Indexed OCR Text

Pages 401-420

سورة المُطفْفِين
قوله جلّ ذكره: ﴿نِسْمِ أَقَوِ الََِّ الرَّحَـ
«بسم الله) اسمٌ عزيزٌ رداؤه کبریاؤه، وسناؤه علاؤه، وعلاؤه بهاؤه، وجلالُه
جمالُه، وجمالُه جلالُه. الوجودُ له غيرُ مُسْتَفْتَح، والموجودُ منه غيرُ مُسْتَقْبَح. المعهودُ
منه لُطْفُه، المأمولُ منه لُطْفه ... كيفما قَسَمَ للعبدِ فالعبدُ عَبْدُه؛ إنْ أقصاه فالحُكمُ
حكمه، وإنْ أدناه فالأمر أمرُه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيِلٌّ لِلْمَُّفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو
وَزَنُهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ .
﴿وَيْلٌ﴾: الويلُ كلمةٌ تُذْكَر عند وقوع البلاء، فيقال: وبلٌ لك، وويلٌ عليك!
و((المطفّف))، الذي يُنْقِصُ الكَيْلَ والوزنَ، وأراد بهذا الذين يعاملون الناس فإذا أخذوا
لأنفسهم استوفوا، وإذا دفعوا إِلى من يعاملهم نقصوا، ويتجلى ذلك في: الوزن والكيلِ،
وفي إظهار العيب، وفي القضاء والأداء والاقتضاء؛ فَمَنْ لم يَرْضَ لأخيه المسلم ما لا يرضاه
لنفسه فليس بمنصف. وأمَّا الصِّدِّيقون فإنهم كما ينظرون للمسلمين فإنهم ينظرون لكلِّ مَنْ
لهم معهم معاملة - والصدقُ عزيزٌ، وكذلك أحوالهم في الصُّخْبَةِ والمعاشرة ... فالذي يرى
عَيْبَ الناسِ ولا يرى عيبَ نَفْسِه فهو من هذه الجملة - جملة المطففين - كما قيل:
وتُبْصِرُ في العينِ منّي القَذّى(١)
وفي عينِكَ الجذْعَ لَا تُبْصِرُ
ومَنْ اقتضى حقَّ نَفْسه ــ دون أن يَقْضِيَ حقوق غيره مثلما يقتضيها لنفسه ــ فهو
من جملة المطففين.
والفتى مَنْ يقضي حقوق الناس ولا يقتضي من أحدٍ لنفسه حقًّا.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَا يَعُنُّ أُوْلَهَكَ أَنَّهُمْ قَبْعُولُونٌّ؟ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُمُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ .
أي: ألا يستيقن هؤلاء أنهم مُحَاسَبون غداً، وأنهم مُطَالَبون بحقوق الناس؟ .
ويقال: مَنْ لم يَذْكُرْ - في حال معاملة الناسٍ - معاينة القيامة ومحاسبتها فهو في
خسرانٍ في معاملته .
(١) القذى: ما يتكوّن في العين من رمص وغمص وغيرهما.
٤٠١

٤٠٢
تفسير سورة المطففين
ويقال: مَنْ كان صاحبَ مراقبة لله ربِّ العالمين استشعر الهيبةَ في عاجلِهِ، كما
يكون حالُ الناسِ في المحشر؛ لأنَّ اطلاعَ الحقِّ اليومَ کاطلاعه غداً.
قوله جلّ ذكره: ﴿كَّ إِنَّ كِتَبَ الْغُبَّارِ لَّفِى سِبِينٍ وَمَّ أَذْرَكَ مَا يِينَ؟ كِتَبٌّ فَرْقُومُ﴾ .
﴿سِينٍ﴾ قيل: هي الأرض السابعة، وهي الأرض السفلى، يُوضَع كتابُ أعمالٍ
الكفار هنالك إِذلالاً لهم وإهانة، ثم تُحْمَلُ أرواحُهم إلى ما هنالك.
ويقال: ((السِّجين)) جُبٍّ في جهنم. وقيل: صخرةٌ في الأرض السفلى، وفي
اللغة السُّجين: فعيلٌ من السجن.
﴿وَمَّ أَذَرَكَ مَا بِهِينَ﴾. استفهامٌ على جهة التهويل.
﴿ كِتَبٌ تَرْقُومُ﴾ . أي مكتوب؛ كَتَبَ اللَّهُ فيه ما هم عاملون، وما هم إليه صائرون.
وإنما المكتوبُ على بني آدم في الخير والشر، والشقاوة والسعادة فهو على ما تعلّق به
علمه وإرادته، وإنما أخبر على الوجه الذي علم أن يكون أو لا يكون، وكما علم أنه
يكون أو لا يكون أراد أن يكون أو لا يكون. ثم إنه سبحانه لم يُطْلِغ أحداً على أسرار
خَلْقِهِ إلَّا مَنْ شاءَ من المقربين بالقَدْرِ الذي أراده؛ فإنه يُجْرِي عليهم في دائم أوقاتهم
ما سَبَقَ لهم به التقدير.
ثم قال: ﴿وَبِّلُ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يَكَذِّبُونَ بِّوْمِ الّذِينِ وَمَا يُكَذِّبُ إِ* إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيرٍ﴾.
ويلٌ للذين لا يُصَدِّقون بيوم الدين، وما يُكذِّبُ به إلا كل مُجَاوِزٍ للحَدِّ الذي
وُضِعَ له؛ إذا يُتْلَى عليه القرآن كَفَرَ به(١).
﴿كَّا بَلِّ رَنَ عَلَى قُوبِهِم ◌َّا كَنُواْ يَكْسِبُونَ كَّ إِنَّهُمْ عَنْ زَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْبُرُونَ ﴾ .
أي: غَطّى على قلوبهم ما كانوا يكسبون من المعاصي ... وكما أنهم - اليومَ -
ممنوعون عن معرفته فهم غداً ممنوعون عن رؤيته. ودليلُ الخطابِ يوجِبُ أن يكونَ
المؤمنون یرَوْنَه غداً كما يعرفونه اليوم(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الأَبْرَارِ لَفِى عِلِّينَ﴾ .
﴿ِلْتِينَ﴾ أعلى الأمكنة، تحمل إليه أرواح الأبرار تشريفاً لهم وإجلالاً .
ويقال: إنها سِذْرة المنتهى(٣). ويقال: فوق السماء السابعة. كتابٌ مرقوم فيه
أعمالهم مكتوبة يشهده المقربون من الملائكة (٤).
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَغِيرٍ﴾ .
(١) الآية (١٣) لم ترد.
(٢) الآيتان (١٦، ١٧) لم تردا.
(٣) سدرة المنتهى: شجرة في الجنة.
(٤) الآيات (١٩، ٢٠، ٢١) لم ترد.

٤٠٣
تفسير سورة المطففين
اليومَ وغداً: أليومَ في رَوْح العرفان، وراحةٍ الطاعة والإحسان، ونعمةٍ الرضا
وأُنْسِ القُربة وبَسْطِ الوصلة. وغداً - في الجنة وما وُعِدوا به من فنون الزلفة والقربة.
قوله جلّ ذكره: ﴿عَلَى اٌلْأَرَآَيْكِ يَنْظُرُونَ﴾ .
أثْبَتَ النظرَ ولم يُبَيِّنْ المنظور إليه لاختلافهم في أحوالهم؛ فمنهم من ينظر إلى
قُصُوره. ومنهم من ينظر إلى حُورِهِ، ومنهم ومنهم ... ومنهم الخواصُ فهم على دوامٍ
الأوقات إلى الله - سبحانه - يَنْظُرون.
قوله جلّ ذكره: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَِّمِ﴾.
مَنْ نظر إليهم عَلِمَ أنَّ أثَرَ نَظَرِه إلى مولاه ما يلوح على وجه من النعيم؛ فأحوال
المحبّ شهودٌ عليه أبداً. فإنْ كان الوقتُ وقتَ وصالٍ فاختيالُه ودلالُه، وسرورُه
وحبورُه، ونشاطُه وانبساطُه. وإِنْ كان الوقتُ وقتَ غيبةٍ وفراق فالشهوةُ عليه نحولُه
وذبولُه، وحنينُه وأنينُه، ودموعُه وهجوعُه ... وفي معناه قلت:
- لجميع ما ظنوا بنا - تحقيقُ
يا مَنْ تَغَيُّرُ صورتي لَمّا بدا
وقلت :
جَحَدْتُ حذاراً أنْ تَشِيعَ السرائرُ
ولمّا أتَى الواشين أنّي زُرْتُها
كَسَتْ مُحيَّاكَ(١) .. وهاذاك ظاهِرُ!
فقالوا: نرى في وجهِك اليومَ نضرةٌ
به طِيبُ نَشْرٍ لم تُشِعْهُ المجامِرُ
ويُزْدُكَ لا ذاك الذي كان قبلَه
فما كان منّي من بيانٍ أُقيمه
وهيهات أن يخفي مُریبٌ مساتِرُ!
قوله جلّ ذكره: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ تَّخْتُومٍ خِتَهُهُ مِنْكٌ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنْنَفِسُونَ﴾.
﴿تَخْتُومٍ﴾ أي رحیقٌ لا غِشَّ فيه.
ويقال: عتيقٌ طَيِّبْ .
ويقال: إنهم يشربون شراباً آخره مِسْكٌ.
ويقال: بل هو مختومٌ قبل حضورهم.
ويقال: ﴿خِتَُهُ مِنْكٌ﴾. ممنوعٌ من كلِّ أحدٍ، مُعَدَّ مُدْخَرٌ لكلِّ أحدٍ باسمه.
﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَّنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ﴾. وتنافُسُهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة،
والسباقُ إِلى القُرْب، وتعليقُ القلبِ بالله، والانسلاخُ عن الأخلاقِ الدَّنِيَّة، وجَوَلانُ
الهِمَمِ في الملكوت، واستدامةُ المناجاة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَاجُ مِن تَسْغِيرٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا أَلْمُقَرَُّونَ﴾ .
(١) المُحيّا: جماعة الوجه أو حُرُّه، يقال: فلان طلق المحيا؛ أي: بشوش الوجه.

٤٠٤
تفسير سورة المطففين
﴿قَبْغِيرٍ﴾: أي: عينٌ تسَنَّمُ عليهم من عُلُوٌّ.
وقيل: ميزابٌ يَنْصَبُ عليهم من فوقهم.
ويقال: سُمّي تسنيماً؛ لأن ماءَه يجري في الهواء مُتَسَنَّماً فينصبُّ في أواني أهل
الجنة؛ فمنهم مَنْ يُسْقَى مَزْجاً، ومنهم مَنْ يُسْقَى صِرْفاً ... الأولياء يُسْقَون مزجاً،
والخواصُ يُسْقَون صِرْفاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ
يَغَامَزُونَ ﴾ .
كانوا (١) يضحكون استهزاءً بهم ﴿قَلْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْسَكُونَ﴾!
﴿فَيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَِّكِ يَظُرُونَ هَلْ تُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ .
﴿هَلْ ... ﴾ استفهام يراد منه التقرير.
ويقال: إذا رأوا أهلَ النارَ في النار يُعذّبون لا تأخذهم بهم رأفة، ولا تَرِقُ لهم
قلوبُهم، بل يضحكون ويستهزئون ويُعَيِّرونهم.
(١) الآيات (٣١ - ٣٣) لم ترد.

سورة الانشقاق
قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
((بسم الله»: اسمٌ جليلٌ جلاله لا بالأشكال، وجماله لا على احتذاء أمثال،
وأفعالُه لا بأغراض وأعلال، وقدرته لا باجتلاب ولا احتيال، وعلمه لا بضرورة ولا
استدلال، فهو الذّي لم يزل ولا يزال، ولا يجوز عليه فناءٌ ولا زوال.
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِذَا التَّمَةُ أَنْشَقَّتْ﴾ .
﴿أَنْشَقَّتْ﴾ : انصدعت .
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا وَكُثَّتْ﴾.
أي قابَلَتْ أمرَ ربِّها بالسمع والطاعة ... وحقَّ لها أن تفعل ذلك.
﴿وَإِذَا ◌ٌلْأَرْضُ مُذَّتْ﴾ .
بُسِطَتْ باندكاكِ آكامها وجبالها حتى صارت ملساء، وألقت ما فيها من الموتى
والكنوز وتخلّت عنها ... وقابلت أمر ربها بالسمع والطاعة(١).
وجواب هذه الأشياء في قوله: ﴿فَمُلَقِيهِ﴾ أي يَلْقَى الإنسانُ ما يستحقه على أعماله.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا آلْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدّحًا فَمُلَقِيدِ﴾ .
﴿يَأَيُّهَا الإِنسَانُ﴾: يأيها المُكلَّفُ ... إنَّك ساعٍ بما لَكّ سَغْياً ستلقى جزاءه؛
بالخير خيراً وبالشَّرِّ شَرًا.
﴿فَمَّا مَنْ أُوِىَ كِنَبَهُ بِيَمِنَّةِ﴾.
وهو المؤمن المحسن .
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾
أي حساباً لا مَشَقّة فيه. ويقال: ﴿حِسَابًا بَسِيرًا﴾ أي يُسْمِعُہ کلامَه - سبحانه - بلا
واسطة، فيُخَفْفُ سماعُ خطابِهِ ما في الحساب من عناءٍ.
ويقال: ﴿حِسَابًا يَسِيرًا﴾: لا يُذَكِّرُه ذنوبَه. ويقال: يقول: ألم أفعل كذا؟ وألم
أفعل كذا؟ يعُدُّ عليه إحسانَه ... ولا يقول: ألم تفعل كذا؟ لا يُذكِّرُه عصيانَه.
(١) الآيتان (٤، ٥) لم تردا ..
٤٠٥

٤٠٦
تفسير سورة الانشقاق
﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِ مَسْرُورًا﴾ .
أي بالنجاة والدرجات، وما وَجَدَ من المناجاة، وقبول الطاعات، وغفران
الزَّلّات.
ويقال: بأن يُشفّعَه فيمن يتعلَّق به قلبُه. ويقال: بألا يفضحه.
ويقال: بأن يَلْقى ربَّه ويُكَلِّمَه قبل أَنْ يُدْخِلَه الجنة فيَلْقى حَظِيَّتَه من الحورِ
العين.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَّا مَنْ أُوْنِيَ كِنَبَهُ وَرَّةَ ظَهْرِدٌ﴾.
وهو الكافر.
﴿فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُوْرًا﴾ .
أي وَيْلاً
﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾.
جهنم .
﴿إِنَّمُ كَانَ فِىْ أَهْلِهِ، مَسْرُورًا﴾.
من البَطَرِ والمدح.
﴿ إِنَّمُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ﴾.
أنه لن يرجعَ إلينا، ولن يُبْعَثَ(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾.
بالحُمْرَةِ التي تعقب غروب الشمس.
﴿وَأَلَتْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ . .
وما جَمَعَ وضمّ.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا أَنََّقَ﴾ .
تَمَّ واستوى واجتمع .
ويقال: الشّفَقُ حين غربت شمسُ وصالهم، وأُذيقوا الفراقَ في بعض أحوالهم،
وذلك زمانُ قبضٍ بعد بَسْطٍ، وأوانُ فَرْقٍ عُقَيْبَ جَمْعِ(٢). ﴿وَآَلَيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾: ليالي
غيبتهم وهم بوصف الاستياقِ؛ أو ليالي وصالهم وهم في روح التلاقي، أو ليالي
طَلَبِهِم وهم بنعتِ القَلَبِ والاحتراقِ.
(١) الآية (١٥) لم ترد.
(٢) انظر حديث القشيري (عن الجمع والغرق) في رسالته ص ٦٤ - ٦٧.

٤٠٧
تفسير سورة الانشقاق
﴿وَاَلْقَمَرِ إِذَا أَنََّقَ﴾: إذا ظَهَرَ سلطانُ العرفان على القلوب فلا بَخْسَ ولا
نُقْصان.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبْقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ .
أي حالاً بعد حال. وقيل: من أطباق السماء. ويقال: شِدَّةً بعد شدَّة.
ويقال: تاراتُ الإنسانِ طفلاً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً.
ويقال: طالباً ثم واصلاً ثم مُتَّصِلاً.
ويقال: حالاً بعد حالٍ، من الفقر والغِنَى، والصحة والسَّقّم.
ويقال: حالاً بعد حالٍ في الآخرة.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَا لَمْ لَا يُؤْمِنُونَ؟﴾ .
أي فما الكُفَّارِ أُمَّتِكَ لا يُصَدِّقون ... وقد ظهرت البراهين؟
﴿وَإذَا قُرِئَ عَتِهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْبُدُونَ بَلِ اَلَّذِينَ كَغَرُواْ يُكَذِبُونَ وَلَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُؤْعُونَ﴾ .
﴿ يُؤْعُونَ﴾ أي تنطوي عليه قلوبُهم - من أَوْعَيْتُ المتاعَ في الظَّرْفِ أي جعلته
فيه .
﴿فَشِّرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَهُمْ أَبْرُ غيّرُ مَمْنُونٍ﴾ .
﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِيحَتِ﴾ فإنهم ليسوا منهم، ولهم أجرٌ غيرُ مقطوع.

سورة البُرُوج
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَةِ﴾.
(بسم الله): اسمُ مَنْ لا عقل يَكْتَنِهُه، اسمُ مَنْ لا مِثْلَ يُشْبِهُه، اسمُ من لا فَهْمَ (١)
يرتقي إليه بالتصوير، اسمُ مَنْ لا علمَ ينتهي إليه بالتقدير، اسمُ مَنْ لم يَرَه بَصَرّ إلّا
واحدٌ - وهو أيضاً مُخْتَلَفْ فيه، اسمُ مَنْ لا يَجْسُرُ أحدٌ أَنْ يتكلَّمَ بغير ما إِذْنٍ فيه، اسمُ
مَنْ لا قُطْرَ يحويه، ولا سِرَّ يُخفيه، ولا أحدَ يصل إلى معرفته إلّا مَنْ يرتضيه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّمَِّ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ .
أراد البروج الاثني عشر (٢).
﴿وَلْيَّوْمِ الْوَعُودِ﴾.
يوم القيامة .
وجوابُ القَسَمِ قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَى رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُورٍ﴾ .
يقال: الشاهدُ اللَّهُ، والمشهودُ الخَلْقُ.
ويقال: الشاهدُ الخَلْقُ، والمشهودُ اللَّهُ؛ يشهدونه اليومَ بقلوبهم، وغداً
بأبصارهم.
ويقال: الشاهدُ محمدٌ وَ﴿، والمشهودُ القيامة، قال تعالى: ﴿وَجِثِّنَا بِكَ عَلَى
هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وقال في القيامة: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ
مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣].
وقيل: الشاهد يومُ الجمعة، والمشهود يومُ عَرَفة(٣).
(١) ربما كانت: لا وهم أو لا خيال. فمن أقوال ذي النون المصري: وليس في السموات العلا ولا في الأرضين
السفلى مدير غير الله، وكل ما تصوّر في خيالك فالله بخلاف ذلك. (الرسالة القشيرية ص ٤٣).
(٢) قيل: ذات الكواكب؛ وقيل: ذات القصور في السماء، وقيل: هي النجوم، وقالوا: هي البروج
المعروفة اثنا عشر برجاً، وقالوا: هي القصور في السماء، والله أعلم بما أراد. (اللسان ٢١٢/٢
مادة: برج).
(٣) يوم عرفة: عرفة: جبل قرب مكة يقف عليه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة ويوم عرفة غير منون
ولا تدخله الألف واللام.
٤٠٨

٤٠٩
تفسير سورة البروج
ويقال: الشاهدُ المَلَكُ الذي يكتب العمل، والشاهدُ الإنسانُ يشهد على نفسه،
وأعضاؤه تشهد عليه؛ فهو شاهد وهو مشهود.
ويقال: الشاهدُ يومُ القيامة، والمشهودُ الناس.
ويقال: المشهودُ هم الأمة لأنه ◌َلتر يشهد لهم وعليهم.
ويقال: الشاهدُ هذه الأمة، والمشهودُ سائر الأمم.
ويقال: الشاهدُ الحجرُ الأسود (١) لأنَّ فيه كتابَ العهد.
يشهدون لله بالوحدانية، والمشهود الله .
ويقال: الشاهدُ جميعُ الخلق؛
وييقال: الشاهدُ الله؛ شهد لنفسه بالوحدانية، والمشهودُ هو لأنه شهد لنفسه.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُثِلَ أَعْحَبُ الْأُنْدُودِ النَّارِ ذَاتِ أَلْوَقُودِ ﴾ .
أي لُعِنوا. والأخدودُ: الحُفْرةُ في الأرض إِذا كانت مستطيلةً، وقصتهم في
التفسير معلومة و((الوقود)» الحطب.
وهم أقوامٌ كتموا إيمانّهم فلمَّا عَلِمَ مَلِكُهم بذلك أضرم عليهم ناراً عظيمة،
وألقاهم فيها. وآخِرُ مَنْ دَخَلَها امرأةٌ كان معها رضيعٌ، وهَمَّت أن ترجع، فقال لها
الولد: قِفِي واصبري ... فأنت على الحقُّ.
وألقوها في النار، واقتحمتها، وبينا كان أصحابُ الملك قعوداً حوله يشهدون ما
يحدث ارتفعت النارُ من الأخدود وأحرقتهم جميعاً، ونجا من كان في النار من
المؤمنين وسَلِموا (٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا تَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَن يُؤْمِنُوا بِلَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِى لَهُ مُلْكُ
اُلَمَوَاتِ وَالأَرْضِّ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِدُ﴾ .
ما غَضبوا منهم إلَّا لإيمانهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَِّنَ فَنُواْ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ثُّ لَمَا بَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَّمَ وَهُمْ
عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ .
أي أحرقوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا عن كفرهم ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ جَهَّمَ﴾:
نوعٌ من العذاب، ﴿وَلَّمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾: نوع آخر.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتْ تَجْرِى مِن تَخْنِهَا الْأَنْهَرُ ذَلِكَ
اٌلْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ .
(١) الحجر الأسود: حجر في الكعبة يستلمه الحُجّاج عند طوافهم. يُقال: ما بيدك غير الحجر ويُكنى به
عن الحرمان والخيبة .
(٢) الآيتان (٦، ٧) لم تردا.

٤١٠
تفسير سورة البروج
﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكِيرُ﴾ : النجاة العظيمة.
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾.
البطشُ الأخذ بالشدة.
﴿إِنَّمُ هُوَ يُذِئُ وَهِيدُ﴾ .
يُبدىءُ الخَلْقِ ثم يُعيدُهم بعد البعث.
ويقال: يبدىء بالعذاب ثم يُعيد، وبالثواب ثم يُعيد.
ويقال: يبدىء على حُكْم العداوة والشقاوة ثم يعيد عليه، ويبدىء على الضعف
ويعيدهم إلى الضعف.
ويقال: يبدي الأحوال السَّنيَّة فإِذا وقعت حجبة يعيد ثانية.
ويقال: يبدي بالخذلان أموراً قبيحة ثم يتوب عليه، فإذا نَقَضَ توبتّه فلأنه أعاد
له من مقتضى الخذلان ما أجراه في أول حاله.
ويقال: يبدي لطائفَ تعريفه ثم يعيد لتبقى تلك الأنوار أبداً لائحةً، فلا يزال
يبدي ويعيد إلى آخر العمر.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ اَلْغَفُورُ اَلْوَدُودُ﴾ .
((الغفور)) كثيرُ المغفرة، ((الودود)» مبالغة من الوَادِّ، ويكون بمعنى المودود؛ فهو
يغفر له كثيراً لأنه يَوَدُّهم، ويغفرُ لهم كثيراً لأنهم يودُّونه.
قوله جلّ ذكره: ﴿ذُوَ اَلْعَرْشِ الْمَجِدُ﴾ .
ذو المُلْكِ الرفيع، والمَجْد الشريف.
﴿فَعَّلٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ .
لأنه مالِكٌ على الإطلاق؛ فلا حَجْر عليه ولا حَظُرَ.
قوله جلّ ذكره: ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ اٌلْجُودِ﴾ .
الجموع من الكفار.
﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ .
وقد تقدم ذکر شأنهما .
﴿َلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِىِ تَكْذِيبٍ﴾ .
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني مُشْرِكي مكة؛ ﴿فِ تَكْذِيبٍ﴾ للبعث والنشر.
﴿وَلَّهُ مِنْ وَرَآِهِمْ تُحِيطٌ﴾ .

٤١١
تفسير سورة البروج
عالمٌ بهم.
﴿بَلَّ هُوَ قُوَانٌ تُجِدٌ فِى لَوَّحْ تَخْفُوظٍ ﴾ .
﴿فِ لَوْجِ نَّحْفُوظٍ﴾ مكتوبٍ فيه. وجاء في التفسير: أنَّ اللوح المحفوظ خُلِقَ مِن
دُرَّةٍ بيضاء، دِفَتَاه(١) من ياقوتة حمراء عَرْضُها بين السماء والأرض، وأعلاه متعلّقٌ
بالعرش، وأسفله في حجرٍ مَلَكِ کریم.
والقرآن كما هو محفوظ في اللوح كذلك محفوظ في قلوب المؤمنين، قال
تعالى: ﴿بَّ هُوَ ءَايَتٌ بَيْنَتُ فِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْمِلٌ﴾ [العنكبوت: ٤٩] فهو في
اللوح مكتوبٌ، وفي القلوبِ محفوظٌ.
(١) الدفة من كل شيء: جنبه أو صفحته.

سورة الطارق
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمِ﴾.
((بسم الله)): اسمّ عزيزٌ إذا أراد إعزازَ عبدٍ وَفَّقه لعرفانهِ، ثم زيَّتَه بإحسانه، ثم
استخلصه بامتنانه؛ فعَصَمّه من عِصيانه، وقام بحسن التولّي - في جميع أحواله -
بشأنِهِ، ثم قَبَضَه على إيمانه، ثم بَوَأَه في جنانه، وأكرمه برضوانه، ثم أكمل عليه نِعْمتَه
برؤيته وعيانه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّمَآءِ وَالْكَّارِقِ﴾ .
أقسم بالسماءِ، وبالنجمِ الذي يَطْرُق ليلاً .
﴿وَمَّ أَذَرَئِكَ مَا أَلَّارِقُ﴾ .
استفهامٌ يراد منه تفخيم شأن هذا النجم.
﴿الَّجْمُ الثَّقِبُ﴾ .
المضيءُ العالي. وقيل: الذي ترمى به الشياطين.
ويقال: هي نجوم المعرفة التي تدل على التوحيد يستضيءُ بنورها ويهتدي بها
أولو البصائر.
﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً عَلَّهَا حَافِظٌ﴾.
ما مِنْ نَفْسِ إلا عليها حافِظٌ من الملائكة، يحفظ عليه عمله ورزقَه وأجلَه،
ويحمله على دوام التيقُظ وجميلِ التحفُّظ .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلْتُرِ آلْإِسَانُ مِنَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن ◌َّلَوِ دَافٍِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ السُّلْبِ وَالتَّآيِ﴾ .
يخرج من صُلْبِ الأب، وتربيةِ الأم.
وهو بذلك يحثُّه على النَّظَرِ والاستدلال حتى يعرف كمال قدرته وعلمه وإرادته -
سبحانه .
﴿إِنَّهُ عَلَى رَحْيِهِ لَقَايِرُ﴾ .
إنه على بَعْثِهِ، وخَلْقِهِ مرةً أخرى لقادرٌ؛ لأنه قادر على الكمال - والقدرةُ على
الشيءٍ تقتضي القدرة على مِثْلِه، والإعادة في معنى الابتداء.
٤١٢

٤١٣
تفسير سورة الطارق
﴿يَوْمَ تُبْلَى الْتَّرْآَبِرُ﴾.
يوم تُمْتَحنُ الضمائر.
﴿قَ لَهُ مِنْ قُوٍَّ وَلَا نَاسٍِ﴾ .
أي ما لهذا الإنسان - يومئذٍ - من مُعينٍ يدفع عنه حُكْمَ الله.
وَأَلسَّمَاءِ ذَاتٍ أَ
أي المطر.
وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾
((الصدع)»: الانشقاقُ بالنباتِ للزرع والشجر.
﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ .
أي: إن القرآن لقولٌ جَزْمٌ.
﴿وَمَا هُوَ بِالْخَزَّلِ﴾ .
الهزل ضد الجِدّ، فليس القرآنُ بباطلٍ ولا لَعِب.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّهُمْ يَكِدُونَ كَيْدًا﴾ .
أي يحتالون حيلةً .
﴿وَأَكِدُ كَيْدًا﴾ .
هم يحتالون حيلةً، ونحن نُحْكِمُ فِعْلاً ونُبْرِمُ خَلْقاً، ونجازيهم علی کیدهم، بما
تعاملهم به من الاستدراج والإمهال.
﴿فَهِّلِ الْكَفِينَ أَنْهِلَهُمْ رُوَيْ﴾.
أي أَنظرهم، وأمهِلهم قليلاً، وأزوذهم رويداً.

سورة الأعلى
قوله جلّ ذكره: ﴿يَسْمِ أَقَِّ الرَِّ الرّ
((بسم الله): اسمْ عزيزٌ مَنْ قَصَدَه وَجَدَه، ومَنْ استسعفه حَمِدَه. مَنْ طَلَبَهَ عَرَفَه،
ومَنْ عَرَفَه لاطَفَه، فإذا وَجَدَ لُطْفَه ألِفَه، وإذا أَلِفَه أَيِف أنْ يخَالِفِه ..
قوله جلّ ذكره: ﴿َسَبِِّ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَ﴾ .
أي سَبِّخْ ربَّك بمعرفة أسمائه، واسبح بسِرُك في بحار علائه، واستخرِجْ من
جواهر عُلوّه وسنائه ما ترصِّعُ به عِقْدَ مَذْحِه و ثنائه .
﴿الَّذِىِ خَلَقَ فَوََّى﴾ .
خَلق كلَّ ذي روح فسوَّى أجزاءَه، ورَكَّبَ أعضاءَه على ما خَصّه به من النظم
العجيب والتركيب البديع.
﴿وَالَّذِىِ قَدَّرَ فَهَدَى﴾ .
أي قدَّر ما خَلَقَه، فجَعَلَه على مقدار ما أراده، وهدى كلَّ حيوانٍ إلى ما فيه
رشده من المنافع، فيأخذ ما يُصْلِحِه ويترك ما يضره - بحُكم الإلهام.
ويقال: هَدَى قلوبَ الغافلين إلى طلب الدنيا فعمروها، وهدى قلوبَ العابدين إلى
طلب العقبى فآثروها، وهدى قلوبَ الزاهدين إلى فناء الدنيا فرفضوها، وهدى قلوبَ العلماءِ
إلى النظر في آياته والاستدلال بمصنوعاته فعرفوا تلك الآيات ولازموها.
وهدى قلوبَ المريدين إلى عِزٌّ وَصْفِه فآثروه، واستفرغوا جُهْدَهم فطلبوه،
وهدى العارفين إلى قُدْس نعتِه فراقبوه ثم شاهدوه، وهدى الموحّدين إلى علاء سلطانه
في توحد كبريائه فتركوا ما سواه وهجروه، وخرجوا عن كلٌّ مألوفٍ لهم ومعهود حتى
قصدوه. فلمّا ارتقوا عن حدِّ البرهان ثم عن حدِّ البيان ثم عمَّا كالعيان عَلِموا أنَّه
عزيزٌ، وأنَّ وراءَ كلٌّ فَضْلٍ ووَضْلٍ، فرجعوا إلى موطنِ العَجْزِ فتوسَّدوه.
﴿وَلَّذِّ أَخْرَجَ الْغَى﴾ .
أي النبات .
﴿فَبَعَلَمُ غُثَ أَحْوَىُ﴾ .
٤١٤

٤١٥
تفسير سورة الأعلى
جعله هشيماً (١) كالغناء، وهو الذي يقذفه السيل. و ((أحوى)) أسود.
﴿سَنُفْرِتُكَ فَلاَ تَ﴾.
سنجمع القرآن في قلبك - يا محمد - حِفْظاً حتى لا تنسى لأنا نحفظه عليك.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾.
مما لا يدخل تحت التكليف فتنساه قبل التبليغ ولم يجب عليه أداؤه.
وهو - سبحانه - يعلم السّرّ والعَلَن(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَّفَعَتِ الذِّكْرَ﴾ .
والذكرى تنفع لا محالة، ولكنْ لِمَنْ وَفَّقَه اللَّهُ للاتعاظِ بها، أمَّا مَنْ كان المعلومُ
من حاله الكفرَ والإعراضَ فهو كما قيل:
إذا استوَتْ عنده الأنوارُ والظُلَمُ
وما انتافعُ أخي الدنيا بِمُقْلَتهِ
﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَىْ﴾ .
الذي يخشى الله ويخشى عقوبته.
﴿وَنَجَنَبُهَا اُلْأَثْقَىِ الَّذِى يَصْلَ النَّارَ الْكُبْرَىُ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحَّْ﴾ .
أي يتجنّبُ الذُّكْرَ الأشَقى الذي يَصْلَى النارَ الكبرى، ثم لا يموت فيها موتاً
يريحه، ولا يحيا حياةً تَلَذُّ له.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ نَزََّ﴾ .
مَنْ تَطَّهَّرَ من الذنوبِ والعيوبِ، ومشاهدة الخَلْقِ وأدَّى الزكاة - وَجَدَ النجاة،
والظّفَرَ بِالْبُغْيَة، والفَوزَ بالطّلبة.
﴿وَذَكَرَ أُسْمَ رَيْدٍ، فَصَلَّ﴾ .
ذَكَرَ اسمَ ربِّه في صلاته. ويقال: ذَكَره بالوحدانية وصَلَّی له.
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الذُّنَا﴾ .
تميلون إليها؛ فتُقَدِّمون حظوظكم منها على حقوق الله تعالی.
﴿وَلََّخِرَةُ خَّرٌ وَأَبْقَ﴾ .
والآخرة للمؤمنين خيرٌ وأبقَى - من الدنيا - لطلابها.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى السُّحُفِ الْأُوْلَى مُحُفٍ إِنْزَهِيَمَ وَمُوسَى﴾ .
إن هذا الوعظَ لفي الصحف المتقدمة، وكذلك في صحف إبراهيم وموسى
وغيرهما؛ لأنَّ التوحيدَ، والوعد والوعيدَ ... لا تختلف باختلاف الشرائع.
(١) الهشيم: النبت اليابس المتكسر. أو المتكسر من كل شيء.
(٢) الآية (٨) لم ترد.

سورة الغَاشِيَة
قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ أَلَّهِ الََّنِ الرَّحَمِ﴾.
(بسم الله)) كلمةٌ من سمعها وفي قلبه عرفانُه تلألأت أنوارُ قلبه، وتَفَرَّقَتْ أنواعُ
كُرَبِهِ، وتضاعَفَتْ في جماله طوارقُ حُبِّه، وتحيَّرت في جلالهِ شوارقُ لُبُه.
كلمةٌ مَنْ عَرَفَها - وفي قلبه إيمانُه - أَحَبَّها من داخل الفؤاد، وهَجَرَ - في طَلَّبِها -
الرُّقاد، وتَرَكَ - لأَجْلِها - كلَّ همِّ ومراد.
قوله جلّ ذكره: ﴿هَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ الْغَلِشِيَةِ﴾ .
((الغاشية)» المُجَلِّلَةُ، يريد بها القيامة تَغْشَى الخَلْقَ، تَغْشَى وجوه الكفّار.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَشِعَةُ عَمِلَةٌ نَصِيبَةٌ تَعْلَ نَارًا حَلِيَةً﴾ .
وجوه - إذا جاءت القيامة - خاشعة أي ذليلة. عاملة ناصبة: النَّصَب التعب.
جاء في التفسير: أنهم يُجَرُّون على وجوههم.
﴿َتَصْلَ نَارًا حَامِيَّةٌ﴾ تلزم ناراً شديدة الحرِّ.
ويقال: ((عاملة)) في الدنيا بالمعاصي، ((ناصبة)) في الآخرة بالعذاب.
ويقال: ((ناصبة)) في الدنيا ((عاملة)) لكن من غير إخلاص كعمل الرهبان، وفي
معناه عملُ أهل النفاق.
﴿تُتْقَى مِنْ عٍَّ ءَلِيَةِ﴾ .
تناهى حرُّها .
﴿لَيْسَ لَمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيعَ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِنْ جُعَ﴾ .
نَّبْتُ ينمو بالحجاز له شَوٌْ، وهو سمّ لا تأكله الدواب، فإذا أكلوا ذلك في النار
يُغَصُّون، فَيُسْقَوْنَ الزَقُومِ.
وإن اتصافَ الأبدانِ - اليومَ - بصورة الطاعات مع فَقْدِ الأرواح وجدانَ
المكاشفات (وفقدٍ)(١) الأسرارِ أنوارَ المشاهدات، (وفقدٍ) القلبِ الإخلاصَ
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.
٤١٦

٤١٧
تفسير سورة الغاشية
والصدق في الاعتقادات لا يجدي خيراً، ولا ينفع شيئاً - وإنما هي كما قال:
﴿عَمِلَةٌ نَصِبَةٌ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿وُجُوهٌ يَوَمَيِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ .
أي: مُتَنَعِّمة، ذات نعمةٍ ونضارةٍ.
﴿لِسَعْبِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
حين وَجَدَتْ الثوابَ على سعيها، والقبول لها.
﴿فِي جَّ ◌َالِيَةٍ﴾ .
عالية في درجتها ومنزلتها وشرفها. هم بأبدانهم في درجاتهم، ولكن بأرواحهم.
مع الله في عزيز مناجاتهم.
﴿لَّا تَسْمَعُ فَِهَا لَِّيَّةٌ﴾ .
لأنهم يسمعون بالله؛ فليس فيها كلمةُ لغوٍ .
قومٌ يسمعون بالله، وقومٌ يسمعون لله، وقومٌ يسمعون من الله، وفي الخبر:
(كنت له سمعاً وبصراً فبي يَسْمَعُ وبي يُبْصِرُ))(١).
﴿فِيَهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾.
أراد عيوناً؛ لأن العين اسم جنس، والعيون الجارية هنالك كثيرة ومختلفة.
ويقال: تلك العيون الجارية غداً لِمَنْ له ــ اليومَ - عيونٌ جارية بالبكاء، وغداً
لهم عيون ناظرةٌ بحُكم اللقاء.
﴿فِيهَا سُرٌ مَّوْقُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَرِقُ مَصْفُونَةٌ وَزَرَاِنُ مَثُونَةٌ ﴾ .
النمارق المصفوفة في التفسير: الطنافس المبسوطة.
الزرابي المبثوثة في التفسير: البُسُط المتفرقة.
وإنما خاطبهم على مقادير فُهومهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَلَا يَظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
لمَّا ذَكَرَ وصفَ تلك السُّرُرِ المرفوعة المشيَّدة قالوا: كيف يصعدها المؤمن؟
فقال: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟ كيف إذا أرادوا الحَمْلَ عليها أو ركوبها
تنزل؟ فكذلك تلك السُّرُرُ تتطامن حتى يركبها الوليُّ.
(١) رواية الحديث: ((ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت عينه التي يبصر بها،
وسمعه الذي يسمع به ... )) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٤٧٧/٨، ٦١٠/٩)، وابن
حجر في (فتح الباري ١١/ ٣٤١).
والحديث بالرسالة القشيرية ص٣١٨ بغير هذه الرواية انظره.

٤١٨
تفسير سورة الغاشية
وإنما أنزلت هذه الآيات على وجه التنبيه، والاستدلال بالمخلوقات على كمال
قدرته - سبحانه .
فالقومُ كانوا أصحابَ البوادي لا يرون شيئاً إلا السماءَ والأرضَ والجبالَ
والجِمالَ ... فأَمَرَهم بالنظر في هذه الأشياء.
وفي الإبل خصائص تدل على كمال قدرته وإنعامه جل شأنه؛ منها: ما في
إمكانهم من الانتفاع بظهورها للحَمْلِ والركوب، ثم بنَسْلِها، ثم بلحمها ولبنها
ووَبَرِها ... ثم من سهولة تسخيرها لهم، حتى ليستطيع الصبيّ أنْ يأخذَ بزِمامها،
فتنجرّ وراءه. والإبل تصبر على مقاساة العَطَّش في الأسفار الطويلة، وهي تَقْوَى على
أن تحمِلَ فوق ظهورها الكثيرَ من الحَمولات ... ثم حِرَانُها إذا حقدت، واسترواحُها
إلى صوتٍ مَنْ يحدوها عند الإعياء والتعب، ثم ما يُعَلِّل المرءُ بما يناط بها من
بِرُها(١).
﴿فَذَكِرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَّْتَ عَلَيْهِم بِيُّهَيْطِرٍ﴾ .
لستَ عليهم بمُسَلْطٍ؛ فذَكَّر - يا محمد - بما أمرناك به، فبذلك أمرناك.
﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَغَرَ فَعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾.
إلا مَنْ تولَّى عن الإيمان وكفر فيعذبه اللَّهُ بالخلودِ في النار.
﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾.
إن إلينا رجوعَهم، ثم نجازيهم على الخير والشرّ.
(١) الآيات (١٨، ١٩، ٢٠) لم ترد.

سورة الفجر
قوله جل ذكره: ﴿إِسْمِ أَقَّهِ أَلََِّ الرَّـ
﴾.
بسم الله كلمةٌ ما استولت على قلبٍ فقير فأقلقته، وما تمكّنت من سِرِّ مُتَيَّم
فَشَتَتْه، وما استولت على روح محبٌّ فرحمته. كلمةٌ قهَّارة للقلوب .. ولكن لا لكلِّ
قلب، كلمةٌ لا سبيل لها لكلُ عقل، كلمة تكتفي من العابدين بقراءتهم لها، ولكنها لا
ترضى من المحبين إلا ببَذْلِ أرواحهم فيها.
قوله جل ذكره: ﴿وَلْنَجْرِ وَلَالٍ عَشْرٍ ﴾ .
الفجرُ انفجارُ الصُّبح وهو اثنان: مستطيلٌ وقصير؛ ففي التفسير: إنه فَجْرُ
المحرَّم لأنه ابتداء السنة كلها، وقيل: فجر ذي الحجة .
ويقال: هو الصخور ينفجر منها الماء.
ويقال: أقسم به لأنَّه وقتُ عبادة الأولياء عند افتتاحهم النهار.
﴿وَلَالٍ عَشْرٍ﴾ قيل: هي عَشْرُ ذي الحجة، ويقال: عَشْرُ المحرم؛ لأن آخرها
عاشوراء. ويقال: العَشْرُ الأخيرة من رمضان.
ويقال: هي العَشْرُ التي ذكرها اللَّهُ في قصة موسى عليه السلام تمَّ به ميعاده
بقوله: ﴿ وَأَتْمَمْنَهَا يَعَثْرٍ﴾.
ويقال: هو (فجرًا قلوبِ العارفين إذا ارتقوا عن حدِّ العلم، وأسفر صُبْحُ
معارفهم، فاستغنوا عن ظلمة طلب البرهان بما تجلّى في قلوبهم من البيان.
﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَزِ﴾ .
جاء في التفاسير: الشفعُ يومُ النَّخْرِ (١)، والوتر يوم عَرَفَة.
ويقال: آدم كان وتراً فشُفِعَ بزوجته حواء.
وفي خبرٍ: إنها الصلوات منها وتر (كصلاة المغرب) ومنها شفع كصلاة الصُّبْح.
ويقال: الشفع الزوج من العَدَد، والوتر الفَرْدُ من العدد.
(١) يوم النحر: اليوم العاشر من ذي الحجة لنحرهم فيه.
٤١٩
-

٤٢٠
تفسير سورة الفجر
ويقال: الشفع تضادُّ أوصاف الخَلْق: كالعلم والجهل، والقدرة والعجز، والحياة
والموت. والوتر انفرادُ صفاتِ الله سبحانه عمَّا يضادُّها؛ علم بلا جهلٍ، وقدرة بلا
عجزٍ، وحياة بلا موتٍ.
ويقال: الشفعُ الإرادة والنية، والوتر الهِمَّة؛ لا تكتفي بالمخلوق ولا سبيل لها
إلى الله - لتَقَدَّسِه عن الوَصْلِ والفَضْلِ .. فبقيت الهِمَّةُ غريبةً.
ويقال: الشفع الزاهد والعابد، لأن لكل منهما شكلاً وقريناً، والوترُ المريدُ فهو
كما قيل :
فريدٌ من الخِلَانِ في كل بلدةٍ إذا عَظُمَ المطلوبْ قَلَّ المساعدُ
﴿وَأَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾
(يسري)) يمضي .
قوله جل ذكره: ﴿هَلْ فِ ذَلِكَ قَسَمٌ لَّذِى حِمْرٍ﴾ .
((حِجْرٍ)). لُبّ. وجوابُ القَسَمِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِأَلْمِرْصَادِ﴾ .
﴿أَلَّ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ أَلْحِمَارِ﴾ .
ذكر (١) قصص هؤلاء المتقدمين .. إلى قوله: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ .
أي: شدة العذاب.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَ لْمِرْصَادِ﴾.
لا يفوته شيءٌ.
قوله جل ذكره: ﴿فَمَّا آلْإِسَنُ إِذَا مَا أَبْئَّهُ رَبِّمُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَّتَ أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا
مَا أَبْلَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِ أَهَنَنِ ﴾ .
﴿فيقول ربي أكرمني﴾: أي: شَكْرَه.
﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾. أي: ضيَّق، ﴿فيقول ربي أهانني﴾. أي: أذّلْني. كلا ..
ليس الإذلالُ بالفقر إنما الإذلالُ بالخذلانِ للعصيان .
قوله جل ذكره: ﴿كَلَّ بَلَ لَّا تُكْرِمُونَ أَلِْيْمَ﴾ .
أي: أنتم تستحقون الإهانة على هذه الخصال المذمومة؛ فلا تُكُرِمون اليتيمَ.
﴿وَلَا تَضُونَ عَلَى طَعَامِ آلْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ الثُّاثَ أَكْلًا لَّمَّا﴾ .
لمًّا. أي شديداً.
(١) الآيات من (٨ - ١٢) لم ترد.