Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ تفسير سورة يس يبعد أن يكون في الجنة عن الجنة حراً، والله يختص برحمته من يشاء. وقيل إنما يقول هذا الخطاب لأقوام فارغين، فيقول لهم: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ﴾ وهم أهل الحضرة والدنو، لا تشغلهم الجنة عن أنس القربة، وراحات الوصلة، والفراغ للرؤية . ويقال: لو عَلِمُوا عمَّن شُغِلُوا لَمَا تَهِنَّأْوا بما شُغِلُوا . ويقال بل إنما يقول لأهل الجنة: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ﴾ كأنه يخاطبهم مخاطبة المُعاينة إجلالاً لهم كما يقال: الشيخ يفعل كذا، ويُرَادُ به: أنت تفعل كذا. ويقال: إنما يقول هذا لأقوام في العرصة أصحاب ذنوب لم يدخلوا النار، ولم يدخلوا الجنة بَعْدُ لِعِضيانِهِم؛ فيقول الحق: عبدي .. أهلُ النار لا يتفرغون إليك لأهوالهم، وما هم فيه من صعوبة أحوالهم، وأهل الجنة وأصحابها اليومَ في شُغْلٍ عنك لأنهم في لذَّاتهم، وما وجدوا من أفضالهم مع أهلهم وأشكالهم؛ فليس لكّ اليوم إلا نحن! وقيل شغلهم تأهبهم لرؤية مولاهم، وذلك من أتم الأشغال، وهي أشغالٌ مؤنِسَةٌ مريحةٌ لا مُتْعِبَةٌ موحِشَةٌ . ويقال: الحقُّ لا يتعلَّق به حقُّ ولا باطل؛ فلا تَنَافِيَ بين اشتغالهم بأبدانهم مع أهلهم، وشهودهم مولاهم، كما أنهم اليومَ مشغولون مستديمون لمعرفته بأي حالةٍ هم، ولا يَقْدَحُ اشتغالهم - باستيفاء حُظُوظِھم - في معارفهم. ويقال شَغَلَ نفوسهم بشهواتها حتى يخلص الشهود لأسرارهم على غيبةٍ من إحساس النَّفْس الذي هو أصعب الرُّقَباء، ولا شيء أعلى من رؤية الحبيب مع فَقْدٍ الرقيب . قوله جل ذكره: ﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِى ◌ِلَلٍ عَلَى الْأَرَّبِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ . ﴿وَأَزْوَجُهُمْ﴾: قيل أشكالهم في الحال والمنزلة، كقوله: ﴿أَحْتُرُواْ أَلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] وقيل حَظَاياهم(١) من زوجاتهم. ﴿لَهُمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ وَهُمْ نَا يَذَّعُونَ﴾ . ﴿لَّمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ﴾: أي نصيب أنفسهم. ويقال الإشارة فيها إلى راحات الوقت دون حظوظ النفس. ﴿وَلَهُم ◌َا يَذَّعُونَ﴾: ما يريدون، ويقال تسلم لهم دواعيهم، والدعوى - إذا كانت بغير حقّ - معلولة .. (١) حظيت المرأة عند زوجها: تمكنت من قلبه وأحبها. ٨١ تفسير سورة يس قوله تعالى: ﴿سَلَمُ قَوْلاً مِّن رَّبٍ زَّحِيمٍ﴾. يسمعونَ كلامَه وسلامه بلا واسطة، وأكَّد ذلك بقوله: ((قولاً)). وبقوله: ﴿مِّن رٍَّ﴾ ليعلم أنه ليس سلاماً على لسان سفير. ﴿مِّن رَّبٍ زَحِيمٍ﴾ والرحمةُ في تلك الحالة أن يرزقَهم الرؤية في حال ما يُسَلِّم عليهم لِتَكْمُلَ لهم النعمة. ويقال الرحمة في ذلك الوقت أن يُنَقْيَهم في حال سماع السلام وحال اللقاء لئلا يصحبهم دهش، ولا تلحقهم حيرة. ويقال إنما قال: ﴿مِّن رَّبِّ رَّحِيمٍ﴾ ليكون للعصاة من المؤمنين فيه نَفَسٌ، ولرجائهم مساغ؛ فإن الذي يحتاج إلى الرحمة العاصي. ويقال: قال ذلك ليعلم العبدُ أنه لم يصل إليه بفعله واستحقاقه، وإنما وصل إليه برحمة ربه . قوله جل ذكره: ﴿وَأَمْتَدُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ . غيبةُ الرقيب أتمُّ نعمةٍ، وإبعادُ العدوِّ مِنْ أجَلُ العوارف (١)؛ فالأولياءُ في إيجاب القربة، والأعداء في العذاب والحجبة. قوله جل ذكره: ﴿﴿ أَلَّمْ أَغْهَذْ إلَيْكُمْ يَبَنِيّ مَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُنْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ أَعْبُدُونِيّ هَذَا صِرَطْ مُسْتَقِيمٌ ﴾ . لو كان هذا القول من مخلوقٍ إلى مخلوقٍ لَكَانَ شِبْهَ اعتذار؛ أي لقد نصحتُكم ووعظتُكم، ومن هذا حَذَّرْتُكم، وكم أوصلتُ لكم القولَ، وذكَّرْتُكْم فلم تقبلوا وَعْظِي، ولم تعملوا بأمري، فأنتم خالَفْتُم، وعلى أنفسكم ظَلَمْتُم، وبذلك سبَقَت القضيةُ مِنَّ لكم(٢). قوله جل ذكره: ﴿اَلْيَّمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفَوَهِهِمْ وَتُكَلِمُنَّا أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ . اليومَ سَخَّرَ الله أعضاءَ بَدَنِ الإنسان بعضها لبعض، وغداً ينقض هذه العادة، فتخرج بمضُ الأعضاء على بعض، وتجري بينها الخصومة والنزاع؛ فأمَّا الكفار فشهادةُ أعضائهم عليهم مُبيدةٌ، وأمَّا العُصَاةُ من المؤمنين فقد تشهد عليهم بعضُ أعضائهم بالعصيان، ولكن تشهد لهم بعض أعضائهم أيضاً بالإحسان، وكما قيل: والحاكم العَذْلُ الجوادُ المُنْصِفُ بيني وبينك يا ظلومُ الموقِفُ (١) العوارف: (ج) العارفة: العطية والإحسان. (٢) الآيات من (٦٢ حتى ٦٤) لم ترد. ٨٣ تفسير سورة يس وفي بعض الأخبار المرويةِ المُسْنَدَةِ أنَّ عَبْداً تشهد عليه أعضاؤه بالزَّلَّةَ فيتطاير شعره من جفن عينيه، فيستأذن بالشهادة له فيقول الحق: تكلمي يا شعرة جَفْنٍ عبدي واحتَجّي عن عبدي، فتشهد له بالبكاء من خوفه، فيغفر له، وينادي منادٍ: هذا عتيقُ الله بِشَعْرَةٍ(١) . قوله جل ذكره: ﴿وَمَنْ ثُعَجِرُهُ نُنَكِسْهُ فِ الْخَلْقِّ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ﴾ . يَرُدُّه إذا استوى شبابُه وقُوَّتُه إلى العكس، فكما كان يزداد في القوة يأخذ في النقصان إلى أن يبلغَ أرذل العمر في السن فيصير إلى مثل حال الطفولية في الضعف، ثم لا يَبْقَى بعد النقصان شيءٌ، كما قيل: طوى العصران ما نشراه مني وأبلى جدتي نَشْرٌ وطيَّ ولا يَبْقَى مع النقصان شيُّ أراني كل يوم في انتقاص هذا في الجثث والمباني دون الأحوال والمعاني؛ فإن الأحوال في الزيادة إلى أن يبلغ حَدَّ الخَرَفِ(٢) فيَخْتَلُّ رَأيُه وعَقْلُه. وأهل الحقائق تشيب ذوائبُهم ولكنَّ محابَّهم ومعانيَهم في عنفوان (٣) شبابها، وطراوة جدَّتها. قوله جل ذكره: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهُّ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ﴾ . كلامه وي لو كان خارجاً عن أوزان الشّعر، والذي أتاهم به من القرآن لم يكن من أنواع الشعر، ولا من طرق الخطباء. تَحَيَّرَ القومُ في بابه؛ ولم تكتحل بصائرهم بكحل التوحيد فعموا عن شهود الحقائق (٤). قوله جل ذكره: ﴿أَلَّمْ يَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَمَّا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ وَذَلِّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٍّ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ . ذَكّرَ عظيمَ مِنَّتِه عليهم، وجميلَ نعمته لديهم بما سخر لهم من الأنعام التي ينتفعون بها بوجوه الانتفاع. ولفظ ﴿أَيْدِينَآَ﴾ تَوَسُّع؛ أي مما عملنا وخلقنا، وذلك أنهم ينتفعون بركوبها وبأكل لحومها وشحومها، وبشربٍ ألبانها، وبالحَمْلِ عليها، وقَطْعِ المسافاتِ بها، ثم بأصوافها وأوبارها وشَعْرِها ثم بِعَظُمٍ بعضها .. فَطَالَبَهم بالشكر عليها، ووصَفّهم بالتقصير في شُكْرِهم. (١) الآيتان (٦٦، ٦٧) لم تردا. (٢) الخرف: فساد العقل من الكبر أو المرض. (٣) يقال: هو في عنفوان شبابه؛ أي: في نشاطه وحذّته. (٤) الآية (٧٠) لم ترد. ٨٤ تفسير سورة يَس ثم أُظْهَرَ - ما إذا كان في صفة المخلوقين لكان شكاية ـــ أنهم مع كل هذه الوجوه من الإحسان :- ﴿وَّخَذُوْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةٌ لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَمْ جُنْدٌ تُحْضَرُونَ﴾ . اكتفوا بأمثالهم معبوداتٍ لهم، ثم سَلَّى نبيَّه - بأن قال له :- ﴿فَلَا يَحْزُنِكَ قَوْلُهُمُ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ . وإذا عَلِمَ العبدُ أنّه بمرأى من الحقِّ هَانَ عليه ما يقاسيه، ولا سيما إذا كان في الله . قوله جل ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن نَُّفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ مُّبِينٌ﴾ . أي شَدَدْنا أُسْرَهم، وجمعنا نَشْرَهم، وسَوَّينا أعضاءهم، ورَکَبْنَا أجزاءهم، وأودعناهم العقل والتمييزَ ... ثم إنه ﴿خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾: ينازعنا في خطابه، ويعترض علينا في أحكامنا بِزَعْمِه واستصوابه، وكما قيل: فلمّا اشتدّ ساعِدُه رماني أُعَلْمُه الرمايةَ كُلِّ يومٍ قوله جل ذكره: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةٌ قَالَ مَن يُحِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ قُلْ يُخِْيَهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوْلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُم مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ . مَهَّد لهم سبيل الاستدلال، وقال إن الإعادة في معنى الإبداء، فأي إشكالٍ بقي في جواز الإعادة في الانتهاء؟ وإنَّ الذي قدر على خَلْقِ النارِ في الأغصان الرَّطبة من المرْخ (١) والعَفَار (٢) قادرٌ على خَلْقِ الحياةِ في الرَّمة(٣) البالية، ثم زاد في البيان بأن قال: إن القدرة على مِثْلِ الشيء كالقدرة عليه لاستوائهما بكل وجه، وإنه يحيي النفوسَ بعد موتها في العرصة كما يُخيي الإنسانَ من النطفة، والطيرَ من البيضة، ويحيي القلوبَ بالعرفان لأهل الإيمان كما يميت نفوسَ أهل الكفر بالهوى والطغيان (٤). (١) المرخ: من العضاء وهو ينفرش ويطول في السماء حتى يستظل فيه، وليس له ورق ولا شوك وعيدانه سلبة قضبان دقاق، وينبت من شعب وفي خشب، ومنه يكون الزناد الذي يقتدح به. (اللسان ٣/ ٥٤ مادة: مرح). (٢) العفار: شجر فيه نار، يسوّى من أغصانه الزناد فيقتدح بها (اللسان ٥٨٩/٤ مادة: عفر). (٣) الرُّمة: العظام البالية (ج) رمم ورمام. (٤) الآية (٨١) لم ترد. ٨٥ تفسير سورة يس قوله جل ذكره: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَّهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ يَخْلِقه وقدرته. وأخبرنا أنه تتعلّق بالمكوَّن كلمتُه على ما يجب في صفته، وسيَّان عنده خَلْقُ الكثيرِ في كثرته والقليلِ في قِلَّته. قوله جل ذكره: ﴿فَسُبْحَنَ الَّذِى بِيَدِهِ، مَلَكُوْتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . أي بقدرته ظهورُ كلِّ شيءٍ: فلا يحدث شيء - قَلَّ أو كَثُرَ - إلا بإبداعه وإنشائه، ولا يبقى منها شيءٌ إلا بإبقائه، فمنه ظهور ما يُحدِث، وإليه مصير ما يخلق. سورة الصافات قوله جل ذكره: ﴿بِسْمِ آَلَّهِ الرَّْلِ الْرَحَمِ﴾. ((بسم الله)) كلمةٌ إذا استولت على قلب أزالت عنه أولاً من الدارين أرَبَه، ثم ألزمت على وجه التبعية حَرَبه، ثم شَرَّفَت من حيث الهمة طَلَبَه. قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَتَفَّتِ صَفًّا﴾ .. افتتح اللَّهُ هذه السورة بالقَسَم بالصافات، وهم الملائكة المصطفَّةُ في السماء وفي الهواء، وفي أماكنهم على ما أمرهم الحق - سبحانه - من المكان يلازمونه، والأمر يعانقون؛ يُسَبِّحونه ويُقَدِّسونه، وبما يأمرهم به يطيعونه. فَالزَّجِرَتِ زَجْرًا﴾ عَطَّفهم على ما تَقَدَّمَ بحرف الفاء وهم الملائكة الذين يزجرون السحابَ. ويقال يزجرون الناس عن المعاصي. ويقال هي الخواطرُ الزاجرةُ عن المناهي. ﴿فَلْتَّلِيَتِ ذِكْرًا﴾ . يقال ((الصافات)) الطيورُ المصطفَّةُ في السماء، ﴿فَالتَّلِيَتِ ذِكْرًا﴾ الملائكة يتلون كتاب الله، ويتلون الوحيّ على الأنبياء عليهم السلام. ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَيٌِّ﴾ . هذا هو المقسومُ عليه. أخبر أنه سبحانه واحدٌ في مُلْكِه، وذلك لأنهم تَعَجِّبُوا أن يقوم الواحِدُ بجميع أحوال العالم. ومعنى كونه واحداً تَفَرُّدُه في حقُّه عن القسمة، وتَقَّدُّسُه في وجوده عن الشيبة، وتَتَزَّهُه في مُلْكِه عن الشريك؛ واحد في جلاله، واحدٌ في استحقاق جماله، واحدٌ في أفعاله، واحدٌ في كبريائه بنعت علائه، ووصف سنائه. قوله جلّ ذكره: ﴿رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ﴾. مالِكُ السمواتِ والأرضِ وما بينهما، وخالقهما، وأكسابُ العبادِ داخِلةٌ في هذا ﴿وَرَبُّ الْمَشَرِقِ﴾ مشارق النجوم والشمس والقمر، ومشارق القلوب بشموسها وأقمارها ونجومها. ٨٦ ٨٧ تفسير سورة الصافات قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّا زَبَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَةٍ الْكُوَبِ وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ . زَيَّنَ السماءَ الدنيا بالنجوم، وقلوبَ أوليائه بنجوم المعارف والأحوال، وحفظ السمواتِ بأَنْ جعل النجومَ للشياطين رجوماً، وكذلك زَيَّن القلوبَ بأنوار التوحيد، فإذا قَرُبَ منها الشيطان رَجَمها بنجوم معارفهم (١) . قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ لْخَطِفَةَ فَأَنْبَعَلُمِ شِهَابُ ثَاقِبٌ﴾ . كذلك إذا اغتنم الشيطانُ من الأولياء أن يُلْقِيَ إليهم شيئاً من وساوسه تَذَكَّرُوا، فإذا هم مُبْصِرون، ورجعوا .. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَيِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١]. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَسْتَفْنِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَاْ إِنَّا خَلَقْتَهُم مِّن ◌ِينٍ لَّارِبٍ﴾. عَرّفهم عَجْزَهم عن الإثبات، وضعفهم في كل حال، ثم ذكرهم نسبتهم أنها إلى الطين اللازب(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ . حقيقة التعجب تغير النفس مما لم تجر العادّةُ بحدوث مثله. وَتقرأ ﴿عَجِبْتَ﴾ بالفتح خطاباً بالرسول ◌َ﴿ - وبالضم فكأن الحقّ يقول ذلك مِنْ قبلَ نفسه بل عجبتُ، وَيقال ذلك بمعنى إكبار ذلك الشيء، إما في القدر، أو الإكثار في الذمّ أو في المدح. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرُواْ لَا يَذْكُرُونَ﴾ . إذا ذُكروا بآياته يُعرضون عن الإيمان بها والتفكّر فيها، ويقولون: ليس هذا الذي أتى به محمدٌ إلا سِحراً ظاهراً(٣). قوله جلّ ذكره: ﴿أَِذَا مِنْنَا وَكُنَّا نُرَبًا وَعِظَمَّا أَمِنَا لَمَبْعُونُونَ أَوَ ءَابَآؤُّنَا الْأَوَّلُونَ﴾ . قالوا: أئذا متنا، تفرّقت أجزاؤنا، وَصرنا رميماً .. أثنا لمبعوثون؟ أَوَ آباؤنا الأولون يُبعثون كذلك؟ قالوه على جهة الاستبعاد؛ فالمعرفة لهم مفقودة، والبصائر لهم مسدودة، وقلوبهم عن التوحيد مصدودة . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَجِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ . قل لهم يا محمد؛ نعم، وعلى وصف الصغر ما يبعثكم، وبزجرة واحدة يحشركم، بعد أن يُقيم القيامة على جميعكم. (١) الآيتان (٨، ٩) لم تردا. (٢) لزب الطين: لصق وصلب أو لزق. (اللسان ٧٣٨/١ مادة: لزب). (٣) الآيتان (١٤، ١٥) لم تردا. ٨٨ تفسير سورة الصافات قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ يَبْلَنَا هَذَا يَوْمُ الذِينِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُم بِهِ، تُكَّذِّبُونَ﴾ . دَوا بالويل على أنفسهم! ويقال لهم: هذا يَومُ الفصل الذي كنتم تكذبون به، وقد عاينتموه اليومَ. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ لَخْشُرُواْ الَّذِينَ لَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونٌ مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى مَِطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوُْ إِنَهُم ◌َسْئُولُونَ ﴾ . أراد بأزواجهم قرناءهم وأشكالهم ومَنْ عمل مثل أعمالهم، ومن أعانهم على ظلمهم بقليل أو كثير .. وكذلك في هذه الطريقة: من أعان صاحبَ فترة في فترته، أو صاحب زَلة على زلته - كان مُشاركاً له في عقوبته، واستحقاق طرده وإهانته. قوله: ﴿وَقِفُوْ لِنَّهُمْ تَسْئُولُونَ﴾: مقامُ السؤالِ مقامٌ صعبٌ؛ قوم يسألهم المَلَكُ وقومٌ يسألهم المَلِكُ؛ فالذين تسألهم الملائكةُ أقوامٌ لهم أعمالٌ صالحةٌ تصلح للعرض والكشف، وأقوامٌ لهم أعمالٌ لا تصلح للكشف، وهم قسمان: الخواصّ يسترهم الحقّ عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة، وأقوامٌ هم أربابُ الزلات يرحمهم اللَّهُ فلا يفضحهم، ثم إنهم يكونون في بعض أحوالهم بنعت الهيبة، وفي بعض أحوالهم بنعت البسط والقربة، وفي الخبر: ((أن قوماً يسترهم بيده ويقول تذكر غداً ربك)) وهؤلاء أصحاب الخصوص في التحقيق: فأما الأغيار والأجانب والكفار فيقال لهم: ﴿ كَفَى بِنَفْسِكَ أَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَرِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، فإذا قَرؤوا كتابهم يقال لهم: من عمل هذا؟ وما جزاؤه؟ فيقولون: جزاؤه النار. فيقال لهم: أدخلوها بحكمكم. ثم يقال لهم في بعض أحوال استيلاء الفزّع عليهم: قوله جل ذكره: ﴿مَا لَكُمْ لَا نَصَرُونَ ◌َلْ هُ الْمَ مُسْتَسْلِمُونَ وَقْبَلَ بَعْفُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَلَّلُونَ﴾ . يُورِّك بعضُهم الذنبَ على بعض؛ فهذا يتبرأ من صاحبه، وصاحبة يتبرأُ منه، إلى أن يحكم الله عليهم بالخزي والهوان، ويجمعهم في اللعن والإبعاد(١). قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِدٍ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَّفْعَلُ بِلْمُجْرِمِينَ﴾ . يشتركون في العذاب ولكن تتفاوت أنصباؤهم، كما أنهم يشتركون في الزّلة ولكن تختلف مقادير زلاتهم. قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ﴾. احتجابُهم بقلوبهم أوقعهم في وهدة عذابهم؛ ذلك لأنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته. ولو عرفوه لافتخروا بعبوديته؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ (١) الآيات من (٢٨ حتى ٣٢) لم ترد. ٨٩ تفسير سورة الصافات عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقال: ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا اَلْمَلَتِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٣] فإنّ مَنْ عَرفَ اللَّهَ فلا لذة له إلا في طاعته، قال قائلهم: ويظهرُ في الهوى عزُّ الموالي فيلزُمني له ذُلُّ العبيد قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَرِكُوْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِ تَجْنُونٍ بَلْ بَّمَ بِأْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ إِنَّكُمْ لَذَآَيِقُوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ . لمَّا لم يحتشموا من وصفه - سبحانه - بما لا يليق بجلاله لم يُبالوا بما أطلقوه من المثالب في وصف أنبيائه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. الاستثناء راجعٌ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَذَآيِقُواْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾. ويقال الإخلاصُ إفرادُ الحقِّ - سبحانه - بالعبودية، والذي يشوبُ عمله رياءٌ فلیس بمخلص . ويقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين، وفي الخبر: ((يا معاذ، أخلص العملَ يكفيك القليل منه)) . ويقال: الإخلاصُ فقدُ رؤية الأشخاص. ويقال: هو أن يلاحظ محل الاختصاص. ويقال: هو أن تنظر إلى نفسك بعين الانتقاص. قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ رِزْقٌ مَعْلُومُ فَكِّةٌ وَهُمْ تُكْرَمُونَ ﴾ . لهم رزقٌ معلومُ لأوقاتٍ مُعينة، وفي وقت الرسول عليه السلام: ((مَنْ كان له رزقّ معلومٌ كان من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة؛ فلهُمْ في الآخرة رزقٌ معلوم لأبشارهم ولأسرارهم، فالأغنياء لهم رزقٌ معلوم لأنفسهم والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. ﴿فَوَكَةٌ وَهُمْ تُكْرَمُونَ﴾: من ذلك ورود الرسول عليهم من قِبَلِ الله في كل وقت، وكذلك اليومَ الخطابُ واردٌ من الله على قلوب الخواص في كل وقت بكلُ أمر. قوله جلّ ذكره: ﴿فِي جَنَّتِ النَِّ عَلَى سُرُرٍ مُنَّفَبِينَ﴾ . يستأنِسُ بعضُهم برؤية بعضٍ، ويستروح بعضُهم إلى لقاء بعض. قوله جلّ ذكره: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن ◌َّعِينٍ بَيْنَآَ لَذَّهِ لِلشَّرِيِينَ﴾. شراب يوجِبُ لهم الطَّرَدَ ولا وحشةَ هناك، شراباً يُحْضِرَهم ولا يُسْكِرُهم، لأنه قال: ﴿لَ فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُتَّقُونَ﴾ . ٩٠ تفسير سورة الصافات فلا تغتالُ عقولَهم، ولا تُزِيل حِشْمَتَهم، ولا تَرْفَعُ عنهم هَيْبَتَهم؛ فقومٌ يشربون وهم بوصف الستر، وآخرون يُسْقَوْن في الحضور - وهم على نعت القُرْب. قوله جلّ ذكره: ﴿وَعِندَهُمْ قَصِرَاتُ الَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضْ تَكْتُنٌ ﴾ . لا يَنْظُرْنَ إلى غير الوليّ، ثم الوليُّ قد ينظر إليهن، وفيهم مَنْ لا ينظر إليهن: وأخرى بنا مجنونةٌ لا نريدها جُنِئًا بِلَيْلَی وهي جئت بغيرنا قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْمُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتْسَآءَ لُونَ ... ﴾ . يتذاكرون فيما بينهم، ويذكرون مِنْ معارفهم مَنْ لا يُؤْمِن باللَّهِ، وما آمن به المؤمنون فيخلق اللَّهُ لهم إطلاعاً عليه وهم في النار يحترقون(١). قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ تَّهِ إِن كِدِتَّ لَتُدِينِ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّ لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ . نَطَقَ الوليُّ بالحقِّ ولكنه لم يُصَرِّخ يعين التوحيد؛ إذْ جَعَلَ الفَضْلَ واسطةً، والأَوْلى أن يقول: ولولا ربي لكنتُ من المحضرين(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ اَلْعَمِلُونَ ﴾ . يقال: بل الملائكةُ يقولون لهم هذا، ويقال: الحقُّ - سبحانه - إذا أراهم مقامَهم في الجنة يقول لهم: ﴿لِيِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ﴾ . ويقال إِنْ كان العابدُ يقول هذا، أو يقال له هذا إذا ظهرت الجنة فإِنه إذا بَدَتْ شظيةٌ من الحقائق وتباشير الوصلة، أو ذَرَّةٌ من نسيم القربة فبالحريِّ أن يقول القائلون: لِمِثْلِ هذه الحالة تُبْذَلُ الأرواحُ. وإن بات من سَلْمَی علی الیاس طاویا على مِثْلٍ سَلْمَى يَقْتُلُ المرءُ نَفْسَه وها هنا تضيق العبارات، وتتقاصر الإشارات. قوله جلّ ذكره: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ﴾ . ذَكَرَ صفة هوان الأعداء، وما هم به من صفة المذلة والعذاب في النار؛ من أَكْلٍ الضريع، ومن شراب الزقوم التي هي في قُبْح صورة الشياطين، ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ... إلى آخر القصة(٣). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ نَادَئِنَا نُوسُ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَغَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ . لمَّا أَصَابِهِ مِنْ الأذى مِنْ قومه حِين كذَّبوهُ، ولم يسمعوا منه ما كان يقول مِنْ حَديثنا .. رَجعَ إلينا، فخاطبنا وخاطبناه، وكلمنا وَكلمناه، وَنادانا فناديناه، وكان لنا (١) الآيات من (٥١ حتی ٥٠) لم ترد. (٣) الآيات من (٦٣ حتى ٧٤) لم ترد. (٢) الآيتان (٥٨، ٥٩) لم تردا. ٩١ تفسير سورة الصافات فكْنا له، وأجابنا فأجبناه .. فَلَنِعْمَ المجيبُ كان لنا ولنعمَ المجيبون كُنَّا له! ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾: شتان بين کَرْبٍ نُوحِ وبَيْنِ کَرْب أهله! أُعَزِي النَّفْس عنه بالتأَسي وما يبكون مثلَ أخي ولكن قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَكُ هُرُ اَلْبَاقِينَ﴾ . لأنَّ الناس كلهم مِن أَولاد نوح، فإنَّ مَنْ كان معه في السفينة لم يتناسلوا. قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ اُلْآَخِرِينَ﴾ . يريدُ به قول الناس عنه إلى يوم القيامة (١). قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَإِنَّ مِنْ شِيعَيِهِ، لَا تَزَهِيمَ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ . يعني أَنَّ إبراهيم مِنْ شيعة نوح عليه السلام في التوحيد - وإن اختلفنا في فروع شرعیهما . ﴿قلب سليم﴾: لا آفة فيه. ويقال لديغ مِنَ المحبة. ويقال: سليم من محبة الأغيار. ويقال سليم من حُظوظ نفسه وإرادته. ويقال: مستسلم لله في قضائه واختياره . قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ؟﴾ . سألهم على جهة الإنكار عليهم، والتنبيه لهم على موضع غلطتهم (٢). قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَا طَتُّكُم بِرَبِّ الْعَلَمِينَ؟﴾ . إذا لقيتموه - وقد عَبْدتم غيرَه .. فما الذي تقُولون له؟ وكيف بكم في مقام الخجلة مما بین أیدیکم وإن کنتم اليوم - غافلين عنه؟ قوله جلّ ذكره: ﴿فَظَرَ نَظْرَةُ فِ النُّجُومِ فَقَالَ إِنِ سَقِيمٌ ﴾ . قيل أراد ((إلى)) النجوم فأقام ((في)) مقامَ ((إلى)). ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾: كانت تأتيه الحمَّى في وقت معلوم، فقال: قرُبَ الوقتُ الذي أسقم فيه مَنْ أَخْذِ الحمَّى إياي، فكأنه تعلل بذلك ليتأخرَ عنهم عند ذهابهم إلى عيدهم لتمشية ما كان في نّفْسه من كسر الأصنام. ويقال كان ذلك من جملة المعاريض. وقيل أرى من نفسه موافقة قَوْلهم في القول بالنجوم لأنهم كانوا يقولون بالنجوم، فتأخر بهذا السبب عنهُمْ. وكان إبراهيم في زمان النبوة فلا يبعد أنَّ اللَّهَ - عزّ وجلّ - قد عزّفه بطريق الوحي أنه يخلق - سبحانه - باختياره أفعالاً عند حركات الكواكب. (١) الآيات من (٧٩ حتى ٨٢) لم ترد. (٢) الآية (٨٦) لم ترد. ٩٢ تفسير سورة الصافات ثم لمَّا ذَهبوا إلى عيدهم كَسَّرَ أصنامهم، فلمَّا رجعوا قالوا ما قالوا، وأجابهَمْ بما أجابهم به(١) إلى قوله: قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُوا أَبُواْ لَهُ بُلْيَا فَأَلْقُوهُ فِ الْجَحِيمِ فَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدًا لَجَعَلْنَهُمُ اْأَسْفَلِينَ﴾ . رَدّ اللَّهُ كيدهُم إلى نُحورهم. وقد تعرَّضَ له جبريلُ - عليه السلام - وهُوَ في الهواء وَقَدْ رُمي من المنجنيق(٢) فعرَضَ عليه نفسه قائلاً: هل مِنْ حاجة؟ فأجابَ: أَمَّا إليكَ ... فلا! قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ إِ ذَاهِبُ إِلَى رَبِی سَيهِینِ﴾ . يقال إنه طلبَ هداية مخصوصة؛ لأنه كان صاحب هداية، إذْ لو لم تكن له هداية لَمَا ذَهبَ إلى رَبِّه. ويحتمل أنه كان صاحبَ هدايةٍ في الحال وطلبَ الهداية في الاستقبال أي زيادةٌ في الهداية، ويقال طلبَ الهداية على كيفية مراعاة الأدَب في الحضور، ويقال طلبَ الهداية إلى نفسه لأنه فقدَ فيه قلبه ونفسه؛ فقال سيهدينيٍ إليَّ لأقومَ بحقٌّ عبُوديته؛ فإن المستهلكَ في حقائق الجمع لا يصحُّ منه أداء العبادة إلَّا بأن يُردَّ إلى حالة التفرقة والتمييز . ومعنى ﴿إِلَى رَبِ﴾ أي إلى المكان الذي يُعبدُ فيه ربي . ويقال أخبر عن إبراهيم أنه قال: ﴿إِنِّ ذَاهِبُّ إِلَى رَبِ﴾: فأخبر عن قوله. وأخبر عن موسى فقال: ﴿وَلَّمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فأخبر عن صفته لا عن قوله ... وقال في صفة نبينا وَلَ: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ» ... ﴾ [الإسراء: ١]. [فأخبر عن ذاته سبحانه](٣). وفصلٌ بَيْنَ هذِه المقامات؛ فإبراهيم كان بعين الفرق، وموسى بعينِ الجمع؛ ونبينا كان بعين جمع الجمع. قوله جلّ ذكره: ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّلِينَ فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ﴾ . لمّا قال ((حليم)) نَّهَ على أنه سيلقى من البلاء ما يحتاج إلى الحلم في تحمله. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَّ إِنَّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَّ قَالَ يَأَبَّتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٍّ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِنَّ﴾ . (١) الآيات من (٩٠ حتى ٩٦) لم ترد. (٢) المنجنيق: آلة قديمة من آلات الحرب وحصار المدن، كانت تُرمى بها الحجارة على الأسوار فتهدمها (ج) منجنيقات ومجانق ومجانيق. (٣) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. ٩٣ تفسير سورة الصافات ﴿فَمَّا يَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ إشارة إلى وقت توطين القلب عَلَى الولد، رأى إبراهيم - عليه السلام - أنه يُؤمرُ بذبح ابنه إسماعيل ليلةَ التروية، وسميت كذلك لأنه كان يُروِّي في ذلك طولَ يومه. هَلْ هُو حقٌّ أم لا؟ ثم إنه رأى في الليلة التالية مثل ذلك فَعرف أن رؤياه حق، فسمي يوم عرفة. وكان إسماعيل ابنَ ثلاث عشرة سنة، ويقال إنه رأى ذلك في النوم ثلاث مرات. أن اذبح ابنك، فقال لإسماعيل: ﴿يَبْنَىَّ إِّ أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىْءٍ؟﴾ فقال إسماعيل: ﴿يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ﴾: أي لا تحكم فيه بحكم الرؤيا، فإنها قد تصيب وقد يكون لها تأويل، فإن كان هذا أمراً فافعل بمقتضاه، وإن كان له تأويل فتثبت، فقد يمكنك ذبح ابنك كلّ وقتٍ ولكن لا يمكنك تلافيه. ويقال بل قال: أُتَرْ حَديثَ الرؤيا واحمله عَلَى الأمر، واحملْ الأمر عَلَى الوجوب، ثم احمله عَلَى الفور ولا تُقْصِّرْ. ويقال قال له: إِن كان يطيب قلبكَ بأن تذبح ابنك لأجل الله فأنا يطيب قلبي أن يذبحني أبي لأجل الله . ويقال قال إسماعيل لأبيه: أنتَ خليلُ الله وتنام .. أَلَمْ تعلَمْ أن الخليلَ إذا نام عن خليله يُؤْمَرُ بِذَبْح ابنه؟ مَالَكَ يا أَبَتِ والنوم؟ ويقال في القصة: إنه رآه ذات يوم راكباً على فَرَس أشهب فاستحسنه، ونَظَرَ إليه بقلبه، فأُمِرَ بِذَبْحِه، فلمَّا أخرجه عن قلبه، واستسلم لذبحه ظَهَرَ الفداء، وقيل له كان المقصودُ من هذا فراغَ قلبك عنه. ويقال في القصة: أَمَرَ إسماعيلُ أباه أن يَشُدُّ يديه ورِجْلَيه لئلا يضطرب إذا مَسَّهُ ألمُ الذَّبِحِ فَيُعاتَب، ثم لمَّا هِمَّ بِذَبْجِه قال: افتح القيدَ عني حتى لا يقال لي: أمشدودَ اليد جئتني؟ وإني لن أتحركَ: ولو بيدِ الحبيبِ سُقِيتُ سُمَّاً لكان السُّمُّ من يدِهِ يطيب ويقال أيهما كان أشدَّ بلاءً؟ قيل: إسماعيل؛ لأنه وَجَد الذَّبحَ من يد أبيه، ولم يتعوَّد من يده إلا التربية بالجميل، وكان البلاءُ عليه أشدَّ لأنه لم يتوقع منه ذلك. ويقال بل كان إبراهيم أشدَّ بلاءً لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده ويعيش بعدَه. ﴿مَتَجِدُنِىٌّ إِن شَآءَ اَللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾ فلم يأتِ إسماعيل بالدعوى بل تأدَّب بلفظ الاستثناء . ويقال لو قال إسماعيل إمَّا لا تَقُلْ: ((يا بُنَيَّ)) بهذه اللطافة، وإمَّا لا تَقُلْ: ﴿أَنِّ أَذْبَحُكَ﴾ فإنَّ الجمعَ بينهما عجيب! ٩٤ تفسير سورة الصافات قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَّ أَسْلَمَا وَثَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَتَإِبَهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَّ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴾ . قيل في التفاسير إنه كان يمرُّ بالسكين على حَلْقِه والسكين لا يُقطَع، فتعجَّبَ إبراهيمُ، فنودي: يا إبراهيم، كان المقصودُ من هذا استسلامكما. ويقال إن الله سَتَرَ عليهما عِلْمَ ما أُريد منهما في حال البلاء، وإنما كَشَفَ عنهما بعد مُضِيٍّ وقت المحنة لئلا يَبْطُلَ معنى الابتلاءَ ... وهكذا يكون الأمر عند البلاء؛ تَنْسَدُّ الوجوهُ في الحال؛ وكذلك كانت حالة النبيّ ◌َّ في حال حديث الإفك(١)، وكذلك حالة أيوب عليه السلام؛ وإنما يتبيَّنُ الأمرُ بعد ظهور آخر المحنة وزوالها، وإلَّا لم تكن حينئذٍ محنة [إلَّا أنه يكون في حال البلاء إسبالٌ يُولَى مع مخامرة المحنة] ولكن مع استعجام الحال واستبهامه، إذ لو كشف الأمر على صاحبه لم يكن حينئذٍ بلاءً؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَتُّأْ أَلْمُبِينُ وَفَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ ﴾ . قيل كان فداء الذبيح يُرَبَّى في الجنة قبله بأربعين خريفاً . والناس في ((البلاء)) على أقسام: فبلاءً مستعصب وذلك صفة العوام، وبلاء مستعذب وذلك صفة مَنْ يستعذبون بلاياهم، كأنهم لا ييأسون حتى إذا قُتِلُوا(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿وَبَثَّْنَهُ بِسْخَقَ نِيًّا مِنَ الصََّلِحِينَ وَيَزَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَّ إِسْحَقّ﴾ . وكلُّ هذا بعد البلاء؛ قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُّبْرًا﴾ [الشرح: ٦]. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ﴾ . مَنَّ عليهما بالنبوة، وبالنجاة من فرعون وقومه، وبنصرته عليهم (٣). ﴿وَءَنَّْتَهُمَا أَلْكِتَبَ الْمُسْتِينَ﴾. يعني التوراة . ﴿وَهَدَيْنَهُمَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. بالتبري عن الحول والقوة، وشهود عين التوحيد. قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِمَا فِىِ الْآَخِرِينَ سَلَمُ عَلَى مُوسَى وَهَدُرُونَ﴾ . ثم قال جل ذكره: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٤). (١) الإفك: الكذب أو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء. (٢) الآيات من (١٠٨ حتى ١١١) لم ترد. (٣) الآيتان (١١٥، ١١٦) لم تردا. (٤) الآيتان (١٢١، ١٢٢) لم تردا. ٩٥ تفسير سورة الصافات ((إلياس)): قيل هو إدريس، وقيل غيره، وكان بالشام، واسمُ صَنَمِهم ((بَعْل))، ومدينتهم بعلبك .. أنذر قومَه فكذّبوه، ووَعظَهم فما صَدَّقُوه، فأهلَكَ قومَه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّ لُوطَا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ . مضت قصتهُ وكيف نجَّى أَهلَه إلا امرأته التي شارَكَتْهم في عصيانهم، فحقَّ العذاب عليها مثلما عليهم (١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. فكان في أول أمره يطلب الاستعفاء من النبوة، ولكن لم يُعْفَ، ثم استقبله ما استقبله، فلم يلبث حتى رأى نَفْسَه في بطن الحوت في الظلمة(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿فَقَمَهُ الْحُرُتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ . أي بما يُلَامُ عليه، والحقُّ - سبحانه - مُنَزَّةٌ عن الحيفِ في حُكْمِه؛ إذ الخَلْقُ خَلْقُه، ثم اللَّهُ رَاعَى حقَّ تَعَبُّدِه، وحَفِظَ ذِمامَ ما سَلَفَ له في أداء حقُّه فقال : - ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌّ لَلَبِثَ فِى بَطْنِ: إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ . فإن كَرَمَ العَهْدِ فينا من الإيمان، وهو مِنَّا من جملة الإحسان، ((فالمؤمن قد أخذ من اللَّهِ خُلُقاً حسناً» - بذلك ورد الخبر. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ فَبَدْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيرٌ﴾. (سقيم): في ضعفٍ من الحال لِمَا أثَّر مِنْ كَوْنِهِ قضى وقتاً في بطن الحوت. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَثْبَتْنَا عَلَّهِ شَجَرَةً مِّنْ يَقْطِينٍ﴾ . لِتُظِلَّه، فإنه كان في الصحراء وشعاعُ الشمسِ كان يَضُرُّه، وقَيَّضَ له اللَّهُ ظبيةً ذات وَلَدٍ كانت تجيءٍ فيرضع من لبنها، فكأنّ الحقَّ أعاده إلى حال الطفولية. ثم إنه رَحِمه، ورجع إلى قومه، فأكرموه وآمنوا به، وكان اللَّهُ قد كَشَفَ عنهم العذاب، لأنهم حينما خَرَجَ يونس من بينهم ندموا وتَضَرَّعوا إلى الله لمَّا رَأَوْا أوائلَ العذاب قد أظلَّتْهم، فَكَشَفَ الله عنهم العذاب، وآمنوا بالله، وكانوا يقولون: لو رأينا يونسَ لَوَقَّرْناه، وعظّمْناه، فرجع يونسُ إليهم بعد نجاته من بطن الحوت، فاستقبله قومُه، وأدخلوه بَلَدَهم مُكرّماً. ويقال: الذُّنْبُ والجُرْمُ كانا من قومه، فهم قد تُوُعِدُوا بالعذابِ. وأمَّا يونس فلم يكن قد أذنب ولا ألَمَّ بمحظور، وخرج من بينهم، وكَشَفَ اللَّهُ العذابَ عنهم، وسَلِمُوا .. واستقبل يونس ما استقبله بل أنه قاسى اللتيا والتي (٣) بعد نجاته؛ ويا عجباً (١) الآيات من (١٣٤ حتى ١٣٨) لم ترد. (٢) الآيتان (١٤٠، ١٤١) لم تردا. (٣) يقال: اللتيا والتي: يكنون بهما عن الشدة. ٩٦ تفسير سورة الصافات من سِرِّ تقديره! فقد جاء في القصة أن الله سبحانه - أوحى إلى يونس بعد نجاته أَنْ قُلْ لفلانِ الفَخَّار حتى يَكْسِرَ الجِرارَ التي عملها في هذه السنة كلّها! فقال يونس: يا رب، إنه قَطَعَ مدةً في إنجاز ذلك، فكيف آمُرُه بأن يَكْسِرَها كُلَّها؟ فقال له: يا يونس، يَرِقُّ قلبُكَ لِخَزّافٍ يُتْلِفُ عَمَلَ سنةٍ .. وتريدني أن أُهْلِكَ مائةَ ألفٍ من عبادي؟! يا يونس، إنك لم تخلقهم، ولو خَلَقْتَهم لَرَحِمْتَهم(١). قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَسْتَفْتِهِمْ أَثِرَتِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. لمَّا قالوا في صفة الملائكة إنهم بناتُ اللّه بَيَّنَ اللَّهُ قُبْحَ قَوْلِهم، فقال: سَلْهُم من أين قالوا؟ وبأي حُجَّةٍ حكموا بما زعموا؟ وأي شُبْهَةٍ داخَلَتْهم. ثم إنهم كانوا يستنكفون من البنات، ويُؤْثِرون البنين عليهن .. ومع كُفرهم وقبيح قولِهم وصفوا (٢) القديمَ - سبحانه - بما استنكفوا منه لأنفسهم قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَدِينٌّ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْحَسِمِ﴾ . أي ما أنتم بفاتنين من الناس إلَّا من أَغْوَيْتُه بحُكْمِي، فبه ضَلُّوا لا بإضلالكم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا مِنَّآَ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ . الملائكة لهم مقام معلوم لا يَتَخطَّوْنَ مقامَهم، ولا يتعذَّوْن حذَّهم، والأولياءُ لهم مقام مستورٌ بينهم وبين الله لا يُطْلِعُ عليه أحداً، والأنبياءُ لهم مقام مشهورٌ مُؤَيَّدٌ بالمعجزات الظاهرة؛ لأنهم للخَلْقِ قدوة فَأَمْرُهُم على الشّهْرِ، وأَمْرُ الأولياءِ على السَّتْرِ (٣). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ . أي سبقت كلمتنا لهم بالسعادة، وتقدَّمَ حُكْمنَا لهم بالولاية والرعاية، فَهُم من قِبَلِنَا منصورون : ﴿إِنَّهُمْ لَمُ الْمَصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ ﴾ . مَنْ نَصَرَه لا يُغْلَبُ، ومَنْ قَهَرَه لا يَغْلِبُ . وجُنْدُه الذين نَصَبَهم لنَشْرِ دينه، وأقامَهم لِنَصْرِ الحقْ وتبيينه. مَنْ أراد إذلالَهم فَعَلی أذقانہ یخرُّ، وفي حبل هلاکه ینجرُّ. قوله جلّ ذكره: ﴿فَنَوَلَّ عَنْهُمْ حَّ ◌ِينٍ وَأَبْصِرُ فَسَوْفَ يُصِرُونَ﴾ . توَلَّ عنهم - يا محمد - إلى أن تنقضيَ آجالُهم، وتنتهيَ أحوالُهم. وانتظِرْ انقضاءَ أيامِهم، فإنه سينصرم حديثهم وشيكاً: ﴿أَفِعَذَاِنَا يَسْتَعِْلُونَ﴾ . (١) الآيتان (١٤٧، ١٤٨) لم تردا. (٣) الآيات من (١٦٥ حتى ١٧٠) لم ترد. (٢) الآيات من (١٥٠ حتى ١٦٠) لم ترد. ٩٧ تفسير سورة الصافات وإنما قال ذلك فيما كانوا يتمنون قيام الساعة، وكانوا يستعجلون ذلك لِفَرْطِ جهلهم، ثم لقلة تصديقهم. فإذا نزل العذابُ بساحتهم، وأناخ البلاءُ بعقوتهم فساء صباحهم. فتولَّ عنهم فَعَنْ قريبٍ سيحصل ما منه يَحْذَرون(١). قوله جلّ ذكره: ﴿سُبْحَانَ رَئِكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ اَلْعَلَمِينَ﴾ . ﴿سُبْحَانَ رَيِّكَ﴾: تقديساً له، وسلامٌ على أنبيائنا، ﴿وَالْخَمْدُ لِلَّهِ﴾: أي هو المحمود على ما ساءَ أم سَرَّ، نَفَعَ أم ضَرَّ. (١) الآيات (١٧٧، ١٧٨، ١٧٩) لم ترد. م سورة صّ قوله جلّ ذكره: ﴿ إِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَـ اسمٌ عزيزٌ اعترفت المعارفُ بالقصور عن إدراكه، اسمٌ جليلٌ تَقَنَّعَتْ العلومُ خَجَلاً من الطمع في إحاطته، اسمٌ كريمٌ صَغُرَتْ الحوائج عند ساحات جوده، اسمٌ رحيمٌ تلاشت قطرات زلَّات عباده في تلاطم أمواج رحمته . قوله جلّ ذكره: ﴿مِّ وَآلْقُرْءَانِ ذِى الذِكرِ﴾ . الصَّادُ مفتاحُ اسمه الصادق والصبور والصمد والصانع ... أقسم بهذه الأشياء وبالقرآنِ. وجواب القسم: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَقِّ نَاصُ أَهْلِ الَّارِ﴾. ويقال: أقسم بصفاءِ مودةٍ أحبابه والقرآنِ ذي الذكر أي: ذي الشرف ... وشَرَفُه أنه ليس بمخلوق. قوله جلّ ذكره: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَِّ وَشِقَاقٍ﴾ . في صلابةٍ ظاهرة، وعداوة بَيِّنة، وإعراضٍ عن البحث للأدلة، والسِّرِّ للشواهد. قوله جلّ ذكره: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرٍّ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاسٍ﴾ . بادوا حين هَجَمَ البلاءُ مستغيثين، وقد فات وقتُ الإشكاء والإجابة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَبُوْ أَنْ بََّهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَّابٌ﴾ . عَجِبُوا أن جاءَهم مُنْذِرٌ منهم، ولم يعجبوا أن تكون المنحوتاتُ آلهةً، وهذه مناقضة ظاهرة. فلمَّا تحيّروا في شأن أنبيائهم رَمَوْهم بالسحر، وقسَّموا فيهم القول. قوله جلّ ذكره: ﴿أَجَعَلّ ◌َلْآَمَةَّ إِلَّهَا وَِدًّاً إِنَّ هَذَا لَقُْ عُجَابٌ﴾ . لم تباشر خلاصةُ التوحيد قلوبَهم، وبعدوا عن ذلك تجويزاً، فضلاً عن أن يكون إثباتاً وحُكْماً، فلا عَرَفُوا الإلهَ ولا معنى الإلهية؛ فإنَّ الإلهيةَ هي القدرة على الاختراع. وتقديرُ قادِرَيْنِ على الاختراع غيرُ صحيح لِما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، ثم إنَّ ذلك يمنع من كمالهما، ولو لم يكونا كامِلي الوصفِ لم يكونا إِلَهْين، وكلَّ أمرٍ جرى ثبوتُ سقوطِ فهو مطروحٌ باطل . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنْطَلَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ آَمْشُواْ وَأَصْبِرُوا عَلَّ ◌َالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ﴾ . ٩٨ ٩٩ تفسير سورة ص إذا تواصى الكفارُ فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمنون أَوْلى بالصبر على عبادة معبودهم والاستقامة في دينهم. قوله جلّ ذكره: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهِذَا فِىِ آلْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَآ إِلَّا أَخِلَؤُّ﴾ . ركنوا إلى السوء والعادة، وما وجدوا عليه أسلافَهم من الضلالة، واستناموا إلى التقليد والهوادة. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمُنِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَّنِيَأْ بَلْ هُمْ فِ شَكٍْ مِّن ذِكْرِىٌّ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ﴾ . أي لو استبصروا في دينهم لَمَا أَقدموا على ما أسرفوا فيه من جحودهم، ولولا أَنَّا أَدَمْنا لهم العوافيَ لَمَا تَفَرَّغُوا إلى طغيانهم. ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَّآْنُ رَحْمَةٍ رَيِّكَ الْعَزِيزِ الْوَقَّابِ﴾ . أي: هؤلاء الكفار الذين عارضوا أو نازعوا، وكَذَّبوا واحتجُوا ... أعندهم شيءٌ من هذه الأشياء؟ أم هل هم يقدرون على شيءٍ من هذه الأشياء فيفعلوا ما أرادوا، ويعطوا من شاؤوا، أو يرتقوا إلى السماء فيأتوا بالوحي على مَنْ أرادوا(١)؟ ﴿جُنْدُ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. بل هم جُنْد من الأحزاب المتحزبين. كُلُّھم عَجَزَةٌ لا يقدرون على ذلك، مهزومون. شَبَّهَهُم في بقائهم عن مرادهم بالمهزومين؛ فإن هؤلاء الكفار ليس معهم حُجَّةُ، ولا لهم قوة، ولا لأصنامهم أيضاً من النفع والضر مُكْنَة، ولا في الردُ والدفع عن أنفسهم قدرة. قوله جلّ ذكره: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَادِ ... ﴾ الآيات. ذَكَرَ هؤلاء الأقوام في هذا الموضع على الجمع، وفي غير هذا الموضع على الإفراد، وفي كل موضع فائدة زائدة في الفصاحة والإفادة بكل وجه (٢). ثم قال: ﴿إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ﴾. أي ما كان منهم أحدٌ إلَّا كَذَّبَ الرسلَ فحقَّت العقوبةُ عليه، واستوجَبَ العذابَ. ثم قال : ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةٌ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ . أي ليسوا ينتظرون إلا القيامة، وما هي إلا صيحة واحدة، وإذا قامت فإنها لا تسكن . قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عِّل لَّا قِّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. (١) الآية (١٠) لم ترد. (٢) الآية (١٣) لم ترد. ١٠٠ تفسير سورة ص اصْبِرْ - يا محمد - على ما يقولون، فإنه لن تطولَ مُدْتُهم، ولن نَمُدَّ - في مقاساتِكَ أَذَاهم - لُبْئَكَ ومُكْثَكَ، وعن قريبٍ سينزل اللَّهُ نَصْرَه، ويصدق لك بالتحقيقِ وَعْدَه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُرَدَ ذَا الْأَّ إِنَّهُ، أَوَّبُ﴾ . ﴿ذَا الْأَبْدِّ﴾ أي ذا القوة، ولم تكنِ قُوَّتُه قوةَ نَفْسٍٍ، وإنما كانت قوته قوةً فِعْل؛ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً - وهو أشدُّ الصوم، وكان قوياً في دين الله بِنَفْسِه وقلّبه وهمته . ﴿أَوَّبُ﴾ُ رَجَّاع. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ, يُسَّحْنَ بِالْعَشِ وَالْإِنْرَاقِ وَالْغَّرَ تَحْشُورَةٌ كُلِّ لَّهُ، أَوَّبٌ﴾ . كان داود يُسَبِّح، والجبالُ تُسَبِّح، وكان داود يفهم تسبيحَ الجبالِ على وجهِ تخصيصٍ له بالكرامة والمعجزة . وكذلك الطير كانت تجتمع له فتسبّح الله، وداود كان يعرف تسبيحَ الطير؛ وكلُّ مَنْ تَحقَّقَ بحاله ساعَدَه كلُّ شيءٍ كان بِقُرْبِهِ، ويصير غيرُ جِئْسِه بِحُكْمِه، وفي معناه أنشدوا: ذات شجوٍ صَرَخَتْ فِي فَنَنٍ(٢) رُبَّ ورقاءً(١) هتوفٍ بالضُّحى وبَكّتْ شوقاً فهاجَتْ حَزّني ذَكَرَتْ إلغاً ودهراً صالحاً ويكاها ربما أَرَّقني. فِبُكائِي رُبَّما أَرَّقَها ولقد أشكو فما تفهمني ولقد تشكو فما أفهمها وهي أيضاً بالجوى تعرفني غير أني بالجوى(٣) أعرفها قوله جلّ ذكره: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَمُ وَءَانَيْنَنَّهُ اُلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ لِْطَابِ﴾ . أي قوَّيْنا مُلْكَه بأنصاره، وفي التفسير: كان يحفظ مُلْكَه كلَّ ليلةٍ ثلاثةٌ وثلاثون ألفَ رجلٍ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ لَلِطَّابِ﴾ . أي شددنا مُلْكَه بنصرنا له ودَفْعِنا البلَاءَ عنه. ويقال شدنا مُلْكَه بالعدل في القضية، وحُسْنِ السيرة في الرعية. (١) الورقاء: الحمامة أو التي لونها كالرماد فيه سواد (ج) ورق. (٢) الفنن: الغصن الفض الورق أو المستقيم. (٣) الجوى: الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن.