Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ تفسير سورة القصص قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَاً أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَقَِّعَ مَايَئِكَ وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلاَ أُوِىَ مِثْلَ مَآ أُوِْىَ مُوسَىَّ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَّ أُوِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَهَرًا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍ كَفِرُونَ ﴾ . تمنوا في زمانِ الفترة أن يبعث اللَّهُ إليهم رسولاً ليهتدوا به، ووعدوا من أنفسِهم الإيمانَ والإجابة، فلمَّا أتاهم الرسولُ كذّبوه، وقالوا: هلّ خُصَّ بمثل معجزات موسى في الظهور، وكان ذلك منهم خطأ، واقتراحاً في غير موضع الحاجة، وتَحُّماً بعد إزاحة العِلّةِ : وكذا الملولُ إذا أراد قطيعةٌ مَلَّ الوصالَ وقال كان وكانا ثم قال: أفلا تَذْكُرُون كيف كفروا بموسى وأخيه ورموهما بالسحر؟ وقال: إنْ ارتبتم أنَّ هذا الكتاب من عند الله فَأُتوا بكتابٍ مِثْلِه، واستعينوا بشركائكم. ومِنْ وقته إلى يومنا هذا لم يأتِ أحدٌ بسورة مِثْلِه، وإلى القيامة لا يأتون بكتابٍ مثله(١). قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَلَقَدْ وَضَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَّكْرُونَ﴾ . سد أتبعنا رسولاً بعد رسول، وأردفنا كتاباً بعد كتاب، فما ازدادوا إلا كفراً وثبوراً (٢)، وجحداً وعتواً .. فلا إلى الحقِّ رجعوا، ولا إلى الاستقامة جنحوا .. قوله جلّ ذكره: ﴿ اَلَِّينَ ءَانْتَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ﴾ . مَنْ أكحلنا بصيرتهم بنور الهداية صَدَّقوا بمقتضى مساعدة العناية، ومَنْ أعميناه عن شهود التحقيق ولم تساعده لطائف التوفيق انتكس في غوايته، وانهمك في ضلالته .. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا يُثَ عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءَامَنَّا بِهِهِ إِنَّهُ أَلْحَقُّ مِن زَيِّنَاً إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ. مُسْلِمِينَ﴾ . إذا سمعوا دعوتنا قابلوها بالتصديق، وانقادوا بِحُسْنِ الاستسلام، فلا جَرَمَ يُؤْتَوْن أجرَهم مرتين بما صبروا على الأوامر وصبروا على المحارم في عاجلهم وآجالهم، مرةً في الآخرة وهي المثوبة وأخرى في الدنيا وهي لطائف القربة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا سَِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُوْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُرْ سَلَم عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾ . (١) الآيتان (٤٩، ٥٠) لم تردا. (٢) الثبور: الهلاك والويل والخسران . ٤٤٢ تفسير سورة القصص ﴿اَللَّغْوَ﴾: ما يُلْهِي عن الله. ويقال ﴿ اَللَّغْوَ﴾ ما لا يوجِب وسيلةً عند الله، ويقال ما لا يكون بالحقّ للحقِّ، ويقال هو ما صَدَرَ عن قلبٍ غافلٍ، ويقال هو ما يوجِب سماعُه السَّهو. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ ◌ِالْمُهْتَدِينَ﴾ . الهداية في الحقيقةِ إمالةُ القلبِ من الباطلِ إلى الحقِّ، وذلك من خصائص قدرة الحقُّ - سبحانه - وتطلق الهداية بمعنى الدعاء إلى الحق - توسُّعاً، وذلك جائزٌ بل واجبٌ في صفته ◌ََّ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهّدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. ويقال: لَكَ شَرَفُ النبوَّةِ، ومنزلةُ الرسالةِ، وجمالُ السفارةِ، والمقامُ المحمودُ، والحوض المورود، وأنت سيد ولد آدم .. ولكنك لا تهدي من أحببت؛ فخصائصُ الربوبيةِ لا تصلح لِمَنْ وَصْفُه البشرية . قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ إِن نَّعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاْ أَوَلَمْ ثُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا ءَاِنَّا يُحْبِىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِّن لَُّنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .. قالوا نخاف الأعرابَ على أنفسنا إنْ صَدَّقْنَاكَ، وآمَنَا بِكَ، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم فقال الله تعالى: ((وكيف تخافونهم وترون اللَّةَ أظفركم على عدوّكم، وحَكَمْنا بتعظيم بيتكم، وجعلنا مكةَ تُجْبَى إليها ثمراتُ كل شيءٍ من أقطار الدنيا)»؟ ويقال من قام بحقِّ الله - سبحانه - سَخْر له الكونَ بجملته، ومَنْ اشتغل برعاية سِرُه لله، وقام بحقُ الله، واستفرغ أوقاته في عبادة الله مُكْنَ من التصرَّف بهمته في مملكة الله؛ فالخَلْقَ مُسَخْرٌ له، والوقتُ طَوعُ أمرِهِ، والحقُّ - سبحانه - متولٍ (١) أيامَه وأعماله يُحَقُّقُ ظنَّه، ولا يُضَيِّعُ حقّه. أمَّا الذي لا يطيعه فيهلك في أودية ضلاله، ويتيه في مفازات خِزْيِه، ويبوء بوِزْرِ هواه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَتِ بَطِرَتْ مَعِشَتَهَاْ فَِلْكَ مَسَئِكِنُهُمْ لَمْ تُشْكَنْ مِنْ بَعْدِهِ إِلَّا قَلِلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِنَ﴾. لم يعرفوا قَدْرَ نعمتهم، ولم يشكروا سلامة أحوالهم، وانتظامَ أمورهم، فهاموا في أودية الكفران على وجوهِهم، فَخَرُّوا في أدوية الصغار على أذقانهم، وأذاقهم اللَّهُ (١) انظر حديث القشيري عن الولاية برسالته ص ٢٥٩ - ٢٦٣. ٤٤٣ تفسير سورة القصص من كاساتِ الهوان ما كسر خمارَ بَطَرِهم؛ فماكنهم منهم خالية، وسقوفُها عليهم خاوية، وغِربانُ الدمار فيها ناعية . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِيَّ أُمِّهَا رَسُولًا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَأْ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِ الْغُرَىّ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَلِمُونَ﴾ . ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِيَ أُمِّهَا رَسُولًا﴾: بالتكليف يأمرهم. ويأمر التكوين - على ما يُريد - يقفهم. وهو - سبحانه - يبعث الرسلَ إنذاراً ويعمي السُّبَلَ عليهم اقتداراً؛ يُوَضْحُ الحجةَ بحيث لا شبهة، ولكنه لا يهدي إلا مَنْ سَبَقّت له السعادة بحكم القسمة . قوله جل ذكره: ﴿وَمَّ أُوتِيتُم ◌ِن شَىْءٍ فَمَعُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَاْ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَبِرٌ وَأَبْقَّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ . الدنيا حلوة خَضِرَة، ولكنها في التحقيق مُرَّةٌ مَذِرَةٍ (١)، فَبِشْرُها يُوهِمُ أنها صَفْوٌ ولكن مِن وراءِ صَفْوِها حَسْوٌ (٢) ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَ﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَمَنْ وَعَذْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَفِيهِ كَمَنْ مَّنَّعْنَهُ مَنَ الْحَيَوْمَ الُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ . الدنيا سمومُ حَنْظَلِها تتلو طمومَ عَسَلِها، وتَلَفُ ما يحصل من شربها يغلب لُطْفَ ما يظهر من أربها، وليس من أُكْرِمَ بوجدان نعيم عقباه كَمَنْ مُنِيَ بالوقوع في جحيم دنياه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . إنما يكون ذلك على جهة التهويل وإبطال كيد أهل التضليل .. وإلّا فَمِنْ أين لهم الجواب فضلاً عن الصواب! والذي يسألهُم هو الذي على ما شاء جَعَلَهم؛ فما وَرَدَ فِعْلٌ إلا على فِعْلِهِ، وما صَدَرَ ما صَدَرَ إلا من أصْلِه. وإذْ تَبَرَّأَ بعضُهم من بعض بَيَّنَ أنه لم يكن للأصنام استحقاقُ العبودية ولا لأحدٍ من النفي والإثبات بالإيجاد والإحداثِ ذَرَّةً أو منه شظيّة .. كلّا بل هو الواحد القهار (٣). قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِهِمْ فَيَقُولُ مَاذَاً أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾. (١) مذرت البيضة: إذا غرقلت، فهي مذرة: فدت، ومذرت نفسه ومعدته: خبثت وفسدت. (اللسان ١٦٤/٥ مادة: مذر). (٢) يقال: يوم كحسو الطير: أي قصير، والعرب تقول: نمت نومة كحسو الطير إذا نام نوماً قليلاً. (اللسان ١٤/ ١٧٦ مادة: حسا). (٣) الآيتان: (٦٣، ٦٤) لم تردأ. ٤٤٤ تفسير سورة القصص يسألهم سؤالَ هيبةٍ؛ فلا يَبْقَى لهم تمييزٌ، ولا قوةُ عقلٍ، ولا مُكْنَةُ جوابٍ، قال جلَّ ذكره: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَآءُ يَوْمَيِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَآءُ لُونَ﴾ . إذ استولت عليهم الحَيْرَةُ، واستمكن منهم الدهشُ؛ فلا نُطْقَ ولا عقلَ ولا تمييز ولا فهم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَاؤُ مَا كَانَ لَهُ الْخِيَرَةُ سُبْحَنَ اللَّهِ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يختار ما يشاء ومَنْ يشاء من جملة ما يخلق. ومَنْ ليس إليه شيءٌ من الخَلْقِ .. فما له والاختيار؟! الاختيارُ للحقُ استحقاقُ عِزَّ يوجِبُ أن يكون ذلك له، لأنَّه لو لم يُنَفِّذْ مشيئته واختيارَه لم يكن بوصف العِزْ، فَمَنْ بَقِيَ عن مُرادِه لا يكون إلَّا ذليلاً؛ فالاختيارُ للحقِّ نعتُ عِزْ، والاختيارُ للخَلْقِ صفةُ نَقْصٍ ونعتُ بلاءٍ وقصور؛ فاختيارُ العَبْدِ غيرُ مُبَارَكٍ عليه لأنَّه صفةٌ هو غيرُ مُسْتَحِقٌّ لها، وَمَنْ أتصف بما لا يليق به افتضح في نَفْسِه، قال قائلُهم: لَزِمَتْه جِنَايةُ السُّرَّاقِ ومعال إذا أدَّعاها سواه والطينةُ إذا اذَّعَتْ ما هو صفة الحقِّ أظهرت رعونتَها، فما للإنسان والاختيار؟! وما للمملوكِ والمِلْك؟! وما للعبيدِ والتصِدُّر في دَسْتِ (١) الملوك؟! قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُ الْخِيَرَةُ سُبْحَنَ اللَّهِ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قوله جلّ ذكره: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. ولِمَ لا وقد قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخِيرُ﴾ [الملك: ١٤]؟ فالعِلْمُ - الذي لا يَعْزُبُ عنه معلومٌ - نعتُ من لم يَزَلْ، والإبداع من العَدَمِ إلى الوجود ينفرَّدُ بالقدرة عليه لم يَزَلْ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لََّ إِلَنْهَ إِلَّا هُوّ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُوْلَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوِّ﴾: تَوَحَّدَ بِعِزْ هيبته، وتَفَرَّدَ بجلال ربوبيته، لا شبيهَ يساويه، ولا نظيرَ يُضاهيه. ﴿لَهُ الْحَمْدُ﴾ استحقاقاً على عَطِيَّتِهِ، وله الشكر استيجاباً على نعمته؛ ففي الدنيا المحمودُ اللَّهُ، وفي العقبى المشكورُ اللَّهُ؛ فالإحسان من اللَّهِ لأن السلطانَ (١) الدست: دست الوزارة: منصبها. -- ٤٤٥ تفسير سورة القصص للَّهِ، والنعمةُ من اللَّهِ لأنَّ الرحمةَ للَّهِ، والنصرةُ من اللَّهِ لأنَّ القدرةَ للَّهِ. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَرَبَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِكُمُ الَِّلَ سَرْهَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ بَأْتِكُمْ بِضِيَّاًٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ . إن دامت ليالي الفترة فَمَنْ الذي يأتي بنهار التوبة غيرُ اللَّهِ؟ وإِنْ دامت ليالي الطَّلَبِ فَمَنْ الذي يأتي بصُبْحِ الوجودِ غيرُ اللَّهِ؟ وإِن دامت ليالي القبض فمن الذي يأتي بصبح البسطِ غيرُ اللَّهِ؟ وإِن دام ليل الفراق فمن الذي يأتي بصبح الوصالِ غيرُ الله؟ قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُمْ بِيْلٍ تَسْكُنُنَ فِيَةِ أَفَلاَ نُبْصِرُونَ﴾ . إِنْ دام في الوصلة نهارُكم فأيُّ سبيل للواشين إلى تنغيص سروركم؟ وإن دام نهارُ معاشِكم ووقتُ اشتغالكم بحظوظكم فَمَنْ إلهٌ غيرُ اللَّهِ یأتیکم بلیل تَسْكنُون فيه إِلى الله إلا الله، وتستريحون من أشغالكم بالخلوة مع اللَّهِ إلا الله. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَّكُمُ الَِّلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِيهِ وَلِبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . الأوقات ظروفٌ لما يحصل فيها من الأفعال والأحوال؛ فالظروفُ من الزمان متجانسة، وإنما الاختلافُ راجعٌ إلى أعيان ما يحصل فيها؛ فليالي أهل الوصال ساداتُ الليالي، أهل الفراق أسوأ الليالي؛ فأهلُ القُرْبِ لياليهم قِصَارٌ وكذلك أيامُهم، وأربابُ الفراقِ لياليهم طوال وكذلك جميع أوقاتهم في ليلهم ونهارهم، يقول قائلهم: وأراها إذا دَنَّوْتِ قِصّار والليالي إذا نبأيتِ طوالٌ وقال آخر : والليلُ أطولُ وقتٍ حين أفقدها والليل أقصر وقتٍ حين ألقاها وقال ثالث : وحَوْلٌ نلتقي فيه - قصيرُ يطولُ اليومُ لا ألقاكِ فيه قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَانُواْ بُرْهَئِنَكُمْ فَعَلِمُواْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾. كلا .. لا حُجَّة لهم، ولا جوابَ يعذرهم، ولا شفيعَ يرحمهم، ولا ناصِرَ یُعِینھم. ٤٤٦ تفسير سورة القصص اشتهرت ضلالتهُم، واتضحت للكافة جهالتهُم؛ فدامَ عذابُ الأبد، وحاقَ بهم وبالُ السَّرْمَد . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَى عَلَيْهِمْ﴾ . جاء في القصص أنه كان ابن عمَّ موسى، وكان من أعبد بني إسرائيل، وكان قد اعتزل الناسَ، وانفرد في صومعته(١) يتعبَّد، فتصوَّر له إبليسُ في صورة بَشَرٍ، وأخذ في الظاهر يتعبَّدُ معه في صومعته حتى تعجّب قارونُ من كثرة عبادته، فقال له يوماً: لسنا في شيء؛ عيونُنا على أيدي الناس حتى يدفعوا إلينا شيئاً هو ضرورتنا، ولا بُدَّ لنا من أَخْذِه، فقال له قارون: وكيف يجب أن نفعلَه؟ فقال له: أن ندخل في الأسبوع يوماً السوق، ونكتسب، وننفق ذلك القَدْرَ في الأسبوع، فأجابه إليه. فكانا يحضران السوق في الأسبوع يوماً، ثم قال له: لستُ أنا وأنت في شيء، فقال: وما الذي يجب أن نعمله؟ فقال له: نكتسب في الأسبوع يوماً لأنفسنا، ويوماً نكتسب ونتصدَّق به، فأجابه إليه. ثم قال له يوماً آخر: لسنا في شيء، فقال: وما ذاك؟ قال: إِنْ مرضنا أو وقع لنا شغل لا نملك قوت يوم، فقال: وما نفعل؟ قال: نكتسب في الأسبوع ثلاثة أيام؛ يوماً للنفقة ويوماً للصدقة ويوماً للإدخار، فأجابه إليه .. فلمَّا عَلِمَ أن حُبَّ الدنيا استمكن من قلبه وَذَّعَه، وقال: إِنِّي مُفارِقُكَ .. فَدُمْ على ما أنت عليه، فصار من أمره ومالِهِ ما صار، وحَمَلّه حُبُّ الدنيا على جَمْعِها، وَحَمَلَه جَمْعُها على حُبُّها، وحَمَلَه حُبَّها على البغي عليهم، وصارت كثرةُ مالِهِ سَبَبَ هلاكِه، وكم وُعِظَ بِتَرْكِ الفَرَجِ بوجود الدنيا، وبِتَرْكِ الاستمتاع بها! وكان لا يأبى إِلَّ ضلالاً. ويقال خَسَفَ اللَّهُ به الأرضَ بدعاءِ موسى عليه السلام، فقد كان موسى يقول: يا أرضُ خُذِيه .. وبينما كانت الأرض تُخْسَفُ به كان يستعين بموسى بحقُ القرابة، ولكن موسى كان يقول: يا أرضُ خُذِيه . وفيما أوحى اللَّهُ إلى موسى: لقد ناداك بحقُ القرابة وأنت تقول: يا أرض خذيه! وأنا أقول: يا عبدُ، نادِني فأنا أقرب منه إليك، ولكنه لم يَقُلْ. وفي القصة أنه كان يُخْسَفُ به كل يوم بزيادة معلومة، فلمَّا حَبَسَ اللَّهُ يونسَ في بطن الحوتِ أَمَرَ الحوتَ أن يطوفَ به في البحار لئلا يضيقَ قلبُ يونس، حتى انتهى (١) الصومعة: متعبد الناسك ومنار الراهب إذا كان محله مرتفعاً كأن يكون على جبل. ٤٤٧ تفسير سورة القصص إلى قارون، فسأله قارونُ عن موسى وحاله، فأوحى الله إلى المَلَّك: لا تَزِدْ فِي خَسْفِه لحرمة أنه سأل عن ابن عمه، ووَصَلَ بهِ رَحِمَه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَئِكَ اللَّهُ الذَّارَ الْآَخِرَةٌّ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَّا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْعِ الْفَسَادَ فِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. وَعْظُ مَنْ حُرِمَ القبولَ كِمِثلِ البَذْرِ في الأرض السَّبِخَة؛ ولذا لم ينفَعْه نُصْحُهم إياه، ولم يكن للقبول في مساغٌ. ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا﴾: ليس النصيبُ من الدنيا جَمْعَها ولا مَنْعَها، إنما النصيبُ منها ما تكون فيه فائدة بحيث لا يُعْقِبُ ندماً، ولا يُوجِبُ في الآخرةِ عقوبةً . ويقال النصيبُ من الدنيا ما يَحْمِلُ على طاعته بالنَّفْس، وعلى معرفته بالقلب، وعلی ذِكْرِه باللسان، وعلى مشاهدته بالسِّرِّ. ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكٌ﴾: إنما كان يكون منه حسنة لو آمن بالله؛ لأنَّ الكافرَ لا حَسَنَة له. والآية تدل على أن لله على الكافر نِعَماً دنيوية. والإحسانُ الذي أُمِرَ به إنفاقُ النعمةِ في وجوهِ الطاعةِ والخدمة، ومقابلتُه بالشكران لا بالكفران . ويقال الإحسانُ رؤيةُ الفضلِ دون تَوَهُم الاستحقاق. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِتُهُ عَ عِلْمٍ عِنْدِىَّ﴾. ما لاحَظَ أحدٌ نَفْسَه إلا هَلَكَ بإعجابه . ويقال السُّمُّ القاتلُ، والذي يطفىء السراجَ المضيءَ النظرُ إلى النّفْسِ بعين الإثباتِ، وتَوَهَّمُ أَنَّ منك شيئاً من النفي أو الإثبات. قوله جلّ ذكره: ﴿فَخَرَجَ عَى قَوْمِهِ، فِىِ زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَّنَا مِثْلَ مَآ أُوْقِيَ قَدرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ . تمنّى مَنْ رآهَ مِمَّن كان في حُبِّ الدنيا ساواه أَنْ يُعْطِيَه اللَّهُ مِثْلَ ما أعطاه. أَمَّا مَنْ كان صاحياً عن خمار غفلته، مُتَقِّظاً بنور بصيرته فكان موقفُهم : - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَِّ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَدِحَاْ وَلَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الضَِّرُونَ﴾ . وبعد أن كان ما كان، وخسفنا به وبداره الأرضَ قال هؤلاء(١): (١) الآية (٨١) لم ترد. ٤٤٨ تفسير سورة القصص ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّا وَيْكَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾ . مَنَّ اللَّهُ علينا فلم نَنْجَرِفْ فِي نَهْجِه، ولم ننخرط في سِلْكِه، وإذاً لَوَقَعَ بنا الهلاكِ . أَمَّا الْمُتَمَنُون مكانَه فقد نَدِمُوا، وأمّا الراضون بقسمته - سبحانه - فقد سَلِمُوا؛ سَلِمُوا في العاجل إلى أَنْ تَظْهرَ سعادتُهم في الآجل . قوله جلّ ذكره: ﴿ِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوا فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . قيل ((العلو في الدنيا)) أَنْ تَتَوهَّمَ أَنَّ على البسيطة أحداً هو شرٌّ منك. و ((الفساد)» أن تتحرك لحظّ نَفْسِك ونصيبك ولو بِنَفَسٍ أو خطوةٍ .. وهذا للأكابر، فأمَّا للأصاغر والعوام فتلك الدار الآخرة ﴿فَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَّا يُرِدُونَ عُلُوًّا فِ الْأَرْضِ وَلَا﴾ُ كَعُلُوَّ فرعون ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ كَفَسَادٍ قارون. ويقال الزهاد لا يريدون في الأرض عُلُوَّاً، والعارفون لا يريدون في الآخرة والجنة عُلُوَّاً. ويقال ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ للعُبَّادِ والزُّهاد، وهذه الرحمة الحاضرة لأرباب الافتقار والانكسار. قوله جلّ ذكره: ﴿مَنْ جَآءَ بِالَْنَّةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَآءَ بِالشَّيِّئَةِ فَلَ يُجْرَى الَِّينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . ثواب الحسنةِ في التضعيف، وأمرُ السيئةِ بناؤه على التخفيف. والمؤمنُ - وإن كان صاحبَ كبائر - فسيئاتُه تَقْصُرُ في جَنْبٍ حسناتِه التي هي إيمانُه ومعرفتُه . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْءَانَ لَّرَأَذُكَ إِلَى مَعٍَّ قُل تَِّّ أَهْلَمُ مَن ◌َجَآءَ بِاَلْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ . ﴿لَرَآَذُكَ إِلَى مَعَاٍَ﴾: في الظاهر إلى مكة .. وكان يقول كثيراً: ((الوطن الوطن))، فَحَفَّقَ اللَّهُ سُؤْلَه. وأَمَّا في السِّرِّ والإشارة فإنه ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ﴾ أي يَسَّرَ لك قراءةَ القرآن، والمَعَادُ هو الوصفُ الذي كانت عليه روحُك قبل حلول شَجِّك من مُلَادغات القُرْبِ ومطالعات الحقِّ. وقيل الذي ينصبك بأوصاف التفرقة بالتبليغ وبسط الشريعة لرادُك إلى عين الجمع بالتحقّق بالحقّ والفناء عن الخَلْق ٤٤٩ تفسير سورة القصص ويقال إن الذي أقامك بشواهد العبودية فيما أثبتك به لرادُك إلى الفناء عنك بمحقك في وجود الحقيقة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُوْاْ أَنْ يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةُ مِّن رَبِّكٌ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيْرًا لِلْكَفِرِينَ﴾ . ما كنت تؤمِّل مَحَلّ النبوة وشرف الرسالة وتأهيل مخاطبتنا إليك، ولا ما أظهرنا عليكَ من أحوال الوجد وحقائق التوحيد. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَتِ الَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكٌَ وَدْعُ إِلَى رَيْكٌَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . لا يصدئك بعد إذ أنزلت إليك الآيات ما وجدته بحكم الذَّوْبِ والشهود، والإدراك والوجود. لا تتدَاخَلَنَّكَ تُهْمةُ التجويز وسؤالاتُ العلماء بما يَدَّعُون من أحكام العقول؛ فَمَا يُدْرَكُ في شعاع الشمس لا يَحْكُمُ ببطلانه خفاؤُه في نورِ السراج. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرٌ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ كُلُّ ◌َىْءٍ هَالِكُ إِلََّ وَجْهَزَّ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ نُجَعُونَ﴾ . كلُّ عَمَلٍ باطلٌ إلا ما كان لوجه الله وللتقرب به إلى الله. كلُّ حيٍّ ميت إلا هو، قال تعالى: ﴿إِنِ أُمُّأَ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]: أي مات؛ فكلُّ شيءٍ مُعَدٍّ لجواز الهلاك والعَدَم، ولا يبقى إلا ﴿وَجْهَهُ﴾: ووَجْهُهُ صقةُ من صفاته لا تستقل إلا به فإذا بقي وجهُه فَمِنْ شرط بقاء وجهه بقاءُ ذاته؛ لأن الصفة لا تقوم إلا بموجود، ولا يكون هو باقياً إلا بوجود أوصافه الذاتية الواجبة له؛ ففي بقاء وجهه بقاء ذاته وبقاء صفاته . وفائدة تخصيص الوجه بالذكر هنا أنه لا يُعْرَفُ وجوبُ وجهه إلا بالخبر والنقل دون العقل؛ فخَصَّ الوجه بالذكر لأنَّ في بقاء الوجه بقاء الحقِّ بصفاته. السورة التي يذكر فيها العنكبوت قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. بسم الله اسم يوجب حُظوة العابدين وَعْداً، وسماعُه يوجب سلوة الواجدين نقداً اسم مَنْ ذَكْرَهُ وَصَلَ إلى مثوبته في آجله، ومَنْ سمعه حظي بقربته في عاجله. قوله جلّ ذكره: ﴿الَّ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ . ((الألف)) إشارة إلى تَفَرُّده عن كل غير بوجه الغِنى، وباحتياج كل شيءٍ إليه؛ كالألف تتصل بها كل الحروف ولكنها لا تتصل بحرفٍ. ((واللام)) تشير إلى معنى أنه ما من حرفٍ إلا وفي آخره صورة تعويج ما، واللام أقرب الحروف شبهاً بالألف - فهي منتصبة القامة مثلها، والفرق بينهما أن الألف لا يتصل بها شيء ولكن اللام تتصل بغيرها - فلا جَرَمَ لا يكون في الحروف حرف واحد متكون من حرفين إلا اللام والألف ويسمى لام ألف ويكتب على شكل الاقتناع مثل صورة لام. أمّا ((الميم)) فالإشارة فيه إلى الحرف ((مِنْ))؛ فَمِنَ الربِّ الخَلْقُ، ومِنَ العبدِ خدمةُ الحق، ومن الربِّ الطَّوْلُ والفضلُ. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ بمجرد الدعوى في الإيمان دون المطالبة بالبلوى، وهذا لا يكون، فقيمة كلٌ أحدٍ ببلواه، فَمَنْ زاد قَدْرُ معناه زاد قدر بلواه؛ فعلى النفوس بلاء وهو المطالبة عليها بإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في أحسن العمل. وعلى القلوب بلاءٌ وهو مطالبتُها بالطلب والفكر الصادق بتطلّع البرهان على التوحيد والتحقق بالعلم. وعلى الأرواح بلاءٌ وهو التجرُّدُ عن محبة كلٌ أحدٍ والتفرّد عن كل سبب، والتباعُد عن كل المساكنة لشيءٍ من المخلوقات. وعلى الأسرار بلاءً وهو الاعتكاف بمشاهد الكشف بالصبر على آثار التجلّي إلى أن تصير مُسْتَهْلَكاً فيه. ويقال فتنة العوام في أيام النظر والاستدلال، وفتنة الخواص في حفظ آداب الوصول في أوان المشاهدات. وأشدُّ الفتنِ حفظُ وجود التوحيد لئلا يجري عليك مَكْرٌ في أوقات غَلَبَاتِ شاهد الحقُّ فيظن أنه الحق، ولا يدري أنَّه من الحقُّ، وأنَّه لا يُقال إِنَّه الحقُّ - وعزيزٌ مَنْ يهتدي إلى ذلك. ٤٥٠ ٤٥١ تفسير سورة العنكبوت قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اُلْكَذِبِينَ﴾ . لم يُخْلِهِم من البلاء والمِحَن لِيُظْهِرِ صبرَهم في البلاءِ أو ضدَّه من الضَجَرِ، وشكرهم في الرخاء أو ضدة من الكفر والبَطَرِ. وهم في البلاءِ ضروب: فمنهم مَنْ يصبر في حال البلاء، ويشكر في حال النَّعماء ... وهذه صفة الصادقين. ومنهم مَنْ يضجُّ ولا يصبر في البلاء، ولا يشكر في النعماء .. فهو من الكاذبين. ومنهم مَنْ يؤثر في حال الرخاء ألّا يستمتعَ بالعطاء، ويستروح إلى البلاء؛ فَيَسْتَغْذِبَ مقاساةَ الضُّرِّ والعناء .. وهذا أَجَلْهم. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ حَيِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَأْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ . يرتكبون المخالفاتِ ثم يحكمون لأنفسهم بالنجاة .. ساءَ حُكْمُهم! فمتى ينجو منَ العذابِ مَنْ ألقى جلبابَ الثُّقى؟! ويقال توهموا أنه لا حَشْرَ ولا نَشْرَ، ولا محاسبة ولا مطالبة. ويقال اغتروا بإمهالنا اليومَ، وتَوَهَّموا أنهم مِنَّا قد أفلتوا، وظنوا أنهم قد أَمِنُوا. ويقال ظنوا أنهم باجتراحهم السيئاتِ أَنْ جرى التقديرُ لهم بالسعادة، وأنَّ ذلك يؤخر حُكْمَنا .. كلا، فلا يشقى مَنْ جَرَتْ قسمتُنا له بالسعادة، وهيهات أن يتحول مَنْ سبق له الحُكْمُ بالشقاوة ! . قوله جلّ ذكره: ﴿مَن كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَتَّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . مَنْ خاف عذابَهِ يوم الحساب فَسَيلْقى يومَ الحَشْرِ الأمانَ الموعودَ مِنَّا لأهل الخوف اليومَ. ومَنْ أُمَّلَ الثوابَ يومَ البعثِ فسوف يرى ثوابَ ما أسلفه من العمل. ومَنْ زَجَّى عُمْرَه في رجاء لقائنا فسوف نُبيح له النَّظَرَ إلينا، وسوف يتخلص من الغيبة والفرقة . ﴿وَهُوَ اُلْسَمِيعُ﴾ لأنين المشتاقين، ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بحنين المحبين الوالهين. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ . مَنْ أَحْسَنَ فنجاة نفسه طلبها، وسعادة حالة حَصَّلَها. ومن أساء فعقوبة بنفسه جَلَبَها، وشقاوة جَدِّه اكتسبها . ويقال ثوابُ المطيعين إليهم مصروفٌ، وعذابُ العاصين عليهم موقوفٌ .. والحقُّ عزيزٌ لا يلحقه بالوفاق زَيْن، ولا يَمَسُّه من الشِّقَاقِ شَيْنٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَّلِحَتِ لَتُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَبِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ أَلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . ٤٥٢ تفسير سورة العنكبوت مَنْ رَفَعَ إلينا خطوة نال مِنَّا خطوة، ومَنْ تَرَكَ فينا شهوةٌ وَجَدَ مِنَّا صفوة، فنصيبهم من الخيرات موفور، وعملهم في الزلَّات مغفور .. بذلك أجرينا سُنَّتنا، وهو متناول حُكْمِنا وقضيتنا. قوله جلّ ذكره: ﴿وَوَضَيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيِّهِ حُسْنَّاً﴾ . أَمَرَ اللَّهُ العِبادَ برعاية حقٌّ الوالدين تنبيهاً على عظم حق التربية. وإذا كانت تربيةُ الوالدين - وهي إِنْ حَسُنَتْ - فإلى حدِّ يوجِبُ رعايتهما فما الظنُّ برعاية حق الله تعالى، والإحسانِ العميم بالعبد والامتنان القديم الذي خصَّه به مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ؟ !. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن جَهَدَالَكَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ فَلَا تُطِعْهُمَاْ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنَبِئُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . إن جاهداك على أن تُشْرِكَ بالله فإياك أَنْ تطيعَهما، ولكن رُدَّ بِلُطْفٍ، وخالِفْ برفقٍ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُدْيَِنَّهُمْ فِيِ الصَِّحِينَ﴾. أي لنلحقنهم بالذين أصلحوا من قبلهم، فإن المعهود من سُنَّتِنا إلحاق الشكلِ بشكله، وإجراء المِثْلِ على حُكْمٍ مِثْلِه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَّنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابٍ اللَّهِ﴾ . المحنُ تُظْهِرُ جواهرَ الرجال، وهي تَدُلُّ على قِيمَهِم وأقدارهم؛ فَقَدْرُ كلِّ أحد وقيمته يَظْهَرُ عند محنته؛ فَمَنْ كانت محنتُه من فوات الدنيا ونقصان نصيبه منها؛ أو كانت محنته بموت قريبٍ من الناس، أو فَقْد حبيبٍ من الخلْقِ فحقيرٌ قَدْرُه، وكثيرٌ في الناس مثْلُه. ومَنْ كانتَ محنته في الله ولله فعزيزٌ قُدْرُه، وقليلٌ مَنْ كان مثله، فهم في العدد قليلٌ ولكن في القَدْرِ والخَّطَرِ جليلٌ: وبقدر الوقوف في البلاءِ تظهر جواهرُ الرجال، وتصفو عن الخَبَثِ نفوسُهم. والمؤمن مَنْ يكفُّ الأذى، ويتحمل من الخَلْقِ الأذى، ويتشرب ولا يترشح بغير شكوى ولا إظهار؛ كالأرضِ يُلْقَى عليها كلَّ خبيث فَتُنْبِتُ كلَّ خضرة وكل نزهة (٦). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ﴾. إذا اشتبكت دموع في خدود . تَبَيَّنَ مَنْ بكى ممن تباكى (١) القشيري من استفاد من قول الجنيد: الصوفي كالأرض، يُطرح عليها كل قبيح، ولا يخرج منها إلا كل مليح، وقال أيضاً: إنه كالأرض يطؤها البر والفاجر، وكالسحاب يُظل كل شيء، وكالقطر يسقي كل شيء. (الرسالة القشيرية ص ٢٨١). ٤٥٣ : تفسير سورة العنكبوت قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّبِعُوْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَلِكُمْ وَمَا هُمْ بِحِينَ مِنْ خَطَهُمْ مِن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ . ضمنوا بما لم يفوا به، وأخلفوا فيما وَعَدُوا فما حملوا من خطاياهم عنهم شيئاً، بل زادوا على حَمْل نفوسهم؛ فاحتقبوا وِزْرَ ما عَملوا، وطولبوا بوزْر ما به أَمَرُوا، فضاعَفَ عليهم العقوبة، ولم يصل أحدٌ من جهتهم إلى راحة، وما مواعيدهم للمسلمين إلا مواعيد عرقوب(١) أخاه بيثرب. قوله جل ذكره: ﴿وَلَيَحْيِلُكَ أَنْقَالَمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْفِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ . وسيلحق بهؤلاء أصحاب الدعاوى والمتشبّهون بأهل الحقائق: مَنْ تحلَّى بغير ما هو فيه فَضَحَ الامتحانُ ما يَذَّعيه وقال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] .. وهیهات هيهات! قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًاً فَأَخَذَهُمُ اُلُوَفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَأَنَمْنَهُ ... ) الآية. ما زادهم طولُ مقامه فيهم إلا شَكا في أمره، وجهلا بحاله، ومُزية في صدقه، ولم يزدد نوح - عليه السلام - لهم إلَّا نُضْحاً، وفي الله إلا صبراً. ولقد عرَّفه اللَّهُ أنه لن يؤمِنَ منهم إلا الشّرْذِمة (٢) اليسيرةُ الذين كانوا قد آمنوا، وأَمَرَهُ باتخاذ السفينة، وأغرق الكفار ولم يغادر منهم أحداً، وَصَدَقَ وَعْدَه، ونَصَرَ عَبْدَه .. فلا تبديلَ لِسُنَّتِه في نصرة دينه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوَةٌ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. كَرَّرَ ذِكْرَ إبراهيم في هذا الموضع، وكيف أقام على قومه الحُجَّة، وأرشدهم إلى (١) عرقوب: اسم رجل من العمالقة؛ قيل: هو عرقوب بن معبد، كان أكذب أهل زمانه، ضربت به العرب المثل في الخُلف، فقالوا: مواعيد عرقوب، وذلك أنه أتاه أخ له يسأله شيئاً فقال له عرقوب: إذا أطلعت هذه النخلة، فلك طلعها، فلما أطلعت أتاه للعدة، فقال له: دعها حتى تصير بلحاً، فلما أبلحت قال: دعها حتى تصير زهواً، فلما أبسرت قال: دعها حتى تصير رطباً، فلما أرطبت قال: دعها حتى تصير تمراً، فلما أتمرت عمد إليها عرقوب من الليل فجدّها، ولم يُعط أخاه منها شيئاً، فصارت مثلاً في إخلاف الوعد. (لسان العرب ٥٩٥/١ مادة: عرقب). (٢) الشرذمة: من الناس: الجماعة القليلة. ٤٥٤ تفسير سورة العنكبوت سَوَاءِ المحجة، ولكنهم أصروا على ما جحدوا، وتعصبوا لِمَا من الأصنام عبدوا، وكادوا لإبراهيم كيداً .. ولكن انقلب ذلك عليهم من الله مكرّاً بهم واستدراجاً. ولم يَنْجَعْ فيهم نُصْحُه، ولا وَجَد منهم مساغاً وَغْظُه. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا وَتَخْلُقُونَ إِفْكَاْ إِننَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الْرِزْقَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهَُّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . لا يُذْرَى أيهما أقبح .. هل أعمالكم في عبادة هذه الجمادات أم أقوالكم - فيما تزعمون كذباً - عن هذه الجمادات؟ وهي لا تملك لكم نفعاً ولا تدفع عنكم ضراً، ولا تملك لكم خيراً ولا شراً، ولا تقدر أن تصيبكم بهذا أو ذاك. وبيَّنَ أنهم في هذا لم يكونوا خالين عن ملاحظة الحظوظ وطلب الأرزاق(١) فقال: ﴿فَبْتَغُوْ عِنْدَ اللَّهِ الْرِّزْقَ وَأَعْبُدُوهُ﴾ لتَصِلوا إلى خير الداريْن. وابتغاءُ الرزق من الله إدامةُ الصلاة؛ فإن الصلاةَ استفتاحُ بابِ الرزق، قال تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرُ عَلَيْهًّا لَا نَسْشَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢]. ويقال ابتغاء الرزق بشهود موضع الفاقة فعند ذلك تتوجه الرغبة إلى الله تعالى في استجلاب الرزق . وفي الآية تقديمٌ الرزق على الأمر بالعبادة؛ لأنه لا يُمْكِنه القيام بالعبادة إلا بعد كفاية الأمر؛ فبالقوة يمكنه أداء العبادة، وبالرزق يجد القوة، قالوا: فمكروة ما يلقى يكون جزاؤه إذا المرءُ لم يطلب معاشاً لنفسه ﴿وَأَشْكُرُواْ لَهٌ﴾: حيث كفاكم أمر الرزق حتى تفرغتم لعبادته. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَُّ مِن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ الْمُينٌ﴾. وبالُ التكذيب عائدٌ على المُكَذِّب، وليس على الرسول - بعد تبليغه الرسالة بحيث لا يكون فيه تقصير كي يكون مُبَيِّناً - شيءٌ آخر، وإلا يكون قد خرج عن عهدة الإلزام. وفيما حلَّ بالمكذِّبينِ من العقوبة ما ينبغي أن يكون عِبْرَةً لِمَنْ بعدهم. قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْأِ كَيْفَ يُبْدِىُ اَللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . (١) انظر حديث القشيري عن العبودية برسالته ص ١٩٧، ٢٠١. ٤٥٥ تفسير سورة العنكبوت الذي دَاخَلَهم فيه الشَّكُّ كان بعث الخَلْقِ، فاحتجَّ عليهم بما أراهم من إعادة فصول السَّنَةِ بعد تقضيها على الوجه الذي كان في العام الماضي. وبَيَّنَ أن جَمْعَ أجزاءٍ المكلَّفين بعد انقضاص البنية كإعادة فصول السنة؛ فكما أن ذلك سائغٌ في قدرته غيرُ مُسْتَتْكَرٍ فكذلك بعثُ الخَلْقِ. وكما في فصول السنة تتكرر أحوالُ العِبادة في الأحوال العامة المشتركة بين الكافة، وفي خواص أحوال المؤمنين من استيلاء شهوات النفوس، ثم زوالها، إلى موالاة الطاعات، ثم حصول الفترة، والعود إلى مثل الحالة الأولى، ثم بعد ذلك الانتباه بالتوبة .. كذلك تتكرر عليهم الأحوال. وأربابُ القلوبِ تتعاقب أحوالُهم في القبض والبسط ثم في الهيبة والأنْس، ثم في التجلي والسَّتْر، ثم في البقاء والفناء، ثم في السُكْر والصحو .. وأمثال هذا كثير. وفي هذا المعنى قوله : ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَّ ثُمَّ اللَّهُ يُنِىُ النَّقْأَةَ الْآَخِرَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وفي معنى تكرير الأحوال ما أنشدوا: فإليه الماءُ يوماً سيعود كلُّ نَهْرِ فيه ماءٌ قد جَرَى قوله جلّ ذكره: ﴿يُعَذِبُ مَن يَشَّهُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَةٍ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ . أجناسُ ما يعذِّبُ به عبادَه وأنواعُ ما يرجم به عباده .. لا نهاية لها ولا حَصْر؛ فَمِنْ ذلك أنه يعذِّب من يشاء بالخذلان، ويرحم من يشاء بالإيمان. يعذِّب من يشاء بالجحود والعنود، ويرحم من يشاء بالتوحيد والوجود. يعذب من يشاء بالحرضٍ ويرحم من يشاء بالقناعة. يعذُّب من يشاء بتفرقة الهمِّ ويرحم من يشاء بجَمْعِ الهِمَّة. يعذب من يشاء بإلقائه في ظلمة التدبير، ويرحم من يشاء بإشهاده جريان التقدير. يعذب من يشاء بالاختيار من نَفْسِه، ويرحم من يشاء برضاه بحُكْم ربِّه. يعذب من يشاء بإعراضه عنه، ويرحم من يشاء بإقباله عليه. يعذب من يشاء بأن يَكِلَه ونَفْسَه، ويرحم من يشاء بأن يقوم بحُسْنٍ تولِّيه. يعذب من يشاء بحبُ الدنيا ويمنعها عنه ويرحم من يشاء بتزهيده فيها وبَسْطِها عليه. يعذب من يشاء بأن يثبته في أوطان العادة، ويرخم من يشاء بأن يقيمه بأداء العبادة ... وأمثال هذا كثير. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَّ أَنْتُم بِمُعْجِينَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَإِلٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. نُقَلِّب الجملةَ في القبضة، ونُجْري عليهم أحكامَ التقدير: جحدوا أم وَخَّدوا، أقبلوا أم أعرضوا. ٤٥٦ تفسير سورة العنكبوت قوله جلّ ذكره: ﴿ وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ اللَّهِ وَلِقَآئِهِ: أُوْلَئِكَ بَبِسُواْ مِنْ زَّحْمَتِى وَأُوْلَئِكَ لَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . تعجلت عقوبتهم بأنْ يئسوا من رحمته ... ولا عقوبةَ أشدُّ من هذا. قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَن قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَنَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . لمَّا عجزوا عن جوابه ولم يساعدهم التوفيق بالإجابة أخذوا في معارضته بالتهديد والوعيد، والسفاهة والتوبيخ، والله تعالى صرف عنه كَيْدَهم، وكفاه مَكْرَهم، وأفلج عليهم حُجَّته(١)، وأظهر نلكافة عجزَهم، وأخبر عما يلحقهم في مآلهم من استحقاق اللَّغْنِ والطردٍ، وفنون الهوان والخزي(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ فَامَنَ لَهُ لُوطُ وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ اُلْحَكِيمُ﴾. لا تَصِحُّ الهجرةُ إلى الله إلّا بالتبرِّي - بالكمالِ - بالقلبِ عن غير الله. والهجرةُ بالنَّفْسِ يسيرةٌ بالإضافة إلى الهجرة بالقلب - وهي هجرة الخواص؛ وهي الخروج عن أوطان التفرقة إلى ساحات الجَمْعِ. والجمعُ بين التعريجِ في أوطان التفرقة والكوْنِ في مشاهد الجَمْعِ مُتنافٍ(٣) . قوله جلّ ذكره: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِ ذُرِيَتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ وَءَاتَيْنَهُ أَجْرَؤُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَِّلِينَ﴾ . لمَّا لم يُجِبْ قومُه، وبذل لهم النصح، ولم يدَّخر عنهم شيئاً من الشفقة - حقَّقَ اللَّهُ مرادَه في نَسْلِه، فوهب له أولادَه، وبارك فيهم، وجعل في ذريته الكتابَ، والنبوة، واستخلصهم للخيرات حتى صلحت أعمالُهم للقبول، وأحوالهم للإقبال عليها، ونفوسُهم للقيام بعبادته، وأسرارُهم لمشاهدته، وقلوبهم لمعرفته. ﴿وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِينَ﴾ للدنوْ والزلفة والتخصيص بالقربة. (١) أفلح الله حجته: أظهرها وأثبتها. (٢) الآية (٢٥) لم ترد. (٣) قال القشيري برسالته عند حديثه عن الجمع والفرق: كان الأستاذ الدقاق يقول: الفرق ما نسب إليك والجمع ما سُلب عنك، ومعناه: أن ما يكون كسباً للعبد من إقامة العبودية وما يليق بأحوال البشرية فهو فرق، وما يكون من قبل الحق من إبداء معان وإسداء لطف وإحسان فهو جمع، هذا أدنى أحوالهم في الجمع والفرق، لأنه من شهود الأفعال، فمن أشهده الحق سبحانه أفعاله من طاعاته ومخالفاته فهو عبد يوصف بالتفرقة، ومن أشهده الحق سبحانه ما يوليه من أفعال نفسه سبحانه فهو عبد بشاهد الجمع، فإثبات الخلق من باب التفرقة، وإثبات الحق من نعت الجمع. (الرسالة القشيرية ص ٦٤، ٦٥). ٤٥٧ تفسير سورة العنكبوت قوله جلّ ذكره: ﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ﴾ . لامَهُم على خصلتهم الشنعاء، وما كانوا يتعاطونه على الله من الاجتراء، وما يُضَيَّعُونه من المعروف ويأتون من المنكر الذي جملته تخليته الفُسَّاق مع فِسقهم، وترك القبض على أيديهم، وقلة الاحتشام من اطّلاع الناس على قبائح أعمالهم. ومن ذلك. قلة احترام الشيوخ والأكابر، ومنها التسويف في التوبة، ومنها التفاخر بالزلة. فما كان جوابُهم إلا استعجالَ العقوبة، فحلَّ بهم من ذلك ما أهلكهم وأهلك من (١) شاركهم (١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَاْ إِبْزَهِمَ بِالْبُشْرَىْ قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلٍ هَذِهِ الْقَرْبَةٌ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾. التبس على إبراهيمَ أمرُهم فظَنَّهم أضيافاً؛ فتكلَّفَ لهم تقديم العجل الحنيذ(٢) جرياً على سُنَّتِه في إكرام الضيف. فلما أخبروه مقصودهم من إهلاك قوم لوط تكلّم من باب لوط ... إلى أن قالوا: إنَّا مُتَجُوه. وكان ذلك دليلاً على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوط - وإِنْ كان بريئاً - لم يكن ظلماً؛ إذ لو كان قبيحاً لما كان إبراهيم عليه السلام - مع وفرة عِلْمِه - يشكل عليه حتى كان يجادل عنه. بل الله أن يعذِّب منْ يعذِّب، ويُعَافِي مَنْ يُعَافِي(٣) . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا مِنَ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُواْ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنَّ إِنَّا مُتَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَيِنَ﴾. لمَّا أن رآهم لوطٌ ضاق بِهم قلبُه لأنه لم يعلم أنهم ملائكةٌ، فخاف عليهم من فساد قومه: فكان ضِيقُ قلبِهِ لأَجْلِ الله - سبحانه، فأخبروه بأنهم ملائكة، وأنَّ قومه لن يَصِلُوا إليهم، فعند ذلك سَكَنَ قلبُه، وزال ضيقُ صَدْرِه. ويقال أقرب ما يكون العبد في البلاءِ من الفرج إذا اشتدَّ عليه البلاءُ؛ فعند ذلك يكون زوال البلاء، لأنه يصير مُضْطّراً، واللَّهُ سبحانه وَعَدَ المضطرين وشيك الإجابة. كذلك كان لوط في تلك الليلة، فقد ضاق بهم ذَرْعاً ثم لم يلبث أَنْ وَجَدَ الخلاصَ من ضيقه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ بِئْنَةُ لِّقَوْمٍ يَعْفِلُونَ﴾ . (١) الآيتان (٢٩، ٣٠) لم تردا. (٢) العجل الحنيذ: المشوي، وقيل: هو الذي يقطر ماؤه وقد شوي. (اللسان ٤٨٤/٣: حنذ). (٣) الآية (٣٢) لم ترد. ٤٥٨ تفسير سورة العنكبوت فَمَنْ أراد الاعتبارَ فله في قصتها عِبْرة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِلَى مَدِيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ... ﴾ الآيات. ذَكَر قصةَ شعيبٍ وقصة عادٍ وثمود وقصة فرعون، وقصة قارون .. وكلهم نَسَجَ بعضُهم على مِنْوال بعضٍ، وسلك مسلكَهم، ولم يَقْبَلوا النصحَ، ولم يُبَالوا بمخالفة رُسِلِهم، ثم إن الله تعالى أهلكهم بأجمعهم، إمضاءً لِسُنّتِه في نصرة الضعفاء وقهر الظالمين . قوله جلّ ذكره: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اَّخَذَتْ بَيْئًا وَإِنَّ أَوْهَنَ اٌلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْمَنْكَبُونِّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . العنكبوت يتخذ لنفسه بيتاً، ولكن كلما زاد نسجاً في بيته ازداد بُعْداً في الخروج منه؛ فهو يبني ولكن على نفسه يبني .. كذلك الكافر يسعى ولكن على نفسه يجني. وبيتُ العنكبوتِ أكثره في الزوايا من الجدران، كذلك الكافر أمره على التّقِيّةِ والكتمان، وأمَّا المؤمِن فظاهِرُ المعاملةِ، لا ستر ولا يُدْخِمس(١). وبيتُ العنكبوت أوهنُ البيوت لأنه بلا أساسٍ ولا جدران ولا سقف ولا يمسك على أَذْوَن دَفْع .. كذلك الكافر؛ لا أصلَ لشأنه، ولا أساسَ لبنيانه، يرى شيئاً ولكن بالتخييل، فأمَّاً في التحقيق .. فَلَا(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ﴾. الكلُّ يشتركون في سماع الأمثال، ولكن لا يصغي إليها مَنْ كان نَفُورَ القلبِ، كنودَ الحالِ، متعوداً الكسلَ، مُعَرِّجاً في أوطان الفَشَلِ. قوله جلّ ذكره: ﴿خَلَقَ اَللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَ فِ ذَلِكَ لَبَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿يَلْحَقِّ﴾: أي بالقول الحق والأمر الحق. قوله جلّ ذكره: ﴿أَتْلُ مَا أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِنَبِ وَأَقِمِ الضَلَوَةٌ إِنَ الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَّرِّ وَلَذِكْرُ اَللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ . أي من شأن المؤمن وسبيله أن ينتهي عن الفحشاء والمنكر، أي على معنى ينبغي للمؤمن أن ينتهي عن الفحشاء والمنكر، كقوله: ﴿وَعَلَ اللَّهِ فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] أي ينبغي للمؤمن أن يتوكل على الله، فإن قُدِّرَ أن واحداً (١) الدخمس: الخب الذي لا يبين لك معنى ما يريد، وقد دخمس عليه، وأمر مدخمس إذا كان مستوراً. (لسان العرب ٧٨/٦ مادة: دخمس). (٢) الآية (٤٢) لم ترد. ٤٥٩ تفسير سورة العنكبوت منهم لا يتوكل فلا يخرج به ذلك عن الإيمان - كذلك من لم ينتهِ عن الفحشاء والمنكر فليست تخرج صلاته عن كونها صلاة. ويقال بل الصلاةُ الحقيقية ما تكون ناهيةً لصاحبها عن الفحشاء والمنكر؛ فإن لم يكن من العبد انتهاءٌ فالصلاةُ ناهيةٌ على معنى ورود الزواجر على قلبه بألا يفعل، ولكنه يُصِرُّ ولا يطيع تلك الخواطر. ويقال بل الصلاة الحقيقية ما تنهي صاحبها عن الفحشاء والمنكر. فإن كان - وإلا فصورة الصلاة لا حقيقتها . ويقال الفحشاء هي الدنيا، والمنكر هو النّفْس. ويقال الفحشاء هي المعاصي، والمنكر هو الحظوظ . ويقال الفحشاء الأعمال، والمنكر حسبانُ النجاة بها، وقيل ملاحظتُه الأعواض عليها، والسرور والفرح بمدح الناس لها. ويقال الفحشاء رؤيتها، والمنكر طلب العوض عليها. ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾: ذكر الله أكبر من ذكر المخلوقين؛ لأن ذكره قديم وذكر الخلق مُحدَث(١). ويقال ذكر العبد لله أكبر من ذكره للأشياء الأخرى، لأن ذكره الله طاعة، وذكره لغيره لا يكون طاعة. ويقال ولِذكْرُ اللَّهِ لَك أكبرُ من ذكرْك له. ويقال ذكْرُه لك بالسعادة أكبرُ من ذكرك له بالعبادة . ويقال ذكر الله أكبر من أن تبقى معه وحشة. ويقال ذكر الله أكبر من أن يُبْقى للذاكر معه ذكر مخلوق. ويقال ذكر الله أبر من أن يُبْقى للزَّلةِ معلوماً أو مرسوماً. ويقال ذكر الله أكبر من أن يعيش أحدٌ من المخلوقين بغيره. ويقال ولذكر الله أكبر من أن يُبْقَى معه للفحشاء والمنكر سلطاناً؛ فلِحُرمة ذكره زَلَّاتُ الذاكر مغفورةٌ، وعيوبه مستورةٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْحِكِتَبِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمِّ وَقُولُوَاَ ءَامَنَّا بِالَّذِىّ ◌ُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَِدٌ وَغَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . ينبغي أن يكون منك للخصم تبيين، وفي خطابك تليين، وفي قبول الحق إنصاف، واعتقاد النصرة - لما رآه صحيحاً - بالحجة، وتَرْك الميل إلى الشيء بالهوى. (١) انظر حديث القشيري عن الذكر بالرسالة ص ٢٢١ - ٢٢٦. ٤٦٠ تفسير سورة العنكبوت قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَّ فَالَّذِينَ ءَانِيْنَهُمُ الْكِتَبَ يُؤْمِنُونَ بٌِّ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمَا يَجْحَدُ بِثَايَئِنَآ إِلَّا الْكَفِرُونَ﴾. يعني أنهم على أنواع: فمرحوم نظرنا إليه بالعناية، ومحرومٌ وسمناه بالشقاوة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ وَلَا تَقُعُهُ بِسَمِنِكٌَ إِذَا لَّأَرْتَابَ اٌلْمُبْطِلُونَ﴾ . أي تَجَرَّد قلبك عن المعلومات، وتقدّس سرّك عن المرسومات، فصادفك من غير ممازجة طبْع ومشاركةٍ كَسْبٍ وتكلف بشرية، فلما خلا قلبك وسرُّك عن كل معلوم ومرسوم ورَد عليك خطابُنا وتفهيمنا مقرونٍ بهما ما ليس مِنَّا . قُوله جلّ ذكره: ﴿بَلَّ هُوَ ءَايَتُ بِنَثُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَّ وَمَا يَجْحَدُ بِثَايَتِنَا إِلَّ الظَّالِمُونَ﴾ . قلوب الخواص من العلماء بالله خزائنُ الغيب، فيها أودع براهين حقه، وبينات سِرُّه، ودلائل توحيده، وشواهد ربوبيته، فقانون الحقائق قلوبهم، وكلُّ شيء يطلبُ من موطنه ومحله؛ فالدرَّ يُطلبُ من الصدف لأنّ ذلك مسكنه، والشمس تطلبُ من البروج لأنها مطلعها، والشهد يُطْلبُ من النّحل لأنه عشْه. كذلك المعرفة تُطْلَبُ من قلوب خواصه لأن ذلك قانون معرفته، ومنها ( .... )(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَتٌ مِّن رَّةِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللهِ. وَإِنَّمَا أَنْ نَذِيٌِّ تُبِينٌ﴾. خفَيَتْ عليهم حالتُكَ - يا محمد - فطالبوكَ بإقامة الشواهد، وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَيَنْتٌ﴾ أَوَ لَم يَكْفِهم ما أوضحنا عليكَ من السبيل، وأَخنا لكَ من الدليل؛ يُتْلَى عليهم ذلك، ولا يمكنهم معارضته ولا الإتيان بشيءٍ من مثله؟! هذا هو الجحود وغاية الكُنود(٢)! قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًاٌ يَعْلَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ . أنا على حقِّ واللَّهُ - سبحانه - يعلمه، وأنتم لستم على حق والله يعلمه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابٍ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى لَّةَ هُ الْعَذَابُّ وَلَأْنِيَنَّهُ بَعْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُنَ﴾ . (١) بياض في الأصل. (٢) الكنود: الجاحد لنعم ربه . الآية (٥١) لم ترد.