Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ تفسير سورة النمل حَسَتْهُ لُبِجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْعُ ثُمَزٌَّ مِّن قَوَارِيرٌ قَالَتْ رَبٍ إِنِ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ . كان ذلك امتحاناً آخرَ لها. فقد أَمَرَ سليمانُ الشياطينَ أن يصنعوا من الزجاج شِبْهَ طبقٍ كبيرٍ صافٍ مضيءٍ، ووَضَعَه فوق بِرِكَةٍ بها ماء كثير عميق، يُرَى الماءُ من أسفل الزجاج ولا يُمَيَّزُ بين الزجاج والماء، وأَمِرَتْ أن تخوضَ تلك البركة، فكَشَفَتْ عن ساقيها؛ لأنها وُصِفَتْ لسليمان بأنها جِنِيَةُ النَّسَبِ، وأن رجليها كحوافر الدواب، فَتَّقَوَّلوا عليها. ولمَّا تَوَهَّمَتْ أنها تخوض الماءَ كَشَفَتْ عن ساقيها، فرأى سليمان رِجْلَيْها صحيحين. وقيل لها: ﴿إِنَّهُ صَرْعُ ثُمَزَّدٌ مِّن قَوَارِيرٌ﴾: فصار ذلك أيضاً سبباً وموجباً ليقينها. وآمنَتْ وتزوج بها سليمان عليه السلام. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَكِحًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ . ذكر قصةَ ثمود، وقصة نبيِّهم صالح عليه السلام، وما جرى بينه وبينهم من التكذيب، وطلبهم منه معجزةً، وحديث الناقة وعقرها، وتبرمهم بالناقة بعد أن رأوا فيها من الفعل الذي كانت لهم فيه أعظم آية ... إلى قوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ . ومَكْرُهُم ما أظهروا في الظاهر من موافقة صالح، وعقرهم الناقة خفيةً، وتوريك الذَّنبِ على غير جارمه، والتبرِّي من اختيارهم ذلك. وأمَّا مَكْرُ اللَّهِ جزاؤهم على مَكْرِهم بإخفاء ما أراد بهم من العقوبة عنهم، ثم إحلالها بهم بغتةً. فالمَكْرُ من الله تخليتُه إياهم مع مَكْرِهم بحيث لا يعصمهم، وتزيينُ ذلك في أعينهم، وتجيبُ ذلك إليهم ... ولو شاء لَعَصَمَهُم. ومن أليم مَكْرِهِ انتشارُ الصيت بالصلاح، والعمر في السِّرِّ بخلاف ما يتوهم بهم من الصلاح، وفي الآخرة لا يَجُوزُ في سُوقِها هذا النَّقْدُ ! . قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. أهلكهم ولم يغادر منهم أحداً: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوْاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَبَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وفيِ الخبر: ((لو كان الظلمُ بيتاً في الجنة لَسَلَّطَ اللَّهُ عليه الخرابَ))؛ فالنفوسُ إذا ظَلَمتِ بِزَلَّاتِها خربت بلحوقها شؤم الذِّلة حتى يتعود صاحبُها الكسلَ، ويستوطن مركبَ الفشل، ويُخْرَمِ التوفيق، ويتوالى عليه الخذلانُ وقسوةُ القلب وجحودُ العين وانتفاءُ تعظيم الشريعة من القلب. وأصحابُ القلوبِ إذا ظلموها بالغفلة ولم يحاولوا ٤٢٢ تفسير سورة النمل طَرْدَها عن قلوبهمْ ... خربت قلوبُهم حتى تقسو بعد الرأفة، وتجف بعد الصفوة. فخرابُ النفوس باستيلاء الشهوة والهفوة، وخرابُ القلوب باستيلاء الغفلة والقسوة، وخراب الأرواح باستيلاء الحجبة والوقفة، وخراب الأسرار باستيلاء الغيبة والوحشة (١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَيِنَّكُمْ لَتَأْنُونَ الْحَالَ شَهْوَةٌ مِّن دُونِ اُلْنِسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ . ذَكَرَ قصة لوطٍ وأمته، وما أُصَرُّوا عليه من الفاحشةِ، وما أَحَلَّ اللَّهُ بهم من العقوبة، وإحلال العقوبة بامرأته التي كانت تطابق القومَ، وتخليص الحقّ لوطاً من بينهم، وما كان من أمر الملائكة الذين بُعِثُوا لإهلاكهم(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىُّ ءَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُنَ﴾. هم الذين سَلَّم عليهم في آزاله وهم في كتم العَدَم، وفي متناول علمه ومتعلق قدرته، ولم يكونوا أعياناً في العَدَم ولا أفادوا، فلمَّا أظهَرهم في الوجود سَلَّم عليهم بذلك السلام، ويُسْمِعُهم في الآخرة ذلك السلام. والذين سَلَّم عليهم هم الذين سَلِمُوا اليومَ من الشكوك والشُّبَهِ، ومن فنون البِدَعِ، ومن وجوه الألم، ثم من فنون الزَّلَلِ وصنوفِ الخَلَلِ، ثم من الغيبة والحجبة وما ينَافي دوام القربة . ويقال اصطفاهم، ثم هداهم، ثم آواهم، وسَلَّم عليهم قبل أَنْ خَلَقَهم وأبداهم، وبعد أن سَلَّم عليهم بودِّه لَقّاهم . ويقال: اصطفاهم بنورِ اليقين وحُلَّةِ الوَصْلِ وكمالِ العَيْش. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَحْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْجَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُتِبِتُواْ شَجَرَهَأُ﴾. فثمراتُ الظاهرِ غذاءُ النفوس، وثمراتُ الباطنِ والأسرار ضياءُ القلوبِ، وكما لا تبقى في وقت الربيع من وحشة الشتاءِ بقيةٌ فلا يبقى في قلوبهم وأوقاتهم من الغيبةِ والحجبةِ والنفرةِ والتهمةِ شَظِيَّة . قوله جلّ ذكره: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَا وَجَعَلَ لَمَا رَوَسِىَ﴾. نفوسُ العابدين قرارُ طاعتهم، وقلوبُ العارفين قرار معرفتهم، وأرواح الواجدين قرار محبتهم، وأسرار الموحّدين قرار مشاهدتهم، في أسرارهم أنوار الوصلة وعيون القربة، وبها يسكن ظمأُ اشتياقهم وهيجانُ قَلَقِهم واحتراقِهم. (١) الآية (٥٣) لم ترد. (٢) الآيات من (٥٦ حتى ٥٨) لم ترد. ٤٢٣ تفسير سورة النمل ﴿وَجَعَلَ لَا رَوَسِىَ﴾ من الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة. ويقال ﴿وَجَعَلَ لَمَا رَوَسِىَ﴾ اليقين والتوكل. ويقال الرواسي في الأرض الأبدالُ والأولياء والأوتاد؛ بهم يديم إمساكَ الأرض، وبيركاتهم يَدْفَعُ عن أهلها البلاء. ويقال الرواسي هم الأئمة الذي يَهْدُون المسترشدين إلى الله. قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًاْ أَوِلَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ بين القلب والنفس لئلا يغلب أحدُهما صاحبه. ويقال بين العبودية وأحكامها، والحقيقة وأحكامها، فلو غَلَبَتْ العبوديةُ كان جَخْداً للحقيقة، ولو غلبت الحقيقةُ العبوديةَ كانت طَيًّا للشريعة . ويقال: ألْسِنَةُ المريدين مَقَرُّ ذكره، وأسماعُهم مَحلُّ الإدراك الموضّل إلى الفهم، والعيون مقر الاعتبار. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمَّن يُحِبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوَءَ﴾. فَصَلَ بين الإجابة وبين كَشْفِ السوء؛ فالإجابةُ بالقَولِ والكشفُ بالطَّوْلِ، الإجابة بالكلام والكشفُ بالإنعام. ودعاءُ المضطر لا حجابَ له، وكذلك دعاء المظلوم)» ولكن ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]. ويقال للجناية: سراية؛ فَمَنْ كان في الجناية مختاراً فليس تسلم له دعوى الاضطرار عند سراية جُرْمِه الذي سَلَفَ منه وهو مختارٌ فيه، فأكثر الناس يتوهمون أنهم مضطرون، وذلك الاضطرار سراية ما بَدَرَ منهم في حال اختيارهم. وما دام العبدُ يتوهم من نفسه شيئاً من الحَوْلَ والحيلة، ويرى لنفسه شيئاً من الأسباب يعتمد عليه أو يستند إليه - فليس بمضطرٍ، فالمضطرُّ يرى نَفْسَه كالغريق في البحر، أو الضَّالْ في المتاهة، وهو يرى عِنَانَه بيد سَيِّدِهِ، وزِمَامه في قبضته، فهو كالميت بين يدي غاسِله، وهو لا يرى لنفسه استحقاقاً للنجاة؛ لاعتقاده في نفسه أنه من أهل السخط، ولا يقرأ اسمه إلا من ديوان الشقاوة(١). (١) إن العبد إذا اطمأن لنفسه، ولاحظ عمله فقد عنصراً من عناصر السير في طريق الإخلاص وفي هذا قال أبو يعقوب السدوسي: حتى شهدوا الإخلاص في إخلاصهم احتاج إلى إخلاص، ويقول أبو عثمان المغربي: الإخلاص ما لا يكون للنفس فيه حظ بحال، وهذا إخلاص العوام، وأما إخلاص الخواص فهو ما يجري عليهم لا بهم، فتبدو منهم الطاعات، وهم عنها بمعزل، ولا يقع لهم عليها رؤية ولا بها اعتداد، فذلك إخلاص الخواص. (الرسالة القشيرية ص٢٠٨). ٤٢٤ تفسير سورة النمل ولا ينبغي للمضطر أن يستعين بأحدٍ في أن يدعوَ له، لأنَّ اللَّهَ وَعَدَ الإجابة له .. لا لمن يدعو له. ثم كما وَعَدَ المضطرَّ الإجابةَ وكَشْفَ السوء وَعَدَه بقوله : - ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِّ أَعِلَهٌ مَعَ اللَّهِّ قَلِيلاً مَّا نَذَكَّرُونَ﴾ . فإنَّ مع العسر يسراً، ولم يقل: العسر إزالة، ولكن قال: مع العسرِ يُسْرّ؛ فنهارُ اليُسْرِ حاصلٌ بعد ظلام العُشْرِ. ثم قال: ﴿أَوِلَهُ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ﴾ لأنَّ العبدَ إذا زَالَ عُسْرَهُ، وكُشِفَ عنه ضُرُّه نَسِيَ ما كان فيه، وكما قال القائل : ولم يَكُ صعلوكاً إذا ما تَمَوَّلَا كأنَّ الفتى لم يَعْرَ يوماً إذا اكتسی قوله جلّ ذكره: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ . إذا أظلم الوقتُ على صاحبه في متعارض الخواطر عند استبهام وجه الصواب، وضاق الأمرُ بسبب وحشة التدبير وظلمات أحوال التجويز، والتحيُّر عند طلب ترجيح بعض الخواطر على بعض بشواهد العقل .. فَمَنْ الذي يرشدكم لوجه الصواب بِتَركِ التدبير، وللاستسلام لحكم التقدير، وللخروج من ظلمات مجوَّزات العقول إلى قضايا شهود التقدير، وتفويض الأمر إلى اختيار الحق، والاستسلام لما جَرَتْ به الأقسامُ، وسبَقَت به الأقدار؟ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، أَِلَهٌ مَعَ اللَهِّ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . مَنْ الذي يُرْسِلُ رياحَ فَضْلِه بين يدي أنوار اختياره فيمحوَ آثارَ اختيارِ نُفْسِك، ويعجِّلَ بِحُسْن الكفاية لك؟ ويقال: يرسل رياحَ التوكل فَيُطَهْرُ القلوبَ من آثار الاختيار وأوضار التدبير، ثم يُطْلِعُ شموسَ الرضا فيحصلُ بَردُ الكفاية فوق المأمول في حال سكينة القلب .. ﴿أَءِلَهُ فَعَ اَللَّهِ﴾؟ ﴿تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: من إحالة المقادير على الأسباب. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُّأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرَضِّ أَنْهُ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾. يُظِهِرُ ما يُظْهِرُ بقدرته على مقتضى سابق حُكْمِه، ويخصص ما تعلقت به مشيئته وحقَّ فيه قولُه، وسَبَقَ به قضاؤه وقَدَرُه فإذا زال وانتفى وانعدم بعضُ ما يظهر ٤ ٤٢٥ تفسير سورة النمل ويخصص .. فَمَنْ الذي يعيده مثلما بدأه؟ ومن الذي يضيّق الرزقَ ويُوَسِّعُه؟ ومن الذي يقبض في بعض الأوقات على بعض الأشخاص؟ وفي وقت آخر مَنْ الذي يبسط على قوم آخرین؟ هل في قدرة أحدٍ غيرِ اللَّهِ ذلك؟ إِنْ توهمتم شيئاً منذ لك فأَوْضِحُوا عنه حُجَّتَكم .. وإذ قد عجزتم .. فهلَا صَدَّقْتُم؟ وبالتوحيد أقررتم؟ . قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ ◌َلَّهُ وَمَا يَتَهُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ . ﴿اَلْغَيِّبَ﴾: ما لا يطلع عليه أحد، وليس عليه للخلق دليل، وهو الذي يستأثر بعلمه الحقُّ، وعلومُ الخَلْقِ عنه متقاصرة، ثم يريد اللَّهُ أن يخصَّ قوماً بعلمه أفردهم به . ﴿وَمَا يَشْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: فإنه أخفى علَم الساعة عن كل أحدٍ . قوله جلّ ذكره: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةَّ بَلْ هُمْ فِى شَكٍ مِنْهَا بَلْ هُم ◌ِنْهَا عَمُونَ﴾ . فهم في الجملة يَشُكُّون فيه؛ فلا ينفونه ولا بالقطع يجحدونه .. وهكذا حُكْمُ كلِّ مريض القلب، فلا حياةً له في الحقيقة، ولا راحةً له من يأسه، إذ هو من البعث في شكّ، ومن الحياة الثانية في استبعاد: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَوِذَا كُنَّا تُرَبًا وَءَابَآؤُنَا أَبِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلََّ أَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ ﴾ . وُعِدَ آباؤنا بذلك من قبل، ثم لم يكن لهم تحقيق، وما نحن إلا مِثْلُهم، وكانوا يسألون متى الساعة؟(١). ﴿وَيَقُولُونَ مَنَ هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ . فقال الحقُّ: إنه عن قريبٍ سيحل بهم ميقاته: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعِْلُونَ﴾ . ثم قال جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّ رَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (١) الآيتان (٦٩ - ٧٠) لم تردا. ٤٢٦ تفسير سورة النمل لأنهم لا يُمَيِّزُون بين مِحَنِهم ومِنَحهم. وعزيزٌ مَنْ يَعْرِفُ الفَرْقَ بين ما هو نعمةٌ من الله له وبين ما هو محنة؛ فإذاً تقاصَرَ عِلْمُ العبدِ عمَّا فيه صلاحه، فعسى أن يحب شيئاً ويظنَّه خيراً وبلاؤه فيه، ورُبَّ شيءٍ يظنُّه العبدُ نعمةً فيشكر عليها ويستديمها، وهي محنةٌ له يجب الصبر عليها والتضرع إلى الله في صَرْفِها! وبعكس هذا كم من شيءٍ يظنه الإنسان بخلاف ما هو به !. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا ثُكِنُ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ . لا تَلْتَّبِسُ على الله أحوالُهم؛ فصادِقٌ يستوي ظاهِرُه وباطئُه يعلمه، ومنافقٌ يخالف باطنُه ظاهرَه يُلَبِسُ على الناس حاله .. وهو - سبحانه - يعلمه، وكافِرٌ يستوي في الجَخْدِ سِرُّهُ وعَلَنُه يعلمه، وهو يجازي كلاّ على ما عَلِمَه .. كيف لا .. وهو قَذَّرَه، وعلى ما عليه قضاه وقَسَمَه؟ ! . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا مِنْ غَلَّةٍ فِ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِ كِنَبٍ تُبِينٍ﴾ . ما من شيء إلَّ مُثْبَتْ في اللوح المحفوظ حُكْمُه، ماضيةٌ فيه مشيئته، متعلُّقٌ به عِلْمُه. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَتُ عَلَى بَنِىّ إِسْرَغِيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَإِنَّهُ لَدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ . وهم يُخْفُون بعضاً، وبعضاً يُظْهِرُون، ومع ما يَهْوَوْن يدورون. وفي هِذ الآية تخصيص لهذه الأمة بأن حفظ الله كتابَهم، وعَصَمَ مِنَ التغيير والتبديل ما به يدينون. وهذه نعمةٌ عظيمةٌ قليلٌ منهم مَنْ عليها يشكرون؛ فالقرآن هدى ورحمة للمؤمنين، وليس ككتابهم الذي أخبر الصادقُ أنهم له مُحَرِّفون مُبَدِّلُون. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِزُ اَلْعَلِيمُ﴾. هو ﴿اَلْعَيِّزُ﴾ المُعِزُّ للمؤمنين، ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بما يستحقه كلُّ أحدٍ من الثواب العظيم والعذاب الأليم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَتَوَّكَّلْ عَلَى اَللَّهِّ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾. أي اجتهد في أداء فَرْضِه، وثِقْ بصدق وعده في نصره ورزقه، وكفايته وعَوْنِهِ. ولا يهولنَّكَ ما يجري على ظواهرهم من أذى يتصل منهم بك، فإنما ذلك كلُّه بتسليطنا إن كان محذوراً، وبتقييضنا وتسهيلنا إن كان محبوباً. وإنك لَعَلَى حقٌّ وضياءٍ صِدْقٍ، وهم على شكٍ وظلمةِ شِركٍ . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّكَ لَا تُنْجِعُ الْمَوْقَ وَلَا تُبِعُ اَلُّ الدُّعَّةَ إِذَا وَلَّْ مُذِيِينَ﴾ . الذين أمات اللَّهُ قلوبَهم بالشْرْكِ، وأَصَمَّهم عن سماع الحق - فليس في قُدْرَتِكَ أَنْ تَهْدِيَهم للرُّشْدِ أو تنقذهم من أُسْرِ الشكُ. ٤٢٧ أ تفسير سورة النمل قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَّ أَنْتَ بِهَدِى الْعُمْىِ عَن ضَلَتِهِمّ إِن تُسْجِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِكَايَتِنَا فَهُم مُسْلِمُونَ﴾ . أنت تهديهم من حيث الدعاء والدلالة، ولكنك لا تهدي أحداً من حيث إزالة الباطل من القلب وإمالته إلى العرفان، إذ ليست بقُدْرَتِكَ الإزالة أو الإمالة . أنت لا تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يؤمِن بآياتنا، فلا يَسْمَعُ منك إِلَّا مَنْ أسعدناه من حيث التوفيق والإرشاد إلى الطريق . وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآَبَّةُ مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِمُهُمْ أَنَّ قوله جلّ ذکره: النَّاسَ كَانُواْ بِشَايَئِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ . إذا حقَّ الوعدُ بإقامةِ القيامةِ أوضحنا أشراطَها في كلام الدَّابةِ المُخْرِجَةِ من الأرضِ وغير ذلك من الآيات. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ نَّْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمٍَّ فَوْهَا مِّمَن يُكَذِّبُ بِثَايَتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ . وعند ذلك لا ينفع الإيمانُ ولا يُقْبَلُ العُذْرُ(١) : - قوله جلّ ذكره: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ﴾ . ثم كْرَّرَ ذكر الليل والنهار واختلافهما : - قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . أي ليكونَ الليلُ وقتَ سكونِهم، والنهارُ وقتَ طلبٍ معاشِهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِىِ الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلُّ أَتَوَهُ دَاخِرِينَ﴾ . أخبر أن اليومَ الذي يُنْفَخُ فيه في الصور هو يومُ إزهاق الأرواح، وإخراجها عن الأجساد؛ فَمِنْ روح ترقى إلى عِلْيين، ومِنْ روحِ تذهب إلى سجِّين(٢) .. أولئك في حواصل طيرٍ تسرحَ في الجنة تأوي بالليلِ إلى قناديلَ معلقةٍ من تحت العرش صفتها التسبيح والرّوح والراحة، ولبعضها الشهود والرؤية ... على مقادير استحقاقهم لِمَا كانوا عليه في دنياهم. وأمَّا أرواحُ الكفار ففي النار تُعَذَّبُ على مقادير أجرامهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُّ مَزَّ السَّحَابِّ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ . (١) الآية (٨٤) لم ترد. (٢) السجّين: وادٍ في جهنم. ٤٢٨ تفسير سورة النمل وكثيرٌ من الناس اليومَ من أصحاب التمكين، هم ساكنون بنفوسهم سائحون في الملكوت بأسرارهم .. قيل: إن الإشارة اليومَ إليهم. كما قالوا: العارف كائنٌ بائِنٌ؛ كائنٌّ مع الناس بظاهره، بائنٌ عن جميع الخَلْق بسرائره. قوله جلّ ذكره: ﴿مَن ◌َآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِّن فَرَ يَوْمَدٍ مَاِنُونَ وَمَنْ جَآءَ بِالسَّبِئَةِ فَكُبَّتْ رُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . يحتمل أن يكون ﴿خير﴾ ها هنا للمبالغة؛ لأن الذي له في الآخرة من الثوابِ خيرٌ مِمَّا منه من القُرَب: ويحتمل فله نصيب خيرٌ أو عاقبة خيرٌ أو ثواب خيرٌ منها. وهم آمنون مِنْ فَزَع القيامة. ومن جاء بالسيئة: فكما أن حالَهم اليوم من المطيعين بالعكس فَحُكْمُهم غَداً في الآخرة بالضدْ. قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ . أخبر أنه أمره بالدين الحنيفيِّ، والتبرِّي من الشّركِ؛ الجليّ منه والخفيِّ، وبملازمةِ الطريقَ السّويِّ. وأخبر أَنَّ مَنْ اتبعه وصَدَّقَه أوجب الحقُّ ذمامه وحقَّه(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُّلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَبِكُمْ مَنِهِ ... ﴾. سيريكم - عن قريبٍ - آياته، فطوبى لِمَنْ رجع قبل وفاته، والويلُ على مَنْ رجع بعد ذهاب الوقت وفواته ! . (١) الآية (٩٢) لم ترد. سورة القصص قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . بسم الله اسم عزيز من تعرض لجدواه يَسَّر له في دنياه وعُقْباه، اسم عزيز مَنْ اشتاق إلى لُقْياه استَعْذَبَ فِيه ما يلقاه من بَلْوَاه. ومَنْ طَلَبَ غيره مُؤْنِساً في دنياه أو عُقْباه ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]. قوله جلّ ذكره: ﴿طِّ تِلْكَ مَايَتُّ الْكِنَبِ الْمُبِينِ﴾ . ((الطاء)) تشير إلى طهارة نُفُوسِ العابدين عن عبادة غير الله، وطهارة قلوب العارفين عن تعظيم غير الله، وطهارة أرواح الواجدين عن محبة غير الله، وطهارة أسرار الموحّدين عن شهود غير الله. ((والسين)) تشير إلى سِرِّ اللَّهِ مع العاصين بالنجاة، ومع المطيعين بالدرجات، ومع المحبين بدوام المناجاة. ((والميم)) تشير إلى مِنَّتِه على كافة المؤمنين بكفاية الأوقات والثبات في سبيل الخيرات. قوله جلّ ذكره: ﴿نَثْلُواْ عَلَيْكَ مِن تَّبَلٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِأَلْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . سماعُ قصةِ الحبيبِ من الحبيب يُوجِبُ سلوةَ القلب، وذهابَ الكَرْبِ، وبهجةً السِّرِّ، وثَلَجَ الفؤاد. وقد كرَّر ذكر قصة موسى تفخيماً لشأنه وتعظيماً لقَدْرِه، ثم زيادةٌ في البيان لبلاغة القرآن، ثم إفادةً لزوائدَ في المذكورِ قولُه في كل موضعٍ يتكرر فيه . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ اَلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِبَعًا يَسْتَضْعِفُ طَيِفَةٌ مِنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَخِىء نِسَآءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. تكبِّر فرعونُ بغير حقِّ فأقماه بحقٌّ، وتجبَّرَ بغير استحقاق فأَذَلَّه الله باستحقاق واستيجاب، وجعل أهلها شيعاً يذبح أبناءَهم بعد ما استضعفهم، ويستحي نساءهم، وأفنى منهم من كان ( ... )(١)، وبالفساد حَكَمَ فيهم، واللَّهُ لم يرضَ بِتَرْكِ إتلافهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَزِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِ الْأَرْضِ وَنَجْمَلَهُمْ أَبِنَّةٌ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ وَثُمَكِّنَ لَمْ فِي الْأَرْضِ وَثُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا مِنْهُم ◌َا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ﴾ . (١) بياض في الأصل. ٤٢٩ ٤٣٠ تفسير سورة القصص نريد أن نَمُنَّ على المستَضْعَفِين بالخلاصِ من أيديهم، وأَنْ نجعلَهم أئمةً، بهم يَهْتَدِي الخلْقُ، ومنهم يتعلم الناسُ سلوكَ طريق الصدق، ونبارك في أعمارهم، فيصيرون وارثين لأعمار مَنْ يُنَاويهم، وتصير إليهم مساكنهم ومنازلهم؛ فهم هُدَاةٌ وأعلامٌ، وسادةٌ وقَادَةٌ؛ بهم يُقْتَدَى وبنُورِهم يُهْتَدَى. ﴿وَثُمَكِّنَ لَهُمْ فِ اَلْأَرْضِ﴾: نُزِيلُ عنهم الخوفَ، ونرزقهم البسطة والاقتدار، ونمد لَهُمْ في الأجل. ونُرِى فرعون وهامانَ وقومهما ما كانوا يحذرون من زوال مُلْكِهِم على أيديهم؛ وأَنَّ الحقَّ يُعْطِي - وإن كان عند الخَلْقِ أنَّهُ يُبْطي. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَوْحَيْنَآَ إِلَىَ أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلّفِيهِ فِىِ الْبَدِّ وَلَا تَخَافِىِ وَلَا تَحْزَبِّ إِنَّا رَآَدُوُ إِلَيْكٍ وَجَاِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ . أي ألقينا في قلبها، وأوخينا إليها وحيَ إلهام، فاتخذت خاطرها في ذلك، وجرى منها ذلك وهي مختارة باختيارٍ أُدْخِلَ عليها . لمَّا وضعت أم موسى كانت تخاف قتله، فإن فرعون قَتَلَ في ذلك اليوم كثيراً من الولدان المولودة لبني إسرائيل، رجاء أن يقتلَ مَنْ رأى في النوم ما عُبِّر له أن ذهابَ مُلْكِه على يدي إسرائيلي .. فألقى الله في قلبها أن تفعل ذلك. ثم إنه ربَّه في حِجْرِه ذلك اليومَ ـ ليُعْلَمَ أنَّ الأقدارَ لا تُغَالَبُ. جعلت أم موسى موسى في تابوتٍ، وألقته في نيل مصر، فجاء الماءُ به إلى بِرْكةٍ كان فرعونُ جالساً على حافتها، فأخذوه وحملوه إليه، وفتحوا رأسَ التابوت، فلمَّا رآه فرعون أخَذَتْ رؤيتُه بمجامع قلبه، وكذلك تمكَّن حُبَّه من قلب امرأة فرعون؛ قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةُ مِّنِّى﴾: [طه: ٣٩] حيث خَلَقَ الله ملاحةً في عيني موسى؛ فكان من يقع عليه بَصَرُه لا يتمالك من حُبِّه. قوله جلّ ذكره: ﴿فَالَْقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَّنَاْ إِنَّ فِرْعَوْبَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ﴾ . أخبر الله تعالى أنه كان عدواً لهم، وقالت امرأةٌ فرعون: ﴿وَقَالَتِ أَمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِ وَلَكَّ لَا نَقْتُلُهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآَ أَوْ نَشَخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ . فلم يكن لهما ولد، وهم لا يشعرون إلى ماذا يؤول أمره. ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَدُ أُمِّ مُوسَىْ فَرِّا إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلَّ أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُنَ مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾. لمّا ألقته في الماء سَكَّنَ اللَّهُ قلبَها، وربط عليه، وألهمها الصبر، وأصبح فؤادها ٤٣١ تفسير سورة القصص فارغاً إن كادت لتبدي به من حيث ضعف البشرية، ولكن الله ربط على قلبها . قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيَّةٍ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن مُّبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أمَرَتْ أُمُّ موسى أختَه أن تتبعَ أثره، وتنظرَ إلى ماذا يؤول أمره، فلمَّا وجدوه واستمکن حُبُّه من قلوبهم طلبوا مَنْ يُرضِعه: قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ اَلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىَ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، كَنْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا نَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . أبَى موسى قبولَ ثدِي واحدةٍ ممن عُرِضَ عليهن .. فَمَنْ بالغداة كانوا في اهتمامٍ کیف یقتلونه أمسوا - وهم في جهدهم - کیف یُغَذُّونه! فلمَّا أعياهم أمرُه، قالت لهم أخته: ﴿هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾؟ فَقَبِلُوا نصيحتها شفقةً منهم عليه، وقالوا: نعم، فرِدُّوه إلى أمِّه، فلمَّا وَضَعَت ◌َذْيَها في فمه ارتضعها موسى فَسُرُّوا بذلك، وكانوا يَدْعُون أُمَّه حاضنةً ومرضعةٌ .. ولم يُضِرْها، وكانوا يقولون عن فرعون: إنه أبوه .. ولم ينفعه ذلك! ولمَّا أخذته أمُّه علمت بتصديق الله ظنها، وسكن عن الانزعاج قلبُها، وجرى من قصة فرعون ما جرى. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّمُ وَأُسْتَوَ مَانَّيْنَهُ حُكْمًا وَِمَأْ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِينَ﴾ . لمَّا كَمُلَتْ سِتُّه وتمَّ عقلُه، واستوى كمال خصاله ﴿ءَانَيْنَهُ حُكْمًا﴾: أي أَتْمَمْنَا له التحصيل، وَوَفَّرْنا له العلم، وبذلك جَرَتْ سُنَّتُنا مع الأكابر والأنبياء. قوله جلّ ذكره: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَفْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِيَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَلُوّرٍ﴾ الآية. قيل: دخل المدينةَ في وقت الهاجرة (١)، وتَفَرُّقِ الناس، فَوَجَدَ فيها رجلين يتخاصمان: أحدهما إسرائيليٍّ من شيعة موسى وعلى دينه، والآخرُ قِبطيٍّ مخالفٌ لهما، فاستغاث الإسرائيليُّ بموسى على القبطي، فوكّزَه موسى ليَدْفَعَه عن الإسرائيلي، فمات الرجلُ بذلك الوَكْزِ، ولم يكن موسى يقصد قَتْلَه، فقال موسى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِّ إِنَُّ عَدُوٌ تُضِلُ تُبِينٌ﴾ . فقد تمنَّى موسى أنْ لو ◌َفَعَه عنه بأَيْسَرَ مما دفعه، ولم ينسب القتل إلى الشيطان، ولكنَّ دَفْعَهُ عنه بالغلظةِ نَسَبَه إلى الشيطان بأَنْ حَمَلَه على تلك الحِدَّة. (١) الهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر. ٤٣٢ تفسير سورة القصص وهكذا .. إذا أرده اللَّهُ أمراً أجرى أسباباً ليَخصُلَ بها مرادُه، ولو أنه أراد فتنةً موسى لَمَا قَبَضَ روحَ الرجلِ بمثل تلك الوكزة، فقد يُضْرَبُ الرجلُ الكثيرَ من الضَّرْبِ والسياط ثم لا يموت؛ فموتُ القبطي بوكزةٍ إجراءٌ لما قضاه وأراده. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ◌َظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهُّ إِنَهُرُ هُوَ اَلْغَفُورُ الزَّحِيمُ﴾ . تاب موسى عَمَّا جرى على يده، واستغفر ربَّه، وأخبر اللَّهُ أنه غَفَرَ له، ولا عتابَ بعد المغفرة . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبٍ بِمَّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُنَ ظَمِيْرًا لِلْمُجْرِمِنَ﴾ . قال موسى ربِّ بما أنعمت عليَّ من توفيقك لي بالتوبة(١) فلن أعودَ بعد ذلك إلى مثل ما سَلَفَ مني . قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَصْبَحَ فِى الْعَدِيَّةِ خَاِفًا يَتَقَبُ فَإِذَا الَّذِى أَسْتَنَصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِفُهُمْ قَالَ لَهُ مُوسَىَ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ فَلَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَطِشَ بِلَّذِى هُوَ عَدُوٌ لَّهُمَا قَالَ بَمُوسَى أَنْرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِنِّ إِن تُرِيدُ إِلَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِ الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ . أصبح في المدينة خائفاً على نَفْسِه من فرعون لأنه كان يَدَّعي أنه يحكم بالعدل، وخاف موسى أن ينسبه في قَتْلِ القبطيِّ إلى العَمْدِ والقصد. فهو ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ علم فرعون وأن يُخْبَر بذلك في وقته. وقيل ﴿خَآَيِفًا﴾ من الله مما جرى منه. ويقال ﴿خَآَيِفًا﴾ على قومه حلولَ العذابِ بهم. وقيل ﴿يَتَرَقَبُ﴾ نصرة الله إياه. ويقال ﴿يَتَرَقَبُ﴾ مُؤْنِساً يَأْنَسُ به. فإذا الذي استنصره بالأمس يخاصِمُ إنساناً آخَرَ، ويستعين به لِيُعِينَه، فَهَمَّ موسى. بأن يعين صاحبه، فقال الذي يخاصمه: ﴿يَمُوسَىْ أَثْرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كَمَا فَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِنّ﴾؟: قيل لم يعلم ذلك الرجل أن موسى هو الذي قَتَلَ الرجلَ بالأمس، ولكن لمَّا قَصَدَ مَتْعَه عن صاحبه استدلَ على أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس، فلما ذكر ذلك شاع في أفواه الناس أنَّ موسى هو الذي قتل القبطيَّ بالأمس، فأمسك موسى عن هذا الرجل. قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىَ إِنَّ الْمَلَأَّ بَأْتَِّرُونَ بَِ لِقْتُلُونَكَ فَأَخْرُجْ إِى لَكَ مِنَ النَّصِينَ﴾. جاء إسرائيليٍّ من معارف موسى يسعى، وقال إن القوم يريدون قَتْلَكَ، وأنا واقفٌ (١) انظر حديث القشيري عن التوبة برسالته ص ٩١. ٤٣٣ تفسير سورة القصص على تدبيرهم؛ وقد أرادوا إعلامَ فرعون .. فاخرُجْ من هذا البلد، إني لك من الناصحين. قوله جلّ ذكره: ﴿فَجَ مِهَا خَبِفًا يَرَقَّبِّ قَالَ رَبِّ نَِّىِ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ . خرج(١) من مصر ﴿خائفاً﴾ أن يقتفوا أَثَرَه، ﴿يَتَرَقَبُ﴾ أن يدركه الطلب، وقيل ﴿يَتَرقَّبُ﴾ الكفايةَ والنصرةَ من الله، ودعا الله فقال: ﴿نَجِى مِنَ اُلْقَوْمِ الَّالِمِينَ﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا تَوَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّ أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَآءَ اٌلْسَبِيلِ﴾ . توجّه بنفسه تلقاء مدين من غير قصدٍ إلى مدين أو غيره، بل خرج على الفتوح، توجّه بقلبه إلى ربِّه ينتظر أن يهديَه ربُّه إلى النحو الذي هو خيرٌ له، فقال: عسى ربي أن يهديني إلى أَرْشَدِ سبيلٍ لي. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَذْيَبَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أُمْرَأَتَيْنِ تَذُودَاتٍ قَالَ مَا خَطِبُكُمَا فَالَتَا لَا نَسْقِى حَّى يُصْدِرَ الْزِعَةُ وَأَبُوْنَا شَيْخُ كَبِيرٌ﴾. لمَّا وافى مدينَ شعيب كان وقت الهاجرة، وكانت لهم بئر يستقون منها، فيصبون الماءَ في الحياضٍ، ويسقون أغنامهم، وكانوا أهل ماشية . وكان شعيبُ النبيُّ عليه السلام قد كُفَّ بَصَرُه لكثرة بكائه؛ ففي القصة أنه بكى فذهب بَصَرُه، ثم رَدَّ الله عليه بَصَرَه فبكى، فردَّ الله بصره فبكى حتى ذهب بَصَرُه، فأوحى الله إليه: لِمَ تبكي يا شعيب .. ؟ إِنْ كان بكاؤك لخوف النار فقد أَمَّنْتُكُ، وإن كان لِأَجْلِ الجنة فقد أَتَحْتُها لك. فقال: ربِّ .. إنما أبكي شوقاً إليك. فأوحى الله إليه لأجل ذلك أخْدَمْتُكَ نَبِّي وكليمي عَشْرَ حجج . وكانت لشعيب أغنامٌ، ولم يكن لديه أجير، فكانت بِنْتاه تسوقان الغثْمَ مكانَ الرعاة، ولم يكن لهما قدرة على استقاء الماء من البئر، وكان الرعاة يستقون، فإذا انقضَوْا فإنْ بَقِيَتْ في الحوضِ بقيةٌ من الماء استقت بنات شعيب. فلمَّا وافى موسى ذلك اليومَ وشاهَدَ ذلك ورآهما يمنعان غنمهما عن الماء رَقَّ قلبُه لهما وقال: ما خطبُكما؟ فقالتا: ﴿لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخُ كَبِيرٌ﴾ وليس لدينا أجير. فلمَّا انصرف الرعاةُ سَقَى لهما، ثم تولّى إلى ظلُ جدارٍ بعد ذلك. كان الجوع قد أصابه خلال سَفَرِهِ، ولم يكن قد تعوَّد، قط الرحلةَ والغُربةً، ولم يكن معه مال، فدعا الله : (١) هذا يذكرنا بأهمية قضية السفر. (انظر الرسالة القشيرية ص ٢٨٨ - ٢٩٤ وص ٣٨٣). ٤٣٤ تفسير سورة القصص ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قيل طَلَبَ قوةً تُزِيل جوعَه، وقيل طَلَبَ حالاً يستقِلُّ بها. والأحس أن يقال جاع فَطَلَبَ كِسْرَةٍ يَسُدُّ بها رَمَّقَه - والمعرفة توجِب سؤالَ ما تحتاج إليه من الله قليلاً أو كثيراً. فلمَّا انصرفت ابنتا شعيب خَرَجَ شعيبُ إلى ظاهر الصحراء على طريق الماشية ليمسَّها بيديه فوجَدَ أثرَ الزيادة في تلك الكَرَّة، فسأَلَهما فَذَكَرَتا له القصة، وما سمعتا منه حين قال: ﴿رَبِّ إِنِ لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فقال شعيب: إذاً هو جائع. وبَعَثَ إحداهما لتدعوَه : - ﴿لَآَتَهُ إِحْدَهُمَا تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِىِ يَدْعُوَكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَبْتَ لَنَّأَ فَلَمَّا جَآءُهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ . قيل إنما استحيَتْ لأنها كانت تخاطِبُ مَنْ لم يكن لها مَخْرَماً. وقيل لمّا دَعَتْه للضيافة تكلمتْ مستحييةً - فالكريم يستحي من الضيافة . ويقال لم تَطِبْ نَفْسُ شعيب لمَّا أَحْسَنَ موسى إليه وأنه لم يكافئه - وإن كان موسى لم يُرِد مكافأةً منهم ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ اُلْقَصَصَ﴾: لم يَقُلْ: فلما جاءَه قَدَّم السُّفْرةَ(١) بل قال: وقصَّ عليه القصص .. وهذا طَرَفٌ من قصته. ويقال: وَرَدَ بظاهرِهِ ماءَ مدين، ووَرَدَّ بقلبه موارِدَ الأَنْس والرَّوْح. والموارد مختلفة؛ فمواردُ القلبِ رياضُ البَّسطِ بكشوفات المحاضرة فيطربون بأنواع الملاطَفَة، ومواردُ الأرواح مشاهدُ الأرواح فيُكَاشَفُون بأنوار المشاهدة، فيغيبون عن كل إحساس بالنَّفْسِ، ومواردُ الأسرارِ ساحاتُ التوحيدِ .. وعند ذلك الولاية لله؛ فلا نَفْسَ ولَا حِسَّ، ولا قلبَ ولا أُنْسَ .. استهلاك في الصمدية وفناءٌ بالكلية! ويقال كانت الأجنبيةُ والبعد عن المحرميَّة يوجبان إمساكه عن مخاطبتهما، والإعراضَ والسكونَ عن سؤالهما .. ولكن الذي بينهما من المشاكلة والموافقة بالسِّرِ استنطقه حتى سألهما عن قصتهما، كما قيل : أَجَارَتَنا إِنَّا غريبان هاهنا وكلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ ويقال: لمَّا سألهما وأخبرتا عن ضعفهما لزمه القيامُ بأمرهما؛ ليُعْلَمَ أنَّ مَنْ تَفَقَّدَ أمرَ الضعفاء ووقف على موضع فاقتهم لزمه إشكاؤُهم. ويقال مِنْ كمالِ البلاء على موسى أَنَّه وافى الناسَ وكان جائعاً، وكان مقتضى الرِّفْقِ أَنْ يُطْعِموه، ولكنه قَبَضَ القلوبَ عنه، واستقبله مِنْ موجباتِ حُكْمِ الوقتِ أَنْ (١) السُّفرة: طعام يُعد للمسافر أو ما يُحمل فيه الطعام أو المائدة وما عليها من الطعام. ٤٣٥ تفسير سورة القصص يعملَ عَمَلَ أربعين رجلاً؛ لأن الصخرة التي نَخَّاها عن رأس البئر - وَحْدَه - كان ينقلها أربعون رجلاً، فلمَّا عَمِلَ عَمَلَ أربعين رجلاً، تولَّى إلى الظُّلِّ، وقال: إنْ رأيتَ أنْ تُطْعِمَني بعد مُقَاساة اللتيا والتي .. فذلك فَضْلُكَ ! . قال ذلك بلسان الانبساط، ولا لسانَ أحلى من ذلك. وسُنَّةُ الشكوى أن تكون إليه لا مِنْكَ .. بل منه إليه. ويقال: تولَّى إلى ظلِّ الأَنْس ورَوْح البسط واستقلال السِّرِّ بحقيقة الوجود. ويقال قال: ﴿رَبِّ إِ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيْرٌ﴾: فَزِذني فقراً؛ فإنَّ فقري إليك يوجِبُ استعانتي بك. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَتْ إِحْدَهُمَا يَأَبَتِ اُسْتَشْجِرَةٌ إِنَّ خَيْرَ مَنِ أُسْتَثْجَرْتَ الْقَوِيُّ اُلْأَمِينُ﴾ . كان شُعيبُ عليه السلام يحتاج إلى أجير، ولكن لا يسكن قلبُ إلى أحدٍ، فلمَّا رأى موسى، وسمع من ابنته وصفةَ بالقوة والأمانة سأل: عَرَفْتُ قُوَّتَه . . فكيف عرفْتِ أمانتَه؟ فقالت: كنتُ أمشي قُدَّامَه فأَخَّرَني عنه في الطريق قائلاً: سيري ورائي واهديني، لئلا يَقَعَ بَصَرُه عليَّ .. فقال شعيب: ﴿ قَالَ إِّ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَّ هَنَّيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجْ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَْ سَنَجِدُفِىَ إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّكِحِينَ﴾. فرغب موسى وتزوجها على صداقٍ أن يعمل عشر حجج لشعيب. وفي القصة أن شعيباً قال لموسى: ادخلْ هذا البيتَ وأُخْرِجْ مما فيه من العِصِيِّ عصاً، وكان البيتُ مظلِماً، فَدَخَل وأخرج العصا، تلك التي أظهر الله فيها معجزاته، ويقال: إنها كانت لآدم عليه السلام، ووقعت لشعيب من نبيِّ إلى نبيِّ. إذ يقال: إنه لما هَبَطَ آدمُ إلى الأرض صال عليه ما على وجهها من السِّباع، فأنزل عليه الله عصاً، وأمَرَه جبريلُ أنْ يَرُدَّ السباعَ عن نَفْسِه بتلك العصا. وتوارث الأنبياءُ واحداً بعد الآخر تلك العصا، فلمَّا أخرج موسى تلك العصا، قال شعيب: ردَّها إلى البيت، واطرحها فيه، وأخْرِجْ عصاً أخرى، فَفَعَلَ غير مرة، ولم تحصل كلَّ مرة في يده إلا تلك العصا، فلمَّ تَكرَّرَ ذلك عَلِمَ شعيبُ أنَّ له شأناً فأعطاه إياها . وفي القصة: أنه في اليوم الأول ساق غَنّمه، وقال له شعيب: إنَّ طريقّكَ يتشعب شِعْبَيْن: على أحدهما كَلاَّ كثيرٌ .. فلا تَسْلُكْه في الرعي فإنَّ فيه ثعباناً، واسْلُكْ ٤٣٦ تفسير سورة القصص الشّعْبَ الآخرَ. فلمَّا بلغ موسى مَفْرِقَ الطريقين، تَفَرَّقَتْ أغنامُهِ ولم تطاوعه، وسامت في الشّعْبِ الكثيرِ الكَلاَ، فَتَبِعَها، ووقع عليه النومُ، فلمَّا انتبه رأى الثعبانَ مقتولاً، فإن العصا قتلته، ولمَّا انصرف أخبر شعيباً بذلك فَسُرَّ به(١). وهكذا كان يرى موسى في عصاه آياتٍ كثيرة، ولذا قال: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَشَارِبُ أُخْرَى﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ=ْ ءَانَسَ مِن جَانِ اَلُطُورِ ثَارًّاً قَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُواْ إِنَّ ◌َانَسْتُ نَارًّا لَعَلَّ مَتِكُمْ مِنْهَا بِخَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ . مَضَتْ عَشْرُ حِجَج، وأراد موسى الخروجَ إلى مصر، فَحَمَلَ ابنَه شعيب، وسارَ بأهله متوجّهاً إلى مصر. فكان أهلُه في تسييره وكان هو في تسيير الحقِّ، ولمَّا ظَهَرَ ما ظهر بامرأته من أمر الطّلْقِ استصعب عليه الوقتُ، وبينا هو كذلك إذ آنَسَ من جانب الطور ناراً - أي أبصر ورأى - فكأنه يشير إلى رؤية فيها نوعُ أَنْسٍ: وإِنَّ اللَّهَ إذا أراد أمراً أجْرَى ما يليق به، ولو لم تقع تلك الحالةُ لم يخرج موسى عندها بإيناس النار، وقد تَوَهَّمَ - أول الأمر - أنَّ ما يستقبله في ذلك الوقتِ من جملة البلايا، ولكنه كان في الحقيقة سَبَبَ تحقيقِ النبوة. فلولا أسرار التقدير - التي لا يهتدي إليها الخَلْقُ - لما قال لأهله: ﴿أَمْكُثُوَاْ إِّ مَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِيّ ◌َاتِكُمْ مِّنْهَا بِخَيَرٍ﴾ . ويقال: أراح له ناراً ثم لَوَّح له نوراً، ثم بدا ما بدا، ولا كان المقصود النَّارَ ولا النورَ. وإنما سماع نداء: ﴿إِنَّ أَنَا اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ . قوله جل ذكره: ﴿فَلَمَّا أَتَنَهَا نُودِىَ مِن شَطِيٍ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَوِ أَن ... ﴾ الآية . أخفى تعيين قَدَم موسى على الظنون بهذا الخطاب حيث قال: ((من شاطىء الواد الأيمن))، ثم قال: ((في البقعة المباركة)) ثم قال ((من الشجرة)). وأخْلِقْ بأن تكون تلك البقعة مباركة، فعندها سَمِعَ خطابَ مولاه بلا واسطة؛ وأعَزُّ الأماكنِ في العالمِ مَشْهَدُ الأحباب : وإني لأهوى الدارَ ما يستعزني لها الود إلا أنها من دياركا ويقال كم قَدَم وَطِئَتْ لك البقعة، ولكن لم يسمع أصحابُها بها شيئاً !.. وكم ليلةٍ جَنَّت تلك البقعةً ولم يظهر من تلك النار فيها شعلة! ويقال: شئَّان بين شجرة وشجرة؛ شجرة آدم عندها ظهور محتتِه وفتنتِه، وشجرة موسى وعندها افتتاحُ نُبُوَّتِه ورسالتِه ! . (١) الآية (٢٨) لم ترد. ٤٣٧ تفسير سورة القصص . ويقال: لم يأتِ بالتفصيل نوعُ تلك الشجرة، ولا يُذْرَى ما الذي كانت تثمره، بل هي شجرة الوصلة؛ وثمرتها القربة، وأصلُها في أرض المحبة وفَرْعُها باسِقٌ في سماء الصفوة، وأوراقها الزلفة، وأزهارها تَنْفَتِقُ عن نسيم الرَّوْح والبهجة : فلمَّا سمع(١) موسى تغيَّر عليه الحال؛ ففي القصة: أنه غُشِي عليه، وأرسل اللَّهُ إليه الملائكة لِيُرُوحوه بمرواح الأنْس، وهذا كان في ابتداء الأمر، والمبتدىء مرفوقٌ به. وفي المرة الأخرى خرَّ موسى صَعِقاً، وكان يفيق والملائكةُ تقول له: يا ابن الخَيْض. أمثلك مَنْ يسأل الرؤية؟! وكذا الحديث والقصة؛ في البداية لُطْفٌ وفي النهاية عُثْفٌ، في الأولِ خَتْل وفي الآخرِ قَتْل، كما قيل: دعا بالنَّطع (٣) والسيفِ فلمَّا دارت الصهباءُ(٢) مع التّنْين(٥) في الصيفِ كذا مَنْ يشرب الراح (٤) قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاَكٌ﴾ . يا موسى .. اخْلَغْ نعليكَ وألقِ عصاك، وأقِمْ عندنا هذه الليلة، فلقد تَعِبْتَ في الطريق - وذلك إن لم يكن في النقل والآثار فهو مما يليق بتلك الحال. يا موسى .. كيف كُنْتَ في الطريق؟ كيف صَعَّدْتَ وكيف صوَّبت وكيف شرَّقْتَ وكيف غَرَّبْتَ؟ ما كنتَ في الطريق وحدَك يا موسى! أحصَيْنا خُطَاكَ - فقد أحصينا كلَّ شيءٍ عَدَداً. يا موسى .. تعِبْتَ فاسترخ، وبعد ما جِئْتَ فلا تَبْرَحْ - كذلك العبدُ غداً إذا قطع المسافةَ في القيامةِ، وتبؤَّأَ مَنْزِلَه من الجنة؛ فأقوامٌ إذا دخلوها رجعوا إلى منازلهم ثم يوم اللقاء يستحضرون، وآخرون يمضون من الطريق إلى بساط الزلفة، وكذا العبد أو الخادم إذا دَخَلَ بَلَدَ سلطانِهِ. يبتدىء أولاً بخدمة الشُّدَّةِ العَلِيَّةِ ثم بعدها ينصرف إلى منزله. وكذلك اليوم أمرنا؛ إذا أصبحنا كلَّ يوم: ألا نشتغِلَ بشيءٍ حتى نَفْتَتِحَ النهارَ بالخطاب مع الحقّ قبل أن نخاطِبَ المخلوق، نحضر بساط الخدمة - أي الصلاة - بل نحضر بساط الدنوِ والقربة، قال تعالى: ﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتَّبِ﴾ [العلق: ١٩]: فالمُصَلِّي مُنَاجِ رَبَّه. ولو عَلِمَ المُصَلِّي مَن يناجي ما التفت؛ أي لم يخرج عن صلاته ولم يلتفت يميناً ولا شمالاً في التسليم الذي هو التحليل. (١) انظر حديث القشيري برسالته عن السماع ص ٣٣٥، ٣٥٠. (٢) الصهباء: من أسماء الخمر أو هي المعصورة من عنب أبيض. (٣) النطع: بساط من جلد، كثيراً ما كان يقتل فوقه المحكوم عليه بالقتل (ج) أنطاع ونطوع. (٤) الراح: الخمر . (٥) التنين: ضرب من الحيات العظيمة. و - (في الأساطير) حيوان أسطوري يجمع بين صفات الزواحف والطير، له مخالب أسد وجناحا نسر، وذنب أفعى، ويتخذ في بعض البلاد رمزاً قومياً. ٤٣٨ تفسير سورة القصص قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا رَءَاهَا نَهَزُ كَنَّهَا جَنٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَىَ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفّْ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِينَ﴾. عندما انقلبت العصا حَيَّةً وَلَّى موسى مُذْبِراً ولم يعقب، وكان موضع ذلك أن يقول: حديثٌ أَوَّلُه تسليطُ ثعبان! مَنْ ذا يُطِيقُ أوَّلَّه؟ ! . فقيل له: لا تَخَفْ يا موسى؛ إِن الذي يَقْدِرُ أنْ يَقْلِبَ العصا حيةً أن يَخْلُقَ لك منها السلامة: ﴿يَمُوسَىّ أَقْبِلْ وَلَا تَّخَفَّْ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِينَ﴾: ليس المقصودُ مِنْ هذا أنت، إنما أثبت هذا لأسلطَه على عدوّك، فهذه معجزتُك إلى قومك، وآيتُك على عدوك. ويقال: شتان بين نبيّنا - 183ه ـ وبين موسى عليه السلام؛ رجع من سماع الخطاب وأتى بثعبان سَلّطَه على عدوّه، ونبينا ــ رَّه - رجع بعد ما أَسْرِيّ به إلى السماء، وأوحى إليه ما أوحى - لِيُوَافِيَ أُمَّتَه بالصلاة التي هي المناجاة، وقيل له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين))(١). قوله جلّ ذكره: ﴿أَسْلُكَ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْمٍ وَأَضْهُمْ إِلَيْكَ جَنَاَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِبْهِ: إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًاً فَسِفِينَ﴾ . قيل له: اسْلُكْ يَدَكَ في جيبك، لأنَّ المدرعةَ التي كانت عليه لم يكن لها ◌ُم. وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي على المرء للوصول إلى مراده ومقصوده أن يتشمَّر، وأن يجِدَّ، وأن يُخْرِجَ يَدَه من كُمِّه. وإنه قال لموسى: أدْخِلْ يَدَكَ في جيبك تخرج بيضاءَ، وألق عصاكَ نجعلها ثعباناً، بلا ضَرْبِكَ بها، وبلا استعمالِك لها يا موسى: الأمرُ بِنَا لا بِكَ، وأنا لا أنت. ﴿وَأَضْعُمْ إِلَيْكَ جَنَاَكَ مِنَ الرَّقْبِّ فَذَنِكَ بُرْهَدَنَانِ مِنْ زَّيِّكَ﴾: يا موسى، في وصف خضوعك تَجِدني، وبتبرِّيكَ عن حَوْلِكَ وقُوَّتِك تَصِل إليَّ. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى قَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ . تَعلَّلَ بكلِ وجهٍ رَجَاءَ أن يُعَافَى من مشقةِ التبليغ ومقاساةِ البلاءِ؛ لأنه عَلِمَ أنَّ النبوةَ فيها مَشَقّةٌ، فلم يَجِدُ الرُّخصةَ والإعفاءَ مِمَّا كُلْفَ، وأجاب سُؤْلَه في أخيه حيث سأله أن يجعلَ له رِذءاً، وضمن لهما النصرة. (١) أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ٤٦/١١)، وابن حجر في (فتح الباري ٥٦/١١)، وصاحب (الأذكار النووية ٢٦). ٤٣٩ تفسير سورة القصص ثم إنهما لَمَّا أتَيَا فرعونَ قابلهما بالتكذيب والجحد، ورماهما بالخطأ والكذب والسحر، وجاوباه بالحجة، ودَعَوَاه إِلى سَوَاءِ المحجَّة، فَأَبَى إِلَّ الْجَحْدَ(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَتَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الْطِّينِ فَاجْعَل لِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَوْدٍ وَإِنِّي لَأَظُنُهُ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ . ادَّعى الانفرادَ بالإلهية فزاد في ضلالِهِ على عَبَدَةِ الأصنام الذين جعلوا أصنامَهم شركاءَ، ثم قال لهامان: ((ابْن لي صَرْحاً لعلّي أطلع إِلى إله موسى)) وكان هذا من زيادة ضلاله، حيث تَوَهَّم أن المعبودَ من جهة فوق، وأنه يمكن الوصول إليه. ولعمري لو كان في جهةٍ لأمكن تقدير الوصول إليه وتجويزه! قوله جل ذكره: ﴿وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَحُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْتَهُمْ فِى الْبَةِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. أبَى إِلا أنْ يدومَ جحودُه، وعُنوده، فأغرقه اللَّهُ في البحرِ، كما أغرق قلبَه في بحر الكُفْر. قوله جل ذكره: ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِعَّةُ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَيَوْمَ اُلْفِيَامَةِ لَا يُصَرُونَ﴾ . لا لِشَرَفِهم جعلهم أئمة ولكن لسبب تَلَقِھم قَدَّمَهم في الخزي والھوان على كلٌ أمة، ولكن لم يُرْشِدُوا إِلَّا إلى الضلال. ولم يَدُلُوا الخَلْقَ إِلّا على المُحَال، وما حصلوا إلا على سوءِ الحال، وما ذاقوا إلا خِزْيَ الوبال. أفاضوا على مُتَّبِعِهم من ظلماتٍ قلوبهم فافتضحوا في خِسَّةٍ مطلوبهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَتْبَعْنَهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَقْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ اٌلْمَقْبُوحِينَ﴾ . كانوا في الدنيا مُبْعَدين عن معرفته، وفي الآخرة مُبْعَدين عن مغفرته، فانقلبوا من طَرْدٍ إلى طَرْدٍ، ومن هَجْرٍ إلى بُعْدٍ، ومن فراقٍ إلى احتراقٍ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَ بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ . إنما تطيب المنازلُ إذا خَلَتْ من الأجانب، وأطيبُ المساكنِ ما كانت زينتُها بِفَقْدِ الرُّقباءِ وغَيْبَتِهم، فلمّا أهلك اللَّهُ فرعونَ وقومَه، وأورث بني إسرائيلَ أموالَهم وديارَهم، ومحا عن جميعِها آثارَهم - طابَ لهم العيشُ وطَلَعَتْ عليهم شموسُ السعادة . (١) الآيات من (٣٤ حتى ٣٧) لم ترد. ٤٤٠ تفسير سورة القصص قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّتِهِدِينَ﴾. لم تكن حاضراً فتعرف ذلك مشاهدةً، ولكنهم رأوا أنَّ إخبارَك عنهم بحيث لا يكذبك كتابُهم. وبالضرورة عرفوا حالَكَ، وكيف أنّك لم تَعْلَمْ هذا من أحدٍ، ولا قَرَأْتُه من كتاب، لأَنَّكَ أُمِّيَّ لا تُحْسِنُ القراءة، وإذاً فليس إخبارُكَ إلا بتعريفنا إياك، وإطلاعنا لَكَ على ذلك. ويقال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِ الْغَرْبِيِّ﴾: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى، وَكَلَّمْنَاه، وخاطبناه في بابِكَ وبابٍ أُمَّتِكَ، ولم تقدح غَيْبَتْكُم في الحال، وكَوْني لكم خیر من کَوْنِکم لكم. ويقال: لمَّا خَاطَبَ موسى وكَلَّمَه سأله موسى: إِنِّي أرى في التوراة أُمَّةً صفتهم كذا وكذا .. مَنْ هم؟ وسأل عن أوصاف كثيرة، وعن الجميع كان يُجابُ بأنّها أمة أحمد، فاشتاق موسى إلى لقائنا، فقال له: إنه ليس اليومَ وقتُ ظهورِهم، فإِنْ شِئْتَ أسمعتُكَ كلامَهم، فأراد أن يسمعَ كلامنا، فنادانا وقال: يا أمةً أحمد .. ، فأجاب الكلُّ من أصلاب آبائهم، فَسمِعَ موسى كلامَهم ولم يُذْرِكُهُم. والغنيُّ إذا سأله فقيرٌ وأجابه لا يرضى بأن يردّه من غير إحسان إليه. (وفي رواية عن ابن عباس)(١) أن الله قال: ((يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني)). قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كُنتَ ثَارِيًّا (٢) فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. ومما كان موسى عليه السلام يتلوه عليهم من الآيات ذِكْرُ نبيِّنا ◌َ* بالجميل. وذكر أمته بحسن الثناء عليهم، فنحن في الوجود مُحْدَثْ مخلوقٌ وفي ذكره متعلق لا باستفتاح. ولم نكن في العَدَم أعياناً، ولا أشياء، ولكنا كنا في متعلق القدرة ومتناول العلم والمشيئة. وذكرنا في الخطاب الأزليّ والكلام الصمديّ والقول الأبديّ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كُنْتَ بِحَانِبِ اُلْتُلُورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةٌ مِّن رَّبِّكَ لِتُّنْذِرَ قَوْمًا مََّ أَتَنَّهُم مِّنِ تَذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ . ما طلبه موسى لأمته جعلناه لأمتك، وكما نادينا موسى - وهو في الوجود والظهور - ناديناكم وأنتم في كتم العَدَمِ، أنشدوا: في حالٍ لم أكُنِ كُنْ لي كماكُنْتَ (١) انظر ترجمته في الأعلام ٤/ ٩٥، وفي الإصابة ت ٤٧٧٢، وفي حلية ٣١٤/١ ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. (٢) ثاوياً: مقيماً ومستقراً.