الكريم. وسبعة أي: سبعة ألواح. وأكثر ما قيل في وصف الألواح هو من الإسرائيليات المختلفة وليس له نقل صحيح. والموعظة: الأمر بالطاعة والنهي عن
المعصية. ولكل شيء أي: من تكاليف الحياة. وبدل: يعني أن ((موعظة)): بدل من محل ((كل شيء)). واؤمرهم أي: افرض عليهم. ويأخذوا بأحسنها أي:
يعملوا بما هو أفضل وأنفع. وأريكم دارهم: أَشهدكم بلادهم لترثوها. والفاسق: من خرج على الطاعة.
(٢) أصرف: أمنع بختم القلوب وطمس البصائر. ويتكبرون: يحتقرون الناس ويرون لأنفسهم فضلًا عليهم. والحق: الواجب شرعًا. ويروا أي: يبصروا.
والآية: ما ورد في الوحي والأدلة الكونية والمعجزات. وسبيلًا: مذهبًا ودينًا. و((يسلكوه)) تفسير لـ ((لا يتخذوه)) أي: لا يسلكوه. ويتخذوه: يختاروه. وكذّبوا بها
أي: أنكروها. ومثله: يعني ما في آخر الآية ١٣٦. وآياتنا أي: ما عُبِّرَ عنه في الآية ١٤٦ بـ ((كل آية)). ولقاء الآخرة: حضورهم يوم القيامة للحساب والجزاء.
والأعمال: جمع عمل. وهو ما يكتسبه الإنسان من نية أو قول أو فعل. وصلة الرحم: الإحسان إلى الأقربين. ولعدم شرطه يعني: لفقد شرط الثواب على
العمل. وهذا الشرط هو الإيمان. ويجزون: يعاقبون.
(٣) اتخذ: جعل. وقوم موسى أي: بعضهم. وعلة عرس أي: حجة أن عندهم عرسًا. وعجلًا أي: صنمًا في صورة العجل، ولد البقرة. والسامري منافق من
سحرة فرعون، اسمه موسى بن ظفر وكان صائغًا. والخوار: مايشبه صوت البقر. والظاهر أن الجسد هنا هو جثة جماد، والخوار لأن العجل صيغ مجوَّفًا، فيه
ممرّات تُحدث في مهب الريح ما يشبهه. وذكر التراب وأثره ضعّفه أبو حيان، لأن الآثار وردت بأن موسى قد بَرَدَ العجل بالمَبارد وألقاه في البحر. وإقحام
فرس جبريل مردود، لأن الملائكة مخلوقات نورانية غير مجسمة، لاتحتاج إلى خيل تركبها في تبليغ الرسالة. واليهود يعادون جبريل ويكفرون بكل ما يأتي به،
فكيف يؤمنون بتراب حافر فرس وهمي له؟ انظر («المفصل)) والآية ٩٦ من سورة طه، والبحر ٢٥٤:٦. ولم يروا أي: لم يعلموا. ويهدي: يُرشد ويوجّه.
وسبيلًا أي: طريقًا من طرق الفلاح. والأيدي: جمع يد. وضلوا: خرجوا عن طريق الحق. وبها أي: بعبادة العجل. ويرحمنا: يعطف علينا بفضله. ويغفرُ
لنا: يمسح ذنوبنا ويصفح عنا. وفيما عدا الأصل والنسختين: ((ويغفر لنا، بالياء والتاء فيهما، لنكونن)) يعني أن القراءة جاءت أيضًا: ((لَم تَرَحَمْنا، رَبَّنا، وتَغْفِرْ
لَنا)». أسقطه السيوطي بعد إثباته في بعض النسخ. والخاسر: الهالك في العذاب، ضيع ما كان ينتظره من النعيم .
الجزء التاسع
١٦٩
٧ - سورة الأعراف
١- ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَومِهِ، غَضبانَ﴾ من جهتهم ﴿أسِفًا﴾: شديد الحُزن،
﴿قالَ﴾ لهم: ﴿بِئْسَ ما﴾ أي: بئس خلافةً (خَلَفْتُمُونِي﴾ ـها ﴿مِن بَعدِيَ﴾ خلافتُكم
هذه، حيث أشركتم! ﴿أَعَجِلْتُم أمْرَ رَبَّكُم؟ وألقَى الألْواحَ﴾ ألواح التوراة غضبًا لربّه
فتكسّرت، ﴿وأخَذَ بِرأسِ أخِيهِ﴾ أي: بشَعره بيمينه ولِحيته بشِماله، ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾
غضَبًا. ﴿قالَ﴾: يا ﴿بِنَ أُمّ﴾ - بكسر الميم وفتحها، أَراد: أُمّي. وذِكرُها أعطفُ لقلبه
- ﴿إِنَّ القَومَ استَضعَفُونِي، وكادُوا﴾: قاربوا ﴿يَقْتُلُونَنِي. فلا تُشمِتْ﴾: تُفْرِح ﴿بِيَ
الأعداءَ﴾ بإهانتك إيّاي، ﴿ولا تَجعَلْنِي مَعَ القَومِ الظّالِمِينَ﴾ ١٥٠ بعبادة العجل في
المُؤاخذة. ﴿قَالَ: رَبِّ اغفِرْ لِي﴾ ما صنعتُ بأخي ﴿ولأخِي﴾ - أشرَكَه في الدعاء
إرضاءً له ودفعًا للشماتة به - ﴿وأدخِلْنا في رَحْمَتِكَ، وأنتَ أرحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ١٥١.
٢- قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجلَ﴾ إلّهَا ﴿سَيَنالُهُم غَضَبٌ﴾: عذاب ﴿مِن
رَبِّهِم، وذِلَةُ في الحَياةِ الدُّنيا﴾ - فعُذّبوا بالأمر بقتل أنفسهم، وضُربتْ عليهم الذِّلّة إلى
يوم القيامة. ﴿وكَذْلِكَ﴾: كما جزيناهم ﴿نَجزِي المُفتَرِينَ﴾ ١٥٢ على الله بالإِشراك
وغيره - ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ، ثُمَّ تابُوا﴾: رجَعوا عنها ﴿مِن بَعدِها وآمَنُوا﴾ بالله،
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعدِها﴾ أي: التوبةِ ﴿لَغَفُورٌ﴾ لهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ ١٥٣ بهم.
٣- ﴿وَلَمّا سَكَتَ﴾: سكن ﴿عَن مُوسَى الغَضَبُ أَخَذَ الألْواحَ﴾ التي ألقاها، ﴿وفي
نُسْخِتِها﴾ أي: ما نُسخ فيها أي: كُتب ﴿هُدَى﴾ من الضلالة، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُم ◌ِرَبِّهِم
يَرْهَبُونَ﴾ ١٥٤: يخافون. وأُدخل اللام على المفعول لتقدّمه.
سورة الاءاف
الجزء الرّحَّة
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىّ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُونِ
مِنْ بَعْدِىٌ أَعَجِلْتُمْ أَفَرَبِكُمْ وَأَلْقَى أَلْأَ لْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ
أَخِيهِ يَجُزُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أُسْتَضْعَفُونِ وَكَادُواْ
يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِ مَعَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِ وَأَدْخِلْنَا فِى
رَحْمَتِكٌّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ ﴿ إِنَّالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ
اٌلْعِجْلَ سَيَنَالهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاً
وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ (٣٦) وَاُلَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ
أَتَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
﴿﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَاَ لْأَ لْوَاحَ وَفِى
نُسْخَتِهَا هُدَى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرَهَبُونَ (*) وَأَخْتَارَ
مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَئِنَّا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
قَالَ رَبِّ لَوْشِئْتَ أَهْلَكْنَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّنِىِّ أَنْهْلِكُنَا بِمَ فَعَلَ
السُّفَهَآءُ مِنَّا إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى
مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ
٤- ﴿واختارَ مُوسَى قَومَهُ﴾ أي: من قومه ﴿سَبعِينَ رَجُلًا﴾ ممّن لم يعبدوا العجل،
بأمره تعالى، ﴿لِمِيقاتِنا﴾ أي: للوقت الذي وعدناه بإتيانهم فيه، ليعتذروا من عِبادة أصحابهم العِجلَ، فخرج بهم، ﴿فَلَمّا أخَذَتَهُمُ الرَّجْفةُ﴾:
الزلزلة الشديدة - قال ابن عبّاس: لأنهم لم يُزايِلُوا قومهم حين عبدوا العجل. قال: وهم غير الذين سألوا الرؤية وأخذتْهم الصاعقة - ﴿قالَ﴾
مُوسى: ﴿رَبِّ، لَو شِئتَ أهلَكتَهُم مِن قَبَلُ﴾ أي: قبلِ خروجي بهم، ليُعايِنَ بنو إسرائيل ذلك ولا يتّهموني، ﴿وإيّايَ. أتُهلِكُنَا بِما فَعَلَ السُّفَهَاءُ
مِنّ﴾؟ استفهام استعطاف، أي: لا تُعذّبنا بذنب غيرنا. ﴿إِنْ﴾: ما ﴿هِيَ﴾ أي: الفِتنةُ التي وقعتْ فيها السُّفهاء ﴿إلّا فِئْتُكَ﴾: ابتلاؤك، ﴿تُضِلُّ
بِها مَن تَشاءُ﴾ إضلاله، ﴿وَتَهِدِي مَن تَشاءُ﴾ هِدايته. ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا﴾: مُتولّي أُمورنا. ﴿فاغفِرْ لَنا وارحَمْنا - وأنتَ خَيرُ الغافِرِينَ ١٥٥ - واكتُبْ﴾:
(١) رجع: عاد من اللقاء المذكور في الآية ١٤٣. والغضبان: الشديد السخط. وخلفتموني من بعدي أي: فعلتم في غيابي. وعجلتم أمره: سبقتم ما وصّاكم
به من التوحيد. و((تكسرت)) هذا من الروايات الإسرائيلية المردودة، وفي الآية ١٥٤ ما يفيد أنها لم تتكسر. فإلقاؤها هنا مراد به وضعها. وأخذ به: أمسكه
وشد عليه. ويجر: يشد بعنف. وقال أي: هارون لموسى. وابن أم أي: شقيقي من أبي وأمي. وبفتحها يريد القراءة ((ابنَ أَمَّ)). ولا تشمت أي: لا تفعل ما
يُشَمَت به. والأعداء: جمع عدو. وهو المشرك من بني إسرائيل. وتجعل: تصيّر. والظالم: الكافر المشرك. وقال أي: موسى. ورب أي: ياربي. حذف
حرف النداء مبالغة في التعظيم، لِما يشعر به من معنى الأمر. واغفر: استر وامحُ. ولأخي أي: تفريطَه في عدم منع عبادة العجل. وأدخلنا فيها أي: اشملنا
بها. والرحمة: العطف بالإحسان. (٢) اتخذ: جعل. وينالهم: يصيبهم. والغضب: السخط والانتقام. ومن ربهم أي: من عنده وبأمره. والذلة: الضعف
والهوان. ونجزي: نعذب. والمفتري: الذي يختلق الكذب. وجملة ((إن ... سينالهم)) ابتدائية في اعتراض آخره نهاية الآية ١٥٣، وليست من تتمة كلام
موسى. وعملوا: اكتسبوا باختيار. والسيئات: ما قبحه الشرع من الكبائر. وبعدها أي: بعد عمل السيئات. والغفور الرحيم: مبالغتا اسم الفاعل من الغفران
والرحمة، أي: ستر الذنوب وعدم المؤاخذة عليها، وكثرة العطف والإحسان. (٣) سكن: هدأ. والغضب: السخط الشديد. وأخذها: تناولها ليبلّغ ما فيها.
والهدى: البيان والإرشاد. والرحمة: العطف بالإحسان وصلاح الدنيا والآخرة. و((أدخل)) يعني أن اللام في ((لربهم)) حرف جر زائد لتقوية الفعل المتأخر
((يرهب)) للعمل في ((رَبّ))، والتقدير: ربّهم يرهبون. أي: يخافونه ويطلبون رضاه. وبذلك تكون الهداية والرحمة لهم. (٤) اختار: اصطفى. وبأمره: يعني أن
الاختيار كان بأمر الله لموسى. وللوقت أي: للقاء في ذلك الوقت. وأخذتهم: نزلت بهم فأغمي عليهم. وذلك حين كانوا في موقف الاعتذار. وإنما أصابتهم
الرجفة رهبة من تقصيرهم ومن موقفهم هذا. ولم يزايلوهم أي: لم يفارقوهم إنكارًا لعبادة العجل، ولم يأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر. وغير الذين
أي: غير المذكورين في الآيتين ٥٥ من سورة البقرة و١٥٣ من سورة النساء. ورب أي: ياربِّي. انظر الآية ١٥١. وشئت أي: أردت إهلاكنا. وتهلكنا: تدمرنا
وتقضي علينا. وفعَلَ أي: اكتسب باختيار وقصد. والسفهاء: جمع سفيه. وهو الضعيف العقل. والمراد هنا من عبد العجل. والابتلاء: المعاملة بما يشبه
الاختبار، لتمييز المطيع من العاصي. وهو هنا ما صنعه السامري بسحره من صياغة العجل، وادعائه ألوهيته ودعوتهم لعبادته. وتضله: توجّه قدراته بحسب
اختيارِه واستعدادِه السيئ للعصيان. وتشاء: تريد. وتهدي: تصرف قدراته بحسب اختياره واستعداده الحسن للهداية والطاعة. واغفر لنا أي: استر سيئاتنا
وامحها. وارحمنا: اعطف علينا بالعفو والهداية إلى الحق. وخير الغافرين أي: أفضلهم وأعظمهم لأنك تمحو السيئة وتبدل بها حسنة، فضلًا ورحمة لا طلبًا
للثناء أو الأجر، كما يفعل مَن يصفح مِن الناس. وأوجب أي: أثبت. وحسنة الدنيا: ما يحسن من النعم والطاعة والعافية. وحسنة الآخرة هي الجنة. وتبنا
أي: ورجعنا. وإليك أي: إلى أمرك وطاعتك ورضاك.
٧ - سورة الأعراف
١٧٠
الجزء التاسع
سُِّوَةِ الْأَعْلَو
﴿ وَأَكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا
هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيَ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءٌ وَرَحْمَتِى
وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم بِثَا يَئِنَايُؤْمِنُونَ (١٦ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
الرَّسُولَ النَّبِىّالْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبَا عِندَهُمْ
فِ التَّوْرَنَةِ وَآلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ
عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ
اُلْخَبَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ
عَلَيَهذَّ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْبِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ
النُّورَ الَّذِىَ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ◌َقُلْ
يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِِّ رَسُولُ الَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى
لَهُمُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُعِي، وَيُمِيثٌ
فَثَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِ النَّبِيِ آلْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
١٥٨
وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَكُمْ تَهْتَدُونَ
﴿وَ مِن قَوْمٍ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ
ثلاثة انواع
الخِزْبُ
١٧
أَوجِبْ ﴿لَنَا فِي هُذِهِ الدُّنيا حَسَنَةً، وفي الآخِرةِ﴾ حسنة. ﴿إِنّا هُدْنا﴾: تُبنا
﴿إِلَيكَ﴾.
١- ﴿قالَ﴾ تعالى: ﴿عَذابِيَ أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ تعذيبه، ﴿وَرَحْمتِي
وَسِعَتْ﴾: عَمَّت ﴿كُلَّ شَيءٍ﴾ في الدنيا. ﴿فِسَأْكِتُبُها﴾ في الآخِرِةِ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، والَّذِينَ هُم بِآيَاتِنا يُؤْمِنُونَ ١٥٦ ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾
مُحمّدًا وََّ، ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُم فِي التَّوراةِ والإِنجِيلِ﴾ باسمه وصفته،
﴿يأمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ ويَنهاهُم عَنِ المُنكَرِ، ويُحِلَّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ ممّا حُرّم في شرعهم،
﴿ويُحَرِّمُ عَلَيِهِم الخَبائثَ﴾ من الميتة ونحوها، ﴿ويَضَعُ عَنْهُم إصرَهُم﴾: ثِقلهم،
﴿والأغلالَ﴾: الشدائد ﴿الَّتِي كَانَتْ عَلَيهِم﴾ كقتل النفس في التوبة، وقطع أثر
النجاسة. ﴿فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ منهم، ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾: وقْروه ﴿وَنَصَرُوهُ، واتَّبَعُوا النُّورَ
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ١٥٧ .
الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ أي: القُرآنَ،
٢- ﴿قُل﴾، خِطابٌ للنبيّ: ﴿يا أيُّها النّاسُ، إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيكُمْ جَمِيعًا، الَّذِي لهُ
مُلكُ السَّماواتِ والأرضِ، لا إلّهَ إلّا هُوَ، يُحيِي ويُمِيتُ. فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، النَّبِيِّ
الأُمّيّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ﴾ القُرآنِ، ﴿وَاتَّبِعُوهُ، لَعَلَّكُمْ تَهتَدُونَ﴾ ١٥٨: ترشُدون.
٣- ﴿وَمِن قَومِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾: جماعة ﴿يَهِدُونَ﴾ الناس ﴿بِالحَقِّ، وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ١٥٩
(١) العذاب: التعذيب في الدنيا والآخرة عقوبة وإهانة. وأصيب: أعاقب وأعذب. وأشاء:
أريد بما تقتضيه الحكمة. والرحمة: العطف بالإحسان والخير. وكل: لاستغراق أفراد النكرة.
والشيء: ما هو موجود أو محتمل وجوده. وأكتبها: أثبتها وأحققها. ويتقون أي: يخافونني
ويتجنبون عصياني، ويلزمون الطاعة والصلاح للحصول على الرضا. ويؤتون الزكاة: يؤدونها كما فرضت إلى مستحقيها. والزكاة: ما فُرض على المال لتطهيره
وتطهير أصحابه. والآيات: آيات الكتب والمعجزات والدلائل على التوحيد وصدق الأنبياء. ويؤمنون بها أي: يصدّقونها اعتقادًا وعملًا بما توجبه. ولما سمع
يهود المدينة الآية ١٥٦ تطاولوا لها، بدعوى أنهم مقصودون بالرحمة لأنهم يتقون ويزكون ويؤمنون، فجاءت الآية ١٥٧ تُخرج منهم مَن لم يؤمن برسالة
الإسلام. يعني أن الرحمة في الآخرة، للكتابيِينَ الذين أدركوا زمن النبوة، تكون لهم إذا آمنوا واتبعوا. انظر تفسير الخازن ٢٩٦:٢. ويتبعونه: يؤمنون بما جاء
به من الدين والشريعة، ويلتزمون أمره ونهيه. والرسول: الذي أوحي إليه كتاب خاص به هو القرآن ليبلغ العقيدة والشريعة. والنبي: صاحب المعجزات
والإعلام عن الله. والأمّيّ: الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ودقائق الحساب، كأنه على ما ولد عليه من ذلك. ويجدونه أي: يَلقَون اسمه وصفته. ومكتوبًا
أي: مسجلًا في آيات بينات. ويأمرهم: يفرض عليهم. والتوراة: الكتاب الذي أوحي إلى موسى، عليه السلام. والإنجيل: الذي أوحي إلى عيسى، عليه
السلام. ويأمرهم: يفرض عليهم ويوجب. والمعروف: مكارم الأخلاق والكفر بالشرك. وينهى: يمنع. والمنكر: الباطل وبذيء الأخلاق. ويحلها: يجعلها
حلالًا يؤجر من يتناولها. والطيبات: المستلذات من الطعام والشراب. ويحرمها: يجعلها حرامًا يعاقب من يتناولها. والخبائث: جمع خبيثة. وهي القذرة
النجسة. ويضع: يزيل ويرفع. والأغلال: جمع غُلّ. وهو طوق من الحديد، استعير لِما يكون من الشدة. وأثر النجاسة أي: أن النجاسة لاتزول بالغسل
والتنظيف، بل بقطع موضعها من الثوب وما أشبهه. وآمنوا به أي: صدقوه يقينًا. ونصروه: أعانوه على أعدائه. واتبعوا النور أي: اقتدوا به. والنور: ما يضيء
فتتبين به الأشياء على حقيقتها. وجُعل القرآن نورًا لأنه ظاهر بنفسه ومظهر لغيره من الحق والباطل. وأنزل أي: أنزلناه إليه على لسان جبريل. والمفلح: الفائز
برضا الله وعفوه وجنته. (٢) قل أي: تكلم جهارًا. وهذا يعني أن المأمور رسول مكلف بالدعوة، لا كما يزعم الكافرون. وتكرار ذلك في الآيات القرآنية
يعني التوكيد والتحقيق. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((خطاب للنبي { ل)). والناس: العرب وأهل الكتاب وغيرهم من البشر. والرسول: المرسل لتبليغ العقيدة
والشريعة مع العمل. وجميعًا أي: مجتمعين لا يستثنى منكم أحد. والملك: الحيازة والتصرف. وله ملكها أي: له وحده لا يشاركه في ذلك أحد. والسماوات
والأرض أي: ومافيهما وبينهما وغير ذلك من الكون. انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. والإله: المعبود بحق وحده. ويحيي: يخلق الحياة في فاقدها.
ويميت: يخلق الموت في الحيّ. وفي هذا ما يوجب الإذعان والانقياد للرسول، إذ كان المرسل هو الله الذي له الملك والتصرف، والألوهية الخالصة والتفرد
بالإيجاد والإعدام لما يشاء. وآمنوا به أي: صدّقوه تصديق يقين. وإنما ورد هنا ((رسول)) ولم يرد ((نبي))، مع أن الخطاب يقتضي ذلك، لأن المراد وجوب
الإيمان بالرسول المتصف بهذه الصفات، أيًّا كان. واتبعوه أي: اقتدوا به. ولعلكم أي: ليُترجَّى لكم. وتهتدون أي: إلى طريق الحق والخير. (٣) منهم أي:
بعضهم. وقوم موسى: الذين آمنوا به من بني إسرائيل. والمقصود بالأمة هنا: من التزم الشريعة قبل نسخها، أو آمن برسالة الإسلام منهم. ويهدون: يُرشدون
ويوجهون وينصحون. والحق: الصدق الثابت لاشك فيه من العقيدة والشريعة والسلوك. ويعدلون: يحكمون منصفين. وقطعناهم اثنتي عشرة أي: فرقناهم
معدودين بهذا العدد. وحال: يعني أن اثنتي: حال من مفعول ((قطع)) منصوبة بالياء لأنها ملحقة بالمثنى. والأسباط: جمع قلة للسِّبط يراد به الكثرة. والسِّبط
من ذرية يعقوب كالقبيلة من العرب. والأمم: جمع أمة. وبدل: يعني أن أسباطًا: بدل من ((اثنتي عشرة)) منصوب، وأممًا: بدل من ((أسباطًا)) منصوب، والتمييز
محذوف تقديره: فرقةً. وأوحينا إليه: أمرناه على لسان جبريل. واستسقاه قومه: طلبوا منه السُّقيا، ولاماء فيما حولهم. واضربه: اقرعه بشِدة. والحجر:
الصخر الصلب من الأرض. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٦٠ من سورة البقرة. والعين: يَنبوع الماء من الأرض. وعلمَ: عرَف. وكل: لاستغراق أفراد النكرة.
وأناس أي: سبط من الأسباط. والمشرب: العين التي يُشرب منها. وظللنا عليهم: جعلنا لهم ظلالًا تقيهم حر الشمس. والغمام: السحاب الرقيق واحدته
غمامة. والتيه: واد بين مصر والشام، تاهوا فيه أربعين سنة. وأنزل: أسقط. والترنجبين: نوع من الحلوى يشبه العسل الأبيض ينزل عليهم كالثلج. والقصر :=
الجزء التاسع
١٧١
٧ - سورة الأعراف
في الحُكم، ﴿وَقَطَّعْناهُمِ﴾: فَرَّقنا بني إسرائيل ﴿اثنَتَي عَشْرَةَ﴾: حالٌ ﴿أسباطًا﴾: بدلٌ
منه، أي: قبائلَ ﴿أُمَمَا﴾: بدلٌ ممّا قبله، ﴿وأوحَينا إِلَى مُوسَى إِذِ استَسقاهُ قَومُهُ﴾ في
القِيهِ: ﴿أنِ اضرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾. فضربه، ﴿فانبَجَسَتْ﴾: انفجرتْ ﴿مِنْهُ اثْتَتَا عَشْرةَ
عَيْنَا﴾ بعدد الأسباط - ﴿قَد عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾: سِبطٍ منهم ﴿مَشرَبَهُم - وظَلَّلْنا عَلَيهِم
الغَمامَ﴾ في التِّيه من حرّ الشمس، ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيهِمِ المَنَّ وِالسَّلوَى﴾ - هما التُّرَنْجِبِينُ
والطير السُّمانَى، بتخفيف الميم والقصر - وقلنالهم: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ ما رَزَقْناكُم.
وما ظَلَمُونا، ولَكِنْ كانُوا أَنفُسَهُم يَظْلِمُونَ﴾ ١٦٠ .
١ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمُ: اسكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾: بيت المقدس، ﴿وَكُلُوا مِنها حَيثُ
شِئْتُم، وقُولُوا﴾: أمرُنا ﴿حِطَّةٌ. وادخُلُوا البابَ﴾ أي: باب القرية ﴿سُجَّدًا﴾: سُجودَ
انحناء، ﴿نَغْفِرْ﴾ - بالنون، وبالتاء مبنيًّا للمفعول - ﴿لَكُم خَطاياكُم. سَنَزِيدُ
المُحسِنِينَ﴾ ١٦١ بالطاعة ثوابًا. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم قَولًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُم﴾،
فقالوا: حَبّةٌ في شَعَرة. ودخلوا يزحفون على أستاهم، ﴿فأرسَلْنا عَلَيهِم رِجزًا﴾: عذابًا
﴿مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ١٦٢ .
سُورَةِ الأَعْراف
وَقَطَّعْنَهُمُ اثْنَتَّ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمَّاً وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىّ
إِذٍ اسْتَسْقَنْهُ قَوْمُهُ أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْحَجَرِ
فَأَنْبَجَسَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ
مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَرَّ
وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَكُمْ وَمَا
ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْأَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (َوَإِذْ
قِيلَ لَهُمُ أُسْكُنُوْهَذِهِ اَلْقَرْيَةَ وَككُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ
شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِظَةٌ وَأَدْ خُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا تَّغْفِرْ
لَكُمْ خَطِيَنَتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوْ مِنْهُمْ قَوْلًّا غَيْرَالَّذِى قِيلَ لَهُمْ
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًامِنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ
يَظْلِمُونَ (٣) وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ
حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ
حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِّتُونَ
لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
٢ - ﴿واسألُهُم﴾ - يا مُحمّد - توبيخًا ﴿عَنِ القَرْيةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحرِ﴾: مُجاورةً
بحرِ القُلزُم - وهي أَيلةُ - ما وقع بأهلها، ﴿إِذْ يَعدُونَ﴾: يعتدون ﴿فِي السَّبتِ﴾، بصيد
السمك المأمورين بتركه فيه، ﴿إِذْ﴾: ظرف لـ ((يعدون)) ﴿تأتِيهِم حِيتَانُهُم يَومَ سَبتِهِم
شُرَّعًا﴾: ظاهرة على الماء، ﴿ويَومَ لا يَسْبِتُونَ﴾: لا يُعظّمون السبت أي: سائرَ الأيام ﴿لا تأتِيهِم﴾، ابتلاءً من الله - ﴿كَذَلِكَ نَيلُوهُم بِما كانُوا
يَفسُقُونَ﴾ ١٦٣. ولمّا صادوا السمك افترقت القرية أثلاثًا: ثُلث صادوا معهم، وتُلث نهَوهم، وثُلث أمسكوا عن الصيد والنهي - ﴿وإذْ﴾: عطف
على ((إذا قبله ﴿قَالَتْ أُمّةٌ مِنهُم﴾ لم تَصِدْ ولم تَنَهَ، لمَن نَهَى: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَومًا، اللهُ مُهلِكُهُم أو مُعَذِّبُهُم عَذابًا شَدِيدًا؟ قالُوا﴾: موعظتنا ﴿مَعذِرةٌ﴾
نعتذر بها ﴿إِلَى رَبَّكُمْ﴾، لئلّا نُنسبَ إلى تقصير في ترك النهي، ﴿وَلَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ ١٦٤ الصيد.
=يعني الألف المقصورة. وكلوا منها أي: تغذّوا بها. والطيبات: ما تستلذه النفس التي خلت من الانحراف والأمراض. ورزقنا: خلقنا ويسرنا. وما ظلمونا
أي: لم يكن كفرهم بالنعم ظلمًا لنا، إذ وبال أمرهم يعود عليهم. والأنفس: جمع نفس. ونفس الإنسان: حقيقته بروحه وجسده. ويظلمونها: يسببون لها
غضب الله وعذابه في الدنيا والآخرة.
(١) قيل لهم أي: أمرنا بني إسرائيل، بعد خروجهم من التيه. واسكنوها أي: أقيموا فيها مطمئنين. والقرية: البلدة. ومنها أي: من مطاعمها وثمارها. وحيث
شئتم أي: في نواحيها التي تريدون، من غير أن يزاحمكم أحد. وحطة: أن تَحُطّ عنا خطايانا. والمراد: ما نسأله هو المغفرة والرحمة. والباب: المدخل.
والسجد: جمع ساجد. وهو الذي حنى ظهره وطأطأ رأسه. ونغفرها أي: نسترها ونصفح عنها. وبالتاء يحتمل قراءتين هما: ((تُغفَرْ لَكُم خَطِيئَاتُكُم)» بالجمع،
و((خَطِيئَتُكُم)) بالإفراد. والخطايا: جمع خطيئة. وهي الذنب المقصود عمدًا. وفي المنحة: ((خطيئاتكم)). ونزيد: نضاعف الأجر تفضلًاً. ط: ((وسنزيد)).
والمحسن: من أحسن عبادته. وبدل ... قيل لهم أي: غيّروا ما طلب منهم وجعلوا مكانه قولًا آخر، وكذلك العمل الذي أمروا به جعلوا مكانه عملًا آخر.
وظلموا: كفروا متعمدين. وحبة في شعرة أي: حبة غذاء في مجموعة شعر. وهو قول مراد به التهكم والعصيان، مع طلب منافع الحياة. انظر ((المفصل)).
والأستاه: جمع للاست. وهو الدبر. وأرسلنا: أنزلنا بكثرة. والرجز: العذاب. وهو الطاعون. انظر الآية ٥٩ من سورة البقرة. وفي الأصل: ((رجسًا)).
والسماء: العالم العلوي. ويظلم: يكفر بالله ونعمه ويفعل غير ما يؤمر.
(٢) اسألهم أي: سؤال تقرير وتشهير. انظر ((المفصل)). وعن القرية أي: عما جرى لأهلها. والقرية أي: أهل القرية. وبحر القلزم هو البحر الأحمر الآن.
وأيلة: مدينة على ساحله يقال لها: إيلات. خ: ((إيلية)). ويعدون: يخالفون أمر الله. فقد كان أمرَهم بتعظيم يوم الجمعة، فأبوا واختاروا أن يكون التعظيم ليوم
السبت، فشدّد عليهم بالنهي عن العمل في هذا اليوم، ومن ذلك صيدُ البحر. وفيه أي: في يوم السبت. وتأتيهم: تبدو في مياه البحر. والحيتان: جمع
حوت، أنواع السمك. وسبتهم: تعظيم يوم السبت بالانقطاع للعبادة. والشرّع: جمع شارع. وسائر الأيام أي: بقيتها من أيام الأسبوع. والابتلاء: الامتحان.
والإشارة بـ((ذلك)) إلى ما كان من ابتلائهم، بظهور الحيتان يوم السبت وغيابها في غيره من الأيام، أي: نبلو دائمًا بني إسرائيل بلاء مثل بلاء صيد السبت.
ونبلوهم: نعاملهم دائمًا معاملة من يختبرهم لتمييز المطيع من العاصي. ويفسقون: يخرجون على أمر الله. وافترقت القرية أي: أهلها. وقوله ((على إذ قبله))
فيه إشكال، لأن الذي قبله هو ((إذا تأتيهم))، والعطف عليه يخل بالمعنى، حتى زعم الكرخي أنه يلزم عنه إدخال الأمة القائلة في حكم المعتدين بالصيد.
الفتوحات ٢٠٣:٢. فالعطف هو على ((إذ يعدون)) كما جاء في البيضاوي والتلخيص. وقد نقل السيوطي ذلك بتصرف فأخل بالمراد. والأمة: الجماعة.
وتعظ: تنصح بترك العصيان وملازمة الطاعة. ومهلكهم: مفنيهم. والعذاب: التعذيب في الآخرة. والمعذرة: الاعتذار من الذنب. ويتقون الصيد أي: يتجنبونه
يوم السبت .
٧ - سورة الأعراف
١٧٢
الجزء التاسع
سُورَةِ الأَعْراف
الحرة الحالى
وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْمُعَذِّبُهُمْ
عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْيَنَّقُونَ
فَلَمَّا نَسُواْ مَاذُكِرُواْ بِّ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ
وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْبِعَذَابٍ بَعِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
(٥)َفَمَّا عَتَوْاْ عَنْ مَانُهُواْعَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْقِرَدَةً خَسِنِينَ
﴿ وَإِذْتَأَذَنَ رَبُّكَ لَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن
يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ
لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ® وَقَطَّعْنَهُمْ فِى الْأَرْضِ أُمَمَّا مِنْهُمُ
الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ
وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِ هِمْ خَلّفٌ
وَرِثُواْالْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُلَنَا
وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهٌ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَتِهِمْ مِيْتَقُ اُلْكِتَبِ
أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُواْمَافِيَةٍ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ
﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِكُونَ
خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونُ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
١- ﴿فَلَمّا نَسُوا﴾: تركوا ﴿ما ذُكِّرُوا﴾: ما وُعظوا ﴿بِهِ﴾، فلم يرجِعوا، ﴿أَنجَينا
الَّذِينَ يَنهَونَ عَنِ السُّوءِ، وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالاعتداء ﴿بِعَذابِ بَئِيسٍ﴾: شديد،
﴿بِما كانُوا يَفسُقُونَ ١٦٥. فَلَمّا عَتَوا﴾: تكبّروا ﴿عَن﴾ تركِ ﴿مّا نُهُوا عَنهُ قُلْنا لَهُم:
كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ١٦٦: صاغرين. فكانوها. وهذا تفصيل لما قبله. قال ابن
عبّاس: ما أدري ما فُعل بالفرقة الساكتة. وقال عِكرمةُ: لم تَهلِك لأنها كرهتْ ما
فعلوه، وقالت: لِمَ تعظون إلى آخره. وروى الحاكم عن ابن عبّاس أنه رَجَعَ إليه
وأعجبه .
٢- ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾: أعلمَ ﴿رَبُّكَ لَيَبعَثَنَّ عَلَيْهِم﴾ أي: اليهودِ ﴿إِلَى يَومِ القِيامَةِ مَن
يَسُومُهُم سُوءَ العَذابِ﴾، بالذلّ وأخذ الجزية، فبعث عليهم سُليمانَ، وبعده بُختَنَصَّرَ،
فقتلهم وسباهم وضرب عليهم الجزية، فكانوا يؤدّونها إلى المجوس إلى أن بُعث نبيّنا
رَ* وضربها عليهم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقَابِ﴾ لمن عصاه، ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾ لأهل
طاعته، ﴿رَحِيمٌ﴾ ١٦٧ بهم.
٣- ﴿وَقَطَّعْنَاهُم﴾: فرّقناهم ﴿في الأرضِ أُمَمّا﴾: فِرَقًا، ﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ، ومِنْهُم﴾
ناس ﴿دُونَ ذُلِكَ﴾ الكُفّارُ والفاسقون، ﴿وَبَلَوناهُم بِالحَسَناتِ﴾: بالنِّعم
﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾: النِّقُم، ﴿لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾ ١٦٨ عن فِسقهم، ﴿فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم
خَلْفٌ، وَرِثُوا الكِتابَ﴾: التوراة عن آبائهم، ﴿يأخُذُونَ عَرَضَ هُذا الأدنَى﴾ أي:
بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ
حُطامَ هذا الشيء الدنيّ، أي: الدنيا من حلال وحرام، ﴿وَيَقُولُونَ: سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ ما
فعلناه. ﴿وإن يأتِهِم عَرَضٌ مِثْلُهُ يأخُذُوهُ﴾. الجملة حال، أي: يرجون المغفرة وهم عائدون إلى ما فعلوه مُصرّون عليه، وليس في التوراة وعد
المغفرة مع الإصرار.
٤- ﴿أَلَم يُؤخَذْ﴾ - استفهام تقرير - ﴿عَلَيهِم مِيثاقُ الكِتَابِ﴾، الإضافةُ بمعنى ((في))، ﴿ألّا يَقُولُوا علَى اللهِ إلّ الحَقَّ، ودَرَسُوا﴾: عطفٌ على
((يؤخذ)) قرؤوا ﴿ما فِهِ﴾؟ فلِمَ كذبوا عليه بنسبة المغفرة إليه مع الإصرار؟ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الحرامَ. ﴿أَفلا يَعْقِلُونَ﴾ ١٦٩ -
بالياء والتاء - أنها خير، فيؤثرونها على الدنيا؟ ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ - بالتشديد والتخفيف - ﴿بِالكِتابِ﴾ منهم، ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ كعبد الله بن
سلام وأصحابه، ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجرَ المُصلِحِينَ﴾ ١٧٠. الجملة خبر ((الذين))، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر أي: أجرَهم.
(١) لما أي: عندما. وأنجينا أي: أنقذنا من العذاب والانتقام. وينهى: يطلب الترك. والسوء: صيد السمك يوم السبت. وأخذنا: عاقبنا بانتقام. وظلموا:
كفروا وعصوا. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. وفي الأصل: ((بئس)). ويفسقون: يقترفون العصيان باختيار وقصد. وتكبر: استعصى وتمرد. وقلنا: أمرناهم
وقضينا عليهم. وكونوا: صيروا. وهو أمر تكوين ومسخ. يعني أنه بمعنى التصيير. والقردة: جمع قرد. وهو الحيوان المعروف بقبحه وتقليده للبشر. وكانوها
أي: صاروا قردة خاسئين. ولما قبله أي: لما في الآية ١٦٥. وابن عباس هو حَبر الأمة عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، الصحابي المشهور بالعلم والتقى
والصلاح. أسد الغابة ٣ ٢٩٠. والفئة الساكتة: الجماعة التي أمسكت عن الصيد وعن النهي. وعكرمة هذا مولى لابن عباس، أحد المفسرين التابعين. إرشاد
الأريب ٦٢:٥. وما فعلوه أي: مافعله عبّاد العجل. والحاكم هو النيسابوري صاحب المستدرك في الحديث النبوي. ورجع إليه أي: إلى قول عكرمة.
والحديث في المستدرك ٣٢٢:٢، صححه الحاكم والذهبي. انظر ((المفصل)).
(٢) يبعث: يسلط. ويسوم: يذيق ويحمّل. والسوء: ما يغم ويؤذي. واليهود لايزالون كذلك في عبودية للأمم الغالبة، مسخّرين لأطماعها وجبروتها، وفي
عذاب بتهديد المسلمين المجاهدين، وإن ظهر لهم أحيانًا تسلط بحماية سماسرة القيم والشعوب. وفي البيضاوي: ((بعث الله عليهم بعد سليمان - عليه السلام
- بختنصر»، وهو يعني أن الذي سُلّط على اليهود هو بختنصر، أي: ملك البابليين العرب حينذاك. فقد غزا بني إسرائيل مرتين. وقتلهم أي: قتل الرجال
المحاربين منهم. وسباهم أي: سبى نساءهم وصغارهم. وعليهم أي: على من لم يقاتل منهم. وسريع العقاب أي: عذابه واقع فور وجوب الانتقام. والغفور
والرحيم: مبالغتا اسم الفاعل من الغفران والرحمة، أي: من العفو مع عدم المؤاخذه، والعطف بالإحسان.
(٣) قطعناهم أي: اليهود. أما اجتماع بعضهم الآن في الأرض المقدسة، بتخاذل المتمسلمين وتثاقلهم إلى الحياة الدنيا واستسلامهم لأمر الأعداء، فليكونَ
هلاكهم بأيدي المسلمين قريبًا - إن شاء الله - حتى ليكادُ ينطق الجماد بتحريض المسلمين وعونهم عليهم. انظر ((المفصل)). ويرجعون: يتوبون. والخلف: من يأتي
بعد غيره فيخلفه. ويأخذون: يأكلون بالظلم رشوة وغصبًا. والعرَض: ما لا ثبات له. ويُغفر: يُمحى. وحال: يعني أن الجملة الشرطية حال من الضمير في ((لنا)).
(٤) يؤخذ عليهم: يُحصَّل منهم بقبولهم وإقرارهم. والميثاق: التعهد الموثَّق. والحق: الصدق الثابت. والدار الآخرة أي: ما فيها من ثواب ونعيم. وخير:
أكثر نفعًا. ويعقل: يستخدم عقله ليتعظ. وبالتاء يريد القراءة ((أفلا تَعقِلُونَ))؟ وبالتخفيف يريد القراءة ((يُمْسِكُونَ)) أي: يتعلّقون، دون تحريف أو مخالفة. وعبد
الله بن سلام: أحد أحبار اليهود أسلم في عهد النبوة. وأقاموا الصلاة: حافظوا على العبادة المكتوبة. ولا نضيع: لا ننقص. والمصلح: من كان صالح العقيدة
والعبادة والقول والعمل.
الجزء التاسع
١٧٣
٧ - سورة الأعراف
١- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ نَتَقْنا الجَبَلَ﴾: رفعناه من أصله ﴿فَوقَهُم، كأنَّهُ ظُلَّةٌ،
وظَنُّوا﴾: أيقنوا ﴿أَنَّهُ واقِعٌ بِهِم﴾ ساقط عليهم بوعد الله إياهم بوقوعه، إن لم
يَقبلوا أحكام التوراة - وكانوا أبَوها لثِقَلها - فقبلوا، وقلنا لهم: ﴿خُذُوا ما
آتَيناكُم بِقُوّةٍ﴾: بجِدّ واجتهاد، ﴿واذكُرُوا ما فِيهِ﴾ بالعمل به، ﴿لَعَلَّكُم
تَتَّقُونَ﴾ ١٧١ .
الحزب
١٨
سُورَة الأَعْراف
الجزء التجارة
﴿ وَإِذْنَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُواْ أَنَّهُ، وَاقِعٌ بِهِمْ
خُذُ واْمَآءَ اتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْمَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ نَثَّقُونَ
١٧١)
وَإِذْأَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَادَمَ مِن ظُهُورِ هِمْذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىّ شَهِدْنَأْأَنْ تَقُولُواْيَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ إِنَّاكُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ (١٦) أَوْ نَقُولُوْ اْإِنَّا أَشْرَكَ
ءَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّاذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ أَفَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ
اُلْمُبْطِلُونَ (٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَ الَّذِىّءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا
فَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ () وَلَوْشِئْنَا
◌َرَفَعَتَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتََّعَ هَوَنَةُ فَثَلُهُ
كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْتَتْرُكْهُ
يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا فَأَقْصُصِ
اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٦) سَآءَ مَثَلًاَ اَلْقَوْمُ الَّذِينَ
(٣) مَن يَهْدِ اللَّهُ
كَذَّبُواْبِثَا يَئِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ
٢- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ﴾: حِينَ ﴿أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِم﴾ - بدلُ اشتمال ممّا
قبله بإعادة الجارّ - ﴿ذُرِّيّاتِهِم﴾ بأن أخرج بعضهم من صُلبِ بعضٍ من صُلبِ آدمَ،
نسلًا بعد نسل كنحو ما يتوالدون كالذرّ بنَعمانَ، يومَ عَرَفَةَ، ونصب لهم دلائل على
رُبوبيّته وركّب فيهم عقلًا، ﴿وأشهَدَهُم عَلَى أَنفُسِهِم﴾، قال: ﴿أَلَستُ بِرَبَّكُم؟ قالُوا:
بَلَى﴾ أنت ربّنا، ﴿شَهِدْنا﴾ بذلك. والإِشهادُ لِـ ﴿أن﴾ لا ﴿يَقُولُوا﴾ - بالياء والتاء في
الموضعين - أي الكُفّارُ ﴿يَومَ القيامةِ: إنّا كُنّا عَن لهذا﴾ التوحيد ﴿غافِلِينَ﴾ ١٧٢ لا
نعرفه. ﴿أو يَقُولُوا: إنَّما أشرَكَ آبَاؤُنا مِن قَبلُ﴾ أي: قبلِنا، ﴿وَكُنّا ذُرِّيَةً مِن بَعدِهِم﴾
فاقتدَينا بهم. ﴿أَفْتُهلِكُنَا﴾: تُعذّبنا ﴿بِمَا فَعَلَ المُبطِلُونَ﴾ ١٧٣ من آبائنا بتأسيس
الشِّرك؟ المعنى: لا يُمكنهم الاحتجاج بذلك، مع إشهادهم على أنفُسهم بالتوحيد،
والتذكيرُ به على لسان صاحب المُعجزة قائمٌ مقامَ ذكره في النفوس. ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ
الآياتِ﴾: نُبِيِّنها مِثْلَما بيّنًا المِيثاقَ، ليتدبّوها ﴿وَلَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾ ١٧٤ عن كُفرهم.
فَهُوَ اَلْمُهْتَدِىّ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
٣- ﴿واثْلُ﴾ - يا مُحمّد - ﴿عَلَيهِم﴾ أي: اليهودِ ﴿نَبَأَ﴾: خبرَ ﴿الَّذِي آتَيْناهُ آيَاتِنا،
فانسَلَخَ مِنها﴾: خرج بكُفره كما تخرج الحيّة من جِلدها - وهو بَلعَمُ بنُ باعُوراءَ من
عُلماء بني إسرائيل، سُئل أن يدعو على مُوسى وأُهدي إليه شيء، فدعا فانقلب عليه واندلعَ لسانُه على صدره - ﴿فَأَتَبَعَهُ الشَّيطانُ﴾: فأدركه فصار
قرينه، ﴿فكانَ مِنَ الغاوِينَ ١٧٥ . ولَو شِئنا لَرَفَعْناهُ﴾ إلى منازل العلماء ﴿بِها﴾ بأن نُوقّقه للعمل، ﴿ولَكِنَّهُ أخلَدَ﴾: سكن ﴿إِلَى الأرضِ﴾ أي:
الدنيا ومال إليها، ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ في دعائه إليها فوضعناه، ﴿فَمَثَلُه﴾: صِفتُه ﴿كَمَثَلِ الكَلبِ، إن تَحمِلْ عَلَيهِ﴾ بالطرد والزجر ﴿يَلهَثْ﴾: يَدلِعْ
لسانَه، ﴿أو﴾ إن ﴿تَترُكُهُ يَلهَْ﴾. وليس غيره من الحيوان كذلك. وجملتا الشرط حال، أي: لاهثًا ذليلًا بكُلّ حال. والقصد التشبيه في الوضع
والخِسّة، بقرينة الفاء المُشعرة بترتّب ما بعدها على ما قبلها من الميل إلى الدنيا واتّباع الهوى، وبقرينة قوله: ﴿ذُلِكَ﴾ المَثَل ﴿مَثَلُ القَومِ الَّذِينَ
(١) الجبل يقال له: الطُّور. وقوله ((رفعناه من أصله)) مبالغة في التفسير. انظر تفسير الآية ٦٣ من سورة البقرة. وفوقهم أي: ارتفع مظلًا عليهم وعلى منازلهم،
ويكاد يسقط فوقهم. والظلة: ما يكون عنه ظل. وخذوه أي: تمسكوا به اعتقادًا وعملًا. وآتيناكم: أعطيناكم. وتتقون: تخافون الله فتتجنبون العصيان. انظر
((المفصل)). (٢) أخذ: أخرج بالتكوين. والظهور: جمع ظهر. والصلب: العظم الذي يضم فقار الظهر. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٧ من سورة الطارق.
والذر: صغار النمل. ونعمان: واد قرب جبل عرفة. ويوم: ظرف للفعل: أخرج. يعني أن ذلك كان في اليوم الموافق لما سيكون في موقف الحُجّاج بعرفة.
وتوجيه الآية بإخراج الذر من صلب آدم مردود. فذكرُ الظهور ينفي الإخراج من صلب آدم. وأخذ العهد يكون ممن له بُنية جسدية تتحمل العقل وتدرك
المسؤولية. وعودة الإنسان بالتكوّن تزيل عنه التزام ما مضى قبل ذلك. انظر ((المفصل)). والعقل أي: العقول. و((نصب ... عقلًا)) هذا قول آخر هو الصواب،
والمراد أن الله، بعد خلقه الناس في الدنيا، نصب لهم الأدلة الواضحة وجعل لهم عقولًا وبصائر، يميّزون بها الضلالة من الهدى، فصار ذلك بمنزلة الإشهاد
والاعتراف فعلًا. وإذًا فلا إخراج ولاقول ولا شهادة بالفعل. وقد بيّن الإمام القاري أن ما أورده السيوطي هنا تلفيق بين القولين في التفسير. وفي هذه الآية ذكر
الميثاق العام للناس جميعًا بالتوحيد، بعد ذكر الميثاق الخاص ببني إسرائيل. وأشهدهم: قرّرهم بالربوبية والوحدانية. وبالتاء يريد القراءة ((تَقُولُوا)) هنا وفي أول
الآية ١٧٣. والغافل: الساهي لعدم التنبيه وبيان الدليل. والأب يطلق على الوالد والجد. و((فاقتدينا بهم)) هذه حجة ثانية أبطلها الله، إذ جعل الميثاق العام
سببًا لدفعها. والمبطلون: المشركون الذين ضلوا وأضلوا. فالميثاقُ العام بالأدلة القاطعة، وتبليغُ الرسل، يدفعان كل اعتذار من الضلال. ويرجعون أي: يعود
المشركون وأهل الكتاب وأمثالهم عن الكفر والضلال إلى الإيمان والهداية. (٣) اتل: اقرأ. وآتيناه: علّمناه. وقد اختلف المفسرون في تعيين الإنسان
المقصود هنا، وفي تفصيل ضلاله وشروره. انظر ((المفصل)). وأهدي إليه أي: رشاه الكفار. وكان أي: صار. والغاوون: الراسخون في الضلال والكفر.
وشئنا أي: أردنا أن نشرفه وننقذه من الضلال. وبها أي: بما تتضمنه تلك الآيات وتوجبه على المؤمنين. واتبع هواه: انقاد إلى شهواته. ووضعناه: تركناه في
الضلال. والمعنى: لم نشأ هدايته لأنه آثر الضلال وترك الطاعة، فبقي على الكفر والعصيان. وفي هذا دلالة قاطعة أن ضلال الإنسان بقصد منه واختيار.
وتحمل عليه: تطرده وتجهده. ويدلعه: يخرجه ويدليه. وتتركه: تهمله وتنصرف عنه. والقرينة: الدلالة اللفظية والمعنوية. والترتب: كون الشيء مسبًّا وما قبله
سببًا له. وما قبلها يعني: ما قبل الفاء التي دخلت على ((مثله)). وذلك أي: ماكان عليه المنسلخ من الآيات في شَبَهه للكلب. وكذبوا بها أي: أنكروها.
واقصص: اسرد. والقصص: أخبار القرون الماضية. وعلى اليهود أي: وعلى غيرهم من الكافرين. وساء: تجاوز الحد في السوء والقبح والشر. ويظلمونها :
يحكمون عليها ظلمًا بعذاب الدنيا والآخرة. ويهديه: يصرف قدراته بحسب اختياره الطيب واستعداده الصالح. والمهتدي: المسترشد إلى أمر الله ونهيه في النية
والقول والعمل. ويضله: يوجّه قدراته بحسب اختياره الفاسد واستعداده السيئ. والخاسر: الكامل في الخسران بضياع خير الدنيا والآخرة.
٧ - سورة الأعراف
١٧٤
الجزء التاسع
الجزء الحياة
سُورَة الأَعْراف
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَاَلْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ
لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْءَاذَانٌ لَّ يَسْمَعُونَ
◌ِهَ أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِبَلَّ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ
﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْ عُوهُ بِهَا وَذَرُواْالَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيّ
أَسْمَنْبِهِ، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُو ◌ْيَعْمَلُونَ ﴿٨) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا
يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَيِهِ يَعْدِلُونَ (بَّ
وَأُمْلِى لَهُمَّ إِنَّ
سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ فِيْـ
كَيْدِى مَتِينَ ﴿ أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْمَا بِصَاحِهِم مِّنْ حِنَّةٍ إِنْ
أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ
هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينُ
وَالْأَرْضِ وَ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ أَقْتَرَبَ
أَجَلُهُمْ فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥) مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا
أَهَادِىَ لَّهُ وَيَذَرُهُمْ فِ طُغْيَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [َ يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ
أَانَ مُرْ سَنِهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِى لَا يُحِيَهَا لِوَقِهَ إِلََّ هُوَثَقُلَتْ
فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّلَا تَأْتِيَكُمْ إِلََّ بَغْنَةً يَسْتَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ
عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (ج)
كَذَّبُوا بِآيَاتِنا - فاقصُصِ القَصَصَ﴾ على اليهود، ﴿لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١٧٦ : يتدبّرون
فيها فيُؤمنون - ﴿ساءَ﴾: بئس ﴿مَثَلًا القَومُ﴾ أي: مَثلُ القوم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا،
وأنفُسَهُم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ١٧٧ بالتكذيب! ﴿مَن يَهدِ اللهُ فَهْوَ المُهتَدِي، ومَن يُضلِلْ
فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ١٧٨ .
١- ﴿وَلَقَد ذَرَأْنا﴾: خلقنا ﴿لِجَهِنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإِنسِ، لَهُم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ
بِها﴾ الحقَّ، ﴿وَلَهُم أعيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ دلائلَ قُدرة الله بصرَ اعتبار، ﴿وَلَهُم آذانٌ لا
يَسمَعُونَ بِها﴾ الآياتِ والمواعظَ سماعَ تدبّر واتّعاظ. ﴿أُولَئِكَ كالأنعامِ﴾، في عدم
الفِقه والبصر والاستماع، ﴿بَل هُم أضَلَّ﴾ من الأنعام، لأنها تطلب منافعها وتهرب
من مضارّها، وهؤلاء يُقدمون على النار مُعاندةً. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ ١٧٩ . ويِثِ
الأسماءُ الحُسنَى﴾ التِّسعةُ والتِّسعون الواردُ بها الحديثُ. والحُسنى: مُؤنّث الأحسَن.
﴿فادعُوهُ﴾: سمُوه ﴿بِها، وذَرُوا﴾: اتركوا ﴿الَّذِينَ يُلحِدُونَ﴾، من: ألحَدَ ولَحَدَ:
يَمِيلون عن الحقّ ﴿في أسمائهِ﴾، حيثُ اشتقّوا منها أسماء لآلهتهم: كاللّاتِ من الله،
والعُزَّى من العزيز، ومَناةً من المنّان. ﴿سَيُجْزَونَ﴾ في الآخِرة جزاءَ ﴿ما كانُوا
يَعمَلُونَ﴾ ١٨٠. وهذا قبل الأمر بالقتال.
٢ - ﴿وَمِمَّن خَلَقْنا أُمّةٌ يَهِدُونَ بِالحَقِّ، وبِهِ يَعدِلُونَ﴾ ١٨١ - هم أُمّة مُحمّد ◌َ﴿ كما في
حديث - ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا﴾: القرآنِ، من أهل مكّة، ﴿سَنَستَدرِجُهُم﴾: نأخذهم
قليلاً قليلاً، ﴿مِن حَيْثُ لا يَعلَمُونَ ١٨٢، وأُملِي لَهُم﴾: أُمهِلُهم. ﴿إِنَّ كَيدِي
مَتِينٌ﴾ ١٨٣: شديد لا يُطاق.
٣- ﴿أَوَلَم يَتَفَكَّرُوا﴾، فيعلموا ﴿ما بِصاحِبِهِم﴾ مُحمّد ﴿مِن جِنّةٍ﴾: جُنون، ﴿إِنْ﴾: ما ﴿هُوَ إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ١٨٤: بَيِّنُ الإِنذار؟ ﴿أُوَلَم يَنظُرُوا في
مَلَكُوتِ﴾: مُلكِ ﴿السَّماواتِ والأرضِ، و﴾ في ﴿مَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيءٍ﴾ - بيان لـ ((ما)) - فيستدلّوا به على قُدرة صانعه ووحدانيّته، ﴿و﴾ في
﴿أَنْ﴾ أي: أنّه ﴿عَسَى أن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ﴾: قرُبَ ﴿أجَلُهُم، فيموتوا كُفّارًا فيصيروا إلى النار، فيُبادروا إلى الإِيمان؟ ﴿فِأَيِّ حَدِيثٍ بَعدَهُ﴾
أي: القرآنِ ﴿يُؤمِنُونَ ١٨٥؟ مَن يُضلِلِ اللهُ فلا هادِيَ لَهُ، وَذَرُهُم - بالياء والنون مع الرفعِ استئنافًا، والجزمِ عطفًا على محلّ ما بعد الفاء -
﴿فِي طُغيانِهِم يَعمَهونَ﴾ ١٨٦ : يتردّدون تحيُّرًا.
٤- ﴿يَسألُونَكَ﴾ أي: أهلُ مكّة ﴿عَنِ السّاعةِ﴾ القِيامة: (أيّانَ﴾: متى ﴿مُرْساها؟ قُلْ﴾ لهم: ﴿إِنَّما عِلمُها﴾ متى تكون ﴿عِندَ رَبِّي، لا يُجَلِّيها﴾:
يُظهرُها ﴿لِوَقِها﴾ - اللام بمعنى: في - ﴿إِلَّا هُوَ. ثَقُلَتْ﴾: عظُمت ﴿فِي السَّماواتِ والأرضِ﴾ على أهلهما لهولها، ﴿لا تأتِيكُم إلّا بَغْتَةٌ﴾:
(١) القلوب: جمع قلب. انظر ((المفصل)). ويفقه: يفهم. والأعين: جمع عين. والآذان: جمع أذن. وأولئك أي: الموصوفون بتعطيل قلوبهم وأعينهم
وآذانهم. والأنعام: جمع نَعَم. وهي الإبل والبقر والغنم. وأضل أي: أكثر بعدًا عن الاستفادة مما وهب الله من القدرات. انظر ((المفصل)) ايضًا. والأسماء:
جمع اسم. والحسنى: الأعظم جمالًا وحسنًا. والحديث هو تحت الرقمين ٣٥٠٢ و٣٥٠٣ في الترمذي وفي تفسير الآية ١١٠ من سورة الإسراء. وذروهم
أي: اتركوا أتباع هذه الأسماء التي اختلقها الملحدون لآلهتهم. و((لَحَدَ» يريد القراءة بالمضارع ((يَحَدُونَ». واللات والعزى ومناة: أسماء أصنام للجاهليين.
وانظر تعليقنا على تفسير الآية ٢٠ من سورة النجم. ويجزون: يعاقبون بعذاب الدنيا والآخرة. وقوله ((في الآخرة)) يخالف ما ذكره من النَّسخ بالقتال.
ويعملون: يقترفون في النية والقول والفعل. و((هذا)) المراد أن موادعة المشركين، بتركهم على شركهم، نُسخت بأمر قتالهم في الآيات ٥-١٥ من سورة التوبة.
(٢) خلق: أوجد. ويهدون: يرشدون إلى الخير. والحق: الاستقامة والعدل. ويعدلون: يجعلون الأمور متعادلة. والحديث: انظر ((المفصل)). وكذبوا:
أنكروا قولًا واعتقادًا. ونأخذهم قليلاً قليلاً أي: نقربهم إلى الهلاك، بإدرار النعم عليهم. ولا يعلمون أي: يجهلون أنه استدراج. وأملي لهم: أؤخرهم مدة
فيها طول. والكيد: التدبير الخفي بإيصال الضرر إلى الكافرين. (٣) في لباب النقول أن النبي وَ ل* قام على الصفا يدعو قريشًا، ويحذرهم بأس الله ونقمه.
فقال بعضهم لبعض: ((إن صاحبكم هذا لمجنون)). فنزلت الآية. يعني الآيات ١٨٤- ١٨٦. ويتفكروا: يتدبروا بعقولهم. وصاحبهم أي: من يعيش بينهم وهو
منهم. والنذير: الذي يتوعد العصاة بالعذاب. وينظروا أي: يدركوا بأعينهم وبصائرهم. وخلق: أوجده من العدم. والحديث: الكلام المقول. ويبادروا:
يسارعوا. ويضله: يوجّه قدراته بحسب اختياره الفاسد واستعداده السيئ. والهادي: المرشد إلى الحق. ويذرهم: يتركهم لما هم عليه. والقراءات هنا أربع:
والثانية ((نَذَرُهُم))، والثالثة ((يَذَرْهُم))، والرابعة (نَذَرْهُم)). والطغيان: مجاوزة الحد بالكفر والعصيان. (٤) يسأل: يطلب الجواب تعجيزًا. انظر ((المفصل)).
ومرساها: وقت وقوعها وحصولها. وعلمها أي: معرفة زمن وقوعها. وعند ربي أي: لا يطلع عليه أحدًا. ووقتها: الزمن المعيّن لها. والخطاب لكل الناس،
لالقريش وحدها، إبهامًا عليهم. ويعلم: يدرك ويعي. وأملك الشيء: أتمكن منه وأستطيعه. والنفع: الإفادة وإيصال الخير. والضر: الإيذاء وإيصال الشر.
وما شاء أي: ما أراد تمكيني منه بأن ألهمني إياه ويسره لي. وأعلم الغيب: أعرف المغيبات. والخير: ما ينفع في الدنيا والآخرة. ومسني: أصابني. والسوء:
ما يضر ويؤذي. والنذير: من يبلغ العصاة ما يخيفهم ويُرهبهم. والبشير: من يبلغ المطيعين ما يَسرّ ويُسعِد. ويؤمنون أي: تعرف قلوبهم التوحيد، وعندهم
استعداد لتصديق الحق والعمل به .
الجزء التاسع
١٧٥
٧ - سورة الأعراف
فَجأة. ﴿يَسألُونَكَ، كأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾: مُبالغ في السُّؤال ﴿عَنها﴾ حتّى علمتَها. ﴿قُلْ: إِنَّما
عِلمُها عِندَ اللهِ﴾ - تأكيد - ﴿ولكِنَّ أكثَرَ النّاسِ لا يَعلَمُونَ﴾ ١٨٧ أَنَّمَا عِلمُها
عِنده، تعالى. ﴿قُلْ: لا أملِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا﴾ أجلِبه، ﴿ولا ضَرَّا﴾ أدفعه، ﴿إِلّا
ربع
الحزب
١٨
ما شاءَ اللهُ. ولَو كُنتُ أَعلَمُ الغَيبَ﴾: ما غاب عنّي ﴿لاستَكثَرْتُ مِنَ الخَيرِ،
وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ من فقر وغيره، لاحترازي عنه باجتناب المضارّ. ﴿إِنْ﴾: ما
﴿أنا إلّا نَذِيرٌ﴾ بالنار للكافرين، ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بالجنّ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١٨٨ .
١- ﴿هُوَ﴾ أي: اللهُ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن نَفْسٍ واحِدةٍ﴾ أي: آدَمَ، ﴿وَجَعَلَ﴾: خلقَ
﴿مِنها زَوجَها﴾ حوّاء، ﴿لِيَسكُنَ إلَيها﴾ ويألفَها، ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾: جامعها ﴿حَمَلَت
حَمَلًا خَفِيفًا﴾ هو النُّطفة، ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: ذهبت وجاءت لخِفّته، ﴿فَلَمّا أثقَلَتْ﴾ بكِبَر
الولد في بطنها وأشفقا أن يكون بهيمة ﴿دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما: لَئِنْ آتَيْتَنا﴾ ولدًا ﴿صالِحًا﴾:
سويًّا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ١٨٩ لك عليه.
٢- ﴿فَلَمّا آتَاهُما﴾ ولدًا ﴿صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾، وفي قراءة بكسر الشين والتنوين،
أي: شريكًا ﴿فِيما آتاهُما﴾ بتسميته عبدَ الحارث. ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلّا للهِ.
وليس بإشراك في العبوديّة لعِصمة آدم. وروى سمُرةُ عن النبيّ وَ ◌ّه قال: ((لَمّا وَلَدَتْ
حَوّاءُ طافَ بِها إبليسُ - وكانَ لا يَعِيشُ لَها وَلَدٌ - فقالَ: سَمِّيهِ عَبدَ الحارث. فإنّهُ
يَعِيشُ. فسَمّتْه فعاشَ، فكانَ ذلِكَ مِن وَحِي الشَّيطانِ وأمرِهِ)). رواه الحاكمُ وقال:
صحيحٌ، والترمذيُّ وقال: حسن غريب. ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشرِكُونَ﴾ ١٩٠ أي: أهلُ
مكّة به من الأصنام! والجملة مُسبَّبة عطفٌ على ((خلقكم))، وما بينهما اعتراض.
سُورَة الأَغْراق
الجزءُ الرَّحَاةُ
قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعَا وَلَاضَرَّ إِلََّ مَاشَآءَ اللَّهَ وَلَوْكُنْتُ
أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَفِىَ السُّوءَ إِنْ
أَنَاْ إِلََّذِيرٌ وَبَشِيْرٌ لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ [َ﴿ هُوَالَّذِى خَلَقَكُمْ
مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَاً فَلَمَّا
تَغَشَّنِهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَمَّا أَنْقَلَت دَّعَوَا
اللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْءَاتَيْتَنَا صَلِحًا لَنَّكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ لَّ
فَلَمَّآ ءَاتَنْهُمَا صَلِحًا جَعَلَا لَهُ, شُرَّكَآءَ فِيمَآءَاتَنْهُمَا فَتَعَلَى
أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
اَللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
(٦) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (١١)
وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَبِعُوكُمْ سَوَآءُ عَلَيْكُمْأَدَعَوْتُمُوهُمْ
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
أَمْ أَنْتُمْ صَمِتُونَ
عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْلَكُمْ إِن
ـَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ
كُنتُمْ صَدِقِينَ (٣)
يَبْطِشُونَ بِهَاَ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُصِرُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْءَاذَاتٌ
يَسْمَعُونَ بِهْ قُلِ آَدْعُواْ شُرَّكَآءَ كُمْ ثُمَّكِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ
١٩٥
٣- ﴿أَيُشرِكُونَ﴾ به في العبادة ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُم يُخلَقُونَ ١٩١، ولا يَستَطِيعُونَ لَهُم﴾ أي: لعابدِيهم ﴿نَصرًا، ولا أنفُسَهُم يَنصُرُونَ﴾ ١٩٢
بمنعها ممّن أراد بهم سوءًا من كسر أو غيره؟ والاستفهام للتوبيخ. ﴿وإن تَدْعُوهُم﴾ أي: الأصنامَ ﴿إِلَى الهُدَى لا يَتَّبِعُوكُم﴾، بالتشديد
والتخفيف، ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُم﴾ إليه ﴿أم أنتُم صامِتُونَ﴾ ١٩٣ عن دُعائهم، لا يتّبعوه لعدم سماعهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾: تعبدون ﴿مِن
دُونِ اللهِ عِبادٌ﴾ مملوكة ﴿أمثالُكُم. فادعُوهُم فلْيَستَجِيبُوا لَكُم﴾ دُعاءكم، ﴿إِن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ١٩٤ في أنها آلهة. ثمّ بيّن غايةَ عجزهم وفضلَ
عابديهم عليهم، فقال: ﴿أَلَهُم أرْجُلٌ يَمِشُونَ بِها، أم﴾: بل أ ﴿لَهُم أيدٍ﴾: جمع يد ﴿يَبطِئُونَ بِها، أم﴾: بل أ ﴿لَهُم أعيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها، أم﴾: بل
أ ﴿لَهُم آذانٌ يَسمَعُونَ بِها﴾؟ استفهام إنكار، أي: ليس لهم شيء من ذلك ممّا هو لكم. فكيف تعبدونهم وأنتم أتمّ حالًا منهم؟
٤- ﴿قُلِ﴾ لهم يا مُحمّد: ﴿ادعُوا شُرَكَاءَكُم﴾ إلى هلاكي، ﴿ثُمَّ كِيدُونِ فلا تُنظِرُونِ﴾ ١٩٥: تُمهِلونِ. فإني لا أُبالي بكم. ﴿إِنَّ وَلِّيَ اللهُ﴾: يتولَّى
أُموري، ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾: القُرآن، ﴿وهْوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ ١٩٦ بحفظه، ﴿والَّذِينَ تَدعُونَ مِن دُونِهِ لا يَستَطِيعُونَ نَصرَكُم، ولا أنفُسَهُم
(١) خلقكم: أوجدكم. ومن نفس أي: من جنسها البشري. والزوج هنا: الزوجة. وتغشاها: تغشى الرجل زوجته. وضميرا الفاعل والمفعول ليسا لآدم
وحواء، بل هما مَثَل لَآخَرَينِ بيانًا لحال بعض أبناء آدم الكافرينَ، ممن ينسى نعم الله ويشرك به. انظر ((المفصل)). وأثقلت: صارت ذات ثقل بالحمل.
و((بهيمة)) الصواب أن يقال: أن يولد مشوهًا أو ميتًا. ودعوا الله: نادياه يستعينان به رجاء الخير. ونكون: نصير. والشاكر: من يذكر النعمة بالثناء في القلب
واللسان والعمل.
(٢) جعلا له شركاء أي: صيّرا المخلوقات شركاء له في الألوهية، بتسمية الأبناء عبد مناف وعبد المسيح، أو بعبادة بعض الخلق. والشركاء: جمع شريك.
وبكسر الشين والتنوين يريد القراءة ((شِركًا)). و((في العبودية)) صوابه: ((في العبادة)). وكلامه هنا مبني على أن الأبوين هما آدم وحواء. وحملُ ذلك على غيرهما
هو الصواب كما ذكرنا، والإشراك حقيقي صريح. والحديث رواه الحسن البصري عن سمرة، وفسر الآية كما ذكرنا قبل. وهذا الحديث في الترمذي ٢٣٥:٨
والمستدرك ٥٤٥:٢، وهو ضعيف منكر، من دسائس الإسرائيليات. والوحي هنا: الوسوسة بالشر. وتعالى: تنزه وترفع. وعما يشركون أي: عما يجعلونه
شريكًا له في الألوهية والعبادة. والقول بالعطف والاعتراض مرجوح. انظر ((المفصل)).
(٣) النصر: العون. وتدعوهم أي: تنادوهم. والهدى: الإرشاد إلى الخير. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((لا يَتَبَعُوكُم)). وسواء أي: متساويان. والصامتون:
الساكتون. وعباد: جمع عبد. والأمثال: جمع مِثل. ويستجيبوا لكم أي: يطيعوكم ويلبوا طلبكم. والصادق: من يقول الحق. والأرجل: جمع رِجل.
والأيدي: جمع يد. ويبطشون: يأخذون بعنف. والأعين: جمع عين. والآذان: جمع أذن.
(٤) الشركاء: جمع شريك. وهو من جُعل شريكًا لله. وكيدون أي: اجتهدوا أنتم وشركاؤكم في إيذائي. وفي الأصل: ((كِيدُونِي)). ونزّل الكتاب أي: أوحاه
إليّ وأرسلني لتبليغه والعمل به. ويتولاهم: ينصرهم ويرعى مصالحهم. والصالحون: الذين صلَحت أعمالهم في الاعتقاد والقول والفعل. وتدعوه: تعبده
وتستغيث به. والهدى: الرشاد. وينظرون أي: للأصنام شكل الأعين، ولا يبصرون لأنهم جماد.
٧ - سورة الأعراف
١٧٦
الجزء التاسع
سُوْدَة الآجاف
الجزء السادس
إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِحِينَ ()
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَّ
أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُواْ
وَتَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿١٦ خُذِ الْعَفْوَوَأْمُنْ
وَإِمَّا يَنْزَ غَنَّكَ مِنَ
بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ (٦٦)
الشَّيْطَانِ نَزٌْ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيهُ ﴾ إِنَّ
الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَُّهُمْ طَِّفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ
فَإِذَاهُم مُّبْصِرُونَ ﴿ وَإِخْوَنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ الْغَيِّ ثُمَّ
لَا يُقْصِرُونَ (*) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم ◌ِئَايَةٍ قَالُواْلَوْلًا اجْتَبَيْتَهَاَ
قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَىَّ مِن رَّبِىِّهَذَا بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ
وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ
وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ لِقَوْرِ يُؤْ مِنُونَ [®
فَاسْتَمِعُوْلَهُ, وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ () وَأَذْكُرُرَّبَّكَ
فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ
وَالْأَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِّنَ الْغَفِلِينَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِندَرَبِّكَ
لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَيِّهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ أَ()
يَنصُرُونَ﴾ ١٩٧، فكيف أبالي بهم؟ ﴿وإن تَدعُوهُم﴾ أي: الأصنامَ ﴿إِلَى الهُدَى لا
يَسمَعُوا. وتَراهُم﴾ - يا مُحمّد - أي الأصنامَ ﴿يَنظُرُونَ إلَيكَ﴾ أي: يُقابلونك
كالناظر، ﴿وَهُم لا يُبْصِرُونَ﴾ ١٩٨ .
١- ﴿خُذِ العَفوَ﴾: اليُسرَ من أخلاق الناس ولا تبحث عنها، ﴿واؤْمُرْ بِالعُرفِ﴾:
المعروف، ﴿وَأعرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ ١٩٩ فلا تُقابلهم بسَفَههم، ﴿وإمّا) - فيه إدغام
نون ((إن)) الشرطيّة في ((ما)) المزيدة - ﴿يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطانِ نَزْغٌ﴾ أي: إن يَصرِفْك
عمّا أُمرتَ به صارف ﴿فاستَعِذْ بِاللهِ﴾: جوابُ الشرط، وجواب الأمر محذوف، أي:
يَدفعْه عنك. ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ للقول، ﴿عَلِيمٌ﴾ ٢٠٠ بالفِعل.
٢- ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إذا مَسَّهُم﴾: أصابهم ﴿طَيفٌ﴾، وفي قراءة: (طائفٌ)) أي: شيء
ألمَّ بهم ﴿مِنَ الشَّيطانِ، تَذَكَّرُوا﴾ عِقاب الله وثوابه، ﴿فإذا هُم مُبْصِرُونَ﴾ ٢٠١ الحقَّ
من غيره فيرجعون، ﴿وإخوانُهُم﴾ أي: إخوان الشياطين من الكُفّار ﴿يَمُدُّونَهُم﴾
الشياطينُ ﴿فِي الغَيِّ، ثُمَّ﴾ هم ﴿لا يُقْصِرُونَ﴾ ٢٠٢: يكُفّون عنه بالتبصُّر كما تَبَصَّرَ
المتّقون، ﴿وإذا لم تأتِهِم﴾ أي: أهلَ مكّة ﴿بِآيَةٍ﴾ ممّا اقترحوا ﴿قَالُوا: لَولا﴾
هلّ ﴿اجتّبَيتَها﴾: من قِبَلِ نفسك. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿إِنَّما أتَّبِعُ ما يُوحَى إِلَيَّ مِن
سَجْدَة
رَبِّي﴾، وليس لي أن آتيَ من عند نفسي بشيء. ﴿هذا﴾ القُرآن ﴿بَصائرٌ﴾:
حُجِجٌ ﴿مِن رَبِّكُم، وهُدّى وَرَحْمَةٌ لِقَومٍ يُؤمِنُونَ﴾ ٢٠٣ .
٣- ﴿وإذا قُرِئَ القُرآنُ فاستَمِعُوا لَهُ وأنصِتُوا﴾ عن الكلام، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢٠٤. نزلتْ في ترك الكلام في الخُطبة، وعُبّر عنها بالقُرآن
لاشتمالها عليه، وقيل: في قراءة القُرآن مُطلقًا. ﴿واذكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ أي: سِرًّا، ﴿تَضَرُّعًا﴾: تذلَّلًا، ﴿وخِيفَةً﴾: خوفًا منه، ﴿و﴾ فوق السرّ
(دُونَ الجَهرِ مِنَ القَولِ﴾ أي: قصدًا بينهما، ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾: أوائل النهار وأواخره، ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ ٢٠٥ عن ذكر الله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ
عِندَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكةَ ﴿لا يَستَكِرُونَ﴾: يتكبّرون ﴿عَن عِبادِهِ، ويُسَبِّحُونَهُ﴾: يُنزِّهونه عمّا لا يليق به، ﴿ولَهُ يَسجُدُونَ﴾ ٢٠٦ أي: يخصُّونه
بالخُضوع والعِبادة. فكونوا مثلهم.
(١) انظر سبب النزول في المفصل. وخذ أي: تقبل راضيًا مطمئنًا واترك السرائر. واؤمر به أي: أوجبه. والمعروف: ما حسّنه الشرع والعقل السليم. وأعرض
أي: انصرف باللطف. والجاهل: الجافي من الناس. وزيادة ((ما)) تفيد توكيد الشرط والجواب. والشيطان: من يغري بالشر من الإنس والجن. وينزغن: يصيين.
والنزغ: الإغواء، أي: الوسوسة من الإنس أوالجن أو النفس بالنسبة إلى المسلمين. وهو بالنسبة إلى النبي ◌َ ل* يكون من نزغ الإنس أو النفس فقط، بنميمة أو غيبة
وغضب أو عداوة. فقد ثَبَتَ في الحديث الصحيح، وفي إجماع الأمة، أنه معصوم من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه. انظر ص ٢١٦٧-٢١٦٨ من صحيح
مسلم والشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢: ١٠٤-١٠٥ وتفسير الآلوسي ٩: ٢١٤. واستعذ به: الجأ إليه وتحصن به، ليكشف عنك البلاء ويحفظك.
(٢) اتقوا أي: خافوا الله والتزموا طاعته وتجنبوا عصيانه. والطيف والطائف: ما يدور في النفس الإنسانية من الوسوسة والتخيلات الوهمية، ودسائس
المفسدين والأشرار. والتذكّر هنا شامل أيضًا لعداوة الشيطان وكيده، والاستعاذة بالله واستحضار عظمته وعونه في القلب، وللتفكر فيما يحقق الخير
والصلاح. ومبصرون: من البصيرة. وهي الفطنة وإدراك الحقيقة، لتجنبِ مواقع الخطأ وطلبِ الخير والصلاح. والإخوان: جمع أخ. وهو الصاحب. وإخوان
الشياطين هم الكفار يجارونهم في الباطل. ويمدونهم: يزيّنون بالإغراء. والهاء تعود على: إخوان. والغي: الضلال. و(هم)) يعني الكفار. ويكفون أي: لا
يكف إخوان الشياطين عن الغي. وانظر ((المفصل)). واجتبيتها أي: أتيت بها. وأتّبِعُه أي: أعمل به وأبلغه. ويوحى: يرسل إليّ على لسان جبريل، وييسر لي
علمه وحفظه وتبليغه. والبصائر: جمع بصيرة. وهي ظهور الشيء، حتى يبصره الإنسان فيهتدي به. والهدى: الإرشاد إلى الحق. والرحمة: العطف بالإحسان.
ويؤمنون أي: يتقبلون الخير بالتصديق والعمل.
(٣) استمعوا أي: توجهوا بالسمع والانتباه. وأنصتوا: اسكتوا مستمعين. ولعلكم أي: ليُترجَّى لكم. وترحمون أي: يكون عليكم عطف الرحمن بالإحسان.
وفي الخطبة أي: وجوب امتناع المستمعين لخطبة الجمعة والعيدين عن الكلام. وفي هذا نظر، لأن الآية مكية، والخطبة وجبت في المدينة. الجامع لأحكام
القرآن ٧: ٣٥٣. و((قيل)) هذا تفسير آخر للآية، يوجب صمت المستمعين حين تلاوة القرآن، وهو الراجح. واذكره أي: استحضر عظمته في قلبك وتصرفاتك.
والخطاب للنبي وَّر ويعم جميع المسلمين. ودون الجهر أي: تحت درجة الصوت العالي. وهو القصد أي: التوسط والاعتدال. والغدو: جمع غُدوة. وهي
ما بين الفجر وطلوع الشمس. والآصال: جمع أصيل. وهو من العصر إلى المغرب. والغافل: الساهي لا يعي ما حوله. وعند ربك أي: في الرضا والإكرام
من المنازل الرفيعة. ويسجد: يتذلل ويخضع.
الجزء التاسع
١٧٧
٨ - سورة الأنفال
سورة الأنفال
مدنية أو إلّا ((وإذ يمكر)) الآيات السبع فمكية، [بل هي مدنية]، خمس أو
ستّ أو سبع وسبعون آية .
نظيف
الجزب
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
١- لمّا اختلف المسلمون في غنائمٍ بدرٍ، فقال الشُّانُ: هي لنا لأننا باشرْنا القتال.
وقال الشُّيوخُ: ((كنّا رِدةًا لكم تحتَ الرايات، ولو انكشفتم لفِئتم إلينا. فلا تستأثروا
بها»، نَزَلَ: ﴿يَسألُونَكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿عَنِ الأنفالِ﴾: الغنائمِ لمن هي؟ ﴿قُلِ﴾ لهم:
﴿الأنفالُ لِهِ والرَّسُولِ﴾ يجعلانها حيثُ شاءا. فقسَّمها رسول الله وَّل بينهم على
السواء. رواه الحاكم في ((المستدرك)). ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وأصلِحُوا ذاتَ بَينِكُم﴾ أي: حقيقةً
ما بينكم بالمودّة وترك النزاع، ﴿وأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ، إن كُنتُم مُؤمِنِينَ﴾ ١ حقًّا.
٢- ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ﴾ الكاملو الإِيمانِ ﴿الَّذَيْنَ إذا ذُكِرَ اللهُ﴾ أي: وعيدُه ﴿وَجِلَتْ﴾:
خافت ﴿قُلُوبُهُم، وإذا تُلِيَتْ عَلَيهِم آيَاتُهُ زادَتْهُم إيمانًا﴾: تصديقًا، ﴿وعَلَى رَبِّهِم
يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٢: به يثقون لا بغيره، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: يأتون بها بحقوقها،
﴿ومِمّا رَزَقْنَاهُم﴾: أعطيناهم ﴿يُنفِقُونَ﴾ ٣ في طاعة الله. ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما
ذُكر ﴿هُمُ المُؤمِنُونَ حَقًّا﴾: صِدقًا بلا شكّ، ﴿لَهُم دَرَجاتٌ﴾: منازل في الجنّة ﴿عِندَ
رَبِّهِم، ومَغْفِرَةٌ ورِزقٌ كَرِيمٌ﴾ ٤ في الجنّة.
سُورَةُ الأَنْفَالِ
آيا:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْاللَّهَ
وَأَصْلِحُواْذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنْتُمـ
مُؤْمِنِينَ ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَتُهُ زَادَتُهُمْ إِيمَنَّا وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَّكَُّونَ ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَارَزَقْنَهُمْ
يُنِفِقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّالَهُمْ دَرَجَتُ عِندَ
رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ
مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبِقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ
يُجَدِ لُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَ مَانَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ
وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ وَإِذْ يَعِدُ كُمُ اللَّهُ إِحْدَى الَّبِفَنَيْنِ أَنَّهَا
لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
وَيُرِيدُ اللّهُأَنْ يُحِقَ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ
(٣ ليُحِقَّ الْحَقِّ وَبُطِلَ الْبَطِلَ وَلَؤْكَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ ﴾
٣- ﴿كَما أخرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾: مُتَعلّق بـ ((أخرج))، ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ ٥ الخُروجَ - والجملة: حال من كاف
((أخرجك)). وكما: خبر مبتدأ محذوف، أي هذه الحالُ في كراهتهم لها مِثلُ إخراجك في حال كراهتهم. وقد كان خيرًا لهم، فكذلك أيضًا.
وذلك أنّ أبا سُفيانَ قَدِمَ بِعِير من الشام فخرج رَّة وأصحابه ليغنموها، فعلمت قريش فخرج أبو جهل ومقاتلو مكة ليذبّوا عنها. وهم النفير. وأخذ
أبو سُفيان بالعِير طريقَ الساحل فنجت، فقيل لأبي جهل: ارجِعْ. فأبى وسار إلى بدر، فشاور ◌ََّ أصحابَه وقال: ((إنّ اللهَ وَعَدَنِي إحدَى
الطّائفتَينِ)) - فوافقوه على قتال النفير، وكرهَ بعضهم ذلك وقالوا: ((لم نَستَعِدَّ له))، كما قال تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾: القتال، ﴿بَعدَ ما
تَبَيَّنَ﴾: ظهر لهم، ﴿كأنَّما يُساقُونَ إِلَى المَوتِ، وهُم يَنظُرُونَ﴾ ٦ إليه عيانًا في كراهتهم له.
٤ - ﴿و﴾اذكرْ ﴿إِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إحدَى الطّائفتَينِ﴾: العِيرَ أو النفيرَ ﴿أنَّها لَكُم، وتَوَدُّونَ﴾: تُريدون ﴿أَنَّ غَيرَ ذاتِ الشَّوكةِ﴾ أي: البأسِ والسلاح -
وهي العِير - ﴿تَكُونُ لَكُم﴾ لِقِلّة عَدَدها وعُدَدها بخِلاف النفير، ﴿ويُرِيدُ اللهُ أن يُحِقَّ الحَقَّ﴾: يُظهرَه ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ السابقة بظهور الإِسلام، ﴿ويَقطَعَ
(١) الردء: الحماية والعون. وانكشفتم: انهزمتم. وفئتم: التجأتم. ولا تستأثروا بها أي: لا تخصوا بها أنفسكم. انظر ((المفصل)). ويسألونك أي: سؤال
استفتاء لحل الخلاف. والأنفال: جمع نَفَل. والمراد بالغنائم ما يُعطاه المجاهد زيادة على نصيبه. ولله والرسول أي: حكمها مختص به - تعالى - يقسمها
الرسول دون تدخل أحد. والمستدرك يعني ماورد في ١٣٥:٢ و٣٢٦ منه. واتقوه أي: خافوه بتجنب عصيانه ولزوم طاعته. وأصلحوه: أزيلوا مافيه من
الخلاف. وذات الشيء: حقيقته ونفسه. والبين: الروابط. والمؤمن: من عرف قلبه التوحيد وما يلزمه.
(٢) لفظ ((المؤمنون)) فيه تغليب الذكور على الإناث، لأن المراد به الرجال والنساء. وذُكِرَ الله: ورد اسم من أسمائه. والقلوب: جمع قلب، موطن التدبر
والاعتقاد والانفعال. وتليت: قرئت وبيّن حكمها. والآيات: النصوص القرآنية. وزادته: أضافت إليه. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه.
والصلاة: العبادة المكتوبة. وينفق: يصرف. وفي طاعة الله: فيما شرع من الزكاة وغيرها. والمؤمنون: الكاملو الإيمان. وعند ربهم: في حكمه بفضله
ورحمته. والمغفرة: ستر الذنوب والعفو عنها. والرزق: ما يسّر للمخلوق من نعم. والكريم: الدائم مع الإكرام والتعظيم.
(٣) أخرجك: قدّر لك الخروج. والبيت: مكان الإقامة والاستقرار. والحق: ما وجب من الجهاد. انظر ((المفصل)). ومتعلق: يعني حرف الجر الباء.
والفريق: الجماعة. والكاره: من يأبى ولا يريد. و((فكذلك)) أي: فقسمة الغنيمة بالعدل مثل ذلك الخروج، في أن كلّ منهما خير. وأبو سفيان: صخر بن
حرب سيد قريش في الجاهلية. والعير: الإبل الحاملة للتجارة. ويذبوا أي: يقاتلوا ويدافعوا. والنفير: العسكر المجتمع. وأخذ طريق الساحل أي: عدل إلى
طريق بساحل البحر. وذكر الطائفتين يشير إلى الآية ٧. وظهرَ أي: تحتُّمُ القتال وثبوت النصر فيه. ويساقون إلى الموت: يُدفعون إلى القتل.
(٤) يعدكم إحداهما أي: يتعهد لكم بها. وذات الشوكة: صاحبتها. وتكون لكم أي: تصير لكم في اللقاء والتملك. وبخلاف النفير: يعني أن لقاء النفير فيه
حرب وقتل، ولقاء العِير فيه غنيمة بقليل من القتال. ويريد: يقضي. ويحق: يُثبت ويُغلّب. والحق: الشيء الثابت وهو التوحيد. وكلماته: أوامره وقضاؤه.
ويقطع: يُفني ويمحق. والباطل: ما لا أصل له عند الاختبار. وكره: أبغض ولم يرض. والمجرم: من يقترف الشرك والجرائم باختيار وقصد. وذلك يعني:
انتصار الإسلام وهزيمة الكفر.
سُورَة الأَنْفَلل
٨ - سورة الأنفال
١٧٨
الجزء التاسع
سُورَة الآنفلا
إِذْتَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ
مِّنَ الْمَلَمِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّبُشْرَى
وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَالنَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِاللَّهَإِنَّ اللَّهَ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ إِذْيُغَشِيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُقِلُ
عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنْكُوْرِجْزَ
الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْوَيُثَبِّتَ بِهِالْأَقْدَامَ [
إِذْيُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَنَبِتُوا ◌ْلَّذِينَ ءَامَنُواْ
سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْالرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ
اَلْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
شَآَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَمَن يُشَاقِقِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ
ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَ لِلْكَفِينَ
شَدِيدُ اُلْعِقَابِ!
عَذَابَ النَّارِ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ
كَفَرُواْزَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِدٍ
دُبُرَ مُ إِلَّا مُتَحَرِّفَالِقِنَالٍ أَوْ مُتَحَتِزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْبَآءَ
بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْصِيرُ﴾
دابِرَ الكافِرِينَ﴾ ٧ آخرَهم بالاستئصال. فأمركم بقتال النفير، ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبطِلَ﴾:
يمحق ﴿الباطِلَ﴾: الكُفر، ﴿وَلَو كَرِهَ المُجرِمُونَ﴾ ٨: المُشركون ذلك.
١ - اذكرْ ﴿إِذْ تَستَغِيثُونَ رَبَّكُم﴾: تطلبون منه الغوث بالنصر عليهم، ﴿فاستَجابَ لَكُم
أَنِّ﴾ أي: بأني ﴿مُمِدُّكُم﴾: مُعينكم ﴿بِألفٍ مِنَ المَلائكةِ مُردِفِينَ﴾ ٩: مُتتابعین یُردف
بعضهم بعضًا. وعَدَهم بها أوّلًا، ثمّ صارت ثلاثة آلاف ثمّ خمسة، كما في ((آل
عمران)). وقُرئ: ((بِأَلُفٍ)» كأفلُس، جمعٌ. ﴿وما جَعَلَهُ اللهُ﴾ أي: الإمدادَ ﴿إِلّا بُشرَى،
ولِتَطمَئنَّ بِهِ قُلُوبُكُم. وما النَّصرُ إلَّا مِن عِندِ اللهِ. إنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١٠.
٢ - اذكرْ ﴿إِذْ يَغْشَاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً﴾: أمْنَا ممّا حَصَلَ لكم من الخوف ﴿مِنْهُ﴾ - تعالى
- ﴿وَيُنْزِلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّماءِ ماءً، لِيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ من الأحداث والجنابات، ﴿ويُذْهِبَ
عَنكُم رِجْزَ الشَّيطانِ﴾: وسْوَستَه إليكم، بأنكم لو كنتم على الحقّ ما كنتم ظِماءً
مُحدِثين والمشركون على الماء، ﴿ولِيَرِبِطَ﴾: يَحْبِسَ ﴿عَلَى قُلُوبِكُم﴾ باليقين والصبر،
﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدامَ﴾ ١١ أن تسوخ في الرمل.
٣- ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلائكةِ﴾ الذين أمدّ بهم المسلمين: ﴿أنِّي﴾ أي: بأنّي
﴿مَعَكُم﴾ بالعون والنصر. ﴿فِثَبُّوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالإِعانة والتبشير. ﴿سأُلقِي فِي قُلُوبٍ
الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعبَ﴾: الخوفَ. ﴿فاضرِبُوا فَوقَ الأعناقِ﴾ أي: الرؤوسَ، ﴿واضرِبُوا
مِنْهُم كُلَّ بَنانٍ﴾ ١٢ أي: أطرافَ اليدين والرجلين. فكان الرجل يقصِد ضرب رقبة
الكافر، فتسقط قبل أن يصل سيفه إليه. ورماهم ◌ّ بقبضة من الحصى، فلم يَبْقَ
مُشرك إلّا دخل في عينيه منها شيء، فهُزموا. ﴿ذَلِكَ﴾ العذاب الواقع بهم ﴿بِأَنَّهُم شاقُوا﴾: خالفوا ﴿اللّهَ ورَسُولَهُ، ومَن يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فإنَّ اللهَ
شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ١٣ له. ﴿ذُلِكُم﴾ العذابُ - ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أيها الكُفّار في الدنيا - ﴿وأنَّ لِلکافِرِينَ﴾ في الآخِرة ﴿عَذابَ النّارِ﴾ ١٤.
٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحقًا﴾ أي: مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون ﴿فلا تُوَلَّوهُمُ الأدبارَ﴾ ١٥ منهزمين. ﴿ومَن يُوَلِّهِم
يَومَئذٍ﴾ أي: يوم لقائهم ﴿دُبُرَهُ، إلّا مُتَحَرِّفَا﴾: مُنعطفًا ﴿لِقِتالٍ﴾، بأن يُريهم الفَرّةَ مَكيدةً وهو يريد الكرّةَ، ﴿أو مُتَحَيِّزًا﴾: مُنضمًّا ﴿إِلَى فِئَةِ﴾:
جماعة من المسلمين يستنجدُ بها، ﴿فَقَد باءَ﴾: رجَع ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ، ومأواهُ جَهَنَّمُ، وبِئسَ المَصِيرُ﴾ ١٦: المرجعُ هي! وهذا مخصوص بما إذا
لم يَزِدِ الكُفَّارُ على الضُّعف.
(١) انظر سبب النزول في المفصل. واستجاب لكم أي: قبل دعاءكم وحقق طلبكم. والملائكة: جمع ملّك، مخلوقات نورانية عظيمة القدرات معصومة
مطهرة. و(كما في)) يعني الآيتين ١٢٤ و١٢٥ من سورة آل عمران. وجمع أي: الْف جمع ألف. وجعله: أوجده. والبشرى: البشارة. وهي التبليغ بالخير
والنصر. وتطمئن: تهدأ. والقلوب: جمع قلب. والنصر: الغلبة على العدو. ومن عنده أي: بأمره وقضائه. والعزيز: الغلّاب لا يعجزه شيء ويَذل لعزته ما
عداه. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء.
(٢) يغشاكم: يحل بكم. وفي ث والمنحة وبعض المطبوعات: ((يغشيكم)). والنعاس: النوم الخفيف. والأمن: الطمأنة. ومنه أي: من عنده وبأمره. وينزل:
يسقط. والسماء: السحاب. والماء: المطر. والأحداث: جمع حَدَث. وهو فساد الوضوءِ أو الاغتسالِ. والجنابة: الحاجة إلى الاغتسال من الحدث الأكبر.
وذلك أنهم كانوا في كثيب رمل لاماء فيه، واحتلم بعضهم في منامه، فكان المطر لهم مُسعفًا. ويذهب: يزيل. والرجز: العذاب. وفسّر بالوسوسة لأنها سبب
له. والشيطان: من يغري بالشر من الجن. وظماء: جمع ظمآن. وهو العطشان. وفي ع وقرة العينين والمنحة: ((ظمأى)). ويربط على قلوبكم: يقويها
ويشجعها. ويثبت الأقدام: يرسخها في مواطئها بتلبد الرمال بعد المطر. والأقدام: جمع قدم. وأن تسوخ أي: لئلّا تغوص.
(٣) يوحي إليهم: يلهمهم. وثبتوهم: قوُّوا قلوبهم وعزائمهم. وآمن: صدّق الله ورسوله. وألقي: أقذف وأرمي. واضربوا أي: بالسلاح. والأعناق: جمع
عنق. وهي الرقبة. والبنان: واحدته بنانة. وهي هنا الأصابع. وفي عينيه أي: وفي فمه وأنفه، ليعجز عن القتال. وانظر تفسير الآية ١٧ . والشديد: القوي
الفظيع. والعقاب: الجزاء بالعذاب. وذوقوه أي: تحسسوه وقاسوا شدائده. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. والكافر من كذّب الله ورسوله. والنار:
نار جهنم.
(٤) لقيتم: قابلتم في الحرب. وتولوهم الأدبار أي: تمكنوهم من ظهوركم بالفرار. والأدبار: جمع دبر. وهو الظهر. وهذا الحكم عام لكل حرب، لأن
الآيتين نزلتا بعد انقضاء الحرب يومئذ. انظر الفتح القدير ٤١٣:٢ وتفسير الآلوسي ٩: ٢٦٤-٢٦٥. ولقتال أي: لأجل التمكن من حرب العدو. والفرّة:
الهرب. والكرة: العودة إلى القتال. والغضب: السخط وإرادة الانتقام. ومن الله أي: من عنده وفي حكمه. والمأوى: الملجأ الذي يأوي إليه ويلازمه.
وجهنم: اسم علم للعذاب الذي أعد للكافرين. وبئس: بلغ الغاية في البؤس والقبح والسوء، والمرجع: مكان الرجوع والإقامة. وهي: المخصوص بالذم،
مذموم مرتين: الأولى في جنسه ((المصير))، والثانية في اختصاصه هنا. و((هذا)) يعني الحكم الوارد في الآية. وبما إذا: انظر ((المفصل)).
الجزء التاسع
١٧٩
٨ - سورة الأنفال
١ - ﴿فَلَم تَقتُلُوهُم﴾ ببدر بقوّتكم، ﴿ولَكِنَّ اللهَ قَتَلَّهُم﴾ بنصره إيّاكم، ﴿وما رَمَيتَ﴾ -
يا مُحمّد - أعيُنَ القوم ﴿إِذْ رَمَيتَ﴾ بالحصباء، لأنّ كفَّا من الحصباء لا يملأ عُيون
الجيش الكثير برمية بشر، ﴿ولَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ بإيصال ذلك إليهم. فعلَ ذلك ليقهر
الكافرين، ﴿وَلِيُبلِيَ المُؤمِنِينَ مِنْهُ بَلاءَ﴾: عطاء ﴿حَسَنًا﴾، هو الغنيمة. ﴿إِنَّ اللهَ
سَمِيعٌ﴾ لأقوالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ ١٧ بأحوالهم. ﴿ذلِكُم﴾ الإِبلاء حقّ، ﴿وأنَّ اللهَ مُوَهِّنٌ﴾:
مُضْعِفٌ ﴿كَيدَ الکافِرِينَ﴾ ١٨ .
٢- ﴿إِن تَستَفْتِحُوا﴾ أيها الكُفّار: تطلبوا الفتح أي القضاء، حيثُ قال أبو جهلٍ منكم:
((اللَّهمَّ، أيُّنا كان أقطعَ للرَّحِم، وآتانا بما لا نَعرِفُ، فأَحِنْه الغَداةَ)) أي:
أهلِكْه، ﴿فَقَد جَاءَكُمُ الفَتحُ﴾: القضاء بهلاك من هو كذلك - وهو أبو جهل
ومن قُتل معه، دون النبيّ والمؤمنين - ﴿وإن تَنْتَهُوا﴾ عن الكُفر والحرب ﴿فَهْوَ
خَيْرٌ لَكُم، وإن تَعُودُوا﴾ لقتال النبيّ ﴿نَعُدْ﴾ لنَصره عليكم، ﴿وَلَن تُغنِيَ﴾:
تَدفعَ ﴿عَنْكُمْ فِتَتُكُم﴾: جماعتكم ﴿شَيْئًا، ولَو كَثُرَتْ! وإنَّ اللهَ مَعَ المُؤمِنِينَ﴾ ١٩،
بكسرِ ((إنّ)) استئنافًا، وفتحِها على تقدير اللام.
ثلاثة أزواج
الخِزب
١٨
سُورَة الآنفلل
الجزء التجارة
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهُ قَثَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ
وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَنَّ وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءَ حَسَنَّاً
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُومِنٌ كَيْدٍ
اُلْكَفِرِينَ ﴿ إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَ كُمُ الْفَتْحُ
وَإِن تَنَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌلَّكُمْ وَ إِن تَعُودُ واْنَعُدَّ وَلَنْ تُغْنِى عَنْكُمْ
فِشَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّاللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَلَا تَوَلَّوْاْعَنْهُ وَأَنْتُمْ
تَسْمَعُونَ (® وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْسَمِعْنَاوَهُمْ
لَ يَسْمَعُونَ ﴿﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتِ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ
الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (*) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمّ
وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْوَّهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُوْلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ
وَأَعْلَمُوْأَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اْلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ ﴿﴿ وَأَتَّقُواْفِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّالَّذِينَ ظَلَمُواْ
مِنكُمْ خَاصَّةً وَأَعْلَمُوْ اْأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُالْعِقَابِ
٣- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، أطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ، ولا تَوَلَّوا﴾: تُعرضوا ﴿عَنْهُ﴾ بمُخالفة
أمره، ﴿وأنْتُم تَسمَعُونَ﴾ ٢٠ القُرآن والمواعظ، ﴿ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا: سَمِعْنا.
وهُم لا يَسمَعُونَ﴾ ٢١ سماعَ تدبُر واتّعاظ. وهم المُنافقون أو المُشركون. ﴿إِنَّ شَرَّ
الدَّوابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ﴾ عن سماع الحقّ، ﴿البُكمُ﴾ عن النُّطق به، ﴿الَّذِينَ لا
يَعْقِلُونَ﴾ ٢٢ »، ﴿وَلَو عَلِمَ اللهُ فِيهِم خَيرًا﴾: صلاحًا بسماع الحقّ ﴿لَأَسمَعَهُم﴾ سماعَ
تفهُّم، ﴿وَلَو أسمَعَهُم﴾ - فرْضًا وقد علم أنْ لا خير فيهم - ﴿لَتَوَلَّوا﴾ عنه ﴿وهُم مُعرِضُونَ﴾ ٢٣ عن قبوله، عِنادًا وجُحودًا .
٤ - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، استَجِيبُوا لِلِهِ ولِلرَّسُولِ﴾ بالطاعة، ﴿إذا دَعاكُم لِما يُحيِيكُم﴾ من أمر الدِّين لأنه سبب الحياة الأبديّة، ﴿واعلَمُوا أَنَّ اللهَ
يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلِهِ﴾، فلا يستطيع أن يُؤمن أو يكفر إلّا بإرادته، ﴿وأنَّهُ إلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾ ٢٤، فيُجازيكم بأعمالكم، ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾، إن أصابتكم
﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُم خاصّةً﴾، بل تعمّهم وغيرَهم - واتقاؤها بإنكار مُوجِبها من المُنكَر - ﴿واعلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ٢٥ لمن
(١) انظر سبب النزول في المفصل. وقتلهم أي: أزهق أرواحهم وجعلها تفارق الأجساد. ورميت: ألقيت. وفي أعين القوم أي: وجوههم بما فيها من الأعين
والأنوف والأفواه. والثابت في صحيح الأحاديث أن هذا الرمي كان يوم حنين. وغير بعيد أن يكون قد حصل رمي الحصى في الغزوتين. وكفّا أي: ما يملأ
قبضة الكف. والحصباء: الحجارة الصغار. انظر ((المفصل)). ورمى أي: قدّر الرمي وحققه بأمره. ويبليهم: يُنعم عليهم ويعرّفهم فضله، ليعرفوا حقه ويشكروا
نعمته. ومنه أي: من عنده وبأمره. والحَسَن: الكثير الخير. وسميع وعليم: من السمع والعلم. وحق: أمر ثابت وعدل. وفي الأصل: ((مُوهنُ)). ط: ((مُوَهِّنُ
مضعف كَيدَ)))). والكيد: المكر وقصد الإيذاء. والكافر: من كذب الله ورسوله. (٢) الفتح: النصر. والقضاء: الحكم بينهم وبين المسلمين. وأبو جهل: سيد
المشركين يوم بدر. وقطع الرحم: معاداة العشيرة والهجرة. وآتانا أي: أكثرنا أتيًا. والغداة: هذا الصباح. وجاءكم أي: نزل بكم. وكذلك أي: أقطع للرحم
وآتاكم بالباطل. وتنتهوا أي: تستجيبوا للإيمان والطاعة. وخير: أكثر نفعًا. والتفضيل هنا باعتبار ما يعتقدون من أنهم في خير. ونعد أي: نقصد كرة ثانية.
وكثرت: كثر عددها. ومعهم أي: يصحبهم بالعون والنصر. وبفتحها: يعني أن القراءة ((وأنَّ)) على تقدير: ولأن الله مع المؤمنين في العون والنصر كان ذلك
الفتح. (٣) أطيعوا أي: اثبتوا على الطاعة. والرسول: من كلف بالدعوة والعمل. وتولوا: تتولوا. انظر ((المفصل)). وتسمعونه أي: تدركونه. وتكونوا:
تصيروا. وسمعنا: أدركنا وفهمنا. وشرها: أكثرها ضررًا وإيذاء. والدواب: جمع دابة. وهو ما يدب على الأرض من إنسان أو حيوان. وعنده أي: في حكمه
وعلمه. والصم: جمع أصم. وهو الذي لا يسمع. والبكم: جمع أبكم. وهو الذي لا ينطق. ولا يعقلون: لا يدركون الحقائق لتعطيل عقولهم واستغراقهم في
الشهوات. وعَلِمَه: أحاط به، أي: ليس فيهم شيء من الخير لِيَعلمه الله. وأسمعهم: أقدرهم على السماع الواعي. و((فرضًا)) يعني: افتراضًا جدليا غير واقعي.
وتولوا: انصرفوا وأبوا. والمعرض: الممتنع المتأبي. (٤) استجيبوا له: أجيبوا أمره ونفذوه. وما يحييكم أي: ما فيه حياتكم الحقيقية بالإيمان والصلاح.
واعلموا أي: دوموا على الإدراك اليقيني. ويحول بينهما: يحجز كلّ منهما عن الآخر. وهو تمثيل لغاية القرب والتملك والاقتدار على التحكم. والمرء:
الإنسان. والقلب: العقل وما فيه من اعتقاد وتدبر وانفعال. وإليه أي: إلى لقاء موعده يوم القيامة. وتحشرون: تجمعون بالبعث للحساب. واتقوها أي:
تجنبوا أسبابها. وهي شيوع المنكرات والفواحش وتحكم الشهوات، أو تعطيل الجهاد وبعض الأحكام الشرعية، أو الانقياد إلى غير المسلمين واتباعهم في
الخلق والسلوك، أو قبول قوانينهم ومذاهبهم السياسية والفكرية، أو الاعتماد عليهم في المرافق العامة والنصرة. والفتنة: الكوارث الطبيعية والحروب المدمرة،
والأوبئة والقحط وتسلط الظلمة، والذلة والهوان والاستسلام. وتصيبه: تنزل به. والذين ظلموا: المقترفون للكفر أو العصيان أو البغي أو الفساد. والخاصة:
التي تخص بعض الناس. والموجب: السبب. وشديد العقاب: انظر آخر الآية ١٣. واذكروا: استحضروا في نفوسكم دائمًا. والمستضعفون: الذين يعاملهم
الناس معاملة العاجزين. وآواكم: حماكم من العدوان. والنصر: العون. ورزقكم: منحكم ما تتمتعون به. والطيبات: المستلذات من النعم. وتشكرون:
تذكرون النعم بالثناء قلبًا ولسانًا وعملًا.
٨ - سورة الأنفال
١٨٠
الجزء التاسع
سُورَة الأَزْ اللَ
وَأَذْكُرُوْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِى الْأَرْضِ تَخَافُونَ
أَنْ يَتَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَأَتَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ
مِنَ الطِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْأَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
﴿ وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ
عِندَهُوَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْإِن تَنَّقُواْ
اَللَّهَيَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ
لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لِيُقْسِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِ جُولٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ
اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُالْمَنكِرِينَ ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْءَايَتُنَا
قَالُواْقَدْ سَمِعْنَا لَوْنَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَآإلَّا
أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَإِذْقَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا
هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ
أَوِأَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِمٍ ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (
خالفه، ﴿واذكُرُوا إذْ أنْتُم قَلِيلٌ مُستَضعَفُونَ في الأرضِ﴾: أرض مكّة، (تَخافُونَ أن
يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾: يأخذَكم الكُفّار بسُرعة، ﴿فَآواكُم﴾ إلى المدينة، ﴿وأيَّدَكُم﴾:
قوّاكم ﴿بِنَصرِهِ﴾ يومَ بدر بالملائكة، ﴿وَرَزَقَكُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الغنائمِ، ﴿لَعَلَّكُم
تَشكُرُونَ﴾ ٢٦ نِعَمَه.
١- ونزلَ في أبي لُبابة بنِ عبدِ المُنذر، وقد بعثه وَّهَ إلى بني قريظةَ ليَنزلوا على حُكمه
فاستشاروه، فأشار إليهم أنّه الذبحُ، لأنّ عِياله وماله فيهم: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا
تَخُونُوا اللهَ والرَّسُولَ، و﴾ لا ﴿تَخُونُوا أماناتِكُم﴾: ما اؤْتُمنْتُم عليه من الدِّين وغيره،
﴿وَأَنتُم تَعلَمُونَ ٢٧، واعلَمُوا أَنَّما أمْوالُكُم وأولادُكُم فِتْنَةٌ﴾ لكم صادّة عن أُمور
الآخِرة، ﴿وأنَّ اللهَ عِندَهُ أجرٌ عَظِيمٌ﴾ ٢٨. فلا تفوِّتوه بمراعاة الأموال والأولاد
والخِيانة لأجلهم. ونزلَ في توبته: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إن تَتَّقُوا اللهَ﴾ بالأمانة
وغيرها ﴿يَجعَلْ لَكُمْ فُرقانًا﴾ بينكم وبين ما تخافون فتنجون، ﴿ويُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئاتِكُم،
ويَغْفِرْ لَكُم﴾ ذُنوبكم. ﴿واللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ﴾ ٢٩ .
٢- ﴿و﴾ اذكرْ - يا مُحمّد - ﴿إِذْ يَمِكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقد اجتمعوا للمُشاورة في
شأنك بدار الندوة، ﴿لِيُثِتُوكَ﴾: يُوثقوك ويَحبِسوك، ﴿أو يَقْتُلُوكَ﴾ كلّهم قتلَةَ رجلٍ
واحد، ﴿أو يُخرِجُوكَ﴾ من مكّة - ﴿ويَمْكُرُونَ﴾ بك ﴿وَيمكُرُ اللهُ﴾ بهم بتدبير أمرك،
بأن أوحى إليك ما دبّروه وأمرك بالخروج، ﴿واللهُ خَيرُ الماكِرِينَ﴾ ٣٠: أعلمهم به -
﴿وإذا تُتَلَى عَلَيهِم آياتُنا﴾: القُرآنُ ﴿قالُوا: قَد سَمِعْنا. لَو نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هُذا﴾ - قاله
النضرُ بن الحارث، لأنه كان يأتي الحِيرة يَتّجر، فيشتري كُتب أخبار الأعاجم ويحدِّث
بها أهل مكّة - ﴿إِنْ﴾: ما ﴿هذا﴾ القُرآن ﴿إلّا أساطِيرُ﴾: أكاذيبُ ﴿الأوَّلِينَ﴾ ٣١.
٣- ﴿وإِذْ قَالُوا: اللَّهُمَّ، إن كانَ هذا﴾ الذي يقرؤه مُحمّد ﴿هُوَ الحَقَّ﴾ المُنزَلَ ﴿مِن عِندِكَ فأمطِرْ عَلَينا حِجارةَ مِنَ السَّماءِ، أوِ اتَّتِنا بِعَذابٍ
أليم) ٣٢: مؤلم على إنكاره. قاله النضر أو غيره استهزاءً، وإيهامًا أنه على بصيرةٍ وجزم ببطلانه. قال تعالى: ﴿وما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم) بما
سألّوه، ﴿وأنتَ فِيهِم﴾، لأنّ العذاب إذا نزل عَمَّ، ولم تُعذّب أُمّة إلّا بعد خروج نبيِّها والمؤمنين منها، ﴿وما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُم، وهُم
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ٣٣ حيثُ يقولون في طوافهم: غُفرانَكَ غُفرانَكَ. وقيل: هم المُؤمنون المُستضعفون فيهم، كما قال تعالى: (لَو تَزَيَّلُوا لَعَذّبْنَا الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْهُم عَذابًا ألِيمًا)).
(١) الخطاب في الآيات هو لأبي لبابة، ويعم جميع المسلمين. وأبو لبابة صحابي من الأنصار. وبنو قريظة: جماعة من اليهود سلالة هارون يقيمون قرب
المدينة، نقضوا العهود وشاركوا المشركين في غزوة الخندق، فحاربهم المسلمون بعد الغزوة حتى طلبوا تحكيم سعد بن معاذ، واستشارة أبي لبابة. وحُكمه
يعني حكم النبي، وهو قتل الرجال وسبي النساء. ولما لقيهم أبو لُبابة ليستشيروه خان ما اؤتُمِن عليه بإشارة. يعني أنه أشار بيده إلى حلقه: إنه الذبح ، فلا
تقبلوا. سيرة ابن هشام ٢٣٣:٢-٢٤٢. وخيانة الأمانة: مخالفتها أو نقضها وعدم الالتزام لبعضها. ولا تخونوه أي: لاتنقضوا عهد الإيمان والإخلاص.
وتعلمون أي: تدركون أن ما وقع منكم خيانة. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من متاع وزينة. والأولاد: جمع ولد. وفتنة أي: محنة لبيان من يحفظ
حدود الله. والمراد أنها وسيلة للاختبار. والأجر: الثواب. والعظيم: الكبير الضخم. وتفوتوه: تضيعوه. وتتقوه أي: تتجنبوا عصيانه وتطلبوا رضاه. ويجعل
لكم: يخلق في نفوسكم وبصائركم. والفرقان: الهداية إلى الحق. ويكفّرُ: يغطي. والسيئات: الصغائر. ويغفرها: يمحوها ويتجاوز عنها. والفضل: الإحسان
بالزيادة في الثواب. والعظيم: الضخم لا مثيل له.
(٢) يمكر: يكيد بالخفاء. والذين كفروا: المشركون من قريش. ودار الندوة: مكان في الحرم المكي جعل قبل الإسلام للمشاورة في عون المظلوم. انظر
((المفصل)). ويخرجوك أي: يحملوك على الهجرة. ويمكر الله بهم أي: يخدعهم ويدبر ما يسوءهم. يعني: يعاملهم بما يقابل مكرهم. وخير الماكرين أي:
أفضلهم وأقدرهم بتدبير الخداع للماكرين، يعذبهم ويخذلهم من حيث لا يشعرون، فيكون ذلك أشد مما يريدون. ونشاء: نريد القول. والنضر أحد زعماء
المشركين. وهذا أي: القرآن الكريم. والأساطير: جمع أسطورة، القصص والأخبار الباطلة. والأولون: الأمم الماضية.
(٣) اللّهم أي: يا ألله. والحق: الصدق الثابت. وأمطر: أنزل. والحجارة: التي هلك بها أصحاب الفيل. وائتنا: عاقبنا. ولما قال المشركون ما في الآية
٣٢ نزلت الآية ٣٣، جوابًا لقولهم الشنيع، وتوكيدًا للتهديد والوعيد. انظر الواحدي ص ٢٣٢-٢٣٣ وتفاسير البغوي ٢٤٥:٢ والخازن ٢٣:٣ وابن كثير
٢٩١:٢ والقرطبي ٣٩٩:٧. ويعذبهم: ينزَل بهم عذاب الدنيا بالاستئصال. وفيهم أي: بينهم في مكة. ويستغفرون: يطلبون مغفرة الذنوب. وغفرانك أي:
ندعوك أن تغفر. والمستضعفون: يعني أن المستغفرين هنا هم المؤمنون بين الكفار في مكة، ممن لم يستطع الهجرة. وهذا يشمل أيضًا كل مسلم مستضعف
حيثما وُجد، إذا كانت دعوة النبي في قلبه وعمله، ويديم الاستغفار. و((قال تعالى)) أي: الآية ٢٥ من سورة الفتح. ولو تزيلوا أي: لو تميز المؤمنون عن
الكفار وغادروا مكة .