Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ تفسير سورة الشعراء قوله جل ذكره: ﴿وَأَقْلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ إِنْزَهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَا عَكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَّكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنَفَعُونَّكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابََّنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ . عاتب إبراهيمُ أباه وقومَه، وطالَبَهُم بالحجة على ما عابَهم به وقال لِمَ تعبدون ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ؛ ولا ينفع ولا يَضُرُّ، ولا يُحِسُّ ولا يَشْعُر؟ فلم يرجعوا في الجواب إلا إلى تقليدهم أسلافهم، وقالوا: على هذه الجملة وَجَدْنا أسلافَنَا. فنطق إبراهيم - عليه السلام - بعد إقامة الحجة عليهم والإخبار عن قبيح صنيعهم بمَذح مولاه والإغراق في وصفه، وقال: ﴿ قَالَ أَفَعَيْتُمُ مَا كُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَابَّؤُكُمُ الْأَعْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴾ . ذَكَرَهم بأقلٌ عبارة فلم يقل: فإنهم أعداءٌ لِي، بل وَصَفّهم بالمصدر الذي يصلح أن يوصَفَ به الواحد والجماعة فقال: ﴿ فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ ◌ِّ﴾ . ثم قال: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾، وهذا استثناء منقطع، وكأنه يضرب بلطفٍ عن ذِكْرِهم صفحاً حتى يتوصَّلَ إلى ذكر الله، ثم أخذ في شرح وصفه كأنه لا يكاد يسكت، إذ مضى يقول: والذي ... والذي .. والذي .. ، ومن أمارات المحبة كَثْرَةُ ذِكْرٍ محبوبك، والإعراضُ عن ذكرٍ غيرِهِ، فَتَتَزُّهُ المحبين بتقلْبِهم في رياض ذِكْرٍ محبوبهم، والزهَّادُ يعددون أورادهم، وأربابُ الحوائج يعددون مآربهم، فيطنبون في دعائهم، والمحبون يُسْهِبون في الثناء على محبوبهم. قوله جل ذكره: ﴿الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَدِينِ﴾ . كان مهتدياً، ولكنه يقصد بالهداية التي ذكرها فيما يستقبله من الوقت، أي: يهديني إليه به، فإنّي مَخْقٌ في وجوده وليس لي خَبِّرٌ عنّي! والقوم حين يكونون مستغرقين في نفوسهم لا يهتدون من نفوسهم إلى معبودهم، فيهديهم عنهم إلى ربهم، ويصيرون في نهايتهم مستهلكين في وجوده، فانين عن أوصافهم، وتصير معارِفُهم - التي كانت لهم - واهيةً ضعيفةً، فيهديهم إليه(١). (١) قال القشيري برسالته عند حديثه عن المعرفة بالله: قال محمد الواسطي: لا تصح المعرفة وفي العبد استفناء بالله تعالى وافتقار إليه، وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: أراد محمد الواسطي بهذا أن الافتقار والاستغناء من أمارات صحو العبد وبقاء رسومه لأنهما من صفاته. (الرسالة القشيرية ص٣١٣). وقيل لذي النون المصري: بماذا عرفت ربك؟ قال: عرفت ربي بربي، ولولا ربي لما عرفت ربي. (الرسالة ص٣١٥). ٤٠٢ تفسير سورة الشعراء قوله جل ذكره: ﴿وَلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْقِينِ﴾ . لم يُشِرْ إلى طعام معهودٍ أو شرابٍ مألوفٍ ولكن أشار إلى استقلاله به من حيث المعرفة بدل استقلال غيره بطعامهم، وإلى شراب محبته الذي يقوم بدل استقلال غيره بشرابهم . قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ . لم يَقُلْ: وإذا أمرضني لأنه حفظ أدبَ الخطاب. ويقال لم يكن ذلك مرضاً معلوماً، ولكنه أراد تمارضاً، كما يتمارض الأحبابُ طمعاً في العيادة، قال بعضهم: فادخُلْ عليَّ بِعَلَّةِ العُوَّادِ إن كان يمنعكَ الوشاةُ زيارتي ويقول آخر: إذا سَمِعَتْ منه بشَكْوى تُرَاسِلُه يَوَدُّ بأن يمشِي سقيماً لَعَلَّها ويقال ذلك الشفاءُ الذي أشار إليه الخليلُ هو أن يَبْعَثَ إليه جبريلَ ويقول له : يقول لَكَ مولاك .. كيف كنتَ البارحة؟ قوله جل ذكره: ﴿وَأَلَّذِى يُسِتُِّ ثُمَّ يُحْيِينِ﴾. أضاف الموتَ إلى الله؛ فالموتُ فوق المرض، لأن الموتَ لهم غنيمةٌ ونعمةً؛ إذ يَصِلُون إليه بأرواحهم. ويقال: ﴿يُسِتُِّ﴾ بإعراضه عني وقت تعزّزِه، ﴿ويحييني﴾ بإقباله عليَّ حين تَفَضَّلِه. ويقال يميتني عني ويحييني به. قوله جل ذكره: ﴿وَلَّذِىّ أَلْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْتَقِ يَوْمَ أَلِذِينِ﴾. خطيئةُ الأحبابِ شهودُهم محنتَهم، وتعنّيهم عند شدة البلاء عليهم، وشكواهم مما يُمُسهم من برحاءَ(١) الاشتياق، قال بعضهم: وإذا محاسني - اللاتي أُدِلُّ بها ۔ كانت ذنوبي .. فَقُلْ لي: كيف أعتذر قوله جل ذكره: ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُصْكُمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصََّكِينَ﴾. ﴿هَبْ لِ حُكْمًا﴾: على نفسي، فإنَّ مَنْ لا حُكْمَ له على نفسه لا حُكْمَ له على غيره. ﴿وَأَلْحِقْنِى بِالصََّكَلِينَ﴾: فأقومَ بحقّكَ دونَ الرجوع إلى طلب الاستقلال بشيءٍ دون حقك. (١) البُرحاء: الشدة والمشقة. (اللسان ٢/ ٤١٠ مادة: برح). ٤٠٣ تفسير سورة الشعراء قوله جل ذكره: ﴿وَأَجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِى الْآَخِرِينَ﴾ . في التفاسير: ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾: أي ثناء حسناً على لسان أمة محمد ومَّه. ويقال لا أذكرك إلا بك، ولا أعرفك إلا بك. ويقال أن أذكرك ببيان آلائك(١)، وأذكرك بعد قبض روحي إلى الأبد بذكرٍ مُسرمَدٍ. ويقال أذكرني على لسان المخبرين عنك . قوله جل ذكره: ﴿وَأَغْفِرٍ لِأَبِّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِينَ﴾. على لسان العلماء: قالَه بعد يأسه من إيمان أبيه، وأمَّا على لسان الإشارة فقد ذَكَّرَه في وقت غَلَبَاتِ الْبَسْطِ ويُتَجَاوَزُ ذلك عنهم. وليست إجابةُ العبد واجباً على الله في كل شيء، فإذا لم يُجَبْ فإنَّ للعبد سلوةٌ في ذكر أمثال هذا الخطاب، وهذا لا يهتدي إليه كلُّ أحدٍ . قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ . أي لا تُخْجِلْني بتذكيري خلَّتي، فإنّ شهودَ ما مِن العبد - عند أرباب القلوب وأصحاب الخصوص - أشَدُّ عقوبة . قوله جل ذكره: ﴿ يَوْمَ لَا يَفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ . قيل: ((القلب السليم)) اللديغ. وقيل هو الذي سَلِمَ من الضلالة ثم من البدعة ثم من الغفلة ثم من الغيبة ثم من الحجبة ثم من المضاجعة ثم من المساكنة ثم من الملاحظة. هذه كلها آفاتٌ، والأكابرُ سَلِمُوا منها، والأصاغرُ امتُحِنُوا بها . ويقال: ((القلب السليم)) الذي سَلِمَ من إرادة نَفْسِه . قوله جل ذكره: ﴿وَأَزْلِفَتِ الَّْةُ لِلْمُنَقِينَ وَبُرْزَتِ الْجَحِمُ لِلْغَارِينَ ﴾ . ﴿أزلفت﴾: أي قُرْبَتْ وأُدْنِيَتْ في الوقت، فإنَّ ما هو آتِ قريبٌ، وبالعين أُخْضِرَتْ. وكما تُجَرُّ النارُ إلى المحشر بالسلاسل فلا يَبْعُد إدناءُ الجنة من المتقين. ﴿وَبُرْزَتِ الْجَحِمُ لِلْغَاوِينَ﴾ أُظْهِرَتْ؛ فتؤْكَّدُ الحُجَّةُ على أرباب الجحود، ويُعْرَضُون على النار، وتُعْرَضُ عليهم منازلُ الأشرار، فَيُكَبْكَبُونَ فيها أجمعين، ويأخذون يُقِرُّونَ بذنوبهم (٢)، ومن جملتها ما أخبر أنهم يقولون :- ﴿َّهِ إِنْ كُنَّا لَفِىِ ضَلٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِيَكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ . (١) الآلاء: النِّعم. (٢) الآيات من (٩٢ حتى ٩٦) لم ترَد. ٤٠٤ - تفسير سورة الشعراء ولا فضيحةً أقبحُ ولا عيبَ فيهم أشنعُ مما يعترفون به على أنفسهم بقولهم: ﴿إِذْ ◌ُوِيِكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ فإنَّ أقبحَ أبوابِ الشِّرْكِ وأشنعَ أنواعِ الكُفْرِ وأقبحَ أحوالِهم - التشبيهُ في صفة المعبود(١). قوله جل ذكره: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَيٍ﴾ . في بعض الأخبار: يجيء - يومَ القيامة - عَبْدٌ يُحتَسَبُ فتستوي حسناتُه وسيئاته ويحتاج إلى حسنة واحدة يَرْضَى عنها خصومُ، فيقول الله - سبحانه: عبدي ... بقيت لك حسنةٌ واحدة، إن كانت أدْخَلْتُكَ الجنةَ .. أُنْظُرْ .. وتَطَلَّبْ من الناس لعلَّ واحداً يهب لَكَ حسنةً واحدةً. فيأتي العبدُ في الصفين، ويطلب من أبيه ثم من أمه ثم من أصحابه، ويقول لكلِّ واحدٍ في بابه فلا يجيبه أحدٌ، فالكلُّ يقول له: أنا اليومَ فقيرٌ إلى حسنةٍ واحدةٍ، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحقُّ - سبحانه: ماذا جئتَ به؟ فيقول: يا ربِّ ... لم يُعْطِني أحدٌ حسنةً من حسناته. فيقول الله - سبحانه: عبدي .. ألم يكن لك صديق (فيَّ). فيتذكر العبدُ ويقول: فلان كان صديقاً لي. فيدله الحقُّ عليه، فيأتيه ويكلِّمه في بابه، فيقول: بلى، لي عباداتٌ كثيرة قَبِلَها اليومَ فقد وهبتُك منها، فيسير هذا العبدُ ويجيء إلى موضعه، ويخبر ربَّه بذلك، فيقول الله - سبحانه: قد قَبِلْتُها منه، ولن أنقص من حقّه شيئاً، وقد غفرت لكَ وله، وهذا معنى قوله. ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَفِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حِيَ﴾(٢) . قوله جل ذكره: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ﴾. ذكر قصة نوحٍ وما لَقِيَ من قومه، وأنهم قالوا: قَالُواْ أَنْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ . إِنَّ أتباعَ كلٌّ رسولٍ إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المتقدّمون الأكرمون. قال عليه السلام: ((نُصِرْتُ بضعفائكم)). وإنَّ اللَّهَ أغرق قومه لمَّا أَصَرُّوا واستكبروا. وكذلك فَعَلَ بمن ذَكَرَتْهم الآياتُ في هذه السورة من عادٍ وثمودٍ وقوم لوطٍ وأصحاب مدين .. كلٌّ منهم قابلوا رُسُلَهم بالتكذيب، فَدَمْر اللَّهُ عليهم أجمعين، ونَصَرَ رسولَه على مقتضى سُنَتِه الحميدة فيهم. وقد ذَكَّرَ الله قصةَ كل واحدٍ منهم ثم أعقبها بقوله :- ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَمُوَ اَلْعَزِيزُ الَّحِيمُ﴾ . (١) الآية (٩٩) لم ترد. (٢) الآيتان (١٠٢ و١٠٣) لم تردا والآيات من (١٠٦ حتى ١١٠) لم ترد. ٤٠٥ تفسير سورة الشعراء ﴿اَلْعَزِيزُ﴾: القادر على استئصالهم، ﴿الرَّحِيمُ﴾ الذي أَخَّرَ العقوبة عنهم بإمهالهم، ولم يقطع الرزقَ مع تُبْحِ فِعالِهم. وهو ﴿عزيز﴾ لم يُسْتَضَرّ بقبيح أعمالهم، ولو كانوا أجمعوا على طاعته لمَّا تَجَمَّلَ بأفعالهم (١). قوله جل ذكره: ﴿وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٌّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ . أخبر عن كل واحدٍ من الأنبياء أنه قال: ﴿لا أسألكم عليه أجر﴾ ليَعْلَمَ الكافةُ أنّ من عَمِلَ لله فلا ينبغي أن يَطْلُبَ الأجْرَ من غير الله. وفي هذا تنبيهً للعلماء - الذين هم وَرَثَةُ الأنبياء - أن يتأدَّبوا بأنبيائهم، وألاّ يطلبوا من الناس شيئاً في بَثْ علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم أنه مَنْ ارتفق في بثّ ما يُذَكِّرُ به من الدِّين وما يَعِظُ به المسلمين فلا يبارِكُ اللَّهُ للناس فيما منه يَسْمَعون، ولا للعلماء أيضاً بركةٌ فيما من الناسِ يَأْخُذُون، إنهم يبيعون دينَهم بِعَرَضٍ يسيرٍ، ثم لا بَرَكَة لهم فيه، إذ لا يبتغون به الله، وسيَحْصُلُون على سُخْطِ الله(٢). قوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّهُ لَتَغْرِيلُ رَيِّ الْعَلَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ اَلْأَمِينُّ عَلَى قَلِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُذِفُّ بِسَانٍ عَرَةٍ ثُبِينٍ﴾. كلامُ اللَّهِ العزيز مُنَزّلٌ على قلب الرسول - وَل1ه ـ في الحقيقة بسفارة جبريل عليه السلام. والكلامُ من الله غيرُ منفصل، وبغير الله غير متصل .. وهو - على الحقيقة لا على المجاز - مُنَزّلٌ. ومعناه أن جبريل - عليه السلام - كان على السماء. فَسمِعَ من الربِّ، وحَفِظَ ونَزَلَ، وبَلَّغَ الرسولَ. فَمَرَّةً كان يُدْخِلُ عليه حالةً تأخذه عنه عند نزول الوحي عليه. ثم يُورِدُ جبريلُ ذلك على قلبه. ومرةً كان يتمثل له المَلَكُ فيُسْمِعُهُ. والرسولُ - وَلَه - يحفظه ويُؤدِّبه. والله - سبحانه ضَمِنَ له أنه سيُقْرِؤُه حتى لا ينساه. فكان يجمع اللَّهُ الحِفْظَ في قلبه. ويُسَهِّلُ له القراءةَ عند لفظه. ولمَّا عَجَزَ الناسُ بأجمعهم عن معارضته مع تحدِّيه إياهم بالإتيان بمثله .. عُلِمَ صِدْقُه في أنَّه مِنْ قِبَلِ الله . قوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّهُ لَفِى نُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ . جميعُ ما في هذا الكتاب من الأخبار والقصص، وما في صفةِ الله من استحقاق جلاله - موافِقٌ لِما في الكتب المُنَزَّلة من قِبَلِ الله قَبْلَه، فمهما عارضوه فإنه كما قال جلَّ شأنه: ﴿لَّا يَأْتِهِ الْتَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾ [فصلت: ٤٢]. ثم أخبر أنه لو نَزَّل هذا الكتابَ بغير لسانهم وبلغةٍ غير لغتهم لم يهتدوا إلى ذلك، ولَقَالُوا: لو كان بلساننا لعرفناه ولآمَنًا به، فأزاح عنهم العِلَّةَ، وأكّد عليهم الحُجَّة. (١) الآيات من (١١٢ حتى ١٢٦) لم ترد. (٢) الآيات من (١٢٨ - حتی ١٩١) لم ترد. ٤٠٦ تفسير سورة الشعراء ثم أخبر عن صادق عِلْمِه بهم، وسابِق حُكْمِه بالشقاوة عليهم، وهو أنهم لا يؤمنون به حتى يَرَوْا العذابَ في القيامة، حين لا ينفعهم الإيمانُ ولاَ الندامةُ(١) .. قوله جل ذكره: ﴿أَفَرَبَيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ ثُرَ جَآءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَآ أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُواْ يُمَتَّقُونَ﴾ . إن أرخينا المُدَّةَ، وأمهلناهم أزمنةً كثيرة - وهم بوصف الغفلة - فما الذي كان ينفعهم إذا أخَذَهُم العذابُ بغتةً؟! ثم أخبر أنه لم يُهْلِكَ أهلَ قريةٍ إلّا بعد أن جاءهم النذيرُ وأظهر لهم البيناتِ، فإذا أصَرُّوا على كُفْرِهم عَذّبهم (٢) . قوله جل ذكره: ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ . وَجَدُوا السمع - الذي هو الإدراك - ولكن عَدِمُوا الفَهْمَ، فلم يستجيبوا لِمَا دُعُوا إليه. فعند ذلك استوجبوا من الله سوء العاقبة(٣). قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرِينَ﴾. وذلك تعريفٌ له أنهم لا تنفعهم قَرَابَتُهُم منه، ولا تُقْبَلُ شفاعتُه - إنْ لم يؤمِنوا - فيهم. فليس هذا الأمر من حيث النّسب، فهذا نوحٌ لمَّا كَفَرَ ابنُه لم تنفْعه بُنُوَّتُه، وهذا الخليلُ إبراهيم عليه السلام لما كَفَرَ أبوه لم تنفع أَبُوَّتُه، وهذا محمدٌ - عليه الصلاة والسلام - كثيرٌ من أقاربه كانوا أشدَّ الناس عليه في العداوةِ فلم تنفعهم قرابتُهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَنِ أَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾. أَلِنْ جَانِبَكَ وقارِبْهم في الصحبة (٤)، واسحبُ ذيلَ التجاوز على ما يبدر منهم من التقصير، واختمِلْ منهم سوء الأحوال، وعاشِرْهم بجميلِ الأخلاق، وتحمَّلْ عنهم كَلَّهم، وارحَمْهُم كُلّهم، فإِنْ مرضوا فعُذْهم، وإِنْ حرموك فأَعْطِهم، وإِنْ ظلموك فتجاوَزْ عنهم، وإِنْ قصّرُوا في حقي فاعفُ عنهم، واشفْع لهم، واستغفِرْ لهم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِّ بَرٌِّ مِّنَا تَعْمَلُونَ﴾ . لا تفعلْ مثلَ فِعْلِهم، وكِل حسابَهم إلينا إلا فيما أمرناك بأن تقيم فيه عليهم حَدًّا، فعند ذلك لا تأخذكَ رأفةٌ تمنعكَ من إقامة حدِّنا عليهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَكُلُّ عَلَى الْعَزِزِ الرَّحِيمِ﴾. (١) الآيات من (١٩٧ حتى ٢٠٤) لم ترد. (٢) الآيات من (٢٠٨ - ٢١١) لم ترد. (٣) الآية (٢١٣) لم ترد. (٤) انظر حديث القشيري عن الصحبة بالرسالة القشيرية ص٢٩٤ - ٢٩٨. ٤٠٧ تفسير سورة الشعراء انْقَطِعْ إلينا، واعتصِمْ بِنا، وتوسَّل إلينا بِنا، وكن على الدوام بنا، فإذا قُلْتَ فَقُلْ بنا، وإذا صُلْتَ فَصُلْ بنا، واشهد بقلبك ـ وهو في قبضتنا - تتحقق بأنك بنا ولنا . توكّلْ على ﴿اَلْعَزِيزُ﴾ تَجِدْ العِزّةَ بتوكلك عليه في الدارين، فإِنَّ العزيز مَنْ وثق بالعزيز . ﴿الَّحِيمُ﴾ الذي يقرِّبُ مَنْ تَقَرَّبَ إليه، ويُجْزِلُ البِرَّ لِمَنْ تَوسَّل به إليه. قوله جل ذكره: ﴿الَّذِى يَرَئِكَ حِينَ تَقُومُ﴾ . اقتطعه بهذه الآية عن شهود الخَلْقِ، فإِنْ مَنْ عَلِمَ أنه بمشهدٍ من الحقِّ رَاعَى دقائقَ أحواله، وخفايا أموره مع الحقِّ(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَفَلُُّكَ فِ السَِّدِينَ﴾. مَوَّنَ عليه معاناةَ مشاقُ العبادة بإخباره برؤيته. ولا مشقّةً لِمَنْ يَعْلَمُ أَنّه بمرأى من مولاه، وإنْ حَمْلَ الجبالِ الرواسي على شَفْرِ (٢) جَفْنِ العينِ لَيَهونُ عند مَنْ یشاهد ربّه . ويقال ﴿وَقَلُبُكَ فِ السَِّدِينَ﴾ بين أصحابك، فهم نجومٌ وأنت بينهم بَذْرٌ، أو هم بدورٌ وأنت بينهم شَمْسٌ، أو هم شموسٌ وأنت بينهم شمس الشمرس. ويقال: تقلبك في أصلابٍ آبائك من المسلمين الذين عرفوا اللَّهَ، فسجدوا له دون مَنْ لم يعرفوه. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَُّ هُوَ السَّيِعُ الْعَلِيمُ﴾ . ﴿الشَّيِعُ﴾ لأنين المحبين، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحنين العارفين. ﴿السَّيعُ﴾ لأنين المُذْنبين، ﴿ الْعَلِيمُ﴾ بأحوال المطيعين. قوله جلّ ذكره: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَِّنُ تَنَُّ عَلَى كُلِّ أَقَّاكٍ أَنِيِمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُنَ ﴾ . بيَّن أن الشياطين تتنزَّلُ على الكفار والكهنة فتوحي إليهم بوساوسهم الباطلة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلُّعَرَآهُ يَقَّعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ . لمَّا ذَكَرَ الوحيَ وما يأتي به الملائكةُ من قِبَلِ الله ذكر ما يوسوس به الشياطينُ إلى (١) انظر الرسالة القشيرية ص ٣٤٤. (٢) شُفْر العين: وهو ما ينبت عليه الشعر وأصل منبت الشعر في الجفن. (اللسان ٤١٨/٤). ٤٠٨ تفسير سورة الشعراء أوليائه، وألَخقَ بهم الشعراءَ الذين في الباطل يهيمون، وفي أعراض الناس يقعون، وفي التشبيهات - عن حدِّ الاستقامة - يخرجون، ويَعِدُون من أنفسهم بما لا يُوفُون، وسبيلَ الكذبِ يسلكون(١). قوله جلّ ذكره: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَذَّكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا وَأَنْنَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا تُلِمُواْ﴾. فيكون شِعْرُه خالياً من هذه الوجوه المعلولة المذمومة، وهذا كما قيل: الشعرُ كلامُ إنسان؛ فحسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه. قوله جل ذكره: ﴿وَسَيَعْلَمُ أَذِينَ ظَلَمُواْ أَنَّ مُنْقَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ . سيعلم الذين ظلموا سوءً ما عملوا، ويندمون على ما أسلفوا، ويصدقون بما كَذَّبوا . (١) الآيتان (٢٢٥ - ٢٢٦) لم تردا. السورة التي يذكر فيها النمل بسم الله اسم عزيز قَصَدَهُ العاصي لِطَلَبِ التخفيف فصار وِزْرُه مغفوراً، اسم كريم قَصَدَهُ العابِدُ لِطَلَبِ التضعيف فصار أجره موفوراً، اسم جليلٌ أَمَّهُ الوليَّ لِطَلَبٍ التشريف فصار سَعْيُه مشكوراً، اسم عزيز إن تَعَرَّضَ الفقير لوجوده مَحَقَتْهُ العِزَّةُ، وطَوَّحَتْهُ السَّطْوَةُ، فصار كأن لم يكن شيئاً مذكوراً . جَلَّتْ الأحديةُ .. فأنّى بالوصول! وتَقَدَّسَتْ الصمديةُ .. فَمَنْ ذا الذي عليها يقف (١)؟ ﴿كَلََّ إِنَُّ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٤، ٥٥]: وكم باسطين إلى وَضْلِنا أَكْفَّهُمُو .. لم ينالوا نصيبا! قوله جلّ ذكره: ﴿طِسَنَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْقُرْمَانِ وَكِتَابٍ مُِّيٍ﴾ [النمل: ١]. بطهارةٍ قُدّسِي وسناءٍ عِزْي لا أُخَيْبُ أَمَلَ من أَمَّلَ لطفي . بوجود بِرِّي تطيب قلوبُ أوليائي، وبشهود وجهي تغيب أسرار أصفيائي. طَلَبُ القاصدين مُقَابَلٌ بلطفي، وسَعْيُ العاملين مشكورٌ بعطفي. ﴿يَلْكَ ءَايَتُ اَلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النحل: ١]: هذه دلالات كَرَمِنا، وأماراتُ فضلنا وشواهدُ بِرِنا، نُبَيِّنُ لأوليائنا صِدْقَ وَعْدِنا، ونُحقّقُ للأصفياء حِفْظَ عَهْدِنا . قوله جلّ ذكره: ﴿هُدَى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِينَ﴾. هذه الآياتُ وهذا الكتابُ بيانٌ وشِفاءٌ، ونورٌ وضياءٌ، وبشرى ودليلٌ لِمَنْ حققنا لهم الإيمان، وأَكَّذنا لهم الضمان، وكفلنا لهم الإحسان. قوله جل ذكره: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ بِلْأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ . يديمون المواصلات،، ويستقيمون في آداب المناجاة ويؤدون عن أموالهم (١) انظر حديث القشيري عن التوحيد بالرسالة ص ٢٩٨ - ٣٠٣. ٤٠٩ ٤١٠ تفسير سورة النمل وأحوالهم وحركاتهم وسكناتِهم الزكاة، بما يقومون في حقوق المسلمين أحسنَ مقام، وينوبون عن ضعفائهم أحسنَ مناب . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِْآَخِرَةِ زَّنَا لَمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ . أغشيناهم فَهُم لا يُبْصِرُون، وعَمَّيْنَا عليهم المسالكَ فهم عن الطريقة المُثْلَى يَعْدِلون، أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون، وفي حيرتهم يَتَرَدُّون. قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَِّكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوَّهُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ . ﴿سُرَّهُ الْعَذَابٍ﴾ أن يجد الآلامَ ولا يجد التسلِّي بمعرفة المُسَلِي، ويحمل البلَاءَ ولا يحمل عنه ثقلَه وعذابَه شهودُ المُبْلِي .. وذلك للكفار، فأمَّا المؤمنون فيُخَفِّفُ عنهم العذابَ في الآخرةِ حُسْنُ رجائِهم في الله، ثم تضرُّعُهم إلى الله، ثم فَضْلُ الله معهم بالتخفيف في حال البلاء ثم ما وقع عليهم من الغشي والإفاقة - كما في الخبر - إلى وقت إخراجهم من النار. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّكَ لَنْلَّى الْقُرْءَانَ مِن لَّهُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ . أي أن الذي أكرمكَ بإنزال القرآن عليك هو الذي يحفظك عن الأسواء والأعداء وصنوف البلاء . قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ: إِنََّ مَانَسْتُ نَارًا سَثَائِكُ مِنْهَا بِخَرٍ أَوْ ءَاتِكُمْ بِشِهَاٍ قَبَسِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ . سار موسى بأهله من مدين شعيب متوجهاً إلى مصر، ودَجًا عليه الليلُ، وأخذ امرأتَه الطَّلْقُ وهَبَّت الرياحُ الباردة، ولم يورِ الزَّنْد، وضاق على موسى الأمرُ، واستبهم الوقتُ، وتشتتت به الهمة، واستولى على قلبه الشغل. ثم رأى ناراً من بعيد، فقال لأهله: امكثوا إنِّي أبصرتُ ناراً. وفي القصة: إنه تشتت أغنامُه، وكانت له بقور وثيران تحمل متاعَه فشردت، فقالت امرأتُه : كيف تتركنا وتمضي والوادي مسبع؟ !. فقال: امكثوا .. فإني لأجلكم أمضي وأتعرف أمرَ هذه النار، لَعَلِّي آتيكم منها إِمَّا بِقَبَسٍ أو شعلةٍ، أو بخبرٍ عن قوم نُزُولٍ عليها تكون لنا بهم استعانة، ومن جهتهم انتفاع. وبَدَتْ لعينه تلك النارُ قريبةً، فكان يمشي نحوها، وهي تتباعد حتى قَرُب منها، فرأى شجرةً رطبةً خضراءَ تشتعل كلُّها من أولها إلى آخرها، وهي نار مضيئة، فَجَمَعَ خُشَيْبَاتٍ وأراد أن يقتبس منها، فعند ذلك سمع النداءَ من الله لا من الشجرة كما تَوَهَّم المخالِفون من أهل البدع. وحصل الإجماعُ أَنَّ موسى سمع تلك الليلة كلامَ الله، ولو كان النداء في الشجرة لكان المتكلم به الشجرة، ولأجل الإجماع قلنا: لم ٤١١ تفسير سورة النمل يكن النداء في الشجرة وإلا فنحن نجوز أن يخلق الله نداءً في الشجرة ويكون تعريفاً، ولكن حينئذٍ يكون المتكلم بذلك الشجرة . ولا يُنكر في الجواز أن يكون الله أسمع موسى كلامه بإسماع خلقه له، وخَلَقَ كلاماً في الشجرة أيضاً، فموسى سمع كلامَه القديم وسمع كلاماً مخلوقاً في الشجرة ... وهذا من طريق العقل جائز. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَّا جَآءُهَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَّ اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. أي بورِكَ مَنْ هو في طلب النار ومَنْ هو حول النار . ومعنى بورِكَ لَحِقَتْه البركةُ أو أصابته البَرَكةُ .. والبركةُ الزيادةُ والنَّماءُ في الخير. والدعاء مِنَ القديم - سبحانه - بهذا يكون تحقيقاً له وتيسيراً به . قوله جلّ ذكره: ﴿ يَمُوسَّ إِنَّهُ: أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. الذي يُخَاطِبُكَ أنا اللَّهُ ﴿الْعَزِيزُ﴾ في استحقاق جلالي، ﴿اَلْتَكِيمُ﴾ في جميع أفعالي . قوله جل ذكره: ﴿وَأَلِّقِ عَصَالَّ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْغَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَى مُدْيِرًا وَلَمْ يُعَقِّبُّ﴾ . في آية أخرى بَيَّنَ أنه سأله، وقال له على وجه التقرير: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ١٧] وأجابه بقوله: ﴿هِىَ عَصَاىَ﴾ [طه: ١٧] وذَكَّرَ بعضَ مَا لَه فيها من المآرب والمنافع، فقال الله: ﴿وَلْنِ عَصَالٌ﴾، وذلك لأنه أراد أَنْ يُرِيَه فيها من عظيم البرهان ما يجعل له كمالَ اليقين. وألقاها موسى فَقَلَبَهَا اللَّهُ ثعباناً، أولاً حيةً صغيرةً ثم صارت حيةً كبيرةً، فأوجس في نفسه موسىٍ خيفةً وولَّى مُذْبِراً هارباً، وكان خوفه من أن يُسَلِّطَهَا عليه لمَّا كان عارفاً بأن الله يعذِّبَ مَنْ يشاء بما يشاء، فقال له الحقُّ : ﴿يَمُوسَى لَا تَخَفّ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَ الْمُرْسَلُونَ﴾. أي لا ينبغي لهم أن يخافوا. قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُرَّ بَذَلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوْءٍ فَإِنِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . وهذا يدلُّ على جواز الذَّنْبِ على الأنبياء عليهم السلام فيما لا يتعلق بتبليغ الرسالة بشرط تَرْكِ الإصرار. فأمَّا مَنْ لا يُجِيزُ عليهم الذنوبَ فيحمل هذا على ما قبل النبوة (١). (١) بعض الفقهاء لا يستخدم تعبير [الذنب] بالنسبة للأنبياء، وإنما يطلق على ما يبدر منهم فعل خلاف الأولى ٠أدباً. قال القشيري في رسالته: فإن قيل: فهل يكون الولي معصوماً، قيل: إما وجوباً كما يقال في الأنبياء فلا، وإما أن يكون محفوظاً حتى لا يصرّ على الذنوب، إن حصلت آفات أو زلات فلا يمتنع ذلك في وصفهم. (الرسالة القشيرية ص٣٥٩). ٤١٢ تفسير سورة النمل فلمَّا رأى موسى انقلابَ العصا عَلِمَ أنّ الحقَّ هو الذي يكاشفه بذلك. ويقال: كيف عَلِمَ موسى - عليه السلام - أَنَّ الذي سمعه كلامُ اللَّهِ؟ والجواب أنه بتعريفٍ منه إياه، ويجوز أن يكون ذلك العلم ضرورياً فيه، ويجوز أن يكون كَسْبياً، ويكون الدليل له الذي به عَلِمَ صِدْقَه في قوله: ﴿إِنَّهُ: أَنَا اللَّهُ﴾ هو ما ظهر على يَدِهِ - في الوقت - من المعجزة، من قَلْبِ العصا، وإخراج يده بيضاء(١) . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيَضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوْءٌ فِيِ نِسْعِ مَلَيْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِةَ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَنِفِينَ﴾ . من غير سوءٍ أي بُرَصٍ. وفي القصة أن موسى عليه السلام ذَكَرَ اشتغال قلبه بحديث امرأته، وما أصابه تلك الليلة من الأحوال التي أَوْجَبَتْ انزعاجه، وقَصْدَه في طلب النار، فقال الله تعالى: ((إنا قد كفيناكَ ذلك الأمرَ، ووكلنا بامرأتك وأسبابك، فجمعنا أغنامَك وثيرانَك، وسَلِمَتْ لَكَ المرأةُ)). قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَّا جَتُهُمْ ءَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ . لم يُظُهِرْ اللَّهُ - سبحانه - آيةً على رسولٍ من أنبيائه - عليهم السلام - إلّا كانت في الوضوح بحيث لو وَضَعوا النظرَ فيها موضعَه لتَوَصَّلُوا إلى حصول العلم وثلج الصدور، ولكنهم قَصَّروا في بعضها بالإعراض عن النظر فيها، وفي بعضها الآخر عرفوها وقابلوها بالجَخْدِ. قال تعالى وقولُهِ صِدْقٌ : ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُمْ ظُلْمًا وَعُوَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَنْقِبَةُ اٌلْمُفْسِدِينَ﴾ . وكما يَحصُلُ من الكافِرِ الجَحْدُ تحصل للعاصي عند الإلمام ببعض الذنوب حالةٌ يعلم فيها - بالقطع - أن ما يفعله غير جائز، وتتوالى على قلبه الخواطرُ الزاجرةُ الداعيةُ له عن فِعْلِها من غير أَنْ يكونَ متغافلاً عنها أو ناسياً لها، ثم يُقْدِمُ على ذلك غيرَ مُحْتَفِلٍ بها مُوَافَقَةً لشهوتِه. وهذا الجنسُ من المعاصي أكثرُها شؤماً، وأشدُّها في العقوبةَ، وأبْعَدُها عن الغفران . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . يقتضي حكمُ هذا الخطاب أنه أفْرَدهُما بجنسٍ من العلم لم يشارِكْهُما فيه أحدٌ؛ لأنه ذَكَرَه على وجه تخصيصهما به، ولا شكّ أنه كان من العلوم الدينية؛ ويحتمل أنه (١) قال القشيري عند حديثه عن كرامات الأولياء بالرسالة: المعجزات دلالات الصدق - أي صدق الأنبياء -. (للتوسع انظر الرسالة القشيرية ص ٣٥٣ - ٣٥٦). ٤١٣ تفسير سورة النمل كان بزيادة بيانٍ لهما أغناهما عن إقامة البرهان عليه وتصحيحه بالاستدلال الذي هو مُعَرَّض للشك فيه. ويحتمل أن يكون علمهما بأحوال أمتهما على وجه الإشراف على ما كانوا يستسرون به، فيكون إخبارُهما عن ذلك معجزةً لهما. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿عُلَّمْنَا مَنِطِقَ الَّطَّيْرِ﴾. ويحتمل أن يكون علمهما بالله على وجه زيادةٍ لهما في البيان. وفي الآية دليل على أن التفضيل الذي يحصل بالعلم لا يحصل بغيره من الصفات، فأخبر بأنهما شَكَرَ الله على عظيم ما أنعم به عليهما . قوله جل ذكره: ﴿وَوَرِثَ سُلَّمَنُ دَاوُودٌ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ وَأُوتِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾. ورث أباه في النبوة، وورثه في أن أقامه مقامه . قوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ﴾: وكان ذلك معجزةً له، أظهرها لقومه ليعلموا بها صِدْقَ إخباره عن نبوته. ومَنْ كان صاحبَ بصيرةٍ وحضور قلبٍ بالله يشهد الأشياءَ كلّها بالله ومن الله. ويكون مُكَاشَفاً بها من حيث التفهيم، فكأنه يسمع من كل شيءٍ تعريفاتِ الحقُّ - سبحانه - للعبد مما لا نهاية له، وذلك موجودٌ فيهم مَحكِيٍّ عنهم. وكما أنَّ ضربَ الطَبْلِ مثلاً دليلٌ يُغْرَفُ - بالمواضعة - عند سماعه وقتُ الرحيلِ والنزولٍ فالحقُّ - سبحانه - يخصُ أهلَ الحضورِ بفنون التعريفاتِ، من سماع الأصواتِ وشهودٍ أحوال المرئيات في اختلافها، كما قيل : إذا المرءُ كانت له فِكرةٌ قفي كل شيءٍ له عِبْرَةٌ قوله جل ذكره: ﴿وَحُثِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنّ وَالْإِنِسِ وَالَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ . سخّر اللَّهُ لسليمان - عليه السلام - الجنَّ والطيرَ، فكان الجنُّ مكلَّفين، والطيرُ كانت مُسَخَّرَةً إلا أنه كان عليها شَرْعٌ، وكذلك الحيوانات التي كانت في وقته، حتى النمل كان سلیمان یعرف خطابهم ینفذ علیھم حُكمه . قوله جلّ ذكره: ﴿حَّ إِذَا أَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةُ بَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُدُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ . قيل إن سليمان استحضر أميرَ النمل الذي قال لقومه: ﴿أَدْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ﴾ وقال له: أَمَا عَلِمْتَ أَنِّي معصومٌ، وأَنِّي لن أُمَكُنْ عسكري مِنْ أَنْ يطؤوكم؟ فأخبره أميرُ النمل أنّه لا يعلم ذلك؛ لأنه ليس بواجب أن يكون النملُ عالماً بعصمة سليمان. ولو قال: لعلكم أبيح لكم ذلك .. لكان هذا أيضاً جائزاً. ٤١٤ تفسير سورة النمل وقيل إن ذلك النمل قالٍ لسليمان: إني أَحْمِلُ قومي على الزهد في الدنيا، وخَشِيتُ إِنْ يَرَوْكُم في مُلْكِكم أَنْ يرغبوا فيها، فأَمَرْتُهم بدخول مساكنهم لئلا يتشوَّشَ عليهم زُهْدُهُم. ولَئِنْ صَحَّ هذا ففيه دليلٌ على وجوب سياسة الكبار لِمَنْ هو في رعيتهم. وفي الآية دليلٌ على حَسْنِ الاحتراز مِمّا يُخْشَى وقوعُه، وأَنَّ ذلك مما تقتضيه عادةُ النّفْسِ وما فُطِرُوا عليه من التمييز ويقال إن ذلك النمل قال لسليمان: ما الذي أعطاك اللَّهُ من الكرامة؟ فقال: سَخّرَ لي الربحَ. فقال: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإشارة فيه أنه ليس بيدك مما أُعْطِيتَ إلا الريح؟ وهكذا بيَّنَه الكبيرُ على لسان الصغير !. قوله جلّ ذكره: ﴿فَنَبَتَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾ . التبسُمُ من الملوكِ يندر لمراعاتهم حُكْمَ السياسة، وذلك يدلُّ على رضاهم واستحسانهم لما منه يحصل التبسُّم، فلقد استحسن سليمان من كبير النمل حُسْنَ سياسته لرعيته . وفي القصة أنه استعرض جُنْدَه ليراهم كم هم، فَعَرَضَهم عليه، وكانوا يأتون فوجاً فوجاً، حتى مضى شَهْرٌ وسليمان واقفٌ ينظر إليهم مُعْتَبِراً فلم ينتهوا، ومَرَّ سليمان عليه السلام. وفي القصة: أن عظيم النمل كان مثل البغل في عِظّم الجثة، وله خرطوم. والله أعلم . قوله جلّ ذكره: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَِّيَّ أَنْعَمْتَ عَلَ وَعَلَى وَإِذَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنْهُ﴾ . في ذلك دليلٌ على أن نَظَرَه إليهم كان نَظَرَ اعتبارٍ، وأنه رأى تعريفَ الله إِياه ذلك، وتنبيهُه عليه من جملة نِعَمِه التي يجب عليها الشكرُ. وفي قوله: ﴿وَعَلَى وَزِدَّ﴾ دليلٌ على أَنَّ شُكْرَ الشاكر لله لا يختص بما أَنْعَمَ به عليه على الخصوص، بل يجب على العبد أن يشكر الله على ما خَصَّ وعَمَّ من نِعَمِه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَمْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾. سأل حُسْنَ العاقبة، لأنَّ الصالحَ من عباده مَنْ هو مختوم له بالسعادة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَفَقَّدَ الَّيْرَ فَقَالَ مَالِىَ لَا أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْفَآِينَ﴾. تَطَلّبَه فَلَمَّا لم يَرَه تَعَرَّف ما سبب تأخره وغيبته. ٤١٥ تفسير سورة النمل ودلَّ ذلك على تيقظ سليمان في مملكته، وحسن قيامه وتكفله بأمور أمته ورعيته، حيث لم تَخْفَ عليه غيبةُ طيرٍ هو من أصغر الطيور لم يحضر ساعةً واحدةً. وهذا أحسن ما قيل. ثم تَهَدَّدَه إن لم يكن له عُذْرٌ بعذاب شديدٍ، وذلك يدلُّ على كمال سياسته وعَذلِه في مملكته . وقال قومٌ إنما عَرَفَ أن الهدهد (١) يعرف أعماقَ الماء بإلهام خُصَّ به، وأنَّ سليمان كان قد نزل منزلاً ليس به ماء، فطلبَ الهدهد ليهديَهم إلى مواضع الماء، وهذا ممكن؛ لأن في الهدهد كَثْرَةً. وغيبةُ واحدٍ منها لا يحصل منها خَلَلّ - اللهم إلّا إِن كان ذلك الواحد مخصوصاً بمعرفة مواضع وأعماق الماء .. والله أعلم. وروي أن ابن عباس سُئِلَ عن ذلك، وأنه قيل له: إنْ كان الهدهدُ يرى الماءَ تحت الترابٍ ويعرفه فكيف لا يرى الفَخَّ مخفيًّا تحت التراب؟ . فقال: إذا جاء القضاء عَمِيَ البصر . ويقال: إن الطير كانت تقف فوق رأس سليمان مُصْطَفّةً، وكانت تستر انبساط الشمس وشعاعها بأجنحتها، فوقع شعاعُ الشمسِ على الأرض، فنظر سليمانُ فرأى موضع الهدهد خالياً منه، فَعَرَفَ بذلك غَيْبَته .. وهذا أيضاً ممكن، ويدل على كمال تَفَقُّدِه، وکمال تَقُّظِہ ـ کما ذكرنا. قوله جلّ ذكره: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ، أَوْ لَيَأْنِيَنِ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ . في هذه الآية دليل على مقدار الجُزْمِ، وأنه لا عِبْرَةَ بصغر الجثة وعِظَمِها. وفيه دليل على أن الطير في زمانه كانت في جملة التكليف، ولا يبعد الآن أن يكون عليها شَرْعٌ، وأَنَّ لهم من الله إلهاماً وإعلاماً؛ وإِن كان لا يُعْرَفُ ذلك على وجه القَطْعِ. وتعيين ذلك العذاب الشديدِ غيرُ ممكنٍ قطعاً، إلا تجويزاً واحتمالاً . وعلى هذه الطريقة يَحْتَمِلُ كلَّ ما قيل فيه. ويمكن أن يقال فإن وُجِدَ في شيءٍ نَقْلٌ فهو مُتَّبَعٌ . وقد قيل هو نَتْفُ ريُشه وإلقاؤه في الشمس . (١) الهدهد: جنس طير من الجواثم الرقيقات المناقير، أشهر أنواعه الهدهد الشائع، وهو مبذول في لبنان وغيره. ذو خطوط وألوان كثيرة، وهو متوسط الجسم، له منقار مستطيل وقنزعة على رأسه كبيرة القدّ سوداء الأطراف. وذنبه مقطوم الطرف، أسود اللون أبيض الجانبين والوسط، يألف الهدهد الأماكن المبعثرة الأشجار، وقوته الحشرات والديدان (ج) هداهد وهداهيد، الواحدة هدهدة. يقال: (أبصر من هدهد) قيل: لأنه يرى الماء تحت الأرض. ٤١٦ تفسير سورة النمل وقیل یفرق بينه وبين أليفه. وقيل يشتّت عليه وقتَه. وقيل يُلْزِمُه خدمة أقرانه. والأَوْلَى في هذا أن يقال من العذاب الشديد كيت وكيت، وألا يُقْطَّعَ بشيءٍ دون غيره على وجه القطع . فَمِنَ العذاب الشديد أن يُمْنَعَ حلاوة الخدمة فيجد أَلَمَ المشقة. ومن ذلك أن يقطع عنه حُسْنُ التولي لشأنه ويوكّلَ إلى حَوْلِهِ ونَفْسِه، ومن ذلك أن يُمْتَحَنَ بالحِرْصِ في الطلب ثم يحال بينه وبين مقصوده ومطلوبه. ومن العذاب الشديد الطمع في اسم العذر ثم لا يرتفع(١) ومن ذلك سَلْبُ القناعة، ومنه عَدَمُ الرضا بما يجري. ومن ذلك توهم الحدثان وحسبان شيءٍ من الخَلْق. ومن ذلك الحاجة إلى الأَخِسَّةِ من الناس. ومن ذلك ذُلُّ السؤال مع الغفلة عن شهود التقدير. ومن ذلك صحبة الأضداد والابتلاء بمعاشرتهم. ومن ذلك ضعف اليقين وقلة الصبر. ومن ذلك التباس طريق الرُّشد. ومنه حسبان الباطل بصفة الحق، والتباس الحقُّ في صورة الباطل. ومنه أن يطالب بما لا تتسع له ذات يده. ومنه الفقر في الغُرْبة . قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطِتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَيٍَ بِنٍَ يَقِينٍ﴾ . فلم يلبث الهدهدُ أن جاء، وعَلِمَ أن سليمانَ قد تَهذَّدَه، فقال: أَحَطْتُ علماً بما هو عليك خافٍ، ﴿وَجِثْتُكَ مِن سَبَلٍ بِنٍَّ يَقِينٍ﴾ . ثم ذكر حديث بلقيس، وأنها ملكته،، وأن لها من المالِ والمُلْكِ والسرير العظيم ما عَدَّه، فلم يتغير سليمانُ - عليه السلام - لذلك، ولم يستفزّه الطمع فيما سَمِعَ عن هذا كما يحدث من عادة الملوك في الطمع في مُلْكِ غيرهم (٢)، فلما قال: ﴿وَجَدَثُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ . فعند ذلك غَاظَ هذا سليمانَ، وغَضِبَ في الله(٣)، و: قَالَ سَنَظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْكَذِبِينَ﴾ . (١) قال القشيري برسالته: وقيل في قوله تعالى: ﴿لأعذبنه عذاباً شديداً﴾ يعني لأسلبنّه القناعة ولأبتلينه بالطمع، يعني أسأل الله تعالى أن يفعل به ذلك. (الرسالة القشيرية ص ١٦٢). (٢) الآية (٢٣) لم ترد. (٣) الآيتان (٢٥، ٢٦) لم تردا. ٤١٧ تفسير سورة النمل وفي هذا دلالة على أن خَبَرَ الواحدِ لا يوجِب العلمَ فيجب التوقفُ فيه على حدٌ التجويز، وفيه دلالة على أنه لا يُطْرَح بل يجب أن يُتَعَرَّفَ: هل هو صدق أم كذب؟ ولمَّا عَرَفَ سليمان هذا العُذْرَ تَرَكَ عقوبتَه وما تَوَعَّدَه به .. وكذلك سبيلُ الوالي؛ فإنَّ عَذْلَه يمنعه من الحيفِ على رعيته، ويَقْبَلُ عُذْرَ مَنْ وَجَدَهُ في صورة المجرمين إذا صَدَقَ في اعتذاره. قوله جل ذكره: ﴿أَذْهَبِ بِكِتَنِى هَذَا قَأَلْفِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَ عَنْهُمْ فَأَنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ . في الآية إشارة إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يذكر بين يدي الملوك كلَّ كلمة، فإنه يَجُرُّ العناءَ بذلك إلى نَفْسِه؛ وقد كان لسليمان من الخَدَم والحَشَمِ ومَنْ يأتمر بأمره الكثير، ولكنه لم يستعمل واحداً في هذا التكليف إلا الهدهد لأنه هو الذي قال ما قال، فلزمه الخروج من عهدة ما قال . ويقال لمَّا صَدَقَ فيما أخبر لِمَلِكهِ عُوَّضَ عليه فَأُهْلَ للسفارة والرسالة - على ضعف صورته . فمضى الهدهدُ، وألقى الكتابَ إليها كما أُمِرَ، وانتحى إلى جانبٍ ينتظر ماذا يفعلون وبماذا يُجَاب. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَتْ بَكَيُّهَا الْمَلَؤُّأْ إِّ أُلْفِىَ إِلَّ كِتَبٌ كَرِمُ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُواْ عَلَّ وَأَنُونِ مُسْلِمِينَ ﴾ . ﴿كِتَبُ كِمُ﴾ الكَرَمُ نَفْيُ الدناءة، وقيل لأنه كان مختوماً، وقيل لأنَّ الرسولَ كان طيراً؛ فَعَلِمَتْ أَنَّ مَنْ تكون الطيرُ مُسَخّرة لَهُ لا بُدّ أنه عظيمُ الشأنِ. وقيل لأنه كان مُصَدَّراً نبسم الله الرحمن الرحيم. وقيل لأنه كتب فيه اسم نَفْسِه أولاً ولم يَقُلْ: إنه من سليمان إلى فلانة. ويقال لم يكن في الكتاب ذكر الطمع في المُلْكِ بل كان دُعَاءً إلى الله: ﴿أَلَّا تَعْلُواْ عَّ وَأَنُونِ مُسْلِمِينَ﴾ . ويقال أَخَذَ الكتابُ بمجامع قلبها، وقَهَرَها؛ فلم يكن لها جواب، فقالت: ﴿إِنّ أُلْفِىَ إِلَّ كِتَبٌ كِيمُ﴾ فلمَّا عَرَفَتْ قَدْرَ الكتابِ وصلت باحترامها إلى بقاء مُلكِها، ورُزِقَتْ الإسلامَ وصُخْبَةً سليمان . ويقال إذا كان الكتابُ كريماً لما فيه من آية التسمية فالكريمُ من الصلاة ما لا يتجرَّدُ عن التسمية، وإذا تجرَّدت كان الأمرُ فيها بالعكس . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَتْ يَتُهَا الْمَلَوُاْ أَفْتُونِ فِىَ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَقْ حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ . أَخَذَتْ في المشاورة كما تقتضيه الحال في الأمور العظام؛ فإن المَلِكَ لا ينبغي أن يكون مستبداً برأيه، ويجب أن يكون له قومٌ من أهل الرأي والبصيرة. ٤١٨ تفسير سورة النمل قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ فُؤَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ . أجابوا على شرط الأدب، وقالوا: ليس منا إِلّ بَذْلُ الوسع، وليس لنا إِلّا إظهارُ النُّصح وما علينا إلا متابعةُ الأمر - وتمشيةُ الأمرِ وإمضاؤه ... إليكِ. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . ويقال إِنَّ: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ مِنْ قَوْلِها . ويقال: تغييرُ الملوك إذا دخلوا قريةً - عن صفتها - معلومٌ، ثم يُنْظَر ... فإن كان الداخِلُ عادلاً أزال سُنَّةَ الجَوْرِ، وأثبت سُنَّةَ العَدْلِ، وإنْ كان الداخلُ جائراً أزال الحَسَنَ وأثبت الباطلَ. هذا معلوم؛ فإنَّ خرابَ البلادِ بولاةِ السُّوءِ، حيث يستولي أسافلُ الناس وأَسقاطُهم على الأعزة منهم، وكما قيل : من المعالي شظية يا دولة ليس فيها على الكرام بلية زولى فما أنتِ إِلَّ وعمارة الدنيا بولاة الرُّشْدِ، يكسرون رقابَ الغاغة (١)، ويُخَلْصُون الكرامَ من أَسْرِ السَّفْلة، (ويأخذ القوس باريها)، وتطلع شمسُ العدل من برج شرفها ... كذلك المعرفةُ والخصالُ المحمودة إذا باشَرَتْ قلبَ عبدٍ أخرجت عنه الشهواتِ والْمُنى، وسفاسفَ الأخلاقِ من الحقد والحسد والشُحْ وصِغَرِ الهمة ... وغير ذلك من الأوصاف الذميمة وتُثْبِتُ بَدَلَها من الأحوال العَلِيَّةِ والأوصاف المَرْضِيَّةِ ما به نظامُ العبد وتمامُ سعادته. ومتى استولت على قلبٍ غاغةُ النَّفسِ والخصالُ المذمومة أزالت عنه عمارته، وأَبْطَلَتْ نضارته، فتخرب أوطانُ الحقائق، وتتداعى مساكنُ الأوصاف الحميدة للأفول، وعند ذلك، يَعْظُم البلاءُ وتتراكم المِحَنُ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِ مُرْسِلَةُ إِلَتِهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ . جاء في القصة أنها بعثت إلى سليمان بهدايا، ومن جملتها لَبِنَةٌ مصنوعةٌ من الفضة وأخرى من الذهب. وأن اللَّهَ أخبر سليمانَ بذلك، وأوحى إليه في معناه. وأمَرَ سليمانُ الشياطينَ حتى بَنَوْا بساحة منزله ميداناً، وأمرهم أن يفرشوا الميدان بهيئة اللَّبنِ المصنوع من الذهب والفضة من أوله إلى آخره. وأَمَرَ بأن توقف الدوابُّ على ذلك وألا تُنَظْفَ آثارُها من رَوْثٍ وغيره، وأن يُتْرَكَ موضعان لِلَبِنَتَيْنِ خالِيَيْن في ممرٌ (١) الغاغة: من الغوغاء أصلها الجراد حين يخف للطيران ثم استعير للسفلة من الناس والمتسرعين إلى الشر، ويجوز أن يكون من الغوغاء الصوت والجلبة لكثرة لغطهم وصياحهم. (اللسان ٤٤٤/٨ مادة: غوغ). ٤١٩ تفسير سورة النمل الدخول. وأقبل رُسُلُها، وكانت معهم اللبنتان ملفوفتين، فلمَّا رَأَوْا الأمر، ووقعت أبصارُهم على طريقهم، صَغُرَ في أعينهم ما كان معهم، وخَجِلوا من تقديم ذلك إلى سليمان ووقعوا في الفكرة ... كيف يتخلصون مما معهم؟. فلمَّا رأوا موضع اللْبنَتَيْن فارغا ظنُّوا أن ذلك سُرِق من بينها، فقالوا لو أظهرنا نُسِبْنا إلى أنَّا سرقناهما من هذا الموضع، فطرحاهما في الموضع الخالي، ودَخَلًا على سليمان: قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتَِّذُونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَنْنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّقَآ ءَاتَنَكُمْ بَّ أَنْتُم بِهَدِ يَتِكُمْ نَفْرَحُونَ﴾ . أتهدونني مالاً؟! وهل مثلي يُسْتَمالُ بمثل هذه الأفعال؟ إنكم وأمثالكم تعامِلُون بمثل ما عوملتم! ارجع إليهم : - ﴿أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَأْنِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُ بِهَا وَلَنُخْرِجَهُ مِنْهَا أَذِلَّهُ وَهُمْ صَِرُونَ﴾ . فلمَّا رجعوا إلى بلقيس، وأخبروها بما شاهدوا وسمعوا علمت أنه لا وَجْهَ لها سوى الاستسلام والطاعة، فَعَزَمَتْ على المسير إلى خدمته، وأوحى الله إلى سليمان بذلك، وأنها خرجت مستسلمةً، فقال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا؟﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ يَّهَا الْمَوْا أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعِرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيِتٌ مِّنَ الْجِنّ أَنَاْ ءَلِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَقَامِكٌ وَإِى عَلَيْهِ لَغَوِىُّ أَمِينٌ ﴾ . بسط اللَّهُ - سبحانه - مُلْكَ سليمان، وكان في مُلْكِه الجِنُّ والإِنسُ والشياطين؛ الجن على جهة التسخير، والإنس على حكم الطوع، والشياطين وكانوا على أقسام. ولمَّا قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِنِ بِعَرْشِهَا؟﴾ قال عفريت من الجن - وكان أقواهم - ﴿أَنَّأْ ءَايَكَ بِهِ، قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ، وَإِنِى عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ﴾، فلم يرغب سليمانُ في قوله لأنه بَنّى القولَ فيه على دعوى قُوَّتِه . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ الَّذِى عِندَهُ عٌِّ مِنَ الْكِتَبِ أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكْ فَلَّا رَاهُ مُسْتَغِرًّا عِنْدَمُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِى ◌ِبْلُوَنِّ ◌َأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرٌ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّ غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾. ﴿الَّذِى عِنْدَهُ عِلٌ مِنَ الْكِنَبِ﴾ (قيل هو آصف) وكان صاحب كرامة. وكراماتُ الأولياءِ مُلْتَحِقَةٌ بمعجزات الأنبياء، إذ لو لم يكن النبيُّ صادقاً في نبوته لم تكن الكرامة تظهر على من يُصَدِّقه ويكون من جملة أمته. ومعلومٌ أنه لا يكون في وُسْعِ البَشَرِ الإتيانُ بالعرش بهذه السرعة، وأن ذلك لا يحصل إلا بخصائص قدرة الله تعالىَ. وقَطْعُ المسافة البعيدة في لحظةٍ لا يصح تقديره في الجواز إلا بأحد وجهين: إمَّ بأن يُقَدِّم اللَّهُ المسافةَ بين العرش وبين منزل سليمان، ٤٢٠ تغير سورة النمل وإمَّا بأن يعدم العرش ثم يعيده في الوقت الثاني بحضرة سليمان. وأيُّ واحدٍ من القسمين كان ــ لم يكن إلّا من قِيَلِ الله، فالذي كان عنده علم من الكتاب دعا الله - سبحانه - واستجاب له في ذلك، وأحضر العرش، وأمر سليمان حتى غَيَّرَ صورته فجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، وأثبته على تركيب آخر غير ما كان عليه . ولمَّا رأىٍ سليمان ذلك أخذ في الشكر لله - سبحانه - والاعتراف بِعِظم نِعَمِه، والاستيحاء، والتواضع له، وقال: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِ﴾: لا باستحقاقٍ منّي، ولا باستطاعةٍ من غيري، بل أحمد النعمةَ لربِي حيث جعل في قومي ومِنْ أمتي مَنْ له الجاهُ عنده فاستجاب دعاءه . وحقيقةُ الشكرِ ـ على لسان العلماء - الاعترافُ بنعمة المُنْعِم على جهة الخضوع. والأحسنُ أن يقال الشكرُ هو الثناءُ على المُخْسِنِ بِذِكْرِ إحسانه، فيدخل في هذا شكرُ اللَّهِ للعبد لأنه ثناءٌ منه على العبد بذكر إحسان العبد، وشكرُ العبد ثناءٌ على الله بذكر إحسانه ... إلّا أَنَّ إحسان الحقُّ هو إنعامُه، وإحسانُ العبد طاعتُه وخدمتُه لله، وما هو الحميد من أفعاله. فأمَّا على طريقِ أهل المعاملة وبيان الإشارة: فالشكرُ صَرْفُ النعمة في وجه الخدمة. ويقال الشكر أَلَّا تستعينَ بنعمته على معاصيه. ويقال الشكر شهودُ المنعِم من غير مساكنةٍ إلى النعمة. ويقال الشكر رؤية العجز عن الشكر . ويقال أعظمُ الشكرِ الشكرُ على توفيق الشكر. ويقال الشكر على قسمين: شكر العوام على شهود المزيد، قال تعالى: ﴿لَين شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وشكر الخواص يكون مجرداً عن طلب المزيد، غيرَ متعرض لمنال العِوَض . ويقال حقيقةُ الشكرِ قيد النعم وارتباطها؛ لأَنَّ بالشكر بقاءَها ودوامَها. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ تَكْرُواْ لَا عَرْشَهَا نَظُرُ أَنْهَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ . أراد سايمانُ أن يمتحنَها وأن يختبرَ عقلها، فأمر بتغيير عرْشِها، فلمَّا رأته : - ﴿قِلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِّ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَّ﴾ . فاء تدلَّ بذلك على كمالٍ عقلها، وكان ذلك أمراً ناقضاً للعادة، فصار لها آية وعلامةً على صحة نبوة سليمان - عليه السلام - وأسلّمَتْ: ﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَعْبُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَفِرِينَ قِيلَ لَمَا أَدْخُلِ الضَّرْحِّ فَلَمَّا رَأَتْهُ