Indexed OCR Text

Pages 301-320

سورة الحشر
قوله جل ذكره: ﴿ِسْمِ أَلَّهِ الَِّْ الرَّجَمِ﴾.
(بسم الله)) اسمٌ عزيزٌ - الكونُ بجملته في طلبه .. وهو عزیز.
الشموسُ والأقمارُ والنجومُ، والليلُ والنهارُ، وجميع ما خَلَقَ اللَّهُ من الأعيان .
والآثار متناديةً على أنْفُسِها: نحن عبيدُه .. نحن عبيدُ مَّنْ لَمْ يَزَلْ .. نريد مَنْ لم
يَزّلْ.
قوله جل ذكره: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ لَلْحَكِيمُ﴾.
قدَّس الله ونزَّهَهُ كُلِّ شيءٍ خَلَقه؛ فكلُّ ما خَلَقَه جَعَلَه على وحدانيته دليلاً، ولِمَنْ
أراد أن يَعْرِفَ إلهيتَه طريقاً وسبيلاً.
أتقن كلِّ شيءٍ وذلك دليلُ عِلْمِه وحكمته، ورَتَّبَ كُلِّ شيءٍ، وذلك شاهِدٌ على
مشيئته و(إرادته).
﴿وَهُوَ الْعَزِزُ﴾ فلا شبيه يساويه، ولا شريكِ له في المُلْكِ ينازِعُه ويُضاهيه.
﴿لَحْكِيمُ﴾ الحاكم الذي لا يُوجَدُ في حُكْمِهِ عَيْبٌ، ولا يتوجّه عليه عَتْبٌ.
قوله جل ذكره: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ مِن دِيَّرِمْ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ﴾.
هم أهل النضير، وكانوا قد عاهدوا النبيِّ وَلٍ أَلَّا يكونوا عليه، ثم بعد أُحُد
نقضوا العَهْدَ، وبايعوا أبا سفيان(١) وأهل مكة، فأخبر اللَّهُ تعالى رسولَه بذلك، فبعثَ
صلوات الله عليه إليهم محمد بن مسلمة (٢)، فأوهم أنه يشكو من الرسول في أخذ
(١) هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف (٥٧ ق هـ - ٣١ هـ = ٥٦٧ - ٦٥٢م)
صحابي، من سادات قريش في الجاهلية. وهو والد معاوية رأس الدولة الأموية. كان من رؤساء
المشركين في حرب الإسلام عند ظهوره. قاد قريشاً وكنانة يوم أحد والخندق لقتال رسول الله اَلفر،
وأسلم يوم فتح مكة (٨ هـ) وأبلى بعد إسلامه البلاء الحسن، وشهد حنيناً والطائف. ففقئت عينه
يوم الطائف ثم فقئت الأخرى يوم اليرموك فعمي. ولما توفي رسول الله 8# كان أبو سفيان عامله في
نجران، ثم أتى الشام، وتوفي بالمدينة، وقيل: بالشام.
الأعلام ٢٠١/٣، والأغاني ٨٩/٦، والإصابة ت٤٠٤١، وابن عساكر ٣٨٨/٦.
(٢) هو محمد بن مسلمة الأوسي الأنصاري (٣٥ ق هـ - ٤٣ هـ = ٥٨٩ - ٦٦٣ م) الحارثي أبو عبد
الرحمن، صحابي من الأمراء، من أهل المدينة، شهد بدراً وما بعدها إلا غزوة تبوك. واستخلفه=
٣٠١

٣٠٢
تفسير سورة الحشر
الصَّدَقَة. وكان رئيسهم كعب بن الأشرف(١) فقتله محمد بن مسلمة (غيلةً)، وغزاهم
رسول الله ( وأجلاهم عن حصونهم المنيعة وأخرجهم إلى الشام، وما كان
المسلمون يَتَوَفَّعون الظَّفَرَ عليهم لكثرتهم، ولِمَنَعَةِ حصونهم .
وظلُّوا يهدمون دورَهم بأيديهم ينقبون ليخرجوا، ويقطعون أشجارهم ليسدوا
النقب، فسُمُّوا أولَ الحشر، لأنهم أول من أَخْرِجَ من جزيرة العرب وحُشِرَ إلى
الشام .
قال جل ذكره: ﴿فَأَعْتَبِرُواْ يَأُوْلِ اَلْأَنْصَرِ﴾.
كيف نَصَرَ المسلمين - مع قِلْتهم - عليهم - مع كثرتهم. وكيف لم تمنعهم
حصونُهم إذا كانت الدائرةُ عليهم. وإذا أراد اللَّهُ قَهْرَ عدوٍّ استنوق(٢) أَسَدُه.
ومن مواضع العِبْرةِ في ذلك ما قاله: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ﴾ بحيث داخلتكم
الرِّيبةُ في ذلك لِفَرْطِ قُوَّتِهم - فصَانَهُم بذلك عن الإعجاب.
ومن مواضع العبرة في ذلك أيضاً ما قاله ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اَللَّهِ﴾
فلم يكن كما ظنّه - ومَنْ تَقَوَّ بمخلوقٍ أَسْلَمَه ذلك إلى صَغَارِه(٣) ومذَلْتِهِ.
ومن الدلائلة الناطقة ما أُلِّقِي في قلوبهم من الخوفِ والرُّعب، ثم تخريبُهم
بيوتهم بأيديهم علامةُ ضَغْف أحوالهم، وبأيدي المؤمنين لقوة أحوالهم، فتمت لهم
الغلبةُ عليهم والاستيلاء على ديارهم وإجلاؤهم.
هذا كلُّه لا بُدَّ أن يحصل به الاعتبارُ - والاعتبارُ أحَدُ قوانين الشّرع.
ومَنْ لم يَعْتَبِرْ بغيره اعتْبَرَ به غیرُه.
= النبي ◌َّ﴿ على المدينة في بعض غزواته، وولاء عمر على صدقات جهينة، واعتزل الفتنة في أيام عليّ
فلم يشهد الجمل ولا صفين، وكان عند عمر مُعداً لكشف أمور الولاة في البلاد مات بالمدينة.
الأعلام ٩٧/٧، والإصابة ت٧٨٠٨، والبدء والتاريخ ١٢٠/٥، والكامل ٢/٣.
(١) هو كعب بن الأشرف الطائي ( ... - ٣ هـ =.
٠٠ - ٦٢٤م) من بني نبهان، شاعر جاهلي. كانت
أمه من ((بني النضير)) فدان باليهودية، وكان سيداً في أخواله. أدرك الإسلام ولم يُسلم، وأكثر من
هجو النبي ## وأصحابه، وتحريض القبائل عليهم وإيذائهم، والتشبيب بنسائهم، وخرج إلى مكة
بعد وقعة ((بدر) فندب قتلى قريش فيها، وحض على الأخذ بثأرهم، وعاد إلى المدينة. وأمر النبي
* بقتله فانطلق إليه خمسة من الأنصار، فقتلوه في ظاهر حصنه، وحملوا رأسه في مخلاة إلى
المدينة .
الأعلام ٢٢٥/٥، وإمتاع الأسماع ١٠٧/١ - ١٠٩، وابن الأثير ٥٣/٢، والطبري ٢/٣ والجمحي
٢٣٨.
(٢) استنوق: صار كالناقة في ذلّها. (اللسان ٣٦٢/١٠ مادة: نوق).
(٣) الصَّفار: الذل والضيم. (اللسان ٤٥٩/٤ مادة: صفر).

٣٠٣
تفسير سورة الحشر
ويقال: يُخَرّبون بيوتهم بأيديهم، وقلوبهم باتّباع شهواتِ نفوسِهم، ودِينهم بما
يمزجونه به من البدع.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَوْلَّآ أَنْ كَتَبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَّءَ لَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَأُ وَمْ فِ الْآَخِرَةِ
عَذَابُ النَّارِ﴾ .
لولا أن قضى اللَّهُ عليهم أن يخرجوا لعذّبهم اللَّهُ بالقتل والاستئصال، ثم في
الآخرة لهم عذاب النار.
﴿ذَلِكَ بِأَنَهُمْ شَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَّ وَمَن يُشَآَقِ اللَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
ذلك بأنهم خالفوا أمرَ الله. والمشاقّة أن يتحول المرء إلى شِقَّ آخر.
فالعاصي إذا انتقل من المطيعين إلى العاصين فقد شاقَّ الله، ولِمَنْ شاقّ الله
عذاب النار.
قوله جل ذكره: ﴿مَا قَطَعْتُم ◌ِّنِ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآَيِمَةٌ عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اَللَّهِ
وَلِيُخْرِىَ اَلْفَسِقِينَ﴾ .
اللّينة: كلٌّ نوع من النخيل ما عدا العجوة(١) والبَزْنِيّ(٢).
لمّا أمر رسولُ الله ◌َ بقَطْع بعض نخيل بني النضير قالت اليهود: ما فائدة
هذا؟!
فبقي المسلمون عن الجواب، فأنزل الله تعالى هذه الآية ليوضّح أن ذلك بإذن
الله .. فانقطعَ الكلامُ.
وفي هذا دليلٌ على أن الشريعةَ غيرُ مُعَلّلةٍ، وأنَّ الأمرَ الشرعيَّ إذا جاء بَطَلَ
التعليلُ، وسَكَتَتْ الألسنةُ عن المطالبة بـ ((لِمَ؟» وخُطُورُ الاعتراضِ أو الاستقباحِ
خروجٌ عن حَدِّ العرفان. والشيوخُ.
قالوا: مَنْ قال لأستاذِه وشيخه: ((لِمَ؟)) لا يفلح. وكلُّ مريدٍ يكون لأمثالٍ هذه
الخواطر في قلبِهِ جَوَلان لا يجيءُ منه شيءٌ. ومَنْ لم يتجرَّدْ قلبُه من طَلَبِ التعليل،
ولم يباشِرْ حُسْنَ الرضا بكلِّ ما يجري واستحسانَ ما يبدو من الغيب لِسِرِّه وقلبِه -
فليس من الله في شيء.
(١) العجوة: ضرب من أجود أنواع التمر بالمدينة أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد من غرس النبي
* ونخلتها تسمى لينة. (اللسان ٣١/١٥ مادة: عجا).
(٢) البرني: ضرب من التمر أحمر مشرب بصفرة كثير اللحاء عذب الحلاوة. (اللسان ٥٠/١٣ مادة:
يرن).

٣٠٤
تفسير سورة الحشر
قوله جل ذكره: ﴿َمَّ أَقَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَمُ عَلَى مَن يَهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَخٍْ قَدِيرٌ﴾ .
يريد بذلك أموالَ بني النضير، فقد كانت من جملة الفَيْء لا من الغنيمة؛
فالفيءُ ما صار إلى المسلمين من أموالِ الكفّارِ من غيرٍ قتالٍ ولا إيجافِ خَيْلٍ
ورٍكابٍ، وتدخل في جملته أموالُهم إذا ماتوا وصاروا إلى بيت المال. والغنيمة ما
كانت بقتالٍ وإيجاف خيلٍ وركابٍ. وقد خَصَّ رسولُ اللهِ وَل﴿ بأموالٍ هؤلاء فقراء
المهاجرين، واستأثر لنفسه بما شاء، فطابت نفوسُ الأنصارِ بذلك، وشَكَرَ الله
لهم. ذلك لأن تحرُّرَ القلب من الأعواضِ والأملاكِ صِفَةُ السادة والأكابر، ومَنْ
أسَرَتْهُ الأخطارُ وبقي في شُحِّ نَفْسِه فهو في تضييقه وتدنيقه، وهو في مصادقته
ومعاملته ومطالبته مع الناس دائماً يبحث في استيفاء حظوظه - وهذا ليس له من
مذاقات هذه الطريقة شيءٌ.
وأهلُ الصفاء لم تَبْقَ عليهم من هذه الأشياء بقيةٌ، وأمَّا مَنْ بَقِيَ عليه منها شيءٌ
فَمُتَرَسُمٌ (١) سُوقِيٍّ .. لَا مُتَحَقّقٌ صوفيٍّ.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَّاَ ءَالَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانَهُواْ وَتَّقُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
هذا أصل من أصولٍ وجوبِ متابعتِه، ولزومٍ طريقته وسيرته - وفي العِلْم
تفصيله.
والواجبُ على العبدِ عَرْضُ ما وقع له من الخواطر وما يُكاشَفُ به من الأحوال
على العلم - فما لا يقبله الكتابُ والسُّنَّة فهو في ضلال(٢).
قوله جل ذكره: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَقْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ
اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّْدِقُونَ﴾ .
يريد أن هذا الفيء لهؤلاء الفقراء الذين كانوا مقدارَ مائةٍ رجلٍ.
﴿يَتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ﴾ وهو الرزق ﴿وَرِضْوَانًا﴾ بالثواب في الآخرة.
وينصرون دين الله، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾: والفقيرُ الصادقُ هو الذي يترك كلَّ
سبب وعلاقة، ويفرغ أوقاته لعبادة الله، ولا يعطف بقلبه على شيء سوى الله، ويَقِفُ
مع الحقُ راضياً بِجَرَیَانٍ حُكْمِه فيه.
(١) القشيري يربط بين الصفاء والتصوف. (انظر الرسالة القشيرية ص٢٧٩ - ٢٨٣).
(٢) اللقاء بين الحقيقية والشريعة عنصر أساسي في مذهب القشيري. (انظر الرسالة ص٨٢، ٨٣).

٣٠٥
تفسير سورة الحشر
قوله جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا
يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِّعَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَنَّ ◌ِهِمْ خَاصَةٌ﴾ .
نزلت هذه الآية في الأنصار. ﴿تَبَوَّهُو أَذَّارَ﴾ أي سكنوا المدينة قبل
المهاجرين .. ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ من أهل مكة.
﴿وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ﴾ مما خُصِّصَ به المهاجرون من الفيء، ولا
يحسدونهم على ذلك، ولا يَعْترِضون بقلوبهم على حُكْم الله بتخصيص المهاجرين،
حتى لو كانت بهم حاجةٌ أو اختلالُ أحوالٍ.
﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
قيل نزلت الآية في رجلٍ منهم أُهْدِيَتْ له رأسُ شاةٍ فطاف على سبعة أبيات حتى
انتهى إلى الأول.
وقيل نزلت في رجلٍ منهم نزل به ضيفٌ فقرَّب منه الطعامَ وأطفأ السراجَ ليُوهِمَ
ضيفَه أنه يأكل، حتى يؤثِرَ به الضيفَ عَلَى نفسه وعَلَى عياله، فأنزل الله الآية في شأنه.
ويقال: الكريمُ مَنْ بنى الدار لضيفانه وإخوانه (واللئيمُ من بناها لنفسه).
وقيل: لم يقل اللَّهُ: ومَنْ يتَّقِ شحَّ نفسه بل قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ﴾
ويقال: صاحبُ الإيثارِ يُؤثر الشبعانَ على نفسه - وهو جائع.
ويقال: مَنْ مَيَّزَ بين شخصٍ وشخصٍ فليس بصاحبٍ إيثارٍ حتى يؤثِرَ الجميع دون
تمييز .
ويقال: الإيثار أنْ تَرَى أنَّ ما بأيدي الناسِ لهم، وأن ما يحصل في يدك ليس إلا
كالوديعة والأمانة عندك تنتظر الإذنّ فيها.
ويقال: مَنْ رأى لنفسه مِلْكاً فليس من أهل الإيثار.
ويقال: العابدُ يؤثر بدنياه غيرَه، والعارفُ يؤثر بالجنة غيرَه.
وعزيزٌ مَنْ لا يطلبُ مِنَ الحقّ لنَفْسِه شيئاً: لا في الدنيا من جاهٍ أو مالٍ، ولا في
الجنّة من الأفضال، ولا منه أيضاً ذَرَّةً من الإقبال والوصال وغير ذلك من الأحوال.
وهكذا وصفُ الفقير؛ يكون بسقوطِ كلِّ أُرَبٍ.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَّذِينَ جَدُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَِنَا
الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا ◌ِلَا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أي والذين هاجروا من بعدهم، ثم أجيالُ المؤمنين من بعد هؤلاء إلى يوم
القيامة .. كلهُم يَتَرَحّمون على السلف من المؤمنين الذين سبقوهم، ويسلكون طريقَ

٣٠٦.
تفسير سورة الحشر
الشفقة على جميع المسلمين، ويستغفرون لهم، ويستجيرون من الله أن يجعلَ لأحدٍ
من المسلمين في قلوبهم غِلًا أي حِقْداً. ومَنْ لا شفقةً له على جميع المسلمين فليس
له نصیبٌ من الدِین.
قوله جل ذكره: ﴿﴿ أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَيِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَبٍ لَبِنْ أُخْرِجْتُمْ لَخْرُجََ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُ أَحَدًا أَبَدًّا وَإِن قُوْتِلْتُمْ لَنَصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَنْهَدُ
إِنَّهُمْ لَكَذِبُنَ﴾ .
يريد بهم منافقي المدينة؛ ظاهروا بني النضير وقريظة، وعاهدوهم على الموافقة
بكلٌ وَجْهٍ، فأخبر اللَّهُ - سبحانه - أنهم ليسوا كما قالوا وعاهدوا عليه، وأخبرَ أنَّهم لا
يتناصرون، وأنَّهم يتخاذلون، ولئنْ ساعدوهم في بعضٍ الحروب فإنهم يتخاذلون إن
رأوهم ينهزمون أمام مَنْ يجاهدونهم(١).
قوله جل ذكره: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ فِ صُدُورِهِم مِّنَ اَلَهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
يَفْقَهُونَ﴾ .
أخبر - سبحانه - أن المسلمين أشدُّ رهبةً في صدورهم من الله، وذلك لِقلَّةٍ
يقينهم، وإعراضٍ قلوبهم عن الله .
قوله جل ذكره: ﴿لَا يُقَدِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِ قُرَّى تَُّصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَّهِ جُدٍُّ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ
شَدِيدٌ﴾.
أخبر أنهم لا يجسرون على مقاتلة المسلمين إلَّا مُخاتلةً، أو من وراء جدرانٍ.
وإنما يشتدُّ بأسُهم فيما بينهم، أي إذا حارب بعضُهم بعضاً، فأمَّا معكم .. فلا.
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقََّّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْفِلُونَ﴾ .
اجتماعُ النفوس - مع تنافرُ القلوب واختلافها - أصلُ كلَّ فساد، وموجِبُ كُلِّ
تخاذُل، ومقتضى تجاسُرٍ العدوّ.
واتفاقُ القلوبِ؛ والاشتراكُ في الهِمَّةِ؛ والتساوي في القَصْدِ يُوجِبُ كُلَّ ظَفَرٍ
وكلَّ سعادة .. ولا يكون ذلك للأعداء قطّ؛ فليس فيهم إلا اختلالُ كلِّ حالٍ،
وانتقاضُ كلّ شَمْلٍ.
قوله جل ذكره: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَرِيَا ذَاقُواْ وَيَالَ أَمْرِهِمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
مَثَلُ بني قُرَيظة كمثل بني النضير؛ ذاق النضير وَبالَ أمرِهم قبل قريظة بِسَنَّةٍ؛
وذاق قريظة بعْدَهم وبال أمرهم.
(١) الآية (١٢) لم ترد.

٣٠٧ .
تفسير سورة الحشر
قوله جل ذكره: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ فَلَّا كَفَرَ قَالَ إِنِى بَرِىٌّ
مِنْكَ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾.
أي مَثَلُ هؤلاء المنافقين مع النضير - في وَغْدِهم بعضهم لبعض بالتناصر ﴿كَمَثَلٍ
الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِسَنِ﴾ .
وكذلك أربابُ الفترة وأصحاب الزَّلَّة وأصحاب الدعاوى .. هؤلاء كلُّهم في
درجة واحدة في هذا الباب - وإن كان بينهم تفاوت - لا تنفع صُحْبَتُهم في الله؛ قال
تعالى: ﴿اَلْأَخِلَّءُ يَوْمَيِمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوُّ إِلَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] وكلُّ أحدٍ -
اليومَ - يأَلَفُ شَكْلَه؛ فصاحبُ الدعوى إلى صاحب الدعوى، وصاحبُ المعنى إلى
صاحب المعنى(١).
قوله جل ذكره: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّقُواْ اللّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَأَتَّقُواْ اللّهّ
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
التقوى الأولى على ذكر العقوبة في الحال والفِكْرِ في العملِ خَيْرِهِ وشَرِّه(٢).
والتقوى الثانية تقوى المراقبة والمحاسبة، ومَنْ لا محاسبة له في أعماله ولا
مراقبة له في أحواله .. فعَنْ قريب سيفتضح(٣).
وعلامةُ مَنْ نَظَرَ لِغْدِه أن يُحْسِنَ مراعاةً يومِه؛ ولا يكون كذلك إلَّا إذا فَكَّرَ فيما
عَمِلَه في أمْسِه والناس في هذا على أقسام: مُفَكِّرٌ في أمْسِه: ما الذي قُسِمَ له في
الأزل؟ وآخر مفكّر في غده: ما الذي يلقاه؟؟ وثالثٌ مُسْتَقِلُّ بوقته فيما يلزمه في هذا
الوقت فهو مُصْطَلَمْ عن شاهده موصولٌ بربِّهِ، مُنْدَرَجٌ في مذكوره؛ لا يتطلَّغْ لماضيه
ولا لمستقبله، فتوقيتُ الوقتِ يشغله عن وقته(٤).
قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تَكُنُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللّهَ فَأَنْسَنُهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
تركوا طاعتَه فَتَرَكَهم في العذاب؛ وهو الخذلان حتى لم يتوبوا ﴿أُوْلَكَ هُمُ
اَلْفَسِقُونَ﴾ .
(١) الآية (١٧) لم ترد.
(٢) انظر الرسالة القشيرية ص ٦٩ (الغيبة والحضور).
(٣) انظر حديث القشيري عن المراقبة بالرسالة القشيرية ص ١٨٩، ١٩٢.
(٤) قال القشيري برسالته عند حديثه عن الوقت: يقولون: الصوفي ابن وقته، يريدون بذلك أنه مشتغل
بما هو أولى به في الحال، قائم بما هو مطالب به في الحين، ويقولون: فلان بحكم الوقت أي أنه
مستسلم بما يبدو له من الغيب من غير اختيار له. ومن ساعده الوقت فالوقت له وقت دومن ناكده
الوقت فالوقت عليه مقت. (الرسالة القشيرية ص ٥٥، ٥٦).

٣٠٨
تفسير سورة الحشر
قوله جلّ ذكره: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ
اٌلْفَآيِزُونَ﴾ .
لا يستوي أهلُ الغفلةِ مع أهل الوصلة.
وأصلُ كلِّ آفةٍ نسيانُ الربِّ، ولولا النسيان لما حَصَلَ العصيان، والذي نسِيَ أمرَ
نَفْسِه فهو الذي لا يجتهد في تحصيل توبته، ويُسَوِّفُ فيما يُلْزِمَهُ به الوقتُ من طاعته.
قوله جل ذكره: ﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةٍ
اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾.
أي لو كان للجبلِ عقلٌ وصلاحُ فِكْرٍ وسِرٌّ، وأنزلنا عليه هذا القرآن لخَضَعَ
وخَشَعَ. ويجوز أن يكون على جهة ضرب المثل كما قال: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَّرْنَ
مِنْهُ﴾ [مريم: ٩٠] ويدل عليه أيضاً قوله.
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُهَا لِلنَّاسِّ﴾: ليعقلوا ويهتدوا، أي بذلك أمَرْناهم،
والمقصود بيان قسوة قلوبهم عند سماع القرآن.
ويقال: ليس هذا الخطابُ على وَجْهِ العتابِ معهم، بل هو على سبيل المدح
وبيان تخصيصه إيَّهم بالقوة؛ فقال: ﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا أَلْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ﴾ لم يُطِقْ ولخَشَع -
وهؤلاء خَصَصْتُهم بهذه القوة حتى أطاقوا سماع خطابي.
قوله جل ذكره: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ
الرَّحِيمُ﴾.
﴿اَلْغَيْبٍ﴾: ما لا يُعْرَفُ بالضرورة، ولا يُعْرَف بالقياس من المعلومات. ويقال:
هو ما استأثر الحقُّ بعِلْمِه، ولم يجعل لأحدٍ سبيلاً إليه.
﴿ وَالشَّهَدَةِ﴾: ما يَعْرِفُه الخَلْقُ.
وفي الجملة: لا يَعْزُبُ عن عِلْمِه معلومٌ.
قوله جل ذكره: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ
اَلْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَنَّارُ الْمُتَكَبِّرُّ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿الْمَلِكُ﴾: ذو القدرة على الإيجاد.
﴿الْقُدُّوسُ﴾: المُنَزَّهُ عن الآفة والنقص.
﴿السَّلَمُ﴾: ذو السلامة من النقائص، الذي يُسَلِّمُ على أوليائه، والذي سَلِمَ
المؤمنون من عذابه .
﴿الْمُؤْمِنُ﴾: الذي يُصَدق عَبْدُه في توحيده فيقول له: صَدَقْتَ يا عبدي.

٣٠٩
تفسير سورة الحشر
والذي يُصَدِّق نفسه في إخباره أي يعلم أنه صادق.
ويكون بمعنى المصدق لوعده. ويكون بمعنى المخبر لعباده بأنه يُؤمِّنهم من
عقوبته .
﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: الشاهد، وبمعنى الأمين، ويقال مؤيمن (مُفَيْعِل) من الأمن قلبت
همزته هاءً وهو من الأمان، ويقال بمعنى المؤمن.
﴿اَلْعَزِيزُ﴾: الغالبُ الذي لا يُغْلَب، والذي لا مثيلَ له، والمستحق لأوصاف
الجلال، وبمعنى: المُعِزّ لعباده. والمَنِيعَ الذي لا يَقْدِرُ عليه أحد.
﴿اَلْجَبَّارُ﴾: الذي لا تصل إليه الأيدي. أو بمعنى المُصْلِحِ لأمورهم من: جَبَرَ
الكَسْرَ. أو بمعنى القادر على تحصيل مراده مِنْ خَلْقِه على الوجه الذي يريده من:
جَبَرْتُه على الأمر وأجبرته .
﴿الْمُتَكَبِرُ﴾: المتقدّس عن الآفات.
قوله جل ذكره: ﴿هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ اَلْبَارِئُ اَلْمُصَوِّرِّ لَهُ الْأَسْمَّةُ الْحُسْنَىّ يُسَيِّحُ لَهُ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
هو المنشىء للأعيان والآثار.
﴿لَهُ أَلْأَسْمَلَُّ الْحُسْنِىُّ﴾ المُسَمِّيات الحِسَان.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: مضى معناهما، وقد استقصينا الكلام في معاني هذه
الأسماء (في كتابنا المسمَّى: ((البيان والأدلة في معاني أسماء الله تعالى))).

سورة الممتحنة
قوله جل ذكره: ﴿نِسْمِ اللَّهِ الرََّبِ الرَّحَـ
(بسم الله)) اسم مَلِكِ لا أصلَ لمُلْكِه عند حَدَث ولا نَسْلَ له، فعَنْهُ يَرِث. ملكٍ
لا يَسْتَظْهِرُ بجيشٍ وعُدَد، ولا يتعزّزُ بِقَوْم وعَدَد. ملكِ للخَلْقِ بأجمعِهِم - لكنه اختار
قوماً - لا لينتفِعَ بَهم - بل لِنَفْعِهم، وردّ آخرين وأُذَلَّهم بمَنْعِهم ووَضْعِهم:
قوله جل ذكره: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَّءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ
وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جََّكُمْ مِنَ الْحَمِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ يَّهِ رَّكُمْ إِن كُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِ
سَبِيلِى وَأَبْتِغَاءَ مَرْ ضَائِ﴾ .
قال ◌َ: ((أعدى عدوك نَفْسُك التي بين جنبيك))(١) وأوحى الله سبحانه إلى داود
عليه السلام: ((عادِ نَفْسَك فليس لي في المملكة مُنَازِعٌ غيرها)). فَمَنْ عادَى نَفسّه فقد
قام بحقُ الله، ومَنْ لم يعادِ نفسه لَحِقَتْه هذه الوصمة (٢). وأصلُ الإيمانِ الموالاةُ
والمعاداةُ في الله ومَنْ جَنَحَ إلى الكفار أو إلى الخارجين عن دائرة الإسلام انحاز إلى
جانبهم .
قوله جل ذكره: ﴿وَأَنْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَقْعَلَّهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءُ
السّیلِ﴾ .
أنا أعلم ﴿يِمَاً أَخْفَيْتُمْ﴾ من دقائقِ التصنَعِ وخَفِيَّات الرياء.
﴿وَمَّا أَعْلَئُمْ﴾ من التزيّن للناس.
﴿يِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من الاستسرار بالزّلة، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾، من الطاعة والبِرِّ.
﴿يِمَاً أَخْفَيْتُمْ﴾ من الخيانة ﴿وَمَآ أَعْلَنتُمْ﴾ من الأمانة.
(١) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٠٦/٧، ٣٣/٩)، والعراقي في (المغني عن حمل
الأسفار ٤/٣).
قال القشيري في رسالته عند حديثه عن النّفْس: ليس المراد من إطلاق لفظ النفس الوجود ولا القالب
الموضوع، إنما أرادوا بالنفس ما كان معلولاً من أوصاف العبد، ومذموماً من أخلاقه وأفعاله. (الرسالة
القشيرية ص٨٦، ٨٧).
(٢) الوصمة: العيب والعار.
٣١٠

٣١١
تفسير سورة الممتحنة
﴿يِمَا أَغْفَيْتُمْ﴾ من الغِلِ والغِشُ للناس، ﴿وَمَآ أَعْلَهُمْ﴾ من الفضيحةِ للناس.
﴿يِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من ارتكاب المحظورات، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ من الأمرِ بالمعروف.
﴿بِمَآ أَغْفَيْتُمْ﴾ من تَرْكِ الحشمة مني وقلة المبالاة باطلاعي، وما أعلنتم من تعليم
الناسٍ ووَغْظِهِمْ.
﴿وَمَن يَفْعَلَّهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّيِلِ﴾ فقد حاد عن طريق الدين، ووَقَعَ في
الكفر .
قوله جل ذكره: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاءَ وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَبْدِيَهُمْ وَأَلْسَِهُم ◌ِاَلْتُوْهِ وَوَدُّواْ
لَوْ تَكْفُرُونَ لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ﴾ .
إنْ يَظْفَروا بكم وصادفوكم يكونوا لكم أعداء، ولن تَسْلّموا من أيديهم بالسوءِ
ولا من ألسنتهم بالذمٌ وذكْرِ القبيح.
﴿وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾: ولن يَنْفَعَكُم تَوَدُّدُكُم وتَقَرَّبُّكُم إليهم، ولا ما بينكم وبينهم
من الأرحام. ثم عقوبة الآخرةَ تُدْرِكُكُم.
وكذلك صفة المخالف، ولا ينبغي للمرء أن يتعطّش إلى عشيرته - وإن داهَنَتْه
في قالَةٍ، ولا أن ينخدعَ بتغريرها - وإنْ لا يَنْتَه في حالة.
قوله جل ذكره: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ فِىَ إِنَزِيمَ وَالَّذِيْنَ مَعَهُ: إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِمْ إِنَّا
بُرَؤْ مِنْكُمْ وَمَِّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَِّ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبْدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ
بَلَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِتَزْهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الِّ مِن شَىْءٍ﴾ .
أي لكم قُدْوَةٌ حسنةٍ بإبراهيم ومَنْ قبله من الأنبياء حيث تبرَّؤوا من الكفار من
أقوامهم؛ فاقْتَدُوا بهم .. إلّا استغفار إبراهيم لأبيه - وهو كافر - فلا تقتدوا به.
ولَا تَسْتَغْفِروا للكفار. وكان إبراهیمُ قد وعده أبوه أنه يُؤمِن فلذلك کان یستغفر
له، فَلَمَّا تَبَيِّنَ له أنه لن يُؤْمِنَ تَبرّأ منه.
ويقال: كان منافقاً .. ولم يَعْلَمْ إبراهيم ذلك وقتَ استغفاره له.
ويقال: يجوز أنه لم يعلم في ذلك الوقت أنَّ الله لا يغفر للكفار.
والفائدةُ في هذه الآية تخفيفُ الأمر على قلب الرسول ﴿﴿ والمؤمنين بتعريفهم
أنَّ مَنْ كانوا قبلهم حين كَذَّبوا بأنبيائهم أهلكهم الله، وأنهم صبروا، وأنه ينبغي لذلك
أن يكونَ بالصبرِ أمرُهم.
قوله جل ذكره: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
أخبر أنهم قالوا ذلك.

٣١٢
تفسير سورة الممتحنة
ويصحُّ أن يكون معناه: قولوا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَلْنَا﴾
وقد مضى القولُ في معنى التوكل والإنابةُ.
قوله جل ذكره: ﴿رََّ لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةُ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَأَغْفِرْ لَنَا رَبََّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
المَكِيمُ﴾ .
ربّنا لا تُظْفِرهم بنا، ولا تُقَوِّهم علينا.
والإشارة في الآية: إلى الأمرِ بِسُنَّةِ إبراهيم في السخاء وحُسْنِ الخُلُقِ والإخلاصِ
والصدق والصبرِ وكلّ خصلةٍ له ذَكَرَها لنا(١).
قوله جل ذكره: ﴿﴿ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ يَتَتَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ قَوَدَّةُ وَاللّهُ قَدِيرٌّ وَاللهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
وقفهم في مقتضى قوله تعالى: ﴿عَسَى اَللَّهُ﴾ عند حدِّ التجويز .. لا حُكْماً
بالقَطْعِ، ولا دَفْعَ قلبٍ باليأس .. ثم أمَرَهم بالاقتصاد في العداوة والولاية معهم
بقلوبهمَ، وعرَّفهم بوقوع الأمر حسب تقديره وقدرته، وجَرَيانِ كلِّ شيءٍ على ما يريد
لهم، وصَدَّق هذه الترجية بإيمان مَنْ آمَنَ منهم عند فتح مكة، وكيف أسلم كثيرون،
وحصل بينهم وبين المسلمين مودةٌ أكيدة.
قوله جل ذكره: ﴿لَا يَنْهَنْكُ اَللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَّم ◌ُحِبُوكُم ◌ِّنْ دِیَلِكُمْ أَن
تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُوْ إِلَهِمّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَلُكُمْ فِ اٌلِذِيْنِ وَلَغْرَجُوكُم مِّن
◌ِيَِّكُمْ وَظَهَرُوا عَلَى إِخْرَاِكُمْ أَن تَوَّْهُمْ وَمَن يَنَوَُّمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَِّمُونَ ﴾ .
أمَرَهُم بشدة العداوة مع أعدائهم على الوجه الذي يفعلونه، وأمّا من كان فيهم ذا
خُلُقٍ حَسَنٍ، أو كان منه للمسلمين وجهُ نَفْع أو رِفْقٍ - فقد أمَرَهم بالملاينة معه.
والمُؤْلَّفَةُ قلوبهم (٢) شاهدٌ لهذه الجملة، ((فإنَّ الله يحب الرُّفق في جميع الأمور))(٣).
(١) الآية (٦) لم ترد.
(٢) المؤلفة قلوبهم: قوم من سادات العرب أمر الله تعالى نبيه ولا في أول الإسلام بتألفهم أي بمقاربتهم
وإعطائهم ليرغْبوا من وراءهم في الإسلام فلا تحملهم الحمية مع ضعف نياتهم على أن يكونوا إلباً
مع الكفار على المسلمين، وقد نفّلهم النبي يوم حُنين بمائتين من الإبل تألفاً لهم. منهم
الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس وغيرهما. (لسان العرب ١١/٩ مادة: ألف).
(٣) أخرجه البخاري في (الصحيح ١٤/٨، ٧١، ١٠٤)، ومسلم في الصحيح (السلام ١٠)، والترمذي
في (السنن ٢٧٧١)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٣٦/٦، ٣٧، ٨٥، ١٩٩)، والبيهقي في (السنن
الكبرى ٢٠٣/٩) والدارمي في (السنن ٣٢٣/٢)، والطبراني في (المعجم الكبير ١٠/٢٨)،
والهيثمي في (مجمع الزوائد١٩/٨)، وابن حجر في (فتح الباري ٤٤٩/١٠، ٤١/١١، ١٩٤)،
والسيوطي في (جمع الجوامع ٥١٩٤) والمتقي الهندي في (كنز العمال ٥٣٣٣)، والخطيب البغدادي=

٣١٣
تفسير سورة الممتحنة
قوله جل ذكره: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا ◌ََّحِكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَنَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ
بِمِنْ فَإِنْ عَلِمْتُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ .
كان النبيُّ ◌َّ يمتحنهن باليمين، فَيَحْلِفَنَّ إنَّهن لم يخرجن إلَّا لله، ولم يخرجن
مغايظةً لأزواجهن، ولم يخرجن طمعاً في مالٍ.
وفي الجملة: الامتحانُ طريقٌ إلى المعرفة، وجواهرُ الناس تتبيَّن بالتجربة. ومَنْ
أَقْدَمَ على شيءٍ من غير تجربة تَحَسَّ كأسَ الندم.
﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَِّ﴾.
لا توافِقوا مَنْ خالَفَ الحقَّ في قليل أو كثير (١).
قوله جل ذكره: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا
يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَلْنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَبْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي
مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ..
إذا جاءك النساء يبايعنك على الإسلام فطالِبْهُنَّ وشارِطُهُنَّ بهذه الأشياء:
تَرْك الشّرك، وترك السرقة والزنا وقتل الأولاد والافتراء في إلحاق النَّبِ، وألا
يعصينك في معروفٍ؛ فلا يخالفنك فيما تأمرهن به، ويدخل في ذلك تَرْكُ النياحةِ
وشقُّ الجيوب ونَتْفُ الشَّعْرِ عند المصيبة وتخميش(٢) الوجوه والتبرُّجُ(٣) وإظهارُ
الزينة .. وغير ذلك مما هو من شعائر الدِّين في الجملة.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَوْ قَوْمًا غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ
اُلَآَخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَعْخَبِ الْقُرِ﴾.
الذين غضب الله عليهم هم الكفار. يئسوا من الآخرة كما يئسَ أصحاب القبور
أن يعودوا إلى الدنيا ويُبعثوا (بعد ما تبينوا سوء منقلبهم).
ويقال: كما يئس الكفار حين اعتقدوا أن الخَلْقَ لا يُبْعَثُون في القيامة .
في (تاريخ بغداد ١٠/٤)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٤٥/٨، ١٦٤)، والبغوي في (شرح
=
السنة ٧٣/١٣) وعبد الرزاق في (المصنف ٩٨٣٩، ١٩٤٦٠)، وابن عساكر في (تهذيب تاريخ دمشق
٢٦/٣) والبخاري في (التاريخ الكبير ٨٤/٤)، والبخاري في (الأدب المفرد ٤٦٢)، وأبو نعيم في
(حلية الأولياء ٣٥٠/٦).
(١) الآية (١١) لم ترد.
(٢) الخمش: الخدش يظهر في الوجه وغيره (ج) خموش.
(٣) التبرّج: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال. (اللسان ٢١٢/٢ مادة: برج).

سورة الصف
قوله جل ذكره: ﴿يَسْمِ أَللَّهِ اَلَنِ الرَّحَِيمِ﴾.
((بسم الله)) كلمة مَنْ وقفه اللَّهُ لعرفانها لم يَصْبِرْ عن ذكرها بلسانه ثم لا يفتر حتى
يصلَ إلى المُسَمَّى بها بِجِنَانِه: في البداية بتأمُّل برهانه لمعرفة سلطانه، ثم لا يزال
يزيده في إحسانه حتى ينتهي في شأنه بالتحقق مما هو كعيانِه.
قوله جل ذكره: ﴿سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
مَنْ أراد أنْ يصفوَ له تسبيحُه فَلْيُصَفِّ قلبَه من آثار نَفْسِهِ، ومَنْ أراد أن يَصْفُوَ له
في الجنَّةِ عَيْشُه فَلْيُصَفِّ من أوضارٍ (١) ذَنْبِهِ نَفْسَه.
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ
أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا نَفْعَلُونَ﴾ .
جاء في التفاسير أنهم قالوا: لو عَلِمْنا ما فيه رضا الله لَفَعَلْنا ولو فيه كل جهد ..
ثم لمَّا كان يومُ أَحُدُ لم يثبتوا، فنزلت هذه الآية في العتاب.
وفي الجملة: خلفُ الوعدِ مع كلٌّ أحَدٍ قبيحٌ، ومع الله أقبح.
ويقال إظهارُ التجلَّدِ من غير شهود مواضِع الفقر إلى الحقِّ في كلُ نَفَسٍ يؤذِنُ
بالبقاء عمَّا حصل بالدعوى .. والله يحب التبرِّي من الحوْلِ والقوة.
ويقال: لم يتوعَّد - سبحانه - زَلَّةٍ بِمِثْلٍ ما على هذا حين قال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ
اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا نَفْعَلُونَ﴾.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفًّا كَنَّهُمْ بَلْيَنٌ
قَرْصُوصٌ﴾ .
المحبةُ توجِبُ الإثارَ، وتقديم مُرَادٍ حبيبك عَلَى مُرَادٍ نَفْسِك، وتقديم
محبوب حبيبك على محبوبٍ نَفْسِك. فإذا كان الحقُّ تعالى يحبُّ من العبدِ أن
يُقاتِلَ على الوجه الذي ذكره فَمَنْ لم يُؤثِرْ محبوبَ الله على محبوب نَفْسِه - أي
(١) الأوضار: (ج) الوضر: الوسخ من الدسم أو غيره.
٣١٤

٣١٥
تفسير سورة الصف
على سلامته - انسلخ من محبته لربّه، ومَنْ خلا من محبةِ الله وَقَعَ في الشِّق الآخر،
في خسرانه .
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِىِ وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّ رَسُولُ
اللَّهِ إِلَيْهِكُّ فَلَمَا زَاغُواْ أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِفِينَ﴾.
لمَّا زاغوا بِتَركِ الحدّ أزاغ اللَّهُ قلوبهم بنقض العهد.
ويقال: لمَّا زاغوا عن طريق الرُّشْدِ أزاغ الله قلوبَهم بالصدِّ والردُّ والبُعْدِ عن الوُدِّ.
ويقال: لما زاغوا بظواهرهم أزاغ الله سرائرهم.
ويقال: لمَّا زاغوا عن خدمة الباب أزاغ اللَّهُ قلوبهم عن التشوُّق إلى البساط.
ويقال: لمَّا زاغوا عن العبادة أزاغ اللَّهُ قلوبَهم عن الإرادة.
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْبَ يَبَنِيّ إِسْرَّوِيلَ إِى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُرُ مُصَدِّقًا لِّمَا
بَيْنَ يَدَّ مِنَ النَّوْرَةِ وَمُبَشِرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ أَخَذٌّ فَمَا جَآءَهُم بِلْبِنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُِّينٌ﴾ .
بَشَّرَ كلُّ نبِيٍّ قومَه بِنَبِيِّنا وَ﴿، وأفرد الله - سبحانه - عيسى بالذِّكْرٍ في هذا
الموضع لأنه آخِرُ نبيِّ قبل نبيِّنا وَ *: فبيَّن بذلك أن البشارة به عَمَّتْ جميعَ الأنبياء
واحداً بعد واحد حتى انتهت بعيسى عليه السلام(١).
قوله جل ذكره: ﴿يُرِدُونَ لِيُعْفِتُوْ نُرَ اللَّهِ بِأَفْوَِهِمْ وَهُ مُ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ﴾.
فَمَنْ احتال لوَهنه، أو رامَ وهْيَه انعكس عليه كَيْدُه، وانتقض عليه تدبيرُه.
﴿وَيَأْبَ اللَّهُ إِلَّ أَنْ يُتِزَ نُرَهُ﴾: كما قالوا:
كلامُ العِدَى ضَرْبٌ من الھَذَیانِ
ولله سِرِّ في عُلاهُ وإنما
كأنه قال: مَنْ تمنَى أن يُطْفِىءَ نورَ الإسلام بكيده كمن يحتال ويزاول إطفاء
شعاع الشمس بنَفْته ونَفْخِه فيه - وذلك من المُحال.
قوله جل ذكره: ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُمْ بِالْمُدَى وَدِينِ الْحِّ لِبُظْهِرَعُ عَلَى الَّذِينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرَ
الْمُشْرِكُنَ﴾ .
لمَّا تقاعد قومُه عن نصرته، وانبرى أعداؤه لتكذيبه، وجحدوا ما شاهدوه من
صِدْقِهِ قَيَّض الله له أنصاراً من أمته هم: نُزَّاعُ القبائل، والآحادُ الأفاضل، والساداتُ
الأماثل، وأفرادُ المناقب ـ فبذلوا في إعانته ونصرة دينه مُهَجَهم، ولم يُؤثِروا عليه
شيئاً من كرائمهم، ووقوه بأرواحهم، وأمَدَّهم اللَّهُ سبحانه بتوفيقه كي ينصروا
(١) الآية (٧) لم ترد.

٣١٦
تفسير سورة الصف
دينه، أولئك أقوامٌ عَجَنَ الله بماء السعادة طِينَتَهم، وخَلَقَ من نور التوحيد أرواحهم
وأهَلَّهم يومَ القيامة للسيادة على أضرابهم.
ولقد أرسل الله نبيَّه لدينه مُوَضِّحاً، وبالحقُّ مُفْصِحاً، ولتوحيده مُعْلِناً،
ولجهده في الدعاء إليه مستفرِغاً .. فأقْرَعَ بنُضحِه قلوباً نُكْراً، وبصَّرَ بنور تبليغه
عيوناً عُمْياً .
قوله جل ذكره: ﴿يَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَثْلُكُمْ عَلَى فِيَزَقْرِ ثُحِكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمِ نُؤْمِنُنَ بِالَِّ
وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِى سَبِ اللّهِ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَرٌ لَّكُ إِن كُمْ نَقْلُونَ ﴾ .
٠
سمَّى الإيمانَ والجهادَ تجارةً لِمَا في التجارة من الرُّبح والخسران ونوعٍ تَكسُّبِ
من التاجر - وكذلك: في الإيمان والجهاد رِبْحُ الجنَّة وفي ذلك يجتهدَ العبد،
وخسرانها إذا كان الأمرُ بالضّدُ.
وقوله: ﴿نُّؤْيُونَ بِاللهِ﴾ أي في ذلك جهادُكم وإيمانُكم واجتهادُكم، وهو خيرٌ
لكم.
ثم بَيَّن الربحَ على تلك التجارة ما هو فقال:
﴿يَغْفِرْ لَكُرْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْيِكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِئٍ مِنْ غَِهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَكِنَ طِبَةً فِى جَّتِ عَدْنٍّ ذَلِكَ الْغَوَرُ
الْعَظِيمُ﴾ .
قدَّم ذِكْرَ أهمِّ الأشياء - وهو المغفرة. ثم إذا فرغَتْ القلوبُ عن العقوبة قال:
﴿﴿وَيُدْ ◌ِلْكُمْ جَتٍ﴾ فبعد ما ذَكَرَ الجنَّةَ ونعيمَهَا قال: ﴿وَمَسَكِنَ طَنِيَةٌ﴾، وبماذا تطيب
تلك المساكن؟ لا تطيب إلَّا برؤية الحقُ سبحانه، ولذلك قالوا:
إذا غِبْتُمو عنها ونحن حضورٌ
أجيرانَنَا ما أوحشَ الدارَ بعدكم
ليس إلا بكم يتمُّ السرورُ
نحن في أكمل السرورِ ولكنْ
أنكم غُيَّبٌ ونحن حضورُ
عيبُ ما نحن فيه يا أهلَ ودي
قوله جل ذكره: ﴿وَأُخْرَىْ تُمُونَهَا نَصْرٌ بِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ غَرِبُّ وَبَثِيرِ الْمُؤْمِينَ﴾.
أي ولكم نعمة أخرى تحبونها: نصرّ من الله؛ اليومَ حِفْظُ الإيمان وتثبيتُ الأقدام
على صراط الاستقامة، وغداً على صراط القيامة.
﴿وَفَنَحٌ فَرِيبٌ﴾: الرؤية والزلفة. ويقال الشهود. ويقال: الوجود أبدَ الأبَد.
﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بأنهم لا يبقون عنك في هذا التواصل.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُنُواْ أَنْصَارَ اَللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ

٣١٧
تفسير سورة الصف
أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّ قَالَ الْخَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَمَنْت ◌َآَيِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ وَكَفَرَت ◌َةٌ فَأَدْنَا الَِّينَ
ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَضْبَحُواْ ظَِنَ﴾ .
أي كونوا أنصاراً لدينه ورسوله كما أنَّ عيسى لمَّا استعانَ واستنصرَ الحواريين
نصروه. فانصروا محمداً إذا استنصركم.
ثم أخبر أنَّ طائفةً من بني إسرائيل آمنوا بعيسى فأُكْرِموا، وطائفةً كفروا فأُذِلُوا،
وأظفرَ أولياءَه على أعدائه .. لكي يعرف الرسولُ وَِّ أنَّ الله سبحانه يُظْفِرُ أولياءَه على
أعدائه .

سورة الجمعة
قوله جل ذكره: ﴿يِسْمِ اللَّهِ الرََّلِ الرَـ
.﴾.
(بسم الله)) اسم عزيز إذا تجلّى لقلبٍ عَبْدٍ بوصفٍ جمالِه تجمعت أفكارُه على
بساط جُودِه فلم يتفرَّق بسواه(١) .
ومَنْ تجلّى لِسِرّه بنعت جلالِهِ اندرجت جملتُه، واستُهْلِكَ في وجوده فلم يشعر
بكرائم دُنْياه ولا بعظائم عُقْباه .
وكم له من إنعام! وكم له من إحسان! وكم في أمثالهم: ((جرى الوادي فطمَّ
على القَرِيِّ))(٢).
قوله جل ذكره: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾.
تَسْبَحُ في بحارِ توحيد الحقُّ أسرارُ أهلِ التحقيق، وبَخْرُهم بلا شاطىء؛ فبعد ما
حصلوا فيها فلا خروجَ ولا براحَ، فحازت أيديهم جواهرَ التفريد فرصَّعوها في تاج
العرفان كي يَلْبَسُوهُ يومَ اللِّقاء.
﴿الَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.
﴿الَلِكِ﴾: الملك المتفرُّد باستحقاق الجبروت.
﴿الْقُدُّوسِ﴾: المُنزَّهُ عن الدرك والوصول: فليس بيد الخَلْقِ إلَّا عرفان الحقائق
بنعت التعالي، والتأمل في شهود أفعاله، فأمَّا الوقوف على حقيقة أنّيته - فقد جَلَّتْ
الصمديةُ عن إشرافٍ عليه، أو طمع إدراكٍ في حالٍ رؤيته، أو جواز إحاطةٍ في العِلْم
به .. فليس إلا قالة بلسانٍ مُسْتَقْطقٍ، وحالة بشهودٍ حقٌّ مستغرق.
وقُلْنَ لنا: نحن الأهِلَّة إنما
نُضيءُ لِمَنْ يَسْرِي بليلٍ ولا نَقْرِي
قوله جل ذكره: ﴿هُوَ اَلَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَّيِّئِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَدِهِ. وَيُزَِّهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتَبَ وَاْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلٍَ مُبِينٍ﴾ .
(١) انظر حديث الجمع والفرق للقشيري برسالته ص ٦٤، ٦٧.
(٢) القَرِيُّ: مجرى الماء في الروض (ج) أقرية وقُريان. (اللسان ١٧٩/١٥ مادة: قر!).
٣١٨

٣١٩
تفسير سورة الجمعة
جرَّده عن كلِّ تكلّفٍ لِتَعَلُّم، وعن الاتصافِ بتطَلْبٍ. ثم بَعَثَّه فيهم وأظْهَرَ عليه
من الأوصاف ما فاق الجميع.
فكما أيْتَمَهُ في الابتداء عن أبيه وأمِّه، ثم آواه بلُطْفِه - وكان ذلك أبلغَ وأتمّ - فإنه كذلك
أفرده عن تكلُّفِه العلم - ولكن قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ﴾ [النساء: ١١٣].
وقال: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ اَلْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْتَهُ نُورًا﴾ [الشورى: ٥٢]
ألبسه لباسَ العِزَّة، وتوجّه بتاجِ الكرامة، وخَلَعَ عليه حُسْنَ التولِّي. لتكونَ آثارُ البشرية
عنه مندرجة، وأنوارُ الحقائق عليه لائحة.
﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
أي بَعَثَه في الأميين، وفي آخرين منهم وهم العجم، ومن يأتي .. إلى يوم
القيامة؛ فهو رَ﴿﴿ مبعوثٌ إلى الناس كافَّة.
قوله جل ذكره: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَنَهُ وَلَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
يقصد به هنا النبوة، يؤتيها ﴿مَن يَشَاءُ﴾؛ وفي ذلك ردًّ على مَنْ قال: إنها
تُسْتَحَقُّ لكثرة طاعة الرسول - وردّ على من قال: إنها لتخصيصهم بطينتهم؛ فالفضل ما
لا يكون مُسْتَحَقًّا، والاستحقاق فَرضّ لا فضل.
ويقال: ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ هنا هو التوفيق حتى يؤمِنوا به.
ويقال: هو الأُنُسُ بالله، والعبدُ يَتْسَى كلَّ شيءٍ إذا وَجَدَ الأُنْسَ.
ويقال: قَطَعَ الأسباب، - بالجملة - في استحقاق الفضل، إذ أحاله على
المشيئة .
قوله جل ذكره: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُواْ النَّوْرَنَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ
أَشْفَارَا بِنْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَابَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿ثُمَّ لَمْ يَحْيِلُوهَا﴾: ثم لم يعملوا بها.
ويُلْحَقُ بهؤلاء في الوعيد - من حيث الإِشارة - الموسومون بالتقليد في أي معنى
شِئتَ: في علم الأصول، وممَّا طريقُه أدلةُ العقول، وفي هذه الطريقة ممَّا طريقُه
المنازلات .
قوله جل ذكره: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ اَلنَّاسِ
فَتَمَنَّوْ أَوْتَ إِن كُمْ صَدِقِينَ وَلَا يَثْنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَبْدِيهِزَّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِلَِّينَ ﴾ .
هذا من جملة معجزاته وَل﴿، فَصَرْفُ قلوبِهِم عن تمنّي الموتِ إلى هذه المدة دَلَّ
على صِذْقِه صلوات الله عليه.
ويقال: من علامات المحبة الاشتياقُ إلى المحبوب؛ فإذا كان لا يَصِلُ إلى لقائه

٣٢٠
تفسير سورة الجمعة
إلا بالموتِ فتمنّيه - لا محالة - شرطٌ، فأخبر أنهم لا يتمنونه أبداً .. وكان كما أخبر.
قوله جل ذكره: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ ثُمَّ تُذُونَ إِلَى عَلِ
اٌلْغَيْبٍ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَّئُكُم بِمَا كُ تَعْمَلُونَ﴾ .
الموتُ حَتْمٌّ مَقْضِيٍّ. وفي الخبر: ((مَنْ كَرِهَ لقاء الله كَرِهَ الله لقاءه»(١). والموتُ
جِسْرٌ والمقصدُ عند الله .. ومَنْ لم يَعِشْ عفيفاً فَلَيَمُثْ ظريفاً.
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ
اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعُّ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
أَوْجَبَ السَّعْيَ يومَ الجمعة إذا نودِيَ لها، وأمَرَ بِتَركِ البيع .
ومنهم من يحمله على الظاهر؛ أي تَرْك المعاملة مع الخَلْق، ومنهم من يحمله
عليه وعلى معنىّ آخر: هو تَرْكُ الاشتغال بملاحظة الأعراض، والتناسي عن جميع
الأغراض إلا معانقة الأمر؛ فمنهم مَنْ يسعى إلى ذِكْرِ الله، ومنهم من يسعى إلى الله،
بل يسعون إلى ذِكْرِ الله جَهْراً بِجَهْرٍ، ويسعون إلى الله تعالى سِرًّا بسِرٌ.
قوله جل ذكره: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ الْأَرْضِ وَأَبْتَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ
وَأَذْكُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ .
إنما ينصرف مَنْ كان له جَمْعٌ يرجع إليه، أو شغْلٌ يقصده ويشتغل به - ولكن ..
مَنْ لا شُغْلَ له ولا مأوى .. فإلى أين يرجع؟ وإنما يقال: ﴿وَأَبْثَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ إذا
كان له أرَبٌّ .. فأمَّا مَنْ سَكَنَ عن المطالبات، وكُفِيَ داءَ الطَّلَبِ .. فما لَه وابتغاء ما
ليس يريده ولا هو في رِقُه؟!
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا رَأَوْ نِرَةً أَوَ لَّوْا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوَ قَيِمَاْ قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ
مِنَ اَللَّهْوِ وَمِنَ النِّجَّأْ وَاللَّهُ خَّرُ الزَّزِينَ﴾.
مَنْ أَسَرَتْهُ أخطارُ الأشياء استجاب لكلْ داعٍ جَرَّه إليه لَهْوٌ أو حَمَلَه علیه سهوٌ
ومَنْ مَلَكَه سلطانُ الحقيقة لم ينحرف عن الحضور، ولم يلتفت في حال الشهود. ﴿قُلّ
مَا يِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اَللَّهِ وَمِنَ النِّجَزَّةُ﴾ وما عند الله للعُبَّاد والزُّهَّاد - غداً - خيرٌ مما نالوه
في الدنيا نقداً. وما عند الله للعارفين - نقداً - من واردات القلوب وبواده (٢) الحقيقة
خيرٌ مما يُؤمِّل المستأنِف في الدنيا والعُقْبِى.
(١) أخرجه البخاري (رقاق ٤١)، ومسلم (ذكر ١٤ - ١٨)، والترمذي (زهد، ٦)، والنسائي (جنائز
١٠)، وابن ماجه (زهد ٣١)، والدارمي (رقاق ٤٣)، وأحمد بن حنبل ٤٢٠/٢، ١٠٧/٣، ٤/
٢٥٩، ٣١٦/٥، ٣٢١، ٤٥،٤٤/٦، ٢٠٧، ٢١٨، ٢٣٦).
(٢) انظر حديث القشيري عن البواده والهجوم بالرسالة القشيرية ص٧٨.