Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
الجزء الثالث
٣ - سورة آل عمران
والتكذيب، ﴿وَنَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ﴾ ٨٤ مخلصون في العبادة.
١- ونزل فيمن ارتدّ ولحق بالكفّار: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيرَ الإِسلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ، وهُوَ في
الآخِرةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ٨٥، لمصيره إلى النار المؤبّدة عليه. ﴿كَيفَ﴾ أي: لا ﴿يَھدِي
اللهُ قَومًا كَفَرُوا، بَعدَ إِيمانِهِم وشَهِدُوا﴾ أي: وشهادِهم ﴿أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، و﴾ قد
﴿جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾: الحجج الظاهرات على صدق النبيّ، ﴿واللهُ لا يَهدِي القَومَ
الظّالِمِينَ﴾ ٨٦ أي: الكافرين؟ ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم أنَّ عَلَيهِم لَعْنَ اللهِ والمَلائكةِ والنّاسِ
أجمَعِينَ ٨٧، خالِدِينَ فِيها﴾ أي: اللعنةِ أو النار المدلولِ بها عليها، ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ
العَذابُ، ولا هُم يُنظَرُونَ﴾ ٨٨: يُمهلون، ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعدِ ذُلِكَ، وأصلَحُوا﴾
عملَهم. ﴿فإنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لهم ﴿رَحِيمٌ﴾ ٨٩ بهم.
٢- ونزل في اليهود: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعيسى ﴿بَعدَ إِيمانِهِم﴾ بموسى، ﴿ثُمَّ ازدادُوا
كُفرًا﴾ بمحمّد، ﴿لَن تُقْبَلَ تَوبِتُهُمِ﴾ إذا غَرغَروا أو ماتوا كفّارًا، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ
الضّالُّونَ ٩٠. إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، وماتُوا وهُم كُفّارٌ، فَلَن يُقْبَلَ مِن أَحَدِهِم مِلُ
الأرضِ﴾: مقدارُ ما يملؤها ﴿ذَهَبًا، ولَوِ افتَدَى بِهِ﴾ - أدخل الفاء في خبر ((إنّ)) لشبه
(الذين)) بالشرط، وإيذانًا بتسبّب عدم القبول عن الموت على الكفر - ﴿أُولَئِكَ لَهُم
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: مُؤلم، ﴿وما لَهُم مِن ناصِرِينَ﴾ ٩١: مانعين منه. ﴿لَن تَنالُوا البِرَّ﴾ أي:
ثوابَه - وهو الجنّة - ﴿حَتَّى تُنفِقُوا﴾: تَتَصَدَّقوا ﴿مِمّا تُحِبُّونَ﴾ من أموالكم، ﴿وما
تُنفِقُوا مِن شَيءٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ٩٢، فيُجازي عليه.
سُورَة العَمَّاد
الحرة القَالَةُ
قُلْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَىَّ إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ
مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن ◌َّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (49) وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَالْإِسْلَئِمِ
دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِىِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ
كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمَا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوّاْ
:أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَاءَ هُمُ الْبَيِّنَتُّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ ا أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيَّهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ
وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿٦ خَلِينَ فِيهَا لَا يُحَفَّفُ
عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَاهُمْ يُنْظُرُونَ (٦) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ
بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا لَّنْ تُقْبَلَ تَّوْبَتُهُمْ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ ﴿ إِنَّا لَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَا تُواْ وَهُمْ
كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ
اُفْتَدَى بِهِ: أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ ()
(١) روي أن اثني عشر رجلًا مسلمًا ارتدوا ولحقوا بقريش، ثم كتب بعضهم إلى أهله: ((هل لنا من توبة))؟ فنزلت الآيات ٨٥-٨٩ وفيها قبول التوبة، فرجعوا
من الكفر إلى الإيمان. الدر المنثور ٤٩:٢ والبحر ٥١٧:٢-٥١٨. وانظر الواحدي ص ١٠٨- ١١٠. ويبتغي: يطلب، أي: يدين ويتبع. والإسلام: الدين
الإسلامي، بالتوحيد والاستسلام إلى الله والتفويض إليه. ويقبل منه أي: يرضى ويثاب عليه. والآخرة: الحياة بالبعث يوم القيامة. والخاسر: من ضيع ما كان
ينتظر من الثواب واستحق العقاب. ولا يهديه: لا يُمدّه ولا يوجّه قدراته بالدلالة الموصلة إلى الحق، لِما في اختياره من فساد وفي نفسه من الخبث. يعني أن
الاستفهام للنفي، وهو أيضًا يفيد التعجيب والتهويل للكفر بعد الإيمان. والقوم: الجماعة من الناس رجالًا ونساء. وكفر: أنكر التوحيد والبعث. والإيمان:
تصديق الله ورسوله. وشهد: أقرّ واعترف بقلبه ولسانه. وشهادتهم: يعني أن جملة شهدوا: معطوفة على المصدر ((إيمان)) في محل جر، وهي مؤولة بمصدر من
دون حرف سابك. والرسول: من أرسل للدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل، وهو محمد 18. وحق أي: صادق لا شك في رسالته. وجاءهم أي: وصل
إليهم وبلّغهم. والظالم: من يضع الأمور في غير مواضعها. والكفر أفظع شيء في ذلك. يعني: لا يوجّه إلى الحق مَن ظلم نفسه بالانهماك في الكفر
والعصيان. فكيف بمن جاءه الحق وعرفه ثم ارتدّ عنه؟ وأولئك أي: المرتدون. والجزاء: المكافأة على العمل. واللعنة: الطردُ من الرحمة والدعاءُ بذلك.
فهي تتضمن معنيين معًا، لإضافتها إلى الله وعطف الملائكة والناس عليه. فالرحمة من الأول، والدعاء من الملائكة والناس. والملائكة: جمع ملَك. وهم
مخلوقون نورانيون معصومون مطهرون. والناس: البشر. فأل: جنسية للاستغراق الحقيقي في الموضعين. وأولاء: في محل رفع مبتدأ. وجزاء: مبتدأ ثان خبره
المصدر المؤول من ((أنّ)). وهذه الجملة في محل رفع خبر: أولاء. والخالد: المقيم أبدًا. وبها أي: باللعنة. وعليها أي: على النار. أي: لأن عذاب النار
من لوازم اللعنة. وفي الأصل: ((عليها بها)). ويخفف: يقلل وينقص. ولا يمهلون أي: لا يؤخر عنهم العذاب من وقت إلى آخر، بل ينزل بهم في حينه
المعيّن. وتابوا: تركوا الكفر ورجعوا إلى الإيمان، طالبين المغفرة ومعاهدين على الثبات. وذلك أي: الارتداد. وأصلحه: طهره وجعله مما يرضاه الله.
والغفور: الكثير السترِ للذنوب وعدم المؤاخذة عليها. والرحيم: الكثير الرحمة والعطف والعصمة للمؤمنين.
(٢) في اليهود أي: لكفرهم. يعني: لاستمرار كفرهم بالأنبياء والرسل. انظر تفسير الطبري ٥٧٨:٦-٥٧٩ والدر المنثور ٤٩:٢. وكفروا: كذّبوا وأنكروا
الرسالة والكتاب المنزل. والإيمان: التصديق بالقلب واللسان. وازداد: تضاعف. وتقبل: يرضى بها ليعفى ويغفر ما مضى. وغرغروا: وقعوا في الحشرجة
وأشرفوا على الموت. والضالون: المتناهون في الخروج عن الحق إلى الكفر والعصيان. ومات: فارقت روحه جسده. والكفار: جمع كافر. وهو من كذّب
الله ورسوله. وأحدهم: الواحد منه. والأرض: موطن الحياة الدنيا. وافتدى أي: استنقذ نفسه من العذاب. وتناله: تدركه وتحصّله. والبر: التقوى وعمل
الخير. وتحبون أي: تفضلونه وترغبون فيه. والأموال: جمع مال. وهو ما يملك من النقد والمتاع والزينة. وليس المقصود هو المال وحده، وإنما المراد
كل ما يُبذل، كالعلم والوقت والجهد والنفس. والشيء: ماهو موجود أو محمتل وجوده. والخطاب للمؤمنين. وفيما عدا الأصل وخ: ((تصدقوا)).
والعليم: المبالغ في الإحاطة. وقوله ((يجازي عليه)) يعني أن هذه الجملة هي الجواب في التقدير، وما ذُكر في الآية هو سبب للجواب، أي: فيجازي عليه لأنه
به علیم.
٣ - سورة آل عمران
٦٢
الجزء الرابع
سُورَة العَمَان
الجزء الرابع
لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَانُنفِقُواْ مِنْ شَىْءٍ
فَإِنَّ اللّهَ بِهِ م ◌َعَلِيٌ [٥]﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلّاً لِبَنِىّ
إِسْرَّهِ يلَ إِلََّ مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُغَزَّلَ
التَّوْرَنَةٌ قُلْ فَأَتُواْبِالتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
◌َ فَمَنِ اُفْتَ عَلَى اَللَّهِالْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ
هُمُ الَّلِمُونَ ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٥) إِنَ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى
بَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ
إِنْزَهِيمٌ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَّأُ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَن كَفَرَ فَإِنَّاللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ
( قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِشَايَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدُ
عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴿٨ قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ
سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللهُ
بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٦) يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِن تُطِيعُواْ
فَرِبِقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِنَبَ يَرُدُوكُمْ بَعْدَ إِمَنِكُمْ كَفِينَ {
١- ونزل، لمّا قال اليهود: ((إنّكَ تزعمُ أنك على مِلّة إبراهيمَ، وكان لا يأكل
الجُزْء
المغرب
لُحومَ الإبل وألبانَها)»: ﴿كُلُّ الطَّعام كانَ حِلَّا﴾: حَلالًا ﴿لِبَني إسرائيلَ، إلّا
ما حَرَّمَ إسرائيلُ﴾: يعقوبُ ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ - وهو الإِبل، لمّا حصَل له عِرقُ
النَّسا، بالفتح والقصر، فنذر إن شُفي لا يأكلها فحُرّم عليهم - ﴿مِن قَبَلِ أنْ
تُنْزَلَ الثَّوراةُ﴾. وذلك بعد إبراهيم، ولم يكن على عهده حرامًا، كما زعموا. ﴿قُلْ﴾
لهم: ﴿فَائْتُوا بِالتَّوراةِ فاتلُوها﴾، ليتبيّن صِدق قولكم، ﴿إِنْ كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٩٣ فيه.
فُهتوا ولم يأتوا بها. قال تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعدِ ذلِكَ﴾، أي:
ظهورِ الحُجّة، بأنّ التحريم إنّما كان من جهة يعقوب، لا على عهد إبراهيم، ﴿فَأُولَئِكَ
هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ٩٤: المتجاوزون الحقَّ إلى الباطل. ﴿قُلْ: صَدَقَ اللهُ﴾ في هذا،
كجميع ما أخبر به. ﴿فَاتَّبِعُوا مِلّةَ إِبراهِيمَ﴾ التي أنا عليها، ﴿حَنِيفًا﴾: مائلاً عن كلّ
دِين إلى الإِسلام، ﴿وما كانَ مِنَ المُشرِكِينَ﴾ ٩٥.
٢- ونزل، لمّا قالوا: ((قِبلتُنا قَبلَ قِلتكم)): ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ﴾ مُتعبَّدًا ﴿لِلنّاسِ﴾ في
الأرض ﴿الَلَّذِي بِبَكّةَ﴾ - بالباء لُغة في ((مّة)) سُمّيتْ بذلك لأنّها تَبْكُّ أعناق الجبابرة،
أي: تدقّها . بناه الملائكة قبل خلق آدم، ووُضع بعده الأقصى، وبينهما أربعون سنة،
كما في حديث الصحيحين. وفي حديثٍ ((أنّه أوّلُ ما ظهرَ على وجهِ الماءِ، عِندَ خَلقِ
السّماواتِ والأرضِ، زُبدةً بَيضاءَ، فدُحِيَتِ الأرضُ من تَحتِهِ)) - ﴿مُبَارَكًا﴾: حالٌ من
((الذي)) أي: ذا بركة، ﴿وَهُدَى لِلعالَمِينَ﴾ ٩٦ لأنه قِبلتهم - ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّناتٌ﴾، منها
[مَقامُ إِبراهِيمَ﴾ أي: الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت فأثّرَ قدماه فيه، وبقي إلى
الآنَ مع تطاوُلِ الزمان وتداوُلِ الأيدي عليه، ومنها تضعيف الحسنات فيه وأنّ الطير لا يعلوه، ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾: لا يُتعرَّض إليه بقتل أو
ظلم أو غير ذلك - ﴿ولِلْهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيتِ﴾ واجبٌ - بكسر الحاء وفتحها، لغتانِ في مصدر: حَجَّ، بمعنى: قَصَدَ - ويُبدَلُ من ((الناس))
﴿مَنِ استَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: طريقًا، فسَّرِهِ وَّهَ بالزاد والراحلة. رواه الحاكم وغيره. ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بالله أو بما فرضه من الحجّ ﴿فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ
العالَمِينَ﴾ ٩٧: الإنس والجنّ والملائكة، وعن عِبادتهم. ﴿قُلْ: يا أهلَ الكِتابِ، لِمَ تَكفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ﴾: القرآن، ﴿واللهُ شَهِيدٌ علَى ما
تَعمَلُونَ﴾ ٩٨، فيُجازيكم عليه؟
٣- ﴿قُلْ: يا أهلَ الكِتابِ، لِمَ تَصُدُّونَ﴾: تَصرِفون ﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: عن دِينه ﴿مَن آمَنَ﴾، بتكذيبكم النبيَّ وكتم نَعته، ﴿تَبَغُونَها﴾ أي:
تطلبون السبيل ﴿عِوَجًا﴾: مصدرٌ بمعنى: مُعْوَجّة أي: مائلةً عن الحقّ، ﴿وأنتُم شُهَداءُ﴾: عالمون بأنّ الدين المَرْضِيَّ هو القيِّمُ دين الإِسلام، كما
في كتابكم؟ ﴿وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعمَلُونَ﴾ ٩٩ من الكُفر والتكذيب، وإنّما يُؤخّركم إلى وقتكم فيُجازيكم. ونزل، لمّا مرَّ بعض اليهود على الأوس
والخزرج فغاظه تآلفهم، فذكَّرهم بما كان بينهم في الجاهليّة من الفتن، فتشاجروا وكادوا يقتتلون: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُذُّوكُم بَعدَ إيمانِكُمْ كافِرِينَ ١٠٠، وكَيفَ تَكَفُرُونَ﴾ - استفهام تعجيب وتوبيخ - ﴿وأنْتُم تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ، وفِيكُم
(١) الطعام: ما يؤكل أو يشرب. وبنو إسرائيل: اليهود. وحرّمه: جعله ممنوعًا. والإبل أي: لحومها وألبانها. وعرق النسا: عصب يمتد من الورك إلى
الكعب. ويكون به مرض أليم جدًا. وتُنزل: تُوحى إلى موسى في الألواح. وذلك أي: التحريم. وائتوا بها أي: أحضروها. واتلوها: اقرؤوا مافيها.
والصادق: من يقول الحق. وبهتوا: تحيروا وانقطعوا عن الجواب. وافتراه: اختلقه. وصدق الله: ثبت صدقُه وكذبُكم. واتبعوها: الزموها بالإيمان والعمل.
والملة: الدين والشريعة. والمشرك: من يعبد مع الله غيره.
(٢) البيت: البناء المشيد. ومتعبدًا أي: مكانًا يُعبد فيه اللهُ. فالأولية التقدم للتعبد، لا التقدم في الزمن على بناء جميع البيوت. والصحيحين أي: الحديثين
٣١٨٦ في البخاري و٥٢٠ في مسلم. وليس في الحديث الشريف ذكر لعمل الملائكة، وإنما الثابت أن إبراهيم هو أول من رفع قواعد المسجد الحرام وبناه.
والحديث الثالث ضعيف. انظر ((المفصل)). وأنه أي: مكان المسجد الحرام. ودحيت: مُدّتْ وبُسطتْ. وهدى أي: هاديًا. والعالَم: الجنس من الخلق.
والبينة: الواضحة الدلالة. والمقام: موضع القيام. وهو الحجر المذكور. ودخله أي: دخل البيت الحرام. والآمن: البعيد من الأذى. وبفتحها يريد القراءة
((حَجُ)). واستطاع: قَدَر وتمكن. والراحلة: ما يُركب. ورواه أي: روى الحديث المفسّر لذلك. انظر ((المفصل)) أيضًا. والغني: المستغني بذاته وصفاته.
والشهيد : العالم المطلع .
(٣) أهل الكتاب: اليهود والنصارى. والشهداء: جمع شهيد. والقيم: المقوّم لأمور الناس. والغافل: الساهي لا يعلم ما يكون. ووقتكم أي: وقت عقابكم.
وانظر سبب النزول في المفصل. والفريق: الجماعة. وأوتوا: أعطوا. ويردوكم أي: يجعلوكم. وتكفرون: يحصل منكم كفر، أي: فعلُ ما يناقض الإيمان
والصلاح. وتتلى: تقرأ. ورسوله أي: من بعثه وكلفه بالدعوة والإرشاد. وبالله أي: بدينه وطاعته. وهُدي: أَرشد وصُرف. والصراط: الطريق الواضح.
والمستقيم: المعتدل، وهو الإسلام، يوصِل إلى خير الدنيا والآخرة.
الجزء الرابع
٦٣
٣ - سورة آل عمران
رَسُولُهُ؟ ومَن يَعتَصِمْ﴾: يتمسّكْ ﴿بِاللهِ فَقَد هُدِيَ إِلَى صِراطٍ مُستَقِيمٍ﴾ ١٠١ .
١- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ بـ((أن يُطاعَ فلا يُعصَى، ويُشكَرَ فلا
يُكفَرَ، ويُذكَرَ فلا يُنسَى)) - فقالوا: يا رسول الله، ومَن يقوى على هذا؟ فُنُسخ بقوله
تعالى: ((فاتَّقُوا اللهَ ما استَطَعتُم)» - ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنتُم مُسلِمُونَ﴾ ١٠٢: موحّدون،
﴿وَاعْتَصِمُوا﴾: تمسّكوا ﴿بِحَبلِ اللهِ﴾ أي: دِينه ﴿جَمِيعًا، ولا تَفَرَّقُوا﴾ بعد الإِسلام،
﴿واذكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ﴾: إنعامَه ﴿عَلَيْكُم﴾ - يا معشر الأوس والخزرج - ﴿إذا كُنتُم﴾ قبل
الإِسلام ﴿أعداءَ، فَأَلَّفَ﴾: جمعَ ﴿بَيْنَ قُلُوبِكُم﴾ بالإسلام، ﴿فأصبَحتُم): فصِرتم
﴿بِنِعْمَتِهِ إخوانًا﴾ في الدِّين والولاية، ﴿وكُنتُم عَلَى شَفا﴾: طرفِ ﴿حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾،
ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلّا أن تموتوا كُفّارًا، ﴿فأنقَذَكُم مِنها﴾ بالإِيمان.
﴿كَذْلِكَ﴾: كما بَيَّن لكم ما ذُكِر، ﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَهتَدُونَ﴾ ١٠٣ .
سُورَةِ آلْ عَان
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ
رَسُولُهُ، وَمَن يَعْنَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيمٍ ()
يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَ تَمُوتُنَّإِلَّا وَأَنْتُم
مُسْلِمُونَ (٣ْ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ
وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْكُنْتُمْ أَعْدَاءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنَا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَاحُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ
فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْنَهْتَدُونَ
﴿ وَلْتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَلَا
تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبَيِّنَتُ
وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٥ يَوْمَ تَبْيَضَ وُجُوُّهُ وَـ
وُجُوَّةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ آَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ
فَذُ وقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ٣٦] وَأَمَّا الَّذِينَ أَبْيَضَتْ
وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ (٣) تِلْكَ ءَايَتُ
﴿اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ
٢- ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمّةٌ، يَدْعُونَ إِلَى الخَيرِ﴾: الإِسلام، ﴿ويأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ
عَنِ المُنكَرِ - وأُولَئِكَ﴾ الداعون الآمرون الناهون ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ١٠٤ : الفائزون،
ومِن: للتبعيض، لأنّ ما ذُكر فرضُ كِفايةٍ لا يَلزم كلَّ الأُمّة، ولا يليق بكلّ أحد
كالجاهل. وقيل: زائدة. أي: لتكونوا أُمّةً - ﴿ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ عن دينهم،
﴿وَاخْتَلَفُوا﴾ فيه ﴿مِن بَعدِ ما جاءَهُمُ البَيِّنَاتُ﴾. وهم اليهود والنصارى. ﴿وَأُولَئِكَ لَهُم
عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠٥، يَومَ تَبَيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسوَدُّ وُجُوهٌ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿فأمّا الَّذِينَ
اسوَدَّتْ وُجُوهُهُم﴾ - وهم الكافرون - فيُلقَون في النار، ويُقال لهم توبيخًا: ﴿أُكَفَرتُم
بَعدَ إِيمانِكُمْ﴾ يومَ أخذِ الميثاقِ؟ ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنتُمْ تَكفُرُونَ ١٠٦. وأمّا الَّذِينَ ابَيَضَّتْ وُجُوهُهُم﴾ - وهم المؤمنون - ﴿فِي رَحْمَةِ اللهِ﴾
أي: جَنّته، ﴿هُم فِيها خالِدُونَ﴾ ١٠٧ .
٣- ﴿تِلكَ﴾ أي: هذه الآيات ﴿ آياتُ اللهِ، نَتَلُوها عَلَيكَ﴾ - يا محمّد - ﴿بِالحَقِّ. وما اللهُ يُرِيدُ ظُلمًا لِلعالَمِينَ﴾ ١٠٨، بأن يأخذهم بغير جُرم،
﴿ولِلِ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا، ﴿وإلَى اللهِ تُرجَعُ﴾: تَصِير ﴿الأُمُورُ﴾ ١٠٩.
(١) آمنوا: عرفت قلوبهم التوحيد وما يلزمه. واتقوه أي: تجنبوا غضبه والزموا رضاه بلزوم الطاعة في الأمر والنهي. و((أن يطاع ... فلا ينسى)) حديث شريف
صحيح على شرط البخاري ومسلم. المستدرك ٢٩٤:٢ ومجمع الزوائد ٣٢٦:٦ والكافي الشاف في حاشية الكشاف ٣٩٤:١. وعن ابن عباس أن الآية لم
تنسخ، وأن (ما استطعتم)) بيان لقوله ((حق تقاته)). البحر ١٧:٣ والناسخ والمنسوخ للنحاس ١٢٨:٢-١٣١. والنهي هو عن ترك الإسلام، وإن كان ظاهره عن
الموت. والمراد: اثبتوا على الإسلام. والحبل: مايُربط به أو يتمسك به للنجاة. وجميعًا أي: مجتمعين على قلب واحد. ولا تفرقوا: لا تتفرقوا، أي: لا
تنقسموا فئات متخاصمة، والزموا الوحدة والوفاق. واذكروا أي: استحضروا في نفوسكم، واعملوا ما يلزم ذلك من حرص على النعم وشكر دائم باللسان
والفعل. والأعداء: جمع عدو. وهو المعادي والمخاصم. والقلوب: جمع قلب، موطن التدبر والاعتقاد والانفعال، يمد الدماغ بذلك مع ماء الحياة
الخالص. والنعمة: الإنعام بالخير. والإخوان: جمع أخ، أي: متحابين متناصرين كالإخوة في النسب. وكنتم ... أي: كانت حالكم قبل الإسلام كحال من
وقف على طرف حفرة من النار، متهيئًا للسقوط فيها. والحفرة: المكان المحفور، أي: الهوة السحيقة. وأنقذكم: نجّاكم وخلّصكم. ومنها أي: من الوقوع
في الحفرة. وما ذكر يعني: في الآيات المتقدمة، من الأحكام والحقائق. ويبين: يوضح. ولعلكم أي: ليكون لكم الترجي. وتهتدون أي: تدومون على
الرشاد إلى الحق والخير.
(٢) لتكن أي: لتحصل وتوجد. والأمة: الجماعة. ويدعون: يوجهون ويحضون. والخير: ما ينفع في الدنيا والآخرة، فسّره بالإسلام لأنه من لوازمه. ويأمر:
يوجب ويلزم. والمعروف: ما حسن شرعًا وعقلًا. وينهى: يمنع ويدفع. والمنكر: ماقبّحه الشرع والعقل. وفرض الكفاية: ما يجب على الجميع، ويسقط
عنهم بفعل بعضهم. وجعل ((من)) للتبعيض هو الأصح، لأن زيادتها تسبب إشكالاً بين المعنى والإعراب. انظر ((المفصل)). ولا تكونوا أي: لا تصيروا بعد
الوحدة والاتفاق. وتفرقوا: انقسموا فئات متباينة. واختلفوا: تنازعوا واختصموا. وجاءهم: أتاهم. والمراد هو التوراة والإنجيل. والعذاب: التعذيب عقوبة
وإهانة. والعظيم: الهائل لا مثيل له. واليوم: الوقت. وتبيض: تصير نقية بالنور والسرور. والوجوه: جمع وجه. وهو أول ما تظهر عليه علائم الانفعال.
وتسوَدّ: تصير سوداء بالكآبة والخوف. والكافرون: من أهل الكتاب وغيرهم. والتوبيخ: التعنيف والزجر. وكفر: كذب الله ورسوله بالتفرق والخلاف.
والميثاق: العهد المؤكد للإيمان والتوحيد. وذوقوا: تحسسوا وكابدوا بكامل أجسامكم وأرواحكم. والرحمة: العطف بالعفو والإحسان، فسّر بالجنة لأنها
كالمحل له. والخالد: المقيم أبدًا .
(٣) نتلوها أي: نبيّنها ونقرؤها على لسان جبريل. والحق: الصدق الذي لا شك فيه ولا اضطراب. ويريد: يقصد ويقضي. والظلم: وضع الشيء في غير
موضعه. ومن ذلك أن يكون العذاب من دون جرم. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. ويأخذ: يعاقب. والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية.
والأمور: جمع أمر، وهي شؤون الخلق کله.
٣ - سورة آل عمران
٦٤
الجزء الرابع
سُنَّوَدَة العَمَّانَ
甜湯
وَلِلَّهِ مَا فِ السَمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَإِلَى الَّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْءَامَنَ
أَهْلُ اُلْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ
وَأَكْثَرُ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَىّ
وَإِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّلَا يُنْصَرُونَ (َضُرِيَتْ
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُواْإِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اَللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ
وَبَاءُ و بِغَضَبٍ مِّنَاللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ
◌ِأَنَّهُمْ كَانُواْيَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنِيَاءِ بِغَيْرِ
حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ [!َ ﴾ لَيْسُواْ سَوَآءٌ
مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَاتِ اللَّهِءَانَّهُالَّلِ
وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ اُلْآَخِرِ
وَ يَأْ مُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ
فِي الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّلِحِينَ (١٩) وَمَا يَفْعَلُواْ
مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
١١٥
١ - ﴿كُنتُم﴾ - يا أُمّة محمّد - في علم الله تعالى ﴿خَيرَ أُمّةٍ، أُخرِجَتْ﴾ أي: أُظهرت
﴿لِلّنَاسِ، تأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ المُنكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ. وَلَو آمَنَ أَهلُ الكِتابِ
لَكانَ﴾ الإِيمان ﴿خَيرًا لَهُم. مِنْهُمُ المُؤمِنُونَ﴾ كعبدِ الله بن سلام وأصحابِه، ﴿وَأكثَرُهُمُ
الفاسِقُونَ﴾ ١١٠: الكافرون. ﴿لَن يَضُرُّوكُم﴾ أي: اليهودُ - يا معشرَ المسلمين -
بشيء ﴿إِلَّا أَذَى﴾ باللسان من سبّ ووعيد، ﴿وإنْ يُقاتِلُوكُم يُوَلُّوكُمُ الأدبارَ﴾
منهزمين، ﴿ثُمَّ لا يُنصَرُونَ﴾ ١١١ عليكم. بل لكم النصر عليهم.
٢- ﴿ضُرِبَتْ عَلَيهِمِ الذِّلّةُ، أينَما تُقِفُوا﴾: حيثما وجدوا، فلا عزَّ لهم ولا اعتصام
﴿إِلّ﴾ كائنينَ ﴿بِحَبْلِ مِنَ اللهِ وحَبلٍ مِنَ النّاسِ﴾: المؤمنين - وهو عهدهم إليهم
بالأمان على أداء الجزية - أي: لا عِصمة لهم غيرُ ذلك، ﴿وباؤُوا﴾: رجَعوا
﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ، وضُرِبَتْ عَلَيهِم المَسكَنَةُ. ذُلِكَ بِأَنَّهُم﴾ أي: بسبب أَنهم
﴿كانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ، ويَقْتُلُونَ الأنبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٌّ. ذلِكَ﴾: تأكيد ﴿بِما
رسم
الخِزب
عَصَوا﴾ أمر الله، ﴿وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ١١٢ : يتجاوزون الحلال إلى الحرام.
﴿لَيسُوا﴾ أي: أهلُ الكتاب ﴿سَواءٌ﴾: مُستوين. ﴿مِن أهلِ الكِتَابِ أُمّةٌ قائمةٌ﴾:
مُستقيمة ثابتة على الحقّ، كعبد الله بن سلام وأصحابه، ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾
أي: في ساعاته، ﴿وَهُم يَسْجُدُونَ﴾ ١١٣ : يُصَلُّون - حالٌ - ﴿يُؤمِنُونَ بِاللهِ واليَومِ
الآخِرِ، ويأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ، ويُسارِعُونَ في الخَيراتِ. وَأُولَئِكَ﴾
الموصوفون بما ذُكِرَ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ١١٤، ومنهم من ليسوا كذلك وليسوا من
الصالحين .
٣- ﴿وما تَفْعَلُوا﴾ - بالتاء أيُّها الأُمّة، والياء أي: الأُمّةُ القائمة - ﴿مِن خَيرٍ فَلَن تُكفَرُوهُ﴾. بالوجهين أي: تَعدَموا ثوابه، بل تُجازَون عليه.
﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ١١٥ . إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغنِيَ﴾: تدفعَ ﴿عَنْهُم أمْوالُهُم ولا أولادُهُم مِنَ اللهِ﴾ أي: عذابِهِ ﴿شَيئًا﴾ - وخصّهما بالذكر لأنّ
(١) روي أن اليهود قالوا لبعض الصحابة: ديننا خير مما تدعوننا إليه، ونحن خير وأفضل منكم. فنزلت الآية تكذبهم وتبين وجه الحق. تفسير الطبري
٧: ١٠١. و((في علم الله)) يعني: سيحصل ذلك حتمًا، فكونوا خير أمة. وخير أي: أفضل وأنفع. والأمة: الجماعة من الناس يجمعها دين واحد. وتؤمنون به
أي: تعتقدون ألوهيته وتوحيده باليقين. وأهل الكتاب: أصحاب التوراة والإنجيل. وكان أي: صار. وخيرًا لهم أي: أكثر نفعًا من الإيمان بموسى وحده في
زمانه. والفاسق: الخارج عن طاعة الله. ويضروكم أي: يؤذوكم. والأذى: الضرر اليسير، يكون لكم به أجر الجهاد والصبر. ويقاتل: يحارب بالسلاح وما
يشبهه. ويولوكم أي: يوجهوا إليكم ويوكِلوا. والأدبار: جمع دبر. والمراد به هنا ظهورهم، وذكرت الأدبار للتشنيع والتهكم. وينصر: يعان ليتغلب على
عدوه .
(٢) ضربت عليهم أي: أحاطت بهم ولزمتهم، كما تُضرب الرسوم والأشكال على النقد المسكوك والمطبوعات. والذلة: الاستخذاء والهوان للنفس. والعز:
الغلبة والنصر. والاعتصام: الامتناع والحماية. وهذا هو ما يتصف به اليهود، ولو احتموا بكل سلاح. فهم لا يواجهون المسلمين بقتال حقيقي. وكائنين أي:
حاصلين. وحبل من الله أي: العهد والذمة من عنده وبأمره. والمراد: أن يدخلوا في الإسلام فيكون لهم عهد الله. والناس: البشر من المسلمين وغيرهم.
والمؤمنين: يعني أنه لا يكون لليهود طمأنينة إلّا إذا سالمهم المؤمنون. فهم خائفون مهددون في ذلة وصغار، وإن كان لهم ظاهر قوة، أوحماية من جماعات
كافرة ذات سلطان، أو من سماسرة للقيم والشعوب. والغضب: السخط والانتقام. ومن الله أي: من عنده وبأمره. والمسكنة: التذلل والتخضع والتشبه
بالمساكين والعاجزين. وذلك أي: ما هم عليه من الجبن والخذلان والذل والمسكنة. ومستوين أي: في الصفات والأعمال. والأمة: الجماعة. ويتلون:
يقرؤون ويرتلون في تهجدهم. والآناء: جمع أنّ. وهو الوقت والزمن. والليل: مابين الغروب والفجر. ويسجد: يضع جبهته على الأرض خشوعًا وعبادة.
واليوم: الوقت. والآخر: المتأخر عن الناس. ويسارعون أي: يبالغون في السرعة إلى أنواع الخير، مع كمال الرغبة والحرص. والخيرات: جمع خَيْرة. وهي
الخصلة الكريمة النافعة في الدارين. وما ذكر أي: من صفات كريمة في الآيتين. والصالحون: الذين صلَحت أحوالهم عند الله - تعالى - واستحقوا رضاه
وثناءه.
(٣) تفعلوا أي: تكتسبوا من نية أو قول أوعمل. وأيها الأمة: يعني أن الخطاب للمسلمين. وبالياء يريد القراءة ((وما يَفعَلُوا)). والأمة القائمة هي المذكورة في
الآية ١١٣. وبالوجهين يريد قراءةً بالتاء كما أثبتنا، وثانيةً بالياء: ((يُكفَرُوهُ)). وكل منهما مع ما يناسبها من القراءتين قبل. والعليم: البالغ الاطلاع. والمتقون:
من يتجنبون غضب الله ويطلبون رضاه. وعليم بهم أي: محيط بما يعملون ومجازيهم على تقواهم. والذين كفروا: المشركون وأهل الكتاب والمجوس
والملحدون. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من النقد والمتاع والزينة. والأولاد: جمع ولد، وهم الذكور والإناث. وخصهما يعنى: الأموال والأولاد.
وفداء المال: التضحية به لاستنقاذ النفس من الشدائد. والأصحاب: جمع صاحب. وهو الملازم للشيء لا يفارقة. والخالد: المقيم أبدًا. وصفة: يعني الصفة
العجيبة تذكر للاعتبار. وينفقون أي: يبذلونه للمفاخرة ودفع الناس عن الإيمان. والريح: الهواء المتحرك بشدة. وأصابته: نزلت به. والحرث: المحروث.
والزرع: المزروع. وظلموها: جاروا عليها وسببوا لها الخسارة والعقاب. ونفس الإنسان: حقيقته وشخصه. وأهلكته: دمرته وأتلفته. ولا ينتفعون بها أي:
وتكون سببًا لتدمير غيرها من الأعمال.
الجزء الرابع
٦٥
٣ - سورة آل عمران
الإِنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال، وتارة بالاستعانة بالأولاد - ﴿وأُولَئِكَ
أصحابُ النّارِ، هُم فِيها خالِدُونَ ١١٦، مَثَلُ﴾: صفةٌ ﴿ما يُنفِقُونَ﴾ أي: الكُفّارُ، ﴿في
هذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَا﴾، في عداوةِ النبيّ أو صدقةٍ ونحوِها، ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرُّ﴾: حَرّ
أو برد شديد، ﴿أصابَتْ حَرْثَ﴾: زرعَ ﴿قَومِ، ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ بالكُفر والمعصية،
﴿فَأَهلَكَتْهُ﴾ فلم ينتفعوا به. فكذلك نفقاتهم ذاهبة لا ينتفعون بها. ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾
بضياع نفقاتهم، ﴿ولَكِنْ أَنفُسَهُم يَظْلِمُونَ﴾ ١١٧ بالكفر المُوجب لضياعها .
١- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَّخِذُوا بِطانةً﴾: أصفياءَ تُطلعونهم على سِرّكم ﴿مِن
دُونِكُم﴾ أي: غيرَكُم من اليهود والنصارى والمنافقين. ﴿لا يأَلُونَكُمْ خَبالًا﴾ - نُصب
بنزع الخافض - أي: لا يُقصّرون جُهدَهم لكم في الفساد، ﴿وَدُوا﴾: تمنَّوا ﴿مَا عَنِثُم﴾
أي: عَنْتَكُم - وهو شِدّة الضرر - ﴿قَدْ بَدَتِ﴾: ظهرتِ ﴿البَغضاءُ﴾: العداوةُ لكم ﴿مِن
أفواهِهِم﴾، بالوقيعة فيكم وإطلاع المشركين على سِرّكم، ﴿وما تُخفِي صُدُورُهُم﴾ من
العداوة ﴿أكبَرُ. قَدْ بَيَّا لَكُمُ الآياتِ﴾ على عداوتهم، ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١١٨ ذلك فلا
◌ُوالُوهم .
سُورَةِ الْعَان
الحرة القارية
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْلَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَئِدُهُم
مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْ لَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَذِهِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيج فِيهَا
صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوَ أْأَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتَّهُ وَمَا
ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (* يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْ لُونَكُمْ خَبَالًا
وَدُواْمَا عَنِتُمْ قَدْبَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى
صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْأَيَتِّ إِن كُنْتُمُتَعْقِلُونَ
هَأَنْتُمْ أُوْلَاءٍ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِنَبِ كُلِّهِ.
وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَاْءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ
مِنَ الْغَيَظُّ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ )
إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سِئَةٌ يَفْرَحُواْ
بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا
إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ
تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ
٢- ﴿ها﴾: للتنبيه ﴿أنتُم﴾ يا ﴿أُولاءِ﴾ المؤمنين (تُحِبُّونَهُم﴾، لقرابتهم منكم
وصداقتهم، ﴿ولا يُحِبُّونَكُم﴾ لمخالفتهم لكم في الدين، ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ أي:
بالكُتب كلّها ولا يؤمنون بكِتابكم، ﴿وإذا لَقُوكُم قالُوا: آمَنّا، وإذا خَلَوا عَضُّوا عَلَيْكُمُ
الأنامِلَ﴾: أطراف الأصابع، ﴿مِنَ الغَيظِ﴾: شِدّة الغضب، لِما يَرَون من ائتلافكم.
ويُعبَّرُ عن شِدّة الغضب بِعَضِّ الأنامل مجازًا، وإن لم يكن ثَمَّ عضّ - ﴿قُلْ: مُوتُوا
بِغَيظِكُم﴾ أي: ابقَوا عليه إلى الموت فلن تروا ما يسرّكم. ﴿إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ١١٩: بما في القلوب، ومنه ما يُضمره هؤلاء - ﴿إِنْ
تَمسَسْكُم﴾: تُصِبْكم ﴿حَسَنَةٌ﴾: نعمة كنصر وغنيمة ﴿تَسُؤُهُم﴾: تُحِنْهم، ﴿وإنْ تُصِبْكُم سَيَِّةٌ﴾ كهزيمة وجدب ﴿يَفرَحُوا بِها﴾ - وجُملة الشرط
مُتّصلة بالشرط قبلُ، وما بينهما اعتراض. والمعنى أنهم مُتناهون في عداوتكم. فلِمَ تُوالونهم؟ فاجتنبوهم - ﴿وإنْ تَصِرُوا﴾ على أذاهم، ﴿وَتَتَّقُوا﴾
اللهَ في مُوالاتهم وغيرها، ﴿لا يَضِرْكُم﴾ - بكسر الضاد وسُكون الراء، وضمِّهما وتشديدها - ﴿كَيدُهُم شَيئًا! إنَّ اللهَ بِما يَعمَلُونَ﴾، بالياء والتاء،
﴿مُحِيطٌ﴾ ١٢٠ : عالم فيجازيهم به.
٣- ﴿و﴾ اذكر - يا محمّد - ﴿إِذْ غَدَوتَ مِن أهلِكَ﴾ من المدينة، ﴿تُبَوِّئُ﴾: تُنزِل ﴿المُؤمِنِينَ مَقاعِدَ﴾: مراكزَ يقفون فيها ﴿لِلِقِتالِ - واللهُ سَمِيعٌ]
لأقوالكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ ١٢١ بأحوالكم. وهو يومُ أُحد، خرج النبيّ ◌َّ بألف أو إلّا خمسين رجلًا، والمشركون ثلاثة آلاف، ونزل بالشِّعب يومَ
السبت سابع شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وجعل ظهرَه وعسكرِه إلى أُحُد وسوَّى صفوفهم، وأجلس جيشًا من الرُّماة، وأَمَّر عليهم عبدالله بن
جُبير بسفح الجبل، وقال: ((انضَحُوا عَنّا بالنَّلِ لا يأتُونا مِن وَرائنا، ولا تَبَرَحُوا غُلِبْنا أو نُصِرْنَا)) - ﴿إِذ﴾: بدل من ((إذ)) قبله ﴿هَمَّتْ طائفتانِ
مِنكُم﴾ بنو سَلِمةَ وبنو حارثةَ جَناحا العسكر ﴿أَنْ تَفشَلا﴾: تجبُنا عن القِتال وترجِعا، لمّا رجَع عبدالله بن أَبيِّ المُنافقُ وأصحابه، وقال: عَلامَ
نَقتلُ أَنفُسَنا وأولادنا؟ وقال لأبي جابرِ السَّلَمَيّ القائلِ له: ((أنشُدُكمُ اللهَ في نَبِّكُم وأنفُسِكم)): (لو نعلمُ قِتالًا لاتّبعناكم)). فثبتهما الله ولم ينصرفا،
(١) تتخذ: تجعل. وبطانة الرجل: خاصته يُسِرُّ إليهم أموره. ونزع الخافض: حذف ((إلى)) قبل الكاف، و((في)) قبل ((خبالًا)). والبغضاء: الكره الشديد.
والأفواه: جمع فم. والوقيعة: الغيبة لإيقاع الفتن. وتخفي: تكتم. والصدور: جمع صدر، يراد به القلب. وأكبر أي: أعظم. وبينًا: أوضحنا. والآيات:
الأدلة القاطعة. وتعقل: تستخدم عقلك .
(٢) تحبه: توده. وتؤمنون به: تعتقدون أنه من عند الله. والكتاب: الكتب السماوية. ولقوكم: التقَوا بكم. وخلوا: انفرد بعضهم ببعض. وعليكم: بسبب
ائتلافكم. والأنامل: جمع أنملة. وموتوا أي: لتفارقْ أرواحكم الأجساد. والعليم: المبالغ في الإحاطة الكاملة. وذات الصدور أي: المضمَرات في القلوب.
وتصبر: تتجلد. وتتقوه: تتجنبوا غضبه وتطلبوا رضاه. ولا يضير: لا يضرّ. وبضمهما يريد القراءة ((لا يَضُرُّكُم)). والكيد: المكر وتدبير الفتن. وبالتاء يريد
القراءة: (تَعمَلُونَ)) .
(٣) غدوت: خرجت لغزوة أحد. والمقاعد: جمع مقعد. وهو مكان الوقوف. والقتال: الحرب للمشركين. والشعب: الطريق في جبل أحد. وعسكره أي:
ظهر عسكره. وانضحوا عنا بالنبل أي: ارموا به الأعداء، لتدفعوهم عنا. ولا تبرحوا أي: لا تغادروا مكانكم. والحديث: انظر ((المفصل)). وهمت: حدثتها
نفسها. والطائفة: الجماعة. وبنو سلمة: من الخزرج، وبنو حارثة: من الأوس، قبيلتان من الأنصار. وجناح العسكر: أحد جانبي الجيش. وعلام أي: لا
داعي لذلك ولا يجوز أن نفعله. وأبو جابر هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري. والسَّلَميّ: المنسوب إلى بني سَلِمة. ولهَ أي: للمنافق. وأنشدكم:
أسألكم. وفي نبيكم أي: في حفظه من العدو. ولو ... لاتبعناكم: هذا قول المنافق عبد الله بن أبيّ. وانظر الآية ١٦٧. والولي: من يتولى أمر غيره ويؤيده.
ويتوكل: يعتمد باطمئنان في جميع الأمور.
٣ - سورة آل عمران
٦٦
الجزء الرابع
سُورَةِ الْعَان
إِذْهَمَّت طَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْسَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَّاً وَعَلَى
اللَِّ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٢٦) وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْ رٍ وَأَنْتُمْ
( أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ
أَنْ يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَثَةِءَ الَفٍ مِّنَ الْمَلَتِكَةِ
مُنْزَلِينَ ﴿ بَلَّإِن تَصْبِرُ واْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِن فَوْرِهِمْ
هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُمْ مَخَمْسَةِءَ الَفٍ مِنَ الْمَلَتِكَةِ مُسَوِّمِينَ
﴿ وَ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَطْمَيِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، وَمَا
النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٤٦) لِيَقْطَعَ طَرَفَا
مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَوْيَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُواْ خَاِبِينَ (٦) لَيْسَ لَكَ
مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْيَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى اُلْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ
يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ
وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْأَضْعَفَّا مُضَعَفَةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣) وَأَتَّقُواْالنَّارَ اُلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ
﴿ وَأَطِيعُواْاللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾: ناصرهما. ﴿وعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾ ١٢٢ : ليثقوا به دون
غيره.
١- ونزل، لمّا هُزموا، تذكيرًا لهم بنعمة الله: ﴿وَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ﴾: موضعٍ بین
مكّة والمدينة، ﴿وأنتُم أذِلَةٌ﴾ بِقِلّة العدد والسلاح - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ، لَغُّلَّكُم
تَشْكُرُونَ﴾ ١٢٣ نِعَمَه - ﴿إِذ): ظرف لـ(نَصَرَكم)) (تَقُولُ لِلمُؤْمِنِينَ﴾ تُوعِدُهم
تَطمينًا: ﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُم﴾: يُعينكم ﴿رَبُّكُم بِثَلاثةِ آلافٍ، مِنَ المَلائكةِ
مُنْزَلِينَ﴾ ١٢٤؟ بالتخفيف والتشديد.
٢- ﴿بَلَى﴾ يكفيكم ذلك. وفي ((الأنفال)): ((بألْفٍ)) لأنّه أمدّهم أوّلًا بها، ثمّ صارت
ثلاثة، ثمّ صارت خمسة كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا﴾ على لقاء العدوّ، ﴿وَتَتَّقُوا﴾
الله في المخالفة، ﴿ویأتُوكُم﴾ أي: المشركون ﴿مِن فَورِهِم): وقتهم ﴿هذا، يُمدِنكُم
رَبُّكُم بِخَمسةِ آلافٍ مِنَ المَلائكةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ١٢٥، بكسر الواو وفتحها، أي: مُعلِّمين.
وقد صبروا وأنجز الله وعده، بأن قاتلتْ معهم الملائكة على خيلٍ بُلقٍ، عليهم عمائمُ
صُفرٌ أو بِيض، أرسلوها بين أكتافهم. ﴿وما جَعَلَهُ اللهُ﴾ أي: الإِمدادَ ﴿إِلَّا بُشرَى
لَكُم﴾ بالنصر، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾: تسكنَ ﴿قُلُوبُكُم بِهِ﴾، فَلا تجزعَ من كثرة العدوّ وقلَّتكم.
﴿ وما النَّصِرُ إلّا مِن عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ١٢٦ يؤتيه من يشاء، وليس بكثرة الجُند.
﴿لِيَقْطَعَ﴾: متعلّق بـ «نَصَرَكم)) أي: ليُهلِكَ ﴿طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتل والأسر،
﴿أُو يَكِتَهُم﴾: يُذلَّهم بالهزيمة، ﴿فَيَنقَلِبُوا﴾: يَرجِعوا ﴿خائبِينَ﴾ ١٢٧. لم ينالوا ما
راموه.
٣- ونزلَ لمّا كُسرت رباعِيَتُه ◌َّهُ وشُجّ وجهُه يوم أُحُد، وقال: ((كَيفَ يُفْلِحُ قَومٌ خَضَبُوا وَجهَ نَبِّهِم بالدَّم)»؟: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ﴾، بل
الأمر لله - فاصبر - ﴿أو﴾ بمعنى: إلى أن ﴿يَتُوبَ عَلَيهِم﴾ بالإِسلام ﴿أو يُعَذِّبَهُم - فإنَّهُم ظالِمُونَ﴾ ١٢٨ بَالكُفر - ﴿ولِلِ ما في السَّماواتِ وما في
الأرضِ﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا، ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ المغفرةَ له، ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ تعذيبَه. ﴿واللهُ غَفُورٌ﴾ لأوليائه، ﴿رَحِيمٌ﴾ ١٢٩ بأهل طاعته.
٤- ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا تأكُلُوا الرِّبا أضعافًا مُضاعَفَةً﴾ - بألِفٍ ودُونِها - بأن تزيدوا في المال عند حُلول الأجل، وتُؤخّروا الطلب، ﴿وَاتَّقُوا
الله﴾ بتركِه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١٣٠: تفوزون، ﴿واتّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلكافِرِينَ،﴾ ١٣١ أن تُعذَّبوا بها، ﴿وأَطِيعُوا اللهَ والرَّسُولَ، لَعَلَّكُم
تُرْحَمُونَ ١٣٢، وسارِعُوا﴾ - بواو ودونِها - ﴿إِلَى مَغْفِرةٍ مِن رَبِّكُم، وجَنّةٍ عَرضُها السَّماواتُ والأرضُ﴾ أي: كعرضهما، لو وُصلت إحداهما
بالأُخرى - والعرض: السَّعة - ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١٣٣ اللهَ بعمل الطاعات وترك المعاصي، ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ﴾، في طاعة الله، ﴿فِي السَّرّاءِ
والضَّرّاءِ﴾: اليُسر والعُسر، ﴿والكاظِمِينَ الغَيظَ﴾: الكافِينَ عن إمضائه مع القُدرة، ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ ممّن ظلمهم أي: التاركين عُقوبتَه -
﴿وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنِينَ﴾ ١٣٤ بهذه الأفعال، أي: يُثيبهم - ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾: ذنبًا قبيحًا كالزنى، ﴿أو ظَلَمُوا أَنفُسَهُم﴾ بما دُونه
(١) نصركم: أعانكم فانتصرتم. وببدر: في غزوة بدر. والأذلة: جمع ذليل. والذلة: الضعف. واتقوه: تجنبوا غضبه والزموا رضاه. وتشكر النعمة:
تستحضرها في نفسك وتذكرها، وتثني على منعمها بالقلب والقول والفعل. وتوعدهم: تتعهد لهم بعون الله ونصره. والتطمين مصدر: طَمَّنَ. وعندي أنه
صحيح فصيح. انظر ((المفصل)). ويكفيكم: يقوم بأمركم ويغنيكم. والمُنزَل: من أنزله الله من السماء لقضاء أمره. وبالتشديد يريد القراءة (مُنَزَّلِينَ)).
(٢) بالأنفال: يعني الآية ٩ من تلك السورة. وتصبر: تضبط نفسك وتتجلد. ويأتوكم: يقابلوكم للحرب. والفور: الحالة التي لا بطء فيها. وبفتحها يريد
القراءة ((مُسَوَّمِينَ))، أي: أنهم جُعلت لهم علامات المحاربين. ومعلِّمين أي: علَّموا أنفسهم بعلامة الحرب. وأنجزه: حققه فعلًا. والبلق: جمع أبلق: وهو
الفرس الأسود في وجهه وأطرافه بياض. وأرسلوها أي: أطلقوا أطرافها. وجعل: أوجد. والبشرى: البشارة بما يَسرّ. والقلوب: جمع قلب. وبه أي:
بالإمداد المذكور. والنصر: التغلب على العدو. ومن عنده أي: بأمره وقضائه. والعزيز: الذي لا يُغلب فيما يريد. والحكيم: ينصر ويخذل بالحكمة
والمصلحة للجميع. ومتعلق: يعني الجار، أي: اللام مع المصدر المؤول الذي في محل جر. والطرف: الفئة من مجموعة أكبر. وخائبين أي: خاسرين
منقطعي الآمال.
(٣) الحديث: انظر ((المفصل)). ويفلح: يفوز بالنعيم. والرباعية: السن التي قبل الناب. والأمر: الحكم في شأن المشركين. ويتوب عليهم: يقبل توبتهم.
والظالم: من وضع الشيء في غير موضعه. ويغفر: يستر الذنب ويعفو عنه. ويشاء: يريد. والغفور: الكثير السترِ للذنوب وعدم المؤاخذة عليها. والرحيم:
العظيم العطف بعون المؤمنين.
(٤) تأكلوه أي: تأخذوه. والربا: الزيادة الخالية عن عوضٍ شُرِطَتْ لأحد المتعاقدين. والأضعاف: جمع ضِعف. والضعف: المثل في القدر. والنهي مراد به
هنا عن الأخذ للربا مطلقًا، لا مقيدًا بالأضعاف المضاعفة، لأن ذكر الأضعاف هنا إنما كان للتوبيخ. وبدونها يريد القراءة ((مُضَعَّفةً)). وتركه أي: ترك أكل
الربا أيًا كان قدره. ولعلكم تفلحون أي: لرجاء فوزكم. واتقوها أي: تجنبوا ما يوجب التعذيب بها. وأعدت: هيئت وجهزت. وأطيعوه أي: استجيبوا لِما=
٦٧
الجزء الرابع
٣ - سورة آل عمران
كالقُبلة، ﴿ذَكَرُوا اللهَ﴾ أي: وعيدَه ﴿فاستَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم، ومَن﴾ أي: لا أحد
نصف
الخِزْبُ
﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللهُ؟ ولَم يُصِرُّوا﴾: يُدِيموا ﴿عَلَى مَا فَعَلُوا﴾، بل أقلعوا
عنه، ﴿وَهُم يَعلَمُونَ﴾ ١٣٥ أنّ الذي أتَوه معصية. ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَغْفِرةٌ مِن
رَبِّهِم، وجَّاتٌ تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ، خالِدِينَ فِيها﴾: حالٌ مُقدَّرة، أي: مقدِّرين
الخلودَ فيها إذا دخلوها. ﴿ونِعمَ أجرُ العامِلِينَ﴾ ١٣٦ بالطاعة هذا الأجرُ!
١- ونزل في هزيمة أُحُد: ﴿قَد خَلَتْ﴾: مضت ﴿مِن قَبِلِكُم سُنَنٌ﴾: طرائقُ في
الكُفّار، بإمهالِهم ثمّ أخذِهم. ﴿فسِيرُوا﴾ - أيُّها المُؤمنون - ﴿في الأرضِ، فانظُرُوا:
كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ١٣٧ الرُّسلَ أي: آخرُ أمرهم من الهلاك؟ فلا تحزنوا
الغلبتهم، فأنا أُمهلهم لوقتهم - ﴿لهذا﴾ القرآن ﴿بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ كلّهم، ﴿وَهُدَى﴾ من
الضلالة، ﴿وَمَوعِظَةٌ لِلِمُتَّقِينَ﴾ ١٣٨ منهم - ﴿ولا تَهِنُوا﴾: تَضعُفوا عن قتال الكُفّار،
﴿ولا تَحزَنُوا﴾ على ما أصابكم بأُحُد، ﴿وأنْتُمُ الأعلَونَ﴾ بالغلبة عليهم، ﴿إِنْ كُنتُم
مُؤمِنِينَ﴾ ١٣٩ حقًّا. وجوابه دلّ عليه مجموع ما قبله.
سُورَةِ آلْعَمَان
الحرة الضارة
وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
السَّمَوَتُ وَاُلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
فِى السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ
عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا
فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْظَلَمُوَ أْأَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ
◌ِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى
مَا فَعَلُواْوَهُمْ يَعْلَمُونَ (٢) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ
مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ
فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ (٣) قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ
فَسِيرُ واْ فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ لَّـ
وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُتُم مُّؤْ مِنِينَ
(١٦) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْجُ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرٌّْ مِّثْلُهُ.
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِ لُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَّ اللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّلِينَ
٢- ﴿إِنْ يَمسَسْكُم﴾: يُصِبْكم بأَحُد ﴿قَرْحٌ﴾، بفتح القاف وضمّها: جَهدٌ من جَرح
ونحوه، ﴿فَقَد مَسَّ القَومَ﴾: الكُفَّارَ ﴿فَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ ببدر، ﴿وتِلكَ الأيّامُ نُداوِلُها﴾:
نُصرِّفها ﴿بَيْنَ النّاسِ﴾ يومًا لفِرقة ويومًا لأُخرى، ليتّعظوا ﴿وَلِيَعلَمَ اللهُ﴾ عِلمَ ظُهورٍ
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أخلصوا في إيمانهم من غيرهم، ﴿ويَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يُكرمُهم
بالشهادة - ﴿واللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ١٤٠: الكافرين، أي: يُعاقبهم، وما يُنعِم به
عليهم استدراجٌ - ﴿وَلِيُمَخِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يُطهّرَهم من الذُّنوب بما يُصيبهم، ﴿وَيَمحَقَ﴾: يُهلكَ ﴿الكافِرِينَ ١٤١. أم﴾: بل أ ﴿حَسِبْتُم أنْ
تَدخُلُوا الجَنَّةَ، ولَمّا﴾: لم ﴿يَعلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُم﴾ عِلمَ ظُهورٍ، ﴿وَعلَمَ الصّابِرِينَ﴾ ١٤٢ في الشدائد؟ ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّونَ﴾ - فيه حذف
إحدى التاءين في الأصل - ﴿المَوتَ مِن قَبلِ أنْ تَلقَوهُ﴾، حيث قلتم: ليت لنا يومًا كيوم بدر، لننال ما نال شُهداؤه. ﴿فقَد رأَيتُمُوهُ﴾ أي: سَبَبَهُ
الحربَ، ﴿وأنتُم تَنظُرُونَ﴾ ١٤٣ أي: بُصراءُ تتأمّلون الحال كيف هي؟ فلِمَ انهزمتم؟
=أمر ونهى. ويريد بواوٍ القراءةً بواو العطف. والمغفرة: ستر الذنوب والعفو عنها. ومن ربكم أي: من عنده برحمته. وأعدت: هيئت وأحضرت. والمتقي:
من يتجنب الغضب ويسعى للرضا. وينفق: يصرف. والكاظم: من يحبس مافي نفسه. والغيظ: الغضب الشديد. وإمضائه أي: تنفيذ ما يتطلبه من الإيذاء.
والعافي: من يصفح عن الذنب. وعقوبته أي: عقوبة من ظلمه. والمحسن: من يفعل الخير بإخلاص. ويحبهم: يودّهم على مايليق به من صفات الألوهية،
فيريد لهم الخير. والوعيد: التهديد بالعقاب. وظلموها: جاروا عليها. واستغفر: طلب العفو وعدم المؤاخذة. والذنوب: جمع ذنب. ويعلم: يدرك ويعي.
وأتوه: فعلوه. والإشارة بـ ((أولئك)) هي إلى المذكورين في الآيات ١٣٣-١٣٥. والجزاء: المكافأة. ومن ربهم أي: من عنده تفضلًا. ومن تحتها أي: من
تحت قصورها وأشجارها. والأنهار: جمع نهر. والخالد: المقيم أبدًا. ونعم: بلغ الغاية في النعيم والخير والسعادة. والأجر: الثواب. والعاملين أي:
المستجيبين للأمر والنهي.
(١) في هزيمة أحد أي: كأنه يقال لهم: لا تحزنوا لأن العبرة بالخواتيم، كما كان في تاريخ الأمم المكذّبة. ومضت أي: حصلت وتحققت. والسنن: جمع
سُنّة. وهي الطريقة المتبعة. والأخذ: الانتقام بالهزيمة أو الهلاك. والأرض: المناطق التي كان فيها أمم بائدة. وانظروا أي: تدبروا لتعتبروا. والعاقبة: النهاية
الحقيقية. والبيان: الدلالة التي تزيل الشبهات. وتحزن: تغتم وتجزع. والأعلون: جمع الأعلى. وهو الأكثر رفعة والأرفع مقامًا في الدنيا والآخرة.
(٢) القرح: أثر الجراحة في الجسم. والمراد بضمها القراءة ((قُرْحٌ))، وهي في الموضع التالي كذلك. أعني أن الموضعين معًا قُرئا بالفتح أو بالضم. ويتبع
ذلك مافي الآية ١٧٢ . ومثله أي: يماثله في الجملة. وإلّا فهو أعظم منه، لأنه قُتل من المشركين ببدر وأسر أكثر مما أصاب المسلمين في أحد. وروي أنه لما
رجع المسلمون من أحد جعل بعض النساء يلطمن وجوههن على القتلى، فاستاء النبي # لذلك، فنزلت الآية عظة وتسلية. وكانت إحدى النساء قد استقبلت
العائدين بالسؤال عن حال النبي، ولما علمت أنه حيّ قالت: ((فلا أبالي. يتخذ الله من عباده شهداء))، فجاء في الآية ماقالت. انظر لباب النقول والواحدي
ص ١٢٠. والإشارة بـ ((تلك)) إلى أوقات النصر والغلبة بين الأمم. والأيام: جمع يوم. وهو الوقت. وعلم الظهور أي: علم تحققٌّ في الواقع يُبنى عليه
الجزاء. ويتخذ: يجعل. والشهداء: جمع شهيد. وهو الذي يُقتل لإعلاء دين الإسلام. ولا يحبهم أي: يبغضهم. والظالم: من يضع الأمور في غير مواضعها.
والكفر أشنع ذلك وأفظعه. والاستدراج: إمهال العدو ليتدرج في مراتب الضلال والبغي. ويهلك أي: بعذاب الدنيا والآخرة. وحسبَ: ظن. والجنة: الحديقة
العظيمة. وجاهد: بذل جهده، من النفس والمال والعلم والقدرة، في قتال العدو ومخاصمته. والصابر: من يتجلد. والخطاب لبعض المؤمنين لم يشهدوا
غزوة بدر. وتتمناه أي: تحب أن تلقاه. والموت هنا: الشهادة، أي: تحبون أن تصيروا إلى لقاء موتكم في الجهاد. وتلقوه أي: تشاهدوه وتعانوا شِدته.
ورأيتموه أي: أبصرتم الموت برؤية الحرب. وتنظرون: تبصرون بأعينكم.
٣ - سورة آل عمران
٦٨
الجزء الرابع
الحرة الرائع
سُورَةِ الْعَمَانَ
أَمْ
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ
حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ
مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ (٢٦) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اُلْمَوْتَ مِن
قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَ يْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ (٢) وَمَا مُحَمَّدٌ
إِلَّا رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلٌ أَفَاِيْنِ مَاتَ أَوْقُتِلَ
﴿أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَنْ يَضُرَّ
اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْرِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ ( وَمَا كَانَ
لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَاً وَمَنْ يُرِدْ
ثَوَابَ الدُّنْيَانُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَن يُرِدُ ثَوَابَ الْآَخِرَةِنُؤْتِهِ،
مِنْهَا وَسَنَجْرِى الشَّكِينَ ﴿ وَكَأَِّنِ مِّن نَّبِيِّ فَتَلَ مَعَهُ.
رِبِّيُّونَ كَثِيْرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَ مَا ضَعُفُواْ
وَمَا أُسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ (جَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ
إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَ إِسْرَافَنَا فِىٌ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ
وَأَقْدَامَنَا وَأَنصُرْ نَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ (٣) فَائَهُمُ اللّهُ
ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةٌ وَاللَّهُ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ
١- ونزل في هزيمتهم، لمّا أُشيعَ أنّ النبيَّ قُتل، وقال لهم المنافقون: ((إن كان قُتل
فارجِعوا إلى دِينكم)): ﴿وما مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ، قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ. أفإِنْ ماتَ أو
قُتِلَ﴾ كغيره ﴿انقَلَبْتُمْ عَلَى أعقابِكُم﴾: رجَعتم إلى الكُفر؟ والجُملة الأخيرة محلّ
الاستفهام الإِنكاريّ، أي: ما كان معبودًا فَتَرجِعوا، ﴿ومَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ
اللهَ شَيْئًا﴾! وإنما يضرّ نفسه، ﴿وسَيَجزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ ١٤٤ نِعمَه بالثبات، ﴿وما
كانَ لِنَفْسِ أنْ تَمُوتَ إلّا بإذنِ اللهِ﴾: بقضائه، ﴿كِتَابًا﴾: مصدرٌ أي: كَتَبَ اللهُ ذلك،
﴿مُؤَجَّلَا﴾: مُؤْقّتًا لا يتقدّم ولا يتأخّر. فلِمَ انهزمتم، والهزيمةُ لا تدفع الموتَ،
والثباتُ لا يقطع الحياة؟ ﴿ومَن يُرِدْ﴾ بعمله ﴿ثَوابَ الدُّنيا﴾ أي: جزاءَه منها ﴿نُؤْتِهِ
مِنها﴾ ما قُسم له ولا حظَّ له في الآخرة، ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرةِ نُؤْتِهِ مِنها﴾ أي: من
ثوابها. ﴿وَسَنَجِزِي الشّاكِرِينَ﴾ ١٤٥.
٢- ﴿وَكَأَيِّنْ﴾: كم ﴿مِن نَبِيِّ قُتِلَ﴾ - وفي قراءة: ((قاتَلَ)) والفاعل ضميره - ﴿مَعَهُ﴾:
خبرٌ مبتدؤه ﴿رِبُِّّونَ كَثِيرٌ﴾: جموعٌ كثيرة، ﴿فما وَهَنُوا﴾: جَبُنوا، ﴿لِما أصابَهُم في
سَبِيلِ اللهِ﴾ من الجراحِ وقتلِ أنبيائهم وأصحابهم، ﴿وما ضَعُفُوا﴾ عن الجهاد، ﴿وما
استكانُوا﴾: خضعوا لعدوّهم، كما فعلتم حين قيل: قُتل النبيّ ! - ﴿واللهُ يُحِبُّ
الصّابِرِينَ﴾ ١٤٦ على البلاء، أي: يُثيبهم - ﴿وما كانَ قَولَهُم﴾ عند قتل نبيّهم، مع
ثباتهم وصبرهم، ﴿إلّا أنْ قالُوا: رَبَّنا، اغفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسرافَنَا﴾: تجاوزَنا الحدَّ ﴿في
أمرِنا﴾، إيذانًا بأنّ ما أصابهم لسوء فعلهم وهضمًا لأنفسهم، ﴿وثَبِّتْ أقدامَنا﴾ بالقوّة
على الجِهاد، ﴿وانصُرْنا عَلَى القَومِ الكافِرِينَ ١٤٧. فآتَاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنيا﴾: النصرَ والغنيمةَ، ﴿وحُسنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ أي: الجنّة. وحُسنه:
التفضّل فوق الاستحقاق. ﴿واللهُ يُحِبُّ المُحسِنِينَ﴾ ١٤٨.
(١) ما ذكر هنا من الهزيمة كان في غزوة أحد. فلقد أصاب أحد المشركين وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجر، فشجّه وكسر رباعية من أسنانه، فشاع
الخبر في الناس أنه قُتل، وانهزم أكثر المسلمين. وعند ذلك قال أنس بن النضر: ((إن كان محمد قد قُتل فإن رب محمد لم يُقتل. وما تصنعون بالحياة بعد
رسول الله؟ فقاتِلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه)). ثم علم المسلمون كذب خبر مقتله، فعادوا إلى القتال حتى انتهت المعركة. ونزلت الآيات
١٤٤ - ١٤٨. الواحدي ص ١٢٠ وتفاسير البغوي ٣٥٧:١-٣٥٨ والخازن ٤٢٨:١ والآلوسي ١١٣:٤. والرسول: من بعثه الله لتبليغ العقيدة والشريعة مع
العمل. فهو إنسان مخلوق، يجري عليه ما يجري على الناس. وخلت: مضت وذهبت. والرسل: جمع رسول. ومات: فارقت روحه جسده بالوفاة العادية.
وقُتل: استُشهد لإعلاء دين الله. والأعقاب: جمع عقب. وهو عظم في مؤخر القدم، يُعبَّر به عن الرجوع والتقهقر. وينقلب على عقبيه أي: يرتد إلى الكفر.
ولا يضره أي: لا يسبب له مايسوء. ويجزي: يثيب بفضله وكرمه. والشاكر: من يستحضر النعمة ويذكرها، ويثني على منعمها بالقلب واللسان والفعل. وما
كان أي: لا يصح ولا يجوز. والنفس: المخلوق الحي من البشر وغيرهم. والكتاب أي: التسجيل لما هو محتم وقوعه. وذلك أي: موت الأنفس. ويريد:
يطلب ويقصد بنيته في عمله. ونؤتيه: نعطيه ونيسر له المتاع والزينة. ونجزي: نثيب ونكافئ بنعيم الدنيا والآخرة.
(٢) كم أي: للمبالغة في التكثير والتعجب. والنبي: من كلف بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. وقُتل: استُشهد لإعلاء دين الله. وضميره أي: الضمير
العائد على ((نبيّ)). ومعه أي: بصحبته في الإيمان والجهاد. والربّيّ: المنسوب إلى الرِّبّة. وهي الجماعة تبلغ عشرة الآلاف. وجبنوا أي: ماجبنوا. وأصابهم:
نزل بهم. وسبيل الله: دينه القويم وما شرعه فيه من الجهاد لإعلاء كلمته. وضعف: عجز وقصّر. والصابر: من يتحمل ويتجلد. ويحب الصابرين: يودهم
لصبرهم ويكرمهم بالثواب. وربنا أي: يا ربنا. والنداء بـ ((يا)) يفيد التوكيد للدعاء. وحذفت مبالغة في التوكيد، لِما تشعر به من الأمر والتنبيه. واغفرها:
استرها واصفح عنها. والذنوب: جمع ذنب. والمراد بالذنوب: الصغائر من المعاصي، وبالإسراف: الكبائر. والأمر: الشأن من قول أو فعل. والإيذان:
الإعلام. والهضم للأنفس هو التهوين من قدرها تواضعًا. وثبتها أي: رسّخها في مواطن اللقاء. والأقدام: جمع قدم. وانصرنا: أعنّا وغّبنا. والقوم:
الجماعة من الناس. وآتاهم: أعطاهم في الدارين. والثواب: الجزاء. وثواب الدنيا أي: المكافأة في الدنيا. وذكرُ الغنيمة من البيضاوي والتلخيص
وتفسير البغوي، وهو قول الزمخشري في الكشاف ٤٢٥:١، وفيه إشكال لأن الغنائم لم تحل بغير شريعة القرآن. انظر الأحاديث ٣٢٨ و٤٢٧ في البخاري
و٥٢١ في مسلم. وفي الفتوحات ٣٢٣:١ والصاوي ١٨٣:١ ما يعني أن المراد هو التمكين من الغنائم، دون تحليل الانتفاع بها. والحُسن: الجودة والزيادة
في الخير. وفشّره بالجنة لأنها أحسن ما يناله الإنسان من نعيم. و((فوق الاستحقاق)) يعني أن الزيادة على ما يستحقه العمل يتفضل الله بها عليهم إحسانًا .
ويحبهم: يودهم ويكافئهم على إحسانهم، بما هم أهل له مع زيادة إكرام. والمحسنون: من يخلصون في العمل، ويتوكلون على الله ويُقرّون بإساءتهم، كما
فعل هؤلاء.
٦٩
٣ - سورة آل عمران
الجزء الرابع
١- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيما يأمرونكم به ﴿يَرُدُوكُمْ عَلَى
أعقابِكُم﴾ إلى الكُفر، ﴿فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ ١٤٩. بَلِ اللهُ مَولاكُم﴾: ناصركم، ﴿وَهْوَ
خَيرُ النّاصِرِينَ﴾ ١٥٠. فأطيعوه دونهم. ﴿سَنُلِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾،
بسكُون العين وضمّها: الخوفَ - وقد عزموا بعد ارتحالهم من أُحُد على العَود
واستئصال المسلمين، فرُعِبُوا ولم يرجِعوا - ﴿بِما أشرَكُوا﴾: بسبب إشراكهم ﴿بِاللهِ ما
لَم يُنْزِلْ بِهِ سُلطانًا﴾: حُجّة على عبادته - وهو الأصنام - ﴿ومأواهُمُ النّارُ، وبِئْسَ
مَتْوَى﴾: مأوى ﴿الظّالِمِينَ﴾ ١٥١: الكافرين هي!
٢- ﴿وَلَقَد صَدَقَكُمُ اللهُ وَعدَهُ﴾ إيّاكم بالنصر، ﴿إِذ تَحُسُّونَهُم﴾: تقتلونهم (بإذنِهِ﴾:
بإرادته. ﴿حَتَى إذا فَشِلتُم﴾: جبُنتم عن القتال، ﴿وتَنازَعتُم﴾: اختلفتم ﴿في الأمرِ﴾
أي: أمرِ النبيّ بِالمُقام في سفح الجبل للرمي، فقالَ بعضُكم: نَذهبُ فقد نُصِرَ
أصحابنا. وبعضُكم: لا نُخالِفُ أمرَ النبيّ، ﴿وَعَصَيتُم﴾ أمره فتركتم المركز
لأجل الغنيمة، ﴿مِن بَعدِ ما أراكُم﴾ اللهُ ﴿ما تُحِبُّونَ﴾ من النصر. وجواب
الخِـ
(إذا)) دلّ عليه ما قبله أي: منعكم نصرَه - ﴿مِنكُم مَن يُرِيدُ الدُّنيا﴾ فترك المركز
للغنيمة، ﴿ومِنكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ فَثَبَتَ بِهِ حتّى قُتل، كعبدالله بن جُبير
وأصحابه - ﴿ثُمَّ صَرَفَكُم﴾: عطفٌ على جواب ((إذا)) المُقدّر، ردّكم بالهزيمة ﴿عَنْهُم﴾
أي: الكُفّارِ، ﴿لِيَبْتَلِيَكُم﴾: ليَمتحنكم فيَظهَرَ المخلصُ من غيره. ﴿وَلَقَد عَفا عَنكُم﴾ ما
ارتكبتموه. ﴿واللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤمِنِينَ﴾ ١٥٢ بالعفو.
سُورَةِ الْعَمَّان
اللغة العربية
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ
يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْخَسِرِينَ (٦هـ
بَلِ اللَّهُ مَوْلَنَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ ﴿٥َسَنُلْقِى
فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ
مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَنَّْ وَمَأْوَنَّهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ
مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ
وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُونَهُم بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ
وَتَنَزَعْتُمْ فِىِ الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَنَكُمْ
مَّا تُحِبُّونَّ مِنكُم مَّنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُمْ
مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
وَلَقَدْعَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
(٢)﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْؤُونَ عَلَّ أَحَدٍ
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَ أُخْرَئِكُمْ فَأَثَبَكُمْ
غَمَّا بِغَمِّ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَافَاتَكُمْ
وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٥٣
٣- اذكروا ﴿إذ تُصعِدُونَ﴾: تُبُعِدون في الأرض هاربين، ﴿ولا تَلْوُونَ﴾: تُعَرِّجون ﴿عَلَى أَحَدٍ، والرَّسُولُ يَدعُوكُم في أُخراكُم﴾ أي: من
ورائكم، يقول: ((إليَّ عِبادَ اللهِ، إليَّ عِبادَ اللهِ)، ﴿فأثابَكُم﴾: فجازاكم ﴿غَمَّ﴾ بالهزيمة ﴿بِغَمِّ﴾: بسبب غمِّكم الرسولَ بالمُخالفة - وقيل: الباء
بمعنى: على، أي: مُضاعَفًا على غمِّ فَوتِ الغنيمة - ﴿لِكَيلاً﴾، متعلّق بـ((عفا))، أو بـ ((أثابكم)) فـ((لا)): زائدة، ﴿تَحَنُوا عَلَى ما فاتَكُمْ﴾ من
الغنيمة، ﴿ولا ما أصابَكُم﴾ من القتل والهزيمة. ﴿واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعمَلُونَ﴾ ١٥٣.
(١) روي أن المشركين وأهل الكتاب والمنافقين أمروا، بعد غزوة أحد، ضعفاء الإيمان بالعودة إلى الكفر، وقال لهم عبد الله بن أبيّ: امضوا بنا إلى أبي
سفيان، لنأخذ لكم منه عهدًا. ألم أقل لكم: إن محمدًا ليس بنبي؟ فنزلت الآية بالتحذير والوعيد. والخطاب عامّ أيضًا، يتناول أهل أحد وغيرهم. ولا يزال
الكافرون مثابرين على إفساد عقائد المسلمين وأخلاقهم، وردهم عن الحق، بكل وسائل الإغراء والغش والتضليل. انظر البحر ٧٦:٣ والآية ١٠٠. وتطيعه:
تستجيب لقوله وتنقاد له. والأعقاب: جمع عقب. انظر الآية ١٤٤. يعني أنهم يعيدونكم إلى دينكم الأول. وتنقلبوا خاسرين أي: ترجعوا مغبونين في الدنيا
بالانقياد للعدو والتذلل له، وفي الآخرة بالحرمان من الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد. وخير أي: أفضل وأعظم. والناصر: المعين على العدو
والبلاء. ونلقي: نقذف ونطرح. والقلوب: جمع قلب. وهو موطن التدبر والاعتقاد والانفعال، ويمد الدماغ بذلك. والذين كفروا أي: المشركون. وبضمها
يريد القراءة ((الرُّعُبَ)). ورُعبوا: خُوِّفوا. وأشرك: جعل مع الله معبودًا من خلقه، يطيعه ويقدسه. ولم يُنزله أي: لم يوحِه. والمأوى: المسكن يلجأ إليه
الإنسان. وفي ذكره هنا تهكم. وبئس: بلغ الغاية في الشر والبؤس والشقاء. والمثوى: مكان الإقامة. وهو ما يصيرون إليه في الآخرة. والظالم: من يضع
الشيء في غير موضعه. وأشنع ذلك هو الكفر.
(٢) روي أن بعض الصحابة قالوا بعد مُصاب أحد: مِن أين أصابنا هذا، وقد وَعدنا الله النصرَ؟ فنزلت الآية. الواحدي ص ١٢١. وصدقه: أثبته وحققه.
والوعد: التعهد القاطع. وقد وعدهم الله - تعالى - بالنصر إن صبروا وأطاعوا. وتقتلونهم أي: بكثرة وشدة. والأمر: الواجب الملزم. يعني: في امتثال الأمر
المعهود وتنفيذه. والمقام: البقاء. وسفح الجبل: هضبة هناك. وعصى: خالف. وأراكم أي: نصركم فعلًا وأبصرتم ذلك عيانًا. وتحبون أي: تودونه
وتتمنونه. ويريد الدنيا أي: يطلب المكاسب الفانية في الحياة الدنيا. ويريد الآخرة يعني: يطلب ثوابها الأبدي. وردكم بالهزيمة أي: ردكم مهزومين. وعفا:
صفح وتجاوز. وما ارتكبتموه أي: من مخالفة أمر النبي ◌َّ والفرار من العدو. والفضل: التفضل والتكرم. وذو فضل أي: صاحبه المختص به.
(٣) تعرجون أي: لا تعرجون. والمراد أنهم لا يلتفتون إلى ما وراءهم، ولا يقف أحدهم لانتظار آخر. والرسول: النبي ◌ُّ. ويدعو: ينادي ويصرخ بأعلى
صوته. ومن ورائكم يعني أن ((في)) هي بمعنى: مِن، وأن ((أخرى)) بمعنى: آخِر. والحديث من التلخيص والبيضاوي، وتتمته: ((أنا رَسُولُ اللهِ. مَن يَكِرَّ فَلَهُ
الجَنَّةُ)). رواه الطبري وابن المنذر عن ابن عباس. وانظر الدر المنثور ٨٧:٢. وإليّ أي: أقبلوا، اسم فعل أمر. والغم: الكرب والحزن الشديد. والمضاعف:
المزيد فيه مثل قدره. والفوت: الذهاب والخسارة. وزائدة: يعني أن المراد: جازاكم ذلك، لتأسفوا على ما فاتكم وما أصابكم عقوبة لكم، كما ذكر
البيضاوي. والظاهر هنا أن ((لا)) غير زائدة، بقرينة توكيدها بمثلها بعد، وأن المعنى: جازاكم غمًا مع غم، تمرينًا لكم على المصائب، وتدريبًا لاحتمال
الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على ما يفوتكم من المنافع. فتح القدير ١: ٥٨١ والبحر ٣: ٨٥. وتحزن: تغتم وتأسف لِما كان. وفاتكم: ذهب أو يذهب عنكم
ولا تدركونه. وأصابكم أي: حلّ أو يحل بكم. والخبير: البالغ العلم ببواطن الأمور وخفاياها. وتعملون أي: تكتسبونه من نية أو قول أو فعل.
٣ - سورة آل عمران
٧٠
الجزء الرابع
سُورَةِ الْعَمَان
ثُمَّأَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىْ طَآئِفَةً
مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْأَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ
الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَىْءٌ
قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم ◌َّالَا يُبْدُونَ لَكّ
يَقُولُونَ لَوْكَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَّاقُل لَّوْكُمْ
فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ
وَلِيَبْتَلِى اَللَّهُ مَا فِ صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنْكُمْ
يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ بِبَعْضِ مَا
كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ◌َللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّاللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ( يَأَيُّهَا
الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْلِإِخْوَانِهِمْ إِذَا
ضَرَبُواْ فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُوَأْوَمَا
قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحِى، وَيُمِيتٌ
وَلَيِن قُتِلْتُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيْرٌ لَا
١- ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِن بَعدِ الغَمِّ أَمَنَةً﴾: أمْنَا، (نُعاسًا﴾: بدلٌ ﴿يَغْشَى﴾ - بالياء
والتاء - ﴿طائفةً مِنكُم﴾ وهم المؤمنون، فكانوا يميدون تحت الحَجَفِ وتسقط
السيوف منهم، ﴿وطائفةٌ قَد أهَمَّتْهُم أنفُسُهُم﴾ أي: حَملتْهم على الهمّ، فلا رغبةً لهم
إلّا نجاتُها دُونَ النبيّ وأصحابه فلم يناموا - وهم المنافقون - ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ﴾ ظنًّا
﴿غَيرَ﴾ الظنِّ ﴿الحَقِّ، ظَنَّ﴾ أي: كظنِّ ﴿الجاهِلِيَّةِ﴾، حيث اعتقدوا أنّ النبيّ قُتل أو
لا يُنصر، ﴿يَقُولُونَ: هَل﴾ ما ﴿لَنا مِنَ الأمرِ﴾ أي: النصرِ الذي وُعِدْناه ﴿مِن﴾: زائدةٌ
﴿شَيءٍ؟ - قُلْ﴾ لهم: ﴿إِنَّ الأمرَ كُلَّهُ﴾، بالنصبِ: توكيدًا، والرفع: مبتدأ خبره:
﴿لِلّهِ﴾ أي: القضاءَ له يفعل ما يشاء - ﴿يُخفُونَ في أنفُسِهِم ما لا يُبدُونَ﴾: يُظهرون
﴿لَكَ، يَقُولُونَ﴾: بيان لما قبله ﴿: لَو كانَ لَنا مِنَ الأَمرِ شَيءٌ ما قُتِلنا هُهُنا﴾ أي: لو
كان الاختيار إلينا لم نخرج فلم نُقتل. لكن أُخرجنا كُرهًا .
٢- ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَو كُنتُم فِي بُيُوتِكُم﴾، وفيكم من كَتبَ اللهُ عليه القتل، ﴿لَبَرَزَ﴾:
خرج ﴿الَّذِينَ كُتِبَ﴾: قُضي ﴿عَلَيهِمِ القَتَلُ﴾ منكم ﴿إِلَى مَضاجِعِهِم): مصارعهم
فيقتلوا، ولم يُنجهم قُعودهم، لأنّ قضاءه - تعالى - كائن لا محالة، ﴿و﴾ فُعِل ما
فُعِل بأُحُد، ﴿لِيَبتَلِيَ﴾: يَختبرَ ﴿اللّهُ ما فِي صُدُورِكُم﴾: قُلوبكم من الإِخلاص
والنفاق، ﴿ولِيُمَخِّصَ﴾، يَمِيزَ ﴿ما فِي قُلُوبِكُم، واللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ١٥٤ : بما
في القُلوب، لا يخفى عليه شيء. وإنّما يَبتلي ليُظهِر لِلناس. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوا مِنكُم﴾
عن القتال، ﴿يَومَ التَّقَى الجَمعانِ﴾: جمعُ المسلمين وجمع الكافرين بأُحُد - وهم
أَوْمُتُمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَحْمَعُونَ (بَـ
المسلمون إلّا اثني عشر رجلًا - ﴿إِنَّما استَزَلَّهُمُ﴾: أزلّهم ﴿الشَّيطانُ﴾ بوسوسته،
﴿ِبَعضِ مَا كَسَبُوا﴾ من الذُّنوب - وهو مُخالفة أمر الرسول - ﴿وَلَقَد عَفا اللهُ عَنْهُم. إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ للمُؤمنين، ﴿حَلِيمٌ﴾ ١٥٥: لا يُعجّل على
العُصاة.
٣- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: المنافقين، ﴿وقالُوا لِإِخوانِهِم﴾ أي: في شأنهم، ﴿إِذا ضَرَبُوا﴾: سافروا ﴿في
الأرضِ﴾ فماتوا، ﴿أو كانُوا غُزَّى﴾: جمع غازٍ، فقُتلوا: ﴿لَو كانُوا عِندَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾، أي: لا تقولوا كقولهم، ﴿لِيَجعَلَ اللهُ ذْلِكَ﴾
القول في عاقبة أمرهم ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِم - واللّهُ يُحيِي ويُمِيتُ﴾، فلا يمنع عن الموت قعودٌ، ﴿واللهُ بِما تَعمَلُونَ﴾ - بالتاء والياء -
﴿بَصِيرٌ﴾ ١٥٦ فيُجازيكم به - ﴿وَلَئِنَ﴾: لامُ قسم ﴿قُتِلْتُم في سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: الجِهاد، ﴿أو مُثُمْ﴾ - بضم الميم وكسرها من: ماتَ يَموتُ ويَماتُ
- أي: أتاكم الموت فيه، ﴿لَمَغْفِرةٌ﴾ كائنة ﴿مِنَ اللهِ﴾ لذنوبكم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ منه لكم على ذلك، واللام ومدخولها جواب القسم، وهو في موضع
الفعل مبتدأ خبره: ﴿خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ﴾ ١٥٧ من الدنيا، بالتاء والياء، ﴿وَلَئِنِ﴾: لامُ قسم ﴿مُتُّمْ﴾ - بالوجهين - ﴿أو قُتِلْتُم﴾ في الجِهاد أو غيره
(١) أنزل: ألقى. والغم أي: غمكم. والأمن: الطمأنينة والهدوء. والنعاس: النوم الخفيف. ويغشاها: يخالط نفوسها وعيونها. وبالتاء يريد القراءة (تَغْشَى)).
والطائفة: الجماعة. ويميد: يميل. والحجف: مفرده حَجَفة. وهي الترس. وطائفة أي: من غيركم. والنفس: حقيقة الإنسان بروحه وجسده. والهم:
الحرص. ويظن: يعتقد. والحق: الصدق والعدل. والجاهلية: المِلّة التي كانت قبل الإسلام، وقد تتجدد بعده بين المسلمين وغيرهم. وزائدة: يعني أن
(من)): للتنصيص على عموم النفي. والأمر: الحكم في الكون. وبالرفع يريد القراءة ((كُلَّهُ)). ويخفون أي: يسترون. والأنفس هنا: القلوب والضمائر.
(٢) البيوت: جمع بيت. والمضاجع: جمع مضجع. والمصارع: جمع مصرع. وهو مكان الموت. وانظر ((المفصل)) لحذف النون من ((يقتلوا))، ولتقدير:
فُعِلَ. وفُعل أي: نُفِّذ. والصدور: جمع صدر. عُبِّرَ به عن القلب لاشتماله عليه. والعليم: البالغ العلم. وذات الصدور أي: صاحبتها. وتولوا: انهزموا.
واليوم: الوقت. والتقى الجمعان: اصطدما للقتال. والاثنا عشر هؤلاء ثَبَتُوا مع النبي ◌َّ. وأزلهم: أزلقهم وأضلهم. وكسب: فعل باختيار وقصد. وأمر
الرسول أي: بالثبات في المراكز المحددة. وعفا عنهم أي: رفع عنهم جزاء مخالفتهم. والغفور: الكثير الستر للذنوب والعفو عنها. والحليم: ذو العفو
المطلق لا يستخفه عصيان ولا يعجل بالانتقام.
(٣) تكون: تصير، والإخوان: جمع أخ. وهو المشارك في النفاق. والغازي: من يطلب حرب المعتدي أو ردعه. ويجعل: يصيّر. وحسرة أي: غمًا.
والقلوب: جمع قلب. ويحيي ويميت أي: هو الذي يحدث أسباب الموت والحياة. وتعملون أي: تكتسبونه. وبالياء يريد القراءة ((يَعمَلُونَ)). والبصير: المدرك
للأحداث. وبكسرها يريد القراءة ((مِتُمْ)). والمغفرة: ستر الذنب وعدم المؤاخذة عليه. ومن الله أي: من عنده بأمره. والرحمة: العطف بالخير. ومدخولها
أي: ما دخلت عليه اللام من الجملة. وهو في موضع الفعل أي: أن التركيب في جملة ((مغفرة ... خير)) تقديره: ليغفرنّ الله لكم وليرحمنكم. وخير: أكثر
نفعًا. وتجمعون أي: تحصّلونه من متاع وزينة. وبالياء يريد القراءة ((يَجمَعُونَ)). ولام قسم: الصواب أن اللام موطئة لجواب قسم محذوف، والتقدير: أقسمُ -
لئن متم أو قتلتم فإلى الله تحشرون - لَإليه تحشرون. وبالوجهين يريد ماذكرناه في الآية المتقدمة من القراءتين. وكل قراءة تكون مع نظيرتها في الآيتين، لئلا
يُظن جواز خلاف ذلك. وإلى الله أي: إلى لقاء حسابه يوم القيامة. وتحشرون: تبعثون وتساقون للحساب.
٧١
الجزء الرابع
٣ - سورة آل عمران
﴿فَإِلَى اللهِ﴾ لا غيرِهِ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ ١٥٨ في الآخرة فيُجازيكم.
١- ﴿فِما﴾ ما: زائدةٌ ﴿رَحْمةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿لَهُم﴾: أي: سَهّلتَ
أخلاقَك إذا خالفوك، ﴿ولو كنتَ فَظًّا﴾: سيّئ الخُلق، ﴿غَلِيظَ القَلبِ﴾: جافيًا
فأغلظت لهم، ﴿لَانْفَضُّوا﴾: تفرّقوا ﴿مِن حَولِكَ. فاعفُ﴾: تجاوزْ ﴿عَنْهُمْ﴾ ما أتَوه،
واستَغْفِرْ لَهُم﴾ ذَنبَهم حتّى أغفِرَ لهم، ﴿وشاوِرْهُم﴾: استخرج آراءهم ﴿في الأمرِ﴾
أي: شأنِك من الحرب وغيره، تطييبًا لقلوبهم وليُستنّ بك - وكانِ وَّ كثير المُشاورة
لهم - ﴿فإذا عَزَمتَ﴾ على إمضاء ما تُريد، بعد المُشاورة، ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾: ثِقْ به
لا بالمُشاورة. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ ١٥٩ عليه. ﴿إِنْ يَنصُرْكُمُ اللهُ﴾: يُعِنْكم على
عدوّكم كيوم بدر ﴿فلا غالِبَ لَكُم، وإنْ يَخذُلْكُم﴾: يَتركْ نصركم كيوم أُحُد ﴿فَمَن ذا
الَّذِي يَنصُرُكُم مِن بَعدِهِ﴾ أي: بعدِ خِذلانه؟ أي: لا ناصر لكم. ﴿وعلَى اللهِ﴾ لا غيرِهِ
﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾: لِيَثِقِ ﴿المُؤمِنُونَ﴾ ١٦٠ .
٢- ونزل، لمّا فُقِدتْ قَطيفةٌ حمراء يومَ بدر، فقال بعضُ الناس: ((لعلّ النبيَّ أَخذَها)»:
﴿وما كانَ﴾: ما ينبغي ﴿الِنَبِيِّ أنْ يَغُلَّ﴾: يخونَ في الغنيمة - فلا تظنّوا به ذلِك. وفي
قراءة بالبناء للمفعول أي: يُنسبَ إلى الغُلول - ﴿ومَن يَغْلُلُ يأتِ بِمَا غَلَّ يَومَ القِيامةِ)
حاملًا له على عنقه، (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ الغالُّ وغيرُه جزاءَ ﴿مَا كَسَبَتْ﴾: عملت،
﴿وَهُم لا يُظلَّمُونَ﴾ ١٦١ شيئًا .
سُورَةِ الْعَمَانَ
وَلَيِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِ لَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ
اللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْكُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْلَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمِِّ فَإِذَا عَهْتَ
إِن يَنصُرُّكُمُ اللَّهُ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ لَ
فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُ لْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنْصُرُكُمْ مِّنْ
بَعْدِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦) وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ
يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ثُمَ نُوَى كُلُّ
نَفْسِ مَّاكَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦ أَفَمَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَنَ
اللَّهِ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ الَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَّمُ وَبِئْسَالْمَصِيرُ
﴿ هُمْ دَرَجَتُّ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ
يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ
وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِىِ ضَلَالٍ مُّبِينٍ
أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ مُّصِيِبَةٌ قَدْأَ صَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَى هَذَّاً
قُلْ هُوَ مِنْ عِندٍ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
٣- ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ﴾، فأطاع ولم يَغُلَّ، ﴿كَمَن باءَ﴾: رَجَع ﴿بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾ لمعصيته وغلوله، ﴿ومأواهُ جَهَنَّمُ؟ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ١٦٢ :
المرجعُ هي! لا. ﴿هُم دَرَجاتٌ﴾ أي: أصحابُ درجاتٍ ﴿عِندَ اللهِ﴾ أي: مختلفو المنازل، فلِمَن اتّبع رضوانه الثوابُ، ولِمَن باء بسَخَطه
العِقَابُ، ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ ١٦٣ فيُجازيهم به. ﴿لَقَد مَنَّ اللهُ علَى المُؤمِنِينَ، إذْ بَعَثَ فِيهِم رَسُولًا مِن أَنفُسِهِم﴾ أي: عربيًّا مِثلَهم، ليفهموا
عنه ويَشرُفوا به، لا مَلَكًا ولا عَجميًّا، ﴿يَتْلُو عَلَيهِم آياتِهِ﴾: القرآنَ، ﴿ويُزَكِّيهِم﴾: يُطهّرهم من الذّنوب، ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾: القرآنَ
﴿والحِكْمَةَ﴾: السُّنَّةَ، ﴿وإنْ﴾ مُخفّفَةٌ أي: إنّهم ﴿كانُوا مِن قَبْلُ﴾ أي: قبلٍ بَعثه ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١٦٤ : بيِّن.
٤- ﴿أَوَلَمَا أصابَتَكُم مُصِيبٌ﴾ بأُحُد، بقتل سبعين منكم، ﴿قَد أصَبْتُم مِثْلَيها﴾ ببدر بقتل سبعين وأسر سبعين منهم، ﴿قُلْتُم﴾ مُتعجّبين: ﴿أَنَّى):
من أين لنا ﴿هذا﴾ الخِذلانُ، ونحن مسلمون ورسول الله فينا؟ والجملة الأخيرة محلّ الاستفهام الإنكاريّ. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿هُوَ مِن عِندِ
أَنفُسِكُم﴾، لأنكم تركتم المركز فخُذلتم. ﴿إِنَّ اللهَ علَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ١٦٥، ومنه النصرُ ومنعُه. وقد جازاكم بخِلافكم.
(١) زائدة أي: حرف زائد معناه التوكيد. والرحمة: العطف بالإحسان إليك وإليهم. ولنت: لطفت ورفقت. والفظ: العنيف الجافي المعاشرة. والغليظ:
القاسي المتكبر. واستغفر لهم أي: اشفع لهم وادع الله لهم بالستر والعفو. وما أتوه أي: من مخالفة في غزوة أحد. ويُستن أي: يُقتدى بين المسلمين.
وعزمت: وطنت نفسك. ويحبهم: يودهم ويقدر لهم الخير. والمتوكل: الذي يفوض أمره إلى الله. والغالب: المتغلب القاهر. وينصرُكم: يعينكم على
أعدائكم. والمؤمن: من عرف قلبه التوحيد وما يلزمه.
(٢) القطيفة: كساء من المُخمل. وبعض الناس أي: من المنافقين. وما ينبغي أي: لا يمكن أن يحصل. وللمفعول يريد: (يُغَلَّ)). ويغلُل أي: يأخذ لنفسه
شيئًا من الغنيمة خفية. ويأت به أي: يحضره معه. وتُوفاه: تُعطاه تامًا وافيًا. والنفس: المخلوق المكلف. وهم أي: جميع الناس. ويظلم: يجار عليه بنقص
الحسنات أو زيادة السيئات.
(٣) اتّبعه: عمل بأمر الله واجتنب نهيه. والرضوان: القبول والإكرام. والسخط: الغضب الشديد كما يليق بجلاله وعظمته. ومن الله أي: من عنده وبأمره.
والمأوى: المكان يُلجأ إليه. والمرجع: المكان يُرجع إليه. وجهنم: اسم علم للعذاب الذي هيئ للكافرين والمصرّين على العصيان. وعند الله أي: في حكمه
وعلمه. وبصير أي: يشاهد ويرى. ومنّ عليهم أي: أحسن إليهم بالنعم. وبعثه: كلفه بالدعوة. ويتلوها: يقرؤها ويعمل بما تقتضيه. ويعلّمهم أي: يوضّح لهم
ويفسر. والحكمة: وضع الأمور في مواضعها بإتقان. ومخففة: انظر ((المفصل)). والضلال: الحيرة والضياع والكفر.
(٤) أصابتكم: نزلت بكم. والمصيبة: الهزيمة والخسارة. ومثليها أي: بمقداريها. وأصبتم: نلتم. والاستفهام أي: مافي الهمزة أول الآية من معنى الإنكار
التوبيخي. ومن عند أنفسكم أي: هي سبب ما حدث. والأنفس: جمع نفس. وهي حقيقة الإنسان بروحه وجسده. والمركز: المكان الذي حُدِّد للمحاربين في
الغزوة. والشيء: ماهو موجود أو محتمل وجوده. والقدير: المبالغ في القدرة بذاته دون معين أو منازع.
٣ - سورة آل عمران
٧٢
الجزء الرابع
سُورَةِ الْعَمَران
الجزء الرابع
وَمَا أَصَبَكُمْ يَوْمَ الْتَّقَى الْجَمْعَانِ فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ اَلْمُؤْمِنِينَ
(١٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِاللَّهِ
أَوِاَدْفَعُوْ قَالُوْ لَوْنَعْلَمُ قِتَالَاً لََّ تَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ
يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّالَيْسَ
فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَايَكْتُمُونَ (٦) الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَنِهِمْ
وَقَعَدُواْ لَوْأَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ قُلْ فَادْرَهُ واعَنْ أَنْفُسِكُمُ
اَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٨) وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأَبَلْ أَحْيَاءُ عِندَرَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (٦) فَحِينَ
بِمَآءَاتَنْهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ
ـِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ
﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّاللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ
اَلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوْلِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ
أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْ أَجْرٌ عَظِيمٌ
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ
فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
١- ﴿وما أصابَكُم يَومَ التَّقَى الجَمْعانِ﴾ بأُحُد ﴿فِإِذْنِ اللهِ﴾: بإرادته، ﴿وَلِيَعلَمَ﴾ اللهُ
عِلمَ ظُهورٍ ﴿المُؤمِنِينَ﴾ ١٦٦ حقًّا، ﴿ولِيَعلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا، و﴾ الذين ﴿قِيلَ لَهُم﴾،
لمّا انصرفوا عن القتال، وهم عبد الله بن أُبيّ وأصحابه: ﴿تَعالَوا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾
أعداءه، ﴿أوِ ادفَعُوا﴾ عنّا القوم بتكثير سوادكم، إن لم تُقاتلوا - ﴿قالُوا: لَو نَعَلَمُ﴾:
نُحسِنُ ﴿قِتالًا لَا تَّبَعْناكُمِ﴾. قال تعالى، تكذيبًا لهم: ﴿هُم لِلكُفرِ يَومَئذٍ أَقْرَبُ مِنْهُم
لِلإِيمانِ﴾، بما أظهروا من خِذلانهم للمؤمنين، وكانوا قبلُ أقربَ إلى الإِيمان من
حيث الظاهرُ. ﴿يَقُولُونَ بِأفواهِهِم ما لَيسَ في قُلُوبِهِم﴾، ولو علموا قتالًا لم يتّبعوكم،
﴿واللهُ أعلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ ١٦٧ من النِّفاق - ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ((الذين)) قبله أو نعت
[قالُوا لِإِخوانِهِمِ﴾ في الدِّين، (و) قد ﴿قَعَدُوا﴾ عن الجِهاد: ﴿لَو أطاعُونا﴾ أي:
شُهداءُ أُحُد أو إخواننا، في القُعود، ﴿ما قُتِلُوا. قُلْ﴾ لهم: ﴿فادرَؤُوا﴾: ادفعوا ﴿عَن
أنفُسِكُمُ المَوتَ، إنْ كُنتُم صادِقِينَ﴾ ١٦٨ في أن القعود يُنجي منه.
الحزب
٢- ونزل في الشهداء: ﴿ولا تَحسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ - بالتخفيف والتشديد -
﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: لأجل دِينه ﴿أمواتًا. بَل﴾ هم ﴿أحياءٌ عِندَ رَبِّهِم﴾،
أرواحهم في حواصل طُيور خُضر تسرح في الجنَّة حيث شاءت، كما ورد في
حديث، ﴿يُرِزَقُونَ﴾ ١٦٩ : يأكلون من ثِمار الجنّة، ﴿فَرِحِينَ﴾: حالٌ من ضمير
(يرزقون) ﴿بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضِلِهِ، وَ﴾ هم ﴿يَستَبَشِرُونَ﴾: يفرحون ﴿بِالَّذِينَ لَم
يَلحَقُوا بِهِم مِن خَلفِهِم﴾ من إخوانهم المؤمنين، ويُبدل من ((الذين)): ﴿أنْ﴾ أي:
بأن ﴿لا خَوفٌ عَلَيهِمِ﴾ أي: الذين لم يلحقوا بهم، ﴿ولا هُم يَحزَنُونَ﴾ ١٧٠ في الآخرة - المعنى: يفرحون بأمنهم وفرحهم - ﴿يَستَبِشِرُونَ
بِنِعْمةٍ﴾: ثواب ﴿مِنَ اللهِ وفَضلٍ﴾: زيادةٍ عليه، ﴿وأنَّ﴾ - بالفتحِ عطفًا على ((نعمة)) والكسرِ استئنافًا - ﴿اللهَ لا يُضِيعُ أجرَ المُؤمِنِينَ﴾ ١٧١ بل
يأجُرهم.
٣- ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ ﴿استَجابُوا لِلِهِ والرَّسُولِ﴾ دُعاءه بالخُروج للقِتال، لمّا أراد أبو سفيان وأصحابه العَودَ، وتواعدوا مع النبيّ سُوقَ بدر العامَ
المُقبل من يومٍ أُحُد، ﴿مِن بَعدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ بأُحُد، وخبر المبتدأ: ﴿لِلَّذِينَ أحسَنُوا مِنْهُم﴾ بطاعته، ﴿وَاتَّقَوا﴾ مُخالفَته، ﴿أجرٌ عَظِيمٌ﴾ ١٧٢
هو الجَنّة، ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ((الذين)) قبله أو نعت ﴿قَالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ أي: نُعيم بن مسعود الأشجعيّ: ﴿إِنَّ النّاسَ﴾: أبا سفيان وأصحابه ﴿قَد
جَمَّعُوا لَكُم﴾ الجُموعَ ليستأصلوكم. ﴿فاخشَوهُم﴾ ولا تأتوهم. ﴿فزادَهُم﴾ ذلك القولُ ﴿إيمانًا﴾: تصديقًا بالله ويقينًا، ﴿وقالُوا: حَسْبُنَا اللهُ﴾:
كافِينا أمرَهم، ﴿ونِعمَ الوَكِيلُ﴾ ١٧٣ : المُفوَّضُ إليه الأمرُ هو! وخرجوا مع النبيّ فوافَوا سُوقَ بدر، وألقى الله الرُّعب في قلب أبي سفيان
وأصحابه فلم يأتوا، وكان معهم تجارات فباعوا وربحوا. قال الله تعالى: ﴿فانقَلَبُوا﴾: رجَعوا من بدر، ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضلٍ﴾: بسلامة ورِبحٍ،
﴿لَم يَمْسَسْهُم سُوءٌ﴾ من قتل أو جرح، ﴿واتََّعُوا رِضوانَ اللهِ﴾ بطاعته ورسولَه في الخُروج. ﴿واللهُ ذُو فَضلٍ عَظِيمٍ﴾ ١٧٤ على أهل طاعته. ﴿إنَّما
(١) أصابكم أي: حلّ بكم. والتقى: التحم للقتال. ونافق: أظهر بلسانه من الإيمان خلاف مافي قلبه. وأصحابه أي المنافقون. وتعالوا: أقبلوا إلى أُحد.
وسبيل الله: دينه وماشرع فيه من الجهاد لإعلاء كلمته. وتكثير سوادكم يعني: تكثير عددكم لنا. ومن حيث الظاهر يعني أنهم كانوا في ظاهر الأمر مؤمنين.
والأفواه: جمع فم. والقلوب: جمع قلب. وأعلم: أكثر علمًا منهم ومن المؤمنين. ويكتمون أي: يخفونه. والإخوان: جمع أخ. وهو الموافق والمشارك في
الاعتقاد. وجعلُ المؤمنين إخوانًا للمنافقين هنا هو من حيث ظاهر الحال. ولإخوانهم أي: في الحديث عن إخوانهم. وقعد: تخلف وامتنع. وأطاعوا:
وافقوا .
(٢) تحسب: تظن. وبالتشديد يريد القراءة ((قُتِلُوا)). وأموات: جمع ميت. والأحياء: جمع حي. والحواصل: جمع حوصلة. وهي ما يُختزن فيه الغذاء قبل
وصوله إلى المعدة. والحديث المذكور: انظر ((المفصل)). ويرزق: ييسّر ما يريد. وآتاهم: أعطاهم. والفضل: التفضل والإحسان. ولم يلحقوا بهم أي: بقوا
بعدهم في الحياة الدنيا. والنعمة: الإنعام بالخير. ومن الله أي: من عنده وبإكرامه. وبالكسر يريد القراءة ((إنَ)). ويضيع: يهمل. والأجر: المكافأة.
(٣) استجابوا: أجابوا الدعوة ولبَّوها. والمقبل أي: بعد غزوة أحد. وأصابهم: نزل بهم. والقرح: الجراح والآلام. وأحسنوا أي: في طاعة الرسول.
واتقوا: تجنبوا. والعظيم: الذي لا مثيل له في ضخامته وتميزه. وجمع: حشد. واخشوهم أي: خافوا لقاءهم وتجنبوه. وزادهم أي: أضاف إليهم. ونعم
أي: بلغ الغاية في الفضل والخير والعون. ووافوها أي: صادفوا السوق عامرة بالناس. ومعهم يعني: مع المسلمين. والنعمة والفضل: الإنعام والتفضل.
ويمسّ: يصيب. والسوء: ما يؤذي. واتبعوه: طلبوه بالعمل. ورضوان الله: رضاه وقبوله. وذو فضل أي: صاحبه المتفرد به. والعظيم: الضخم لا مثيل له.
والشيطان: من يوسوس بالشر والفساد. ويخوف: يُرهب يُفزع. وأولياء: جمع ولي. وأولياءه أي: شرَّ أوليائه بتعظيمه وتضخيمه.
الجزء الرابع
٧٣
٣ - سورة آل عمران
ذُلِكُمُ﴾ أي: القائلُ لكم ((إنّ الناس)) إلى آخره ﴿الشَّيطانُ، يُخَوِّفُحُـكم ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾:
الكُفَّارَ. ﴿فلا تَخافُوهُم وخافُونِيَ﴾ في ترك أمري، ﴿إِنْ كُنتُم مُؤمِنِينَ﴾ ١٧٥ حقًّا.
١- ﴿ولا يُحِزِنْكَ﴾ - بضمّ الياء وكسر الزاي، وبفتحها وضمّ الزاي من: حَزَنَه، لغةٌ
في: أحزَنَه - ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفرِ﴾: يقعون فيه سريعًا بنُصرته - وهم أَهل مكّة
والمنافقون - أي: لا تَهتمَّ لكُفرهم. ﴿إِنَّهُم ◌َن يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا﴾ بفِعلهم! وإنّما يضرّون
أنفُسَهم. ﴿يُرِيدُ اللهُ ألّا يَجعَلَ لَهُم حَظًّا﴾: نصيبًا ﴿في الآخِرَةِ﴾ أي: في الجنّة -
فلذلك خذلهم - ﴿وَلَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١٧٦ في النار. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشتَرَوُا الكُفرَ
بِالإِيمانِ﴾ أي: أخذوه بدله ﴿لَن يَضُرُّوا اللهَ﴾ بكُفرهم ﴿شَيْئًا! ولَهُم عَذابٌ
ألِيمٌ﴾ ١٧٧ : مؤلم.
سُورَةِ العَنَات
الجزء التان
فَأَنْقَلَبُواْبِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُواْ
رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (٣٦) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَنُ
١٧٥
يُخَوّفُ أَوْلِيَآءَهُ، فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْثُم مُّؤْمِنِينَ
وَلَا يَحْزُ نكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّواْاللَّهَ
شَيْكَا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظَّا فِ اَلْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ (٣٦) إِنَّ الَّذِينَ أَشْتَرَواْ الْكُفْرَ بِآلْإِيمَنِ لَنْ يَضُرُّواْ
اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (٨) وَلَا يَحْسَبَنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ
أَنََّا نُعْلِ لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُهْلِ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْإِثْمَّاً
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٣٨) مَا كَانَ اللَّهُلِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ
﴿ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخِبَيْثَ مِنَ الطَّيِّبُ وَمَا كَانَ اللَّهُلِيُطْلِعَكُمْ
عَلَى الْغَيْبٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِنْ رُسُلِهِ، مَن يَشَاء ◌َا مِنُواْبِلهِ
وَرُسُلِّةٍ، وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ(﴾ وَلَا
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآءَ اتَنْهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيراً
لَُّمْبَّ هُوَ شَرِّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخِلُواْبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
﴿وَ لِلَّهِ مِيرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاللَّهُبِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيْرٌ
٢- ﴿وَلا يَحْسِبَنَّ﴾ - بالياء والتاء - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ ما نُملِي﴾ أي: إملاءنا ـ
لَهُم
بتطويل الأعمار وتأخيرهم، ﴿خَيْرٌ لِأَنفُسِهِم﴾. و((أنّ)) ومعمولاها سدّت مسدّ
المفعولين في قراءة التحتانيّة، ومسدّ الثاني في الأُخرى. ﴿إِنَّما نُمِلِي﴾: نُمهل ﴿لَهُم
لِيَزْدادُوا إثمًا﴾ بكثرة المعاصي، ﴿وَلَهُم عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ١٧٨: ذو إهانة في الآخرة.
﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ﴾: ليترك ﴿المُؤمِنِينَ عَلَى ما أنتُم﴾ - أيُّها النّاس - ﴿عَلَيْهِ﴾ من
اختلاط المنافق بغيره، ﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾، بالتخفيف والتشديد: يَفصِلَ ﴿الخَبِيثَ﴾:
المُنافقَ ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾: المؤمنِ، بالتكاليف الشاقّة المبيِّنة لذلك، ففعل ذلك يوم
أُحُد، ﴿وما كانَ اللهُ لِيُطلِعَكُم عَلَى الغَيبِ﴾، فتعرفوا المُنافقَ من غيره قبل التمييز، ﴿ولكِنَّ اللهَ يَجْتَبِ﴾: يختارُ ﴿مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾، فيُطلِعُه
على غَيبه، كما أَطلع النبيَّ على حال المنافقين. ﴿فَآَمِنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ. وإنْ تُؤمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ النفاق ﴿فَلَكُم أجرٌ عَظِيمٌ﴾ ١٧٩ .
٣- ﴿وَلا تَحْسِبَنَّ﴾ - بالتاء والياء - ﴿الَّذِينَ يَبِخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: بزكاته ﴿هُوَ﴾ أي: بُخلَهم ﴿خَيرًا لَهُم﴾: مفعول ثان والضمير
للفصل، والأوّل ((بُخلَهم)) مقدّرًا قبل المَوصول على الفوقانيّة، وقبل الضمير على التحتانيّة. ﴿بَل هُوَ شَرٌّ لَهُم، سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ﴾ أي:
بزكاته من المال، ﴿يَومَ القِيامةِ﴾ بأن يُجعل حيّة في عُنقه تنهشه، كما ورد في الحديث، ﴿ولِلْهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرضِ﴾ يرثهما بعد فناء
أهلهما، ﴿واللهُ بِما تَعمَلُونَ﴾ - بالتاء والياء - ﴿خَبِيرٌ﴾ ١٨٠، فيُجازيكم به.
(١) يحزن: يسبب الهم والأسى. وبفتحها يريد القراءة ((ولا يَحزُنْكَ)). والكفر: التكذيب للتوحيد والنبوة. ولن يضروه أي: لن يصيبوا دينه ولا أولياءه بأذى
كبير أو شر، لأن ما يكون هو خير للإسلام والمسلمين. وفي تعليق نفي الضرر هنا به - تعالى - تشريف للمؤمنين، وإيذان بأن مضارتهم بمنزلة مضارة
المولى، مع مبالغة في التسلية والوعد الجميل. خ: ((بكفرهم)). وفي الحاشية عن إحدى النسخ: ((بفعلهم)). ويريد: يحكم ويفعل. ويجعل: يوجد. والآخرة:
الحياة يوم القيامة. والعظيم: الضخم جدًا لا مثيل له. والإيمان: الاعتقاد القاطع بالتوحيد وما يلزمه.
(٢) يحسب: يظن. وبالتاء يريد القراءة ((ولا تَحسِبَنَّ)). والإملاء: الإمهال بتأخير العقوبة وإطالة العمر. والخير: مافيه نفع حقيقي. ونفس الإنسان: حقيقته
بروحه وجسده. والتحتانية: ياء المضارعة. فهي منقوطة من تحت بخلاف التاء. والمراد قراءة ((ولا يَحسِبَنَّ)). ويزداد: يضاف إليه ويتضاعف. والإثم: الذنب
والمعصية. وروي أن النبي ◌َيّر أعلمه الله مَن يؤمن به ومَن يكفر. ولما بلغ ذلك المنافقين قالوا مستهزئين: يزعم هذا، ونحن معه ولا يعرفنا. فنزلت الآية
١٧٩. الواحدي ص ١٢٧. والناس: البشر من المؤمنين وغيرهم. والتشديد أي: للياء مع كسرها وضم الياء الأولى وفتح الميم، يريد القراءة ((يُمَيِّزَ)).
والخبيث: الخسيس الدنيء. والطيب: من تحلى بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال. ويطلعكم عليه: يعلمكم به ويبيّنه لكم. والغيب: ماخفي على عقول
الخلق وحواسهم. والرسل: جمع رسول. وهو المبعوث لتبليغ العقيدة والشريعة مع العمل. ويشاء أي: يريد أن يطلعه. وآمنوا أي: تيقنوا تيقنًا جازمًا. وتتقوا
النفاق أي: تتجنبوه وتطلبوا الطاعة والصلاح. والأجر: المكافأة والثواب. والعظيم: الضخم لا مثيل له ولا يقدر قدره .
(٣) انظر أول الآية ١٧٨. ويبخل به: يمنع بذل ما يجب عليه. وآتاهم: أعطاهم ويسّر لهم. والفضل: التفضل والإنعام. وبزكاته أي: بدفع زكاة ما أعطاهم
الله - تعالى - من تفضله وإحسانه. وشر لهم أي: يجلب لهم الضرر بالعقاب الشديد. ويطوقونه: يُجعل لهم كالطوق في أعناقهم. واليوم: الوقت والزمن.
والقيامة: قيام الناس من قبورهم بالبعث قهرًا. وتنهش: تلسع وتعض. والحديث هو ما أخرجه البخاري تحت الأرقام ١٣٣٨ و٤٢٨٩ و٤٣٨٢ و٦٥٥٧.
والميراث: التملك والحيازة لما ينتقل ملكه بين المخلوقات. والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. والمراد: ما في السماوات والأرض أيضًا.
وتعملون أي: تكتسبونه من نية أو قول أوفعل. وبالياء يريد القراءة ((يَعمَلُونَ)). والخبير: العالم بخفايا الأمور وظواهرها، ومنها ما يكون من بذل ومنع وغير
ذلك.
٣ - سورة آل عمران
٧٤
الجزء الرابع
الحجة التَّارة
سُورَة العَان
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّاللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ
وَسَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقِّ وَنَقُولُ
ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّ مَتْ أَيْدِيَكُمْ
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَامٍ لِّلْعَبِيدِ بَ الَّذِينَ قَالُواْإِنَّ
اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ
تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَآءَ كُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِ بِاَلْبَيِّنَتِ
وَ بِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْكُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُ وِيِالْبَيِنَتِ
وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ ثَّكُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ
وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِعَ
عَنِ الثَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازٌ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا
﴿ لَتُبْلَوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ
إِلَا مَتَعُ الْفُرُورِ فِباً
وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ
مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًاً
وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ لِّ
١- ﴿لَقَد سَمِعَ اللهُ قَولَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللهَ فَقِيرٌ، ونَحنُ أغنياءُ﴾. وهم اليهود قالوه،
لمّا نزل ((مَن ذا الّذِي يُقرِضُ اللهَ قَرِضًا حَسَنًا))؟ وقالوا: لو كان غنيًّا ما استقرضَنا.
﴿سَنَكتُبُ﴾: نأمر بكتب ﴿ما قالُوا﴾ في صحائف أعمالهم، ليُجازَوا عليه - وفي قراءة
بالياء مبنيًّا للمفعول - ﴿و﴾ نكتبُ ﴿قَتَلَّهُمُ﴾، بالنصب والرفع، ﴿الأنبِيَاءَ بِغَيرِ حَقِّ،
ونَقُولُ﴾ بالنون، والياء أي: اللهُ لهم في الآخرة على لسان الملائكة: ﴿ذُوقُوا عَذابَ
الحَرِيقِ﴾ ١٨١: النار. ويقال لهم إذا أُلقوا فيها: ﴿ذُلِكَ﴾ العذاب ﴿بِما قَدَّمتْ
أيدِيكُم﴾ - عُبّر بهما عن الإنسان لأنّ أكثر الأفعال تُزاوَل بهما - ﴿وأنَّ اللهَ لَيسَ
بِظَلّامٍ﴾ أي: بذي ظُلم ﴿لِلعَبِيدِ﴾ ١٨٢، فيُعذِّبَهم بغير ذنب.
٢- ﴿الَّذِينَ﴾ نعتٌ لـ((الذين)) قبله ﴿قالُوا﴾ لمحمّد: ﴿إِنَّ اللهَ عَهِدَ إلَينا﴾ في التوراة
﴿أَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾: نصدْقَه، ﴿حَتَّى يأتِيَنا بِقُربانِ تأكُلُهُ النّارُ﴾، فلا نُؤْمنُ لك حتّى
تأتينَا به. وهو ما يُتقرَّبُ به إلى الله من نَعَمِ وغيرِها. فإن قُبل جاءت نار بيضاء
من السماء فأحرقته. وإلّا بقي مكانه. وَعَهِدَ إلى بني إسرائيل ذلك إلّا في
ربع
الحزب
المسيح ومحمّد. قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم توبيخًا: ﴿قَد جاءَكُم رُسُلٌ مِن قَبِي
٨
بِالبَيِّنَاتِ﴾: بالمُعجزات، ﴿وبِالَّذِي قُلْتُم﴾ كزكريّاء ويحيى فقتلتموهم.
والخِطاب لمن في زمن نبيّنا، وإن كان الفعل لأجدادهم، لرضاهم بهِ. ﴿فِلِمَ
قَتَلْتُمُوهُم، إنْ كُنتُم صادِقِينَ﴾ ١٨٣ في أنكم تؤمنون عند الإتيان به؟ ﴿فإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ
كُذّبَ رُسُلٌ مِن قَبَلِكَ، جاؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾: المُعجزات، ﴿والزُّبُرِ﴾ كصحف إبراهيم
﴿والكِتابِ﴾ - وفي قراءة بإثبات الباء فيهما - ﴿المُنِيرِ﴾ ١٨٤ : الواضح - هو التوراة والإنجيل - فاصبر كما صبروا.
٣- ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائقةُ المَوتِ، وإنَّما تُوَفَّونَ أُجُورَكُمْ﴾: جزاءَ أعمالكم ﴿يَومَ القِيامةِ. فَمَن زُحزِحَ﴾: بُعْدَ ﴿عَنِ النّارِ وأُدخِلَ الجَنَّةَ فقَد فازَ﴾: نال
غاية مطلوبه، ﴿وما الحَياةُ الدُّنيا﴾ أي: العيشُ فيها ﴿إِلّا مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ ١٨٥ : الباطلِ، يُتمتّع به قليلاً ثم يفنى. ﴿لَتْلَوُنَّ﴾، حُذف منه نونُ الرفع
التوالي النونات، والواوُ ضمير الجمع لالتقاء الساكنين: لتُختَبرُنَّ ﴿في أمْوالِكُمِ﴾ بالفرائض فيها والجوائحِ ﴿وَأَنفُسِكُم﴾ بالعبادات والبلاء،
﴿وَلَتَسمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبَلِكُم﴾، اليهودِ والنصارى، ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشرَكُوا﴾ من العرب،َ ﴿أَذّى كَثِيرًا﴾ من السبّ والطعن
والتشبيب بنسائكم. ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾ على ذلك، ﴿وتَتَّقُوا﴾ اللهَ، ﴿فإنَّ ذُلِكَ مِن عَزمِ الأُمُورِ﴾ ١٨٦ أي: من معزوماتها التي يُعزم عليها لوجوبها .
(١) سمعه أي: أدركه وعلمه. والفقير: من ليس عنده ما يكفيه. والأغنياء: جمع غني. وهو المستغني عن الآخرين. وللمفعول يريد ((سَيُكتَبُ)). وبالرفع يريد
القراءة ((قَتْلُهُمُ))، مع بناء فعل الكتابة للمجهول أيضًا. والأنبياء: جمع نبي. والحق: العدل. وبالياء يريد القراءة ((ويَقُولُ))، مع بناء فعل الكتابة للمفعول ورفع
(قتل)) أيضًا. وذوقوا أي: تحسسوا وكابدوا بكامل أجسامكم وأرواحكم. وقدمت: اكتسبت وتحملت في الحياة الدنيا. والأيدي: جمع يد. والمراد بنفي
الظلم عنه إثبات أنه عادل عدلًا مطلقًا مع التوكيد لذلك. والعبيد: جمع عبد. وهو المملوك خلقًا وقهرًا وتعبدًا.
(٢) نعت أي: في محل جر صفة. وانظر ((المفصل)). وعهد إلينا أي: أمرنا وألزمنا. ورسول أي: من يدعي أن الله أرسله إلينا. ويأتينا بقربان أي: يجيئنا
ومعه قربان. وتأكله: تحرقه وتفنيه. والنعم: الإبل والشاء والبقر. وبيضاء أي: لا دخان لها ولا دويّ. وجاءكم أي: أتاكم. والرسل: جمع رسول.
والصادق: من يقول الحق. وكذبوك أي: استمروا على تكذيبك، في أصل النبوة والشريعة. وجاؤوا: أتوا وحضروا. والزبر: جمع زَبُور. وهو ما يُسجل فيه
الحِكم البالغة. وبإثبات الباء يريد ((وبالزُّبُرِ وبالكِتابِ)). والمنير: المضيء لتمييز الحق من الباطل.
(٣) النفس: المخلوق الحي. وذائقته أي: تناله وتعانيه بكامل بنيانها. وتوفونها أي: تعطَونها كاملة. وأجور: جمع أجر. وهو المكافأة من ثواب أو عقاب.
وأدخلها أي: أُكرم بأن يصير فيها. والجنة: الحديقة العظيمة. والمتاع: ما يُستمتع به من آلات وأموال وغير ذلك. والغرور: ما يَخدع. والباطل: الزائل
لاثبات له. وذكر حذف الواو هو من التلخيص، خطأ انتقل إلى قرة العينين والمنحة وغيرهما. والصواب أن واو الضمير ثابتة. انظر ((المفصل)). وقد مرّ النبي
وَ﴿ بمجلس فيه عبد الله بن أبيّ قبل ادعاء إسلامه، مع بعض اليهود والمشركين، ودعاهم إلى الإسلام، فكان ردهم سيئًا أدى إلى التساب والفتنة بينهم وبين
المسلمين، فنزلت الآية ١٨٦ بالصبر والعفو. انظر ((المفصل)). وتُختبرون أي: تُمتحنون ليظهر الصالح من الفاسد. والأموال: جمع مال. وهو ما يملك من
المتاع والزينة. والجوائح: جمع جائحة. وهي المهلكة كالغرق والحرق والزلازل. والأنفس: جمع نفس. وتسمعه: يبلغ سمعَك. وأوتوه: أُعطُوه وكلّفوا بما
فيه. والكتاب: التوراة والإنجيل. وأشرك: جعل مع الله شريكًا من المخلوقات في التقديس والطاعة. والعرب أي: وغيرهم من الأمم. والأذى: ما يُسبب
الضرر والغم. وتصبر: تتجلد ولا تستجيب للغضب. وتتقوه أي: تتجنبوا غضبه وتطلبوا رضاه بالطاعة والإخلاص. ويُعزم أي: يصمَّم. فالعزم هنا هو ما صُمِّم
عليه. والأمور: جمع أمر. وهو الشأن والحال.
الجزء الرابع
٧٥
٣ - سورة آل عمران
١ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أي: العهدَ عليهم في التوراة،
﴿لَيُبَيِّنْنَّهُ﴾ أي: الكتابَ ﴿لِلّاسِ ولا يَكْتُمُونَهُ﴾ - بالياء والتاء في الفعلين - ﴿فَنَبَذُوهُ﴾:
طرحوا الميثاق ﴿وَراءَ ظُهُورِهِم﴾ فلم يعملوا به، ﴿واشتَرَوا بِهِ﴾: أخذوا بدله ﴿ثَمَنَّا
قَلِيلًا﴾ من الدنيا من سَفِلتهم، برياستهم في العلم، فكتموه خوفَ فَوتِه عليهم. ﴿فِئسَ
ما يَشتَرُونَ﴾ ١٨٧ : شراؤهم هذا!
٢- ﴿لَا تَحْسِبَنَّ﴾ - بالتاء والياء - ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوا﴾: فعلوا من إضلال
الناس، ﴿وَيُحِبُّونَ أنْ يُحمَدُوا بِما لَم يَفعَلُوا﴾ من التمسّك بالحقّ، وهم على ضلال،
﴿فلا تَحْسِبَنَّهُم﴾ - بالوجهين تأكيد - ﴿بِمَفازةٍ﴾: بمكانٍ ينجُون فيه ﴿مِنَ العَذابِ﴾ في
الآخرة، بل هم في مكان يُعذّبون فيه وهو جهّم. ﴿وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١٨٨ : مؤلم
فيها - ومفعولا ((يحسِب)) الأُولى دلّ عليهما مفعولا الثانية على قراءة التحتانيّة، وعلى
الفوقانية حُذف الثاني فقط - ﴿ولِلِهِ مُلكُ السَّماواتِ والأرضِ﴾: خزائنِ المطر والرزق
والنبات وغيرها، ﴿واللهُ علَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ١٨٩، ومنه تعذيب الكافرين وانجاء
المؤمنين .
سُورَة العَمَان
الحرة التَّارة
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ
وَلَا تَكْتُمُونَهُ، فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْبِهِ ثَمَنًا
قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (بـ
لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
بِمَآ أَتَواْ وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُ واْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَّهُم
◌َهَا وَإِلَّهِ مُلْكُ
بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضُِ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ (أَثَ إِنَّ فِى
خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِلَيَتِ
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا
لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ ـ
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَا بَ أُلنَّارِ (@)
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْأَ خْزَيْتَهُ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
أَنْصَارِ ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ
ءَامِنُواْبِرَبِّكُمْ فَقَامَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَكَفِرْعَنَا
سَيِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [® رَبَّنَاوَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا
عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اَلِيعَادَ
٣- ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّماواتِ والأرضِ﴾، وما فيهما من العجائب، ﴿واختِلافِ اللَّيلِ
والنَّهارِ﴾ بالمجيء والذَّهاب والزِّيادة والنُّقصان، ﴿لَآيَاتٍ﴾: دلالات على قدرته -
تعالى - ﴿لِأولي الألبابِ﴾ ١٩٠: لذوي العُقول، ﴿الَّذِينَ﴾: نعت لما قبله أو بدل
﴿يَذْكُرُونَ اللهَ، قِيامًا وقُعُودًا وعلَى جُنُوبِهِم﴾: مضطجعين أي: في كلّ حال - وعن ابن
عبّاس: يُصلّون كذلك حَسَبَ الطاقة - ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّماواتِ والأرضِ﴾، ليستدلّوا به على قُدرة صانعهما، يقولون:
٤ - ﴿رَبَّنَا، ما خَلَقتَ لهذا﴾ الخلقَ الذي نراه ﴿باطلًا﴾: حالٌ، عبثًا بل دليلًا على كمال قُدرتك. ﴿سُبحانَكَ﴾: تنزيها لك عن العبث! ﴿فقِنا
عَذابَ النّارِ ١٩١. رَبَّنا، إنَّكَ مَن تُدخِلِ النّارَ﴾ للخُلود فيها ﴿فَقَد أخزَيتَهُ﴾: أهنته، ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾: الكافرين - فيه وضع الظاهر موضعَ
المُضمر إشعارًا بتخصيص الخِزي بهم - ﴿مِن﴾: زائدةٌ ﴿أنصارٍ﴾ ١٩٢: يمنعونهم من عذاب الله. ﴿رَبَّنَا، إنَّنَا سَمِعْنا مُنادِيًا، يُنادِي﴾: يدعو
الناس ﴿لِلإِيمانِ﴾ أي: إليه - وهو مُحمّد أو القُرآن - ﴿أنْ﴾ أي: بأن ﴿آمِنُوا بِرَبَّكُم، فَآمَنَا﴾ به. ﴿رَبَّنا، فاغفِرْ لَنَا ذُنُوبَنا، وكَفِّرْ﴾: غَطِّ ﴿عَنّا
سَيِّئَاتِنا﴾ فلا تظهرها بالعِقاب عليها، ﴿وتَوَفّنا﴾: اقبض أرواحنا ﴿مَعَ﴾: في جملة ﴿الأبرارِ﴾ ١٩٣: الأنبياء والصالحين - ﴿رَبَّنا - وآتِنا﴾:
أعطِنا ﴿مَا وَعَدْتَنَا﴾ به، ﴿عَلَى﴾ ألسنة ﴿رُسُلِكَ﴾ من الرحمة والفضل - وسُؤالُهم ذلك، وإن كان وعدُه تعالى لا يُخلَف، سؤالُ أن يجعلهم من
مُستحقّيه، لأنهم لم يتيقّنوا استحقاقهم له، وتكرير ((ربَّنا)) مبالغة في التضرّع - ﴿ولا تُخْزِنا يَومَ القِيامةِ. إِنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ١٩٤ : الوعد
بالبعث والجزاء.
(١) أخذه: تلقاه من أقوالهم الصريحة. وأوتوه: أعطوه وأنزل إليهم. ويبين: يوضح بجلاء. ولا يكتمونه أي: لا يخفون مافيه. وفي الفعلين يريد القراءة
للفعلين المتقدمين بتاء الخطاب: (لَتُبَيِّنْنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكتُّمُونَهُ)). والظهور: جمع ظهر. والثمن: ما يأخذه البائع. والسفلة: الأدنياء. وفوته عليهم أي: ذهاب
الثمن عنهم وضياعه .
(٢) انظر أول الآية ١٧٨. والمراد هنا اليهود. ويحب: يود. ويُحمد: يُمدح. وبالوجهين أي: بالتاء كما أثبتنا، وبالياء ((فلا يَحسِبُنَّهُم)) أي: لا يحسبُنّ
أنفسَهم. وكل من وجهي القراءة يكون مع ما يناسبه من القراءتين في أول الآية. والتحتانية: الياء. والفوقانية: التاء. والملك: الحيازة والتصرف مطلقًا.
والقدير: المبالغ في الاقتدار بلا معين أو معارض. ومنه أي: من الشيء المقدور عليه.
(٣) الخلق: الإيجاد من العدم. والاختلاف: التفاوت في كثير من الصفات والأحوال. وعلى قدرته أي: وعلى وجوده ووحدانيته وعلمه وتسلطه المطلق.
وهو مصداق رسالة النبي. والألباب: جمع لب. ويذكرونه أي: يستحضرون عظمته وجلاله باللسان والقلب والعمل. وقيامًا: جمع قائم. وقعودًا: جمع قاعد.
والجنوب: جمع جنب. وهو الطرف من جسم الإنسان. وحسب الطاقة أي: على قدر الاستطاعة. ويتفكر: يفكر بعقله وبصيرته. وفي خلقهما يعني: ما فيهما
من الإتقان والعجائب.
(٤) قنا: امنع عنا. وتُدخله: تقضي عليه بالدخول. والظالم: من يتجاوز الحق فيضع الأمور في غير مواضعها. وأشنع ذلك هو الكفر. وزائدة أي: للتنصيص
على عموم الجنس. والأنصار: جمع نصير. وسمعنا أي: أدركنا بأسماعنا وعقولنا. والمنادي: الداعي يبلّغ ويعظ. وبربكم أي: بوجوده وألوهيته ووحدانيته.
وآمنا به أي: صدّقناه جازمين. ومغفرة الذنب: ستره والعفو عنه. والذنوب: جمع ذنب. والسيئات: جمع سيئة. وغطها أي: استرها وامحها. والأبرار: جمع
برّ. ووعدتنا: تعهدت لنا. والرسل: جمع رسول. ولا تخزنا أي: لا تفضحنا بالعتاب ولا تهلكنا بالعقاب. ولا تخلفه أي: لا تهمله ولا تخل به.
٣ - سورة آل عمران
٧٦
الجزء الرابع
◌ُسُّوَدَة العَمَان
الجزء الرابع
فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُمْ مِّن
ذَكَرٍ أَوْ أَنَتَّى بَعْضُكُمْ مِّنْ بَعْضِّ فَالَّذِينَ هَا جَرُواْ وَأُخْرِجُواْ
مِن دِيَرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِى وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُ كَفِّرَنَّ
عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ وَلَأُدِْلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
الْأَنْهَرُ تَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (٢٥)
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ (١٦) مَتَحُ قَلِيلٌ
ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ لَلِهَادُ (٦) لَكِنِ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ
رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
( وَإِنَ مِنْ
نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ
أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ
أُنْزِلَ إِلَتْهِمْ خَشِعِينَ لَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِشَايَاتِ اللَّهِثَمَنًا
قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ مَنُواْأَصْبِرُواْ
سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٠)
وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
سُورَةُ النِّسَاءِ
١- ﴿فَاسْتَجابَ لَّهُم رَبُّهُمِ﴾ دعاءهم (أنّي﴾ أي: بأني ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُم مِن
ذَكَرٍ أو أُنْثَى، بَعضُكُم﴾ كائن ﴿مِن بَعضٍ﴾ أي: الذكور من الإِناث وبالعكس.
والجُملة مؤكِّدة لما قبلها. أي: هم سواء في المُجازاة بالأعمال وترك تضييعها .
نزلت، لمّا قالت أُمّ سَلَمةَ: يا رسول الله، إنّي لا أسمع ذِكر النساء في الهجرة بشيء.
﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ من مكّة إلى المدينة، ﴿وأُخرِجُوا مِن دِيارِهِم، وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾.
ديني، ﴿وقاتَلُوا﴾ الكُفّارَ ﴿وَقُتِلُوا﴾ - بالتخفيف والتشديد. وفي قراءة بتقديمه -
﴿لَأَكَفِّرَنَّ عَنْهُم سَيِّئَاتِهِم﴾: أَستُها بالمغفرة، ﴿ولأُدخِلَنَّهُم جَنّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِها
الأنهارُ، ثَوابًا﴾: مصدرٌ من معنى ((لأكفرنّ)) مؤكِّد له ﴿مِن عِندِ اللهِ﴾. فيه التفات عن
التكلّم. ﴿وَاللهُ عِندَهُ حُسنُ الثَّابِ﴾ ١٩٥ : الجزاءِ.
٢- ونزل، لمّا قال المسلمون: ((أعداءُ الله فيما نرى من الخير، ونحن في الجَهدِ)):
﴿لا يَغُرَّنَكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: تصرُّفُهم ﴿في البِلادِ﴾ ١٩٦ بالتجارة والكسب. هو
﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ يتمتّعون به في الدنيا يسيرًا ويفنى، (ثُمَّ مأواهُم جَهَنَّمُ، وبِئْسَ
المِهادُ﴾ ١٩٧ : الفراشُ هي! ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقُوا رَبَّهُم لَهُم جَنّاتٌ، تَجرِي مِن تَحتِها
الأنهارُ، خالِدِينَ﴾ أي: مقدِّرين الخلودَ ﴿فِيها، نُزُلًا﴾ هو ما يُعَدّ للضيف - ونصبُهُ
على الحال من ((جنّات)) والعامل فيها معنى الظرف - ﴿مِن عِندِ اللهِ، وما عِندَ اللهِ﴾،
من الثواب، (خَيْرٌ لِلأبرارِ﴾ ١٩٨ من متاع الدنيا .
٣- ﴿وإنَّ مِن أهلِ الكِتابِ لَمَن يُؤمِنُ بِاللهِ﴾، كعبدالله بن سلام وأصحابه والنجاشي،
﴿وما أُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي: القرآنِ، ﴿وما أُنزِلَ إلَيهِمْ﴾ أي: التوراةِ والإِنجيل،
[خاشِعِينَ﴾: حالٌ من ضمير ((يؤمن)) مُراعى فيه معنى ((مَن)) أي: مُتواضعين ﴿لِلِهِ، لا يَشتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ﴾ التي عندهم في التوراة والإنجيل من
نعت النبيّ (ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ من الدنيا بأن يكتموها، خوفًا على الرياسة كفِعل غيرهم من اليهود. ﴿أُولَئِكَ لَهُم أجرُهُم﴾: ثواب أعمالهم ﴿عِندَ
رَبِّهِم﴾، يُؤْتَونه مرّتين كما في ((القَصص)). (إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ١٩٩ يحاسب الخلق في قدر نصف نهار من أيّام الدنيا .
٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، اصْبِرُوا﴾ على الطاعات والمصائب وعن المعاصي، ﴿وصابِرُوا﴾ الكُفّارَ فلا يكونوا أشدّ صبرًا منكم، ﴿ورابِطُوا﴾:
أقيموا على الجِهاد، ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في جميع أحوالكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢٠٠: تَفوزون بالجنّة وتنجون من النار.
سورة النساء
مدنية، وهي مِائَة وخمس أو ستّ أو سبع وسبعون آية .
(١) هذه الآية نزلت جوابًا لكلام أُمّ سلمة، زوجة الرسول ◌َله. ففي الآية بشارة للمؤمنين جميعًا، من ذكور وإناث، بما يطلبون من الفضل. واستجاب:
أجاب بتحقق المراد. وأُضيعُ: أُهمل وأُبطل. وهاجر: ترك بلده وأهله وماله ليحفظ دينه. وأخرج أي: حُمل على الخروج اضطرارًا. والديار: جمع دار.
وأوذي: أصيب بالضرر والعذاب. والسبيل: الطريق الواضح. وقاتل: حارب العدو. وقتل: فارقت روحه جسده استشهادًا. وبالتشديد يريد القراءة ((وقُتِلُوا)).
وتقديمه أي: تقديم ((قُتِلُوا)). يريد القراءة ((وقُتِلُوا وقاتَلُوا)). والسيئة: المعصية. وأدخله: أقضي له بالدخول. والجنة: الحديقة العظيمة. وتجري: تسيل بسرعة.
ومن تحتها أي: من تحت أشجارها وقصورها. والأنهار: جمع نهر. ومن عنده أي: تفضلًا وإحسانًا منه في مرتبة الزلفى والإكرام. والحُسن: الجمال
والطيب. (٢) المسلمون أي: بعض الصحابة. والجهد: المشقة والفقر. ولا يغرنك أي: لا تنخدع بظاهر ما ترى. والبلاد: جمع بلد. و((هو)) أي: تقلبهم
المذكور قبل. والمتاع: ما ينتفع به. والمأوى: المكان الذي يأوون إليه ويخلدون فيه. وجهنم: اسم علم للنار الموقدة معدة للكافرين. وبئس: جاوز الحد في
القبح والسوء والفساد. والمهاد: ما مهّدوا لأنفسهم ليلقوه في الآخرة. و((هي)) المخصوص بالذم مرتين: في جنسه ((المهاد))، وفي اختصاصه هذا. واتقوا ربهم
أي: بتجنب الشرك والمعاصي، ولزوم الطاعة والصلاح. والخالد: المقيم أبدًا. وخير: أكثر نفعًا. والأبرار: جمع برّ. وهو المحسن للإيمان والعمل أي:
المتقي. (٣) النجاشي ملك الحبشة حينذاك، واسمه أصحمة. وأهل الكتاب: أصحابه الذين كلفوا بما فيه، وهم اليهود والنصارى. ويؤمن به: يعرف قلبه
توحيده وما يلزم ذلك. وعبد الله بن سلام: صحابي جليل كان من أحبار اليهود وأسلم. وأنزل: أوحي من عند الله. والخاشع: الخاضع الخائف المتذلل. ولا
يشترون بها أي: لا يستبدلون بها ولا يبيعونها. وأولئك أي: المؤمنون من أهل الكتاب. وعند ربهم أي: بحكمه مهيّأ لهم في الدنيا والآخرة. وفي القصص
يعني: الآية ٥٤ من تلك السورة. و(أيام الدنيا)) قول غير صحيح. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٢٠٢ من سورة البقرة. (٤) اصبروا أي: الزموا التحمل.
وصابروهم أي: كونوا أصبر منهم. ورابطوا أي: لازموا ما شرع الله - تعالى - في جهاد العدو لإعلاء كلمته ودينه. ولعلكم أي: ليترجى لكم.
الجزء الرابع
٧٧
٤ - سورة النساء
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَطِ
الخِرْبُ
١- ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أي أهلَ مكّة، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ أي: عِقابَه بأن تُطيعوه،
﴿الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدةٍ﴾: آدمَ، ﴿وخَلَقَ مِنها زَوجَها﴾: حوّاءَ بالمدّ،
من ضِلَع من أضلاعه اليُسرى، ﴿وَبَثَّ﴾: فرّق ونشر ﴿مِنْهُما﴾ من آدَمَ وحوّاءَ ﴿رِجَالًا
كَثِيرًا ونِساءً﴾ كثيرة، ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسّاءَلُونَ﴾ - فيه إدغام التاء في الأصل في
السين، وفي قراءة بالتخفيف بحذفها - أي: تتساءلون ﴿بِهِ﴾ فيما بينكم، حيثُ يقول
بعضكم لبعض: أسألك بالله وأنشُدك بالله، ﴿و﴾ اتّقوا ﴿الأرحامَ﴾ أن تقطعوها . وفي
قراءة بالجرّ عطفًا على الضمير في (بِهِ)). وكانوا يتناشدون بالرَّحِم. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيكُم
رَقِيبًا﴾ ١: حافظًا لأعمالكم فيُجازيكم بها، أي: لم يزل متّصفًا بذلك.
الجرح الرازى
سُورَةِ الإِسَاءِ
◌َأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْرَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَآءَ لُونَ
بِهِ، وَالْأَرْحَامَ إِنَّاللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا لَهُ وَءَاتُوْلْيَمَّ أَمْوَهُّ
وَلا تَتَبَدَّلُواْالْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِّ وَلَ تَأْكُواْأَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْإِنَّهُ.
كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْبَى فَنْكِحُواْ
مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلََّنَعْدِلُواْ
فَوَحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ ذَلِكَ أَذْنَ أَلََّ تَعُولُواْ وَءَاتُواْ
اَلْنِسَآءَ صَدُ قَئِنَّ نِحْلَةٌ فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ تَفْسَا فَكُلُهُ
هَنِيَا مَِّينًا (٢) وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَ لَكُمُ الَِّ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ
قِيَمَا وَأَرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُوْلَْقَوْلًا مَّغُرُوفًا ◌ْ وَأَبْلُواْ
اُلْيَتَمَ حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْءَانَسْتُ مِنْهُمْ رُشِدًا فَدْفَعُواْ
إِلَتِهِمْ أَمْوَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبرُواْ وَ مَن كَانَ
غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفُّ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْ كُلّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا
دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِلَّهِحَسِيبًا
٢- ونزل في يتيم، طلبَ من وليّه مالَه فمنعَه: ﴿وَآتُوا اليَتامَى﴾ الصِّغارَ الأُلَى لا أب
لهم ﴿أَمْوالَهُم﴾ إذا بلغوا، ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ﴾: الحرامَ ﴿بِالطَّيِّبِ﴾: الحلالِ،
أي: تأخذوه بدله كما تفعلون، من أخذ الجيّد من مال اليتيم، وجعل الرديء من مالكم
مكانه، ﴿ولا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُم﴾ مضمومةً ﴿إِلَى أَمْوالِكُم - إنَّهُ﴾ أي: أكلَها ﴿كانَ
حُوبًا﴾: ذنبًا ﴿كَبِيرًا﴾ ٢: عظيمًا - ولمّا نزلت تحرّجوا من ولاية اليتامى، وكان فيهم
مَن تحتَه العَشرُ أو الثمانُ من الأزواج فلا يَعدِل بينهنّ، فنزل: ﴿وإنْ خِفْتُم ألّا
تُقْسِطُوا﴾: تعدِلوا ﴿فِي الْيَتامَى﴾، فتحرّجتم من أمرهم، فخافوا أيضًا ألّا تعدِلوا بين
النِّساء إذا نكحتُموهنّ، ﴿فانكِحُوا﴾: تزوّجوا ﴿ما﴾ بمعنى: مَن ﴿طابَ لَكُم مِنَ
النِّساءِ، مَثنَى وَثُلاثَ ورُباعَ﴾ أي: اثنتين اثنتين وثلاثًا ثلاثًا وأربعًا أربعًا، ولا تزيدوا
على ذلك، ﴿فإن خِفتُم ألّا تَعدِلُوا﴾ فيهنّ بالنفقة والقَسْم ﴿فواحِدةً﴾ انكحوها، ﴿أو﴾ اقتصروا على ﴿مَا مَلَكَتْ أيمانُكُم﴾ من الإماء، إذ ليس لهنّ
من الحُقوق ما للزوجات. ﴿ذلِكَ﴾ أي: نِكاح الأربعة فقط أو الواحدةِ أو التسرّي ﴿أدنَى﴾: أقربُ إلى ﴿أَلَا تَعُولُوا﴾ ٣: تجوروا.
٣- ﴿وَآتُوا﴾ أعطُوا ﴿النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾: جمع صَدُقة، مُهورَهنّ ﴿نِحْلَةَ﴾: مصدر، عطيّةً عن طِيب نفس - ﴿فإنْ طِيْنَ لَكُم عَن شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾:
تمييزٌ محوّل عن الفاعل، أي: طابت أنفسُهنّ لكم عن شيء من الصَّداق فوهَبْنَه لكم ﴿فَكُلُوهُ هَنِيْئًا﴾: طيّبًا، ﴿مَرِيئًا﴾ ٤: محمودَ العاقبة لا ضرر
فيه عليكم في الآخرة. نزلَ ردًّا على من كره ذلك - ﴿ولا تُؤْتُوا﴾، أيّها الأولياءُ، ﴿السُّفَهاءَ﴾: المُبَذِّرين، من الرجال والنساء والصبيان،
﴿أَمْوالَكُمُ﴾ أي: أموالهم التي في أيديكم، ﴿الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُم قِيامًا﴾: مصدرُ: قامَ، أي: تقوم بمعاشكم وصلاحٍ أَوَدِكم، فيُضيّعوها في غير
وجهها - وفي قراءة: ((قِيَمًا)) جمع قِيمة: ما يُقوَّم به الأمتعةُ - ﴿وارزُقُوهُم فِيها﴾ أي: أطعموهم منها، ﴿واكسُوهُم وقُولُوا لَهُم قَولَا مَعْرُوفًا﴾ ٥:
عِدُوهم عِدةً جميلة بإعطائهم أموالَهم، إذا رَشَدوا .
٤ - ﴿وابتَلُوا﴾: اختبِروا ﴿اليَتَامَى﴾ قبل البلوغ، في دِينهم وتصرّفهم في أموالهم - ﴿حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ أي: صاروا أهلًا له بالاحتلام أو
السنّ، وهو استكمال خمسَ عشْرةَ سنةً عند الشافعيّ، ﴿فإنْ آنَستُم﴾: أبصرتم ﴿مِنْهُم رُشدًا﴾: صلاحًا في دِينهم ومالهم ﴿فادفَعُوا إِلَيهِم أمْوالَهُم
- ولا تأكُلُوها﴾، أيّها الأولياء، ﴿إسرافًا﴾: بغير حقّ، حال ﴿وبِدارًا﴾ أي: مبادرين إلى إنفاقها مخافةَ ﴿أنْ يَكْبَرُوا﴾ رُشداءَ، فيلزمَكم تسليمُها
إليهم، ﴿وَمَن كانَ﴾ من الأولياء (غَنِيًّا فَلْيَستَعِفِفْ﴾ أي: يَعِفَّ عن مال اليتيم ويمتنعْ من أكله، ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيأكُلْ﴾ منه ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بقدر
أُجرة عمله، ﴿فإذا دَفَعْتُم إِلَيهِم﴾ أي: إلى اليتامى ﴿أَمْوالَهم فأَشهِدُوا علَيهِم﴾ أنهم تسلّموها وبرئتم، لئلا يقع اختلاف فترجعوا إلى البيّنة. وهذا
أمرُ إرشاد. ﴿وَكَفَى بِاللهِ﴾ - الباء: زائدة - ﴿حَسِيبًا﴾ ٦: حافظًا لأعمال خلقه ومُحاسبَهم!
(١) خلقكم: أوجدكم. والنفس: الروح والجسد، أي: الإنسان. والزوج: الزوجة. وذكر الضلع استنباط مرجوح من حديث شريف. والحق أن ما جاء فيه
مراد به التمثيل، لِما يكون في النساء من عناد ومخالفة للرجال، كالضلع العوجاء. انظر ((المفصل)). وتساءلون: يستعطف بعضكم بعضًا. وبحذفها يريد:
(تَساءُلُونَ)). وأنشُدك: أستحلفك. والأرحام: جمع رَحِم. وهم الأقارب مطلقًا، ما يعرف في الميراث بأصحاب الفروض والعَصَبة ومَن بعدهم، أي: الجدان
والجدتان وأولادهم والحفدة. وصلة الرحم مما كان في الجاهلية وأقره الإسلام، وتكون بالإحسان والعون والدعاء الأحياء والأموات. (٢) بلغوا: أدركوا
سنّ الرشد. وتحته: في عصمته. ونزل أي: الآية التالية بلزوم ولاية اليتامى، والعدل في معاملة الزوجات. وانكحوا: إن شئتم مثنى وإن شئتم ثلاث وإن شئتم
رباع. والقسم: النصيب بين الزوجات في الحاجات عدا المحبة والوطء. وما ملكت أيمانكم: ماملكتم للتسرّي، وهو نكاح الجواري المملوكات. (٣)
النحلة: الهبة. وطبن: وهبن. والنفس: القلب والضمير. وكلوه: خذوه. والمريء: السائغ. والسفهاء: جمع سفيه، ضعاف العقول. والأود: ضعف الحال.
وارزقوهم: أنفقوا عليهم. واكسوهم: هيئوا لهم الكسوة. والمعروف: ما حسن شرعًا وعقلًا وعرفًا. ورشدوا: بلغوا سن الرشد والتمييز للصواب. (٤)
النكاح: سن الزواج. والاحتلام: بلوغ الطفل حد القدرة على الزواج. وادفعوها: سلّموها. والأموال: جمع مال. وهو ما يملك للتمتع والزينة. وتأكل :=
٤ - سورة النساء
٧٨
الجزء الرابع
الجزء الرابع
سُورَة الَّسَاء
لِلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّاتَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلِنِسَآءِ نَصِيبٌ
مِمَّاتَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَفْرَبُّونَ مِمَا قَلَّ مِنْهُ أَوَكَثُرَ نَصِيبًا
مَّفْرُوضًا ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَثَمَ
وَالْمَسَكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا
﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْتَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا
خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَىِ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى
بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (٥ يُوصِيكُمُاللَّهُ
فِي أَوْلَدِ كُمّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِّ فَإِن كُنَّنِسَآءُ
فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَاتَرَكٌ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا
النِّصْفُّ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن
كَانَ لَهُ, وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ، وَلَدٌ وَوَرِثَّهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُّ
فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسَُّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةِ يُوصِى
بِهَا أَوْدَيْنٍّ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ
إنَفْعَا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
١- ونزل ردًّا لِما كان عليه الجاهليّة، من عدم توريث النِّساء والصِّغار: ﴿لِلرِّجالِ﴾
الأولادِ والأقرباءِ ﴿نَصِيبٌ﴾: حظّ، ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقرَبُونَ﴾ المتوفّون،
﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، مِمّا قَلَّ مِنْهُ﴾ أي: المالِ ﴿أو كَثُرَ﴾،
جعله الله ﴿نَصِيبًا مَفرُوضًا﴾ ٧: مقطوعًا بتسليمه إليهم، ﴿وإذا حَضَرَ القِسمةَ﴾
للمِيراث ﴿أُولُو الْقُربَى﴾: ذَوُو القرابة ممّن لا يَرِثُ، ﴿واليَتَامَى والمَساكِينُ،
فارزُقُوهُم مِنْهُ﴾ شيئًا قبل القِسمة، ﴿وَقُولُوا﴾ - أيُّها الأولياء - ﴿لَهُم﴾ إذا كان الورثة
صغارًا ﴿قَولَا مَعْرُوفًا﴾ ٨: جميلًا، بأن تعتذروا إليهم أنكم لا تملكونه وأنه لصغار.
وهذا قيل: إنه منسوخ، وقيل: لا ولكن تهاونَ الناسُ في تركه. وعليه فهو ندب، وعن
ابن عبّاس: واجب.
٢- ﴿وَلْيَخْشَ﴾، أي: لِيَخَفْ على اليتامى، ﴿الَّذِينَ لَو تَرَكُوا﴾ أي: قاربوا أن
يتركوا، ﴿مِن خَلِفِهِم﴾ أي: بعدَ موتهم، ﴿ذُرِّيَةً ضِعافًا﴾: أولادًا صِغارًا ﴿خافُوا
عَلَيهِم﴾ الضياعَ، ﴿فَلْيَتَّقُوا اللهَ﴾ في أمر اليتامى، وليأتوا إليهم ما يُحبّون أن يُفعل
بذرّيّتهم من بعدهم، ﴿وَلْيَقُولُوا﴾ للميّت ﴿قَولًا سَدِيدًا﴾ ٩: صوابًا، بأن يأمروه أن
يتصدّقَ بدون ثُلثه، ويدعَ الباقي لورثته ولا يتركَهم عالةً. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يأكُلُونَ أموالَ
الْيَتَامَى ظُلمًا﴾ أي: بغير حقّ ﴿إِنَّما يأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِم﴾ أي: مِلْأَها ﴿نارًا﴾، لأنه
يؤول إليها، ﴿وسَيَصلَونَ﴾، بالبناء للفاعل والمفعول: يدخلون ﴿سَعِيرًا﴾ ١٠ : نارًا
شديدة يحترقون فيها .
٣- ﴿يُوصِيكُمْ﴾: يأمرُكم ﴿اللهُ، في﴾ شأن ﴿أولادِكُم﴾ بما يُذكَر. ﴿لِلذَّكَرِ﴾ منهم
﴿مِثْلُ حَظٌ﴾: نصيبٍ ﴿الأُنْثَيَينِ﴾، إذا اجتمعتا معه فله نصفُ المال ولهما النِّصفُ. فإن كان معه واحدةٌ فلها الثُّلُثُ وله الثُّلثانِ، وإن انفردَ حازَ
المالَ. ﴿فإنْ كُنَّ﴾ أي: الأولادُ ﴿نِساءَ﴾ فقطْ ﴿فَوقَ اثنتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ الميْت، وكذا الاثنتان لأنه للأُختين بقوله «فَلَهُما الثُّلُثَانِ مِمّا تَرَكَ»
فهما أولى، ولأنّ البنت تستحقّ الثَّلث مع الذكر، فمع الأنثى أولى - و((فوق)) قيل: صلة، وقيل: لدفع توهّم زيادة النصيب بزيادة العدد، لمّا فُهم
استحقاق الثِّنتين الثُّلثين من جعل الثُّلث للواحدة مع الذَّكر - ﴿وإنْ كانَتْ﴾ المولودة ﴿واحِدةً﴾ - وفي قراءة بالرفع فـ((كان)): تامّةٌ - ﴿فَلَها
النّصفُ، ولِأَبَوَيهِ﴾ أي: الميتِ، ويُبدل منهما ﴿لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ، إنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ذكر أو أُنثى. ونُكتَةُ البدل أفادتْ أنهما لا
يشتركان فيه. وأُلحق بالولدٍ ولدُ الابن، وبالأبِ الجَدُّ.
٤ - ﴿فإنْ لَم يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ووَرِثَةُ أَبَواهُ﴾ فقطْ أو مع زوج ﴿فِلِأُمِّهِ﴾ - بضمِّ الهمزة، وكسرِها فرارًا من الانتقال من ضمّة إلى كسرة لِثِقَلِه، في
الموضعين - ﴿الثُّلُثُ﴾ أي: ثُلث المال أو ما يبقى بعد الزوج، والباقي للأب، ﴿فإنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ أي: اثنان فصاعدًا ذكور أو إناث ﴿فِلِأُمِّهِ
الشُّدُسُ﴾ والباقي للأب ولا شيء للإخوة، وإرثُ مَن ذَكر ما ذُكر، ﴿مِن بَعدِ﴾ تنفيذِ ﴿وَصِيّةِ يُوصِي﴾ - بالبناء للفاعل والمفعول - ﴿بِها أو﴾
=تأخذ وتنفق. والإسراف: الإفراط. والغني: من يملك ما يكفيه. والفقير: من ليس عنده ما يكفيه. وأشهدوا: أحضروا من يشهد. وكفى: أغنى عن الحاجة.
وزائدة: للتوكيد والتزيين.
(١) الرجال: جمع رجل. وهو الذكر. وترك: خلّف بعد موته. والأقربون: المتوارثون بالقرابة. والنساء: واحدته امرأة. وهي الأنثى. وحضرها أي: شهدها
وقت إجرائها. والميراث: ما يورث من التركة. واليتامى: الأطفال الذين توفي آباؤهم، جمع يتيم. والمساكين: جمع مسكين. وهو الفقير المحتاج. والمراد
هنا الأجانب من اليتامى والمساكين. وارزقوهم أي: أعطوا الأصناف الثلاثة المذكورة قبل. ومنه أي: من الميراث. وهذا أي: إعطاؤهم من الميراث وجوبًا .
ومنسوخ أي: حكمه نُسخ بالآيتين ١١ و١٢ اللتين للميراث والوصية. و((لا)) يعني أن الحكم غير منسوخ والآية مُحكمة. وعليه أي: على القول بعدم النسخ
فالحكم مندوب لا واجب. (٢) الضعاف: جمع ضعيف. ويتقوه أي: يتجنبوا غضبه ويطلبوا رضاه بالعدل. والميت: المشرف على الموت. والعالة: جمع
مفرده عَيِّل. وهو المحتاج أن يعوله غيره. ويأكل: يأخذ. والبطون: جمع بطن. وهو الجوف. ويؤول إليها يعني: أن أكل مال اليتيم ظلمًا يؤدي إلى نار
جهنم. وبالمفعول يريد القراءة ((سَيُصلَونَ)). (٣) المثل: المماثل في القدر. وحازه: ملكه وحده. وفوق اثنتين أي: زائدات على اثنتين. والثلث: ما يكون من
الشيء إذا قسم على ثلاثة. فيكون الثلثان للنساء، والثلث الباقي للورثة الآخرين. وكذا يعني: كذلك حكم الثلثين من الميراث، يكون للأنثيين تقتسمانه، إذا لم
يكن معهما ذكر. وبقوله أي: في الآية ١٧٦. و((فهما)) يعني: فالبنتان. ومع الذكر أي: إذا انفردا بالميراث. ومع الأنثى أولى أي: فحكم الأنثى أوجب مع
من هي مثلها. وصلة: يعني أن ((فوق)) لفظ زائد. وليس في القرآن شيء لا فائدة له. انظر ((المفصل)). ولدفع التوهم أي: أن ((فوق)) غير زائدة، والمقصود
بذكرها إزالة ما يُتوهم بدونها، من استحقاق الكثيرات أكثر من الثلثين. والمراد بالمولودة الوارثة التي هي ولد الميت. وبالرفع يريد ((واحِدةٌ)). والنكتة: الفكرة
العلمية الدقيقة. وفيه أي: في السدس. وولد الابن والجد أي: أن حكم ولدِ الابن والجدِّ في الإرث كحكم الولد والأب. (٤) الولد: الابن أو الابنة.
وورثه: كان وارثًا له. والوالدان: الأب والأم والجد والجدة. والمراد بالزوج ماكان ذكرا أو أنثى. وبكسرها يريد القراءة ((فلامِّهِ)). و((من ضمة إلى كسرة))=
٧٩
٤ - سورة النساء
الجزء الرابع
قضاءِ ﴿دَينٍ﴾ عليه. وتقديم الوصيّة على الدَّين، وإن كانت مؤخّرة عنه في
الوفاء، للاهتمام بها - ﴿آبَاؤُكُم وأبناؤُكُم﴾: مبتدأ خبرُه: ﴿لا تَدُرُونَ: أَيُّهُم
ثلاثة أرباع
الخِرَبُ
٨
أقرَبُ لَكُم نَفعًا﴾ في الدنيا والآخرة؟ فظانٌّ أنّ ابنه أنفع له فيُعطيه المِيراث
فيكون الأب أنفع، وبالعكس. وإنّما العالِم بذلك اللهُ، ففرض لكم الميراث -
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ. إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بخلقه، ﴿حَكِيمًا﴾ ١١ فيما دبَّره لهم، أي: لم
يزل متّصفًا بذلك.
١ - ﴿وَلَكُمْ نِصِفُ ما تَرَكَ أزواجُكُم، إنْ لَم يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ منكم أو من غيرِكم، ﴿فَإِنْ
كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ، مِن بَعدِ وَصِيّةِ يُوصِينَ بِها أو دَينٍ﴾ - وأُلحق بالولد
في ذلك ولدُ الابن بالإجماع - ﴿وَلَهُنَّ﴾ أي: الزوجاتِ تَعدَّدْنَ أو لا ﴿الرُّبُعُ مِمّا
تَرَكْتُم، إنْ لَم يَكُنْ لَكُم وَلَدٌ، فإنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ منهنّ أو من غيرهنّ ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا
تَرَكْتُم، مِن بَعدِ وَصِيّةٍ تُوصُونَ بِها أو دَينٍ﴾ - وولد الابن كالولد في ذلك إجماعًا -
﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ﴾: صفةٌ والخبر: ﴿كَلالةً﴾ أي: لا والدَ له ولا ولدَ، ﴿أو
امرأةٌ﴾ تُورث كلالةً، ﴿وَلَهُ﴾ أي: الموروثِ الكلالةِ ﴿أخٌ أو أُختٌ﴾ أي: من أُمّ -
وقرأ به ابن مسعود وغيره - ﴿فِلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُسُ﴾ ممّا ترك، ﴿فإنْ كانُوا)
أي: الإِخوة والأخوات من الأُمّ (أكثَرَ مِن ذَلِكَ﴾ أي: من واحد ﴿فَهُم شُرَكَاءُ في
الثُّلُثِ﴾: يستوي فيه ذَكَرهم وأَنتاهم، ﴿مِن بَعدِ وَصِيّةٍ يُوصِي بِها أو دَينٍ، غَيرَ
مُضارِّ﴾: حالٌ من ضمير ((يُوصِي)) أي: غيرَ مُدخلِ الضررَ على الوَرَثة، بأن يُوصيَ
بأكثرَ من الثلث، ﴿وَصِيَةً﴾: مصدر مؤكِّد لـ(يوصيكم)) ﴿مِنَ اللهِ. واللهُ عَلِيمٌ﴾ بما دبّره
لخلقه من الفرائض، ﴿حَلِيمٌ﴾ ١٢ بتأخير العُقوبة عمّن خالفه. وخَصّتِ السُّنَّةُ توريثَ مَن ذُكر، بمَن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دِين أو
رِقّ.
سُورَة النجاة
الجزء الرابع
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ إِن لَوْيَكُنْ
لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَا
تَرَكْنَّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْدَيْنِ
وَلَهُنَ الرُّبُعُ مِمَا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدّ
فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ
مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا أَوْدَيْنٍ وَ إِن كَانَ
رَجُلٌ يُورَثُ كَلَكَةً أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُ:أَخُ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ
وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُّ فَإِن كَانُوَ أْأَكْثَرَ مِن ذَلِكَ
فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا
أَوْدَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ◌َ
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ
نَارًّا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ
٢ - ﴿تِلكَ﴾ الأحكام المذكورة، من أمر اليتامى وما بعده، ﴿حُدُودُ اللهِ﴾: شرائعه التي حَدَّها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدَّوها، ﴿ومَن يُطِعِ اللّهَ
=صوابه: من كسرة إلى ضمة. والموضعين أي: هنا وفي قوله: ((فلأمه السدس)). والثلث: مايكون من الشيء إذا قسم على ثلاثة. وله أي: للميتِ الذي لم
يكن له ولد. والإخوة: جمع أخ. ومن ذكر يعني: الفروع والأصول من الورثة. وما ذكر أي: ما فُصّل من الأحكام السابقة. والوصية: ما أمر المتوفَّى بتمليكه
من ماله بعد موته لأحد. ويوصي بها أي: يبلّغها ويكلف بها. وبالمفعول يريد القراءة ((يُوصَى)). والدين: القرض ذو الأجل المحدد. والآباء: جمع أب. وهو
الوالد أو الجد. والمراد هنا الأم والجدة أيضًا. والأبناء: جمع ابن. وهم الأولاد والحفدة. وتدرون: تعلمون علمًا حقيقيًّا. وأقرب نفعًا أي: أكثر جلبًا للخير
ودفعًا للشر. والظان: المتوهم بلا علم حقيقي. وبالعكس أي: ومنكم من يظن عكس ذلك. وفريضة: مفروضة محتمة. ومن الله أي: من عنده بحكمته
وقضائه. ولم يزل: يعني أن ((كان)) هنا ليست لما مضى من الزمن، بل تفيد الدوام والتأبيد. والعليم: المبالغ في العلم. والحكيم: ذو الحكمة العالية بتمام
العلم وإتقان التوجيه .
(١) الأزواج: الزوجات. والمراد نصف ما تركن من الميراث. والنصف الآخرِ لباقي الورثة. وولد أي: ذكر أو أنثى، واحد أو أكثر. والربع: مايكون من
تقسيم الشيء على أربعة. وألحق أي: أن الولد الذكر أو الأنثى من ابن المتوفَّى حكمه بالإجماع حكم أبيه، أما ولد البنت فلا يحجب الزوج إلى الربع.
وتعددن أي: كنّ أكثر من واحدة. و((أو لا)) يعني: أو كانت الزوجة واحدة ليس معها غيرها. ولكم ولد أي: منهن أو من غيرهن، والرجل : الذكر. والمرأة:
الأنثى. وتورث كلالة أي: كانت المرأة الموروثة كالّة، خالية من الوالد والولد. والموروث الكلالة هو الرجل أو المرأة، لأن كلًّا منهما يقال له: موروث.
و((ابن مسعود)) كذا، وقراءة: ((أخٌ أو أُختٌ مِن أُمِّ) هي لسعد بن أبي وقاص. معجم القراءات القرآنية ١١٦:٢. والظاهر أن السيوطي وهِمَ في تحريف عبارة
البيضاوي، وفيها: ((أي: من الأم. ويدل عليه قراءة أَبيّ وسعد بن مالك: وله أخ أو أخت من الأم)). والشركاء: جمع شريك. والمضارّ: من يسبب الأذى.
وخصص حكم الأولاد بالفريضة، لأنها أقوى وآكد، وحكم الكلالة بالوصية للدلالة على أن الكَلَّ، وإن كان واجبَ الرعاية، تكون رعاية الأولاد أولى منه.
والحليم: ذو العفو المطلق والصفح عن الذنب لا يستخفه العصيان. وليس فيه مانع: يعني أن القاتلَ للموروث أو غيرَ المسلم أو الرقيقَ لا يكون له نصيب في
الميراث المذكور، كما جاء في السُّنّة الشريفة. انظر الأحاديث ٦٣٨٣ في البخاري و١٦١٤ في مسلم.
(٢) المذكورة أي: في الآيات ٢-١٢. والحدود: جمع حد. وهو الحكم الشرعي. وحدّها أي: فصّلها محددة. ويطيعه: ينقاد لأمره ونهيه. والرسول: من
بعث لتبليغ العقيدة والشريعة مع العمل. ويدخله: ييسر له الدخول. والتفاتًا يعني: من الغَيبة إلى التكلم في القراءة («نُدْخِلْهُ)). والجنة: الحديقة العظيمة فيها
الشجر والقصور والنعيم. وتجري: تسيل بسرعة وتتدفق. ومن تحتها أي: من تحت قصورها وأشجارها. والأنهار: جمع نهر. والنهر: المجرى العظيم للماء
والعسل والخمر واللبن. والخالد: المقيم أبدًا. والإشارة بـ ((ذلك)) هي إلى دخول الجنة مع الخلود فيها. والفوز: الظفر بالخير. والعظيم: الضخم لا مثيل له.
ويعصيه أي: يخالف أمره أو نهيه. ويتعداها: يتجاوزها ويخرج عليها. وبالوجهين: يعني القراءتين للفعل الأخير: بالياء وبالنون. وكل منهما مع ما يماثلها في
جواب الشرط السابق، من الغيبة والتكلم. والنار: نار جهنم. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. و((روعي ... معناها)) المراد أن ((مَن)) لفظها يدل على مفرد،
ومعناها يحتمل الدلالة على جمع، فأعيد عليها في ((خالدين)) ضمير الجمع، وفيما عدا ذلك هنا ضمير المفرد.
٤ - سورة النساء
٨٠
الجزء الرابع
سُورَةِ النَّسَاءِ
وَأَلَّتِى يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن ◌ِنِسَآَبِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ
عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى
اَلْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَّا فَإِن تَابَا
١٥
وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا
(٨) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى الَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ
اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
قَالَ إِنَّى تُبْتُ الْثَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ
أُوْلَئِكَ أَعْتَدْ نَالَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٨) يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ الْنِسَآءَ كَرْهَا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآءَا تَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ
مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُ وهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنَ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىّ
أَنْ تَكْرَهُواْشَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا
ورَسُولَهُ﴾ فيما حكم به ﴿يُدْخِلْهُ﴾ - بالياء، والنونِ التفاتًا - ﴿جَنّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِها
الأنهارُ، خالِدِينَ فِيها - وذْلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ ١٣ - ومَن يَعصِ اللهَ وَرَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ
يُدْخِلْهُ﴾ - بالوجهين - ﴿نارًا خالِدًا فِيها، ولَهُ﴾ فيها ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ١٤ : ذو إهانة.
ورُوعي في الضمائر في الآيتين لفظ ((مَن)) وفي ((خالدين)) معناها .
١- ﴿واللّتِي يأتِينَ الفاحِشَةَ﴾: الزِّنَى، ﴿مِن نِسائكُم، فاستَشهِدُوا عَلَيهِنَّ أَربَعَةً
مِنكُم﴾ أي: من رجال المسلمين، ﴿فإنْ شَهِدُوا﴾ عليهنّ بها ﴿فأمسِكُوهُنَّ﴾:
احبِسوهنّ ﴿فِي الْبُيُوتِ﴾ وامنعوهنّ من مُخالطَة الناسِ، ﴿حَتَّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوتُ﴾ أي:
ملائكته ﴿أو﴾ إلى أن ﴿يَجعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ١٥: طريقًا إلى الخُروج منها. أُمروا
بذلك أوّلَ الإِسلام، ثمّ جَعلَ لهنّ سبيلاً بجلدِ البِكر مِائَةً وتغريبها عامًا، ورجمٍ
المُحصَنة. وفي الحديث: لمّا بيّن الحدَّ قال: ((خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عنّي. قَد جَعلَ اللهَ
لهنَّ سَبیلًا)) رواه مسلم.
٢- ﴿واللَّذانِ﴾ - بتخفيفِ النون وتشديدِها - ﴿يأتِيانِها﴾ أي: الفاحشةَ الزنى أو
اللِّواطَ ﴿مِنكُمِ﴾ أي: الرجالِ ﴿فَاذُوهُما﴾ بالسبّ والضرب بالنعال، ﴿فإنْ تابا﴾
منها، ﴿وأصلَحا﴾ العمل، ﴿فَأعرِضُوا عَنْهُما﴾ ولا تُؤذوهما. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ تَوَّابًا﴾
على مَن تاب ﴿رَحِيمًا﴾ ١٦ به. وهذا منسوخ بالحدّ إن أُريد بها الزنى. وكذا إن أُريد
بها اللِّواط عند الشافعيّ. لكنّ المفعول به لا يُرجم عنده وإن كان مُحصَنًا، بل يُجلد
ويُغرّب. وإرادة اللِّواط أظهر بدليل تثنية الضمير. والأوّلُ قال: أراد الزاني والزانية.
ويردّه تبينُهما بـ((مِن)) المُتّصلة بضمير الرجال واشتراكُهما في الأذى والتوبة
والإِعراض. وهو مخصوص بالرجال لِما تقدّم في النساء من الحبس. ﴿إِنَّما الثَّوبةُ علَى اللهِ﴾، أي: التي كتب على نفسه قبولها بفضله، ﴿ لِلَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾: المعصيةَ ﴿بِجَهالةٍ﴾: حالٌ أي: جاهلين إذ عصَوا ربّهم، (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن﴾ زمنٍ ﴿قَرِيبٍ﴾ قبلَ أن يُغرغِروا، ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ
علَيهِم﴾: يقبل توبتهم - ﴿وكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه، ﴿حَكِيمًا﴾ ١٧ في صُنعه بهم - ﴿وَلَيسَتِ الَّوبةُ لِلَّذِينَ يَعمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: الذُّنوبَ - ﴿حَتَّى
إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المُوتُ﴾ وأخذ في النَّزْعِ ﴿قالَ﴾، عند مشاهدة ما هو فيه: ﴿إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾، فلا ينفعه ذلك ولا يُقبل منه - ﴿ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ
وهُم كُفّارٌ﴾، إذا تابوا في الآخرة عند مُعاينة العذاب لا تُقبل منهم. ﴿أُولَئِكَ أَعتَدْنا﴾: أعددنا ﴿لَهُم عَذابًا ألِيمًا﴾ ١٨: مُؤلمًا .
٣- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ﴾ أي: ذاتَهنّ ﴿كَرْهًا﴾، بالفتح والضمّ لغتانِ، أي مُكرِهِيهنّ على ذلك - كانوا في الجاهليّة
يرثون نساء أقربائهم. فإن شاؤوا تزوّجوها بلا صَداق، أو زوّجوها وأخذوا صَداقها، أو عَضَلوها حتّى تفتديَ بما ورثته، أو تموتَ فيرثوها .
فنُهوا عن ذلك - ﴿ولا﴾ أن (تَعضُلُوهُنَّ﴾ أي: تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم، بإمساكهنّ ولا رغبةً لكم فيهنّ ضِرارًا، ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعضِ ما
آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من المَهر، ﴿إلّا أنْ يأْتِينَ بِفاحِشةٍ مُبَيَّنَةٍ﴾، بفتح الياء وكسرها، أي: بُيِّنت أو هي بَيِّنة، أي: زِنِّى أو نُشوزٍ، فلكم أن تُضارّوهنّ حتّى
يَقْتدينَ منكم ويَختلْنَ، ﴿وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ أي: بالإِجمال في القول والنفقة والمَبِيت، ﴿فإنْ كَرِهِتُمُوهُنَّ﴾ فاصبِروا ﴿فَعَسَى أنْ تَكرَهُوا
شَيئًا، ويَجعَلَ اللهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا﴾ ١٩، ولعلّه يجعل فيهنّ ذلك بأن يرزقكم منهنّ ولدًا صالحًا .
(١) يأتين الفاحشة أي: يفعلنها. والنساء: جمع نسوة. والمفرد امرأة. واستشهدوا أربعة أي: اطلبوا ممن قذفهن شهادة أربعة. والبيوت: جمع بيت.
ويجعل: يَشرع. و((جعل لهن سبيلًا)) يعني الآية ٢ من سورة النور، وما كان من السُّنّة الشريفة. والبكر: التي لم تتزوج قبل. والتغريب: الإبعاد عن البلد.
والمحصنة: المتزوجة. والرجم: الرمي بالحجارة حتى الموت. والحديث تحت الرقم ١٦٩٠ في صحيح مسلم.
(٢) وبتشديدها يريد القراءة ((واللَّذانِ)). وتاب: عزم على الامتناع. وأصلحه: جعله كما يريد الشرع. وأعرِضوا: اصفحوا. والتواب: الكثير القبول للتوبة.
والرحيم: الكثير العطف بالعفو. ومنسوخ بالحد أي: أن الحكم بالإيذاء منسوخ بالآية ٢ من سورة النور. والمفعول به يعني الذّكَرَ الذي كان اللواط فيه.
ومخصوص أي: أن حكم الإيذاء والتوبة والإعراض عن التائب خاص بالرجال، لأن حكم النساء تقدم في الآية ١٥. والسوء: ما يسبب الضرر. والجهالة:
عدم المعرفة. والتوبة أي: التي يقبلها الله. والنزع: نزع الروح من الجسد. والكفار: جمع كافر.
(٣) لا يحل أي: لا يجوز. وذاتهن يعني أن المراد هو النهي عن وراثة نكاحهن. وبالضم يريد القراءة ((كُرْهًا)). وعن ذلك أي: معاملة النساء معاملة التركة
الموروثة. وأزواجكم أي: زوجاتكم. والإمساك: الامتناع عن الطلاق. وضرارًا أي: قهرًا ليُحملن على ما يضرهن. وتذهبوا به أي: تأخذوه. ويأتين بها أي:
يفعلنها. وبكسرها يريد القراءة ((مُبَيِّنَةٍ)) أي: تُبيِّن نفسَها. والنشوز: بغض الزوج، أو الترفع عليه بالعصيان والبذاءة، أو صرف النظر عنه إلى غيره. ويختلعن أي:
يُطلَّقن بفدية من المال. وعاشروهن أي: خالطوهن وصاحبوهن. والإجمال: فعل الجميل. وعسى أي: يُرتجى ويؤمل. ويجعل: يخلق وينشئ. والخير: مافيه
النفع الحقيقي.