Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
تفسير سورة الزمر
قوله جلّ ذكره: ﴿ُِكَفْرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ وَنَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِى
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
منْ لا يكون مؤمناً فليس من أهل هذه الجملة. ومَنْ كان معه إيمان: فإذا كُفْرَ
عنه أسوأَ ما عَمِلَه فأسوَأُ أعمالِهِ كبائرُه؛ فإنْ غُفِرَتْ يَجْزِهِم بأحسن أعمالهم. وأحْسَنُ
أعمالِ المؤمنِ الإيمانُ والمعرفة، فإن كان الإيمانُ مؤقتاً كان ثوابُه مؤقتاً، وإن كان
الإيمان على الدوام فثوابُه على الدوام. ثم أحسنُ الأعمال عليها أحسنُ الثوابِ،
وأحسنُ الثوابِ الرؤيةُ فيجب أن تكون على الدوام - وهذا استدلالٌ قوي.
قوله جل ذكره: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٌ ﴾ .
استفهام والمراد منه التقرير؛ فاللَّهُ كافٍ عَبْدَه اليومَ في عرفانه بتصحيح إيمانه
ومَنْعِ الشّرْكِ عنه، وغداً في غفرانه بتأخير العذاب عنه، وما بينهما فكفايتهُ تامة
وسلامته عامة (١).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَّهُمِ مَّنْ خَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اَللَّهُ قُلْ أَفََّيْتُ
مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَثِفَتُ ضُرِهٍِ أَوْ أَرَادَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُرَّ
مُنْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوَكَّلُ الْمُتَوَّكُونَ﴾ .
قَرَّرَ عليهم عُلُوَّ صفاته، وما هو عليه من استحقاق جلاله فأقرُّوا بذلك، ثم
طالَبَهم بِذكْرٍ صفاتِ الأصنام التي عبدوها من دونه، فلم يمكنهم في وصفها إلا
بالجمادية، والبُعَدِ عن الحياة والعِلْم والقدرةِ والتمكَّنِ من الخَلْقِ، فيقول: كيف
أشركتم به هذه الأشياء؟ وهلًّا استحيَيْتُم من إطلاق أمثال ذلك في صفته؟.
قُلْ - يا محمد - حَسْبِيَ الله، عليه يتوكل المتوكلون؛ كافِيَّ اللَّهُ المتفرّدُ
بالجلالِ، القادرُ على ما يشاء، المتَفَضِّلُ عليَّ بما يشاء.
قوله جل ذكره: ﴿قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ إِنِ عَمِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونٌ مَن
يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيِهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ ﴾ .
سوف ينكشف رِبْحُنا وخسرانكم، وسوف تظهر زيادتنا ونقصانكم، وسوف
نطالبكم فلا جواب لكم، ونُعَذِّبُكُم فلا شفيعَ لکم، ونُدَمْرُ علیکم فلا صریخَ
لكم .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِنَبَ لِلنَّاسِ بِأَلْحَقِّ فَمَنِ أَهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ، وَمَن
ضَلَ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيَّهَا وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ .
(١) الآية (٣٧) لم ترد.

١٢٢
تفسير سورة الزمر
مَنْ أحسن فإحسانهُ إلى نَفْسِه اكتَسبَه ومَنْ أساء فبلاؤه على نفسه جَلَبَه - والحقُّ
غنيٌّ عن التجمُّلِ بطاعةِ مَنْ أقبل والتنقُّصِ بِزَلَّةٍ مَنْ أعرض.
قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهُ يَتَوَّنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَتِى لَمْ تَمُتْ فِىِ مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ أَلَّتِىِ
قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرَىّ إلَى أَجَلِ تُسَتَّىَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
يقبض الأرواح(١) حين موتها، والتي لم تَمُتْ من النفوس في حال نومها، فإذا
نامت فيقبض أرواحها. وقبضُ الأرواح في حال الموت بإخراج اللطيفة التي في البدن
وهي الروح، ويخلق بَدَلَ الاستشعارِ والعِلْم الغفلة والغيبةَ في مَحَالُ الإِحساس
والإدراك. ثم إذا قَبضَ الأرواحَ عند الموت خَلَقَ في الأجزاء الموتَ بَدَلَ الحياة،
والموتُ ينافي الإحساسَ والعلمَ. وإذا ردَّ الأرواح بعد النوم إلى الأجسادٍ خَلَقَ الإدراكَ
في محل الاستشعار فيصير الإنسان متيقظاً، وقَبْضُ اللَّهِ الأرواحَ في حال النوم وردت
به الأخبار، وذلك على مراتب؛ فإنَّ روحاً تُقْبَضُ على الطهارة تُرْفَعُ إلى العرش
وتسجد لله تعالى، وتكون لها تعريفات، ومعها مخاطبات ((والله أعلم))(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ أَلَّهِ شُفَعَاءُ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَْئًا
وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ .
أي أنهم - وإن اتخذوا على زعمهم من دون الله شفعاءَ بِحُكْمِهِمْ لا بتعريفٍ من
قِبَلِ الله أو إخبار - فإِنَّ اللَّهَ تعالى لا يقبل الشفاعةَ من أحدٍ إِلَّا إذا أَذِنَ بها، وإِنَّ الذي
يقولونه إنما هو افتراء على الله.
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ
وَإِذَا ذُكِرَ أَلَّذِينَ مِن دُونِهِ: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
اشمأزَّت(٣) قلوبُ الذين جحدوا ولم تسكن نفوسُهم إلى التوحيد، وإذا ذُكِرَ
الذين مِنْ دونه استأنسوا إلى سماعه : -
(١) القشيري هنا لا يكاد يميز بين النفس والروح. لكنه بالرسالة يميز بينهما حيث يقول: ويُحتمل أن
تكون النفس لطيفة مودعة في هذا القالب هي محل الأخلاق المعلولة، كما أن الروح لطيفة في هذا
القالب هي محل الأخلاق المحمودة، وتكون (بشكل عام) مسخراً بعضها لبعض، والجميع إنسان
واحد، وكون الروح والنفس من الأجسام اللطيفة في الصورة ككون الملائكة والشياطين بصفة
اللطافة. (الرسالة القشيرية ص ٨٧).
ثم يقول: اختلف أهل التحقيق من أهل السنة في الأرواح فمنهم من يقول: إنها الحياة، ومنهم من
يقول: إنها أعيان مودعة في هذه القوالب، لطيفة، أجرى الله العادة بخلق الحياة في القالب ما دامت
الأرواح في الأبدان. (الرسالة القشيرية ص٨٨).
(٢) الآية (٤٤) لم ترد.
(٣) اشماز: انقبض واقشعرّ ونفر.

١٢٣
تفسير سورة الزمر
٠
﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ عَلِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ تَحْكُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا
كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .
عَلَّمَه - ◌َال ـــ كيف يثني عليه - سبحانه.
وتشتمل الآيةُ على الإشارة إلى بيان ما ينبغي من التنَصْل والتذلِّلِ، وابتغاءِ العَفْو
والتفضَّلِ، وتحقيقِ الالتجاء بِحُسْنِ التوكل. ثم أخبر عن أحوالهم في الآخرة فقال:
﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَمُ مَعَهُ لَأَفْئَدَوْ بِهِ، مِن سُوَّهِ الْعَذَابِ يَوْمَ
اٌلْقِيَامَةِ﴾ .
لافتدوا به .. ولكن لا يُقْبَلُ منهم، واليومَ لو تصدَّقوا بمثقال ذرة لَقُبِلَ منهم.
كما أنهم لو بَكَوْا في الآخرة بالدماء لا يُرْحَمُ بكاؤهم، ولكنهم بدمعة واحدةٍ - اليومَ -
يُمْحَى الكثيرُ من دواوينهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَبَدَا لَمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ .
في سماع هذه الآية حَسَراتٌ لأصحاب الانتباه.
وفي بعض الأخبار أن قوماً من المسلمين من أصحاب الذنوب يُؤْمَرُ بهم إلى
النار فإذا وافوها يقول لهم مالِكٌ: مَنْ أنتم؟ إن الذين جاؤوا قَبْلَكُمْ من أهل النار
وجوهُهم كانت مُسْوَدَّةً، وعيونُهم كانت مُزْرَقَّة ... وأنتم لستم بتلك الصفة، فيقولون:
ونحن لم نتوقع أن نلقاك، وإنما انتظرنا شيئاً آخر! قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَّم ◌ِنَ اللَّهِ مَا لَمْ
يَكُونُواْ يَخْتَسِبُونَ﴾ .
﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ .
حاق بهم وبالُ استهزائهم وجزاءُ مَكْرِهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنِسَنَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ
عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
في حال الضُّرِّ يتبرَّؤون من الاستحقاق والحوْلِ والقوة، فإذا كَشَفَ عنهم البلَاءَ
وقعوا في مغاليطهم، وقالوا: إنما أوتينا هذا باستحقاقٍ مِنَّا، قال تعالى: ﴿بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ﴾
ولكنهم لم يعلموا، ثم أخبر أن الذين مِنْ قَبْلِهم مثلَ هذا قالوا وحسبوا، ولم يحصلوا إلا
على مغاليطهم، فأصابهم شؤمُ ما قالوا، وهؤلاء سيصيبهم أيضاً مِثْلُ ما أصاب أولئك(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَّلَمّ يَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسَطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُّ إِنَّ فِى ذَلِكَ
لَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
(١) الآيتان: (٥٠، ٥١) لم تردا.

١٢٤
تفسير سورة الزمر
أو لم يَرَوْا كيف خالف بين أحوال الناس في الرزق: فَمِنْ مُوَسَّع عليه رِزْقُه،
ومِنْ مُضَيَّقٍ عليه، وليس لواحدٍ منهم شيءٌ مِمَّا خُصَّ به من التقليل أو التكثير.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَّقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
التسمية ((بياعبادي)) مَذْحٌ(١)، والوصفُ بأنهم ((أسرفوا)) ذَمّ. فلمَّا قال:
﴿يَعِبَادِىَ﴾ طمع المطيعون في أن يكونوا هم المقصودين بالآية، فرفعوا رؤوسهم،
ونَكْسَ العُصَاةُ رؤوسَهم وقالوا: مَنْ نحن ... حتى يقول لنا هذا؟!
فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ فانقلب الحالُ؛ فهؤلاء الذين نكْسوا رؤوسهم
انتعشوا وزالت ذِلَُّهُم، والذين رفعوا رؤوسَهم أطرقوا وزالت صَوْلَتُهم.
ثم أزال الأعجوبةَ عن القسمة بما قَوي رجاءَهم بقوله: ﴿عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني إنْ
أَسْرَفْتَ فعلى نَفْسِكَ أسرفت.
﴿لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾: بعد ما قطعْتَ اختلافَك إلى بابنا فلا ترفَعْ قلبك عَنَّا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ الألف واللام في ((الذنوب)) للاستغراق والعموم،
والذنوب جمع ذنب، وجاءت ((جميعاً)) للتأكيد؛ فكأنه قال: أَغْفِرُ ولا أترك، وأعفو
ولا أُبْقِي.
ويقال إنْ كانت لكم جِناية كثيرة عميمة فلي بشأنكم عناية قديمة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنِبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَ
نُصَرُونَ﴾ .
الإنابة الرجوع بالكلية. وقيل الرق بين الإنابة وبين التوبة أن التائبَ يرجع من
خوف العقوبة، وصاحبُ الإنابة يرجع استحياءً لِكَرَمِه(٢) .
(١) قال القشيري برسالته: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: ليس شيء أشرف من العبودية، ولا
اسم أتم للمؤمن من الاسم له بالعبودية، ولذلك قال سبحانه في وصف النبي 98 ليلة المعراج،
وكان أشرف أوقاته في الدنيا (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد
الأقصى)، وقال تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ فلو كان اسم أجل من العبودية لسمّاه به.
(الرسالة القشيرية ص ٢٠٠).
(٢) قال القشيري بهذا الخصوص برسالته: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: التوبة على
ثلاثة أقسام: أولها التوبة، وأوسطها الإنابة، وآخرها الأوبة، فجعل التوبة بداية والأوبة نهاية والإنابة
أوسطهما. فكل من تاب لخوف العقوبة فهو صاحب توبة، ومن تاب طمعاً في الثواب فهو صاحب
إنابة، ومن تاب مراعاة للأمر، لا لرغبة في الثواب أو رهبة في العقاب فهو صاحب أوبة .
ويقال أيضاً: التوبة صفة المؤمنين. قال الله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون﴾ والإنابة صفة=

١٢٥
تفسير سورة الزمر
﴿وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾: وأخلصوا في طاعتكم، والإسلامُ - الذي هو بعد الإنابة - أَنْ
يعلمَ أَنْ نجاتَه بفَضْلِه لا بإنابته؛ فبفضله يصل إلى إنابته ... لا بإنابته يصل إلى فضله.
﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ قبل الفراق. ويقال هو أن يفوتَه وقتُ الرجوعِ
بشهود الناس ثم لا يَنْصَرِفُ عن ذلك(١).
قوله جل ذكره: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَفَ عَلَى مَا فَرَّطِتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنْتُ لَمِّنَ
السَّحِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَ
أَنَّ لِى كَرَّةُ فَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ .
يقال هذا في أقوام يَرَوْن أمثالَهم تقدموا عليهم في أحوالهم، فيتذكرون ما سَلَفَ
من تقصيرهم، ويَرَوْن مَّا وُفْقَ إليه أولئك من المراتب فيعضون بنواجذ الحسرة(٢) على
أنامل الخيبة .
أو يقول: لو أنَّ الله هداني لكُنْتُ كذا، ويقول آخر: لو أنَّ لي كَرَّةً فأكون كذا،
فيقول الحقُّ - سبحانه :
﴿بَ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَقٍ فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأَسْتَكْبَرْتَ وَّكُنتَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ .
فَذُقْ من العذابِ ما على جُزْمِك استوجَبْتَ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى
جَهَنَّمَ مَنْوَى لِلْمُتَكَِّينَ﴾ .
هؤلاء الذين اذَّعوا أحوالاً ولم يَصْدُقُوا فيها، وأظهروا المحبةً لله ولم يتحققوا
بها، وكفاهم افتضاحاً بذلك! وأنشدوا:
فما لي أرى الأعضاء منك کواسيا؟!
ولمَّا ادَّعَيْتُ الحُبَّ قالت كَذَبْتَني
وتخرس حتى لا تجيب المناديا(٣)
فما الحُبُّ حتى تنزف العين بالبكا
قوله جسلّ ذكره: ﴿وَيُنَّجِى اللَّهُ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ الشُّهُ وَلَا هُمّ
يحزنونَ﴾
كما وَقَاهم - اليومَ - عن المخالفات، حماهم - غداً - من العقوبات، فالمتقون
الأولياء المقربين، قال الله تعالى: ﴿من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب) والأوبة صفة الأنبياء
=
والمرسلين، قال الله تعالى: ﴿نعم العبد إنه أواب﴾. (الرسالة القشيرية ص٩٤).
(١) الآية (٥٥) لم ترد.
(٢) عضوا عليه بالنواجذ؛ أي حرصوا عليه.
(٣) البيتان في الرسالة القشيرية ص ٣٢٤. رواية البيت الثاني فيها:
وتذبل حتى لا تجيب المناديا
فما الحب حتى يلصق القلب بالحشا

١٢٦
تفسير سورة الزمر
فازوا بسعادة الدارين؛ اليومَ عصمة، وغداً نعمة. اليومَ عناية وغداً حماية وكفاية.
قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ .
تدخل أكسابُ العباد في هذه الجملة، ولا يَدْخُل كلامُه فيه؛ لأن المخاطِبَ لا
يدخل تحت الخطاب ولا صفاته.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَّهُ مَقَالِيُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَابَتِ اللَّهِ أُوْلَِّكَ هُمُ
اَلْخَسِرُونَ﴾ .
﴿مَقَالِهُ﴾ أي مفاتيح، والمرادُ منه أنه قادر على جميع المقدورات، فما يريد أَنْ
يُوجِدَه أَوْجَدَه .
قوله جل ذكره: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الَّهِ تَأْمُرُوَّنَّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ﴾ .
أي متى يكون لكم طَمَعٌ في أن أعبدَ غيره ... ويتوحيده ربَّاني، وبتفريده
غَذَاني، وبِشَرَابٍ حُبِّه سَقَاني؟ !.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِينَ﴾ .
لَئِنْ لاحظْتَ غيري، وأثْبَتَّ معي في الإبداعِ سِوَايَ أحْبَطْتَ عَمَلكَ، وأبطلْتَ
سعَيكَ، بل اللَّهَ - يا محمد - فاعْبُدْ، وكُنْ من جملة عبادي الشاكرين(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا فَدَرُواْ اللَّهَ حَتَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ اٌلْفِيَامَةِ
وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَتَعَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
ما عرفوه حَقَّ معرفته، وما وصفوه حقَّ وصفه، وما عظَّموه حَقَّ تعظيمه؛ فَمَن
اتصف بتمثيل، أو جَنَحَ إلى تعطيل حَادَ عن السُّنَّةِ المُثْلَى وانحرف عن الطريقة
الحسنى. وصفوا الحقَّ بالأعضاء، وتَوَهَّموا في نَعْتِهِ الأجزاء، فما قدروه حقَّ قَدْرِهِ؛
فالخَلْقُ في قبضة قدرته، والسموات مطويات بيمينه، ويمينهُ قُدْرَتُه. ولأنه أقسم أن
يُفِْيَ السمواتِ ويطويها فهو قادر على ذلك.
﴿سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى﴾ تنزيهاً له عما أشركوا في وصفه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِى السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّ مَنْ شَآءَ
اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَظُرُونَ﴾ .
في النفخة الأولى تموتون، ثم في النفخة الثانية تُخْشَرُون، والنفختان
متجانستان؛ ولكنه يخلق عند إحداهما إزهاق الأرواح، وفي الأخرى حياة النفوس،
(١) الآية (٦٦) لم ترد.

١٢٧
تفسير سورة الزمر
لِيُعْلَمَ أن النفخةَ لا تعمل شيئاً لعينها، وإنما الجبّارُ بقدرته يخلق ما يشاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَيِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحَِّْ بِالنَِّنَ وَالشُّهَدَآءِ
وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ .
نور يخلقه في القيامة فتشرق القيامةُ به، وذلك عند تكوير (١) الشمس وانكدار(٢)
النجوم، ويستضيء بذلك النور والإشراق قومٌ دون قوم. الكُفَّارُ يَبْقَوْن في الظلمات،
والمؤمنون نورُهم يسعى بين أيديهم.
ويقال اليومَ إشراق، وغداً إشراقٍ، اليومَ إشراقُ القلبِ بحضوره، وغداً إشراقُ
الأرض بنور ربها. ويقال غداً أنوار التولّي للمؤمنين، واليومَ أنوار التجلّي للعارفين.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
إن كان خيراً فَخَيْرٌ، وإن كان غيرِ خَيْرِ فغيرُ خير .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَسِيْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًاً حَتََّ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ
أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَفَنُهَا أَلَّ يَأْتِّكُمْ رُسُلُ مِنِكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ
يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ .
الكفار يُسَاقُون إلى النار عنفاً، والمؤمنون يُسَاقون إلى الجنة لُطْفاً؛ فالسَّوَقُ
يجمع الجنسين ... ولكن شتان بين سَوْقِ وسَوْق !.
فإذا جاء الكفارُ قابلهم خَزَنَةُ النار بالتوبيخ والعتاب والتأنيب؛ فلا تكريمَ ولا
تعظيم، ولا سؤال ولا استقبال ... بل خِزْيٌّ وهوانٌ، ومن كل جنسٍ من العذاب
ألوان(٣).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًّا حََّ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ
أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَنَتُهَا سَلَمْ عَلَيْكُمْ لِبْتُمْ فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ﴾.
سَوْقٌ ولكن بغير تعبٍ ولا نَصَبٍ، سَوْقٌ ولكن برَوْحٍ وطَرَبٍ.
(زمراً» جماعاتٍ، وهؤلاء هم عوامُ أهل الجنة، وفوق هؤلاء: ﴿يَّمَ نَحْتُرُ
الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] وفوقهم مَنْ قال فيهم: ﴿وَأَزْلِغَتِ الْجَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غْرَ
بَعِيدٍ﴾ [ق: ٣١] وفَرْقٌ بين مَنْ يُسَاقُ إلى الجنة، وبين مَنْ تُقَرَّبُ منه الجنة ... هؤلاء
الظالمون، والآخرون المقتصدون، والآخرون السابقون.
(١) كوّرت الشمس: جمع ضوءها وصار كالكرة، أو اضمحلت وذهب ضوءها.
(٢) انكدرت النجوم: تناثرت أو انحدرت وتساقطت أو أظلمت وذهب نورها.
(٣) الآية (٧٢) لم ترد.

١٢٨
تفسير سورة الزمر
﴿حَقََّ إِذَا جَءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا ... ﴾ وإذا وافوا الجنة تكون الأبوابُ مُفَتَّحَةً لئلا
يصيبهم نَصَبُ الانتظار .
ويقال إذا كان حديث الجنة فالواجب أن يبادر إليها ولا يحتاج أن يُسَاق، ولعلَّ
هؤلاء لا رغبةَ لهم في الجنة بكثير؛ فَلَهُم معه في الطريق قَوْلُ ﴿طِبْتُمْ﴾؛ أي أنهم
يُساقون إلى الجنة بلطف دون عنف.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَمُ وَأَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ
الْجَنَّةِ حَيْثُ نٌَّ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾.
صَدَقَنا وعده بإدخالنا الجنة، وإكمال المِنَّة .
﴿وَوَثَّنَا الْأَرْضَ﴾ أي أرضَ الجنة؛ نتبوأ منها حيث نشاء. وهؤلاء قوم
مخصوصون، والذين هم قومُ ((الغُرَف)) أقوام آخرون.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَرَى الْمَلَبِكَةَ حَفِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرَشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمٌّ وَقُضِىَ
بَيْنَهُم بِالْحَقّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾.
يُسَبِّحون بحمد ربهم في عموم الأوقات ... هذا هو عملُ الملائكة الذين من
حول العرش.
وقُضِيَ بين أهل الجنة وأهل النار بالحقِّ، لهؤلاء دَرَكات ولأولئك درجات ...
إلى غير ذلك من فنون الحالات. وقُضِيَ بين الملائكة أيضاً في مقاماتهم على ما أراده
الحقُّ في عباداتهم.

سورة المؤمن
قوله جل ذكره: ﴿إِسْمِ اللّهِ الرََّنِ الرَّحَـ
((بسم الله)) كلمةٌ مَنْ تحقَّقَ بها شَرُفَ من الحقِّ مَنَالُه، وصفت عنده أحواله،
وَخَلَعَ عَلَى نَفْسِه رداءَ الأفضال، وألبَسَ قلبَه جلالَ الإقبال، وأفرد رُوحَه بروحٍ لُطْفٍ
الجمال، واستخلص سِرَّه بِكَشفِ وصفِ الجلال.
قوله جل ذكره: ﴿حمّ﴾.
أي حُمَّ أمْرٌ كائن .
ويقال ((الحاء)) إشارة إلى حِلْمِه، ((والميم)) إشارة إلى مجده أي: بحِلْمي ومجدي
لا أُخَلِّدُ في النار مَنْ آَمنَ بي.
ويقال هذه الحروف مفاتح أسمائه .
﴿َتَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيرِ الْعَلِيمِ﴾.
((العزيز)): المُعزِّ لأوليائه، ((العليم)» بما كان ويكون منهم، فلا يمنعه عِلمُه بما
سَلَفَ منهم عن قضائه .
قوله جل ذكره: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابٍ ذِى الَّوْلِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ إِلَيْهِ
الْمَصِيرُ﴾ .
كتابٌ مُعَنْوَنٌ بقبول توبته لِعِبادَه؛ عَلِمَ أنْ العاصيَ مُنكِسِرُ القلبِ فأزال عنه
الانكسارَ بأن قدَّمَ نصيبه، فقدَّم اسمَه على قبول التوبة. فَسَكْنَ نفوسَهم وقلوبَهم
باسْمَيْنِ يُوجِبَان الرجاء؛ وهما قولُه: ﴿غَافِرِ الذَّنْبٍ وَقَابِلِ التَّبِ﴾ .
ثم عقبهما بقوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ ثم لم يرض حتى قال بعدئذٍ ﴿ذِى اُلَّوْلِ﴾ .
فيُقَابِلُ قَوْلَه: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ قَوْلُه: ﴿ذِى اُلَّوْلِ﴾ .
ويقال: غافرُ الذنبِ لِمَنْ أَصَرَّ واجْتَرَمَ، وقابلُ التوبِ لمن أُقَرَّ ونَدِمَ، شدید
العقاب لِمَنْ جَحَدَ وعَنَدَ، ذِي الطول لمن عَرَفَ ووَحَد.
ويقال غافر الذنب للظالمين، وقابل التوب للمقتصدين، شديد العقاب
للمشركين، ذي الطول للسابقين.
١٢٩

١٣٠
تفسير سورة غافر
ويقال: سُنَّةُ الله أنه إذا خَوْفَ العبادَ باسمٍ أو لفظٍ تدَاركَ قلوبهم بأن يُبشّرَهم
باسْمَیْن أو بوَضْفین.
﴿إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ﴾: وإذا كان إليه المصير فقد طاب إليه المسير.
قوله جل ذكره: ﴿مَا يُجَدِلُ فِيّ ءَايَتِ اَللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُُّهُمْ فِي
الْبِلَدِ﴾.
إذا ظَهر البرهانُ واتَّضَحَ البيانُ استسلمَتْ الألبابُ الصاحيةُ للاستجابة والإيمان.
فأمَّا أهلُ الكفرِ فلهم عَلَى الجمود إصرارٌ، وشُؤْمُ شِرْكِهم يحولُ بينهم وبين
الإنصاف .. وكذلك من لا يحترمون أولياء الله، ويُصِرُّون على إنكارهم، ويعترضون
عليهم بقلوبهم، ويجادلون في جَحْدِ الكرامات، وما يخصُّ اللَّهُ به عباده من الآيات ..
فهؤلاء يميزون بين رجحانهم ونقصانهم، وسيفتضحون كثيراً.
قوله جل ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَّلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ
بَسُولِمْ لِيَأْخُذُوَةٌ وَحَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ تَكِفَ كَانَ عِقَابٍ﴾.
كذلك مَنْ انقرض مِنَ الكفار كان تكذيبُ الرُّسُلِ دَأْبَهم، ولكنَّ الله - سبحانه -
انتقم منهم، وعلى كُفْرِهم احترمهم.
والمُنْكِرُ لهذا الطريق يدين بإنكاره، ويتقرّبُ إلى الله به، ويعد وقيعته في أولياء
الله من جملة إحسانه وخيراته، ولكن الله - سبحانه - يعذبهم في العاجل بتخليتهم فيما
هم فيه، وصَدٌ قلوبهم عن هذه المعاني، وحرمانهم منها.
قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَثُ رَيْكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَهُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾.
إذا انختم على عبدٍ حُكْمُ الله بشقاوته فلا تنفعه كَثْرَةُ ما يورَدُ عليه من النُّصح.
والله على أمره غالبٌ. ومَنْ أَسَرَتْه يَدُ الشقاوة فلا يُخَلِّصُه مِنْ مخالبها جُهْدٌ ولا سعاية.
قوله جل ذكره: ﴿الَّذِينَ يَِّلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ،
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَمِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةُ وَعِلْمًا فَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ
سَبِلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجِيمِ﴾ .
حَمِلَةُ العرش من حَوْلَ العرش من خواص الملائكة، مأمورون بالتسبيح الله، ثم
بالاستغفار للعاصين - لأنَّ الاستغفار للذنبِ والتوبةُ إنما تحصل من الذنب -
ويجتهدون في الدعاء لهم على نحو ما في هذه الآية وما بعدها؛ فيدعون لهم بالنجاة،
ثم بِرفع الدرجات، ويحيلون الأمر في كل ذلك على رحمة الله.
قوله جل ذكره: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُرْ جَنَّتِ عَدْنٍ أَلَِّى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآيِهِمْ

١٣٢
تفسير سورة غافر
وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّنَتِهِمْ لِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيْئَاتِ وَمَن تَّقِ السَّيْئَاتِ یومیذٍ
فَقَدْ رَحْتَةُّ وَذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ﴾ .
﴿وَمَنْ تَّقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحْتَهُ﴾: فلئن سلَّطَ عليك أراذل من خَلْقه - وهُم
الشياطين - فلقد قيَّض بالشفاعة أفاضلَ من خَلْقِهِ ومن الملائكة المقرَّبين.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اَللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ
أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ .
أشَدُّ العقوباتِ التي يُوصلها الحقُّ إليهم آثارُ سُخْطِه وغَضَبِهِ، وأجَلُّ النّعم التي
يغروهم بها آثارُ رضاه عنهم. فإذا عَرَفَ الكافرُ في الآخرة أنَّ ربَّه عليه غضبانُ فلا
شيء أصعبُ على قلبه من ذلك؛ لأنه عَلِمَ أنه لا بُكاء ينفعه، ولا عناءَ يزيل عنه ما هو
فيه ويدفعه، ولا يُسْمَعُ له تضرُّعْ، ولا تُرْجَى له حيلة.
قوله جل ذكره: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنٍ وَأَحْبَيْتَنَا أَنْتَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلَ إِلَى"
خُرُوجٍ مِّنِ سَبِيلٍ﴾.
الإماتةُ الأولى إماتَتُهم في الدنيا ثم في القبر يحييهم، ثم يميتهم فهي الإماتةُ
الثانية. والإحياء الأول في القبر والثاني عند النشر.
﴿فَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾: أقروا بذنوبهم - ولكن في وقتٍ لا ينفعهم الإقرار.
﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ مما نحن فيه من العقوبة، وإنما يقولون ذلك حين
لا ينفعهم الندمُ والإقرارُ. فيُقال لهم :-
﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اَللَّهُ وَحْدَهُ كَفَّرْتُمْ وَإِن يُثْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيّ
الْكَبِيرِ﴾
أي تُصَدِّقوا المشركين لكفرهم. وهؤلاء إماتَتُهم محصورة، فأمَّا أهلُ المحبةِ
فلهم في كلٌ وقتٍ حياةٌ وموتٌ، قال قائلُهم:
أموت إذا فَقَدْتُكَ ثم أحيا فكم أحيا عليك وكم أموت!
فإنَّ الحقَّ - سبحانه - يُرَدِّدُ أبداً الخواصَّ من عباده بين الفناء والبقاء، والحياة
والموت، والمحو والإثبات.
قوله جل ذكره: ﴿هُّوَ اَلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُتَزِّكُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًاْ وَمَا يَتَذَكَّرُ
إِلَّا مَن يُنِبُ﴾.
يُرِيهم آياتٍ فَضْلِه فيما يُلاطِفُهم، ويريهم آياتٍ قَهْرِه فيما يكاشفهم، ويريهم
آياتٍ عَفْوِه إذا تَنَصَّلُوا، وآياتٍ جوده إذا توسَّلُوا، وآياتِ جلالِهِ إذا هابوا فغابوا، وآياتٍ

١٣٢
تفسير سورة غافر
جمالِه إذا آبوا واستجابوا. ﴿وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِنَ السَّمَآءِ رِزْقًا﴾ لأبدانكم وهو توفيق
المجاهدات، ولقلوبكم وهو تحقيق المشاهدات، ولأسراركم وهو فنون المواصلات
والزيادات.
﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن يُنِيبُ﴾: يرجع من العادة إلى العبادة، ومن الشَّكِّ إلى
اليقين، ومن الخَلْقِ إلى الحقِّ، ومن الجهل إلى العِلْم، ومن النكرة إلى العرفان.
قوله جل ذكره: ﴿فَدْعُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ﴾ .
شَرْطُ الدعاء تقديم المعرفة لتعرفَ من الذي تدعوه، ثم تدعو بما تحتاج إليه مِمَّا
لا بُدَّ لك منه، ثم تنظر هل أعطاكَ ما تطلب وأنت لا تدري؟ والواجبُ ألا تطلب شيئاً
تكون فيه مخالفةٌ لأمره، وأن تتباعد عن سؤالك الأشياء الدَّنِيَّة والدنيوية، وأن ترضى
بما يختاره لك مولاك. ومن الإخلاص في الدعاء ألا ترى الإجابة إلّا منه، وألا ترى
لنفسك استحقاقاً إلا بفضله، وأن تعلم أنه إن بقيت سؤالك عن مطلوبك - الذي هو
حَظُكَ - لا تَبْق عن عبادة ربِّك ـ التي هي حَقُّه ((فإنَّ الدعاء مُخُ العبادة))(١) ومن
الإخلاص في الدعاء أن تكون في حال الاضطرار لما لا يكون ابتداؤه جُزماً لك،
وتكون ضرورتُك لسراية جنايتك.
قوله جل ذكره: ﴿رَفِيعُ الذَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ، لِيُنذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ﴾.
رافعُ الدرجات للعُصاةِ بالنجاة، وللمطيعين بالمثوبات، وللأصفياء والأولياء
بالكرامات، ولذوي الحاجات بالكفايات، وللعارفين بتنقيبهم عن جميع أنواع
الإرادات .
ويقال درجاتُ المطيعين بظواهرهم في الجنة، ودرجاتُ العارفين بقلوبهم في
الدنيا؛ فيرفع درجاتهم عن النظر إلى الكونيْن دون المساكنة إليهما. وأمَّا المحبون
فيرفع درجاتِهم عن أن يطلبوا في الدنيا والعُقبى شيئاً غيرَ رضاءٍ محبوبهم.
﴿ذُو الْعَرّشِ﴾: ذو المُلْكِ الرفيع. ويقال العرش الذي هو قِبْلَةُ الدعاء، خَلَقَه
أرفعَ المخلوقاتِ وأعظمَها جُثة.
(١) أخرجه ابن ماجه في (السنن ٣٨٢٧)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٢٦٧/٤، ٢٧١، ٢٧٦)
والحاكم في (المستدرك ٤٩٠/١)، وابن حجر في (فتح الباري ٤٩/١)، والبغوي في (شرح السنة
١٨٤/٥)، والساعاتي في (منحة المعبود ١٢٥٢)، والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ١٢/
٢٧٩)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٣٠٦/١)، والشجري في (الأمالي ٢٢٣/١ - ٢٣٥)
والطبري في (التفسير ٩٤/٢، ٥١/٢٤)، والبخاري في (الأدب المفرد ٧١٤).

١٣٣
تفسير سورة غافر
﴿ يُّقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ روحٌ بها ضياءُ أبدانهم - وهو سلطانُ
عقولهم، وروح بهاء ضياء قلوبهم - وهو شفاءُ علومهم، وروحٌ بها ضياء أرواحهم -
والذي هو للژُّوح روح - بقاؤهم بالله .
ويقال: روح هو روح إلهام، وورح هو روح إعلام، وروح هو روح إكرام.
ويقال: روح النبوة، وروح الرسالة، وروح الولاية، وروح المعرفة.
ويقال: روح بها بقاءُ الخلق، وروح بها ضياء الحق.
قوله جل ذكره: ﴿يَوْمَ هُم بَدِنُونَّ لَا يَخْفَ عَلَى اَللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ﴾ .
يعلم الحاصل الموجود، ويعلم المعدوم المفقود، والذي كان والذي يكون،
والذي لا يكون مما عَلِمَ أنه لا يجوز أن يكون، والذي جاز أن يكون أن لو كان كيف
کان یکون .
﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَّ لِلَِّ اَلْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ .
لا يتقيد مُلْكُه بيوم، ولا يختصُّ مُلْكُه بوقتٍ، ولكنَّ دَعَاوَى الخَلْقِ - اليومَ - لا
أصلَ لها؛ إذ غداً تنقطع تلك الدعاوى وترتفع تلك الأوهام.
قوله جل ذكره: ﴿اَلْيَوْمَ تُّجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ◌ُلْمَ الْيَوْمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
اُلْحِسَابِ﴾ .
يجازيهم على أعمالهم بالجنان، وعلى أحوالهم بالرضوان، وعلى أنفاسهم
بالقربة، وعلى محبتهم بالرؤية .
ويجازي المذنبين على توبتهم بالغفران، وعلى بكائهم بالضياء والشفاء.
﴿لَا ◌ُلْمَ أَلْيَوْمٌ﴾: أي أنه يستحيل تقديرُ الظلم منه، وكل ما يفعل فله أن يفعله.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ مع عباده؛ لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ، وسريعُ الحساب مع
أوليائه في الحال؛ يطالبهم بالصغير والكبير، والنقير والقطمير.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِقَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْخَنَاجِرِ كَظِمِينَّ مَا لِلظَّالِمِينَ
مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ .
قيامةُ الكُلِّ مؤجَّلة، وقيامةُ المحبين مُعَجَّلة؛ فَلَهم في كلِّ نَفَس قيامةٌ من العقاب
والعذاب والثواب، والبُعَاد والاقتراب، وما لم يكن لهم في حساب، وتشهد عليهم
الأعضاء؛ فالدمعُ يشهد، وخَفَقَانُ القلبِ ينطق، والنحولُ يُخْبِر، واللونُ يُفْصِح.
والعبدُ يَسْتُرُ ولكن البلاءِ يَظْهَرُ:
يا مَنْ تَغَيَّرُ صورتي لمَّا بَدَا لجميع ماظَنُوا بنا تصديقا
.

١٣٤
تفسير سورة غافر
وأنشدوا:
وشهودُ كلِّ قضية اثنان
لي في محبته شهودٌ أربعْ
وخفوقُ قلبي واعتقالُ لساني
ذوبانُ جسمي وارتعادُ مفاصلي
وقلوبُهم - إذا أزِفَ(١) الرحيلُ بَلَغت الحناجر، وعيونهم شَرِقَتْ بدموعها إذا
نودي بالرحيل وشُدَّت الرواحل.
قوله جل ذكره: ﴿يَعْلَمُ خَيْنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ﴾ .
فخائنةُ أعين المحبين استحسانهم شيئاً، ولهذا قالوا:
يا قُرَّة العينِ : سَلْ عيني هل اکتحلت
ولذلك قالوا :
بمنظرٍ حَسَنٍ مُذْ غِبْتَ عن بَصَرِي
فعيني إذا استحسنَتْ غيرَكم
أمَرْتُ السُّهادَ(٢) بتعذيبها
ومن خائنة أعينهم أن تأخذهم السِّنَةُ والسُّبات في أوقات المناجاة؛ وقد جاء في
قصة داود عليه السلامة: كَذَبَ مَنْ اذَّعَى محبتي، فإذا جَنَّهُ الليلُ نامٍ عَنِّي!
ومن خائنة أعين العارفين أن يكون لهم خَبَرٌ بقلوبهم عمَّا تقع عليه عيونُهم.
ومن خائنة أعين الموحّدين أن تخرج منها قطرةُ دمع تأسُّفاً على مخلوقٍ يفوت
في الدنيا والآخرة، ولا على أنفسهم.
ومن خائنة أعين المحبين النظرُ إلى غير المحبوب بأي وجهٍ كان، ففي الخبر:
(حُبُّكَ الشيء يعمي ويصم))(٣).
﴿وَمَا تُخْفِى الشُّدُورُ﴾: فالحقُّ به خبير.
قوله جل ذكره: ﴿وَاَللّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ إِنَّ اللَّهَ
هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
(١) أزف: دنا واقترب أو عجل.
(٢) السهاد: الأرق.
(٣) أخرجه أبو داود في (السنن ٥١٣٠)، وأحمد بن حنبل في (المسند ١٩٤/٥، ٤٥٠/٦)، والزبيدي
في (إتحاف السادة المتقين ٢٧٦/٧، ٦٨٤/٩)، والتبريزي في «مشكاة المصابيح ٤٩٠٨) والدولابي
في (الكنى والأسماء ١٠١/١)، وأبو حنيفة في (المسند ١٦٨)، وفي (جامع مسانيد ٢٣/١، ٨٧)،
وابن كثير في (التفسير ١٨١/١، ٤٧٣/٣)، والقرطبي في (التفسير ٣٠٧/١)، والخطيب البغدادي
في (تاريخ بغداد ١١٧/٣)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٣١/٣) وابن عساكر في
(تهذيب تاريخ دمشق ٣٢٥/٣، ٢٣٤/٤، ٨٩/٥، ٣٩٢/١٠)، والعجلوني في (كشف الخفاء ١٪
٤١٠)، والفتني في (تذكرة الموضوعات ١٩٩)، وابن عراق في (تنزيه الشريعة ٤٠٣/١)، وعلي
القاري في (الأسرار المرفوعة ١٧٧).

١٣٥
تفسير سورة غافر
يقضي للأجانب بالبعاد، ولأهل الوصال بالوداد، ويقضي يومَ القدوم بعَزْلٍ
عمال الصدود، وإذا ذُبحَ الموتُ غداً بين الجنة والنار على صورة كَبْشٍ أملح فلا غرابة
أن يُذْبَحَ الفراقُ على رأسٍ سكة (١) الأحبابِ في صورة شخصٍ منكر ويصلب على
جذوع العِبرة لينظرَ إلى أهلُ الحَضْرَة.
٥* أَوْلَمْ يَسِبُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن
قوله جل ذكره :
قَبْلِهِمَّ كَانُوْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَءَاثَارًا فِى الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم ◌ِّنَ اللَّهِ مِن:
وَاقٍ﴾.
أو لم يسيروا في أقطار الأرض بنفوسهم، ويطوفوا مشارقها ومغاربها ليعتبروا بها
فيزهدوا فيها؟ أو لم يسيروا بقلوبهم في الملكوت بجولان الفكر ليشهدوا أنوارَ التجلّي
فيستبصروا بها؟ أو لم يسيروا بأسرارهم في ساحات الصمدية ليستهلكوا في سلطان
الحقائق، وليتخلّصُوا من جميع المخلوقات قاصيها ودانيها؟
قوله جل ذكره: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَهِنَتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ الَّهُ
إِنَّمُ قَوِىٌّ شَدِيدُ أَلْمِقَابِ﴾ .
إن بغى من أهل السلوك قاصدٌ لم يصل إلى مقصوده فَلْيَعْلَمْ أنَّ مُوجِبَ حَجْبِهِ
اعتراضٌ خَامَرَ قلبَه على بعض شيوخه في بعض أوقاته؛ فإنَّ الشيوخَ بمحلٌ السفراء
للمريدين. وفي الخبر: ((الشيخُ في قومه كالنبيِّ في أمته)»(٢) .
قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بَِايَئِنَا وَسُلْطَانٍ تُبِيٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ
وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
أكْرَمُ خَلْقِه في وقته كان موسى عليه السلام، وأخَسُ خَلْقِه وأذَلُّهم في حُكْمِه
وأشدُّهم كفراً كان فرعون؛ فما قال أحدٌ غيره: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَّهٍ غَيْرِى﴾
[القصص: ٣٨].
فَبَعَثَ اللَّهُ - أخصَّ عباده إلى أخسُ عباده، فقابله بالتكذيب، ونَسبَه إلى السِّحر،
وأنََّهُ بكل أنواع التأنيب. ثم لم يُعَجِّلْ اللَّهُ عقوبته، وأمهله إلى أن أوصل إليه شِقْوَتَه -
إنه سبحانه حليمٌ بعباده.
(١) السكة: الطريق المستوي.
(٢) أخرجه المتقي الهندي في (كنز العمال ٤٢٦٣٣)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٨٢/١)،
وابن القيسراني في (تذكرة الموضوعات ١٠٨٢)، والسيوطي في (اللآلىء المصنوعة ٨٠/١)،
والعجلوني في (كشف الخفاء ١٢/٢)، وابن الجوزي في (الموضوعات ١٨٣/١)، والشوكاني في
(الفوائد المجموعة ٤٨٨)، وعلي القاري في (الأسرار المرفوعة ٢٢٩، ٣٣٩).

١٣٦
تفسير سورة غافر
قوله جل ذكره: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِأَلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهٍُ
وَأَسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمَّ وَمَا كَيِّدُ اَلْكَفِرِينَ إِلَّ فِ ضَلَالٍ﴾.
عَزَم على إهلاكه وإهلاك قومه، واستعان على ذلك بجُنْدِه وخَيْلِه ورَجْلِهِ، ولكن
كان كما قال الله: ﴿وَمَا كَيْدُ اَلْكَفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَلٍ﴾، لأنه إذا حَفَرَ أحدٌ لِوَلِيٍّ من
أولياء الله تعالى حُفْرةٌ ما وقع فيها غيرُ حَافِرِها .. بذلكَ أجرى الحقُّ سُنَّتَه.
قوله جل ذكره: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِّ أَقْتُلُ مُوسَى وَلِيَدْعُ رَبَّهٌُ إِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ
دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظهِرَ فِي الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ﴾.
﴿وَلَيَدْعُ رَبَّهٌُ﴾ أي لِيَسْتَعِنْ بربه، وإني أخاف أن يبدل دينكم، وأخاف أن يُفْسِدَ
في الأرض، وكان المفْسِدُ هو فرعون، وهو كما قيل في المثل: ((رمَتْنِي بدائها
وانْسَلَّتْ)) ولكن كادَ له الكيد، والكائد لا يتخلص من كيده.
فاستعاذ موسى بربه، وانْتُدِبَ في الردْ عليهم مؤمِنٌ بالله وبموسى كان يكتم إيمانه
عن فرعون وقومه(١) :-
قوله جل ذكره: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ عَالٍ فِرْعَوْنَ بَكْثُمُ إِيمَانَهُ: أَنَّقْتُلُونَ رَسُلَّا أَنَ
يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَهِنَتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبٌُ وَإِن يَكُ صَادِفًا
يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ .. الآيات.
نَصَحَهُم واحتَجَّ عليهم فلم ينجح فيهم نُصْحٌ ولا قَوْلٌ. وكم كَرَّرَ ذلك المؤمن
من آل فرعون القولَ وأعاد لهم النُّضْحَ! فلم يستمعوا له؛ وكان كما قيل:
وكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغضة المتنصّحُ(٢)
قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِأَلْبَهِنَتِ فَا زِلْتُمْ فِ شٍَّّ مِّمَا
جَاءَكُمْ بِهِ حََّ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولَا كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ مَنْ
هُوَ مُسْرِفٌ مُرْنَابٌ﴾.
بَيَّنَ أنَّ تكذيبهم كتكذيب آبائهم وأسلافهم من قبل، وكما أهلك أولئك قديماً
كذلك يفعل بهؤلاء(٣).
قوله جل ذكره: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلَّىَّ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ أَسْبَبَ
السَّمَوَتِ فَأَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُهُ كَذِبً﴾ .
السببُ ما يُتَوَصَّلُ به إلى الشيء؛ أي لعلي أصل إلى السماء فأطَّلِعَ إلى إله
(١) الآية (٢٧) لم ترد.
(٣) الآية (٣٥) لم ترد.
(٢) الآيات من (٢٩ حتى ٣٣) لم ترد.

١٣٧
تفسير سورة غافر
موسى. ولو لم يكن من المضاهاة بين مَنْ قال إن المعبود في السماء وبين الكافر إلا
هذا لكفي به خِزْياً لمذهبهم. وقد غَلِطَ فرعونُ حين تَوَهَّمَ أنَّ المعبودَ في السماء، ولو
كان في السماء لكان فرعونُ مُصِيباً في طَلَبِهِ من السماء.
قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَهُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِّ وَمَا كَيْدُ
فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابٍ﴾ .
أخبر أنَّ اعتقاده بأنَّ المعبودَ في السماء خطأً، وأنَّ بذلك مصدورٌ عن سبيل الله.
قوله جل ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِى ءَامَنَ بَقَوْمِ أَنَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَقَوْمِ
إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا مَتَعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ﴾.
أُصَرَّ على دعائه لهم وأصَرُّوا على جحودهم وعُنُودِهم.
﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةُ فَلَ يُجْزَبِ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ
مُؤْمِرٌ فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُّونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿فَلَا يُجْزَبِّ إِلَّا مِثْلَهًا﴾: في المقدار لا في الصفة؛ لأن الأولى سيئة، والمكافأةُ
من الله عليها حسنةٌ وليست بسيئة.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ يعني في الحال، لأنَّ مَنْ لا يكون مؤمناً في الحال لا يكون منه
العملُ الصالح، ﴿فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُّونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي رزقاً مؤبَّداً
مُخَلَّداً، لا يخرجون من الجنة ولا مِمَّا هم عليه من المآل.
وَيَقَوْمِ مَا لِيّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوْءِ وَتَّدْعُونَفِى إِلَى النَّارِ﴾
وهذا كُلُّه مِنْ قَوْلٍ مؤمنٍ آل فرعونَ، يقوله على جهة الاحتجاج لقومه، ويلزمهم
الحجة به .
﴿َتَدْعُونَنِ لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأَشْرِكَ ◌ِهِ، مَا لَيْسَ لِ بِهِ، عِلَّمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ
الْفَفَّرِ﴾ .
تدعونني لأكفر بالله وأشرك به من غير علم لي بصحة قولكم، وأنا أدعوكم إلى
الله وإلى ما أوضحه بالبرهان، وأقيم عليه البيان.
﴿لَا جَرَوَ أَنَّمَا تَدْعُونَبِيّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِ الْأَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللّهِ
وَأَنَ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾.
لا جَرَمَ أنَّ ما تدعونني إليه باطل؛ فليس لتلك الأصنام حياةٌ ولا عِلْمٌ ولا قُدْرَةً،
وهي لا تنفع ولا تَضُرُّ. ولقد علمنا - بقول الذين ظهر صِدْقُهم بالمعجزاتِ ـ كَذِیَكُم
فيما تقولون .

١٣٨
- تفسير سورة غافر
﴿ فَسَتَذَّكُونَ مَآَ لَقُولُ لَحِكُمّ وَأَقَوِّضُ أَمْرِى إِلَى الَّهُّ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
أفوض أمري إلى الله، وأتوكل عليه، ولا أخاف منكم، ولا من کیدکم.
قوله جل ذكره: ﴿فَوَقَدَهُ اللَّهُ سَيِّئَاتٍ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالٍ فِرْعَوْنَ سُوَّهُ الْعَذَابِ النَّارُ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْسِلُوْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ أَلْعَذَابِ﴾ .
والآية تدلُّ على عذاب القبر.
ويقال إنَّ أرواح الكفار في حواصل طير سُودٍ تُغْرَضُ على النار غدواً وعشياً إلى
يوم القيامة حيث تدخل النار.
﴿أَدِْلُوْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾: أي يا آل فرعون أَدخُلوا أشدَّ العذاب،
فَتَصَبه على النداء المضاف. ويقرأ ((أدخِلو)) على الأمر.
﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾: أي أصعبه، وأصعبُ عذابٍ للكفار في النار يأسُهم من
الخروج عنها. أمَّا العصاةُ من المؤمنين فأشدُّ عذابهم في النار إذا علموا أن هذا يومُ
لقاء المؤمنين، فإذا عرفوا ذلك فذلك اليومُ أشدُّ أيام عذابهم.
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ يَتَكُونَ فِ النَّارِ فَيَقُولُ اَلُّعَفَوُاْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوَ إِنَّا كُنَّأَ
لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ قَالَ أَلَّذِينَ اسْتَكْبُوَ إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ
اَللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ .
يقول الضعفاء للذين استكبروا: أنتم أضللتمونا، ويقول لهم المستكبرون: أنتم
وافقتمونا باختياركم؛ فمحاجةُ بعضهم لبعضٍ تزيد في غيظ قلوبهم، فكما يُعَذِّبون
بنفوسهم يعذبون بضِيقٍ صدورهم وببُغْضٍ بعضهم لبعض.
قوله جل ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ لِخَزَنَةٍ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ
الْعَذَابِ قَالُواْ أَوْلَمْ نَكُ تَأْتِيَكُمْ رُسُلُكُمْ بِلْبِنَتِّ قَالُواْ بَلَّ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَدُا
اَلْكَفِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ ﴾ .
وهذه أيضاً من أمارات الأجنبية، فهم يُدْخِلُونَ واسطةً بينهم وبين ربّهم. ثم إن
الله ينزع الرحمة عن قلوب الملائكة كي لا يستشفعوا لهم.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّا لَتَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
الأَشْهَدُ﴾ .
ننصرهم بالآياتِ وفنونِ التعريفات حتى يعرفوا ويشهدوا أن الظّفَرَ وضِدَّه من
الله، والخيرَ والشرَّ من الله.
ويقال ننصرهم على أعدائهم بكيدٍ خفيٍّ ولطفٍ غيرِ مرئيٍّ، من حيث

١٣٩
تفسير سورة غافر
يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون؛ ننصرهم في الدنيا بالمعرفة وباليقين بأنَّ
الكائنات من الله، وننصرهم في الآخرة بأن يشهدوا ذلك، ويعرفوا - بالاضطرار - أنَّ
التأثيرَ من الله، وغاية النصرة أن يَقْتُلَ الناصرُ عدوَّ مَنْ ينصره، فإذا أراد حَتْفَه
تحقَّق بأن لا عَدُوَّ على الحقيقة، وأنَّ الخَلْقَ أشباحٌ تجري عليهم أحكامُ القدرة؛
فالوليُّ لا عدوَّ له، ولا صديق له إلا الله، قال تعالى: ﴿اَللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
[البقرة: ٢٥٧].
قوله جل ذكره: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمِّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الذَّارِ﴾.
دليلُ الخطابِ أن المؤمنين ينفعهم تَنَصُّلُهم، ولهم من الله الرحمة، ولهم حُسْنُ
الدار، وما بقي من هذه الدنيا إلا اليسير.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ ءَنّيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِىّ إِسْرَوِيلَ الْكِتَبَ هُدَّى
وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴾ .
مضى طَرَفٌ من البيان في قصة موسى.
قوله جل ذكره: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَرِّكَ
بِلْعَشِّ وَالْإِنْكَرِ﴾.
الصبرُ في انتظار الموعود من الحقّ على حسب الإيمان والتصديق؛ فَمَنْ كان
تصديقهُ ويقينُه أتمَّ وأقوى كان صبرُه أتمَّ وأوفى.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾: وهو - سبحانه - يُعْطِي وإن توَهَّمَ العبدُ أنه يُبْطِي.
ويقال الصبر على قسمين: صبرٌ على العافية، وصبرٌ على البلاء، والصبرُ على
العافية أشدِّ من الصبر على البلاء، فصبرُ الرجال على العافية وهو أتمُّ الصبر(١).
﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْيِكَ﴾. وفي هذا دليل على أنه كانت له ذنوب، ولم يكن جمیعُ
استغفاره لأمته لأنه قال في موضع آخر: ﴿ وَلِلْمُؤْمِينَ وَاَلْمُؤْمِنَتِ﴾ [محمد: ١٩] وهنا لم
يذكر ذلك. ويمكن حَمْلُ الذُّنْبِ على ما كان قبل النبوة؛ إذ يجوز أن يكون العبد قد
تاب من الزَّلَّة ثم يجب عليه الاستغفار منها كلما ذكرها، فإن تجديد التوبة يجب كما
يجب أصلُ التوبة .
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِى ءَايَكَتِ الَّهِ بِغَيّرِ سُلْطَانٍ أَتَنَهُمْ إِن فِ
صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم ◌ِبَلِفِيَةٍ فَأَسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
﴿يِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾: أي بغير حجة .
(١) انظر الرسالة القشيرية ص ١٨٣ - ١٨٩.

١٤٠
تفسير سورة غافر
﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ أي ليس في صدورهم إلا كِبْرٌ يمنعهم عن الانقياد
للحق، ويبقون به عن الله، ولا يصلون إلى مرادهم.
قوله جل ذكره: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اَلنَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
أي خَلْقُ السموات والأرضِ أكبرُ من بعثهم وخَلْقهم مرةً أخرى بعد أن صاروا
رميماً؛ فالقوم كانوا يُقِرُّون بخلْقِ السموات والأرض، وينكرون أمرَ البعث.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْصِيُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَِّحَاتِ وَلَا
الْمُسِىُّ قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ﴾ .
أراد به: ما يستوي المؤمنُ والكافرُ، ولا المربوطُ بشهوته كالمبسوط بصفوته،
ولا المجذوبُ بقربته كالمحجوب بعقوبته، ولا المُرَقّي إلى مشاهدته کالمُبقِّي في
شاهده، ولا المجدود بسعادته كالمردود لشقاوته.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآَنِيَةٌ لَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾.
إنَّ ميقاتَ الحسابِ لكانَّ وإن وقعت المدةُ في أوانِه.
قوله جل ذكره: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْرُونَ عَنْ عِبَادَتِ
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَلِخِرِينَ﴾.
معناه: أدعوني أستجب لكم إن شِئتُ؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا
تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءُ﴾ [الأنعام: ٤١].
ويقال ادعوني بشرطِ الدعاء، وشرطُ الدعاء الأكلُ من الحلال؛ إذ يقال الدعاء
مفتاحُه الحاجة، وأسبابُه اللقمةُ الحلال.
ويقال كلُّ مَنْ دعاه استجاب له إمّا بما يشاء له، أو بشيء آخر هو خيرُ له منه.
ويقال الكافر ليس بدعوه؛ لأنه إنما يدعو مَنْ له شريك، وهو لا شريكَ له.
ويقال: إذا ثبت أن هذا الخطاب للمؤمنين فما مِنْ مؤمنٍ يدعو الله ويسأله شيئاً
إلا أعطاه في الدنيا، فأما في الآخرة فيقول له: هذا ما طلبْتَه في الدنيا، وقد اذخرتُه
لك لهذا اليوم حتى ليتمنى العبدُ أنه ليته لم يُعطَ شيئاً في الدنيا قط .
ويقال ادعوني بالطاعات استجب لكم بالثواب والدرجات.
ويقال ادعوني بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة. ويقال ادعوني بالتنصل أستجب
لكم بالتفضّل. ويقال ادعوني بحسَبِ الطاقة أستجب لكم بكشف الفاقة.