Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
تفسير سورة غافر
ويقال ادعوني بالسؤال أستجب لكم بالنّوال والأفضال.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ أن يستكبرون عن دعائي، سيدخلون جهنم
صاغرين.
قوله جل ذكره: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرَاً﴾ الآيات.
سكونُ الناسِ في الليل على أقسام: أهلُ الغفلة يسكنون إلى غفلتهم، وأهل
المحبة يسكنون بحكم وصلتهم، وشتان بين سكونِ غفلةٍ وسكونٍ وصلة!
قومُ يسكنون إلى أمثالهم وأشكالهم، وقومٌ يسكنون إلى حلاوة أعمالهم؛
لبسطهم واستقلالهم، وقومٌ يعدمون القرار في ليلهم ونهارهم وأولئك أصحابُ
الاشتياق .. أبداً في الاحتراق.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ الذي جعل سكونكم معه، وانزعاجكم له، واشتياقكم
إليه، ومحبتكم فيه، وانقطاعكم إليه.
قوله جل ذكره: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَّةَ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ
فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ .
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾: خَلقَ العرشَ والكرسيّ والسموات والأرضين
وجميعَ المخلوقاتِ ولم يقُلْ هذا الخطاب، وإنما قال لنا: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
صُوَرَكُمْ﴾ وليس الحَسَنُ ما يستحسنه الناسُ بل الحَسنُ ما يستحسنه الحبيبُ:
عندي ولا ضَرَّكُ مُعتابُ
ما حطك الواشون عن رتبةٍ
عليكَ عندي بالذي عابوا
كأنهم أثْنَوْا - ولم يعلموا -
لم يَقُلْ للشموس في علائها، ولا للأقمار في ضيائها: ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
صُوَرَكُمْ﴾.
ولما انتهى إلينا قال ذلك، وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِّ ◌َحْسَنِ تَقْوِبٍ﴾ [التين: ٤].
ويقال إن الواشين قَبَّحوا صورتكم عندنا، بل الملائكةُ کتبوا في صحائفکم قبيح
ما ارتكبتم .. ومولاكم أحسن صوركم، بأن محا من ديوانكم الزّلّات، وأثبت بدلاً
منها الحسناتٍ، قال تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقال:
﴿فَأْلَكَ يُدِّلُ اَللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَنتُ﴾ [الفرقان: ٧٠].
قوله جل ذكره: ﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيْبَنِ﴾.
ليس الطيبُ ما تستطيبه النفْسُ إنما الطيب ما يستطيبُه القلبُ، فالخبزُ القفار
أطيب للفقير الشاكر من الحلواء للغنيّ المتَسَخّط.

١٤٢
تفسير سورة غافر
ورِزْقُ النفوسِ الطعامُ والشرابُ، ورزقُ القلوبِ لذاذات الطاعات.
قوله جل ذكره: ﴿هُوَ أَلْحَىُّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَبُّ الْحَمْدُ لِلَهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ .
﴿﴿هُوَ أَلْحَُ﴾: الذي لا يموت، ولا فضلُه يفوت، فادعوه بلسان القوت،
وذلك عليه لا يفوت.
قوله جل ذكره: ﴿﴿ قُلّ إِّ نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ
الََّْثُ مِن رَّبِّ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾.
قُلْ - يا محمد - إني نهيت عن عبادة ما تدعون من دون الله، أي أُمِرْتُ بالتبرِّي
عمّا عبدتم، والإعراض عمّا به اشتغلتم، والاستسلام للذي خلقني، وبالنبوة
استخصني.
قوله جل ذكره: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنِ تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُّكُمْ
◌ِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُونَأَ﴾ .
فمن تُرْبةٍ إلى قَطْرَةٍ؛ ومن قطرةٍ إلى عَلَقَةٍ .. ثم من بطون أمهاتكم إلى ظهوركم
في دنياكم .. ثم من حال كونكم طفلاً ثم شاباً ثم شيخاً.
وهو الذي يحيي ويميت، ثم يبعث في أُخرى الدارين(١).
قوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ◌َايَتِ اللَّهِ أَ يُصْرَفُونَ﴾ .
في آيات الله يتبلّدُون؛ فلا حُجة يوردُون، ولا عذاب عن أنفسهم يرُدُّون،
سيعلمون حين لا ينفعهم عِلمُهم، ويعتذرون حين لا يُسمَع عُذْرُهم، وذلك عندما(٢).
﴿إِ اَلْأَعْظَلُ فِىَ أَعْتَفِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُتْحَبُونُ فِي الَْمِيمِ ثُمَّ فِ النَّارِ يُنْجَرُونَ ﴾
الآيات.
يُسحبُون في النار والأغلال في أعناقهم، ثم يُذَاقُون ألوان العذاب .. فإذا أُقْرُّوا
بكفرهم وذنوبهم يقال لهم: أدخلوا جهنم خالدين فيها، فبئس مثواهم ومصيرهم،
وساء ذهابُهم ومسيرهم(٣).
قوله جل ذكره: ﴿فَأَصّبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَتَّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ
تَتَوَفََّنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ .
كُنْ بِقلبكَ فارغاً عنهم، وانظر من بعدُ إلى ما يُفعلُ بهم، واستيقن بأنه لا بقاء
(١) الآية (٦٨) لم ترد.
(٣) الآيات من (٧٣، ٧٦) لم ترد.
(٢) الآية (٧٠) لم ترد.

١٤٣
تفسير سورة غافر
لجولة باطلهم .. فإن لقيت بعض ما نتوعدُهم به وإلّا فلا تكُ في ريبٍ من مقاساتهم
ذلك بعدُ. ثم أكَّدَ تسلیته إياه وتجديد تصبيره وتعريفه بقوله:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَكَ
وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِثَايَةٍ إِلَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اَللَّهِ قُضِىَ بِلْمَقِّ وَخَسِرَ هُنَّالِكَ
اَلْمُبْطِلُونَ﴾.
قصصنا عليك قصص بعضهم، ولم نخبرك عن قصص الآخرين .
ولم يكن في وسع أحدٍ الإتيان بمعجزة إلا إذا أظهرنا نحن عليه ما أردنا إذا ما
أردنا. فكذلك إن طالبُوك بآيةٍ فقد أظهرنا عليك من الآيات ما أزحنا به العُذْر،
وأوضحنا صِحَةَ الأمر .. وما اقترحُوه .. فإن شئنا أَظْهَرْنا، وإن شِئنا تَرَكنا.
قوله جل ذكره: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِّكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ
فِيهَا مَنَفِعُ وَلِتَبْلُغُوْ عَيْهَا حَاجَةٌ فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيَكُمْ ءَايَتِهِ، فَأَنَّ
ءَايَتِ اللَّهِ تُنْكِّرُونَ﴾ .
ذكْرهم عظيمَ إنعامه بتسخير الأنعام؛ فقال جعلها لكم لتنتفعوا بها بالركوب
والحمل والعمل، ولتستقوا ألبانها، ولتأكلوا لحومها وشحومَها، ولتنتفعوا بأصوافها
وأوبارها وأشعارها، ولتقطعوا مسافة بعيدةً عليها .. فعلى الأنعام وفي الفُلْكِ تنتقلون
من صُفْعٍ (١) إلى صُقع ... وأنا الذي يَسَّرْتُ لكم هذا، وأنا الذي ألهمتكم الانتفاع به؛
فئقُوا فيّ ذلك واعرفوه .
قوله جل ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَمَثَارَا فِ الْأَرْضِ فَمَا أَغْفَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .. الآيات
أمَرَهم بالاعتبار بِمَنْ كانُوا قبلهُمْ؛ كانوا أشدّ قوةً وأكثر أموالاً وأطولَ أعماراً،
فانجرُّوا في حِبَالِ آمالهم، فوقعوا في وهْدَة غرورهم، وما بقي الحقُّ عن مراده فيهم،
واغتروا بسلامتهم في مُدّةٍ ما أرخينا لهم عنان إمهالهم، ثم فاجأناهُم بالعقوبة، فلم
يُعْجِزُوا لله في مُرادِه منهم.
فلمَّا رأوا شِدَّةً البأس، ووقعوا مذلّةِ الخيبة واليأس تمثّوا أن لو أُعيدُوا إلى الدنيا
من الرأس .. فقابلهم الله بالخيبة؛ وخرطهم في سِلكِ مَن أبادهم من أهل الشّرْكِ
والسّخْطِ .
(١) الصقع: الناحية من البلاد.

سورة فصلت
قوله جل ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّجَزِ﴾.
أفلح مَنْ عرف ((بسم الله))، وما ربح مَنْ بقي عن ((بسم الله)).
مَنْ صحب لسانُه ((بسم الله)) وصحب جَنانُه ((بسم الله)) كفى له شفيعاً ((بسم الله)
إلى مَنْ يُعِيذُنا بِذِكْرٍ ((بسم الله)).
قوله جل ذكره: ﴿حَمّ تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
بحقي وحياتي، ومجدي في صفاتي وذاتي .. هذا تنزيلٌ من الرحمن الرحيم.
قوله جل ذكره: ﴿كِثَبٌّ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ قُزْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
بينثْ آیاتُه ودلالاتُه.
﴿وَقُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: الدليل منصوبٌ للكافة ولكنَّ الاستبصار به
للعالمين - دون المُغرِضین الجاحدين.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيِرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ .
﴿بَشِيرًا﴾: لِمَنْ اخترناهم واصطفيناهم.
﴿وَنَذِيرًا﴾: لِمَنْ أقميناهم، وعن شهودٍ آياتنا أعميناهم.
﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ عند دعائنا إياهم، فهم مُثْبَتُون فيما أردناهم، وعلى ذلك
(الوصف) عَلِمْناهم.
قوله جل ذكره: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآَ إِلَيْهِ وَفِّ ءَاذَاِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنَا
وَبَيْكَ حِجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنََّا عَمِلُونَ﴾ .
قالوا ذلك على الاستهانة والاستهزاء، ولو قالوه عن بصيرةٍ لكان ذلك منهم
توحيداً، فمُنُوا بالمَقْتِ لِما فقدوا من تحقيق القلب.
قوله جل ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ فَاسْتَقِيمُوا
إِلَّهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْنُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَوْ هُمْ كَفِرُونَ﴾ .
إنما أنا بَشَرٌ مثلكم في الصورة والبِئْية، والذات والخِلقة. والفرقَانُ بيني وبينكم
أنَّه يُوحَى إليَّ أنما إلهكم إله واحد؛ فالخصوصية مِنْ قِبَلِه لا مِنْ قِبَلِي، ولقد بَقِيتُ
١٤٤

١٤٥
تفسير سورة فصلت
فيكم عمراً، ولقيتموني دهراً .. فما عثرتم مني على غير صواب، ولا وجدتم في
قولي شوب كذاب. وأمري إليكم أن استقيموا في طاعته، واستسلموا لأمره ....
وطوبى لِمَن أجاب، والويلُ لِمَنْ أصرَّ وعاب !.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
﴿ءَامِنًا﴾: شاهدوا، ﴿ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾: لازموا بِساط العبودية.
﴿ءَامَنُواْ﴾: شهدوا الحضرة، ﴿وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ﴾: وقفوا بالباب.
﴿ءَمَنُواْ﴾: حضروا، ﴿ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾: بعد ما حضروا لم ينصرفوا.
﴿لَهُمْ أَجْرُّ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص؛ فأجرُ النفوسِ الجنةُ، وأجرُ القلوب
الرضا بالله، وأجرُ الأرواح الاستئناسُ بالله، وأجرُ الأسرار دوام المشاهدة لله .
قوله جل ذكره: ﴿﴿ قُلْ أَبِتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنٍ وَتَجْعَلُونَ لَهُ؟
أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ .
خَلَقَ الزمانَ ولم يكن قبله زمان، وخَلَقَ المكان، ولم يكن قبله مكان؛ فالحقُّ-سبحانه-
كان ولا مكان ولا زمان، فهو عزيزٌ لا يُذْرِكُه المكانُ، ولا يَمْلِكُه الزمان .
﴿ وَتَجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا﴾ ... وكيف يكون الذي لم يكن ثم حصل نِدًا للذي لم
يَزَّلْ .. ولا يزال كما لم يزل؟! ذلك ربُّ العالمين.
قبوله جل ذكره: ﴿وَحَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَزَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىّ أَرْبَعَةٍ أَيٍَّ
سَوَلَّهُ لِسَّآيِلِينَ﴾ .
الجبالُ أوتادُ الأرضِ في الصورة، والأولياءُ أوتادٌ ورواسٍ للأرض في الحقيقة.
﴿وَبَرَكَ فِيَهَا﴾: البركةُ الزيادة .. فيأتيهم المطرُ ببركاتِ الأولياء، ويندفع عنهم
البلاء ببركات الأولياء.
﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾: وجعلها مختلفةً في الطَّعْم والصورةِ والمقدار. وأرزاقُ
القلوب والسرائر كما مضى ذكره فيما تقدم.
قوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى الَّمَلِ وَهِىَ دُكَانٌ فَقَالَ لَّمَا وَ لِلْأَرْضِ أَقْنِيَا لَوْعًا أَوْ كَرَّمَاً
قَالَآ أَنْنَا ◌َآَيِينَ﴾ .
﴿أَسْتَوَ﴾ أي قَصَدَ، وقيل فعل فعلاً هو الذي يعلم تعيينه.
ويقال رتّبَ أقطارها، وركَّبَ فيها نجومها وأزهارَها.
﴿فَقَالَ لَا وَ لِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كُرْهَاً قَالَتَآ أَنْيْنَا ◌َآَيِينَ﴾: هذا على ضرب المَثَل؛ أي
لا يتعسّر عليه شيءٌ مما خلقه، فله مِنْ خَلْقِه ما أراده. وقيل بل أحياهما وأعقلهما

١٤٦
تفسير سورة فصلت
وأنطقهما فقالتا ذلك. وجعل نفوسَ العابدين أرضاً لطاعته وعبادته، وجعل قلوبهم
فَلَكاً لنجوم علمه وشموسٍ معرفته .
وأوتادُ النفوسِ الخوفُ والرجاءُ، والرغبةُ والرهبة. وفي القلوب ضياءُ العرفانِ،
وشموس التوحيد، ونجوم العلوم والعقولِ والنفوسِ. والقلوبُ بيده يُصَرِّفُها على ما
أراد من أحكامه .
قوله جل ذكره: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمََّاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِ كُلّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَآءَ
الذُّنْيَا بِمَصَنِيحَ وَحِفْظَأْ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
زَيَّنَ السماء الدنيا بمصابيح، وزيَّنَ وجه الأرضِ بمصابيحَ هي قلوب الأحباب؛
فأهلُ السماء إذا نظروا إلى قلوب الأولياء بالليل فذلك متنزههم كما أن أهل الأرض إذا
نظروا إلى السماء استأنسوا برؤية الكواكب.
قوله جل ذكره: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرَتُّكُمْ صَِقَةً مِثْلَ صَعِفَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ .
أي أخْبِرُ المُكَذِّبين لَكَ أنَّ لكم سَلَفاً .. فإن سلكتم طريقهم في العناد، وأبيتم
إلَّا الإصرار ألحقناكم بأمثالكم.
﴿فَمَّا عَدٌ فَأَسَتَكْبُواْ فِ الْأَرَضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوْلَمْ بَرَوْا أَنََّ اللّهَ الَّذِى
خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ بِثَايَلِنَا يَجْحَدُونَ﴾ .
ركنوا إلى قوة نفوسهم فخانتهم قواهم، واستمكنت منهم بلواهم.
﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيِحًا صَرْصَرً فِيَّ أَيَّامٍ غَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِى الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ
اُلْأَخِرَةِ أَخْزَنْ وَهُمْ لَا يُصَرُونَ﴾ .
فلم يغادر منهم أحداً.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلى اَلْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ
اَلْعَذَابِ الْمُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ وَّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ ﴾ .
قيل إنهم في الابتداء آمنوا وصدّقوا، ثم ارتدُوا وكذّبوا، فأجراهم مجرى
إخوانهم في الاستئصال.
﴿وَّيِّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: منهم من نجَّاهم من غير أن رأوا الناس؛ فعبروا القنطرة
ولم يعلموا، وقومٌ كالبرق الخاطف وهم أعلاهم، وقومٌ كالراكض .. وهم أيضاً من
الأكابر، وقومٌ على الصراط يسقطون ويردُّهم الملائكة على الصراط. فبعد وبعد ..
قومٌ بعدما دخلوا النار فمنهم من تأخذه إلى كعبيه ثم إلى ركبتيه ثم إلى حَقْوَيه (١)، فإذا
(١) الحقو: الخصر.

١٤٧
تفسير سورة فصلت
ما بلغت النار القلب قال الحقُّ لها: لا تحرفي قلبه؛ فإنه محترقٌ فيَّ. وقومٌ يخرجون
من النار بعدما امْتُحِشوا (١) فصاروا حُمْماً .
قوله جل ذكره: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَهُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَّ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ
عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَيْنًا قَالُواْ أَنْطَفَنَا
اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ
عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَّ أَبْصَرَّكُمْ وَلَ جُلُودَّكُمْ وَلَكِن ◌َنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ
◌َتْكُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَّكُمْ أَرْدَنَّكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ اُلْخَسِينَ﴾ .
شهدت عليهم أجزاؤهم، ولم يكن في حسابهم أن الله سيُنْطِقها وهو الذي أنطق
كلَّ شيءٍ، ولم يَدُرْ بخَلدهم ما استقبلهم من المصير الأليم.
﴿ذلكم ظنكم﴾: وكذا مَنْ قعد في وصف الأقوال، ووَسَمَ موضِعَه، وحَكُمَ
لنفسه أنه مُقَدَّمُ بلده. فلا يُسْمَعُ منه إلا ببرهانٍ ودليلٍ من حاله، فإن خالف الحالُ قولَه
فلا يُعتمد عليه بعد ذلك.
والظنُّ بالله إذا كان جميلاً فلعمري يُقَابَلُ بالتحقيق، أمَّا إذا كان نتيجةَ الغرورِ
وغيرَ مأذونٍ به في الشرع فإنه يُزْدِي صاحبه .
قوله جل ذكره: ﴿فَإِن يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوَّى لَهُمّ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ
اُلْمُعْتَّبِينَ﴾ .
فإن يصبروا على موضع الخسف فسينقلبون إلى النار، وإن يستعتبوا - فعلى ما
قال - فما هم بمعتبين .
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَ فَزَيَّنُوْ لَهُم ◌َا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىَ أُمٍَّ
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ اُلِنِّ وَاُلْإِنِسِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ﴾.
إذا أراد الله بعَبْدٍ خيراً قَيَّضَ له قرناءَ خيرٍ يُعِينونه على الطاعات، ويَحْمِلونه
عليها، ويدعونه إليها. وإذا كانوا إخوانَ سوءٍ حملوه على المخالفات، ودَعَوْه إليها ..
ومن ذلك الشيطانُ؛ فإنهُ مُقَيَّضٌ مُسَلَّطً على الإنسان يوسوس إليه بالمخالفات. وشرٍّ
من ذلك النَّفْسُ. فإنها بئس القرين !! فهي تدعو العبدَ - اليومَ - إلى ما فيه هلاكه،
وتشهد عليه غداً بفعل الزلَّقّ. فالنفسُ - وشرّ قرينٍ للمرءِ نفسُه - والشياطينُ وشياطينُ
الإنْسِ .. كلها تُزيِّن لهم ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ﴾ من طول الأمل، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من نسيان
الزَّلَلِ، والتسويف في التوبة، والتقصير في الطاعة .
(١) محشت النار جلده: أحرقته.
--

١٤٨
تفسير سورة فصلت
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَأَلْفَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ .
استولى على قلوبهم الجَحْدُ والإنكارُ، ودام على العداوة فيهم الإصرارُ؛
فاحتالوا بكل وجهٍ، وتواصَوْا فيما بينهم بألا يستمعوا لهذا القرآن لأنه يغلب القلوب،
ويسلب العقول، وكل مَنْ استمع إليه صَبًا إليه.
وقالوا: إذا أَخَذَ محمدٌ في القرآن فَأَكْثِرُوا عند قراءته اللَّغوّ واللغطَ حتى يقع في
السهو والغَلَط .
ولم يعلموا أن الذي نُوْرَ قلبُه بالإيمان، وأُيُدَ بالفهم، وأُمْدَ بالنصرة، وكوشف
بسماع السُّرْ من الغيب هو الذي يسمع ويؤمن. والذي هو في ظلمات جهله لا يدخل
الإيمانُ قلبَه، ولا يباشر السماعُ سِرَّه.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَهُمْ أَسْوَاَ اَلَّذِى كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ .
اليومَ بإدامة الحرمان الذي هو الفراق، وغداً بالتخليد في النار التي هي
الاحتراق.
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اَللَّهِ النَّارِّ لَهُمْ فِهَا دَارُ الْخُلِّدِّ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ ◌ِيَظْنَا
يَحْمَدُونَ﴾ .
لهم فيها الخزي والهوان بلا انقطاع ولا انصرام.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَّيْنِ أُضَلَّانَا مِنَ الْجِنّ وَالْإِسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا
مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ .
من الجنّ إبليس. ومن الإنس قابيل بن آدم فهو أول منْ سَنَّ المعصية (حين قتل
أخاه)(١).
﴿َجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾؛ هذه الإرادة وهذا التمني زيادة في عقوبتهم أيضاً؛
لأنهم يتأذون بتلك الإرادة وهذا التمني؛ فهم يجدون أنه لا نَفْعَ لهم من ذلك إذ لن
يُجَابوا في شيء، ولن يُمْنَعَ عنهم العذاب.
ويفيد هذا الإخبار عنهم عن وقوع التبَرِّي فيما بينهم، فبعضهم يتبرأ من بعض،
کما يفيد بأن الندم في غیر وقته لا جدوى منه.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدَمُواْ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبَكَةُ أَلَّا
تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ﴾ .
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.

١٤٩
تفسير سورة فصلت
(ثم)) استقاموا: ثم حرف يقتضي التراخي، فهو لا يدل على أنهم في الحال لا
يكونون مستقيمين، ولكنه معناه استقاموا في الحال، ثم استقاموا في المآل بأن
استداموا إيمانَهم إلى وقت خروجهم من الدنيا، وهو آخرُ أحوالِ كونِهِم مُكَّلَّفين .
ويقال: قالوا بشرط الاستجابة أولاً، ثم استبصروا بموجب الحجة، ولم يثبتوا
على وصف التقليد، ولم يكتفوا بالقالة دون صفاء الحالة.
((استقاموا)»: الاستقامة هي الثباتُ على شرائط الإيمان بجملتها من غير إخلال
بشيءٍ من أقسامها. ويقال: هم على قسمين :
مستقيم (في أصول) التوحيد والمعرفة .. وهذه صفة جميع المؤمنين.
ومستقيم في الفروع من غير عصيان .. وهؤلاء مختلفون؛ فمنهم .. ومنهم،
ومنهم .
﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ﴾: الذي لهم البشارة هم كل من استقام في التوحيد، ولم
يشرك. فله الأمان من الخلود. ويقال: مَنْ كان له أصل الاستقامة أَمِنَ من الخلود في
النار، ومن كمال الاستقامة أَمِنَ من الوعيد من غير أن يلحقه سوءٌ بحالٍ .. ثم
الاستقامة لهم على حسب أحوالهم؛ فمستقيمٌ في عهده، ومستقيم في عقده، ومستقيم
في جهده ومراعاة حدِّهِ، ومستقيم في عقده وجهده وحدِّه وحبه. وودّه .. وهذا
أتمُهم .
ويقال: استقاموا على دوام الشهود وعلى انفراد القلب بالله.
ويقال: استقاموا في تصفية العقد ثم في توفية العهد ثم صحة القصد بدوام
الوجد .
ويقال: استقاموا بأقوالهم ثم بأعمالهم، ثم بصفاء أحوالهم في وقتهم وفي
مآلهم .
ويقال: أقاموا على طاعته، واستقاموا في معرفته، وهاموا في محبته، وقاموا
بشرائط خدمته .
ويقال: استقامةُ الزاهدِ ألا يرجعَ إلى الدنيا، وألا يمنعَه الجاهُ بين الناس عن
الله. واستقامةُ العارفِ ألا يشوبَ معرفتَه حظْ في الدارين فيحجبه عن مولاه. واستقامةُ
العابدِ ألا يعودَ إلى فترته واتباع شهوته، ولا يتداخله رياءٌ وتصنّع واستقامة المُحِبِّ ألا
يكون له أرَبِّ من محبوبه، بل يكتفي من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام عِزّه
ووجوده .
﴿أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُوا﴾: إنما يكون الخوف في المستقل من الوقت، من حلولٍ

١٥٠
تفسير سورة فصلت
مكروهٍ أو فوات محبوبٍ فالملائكةُ يبشرونهم بأن كل مطلوبٍ لهم سيكون، وكل
محذورٍ لهم لا یکون.
والحزن من حُزُونه الوقت، ومن كان راضياً بما بجري فلا حزنَ له في عيشه .
والملائكة يبشرونهم بأنهم لا حزونه في أحوالهم، وإنما هم الرَّوح والراحة .
﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ﴾: أي بحسن المآب، وبما وَعَدَ اللَّهُ من جميل الثواب.
والذي هو موعودٌ للأولياء بسفارة المَلَكِ موجودٌ اليومَ لخواصُ عباده بعطاء
المَلِكِ؛ فلا يكون لأحدهم مطالعةٌ في المستقبل من حاله بل يكون بحكم الوقت؛ فلا
يكون له خوفٌ؛ لأن الخوف - كما قلنا من قبل - ينشأ من تطلع إلى المستقبل إمَّا من
زوالٍ محبوبٍ أو حصول مكروه، وإن الذي بصفة الرضا (١) لا حزونة في حاله ووقته.
ويمكن القول: ﴿لا تخافوا﴾ من العذاب، ﴿ولا تحزنوا﴾ على ما خلفتم من
الأسباب، ﴿وأبشروا﴾ بحسن الثواب في المآب.
ويقال: ﴿لا تخافوا﴾ من عزل الولاية، ﴿ولا تحزنوا﴾ على ما أسلفتم من
الجناية، ((وأبشروا)) بحسن العناية في البداية.
ويقال: ﴿لا تخافوا﴾ مما أسلفتم، ﴿ولا تحزنوا﴾ على ما خلفتم، ﴿وأبشروا﴾
بالجنة التي لها تكلفتم.
ويقال: ﴿لا تخافوا﴾ المذلَّة، ﴿ولا تحزنوا﴾ على ما أسلفتم من الزلَّة،
﴿وأبشروا﴾ بدوام الوصلة.
قوله جلّ ذكره: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤُّكُمْ فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا نَشْتَهِىّ
أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ ذَّحِيمٍ﴾ .
الولاية من الله بمعنى المحبة، وتكون بمعنى النصرة.
وهذا الخطاب يحتمل أن يكون من قِبَلِ الملائكة الذين تنزلوا عليهم، ويحتمل
أن يكون ابتداءً خطابٍ من الله .
والنصرة تصدر من المحبة؛ فلو لم تكن المحبة الأزلية لم تحصل النصرة في الحال.
ويقال: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤَّكُمْ فِى الْحَيَوْقِ الذُّنْيَا﴾ بتحقيق المعرفة، ﴿وَفِي الْآَخِرَةٌ﴾
بتحصيل المغفرة.
ويقال ﴿نَحْنُ أَوْلِيَآَّكُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ بالعناية، ﴿وَفِ اَلْآَخِرَةَ﴾ بحسن الكفاية
وجميل الرعاية .
(١) انظر الرسالة القشيرية ص ١٩٢، ١٩٧.
١

١٥١
تفسير سورة فصلت
﴿وَفِي الْخَيَوَةِ الدُّنًا﴾ بالمشاهدة، ﴿وَفِي الْآَخِرَةٌ﴾ بالمعاينة.
في الدنيا الرضاء بالقضاء، وفي الآخرة باللقاء في دار البقاء.
في الدنيا بالإيمان، وفي الآخرة بالغفران.
في الدنيا بالمحبة، وفي الآخرة بالقربة .
﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾ أي في الجنة ﴿مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ﴾: الولايةُ نقدٌ، وتحصيل
الشهوات وعدّ، فَمَنْ يشتغل بنقده قلَّما يشتغل بوعده.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ﴾: أي ما تريدون، وتدعون الله ليُعطيكم.
﴿نُزُلًا﴾: أي فضلاً وعطاءً، وتقدمةً لما يستديم إلى الأبد من فنون الأفضال
ووجوه المبارٌ.
﴿مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيم﴾: وفي ذلك مساعٌ لآمال المذنبين؛ لأنهم هم الذين يحتاجون
إلى المغفرة، ولولا رحمته لما وصلوا إلى مغفرته.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِ مِنَ
اُلْمُسْلِمِينَ﴾ .
أي لا أحدَ أحسن قولاً منه، ويكون المراد منه النبي صل ويحتمل أن يكون
جميع الأنبياء عليهم السلام.
ويقال هم المؤمنون. ويقال هم الأئمة الذين يدعون الناس إلى الله.
وقيل هم المؤذنون. ويقال الداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى الاكتفاءِ
بالله وتَرْكِ طالب العِوَضِ من الله، ويَكِلُ أمره إلى الله، ويرضى من الله بقسمة الله.
﴿وَعَمِلَ صَلِحًا﴾: أي كما يدعو الخَلْقَ إلى الله يأتي بما يدعوهم إليه.
ويقال هم الذين عرفوا طريقَ الله، ثم سلكوا طريقَ الله، ثم دعوا الناسَ إلى الله.
ويقال بل سلكوا طريق الله؛ فبسلوكهم وبمنازلاتهم عرفوا الطريق إلى الله، ثم
دعوا الخَلْق إليه بعدما عرفوا الطريق إليه.
﴿وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المسلمون لحكمه هم الراضون بقضائه وتقديره.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَِّّئَةُ أَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا أَلَّذِى
بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَإِىُّ حَمِيرٌ﴾ .
ادفع بالخصلة التي هي أحسن السيئةَ يعني بالعفو عن المكافأة، وبالتجاوز
والصفح عن الزلة، وترك الانتصاف(١).
(١) هذا من أمارات الفتوة. (انظر حديث القشيري عن الفتوة برسالته ص٢٢٦، ٢٣١).

١٥٢
تفسير سورة فصلت
﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىُّ حَمِيٌ﴾ يُشْبِهِ الوليَّ الحميمَ - ولم يَصِرْ ولياً
مخلصاً .. وهذا من جملة حُسْنٍ الأدب في الخدمة في حقُ صحبتك مع الله؛ تحلم
مع عباده لأجله.
ومن جملة حُسْن الخُلُق في الصحبة مع الخَلْقِ ألا تنتقم لنفسك، وأَنْ تعفوَ عن
خصمك .
قوله جل ذكره: ﴿وَمَا يُلَفَّنِهَآَ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَفَّنَهَا إِلَّ ذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾.
لا يقوم بحق هذه الأخلاق إلّا مَنْ أُكْرِم بتوفيق الصبر، ورُقِّي عن سفساف الشيم
إلى معالي الأخلاق. ولا يصل أحسنَ الدرجاتِ إلا مَنْ صبر على مقاساة الشدائد.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَنْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
إذا اتصلَتْ بقلبك نزغاتُ الشيطان فبادِزْ بذكر ربِّك، وارجع إليه قبل أية خطوة(١) ..
فإنك إن لم تخالف أولَ هاجسٍ من هواجس الشيطان صار فكرة، ثم بعد ذلك يحصل
العزم على ما يدعو إليه الشيطان .. فإذا لم تتدارك ذلك تجري الزلّة، وإذا لم تتدارك ذلك
بِحُسْنِ الرُّجعي صار فسقاً .. وبتمادي الوقت تصبح في خَطَرِ كل آفة.
ولا يتخلص العبدُ من نزغات الشيطان إلا بصدق الاستعانة وصدق الاستغاثة
وبذلك ينجو من الشيطان، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَّهِمْ سُلْطَانُ﴾
[الإسراء: ٦٥]؛ فكلما ازداد العبدُ في تبرِّيه من حَوْلِه وقوته، وأخلص بين يدي الله
بتضرعه واستعانته واستعادته زاد اللَّهُ في حِفْظه، ودَفعَ الشيطان عنه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَلَيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُّ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ
وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
أَوْضَحَ الآياتِ، وأَلاحَ البيئَاتِ، وأَزَاحَ عِلَّةَ مَنْ رام الوصول. واختلَافُ الليل
والنهار، ودورانُ الشمس والقمرِ من جملة أمارات قدرته، ودلالات توحيده.
﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ﴾ في علائها، ﴿وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ في ضيائه، ﴿وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾
فقد غار (٢) عليك أن تسجد لغيره.
سـ
(١) ربما كانت (خطرة) فالقشيري يقول برسالته عند حديثه عن الخواطر: الخواطر خطابات ترد على
الضمائر، فقد يكون الخطاب بإلقاء ملك أو إلقاء شيطان أو أحاديث نفس أو من الحق سبحانه
وقالوا: كل خاطر لا يشهد له ظاهره فهو باطل. (الرسالة القشيرية ص ٨٣، ٨٤).
(٢) قال القشيري برسالته عند حديثه عن الغيرة: الغيرة كراهية مشاركة الآخرين، وإذا وصف الحق
سبحانه بالغيرة، فمعناه: أنه لا يرضى بمشاركة غيره معه، فيما هو حق له من طاعة عبده. (الرسالة
القشيرية ص٢٥٥).

١٥٣
تفسير سورة فصلت
والشمسُ - وإِنْ عَلَتْ، والقمر - وإنْ حَسُنُ .. فلأجْلِكَ خلقناهما، فلا تسجدْ
لهما، واسجُدْ لنا.
ويقال: خَلقَ الملائكة - ومع كثرة عبادتهم، ومع تقدمهم في الطاعة - قال لهم:
اسجدوا لآدم، وحين امتنع واحدٌ منهم لُعِنَ إلى الأبد. وقال لأولاد آدم العصاةِ
المذنبين: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ فشتان ما هما !!.
والحقُّ - سبحانه وتعالى - يأمرك بصيانة وجهك عن الشمس والقمر .. وأنت
لأَجْلِ كلٌ حظْ خَسِيسٍ تنقل قَدَمَكَ إلى كلُ أحدٍ؛ وتدخل بمحياك عَلَى كلٌ أحدٍ !!
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبُواْ فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا
يَسْتَمُونَ﴾ .
أي إنْ تَرَفَّعَ الكفارُ فلا خَلَلَ؛ لأن الحقَّ غنيٍّ عن كل أحد، ثم إن الملائكة -
الذين هم سكان الآخر - يسجدون له بالليل والنهار، وهم لا يسأمون من عبادته.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ ءَايَِ، أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةُ فَإِذَا أَنْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتَّ
إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْقَنَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
الأرضُ تكون جَذْبةً يابسةً في الشتاء، فإذا نزل عليها المطرُ اهتزت بالنبات
واخضرّت وكذلك القلوب إذا خشعت لاستشعارها بما ألمَّتْ به من الذنوب أقبل عليها
الحق سبحانه، فظهرت فيها بركاتُ الندم، وعفا عن أربابها ما قصرُّوا في صِدْق
القَدَم: وكذلك إذا وقعت للعبد فترةٌ في معاملاته، أو غيبةٌ عن بساط طاعاته، ثم تغمَّده
الحقُّ - سبحانه - بما يدخل عليه من التذكر تظهر في القلب أنوارُ الوفاق، فيعود إلى
مألوف مقامه، ويرجع عود سداده غضًّا طرياً، ويصير شجر وفاقه - بعد ما أصابته
الجدوبة - بماء العناية مستقياً.
وكذلك إذا بدت لأهل العرفان وقفة، أو حدثت لهم من جرَّاء سوء أدبٍ بَدَرَ
منهم حجبةٌ ثم نظر الحقِّ - سبحانه - إليهم بالرعاية .. اهتزّت رياضُ أُنْسِهم،
واخضرَّت مشاهدُ قربهم، وانهزمتِ وفودُ وقفتهم.
﴿إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُعْىِ الْمَوْنَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾: إن الذي أحيا الأرضَ بعد
موتها قادرٌ على إحياء النفوس بالحشر والنشر. وكذلك هو قادر على إحياء القلوب
بنور العناية بعد الفترة والحجبة .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْسِدُونَ فِيَّ مَايَئِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَأُ أَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرٌ أَمَ
مَّن بَأَنِىّ ءَامِنًا يَّمَ الْقِيَّمَةِ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
سيلقون من العذاب ما يستوجبونه .. فَلْيَعْمَلُوا ما شاءوا .. فليسوا .. يَسْعَونْ إلَّا
فِي ذَمُهم، وليسوا يمشون إلا إلى هلاكهم بأقدامهم.

١٥٤
تفسير سورة فصلت
قوله جلَّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمِّ وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ﴾ .
الجواب محذوف ومعناه: بقوا عنَّا، ووقعوا في هوانهم وشقوا إلى الأبد.
﴿وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ﴾ : كتابٌ عزيزٌ لا مِثْلَ له حيث قد عجزوا عن الإتيان بمثله .
كتابٌ عزيز غالبٌ لِشُبَهِ المبتدعين والكفار.
عزيزٌ لا يقدر على معارضته أحدٌ .. من قولهم أرض عزاز.
كتاب عزيزٌ لأنه كلامُ ربِّ عزيز إلى رسولٍ عزيزٍ بسفارة مَلَكِ عزيزٍ إلى أُمَّةٍ
عزيزة .
كتاب عزيزٌ على المؤمنين لأنه كتابُ حبيبِهم .. وكتابُ الحبيبِ إلى الحبيب
عزيزٌ .
قوله جلّ ذكره: ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَِدٍ﴾.
أي لا ينقضه كتابٌ آخر لا مما تقدَّمه من الكتب، ولا مما يأتي من بعده .. أي
لا کتاب بعده، ولا نسخَ له.
ويقال لا يدفع(١) معناه لفظَه، ولا يخالف لفظُه معناه ..
ويقال لا يقدر أحدٌ أنْ يأتيّ بمثله .
قوله جلّ ذكره: ﴿َّا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ فِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَّ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو
عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ .
أصولُ التوحيدِ لا تختلف بالشرائع؛ فجوهرُها في الأحكام واحد: هو أنه تجب
موافقة أوامره، واجتناب مزاجره. ثم إن الله تعالى قال في كل كتابٍ، وشَرَعَ لكل أمة
أَنْ يعرفوا أنه للمطيعين مُثيبٌ، وللكافرين ذو عذابٍ شديد.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ قُرْءَانَا أَعْجَمَّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَنُهُ, ءَأعْجَمِىٌ وَعَرَبِىُّ قُلْ هُوَ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيَّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَّ أُوْلَكَ
يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ .
أخبر أنه أزاح العِلَّةَ أَنْ يعرفَ صِدْقَ الدعوة، وصحة الشريعة.
ثم وصفَ الكتابَ بأنه شفاءٌ للمؤمنين، وسببُ شقاء للكافرين.
وهو شفاءً حيث استراحوا به عن كَدِّ الفكر وتحيّر الخواطر.
وهو شفاءً لضيق صدور المريدين لما فيه من التنعم بقراءته، والتلذّذ بالتفكّر فيه.
(١) دفع الشيء: نخاه ورده بقوة أو ثاته.

١٥٥
تفسير سورة فصلت
وهو شفاءً لقلوب المحبين من لواعج الاشتياق لما به من لُطْفِ المواجيد.
وهو شفاءٌ لقلوب العارفين بما يتوالى عليها من أنوار التحقيق، وآثار خطاب
الرب العزيز .
﴿ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيَ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىْ﴾: هم لا يسمعون بقلوبهم
من الحق، ولا يستجيبون .. بقوا فى ظلمات الجحد والجهل.
﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَ﴾: لا يزدادون على مر الأيام إلا ضلالاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَخْتُلِفَ فِيهُ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن
زَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شٍَّ مِّنْهُ مُرِيٍ﴾ .
آتينا موسى التوراةَ، وأرسلناه إلى قومه، فاختلفوا في أمره .. فَمَنْ كَحَّلْنا سرَّه
بنور التوحيد صَدَّقه، ومَنْ أعميناه عن مواقع البيان قابله بالتكذيب وجحده.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّيِِّكَ﴾ وهي أن عقوبتَهم في النار بعد قيام القيامة
لَعَجَّلنا استئصالهم، ولأذقناهم في الحال وبالَهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَلَ فَعَلَيْهَاُ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
((فلنفسه)» لأن النفعَ عائدٌ إليه. ومَنْ عمل عملاً سيئاً فإنما ظَلَمَ نَفْسَه، وأساء
إليها؛ لأنه هو الذي يقاصي ضرَّه ويلاقي شرَّه.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ إِلَيْهِ يُرَدُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ
مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ، وَبَوْمَ يُنَادِهِمْ أَيْنَ شُرَكَاءِى قَالُواْ مَاذَنَّكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ .
لمَّا استعجلوا وقالوا: متى تقوم هذه القيامةُ التي يَتَوَعَّدنا بها؟ قال الله تعالى: إنَّ
علمَ القيامة ينفرد به الحقُّ فلا يعلمه غيره، فكما لا يعلم أحدٌ ما الذي يخرج من
الأشجار من الثمار، وما الذي تنطوي عليه أرحامُ النساءِ من أولادها ذكوراً وإناثاً، وما
هم عليه من أوصاف الخِلقة، وما يحصل من الحيوانات من نتاجها - فلا يعلم هذه
الأشياء إلا الله - فكذلك لا يعلم أحدٌ متى تقوم القيامة .
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيْهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى﴾: يتبرؤون من شركائهم، ولكن في وقت لا تنفعهم
كثرةُ نَذَمِهم وبكائهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿لَّا يَمْثَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُ فَيَئُوسُ قَنُوطٌ﴾ .
لا يَمَلُّ الإنسانُ من إوادة النفع والسلامة، وإنْ مَسَّه الشرُّ فيئوسٌ لا يرجو زوالَه
لِعَدَمِ علمه بربه، وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إليه (١).
(١) الآية (٤٨) لم ترد.

١٥٦
تفسير سورة فصلت
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَيِنْ أَذَقْتَهُ رَحْمَةُ مِنَا مِنْ بَعْدٍ ضَرَّةَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِىِ وَمَآ أَظُنُ
السَّاعَةَ قَبِمَةُ وَلَيِن تُجِعْتُ إِلَى رَبَِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَىّ فَلَتُنِعَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ .
لئن كَشَفْنا عنه البلَاءَ، وأوجبنا له الرجاء لاذَّعاه استحقاقاً أو اتفاقاً، وما اعتقد
أن ذلك مِنَّا فضلٌ وإيجاب.
ويقول: لو كان حشرٌ ونشرٌ لكان لي من الله لطفّ وخير، وغداً يعلم الأمر،
وأنه بخلاف ما تَوَهَّمَ .. وذلك عندما نذيقه ما يستوجبه من عذاب.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَهُ الشَُّّ فَذُو دُعَآءٍ
عَرِیضٍ﴾ .
هو لا يميز بين البلاء والعطاء؛ فكثيرٌ مما يتوهمه عطاءً هو مكرٌ واستدراجْ ..
وهو يستديمه. وكثيرٌ مما فضلٌ وصَرْفّ وعطاءٌ يظنه من البلاء فيعافُه ويكرهه .
ويقال إذا أنعمنا عليه صاحبَه بالبَطَر، وإذا أبليناه قابَلَه بالضجر .
ويقال إذا أنعمنا عليه أُعُجِبَ بنفسه، وتكبَّر مختالاً في زَهْوِهِ، لا يشكر ربَّه، ولا
يذكر فضلَه، ويتباعد عن بِساط طاعته .
والمستغني عنَّا يهيم على وجهه، وإذا مسَّه الشرُّ فذو دعاءِ كثيرٍ، وتضرُّعِ
عریض، وابتهالٍ شديد، واستكشافٍ دائم.
ثم إذا كشفنا عنه ذلك فله إلى عُتُوِّه ونُبُوِّه عَوْدٌ، ولسوء طريقته في الجحود
إعادة .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَغَرْتُ بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِمَنْ
هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَيُرِيِهِمْ ءَِنَا فِ اَلَفَانِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ
يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ أَنَّ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْ لِّقَآءِ رَبِّهِمُّ أَلَّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
تُحِيطٌ﴾ .
﴿سَنُرِيهِمْ﴾: السين للاستقبال؛ أي سيُظهر لهم من الآيات، ومن الأحداث
التي تجري في أحوال العالمٌ، وما سيحِلُّ بهم من اختلاف الأمور ما يتبيَّن لهم من
خلاله أنَّ هذا الدِّين حقٍّ، وأنَّ هذا الكتابَ حقٍّ، وأن محمداً - وَ﴿ - حقٍّ، وأن
المُجْرِيّ لهذه الآياتِ والأحداثِ والأمورِ والمنشىءَ له هو الحقُّ - سبحانه.
ومن تلك الآيات ما كان من قَهْرٍ الكفار، وعُلُوُ الإسلام، وتلاشي أعداء الدين.
ويقال من تلك الآيات في الأفاق اختلافُ أحكام الأعين مع اتفاق جواهرها في

١٥٧
تفسير سورة فصلت
التجانس .. وهذه آيات حدوثِ العالَم، واقتضاء المُحدَثِ لصفاته.
﴿وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾: من أمارات الحدوث واختلافِ الأوصاف ما يمكنهم إدراكه.
ويقال: ﴿فِ اَلْآَّفَاقِ﴾ للعلماء، ﴿وَفِيَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ لأهل المعرفة مما يجدونه من
العقاب إذا أَلَّمُوا بذَنْبٍ، ومن الثواب إذا أخلصوا في طاعة .
وكذلك ما يحصل لهم من اختلاف الأحوال من قبضٍ وبسط، وجمع وفَرْقٍ،
وحجبٍ وجذبٍ .. وما يجدونه بالضرورة في معاملاتهم ومنازلاتهم.
﴿ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾: هو الكافي، ولكنهم - أي الكفار -
في مِزيةٍ من لقاء ربهم في القيامة. والإشارة فيه: أن العوامَّ لَفي شكٍ من تجويز ما
يُكَاشَفُ به أهلُ الحضورِ من تعريفات السرِّ.
﴿أَلَّ إِنَّمُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾: عالِمٌ لا يَخْفَى عليه شيءٌ.

سورة الشورى
قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ أَللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَـ
سلوةُ العاصين في سماع رحمةِ الله، وحظوةُ العابدين في رجائهم نعمةَ الله،
وراحةُ الفقراء في رضاهم بقسمةَ الله. لكلٍ من حاله نصيب، وكلَّ في مُتَنَفَّسِه مُصيب .
قوله جلّ ذكره: ﴿حمّ عَسَقّ﴾.
الحاء مفتاح اسمه: حليم وحافظ وحكيم، والميم مفتاح اسمه: مَلِك وماجد ومجيد
ومنَّان ومؤمن ومهيمن، والعين مفتاح اسمه: عالم وعدل وعالٍ، والعين مفتاح اسمه: سيِّد
وسمیع وسريع الحساب، والقاف مفتاح اسمه قادر وقاهر وقریب وقدیر وقدوس.
قوله جلّ ذكره: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِىّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
أقسم بهذه الأسماء وهذه الحروف إنه كما أوحى إلى الذين مِنْ قَبْلِكَ كذلك
يوچي إليك العزيز الحكيم، كما أوحى إليهم العزيز الحكيم.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ .
له ما في السموات وما في الأرضِ مُلْكاً.
﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾: عُلُوُّه وعظمتُه استحقاقُه لأصاف المجد؛ أي وجوب أن
يكون بصفات المجد والجلال .
قوله جلّ ذكره: (﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَبِكَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِ الْأَرْضِّ أَلَّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
أي تكاد السموات تتشقق مِنْ عظمة مَنْ فوقهن وهو الله تعالى، والفوقية هنا
فوقية رتبة؛ وذلك من شدة هيبتهن من الله .
ويقال مِنْ ثِقَلِ الملائكةِ الذين هم فوق السموات لكثرتهم. وفي الخبر:
((أطت(١) السماء أطاً وحق لها أن تئط؛ ما مِنْ موضع قَدَم في السموات إلا وعليه قائم
أو راكع أو ساجد)»(٢).
(١) الأطيط: صوت الرحل والإبل من ثقل أحمالها. (اللسان ٢٥٦/٧ مادة: أطط).
(٢) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند ١٧٣/٥).
١٥٨

١٥٩
تفسير سورة الشورى
ويقال إنه على عادة العرب إذا أخبروا عن شيء قالوا كادت السموات تنشقُ
له .. وهنا لُقْبح قول المشركين ولجرأتهم على الله تعالى، ولعِظَم قولهم كادت
السموات تنشقُّ .. قال تعالى: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنْفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ
اُلْأَرْضُ وَتَّخِرُ لَلِبَالُ هَذَّا أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمِنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٩ - ٩١] وعلى هذا التأويل:
﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أي إلى أسفلهن، أي تتفطر جملتُها .
ومع أنَّ أولاد آدم بهذه الصفة إلا أن الملائكة يسبحون بحمد ربهم لا يفترون،
ويستغفرون لمن في الأرض .. ثم قال: ﴿أَلَّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: أي يغفر لهم مع
كثرة عصيانهم. وفي الوقت الذي يرتكب فيه الكفارُ هذا الجُرْمَ العظيمَ بسبب شِرْكهم فإنه -
سبحانه - لا يقطع رِزْقَه ونَفْعَه عنهم - وإنْ كان يريد أَنْ يعذِّبَهم في الآخرة.
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَلَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم
پِوَكِيلٍ﴾ .
المشركون اتخذوا الشياطينَ أولياءَ مِنْ دونه، وذلك بموافقتهم لها فيما توسوس
به إليهم. وليس يخفى على الله أمرُهم، وسيعذبهم بما يستوجبونه. ولستَ - يا محمد -
بِمُسَلَّطِ عليهم.
وفي الإشارة: كلُّ مَنْ يعمل بمتابعة هواه ويترك لله حدَّاً أو ينقض له عهداً فهو
يتخذ الشياطينَ أولياءَ، والله يعلمه، ولا يخفى عليه أمره، وعلى الله حسابه .. ثم إن
شاء عذبه، وإن شاء غَفَرَ له .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَّكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَنُنْذِرَ يَوْمَ
الْجَمْعِ لَا رَّبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِبِقٌّ فِ السَّعِيرِ﴾ .
أنزلنا عليكَ قرآناً يُتْلَى بلغة بالعرب لتخوّفَ به أهلَ مكة والذين حولَها. وجميعُ
العالَمِ مُحْدِقٌ بالكعبة ومكة لأنها سُرَّةُ الأرضِ.
﴿وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ تنذرهم بيوم القيامة. والإنذارُ الإعلامُ بموضع المخافة. ويوم
الجمع - وهو اليوم الذي يُجْمَعُ فيه الخَلْقُ كلَّهم، ويُجْمَعُ بين المرءِ وعمله، وبين
الجسد وروحه وبين المرء وشكله في الخير والشرّ - لا شكّ في كَوْنه. وفي ذلك اليومِ
فريقٌ يُبْعَثُ إلى الجنة وفريقٌ يحصل في السعير. وكما أنهم اليومَ فريقان؛ فريق في
راحة الطاعات وحلاوة العبادات، وفريق في ظلمة الشُرْكِ وعقوبة الجحد .. فكذلك
غداً؛ فريقٌ هم أهل اللقاء، وفريقٌ هم أهل الشقاء والبلاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَعَلَهُمْ أُمَّةُ وَحِدَةٌ وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ.
وَلَّلِمُونَ مَا لَهُ مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ .

١٦٠
تفسير سورة الشورى
إن أراد أن يجمعهم كلَّهم على الهدى والرشاد لم يكن مانع .. وإذاً لازَيْنَ لهم. ولو
شاء أن يجمعَهم كُلَّهم على الفساد والعناد لم يكن دافع - وإذاً لاشينَ منه. وحيث خَلَقَهم
مختلفين ـ على ما أراد - فلا مبالاة بهم .. إنه إله واحدٌ جَبَّارٌ غيرُ مأمور، متولٍ جميع
الأمور؛ من الخير والشر، والنفع والضر. هو الذي يحيي النفوس والقلوبَ اليومَ وغداً،
ويميت النفوس والقلوبَ اليومَ وغداً .. وهو على كل شيءٍ قدير(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا أَخَْلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ، إِلَى اللَّهِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِ عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
﴿فَحُكْمُهُ: إِلَى الَّهِ﴾: أي إلى كتاب الله، وسُنَّةِ نِبْه وَّر، وإجماع الأئمة، وشواهِد
القياس. والعبرةُ بهذه الأشياء فهي قانون الشريعة، وجملتها من كتابَ الله؛ فإنَّ الكتابَ
هو الذي يدلُّ على صحة هذه الجملة.
ويقال: إذا لم تهتدوا إلى شيءٍ وتعارضت منكم الخواطر فَدَعُوا تدبيركم،
والتجِئوا إلى ظلُ شهود تقديره، وانتظِروا ما ينبغي لكم أن تفعلوه بحُكم تيسيره.
ويقال إذا اشتغلت قلوبكم بحديث أنفسكم؛ لا تدرون أبا لسعادة جَرَى حُكْمُكُم
أم بالشقاوة مضى اسمُكُم؟ فَكِلُوا الأمرَ فيه إلى الله، واشتغلوا في الوقت بأمر الله دون
التفكّر فيما ليس لكم سبيل إلى عِلْمِه عن عواقبكم.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنُ الْأَنْعَمِ
أَزْوَجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِبُ﴾.
خَلَقَ لكم من أنفسكم ((أزواجاً)): أي أشكالًا؛ فَخَلَقَ حواءَ مِنْ آدم. وخَلَقَ -
بسبب بقاء التناسل - جميعَ الحيواناتِ أجناساً.
﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾: يُكْثِرِ خَلْقَكم. ((فيه)) الهاء تعود إلى البطن أي في البطن، وقيل:
في الرَّحِم، وقيل: في التزويج .
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾: لأنه فاطر السموات والأرض، ولأنه لا مِثْلَ يُضَارِعهُ،
ولا شكلَ يشاكله. والكاف في ليس «كمثله)) صلة أي ليس مثله شيء. ويقال: لفظ
((مثل)) صلة؛ ومعناه ليس كهُوَ شيءٌ. ويقال معناه ليس له مثل؛ إذ لو كان له مثل لكان
كمثله شيء وهو هو، فلمَّا قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ فمعناه ليس له مثل، والحقُّ
لا شبية له في ذاته ولا في صفاته ولا في أحكامه .
وقد وقع قومٌ في تشبيه ذاته بذات المخلوقين فوصفوه بالحدّ والنهاية والكون في
(١) الآية (٩) لم ترد.