Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
تفسير سورة الحج
والإِسلام يكون بمعنى الإِخلاص، والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم
تصفية الأخلاق من الكدورات، ثم تصفية الأحوال، ثم تصفية الأنفاس. ﴿وَكَثِّرِ
الْمُخْبِتِينَ﴾: الإخبات استدامة الطاعة بشرط الاستقامة بقدر الاستطاعة. ومن أماراتٍ
الإِخباتِ كمالُ الخضوع بشرط دوام الخشوع، وذلك بإِطراق السريرة.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَيِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ .
الوجَلُ الخوفُ من المخافة، والوجَلُ عند الذكر على أقسام: إما لخوفٍ عقوبة
ستحصل أو لمخافة عاقبة بالسوء تختم، أو الخروج من الدنيا على غفلَةٍ من غير
استعدادٍ للموت، أو إصلاح أَهْبَةٍ، أو حياءٍ من الله سبحانه في أمورٍ إِذا ذكَرَ اطلاعه -
سبحانه ــ عليها لمَا بَدَرَت منه تلك الأمور التي هي غير محبوبة .
ويقال الوجَلُ على حسب تجلي الحق للقلب؛ فإِن القلوب في حال المطالعةِ
والتجلي تكون بوصف الوجل والهيبة .
ويقال وَجِلٌ له سبب وجل بلا سبب؛ فالأول مخافةٌ من تقصير، والثاني معدودٌ
في جملة الهيبة(١).
ويقال الوجَلُ خوفُ المَكْرِ والاستدراج، وَأقربُهم من الله قلباً أكثرهُم من الله -
على هذا الوجه - خوفاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَالصَّبِينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ﴾ .
أي خامدين تحت جريان الحكم من غير استكراهٍ ولا تمني خَرْجةٍ، ولا رَوْمٍ
فُرْجةٍ بل يستَسلِمُ طوعاً:
ويقال الصابرين على ما أصابهم. أي الحافظين معه أسرارهم، لا يطلبون السلوةً
بإطلاع الخلق على أحوالهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَأَلْمُقِيمِى الصَّلَوِْ﴾.
أي إذا اشتدت بهم البلوى فزعوا إلى الوقوف في محلٌ النجوى:
تمنَّيْتُ أن أشكو إليك فَتَسمَعَا
إذا ما تمثّى الناسُ رَوْحياً وراحةٌ
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَّا رَزَقْنَهُمْ يُتْفِقُونَ﴾ .
عند المعاملة من أموالهم، وفي قضايا المنازلة بالاستسلام، وتسليم النفس وكل
ما منك وبك لطوارق التقدير؛ فينفقون أبدانَهم على تحمل مطالبات الشريعة، وينفقون
قلوبَهم على التسليم والخمود تحت جريان الأحكام بمطالبات الحقيقة .
(١) انظر الرسالة القشيرية ص ٥٨ - ٦١.
١

٣٢٢
تفسير سورة الحج
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِّن شَعَبِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌّ فَأَذَّكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ
عَلَيْهَا صَوَآَفٍ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَزَّ كَذَلِكَ سَخَرْنَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ .
أقسام الخير فيها كثيرة بالركوب والحَمْل عليها (وشرب ألبانها وأكل لحومها
والانتفاع بوبرها ثم الاعتبار بِخِلْقَتِها كيف سُخْرت للناس على قوتها وصورتها، ثم
كيف تنقاد للصبيان في البروكِ عند الحَمْل عليها وركوبها والنزول منها ووضع الحمل
عنها وصبرها على العطش في الأسفار، وعلى قليل العَلَف، ثم ما في طبْعِها من لُطْفٍ
الطبع، وحيث تستريح بالحُدَاءِ (١) مع كثافة صورتها إلى غير ذلك.
﴿فَإِذَا وَيَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾: أي سقطت على وجه الأرض في حال النّخرِ فأطعموا
القانع الذي ألقى جلباب الحياء وأظهر فقره للناس، والمُعْتَرَّ الذي هو في تَحَمَّله
مُتَحَمِّلٌ، ولمواضِع فاقته كاتم .
قوله جلّ ذكره: ﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَّاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ
سَخَّرَهَا لَكُنْ لِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾.
لا عِبْرةَ بأعيان الأفعال سواء كانت بدنيةً محضة، أو ماليةً صِرْفة، أو بما له تعلُّق
بالوجهين، ولكن العبرة باقترانها بالإخلاص فإِذا انضافَ إلى أكسابِ الجوارح إخلاصُ
القصود، وتَجَرَّدَتْ عن ملاحظة أصحابِها للأغيارَ صَلُحَتْ للقبول.
ويقال التقوى شهودُ الحقِّ بِنَعْتِ التفرُّدِ؛ فلا يُشَابُ تَقَرَّبُكَ بملاحظةِ أحدٍ، ولا
تأخذ عِوَضاً على عملٍ من بَشّرٍ .
﴿لِتْكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنكُمْ﴾: أي هداكم وأرشدكم إلى القيام بحقُ العبودية
على قضية الشرع.
﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾: والإحسان كما في الخبر: ((أن تعبد الله كأنك تراه .. )).
وأمارةُ صحته سقوطُ التعبِ بالقلبِ عن صاحبِهِ، فلا يستثقلُ شيئاً. ولا يتبرم بشيءٍ.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَّانِ كَفُورٍ﴾ .
يدفع عن صدورِهم نزغات الشيطان، وعن قلوبِهم خطراتِ العصيان، وعن
أرواحهم طوارقَ النسيان .
والخيانةُ على أقسام: خيانةٌ في الأموال تفصيلها في المسائل الشرعية، وخيانة
في الأعمال، وخيانة في الأحوال؛ فخيانة الأعمال بالرياء والتصنع، وخيانة الأحوال
(١) الحُداء: سوق الإبل والغناء لها. (لسان العرب ١٦٨/١٤ مادة: حدا).

٣٢٣
تفسير سورة الحج
بالملاحظة والإعجاب والمساكنة، وشرَّها الإعجابُ، ثم المساكنةُ وأخفاها الملاحظة .
ويقال خيانة الزاهدين عزوفهم عن الدنيا على طلب الأعواض ليجدوا في الآخرة
حُسْنَ المآل .. وهذا إخلاص الصالحين. ولكنه عند خواص الزهاد خيانة؛ لأنهم
تركوا دنياهم لا الله ولكن لوجود العِوَض على تركهم ذلك مِنْ قِبَلِ الله.
وخيانةُ العابدين أن يَدَعُوا شهواتِهم ثم يرجعون إلى الرُّخَص، فلو صدقوا في
مرماهم لَمَا انحطّوا إلى الرخص بعد ترقيهم عنها .
وخيانة العارفين جنوحهم إلى وجود مقام، وتطلعهم لمنال منزلة وإكرام من
الحق ونوع تقريب .
وخيانة المحبين روم فرحة مما يمسهم من برجاء المواجيد، وابتغاء خرجة مما
يَشْتَدُّ عليهم من استيلاء صَدْ، أو غلبات شوقٍ، أو تمادي أيامٍ هَجْرٍ .
وخيانة أربابِ التوحيد أن يتحرك لهم للاختيارِ عِزْقٌ، ورجوعهم - بعد امتحائِهم
عنهم - إلى شظية من أحكام الفَرْقِ، اللهم إلا أن يكونَ ذلك منهم موجوداً، وهم عنه
مفقودون .
قوله جلّ ذكره: ﴿أُذِّنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ .
إذا أصابهم ضُرِّ أو مَسَّهم - ما هو في الظاهر - ذُلّ من الأعادي يجري عليهم
ضَيْمٌ، أو يلحقهم من الأجانب استيلاءٌ وظلمٌ .. فالحقُّ - سبحانه - ينتقِمُ من أعدائهم
لأَجْلِهم، فهم بنعت التسليم والسكون في أغلب الأحوال، وتفاصيلُ الأقدارِ جاريةٌ
باستئصالِ مَنْ يناويهم، وبإحالة الدائرة على أعاديهم. وفي بعض الأحايين ينصبهم
الحقُّ سبحانه بنعت الغَلَبَةِ والتمكين من نزولهم بساحات مَنْ يناوئهم بِحُسْنِ الظَّفَرِ،
وتمام حصولِ الدائرة على مَنْ نَاصَبَهم، وأخزاهم بأيديهم، وكلُّ ذلك يتفق، وأنواعُ
النصرَةِ من الله - سبحانه - حاصلةٌ، واللّهُ - في الجملةِ - غالِبٌ على أمره.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ أُخْرِهُواْ مِن دِيَدِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ .
المظلومُ منصورٌ ولو بعد حين، ودولة الحق تغلب دولة الباطل، والمظلومُ حميدُ
العقبى، والظالمُ وشيك الانتقام منه بشديد البلوى: ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا
ظَلَمُوَأْ﴾ [النمل: ٥٢]. وقد يجري مِن النّفْسِ وهواجِسها على القلوبِ لبعضٍ الأولياءِ
وأهلِ القصةِ - ظُلْمٌ، ويَحْصُلُ لِسُكَّانِ القلوب من الأحوال الصافية عنها جلاءً،
وتستولي غَاغَةُ النَّفْس، فتعمل في القلوب بالفساد بسبب استيطانِ الغفلة حتى تتداعى
القلوبُ للخراب من طوارق الحقائق وشوارق الأحوال، كما قال قائلهم:
أنعي إليكَ قلوباً طالما هَطَلَتْ سحائبُ الجودِ فيها أبْحُرَ الحِكَم

٣٢٤
تفسير سورة الحج
فَيَهْزِمُ الحقُّ - سبحانه - بجنودِ الإقبالِ أَرَازِلَ الهواجسِ، وينصرُ عَسْكَرَ التحقيقِ
بأَمْدَادِ الكشوفات. ويَتَجَدَّدُ دارسُ العهد، وتطْلُعُ شموسُ السَّعْدِ في ليالي الستر،
وتُكْتَسُ القلوبُ وتتطهر من آثارِ ظُلْمَةِ النَّفْسِ، كما قيل:
أطلالُ سُعْدَى باللّوَى تَتَجَدَّدُ
فإذا هبَّتْ على تلك القلوب رياحُ العناية، وزال عنها وهج النسيان سقاها الله
صَوْبَ (١) التجلِّي، وأنبت فيها أزهارَ البَسْط فيتضح فيها نهارُ الوَصْلِ، ثم يوجد فيها
نسيم القرب إلى أن تطلع شموس التوحيد.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَِّّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ
وَمَسَنِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اَللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُُ؟ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ﴾ .
يتجاوز عن الأصاغر لِقَدْرِ الأكابر، ويعفو عن العوام لاحترام الكرام .. وتلك
سُنَّةٌ أجراها الله لاستنقاء منازل العبادة، واستصفاء مناهل العرفان. ولا تحويل لِسُنَّتِه،
ولا تبديل لکریم عادته .
قوله جلّ ذكره: ﴿ الَّذِينَ إِن ◌َّكَّتَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصََّلَوَةَ وَءَانَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ
يَأْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَلِقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ .
إذا طالت بهم المدةُ، وساعَدَهم العمرُ لم يستفرغوا أعمالَهم في استجلاب
حظوظهم، ولا في اقتناء محبوبهم من الدنيا أو مطلوبهم، ولكن قاموا بأداء حقوقنا.
وقوله: ﴿أَقَامُواْ الصَّلَوةَ﴾ في الظاهر، واستداموا المواصلات في الباطن.
ويقال إقامة الصلاة الوفاء بأدائها؛ فَتَعْلمَ - بين يدي الله - مَنْ أنت، ومَنْ تناجي،
وَمِنْ الرقيب عليك، ومن القريب منك.
وقوله: ﴿وَءَاتَوْأْ الزَّكَوَةَ﴾: الأغنياء منهم يوفون بزكاة أموالهم، وفقراؤهم
يُؤْتُون زكاةً أحوالهم؛ فزكاة الأموال عن كل مائتين خَمْسَة للفقراء والباقي لهم، وزكاة
الأحوال أن يكون من مائتي نَفَسٍ تسعة وتسعون ونصف جزء ومائة لله، ونصف جزء
من نَفَسٍ - من المائتين - لَكَ .. وذلك أيضاً عِلَّةٌ.
قوله: ﴿وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ﴾: يبتدئون في الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر بأَنفُسِهم ثم بأغيارهم، فإذا أخذوا في ذلك لم يتفرغوا من أنفسهم إلى غيرهم.
ويقال ((الأمر بالمعروف)) حفظ الحواس عن مخالفة أمره، ومراعاة الأنفاس معه
إجلالاً لِقَدْرِهِ.
(١) الصَّوْب: المطر بقدر ما ينفع ولا يؤذي.

٣٢٥
تفسير سورة الحج
ويقال الأمر بالمعروف على نَفْسك، ثم إذا فَرَغْتَ من ذلك تأخذ في نهيها عن
المنكر. ومنْ وجوهِ المنكرِ الرياءُ والإعجابُ والمساكنةُ والملاحظةُ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوَكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِنَزْهِيمَ
وَقَوُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ مَدْيَنٌَ وَكُذِّبَ مُوسَىٌّ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمِّ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ .
في الآيات تسليةٌ للنبي - رََّ، وأمرٌ حَتْمّ عليه بالصبر على مقاساة ما كان يلقاه
من قومه من فنون البلاءِ وصنوفِ الأسواء.
قوله جل ذكره: ﴿فَكَأَيٍِّ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ .
الظلمُ يوجِبُ خرابَ أوطانِ الظالم، فتخرب أولاً أوطان راحة الظالم وهو قلبه،
فالوحشةُ التي هي غالبةً على الظَّلَمَةِ من ضيق صدورهم، وسوءِ أخلاقهم، وفَرْطِ غيظ
مَنْ يَظْلِمُونَ عليهم .. كل ذلك من خراب أوطان راحاتهم، وهو في الحقيقة من جملة
العقوبات التي تلحقهم على ظلمهم .
ويقال خرابُ منازلِ الظَّلَمَةِ ربما يتأخر وربما يتعجل. وخرابُ نفوسهم في
تعطلها عن العبادات لِشُؤْمِ ظُلْمِهم، وخرابُ قلوبهم باستيلاءِ الغفلة عليهم خصوصاً في
أوقات صلواتهم وأوان خلواتهم .. نقدٌ غير مستأخر.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَثْرٍ مُّعَطّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
الإشارة في ﴿ وَيِثْرٍ مُّعَطّلَةٍ﴾: إلى العيون المتفجرة التي كانت في بواطنهم،
وكانوا يستقون منها، وفي ذلك الاستقاء حياةٌ أوقاتِهم من غلبات الإرادة وقوة
المواجيد، فإِذا اتصفوا بظلمهم غَلَبَ غُثاؤها (١) وانقطع ماؤها بانسداد عيونها.
والإشارة في ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها من الهيبة
والأُنْس، وخُلُوْ أرواحهم من أنوار المحابُ، وسلطان الاشتياق، وصنوف المواجيد.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ
◌ِّ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّى فِ اَلْصُدُورِ﴾.
كانت لهم قلوبٌ من حيث الخلقة، فلما زايلتها صفاتُها المحمودةُ صارت كأنها
لم تكن في الحقيقة. ثم إنه أخبر أن العمى عمى القلب وكذلك الصم. وإذا صَحّ
وصفْ القلبِ بالسمع والبصر صَحّ وصفُه بسائر صفات الحيِّ من وجوه الإدراكات؛
فكما تبصر القلوبُ بنور اليقين يُدْرَكُ نسيمُ الإقبال بِمَشَامٌ السِّرِّ، وفي الخبر:
(١) الغُثاء: ما يحمله السيل من القمش. أو ما يجيء فوق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره.
(لسان العرب ١١٥/١٥ - ١١٦ مادة: غما).

٣٢٦
تفسير سورة الحج
((إني لأجدٍ نَفَسَ ربكم من قِبَل اليمن))(١) وقال تعالى مخبراً عن يعقوب عليه
السلام: ﴿إِنِّ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفٌَ﴾ [يوسف: ٩٤] وما كان ذلك إلا بإِدراك السرائر
دون التمام ريحٍ في الظاهر.
قوله جل ذكره: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابٍ وَلَن يُخْلِفَ اَللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلْفٍ
سَنَّةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾ .
عَدَمُ تصديقهم حَمَلَهم على استعمال ما توعدهم به، قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَاً﴾ [الشورى: ١٨] ولو آمنوا لصدَّقوا، ولو صدَّقوا لَسَكَنُوا. ﴿وَإِنَّ
يَوْمًا عِندَ رَّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾: أي إنَّ الأيامَ عنده تتساوى، إذ لا استعجالَ له في
الأمور؛ فسواء عنده يوم واحد وألف سنة؛ إذ مَنْ لا يَجْرِي عليه الزمانُ وهو يُخْرِي
الزمانَ فَسَوَاء عليه وجودُ الزمانِ، وعدم الزمان وقِلة الزمانِ وكَثْرَةُ الزمانِ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَأَيِنِ مِّنِ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَمَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾ .
الإِمهال يكون من الله - سبحانه وتعالى، والإمهال يكون بأَنْ يَدَعَ الظالمَ في
ظُلْمِه حيناً، ويوسّع له الحَبْل، ويطيل به المهل، فيتوهم أنه انفلت من قبضة التقدير،
وذلك ظنه الذي أراده، ثم يأخذه من حيث لا يَرْتَقِب، فيعلوه نَدَمٌ، ولات حينه،
وكيف يستبقي بالحيلة ما حق في التقدير عَدَمُه؟
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُِّينٌ﴾ .
أُشابِهُكُم في الصورة ولكني أُبَايِنُكم من حيث السريرة، وأنا لِحُسْنِكم بشير،
ولِمُسِيئِكُم نذير، وقد أَيَدْتُ بإقامةِ البراهينِ ما جِئتكم به من وجوهِ الأمر بالطاعة
والإحسان .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَِّينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّيْلِحَتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .
الناس - في المغفرة - على أقسام: فمنهم من يستر عليه زَلَّتَه، ومنهم من يستر
عليه أعماله الصالحة صيانةً له عن الملاحظة، ومنهم من يستر حاله لئلا تُصيبَه مِنَ
الشهرةِ فتنةٌ، وفي معناه قالوا:
لا تُنْكِرَنْ جُحْدِي هَوَاكَ فإنما ذاك الجحودُ عليكَ سِتْرَ مُسْبَلُ
ومنهم مَنْ يستره بين أوليائه، لذلك وَرَدَ في مكتب: ((أوليائي في قبائي، لا
يشهد أوليائي غيري)».
(١) للحديث رواية أخرى تقول: ((إني لأجد نفس الرحمن من قبل .. )) أخرجه العجلوني في (كشف
الخفاء ٢٥١/١ - ٣٠٤.

٣٢٧
تفسير سورة الحج
﴿والرزق الكريم﴾ ما يكون من وجه الحلال. ويقال ما يكون من حيث لا
يَخْتَسِب العبدُ .
ويقال هو الذي يبدو - من غير ارتقابٍ - على رِفْقٍ في وقت الحاجة إليه.
ويقال هو ما يَحْمِلُ المرزوقَ على صَرْفِه في وَجْهِ القربة. ويقال ما فيه البركة .
ويقال الرزق الكريم الذي يُنال من غير تعب، ولا يتقلد مِنَّةً مخلوق.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيَّ مَايَتِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾.
في الحال في معَجَّلِه الوحشةُ وانسدادُ أبوابِ الرشدِ، وتنغصُ العَيْش، والابتلاءُ
بمن لا يعطف عليه ممن لا يخافون الله .
وفي الآخرة ما سيلقون من أليم العقوبة على حسب الإجرام.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِ إِلَّ إِذَا تَمَنََّ أَلْغَى الشَّيْطَانُ
فِيِّ أُمَّنِّيَّتِهِ، فَيَنَسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَنِّهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
الشياطين يتعرَّضون للأنبياء عليهم السلام ولكن لا سلطانَ ولا تأثيرَ في أحوالهم
منهم، ونبيُّنا - مَ﴾ - أفضل الجماعة .
وإنما من الشيطان تخييلٌ وتسويل من التضليل. وكان لنبيِّنا - وَه ◌ِ سَكَتَاتٌ في
خلال قراءة القرآن عند انقضاء الآيات، فيتلَفَّظ الشيطانُ ببعض الألفاظ، فَمَنْ لم يكن
له تحصيلٌ تَوَهَّمَ أنه كان من ألفاظِ الرسولِ - عليه الصلاة والسلام وصار فتنةً لقومٍ.
أما - الذين أيدهم بقوة العصمة، وأدركتهم العناية فقد استبصروا ولم يُضِرْهُم
ذلك .
قوله جلّ ذكره: ﴿لُيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ فَرَضٌ وَالْقَاسِيَّةِ
قُلُوبُهُمْ وَإِنَ الظَِّينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ .
إذا أراد اللَّهُ بِعَبْدِه خيراً أمدَّه بنور التحقيق، وأَيَّده بحسن العصمة، فيميِّز بحسن
البصيرة بين الحق والباطل؛ فلا يُظلُّه غمامُ الرَّيْبِ، وينجلي عنه غطاءُ الغَفْلة، فلا تأثير
الضبابِ الغَداةِ في شُعاع الشمس عند متوع النهار، وهذا معنى قوله:
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ زَّيِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ
اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ
السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ بَأْنِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيرٍ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَِلُواْ
الصَّلِحَتِ فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ﴾.

٣٢٨
تفسير سورة الحج
لم يتخصصْ مُلْكه - سبحانه - بيوم، ولم تتحدد له وقتيةُ أَمْرٍ، ولا لجلاله قَدْرٌ،
ولكنَّ الدعاوى في ذلك اليوم تنقطعَ، والظنون ترتفع، والتجويزات تتلاشى؛
فللمؤمنين وأهل الوفاق نِعَمّ، وللكفار وأصحاب الشقاق نِقَم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِيرٌ
وَلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُوْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنَّأْ وَإِنَ اللَّهَ
لَهُوَ خَيْرُ الَّزِقِينَ﴾ :
هؤلاء لهم عذاب مهين، وهؤلاء لهم فضل مبين .
﴿وَلَِّيْنَ هَاجَرُواْ ... ): للقلوب حلاوةٌ العرفان، وللأرواح حُلَّةُ المحاب،
وللأسرار دوام الشهود .
قوله جلّ ذكره: ﴿ لَيُدْخِلَّهُمْ مُدْخَلًا يَّضَوْنَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ .
إدخالاً فوق ما يَتَمَنّونَه، وإبقاءً على الوصف الذي يُهْدَوْنه .. ذلك في أوان
صحوهم لينالوا لطائفَ الأَنْسِ على وصف الكمال، ويتمكنوا من قضايا البَسْطِ على
أعلى أحوال السرور .
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلٍ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُفِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ
أَنََّ إِنَ اللَّهَ لَعَفُؤُّ غَفُورٌ﴾ .
نَصْرُه - سبحانه - للأولياء نَصْرٌ عزيز، وانتقامه بتمام، واستئصالُه بكمال،
وإزهاقه أعداءَه بتمحيق جملتهم، وألا يحتاجَ المنصورُ إلى الاحتيالِ أو الاعتضادِ
بأشكال .
قوله جل ذكره: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّتْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ
الَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ .
كما في أفقِ العَالَم لَيْلٌ ونهار فكذلك للسرائر ليل ونهار؛ فعند التجلي نهار وعند
الستر ليل، ولليلِ السِّرَّ ونهاره زيادةٌ ونقصان، فبمقدار القبض ليلٌ وبمقدار البسط
نهارٌ، ويزيد أحدُهما على الآخرِ وينقص .. وهذا للعارفين. فأَمَّا المحقّقُون فَلَهُم
الأَنْسُ والهيبةُ مكانَ قبضٍ قوم وبَسْطِهم، وذلك في حَالَيْ صحوهم ومحوهم، وپزید
أحدهما وينقص، ومنهم من يدوم نهارُه ولا يد . .. لمه ليلٌ .. وذلـ لأهل الأُنْس
فقط .
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ
الْبَطِلُ وَأَنَ اَللَّهَ هُوَ اَلْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾.
إذا بدا عِلْمٌ من الحقائق حَصَلَت بمقداره شظية من الفناء لِمَنْ حَصَلَ له التجلي،

٣٢٩
تفسير سورة الحج
ثم يزيد ظهورُ ما يبدو ويغلب، وتتناقصُ آثارُ التفرقة وتتلاشى، قال: ومَ *: ((إذا أقبل
النهارُ من ها هنا أدبر الليلُ من ها هنا» فإذا نأى العبدُ بالكليةِ عن الإحساسِ بما دون
اللَّهِ فلا يشهد أولاً الأشياءَ إلا للحقُ، ثم لا يشهدها إلا بالحقَّ، ثم لا يشهد إلا
الحق .. فلا إحساسَ له بغير الحق، ومِنْ جملة ما ينساه .. نَفْسُه والكونُ كله.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ تُخْضَزَّةً
إِنَ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ﴾ .
ماءُ السماءِ يحيي الأرض بعد موتها، وماءُ الرحمةِ يحيي أحوال أهلِ الزَّلةِ بعد
تَرْكِها، وماءُ العناية يحيي أحوال ( ... )(١) بعد زوال رونقها، وماء الصولة يحيي أهل
القربة بعد نضوبها .
قوله جلّ ذكره: ﴿الَُّ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾.
المُلْكُ له، وهو عن الجميع غني، فهو لا يستغني بمُلْكُه، بل مُلْكُه بصير
موجوداً بخَلْقِه إياه؛ إذ المعدوم له مقدور والمقدور هو المملوك.
ويقال كما أنه غنيٍّ عن الأجانب ممن أثبتهم في شواهد الأعداء فهو غنيٍّ عن
الأكابر وجميع الأولياء .
ويقال إذا كان الغيُّ حميداً فمعنى ذلك أنه يُعْطِي حتى يُشْكَر.
ويقال الغنيُّ الحميد المستحِقُّ للحمد: أعطى أو لم يُعْطِ؛ فإن أَعْطى استحقَّ
الحمدَّ الذي هو الشكر، وإنْ لم يُغْطِ استحق الحمد الذي هو المدح.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُ مَّا فِى الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَّجْرِى فِى الْبَحْرِ بِأَمِّ.
وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ إِنَّ اللَّه ◌ِلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ نَحِيمٌ﴾ .
أراد به تسخيرَ الانتفاع بها؛ فما للخَلْقِ به انتفاع ومُيَسَّرٌ له الاستمتاع به فهو
كالمُسْخِّرِ له على معنى تمكينه منه، ثم يُرَاعَى فيه الإذنُ؛ فَمَنْ استمتع بشيءٍ على وجه
الإباحة والإذن والدعاء إليه والأمر به فذلك إنعامٌ وإِكرامٌ، ومَنْ كان بالعكس فمكْرٌ
واستدراج.
وأمَّا السفينة .. فإلهامُ العبد بصنعها ووجوه الانتفاع بها؛ بالحَمْل فيها وركوبها
فَمِنْ أعظم إحسان الله وإرفاقه بالعبد، ثم ما يحصل بها من قَطْع المسافات البعيدة،
والتوصل بها إلى المضارب النائية، والتمكن من وجوه الانتفاع ففي ذلك أعظمُ نعمة،
وأكملُ عافية.
(١) بياض في الأصل.

٣٣٠
تفسير سورة الحج
وجعل الأرضَ للخَلْقِ قراراً من غير أن تميد، وجعل السماءَ بناء من غير وقوع،
وجعل فيها من الكواكب ما يحصل به الاهتداء في الظلام، ثم هي زينة السماء - وفي
ذلك من الأدلة ما يوجب ثَلَجَ الصدر وبَرْدَ اليقين.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِى أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِئُكُمْ ثُمَّ يُحِيْكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ
نَكَفُورٌ﴾ .
إِحياءُ النفوسِ وإماتتها مراتٌ محصورةٌ، وإحياءُ أوقاتِ العُبَّاد وإماتتها لا حَصْرَ له
ولا عَدَّ، وفي معناه أنشدوا.
أموتُ إذا ذكرتُك ثم أحيا فكم أحيا عليكَ وكم أموتُ
ويقال يُخيي الآمالَ بإِشهادِ تفضله، ثم يميتها بالإطلاع على تَعَزِّزِه.
ويقال هذه صفة العوام منهم، فأمَّا الأفاضل فحياتُهم مسرمدة وانتعاشهم مؤبَّد.
وأنَّى يحيا غيرُه وفي وجوده - سبحانه - غُنْيَةٌ وخَلَفٌ عن كل فائت؟
قوله جلّ ذكره: ﴿لِّكُلّ أُمَقٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُونٌ فَلَا يُنَزِعُنَّكَ فِ آلْأَمْيِّ وَآَدْعُ
إِلَى رَبِكٌ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى تُسْتَّقِيمٍ﴾.
جَعَلَ لكلِّ فريقِ شِرْعةً هم واردوها، ولكلّ جماعةٍ طريقةٌ هم سالكوها.
وجعلِ لكلِّ مقام سُْانَه، ولكلِّ محلٌ قُطَّانَه، فقد ربط كُلّ بما هو أهلٌ له،
وأوصل كلاًّ إلى ما جعله محلاً له؛ فبساط التَّعَبُّدِ موطوءٌ بأقدام العابدين، ومشاهد
الاجتهاد معمورةٌ بأصحاب التكلف من المجتهدين، ومجالسٌّ أصحابِ المعارفِ
مأنوسةٌ بلزوم العارفين، ومنازلُ المحبين مأهولةٌ بحضور الواجدين.
قوله: ﴿فَلَا يُتَزِّعُنَّكَ فِ آلْأَمْيِّ ... ﴾ اشْهَدْ تصاريفَ الأقدار، واعمل بموجب
التكليف، وانتِه دون ما أُذِنْتْ له من المناهل.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن جَدَلُوكَ فَقُلِ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
كِلْهُم إلينا عندما راموا من الجدال، ولا تتكل على ما تختاره من الاحتيال،
واحذر جنوحَ قلبك إلى الاستعانة بالأمثال والأشكال، فإِنهم قوالبُ خاويةٌ، وأشباح
عن المعاني خالية .
قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَصِكُمْ يَوْمَ الْقَئِمَةِ فِيمَا كُتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ .
أَمَّا الأجانب فيقول لهم: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَيِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، وأمّا
الأولياء فقومٌ منهم يحاسبهم حساباً يسيراً، وأقوام مخصوصون يقول لهم: بيني وبينكم
حساب؛ فلا جبريلَ يحكم بينهم ولا ميكائيل، ولا نبيِّ مرسَلٌ، ولا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ.

٣٣١
تفسير سورة الحج
﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يحكم بينهم فيسأل عن أعماله جميعَ خصمائه، ويأمر
بإرضاء جميع غُرَمَائِه .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَّمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضُِّ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ
إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
يعلم السِّرَّ والنجوى، وما تكون حاجةُ العبدِ له أَمَسَّ وأقوى، وبكلِ وجهٍ هو
بالعبد أَوْلى، وله أن يحمل له النُّغْمى، ويزيل عنه البَلْوى، ولا يسمع منه الشكوى،
فله الحُكْمُ تبارك وتعالى.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًّا وَمَا لَيْسَ لَهُ بِهِ، عِلْمُ وَمَا
لِلَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ .
الآية تشير أَنَّ مَنْ جملة خواصُه أفرده - سبحانه - ببرهان، وأَيَّده ببيان، وأعزَّه
بسلطان. ومَنْ لا سلطانَ له يمتد إليه قَهْرُه، ومن لا برهان له ينبسط عنه - إلى غيره -
نورُه، فهو بمغْزِلٍ عن جملته .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَلْتُنَا بَيِّنَتٍ تَعْرِفُ فِىِ وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ
الْمُكَرِّ مَكَادُونَ يَسْطُونَ بِلَِّينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَاْ قُلْ أَفَأُنَبِئُكُمْ بِشَرٍ مِنِ ذَلِكُ النَّارُ
وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيْنَ الْمَصِيرُ﴾ .
لِسَمَاعِ الخطابِ أَثَرٌ في القلوبِ من الاستبشارِ والبهجة، أو الإنكار والوحشةِ. ثم
ما تخامره الَسرائرُ يلوحُ على الأسِرّةِ في الظاهر؛ فكانت الآياتُ عند نزولِها إذا تُلِيَثْ
على الكفارِ يلوح على وجوهِهِم دُخَانُ ما تنطوي عليه قلوبُهم من ظلماتِ التكذيب،
فما كان يقع عليهم طَرْفٌ إلَّا نَبَّأ عن جحودهم، وعادت إلى القلوب الثُّبُوءَةُ عن
إقلاعهم .
ثم أخبر أنَّ الذي هم بصَدَدِه في الآخرةِ من أليم العقوبةِ شرٌّ بكل وجهٍ لهم مِمَّا
يعود إلى الرائين لهم عند شهودهم. وإنّ المناظِرَ الوضيئةَ للرائين مُبْهِجةٌ، والمناظِرَ
المُنْكَرَةَ للناظرين إليها موحِشَّة.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَّ وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ
الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ .
نَبِه الأفكارَ المُشتَّتَةَ، والخواطرَ المتفرقة على الاستجماع لِسماع ما أراد تضمينه
فيها؛ فاستحضرها فقال: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُّ ... ﴾.
ثم بيَّنَ المعنى فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي وتسمونها آلهة أنها

٣٣٢
تفسير سورة الحج
للعبادة مستحقة لن يخلقوا بأجمعهم مذباباً، ولا دونَ ذلك. وإنْ يسلبهم الذبابُ شيئاً
بأن يقع على طعام لهم فليس في وسعهم استنقاذهم ذلك منه، ومَنْ كان بهذه الصفة
فَسَاءَ الْمَثَلُ مَثلُهم، وضَعُفَ وصفُهم، وقَلَّ خَطَرُهم.
ويقال إن الذي لا يقاوم ذباباً فيصير به مغلوباً فأَهْوِن بِقَدْرِه!
قوله جل ذكره: ﴿مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِيَّةً إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ .
ما عرفوه حقَّ معرفتِه، ولا وصفوه بجلال ما يستحقه من النعوت. ومَنْ لم يكن
في عقيدته نَقْضّ لِمَا يستحيل في وصفه - سبحانه - لم تُباشِرْ خلاصةُ التوحيدِ سِرَّه،
وهو في تَرَجُم فِكْرٍ، وتجويز ظنٍ، وخَطَرَ تعَسُّف، يقعُ في كل وهدة من الضلال.
ويقال العوامُ اجتهادُهم في رَفْضِهم الأعمالَ الخبيثةَ خوفاً من الله، والخواص
جهدهم في نَقْضِ عقيدتهم للأوصافِ التي تَجِلُّ عنها الصمدية، وبينهما ( .... )(١) بعيد.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ﴾ قوي أي قادر على أن يُخلقَ مَنْ هو فوقهم في التحصيل وكمال
العقول. ﴿عَزِيرُ﴾: أي لا يُقَدْرُ أحدٌ قَدْرَه - إلا بما يليق بصفة البشر - بِقَدرٍ من العرفان.
ويقال مَنْ وَجَدَ السبيلَ إليه فليس النعت له إلا بوصفِ القُصُور، ولكنْ كلِّ
بِوَجْدِهِ مربوطٌ، وبحدِّه في همته موقوف، والحق سبحانه عزيز.
قوله جلّ ذكره: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِنَّ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
بَصِيرٌ﴾.
الاجتباء والاصطفاءُ من الحق سبحانه بإثبات القَدْرِ، وتخصيص الطَّوْلِ،
وتقديمهم على أشكالهم فى المناقب والمواهب.
ثم بعضهم فوق بعضٍ درجاتٍ؛ فالفضيلةُ بحقُ المُرْسِلِ، لا لخصوصيةٍ في
الخِلْقَةِ في المُرْسَلِ .
قوله جلّ ذكره: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمُّ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ .
يعلم حالهم ومآلَهم، وظاهرهَم وباطنهم، ويومّهم وغدَهم، ويعلم نَقْضَهم
عَهْدَهم؛ فإليه مُنْقَلَبُهم، وفي قبضتِهِ تَقلَّبُهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ
الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
الركوعُ والسجودُ والعبادةُ كُلُّها بمعنى الصلاة؛ لأنَّ الصلاةَ تشتمل على هذه
الأفعال جميعها، ولكنْ فَرَقَها في الذكر مراعاةً لقلبِكَ من الخوف عند الأمر بالصلاة؛
(١) بياض في الأصل.

٣٣٣
تفسير سورة الحج ..
-
فَقَسَّمها ليكونَ مع كلٌ لفظةٍ ومعنى نوعٌ من التخفيف والترفيه، ولقلوبِ أهلِ المعرفةِ
في كل لفظةٍ راحة جديدة.
ويقال لَوَّنَ عليهم العبادةَ، وأَمَرَهم بها، ثم جميعُها عبادةٌ واحدةٌ، ووَعَدَ عليها
من الثوابِ الكثيرِ ما تقْصُرُ عن عِلْمِه البصائر.
ويقال عَلِمَ أَنَّ الأحبابَ يُحِبُّونِ سماعَ كلامِهِ فَطَّوَلَ عليهم القولَ إلى آخر الآية؛
ليزدادوا عند سماع ذلك أُنَسَاً على أَنْسٍ، ورَوْحَاً على روح، ومُعَادُ خطابِ الأحبابِ
وهو رَوْحُ رُوحهم، وکمالُ راحتهم .
ثم قال بعد هذا: ﴿وَفْعَلُوْ اْلْخَيْرَ﴾ فأدخل فيه جميعَ أنواع القُرَبِ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اَللَّهِ حَقَّ حِهَاِنْ﴾ .
﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾: حق الجهاد ما وافق الأمر في القَدْرِ والوقتِ والنوعِ، فإِذا
حَصَلَتْ في شيءٍ منه مخالفةٌ فليس حَقَّ جهاده.
ويقال المجاهدة على أقسام: مجاهدةٌ بالنَّفْسِ، ومجاهدةٌ بالقلبِ، ومجاهدةٌ
بالمال. فالمجاهدةُ بالنفس ألا يَدَّخِرَ العبدُ ميسوراً إلاَّ بَذَلَه في الطاعة بتحمل المشاق،
ولا يطلب الرخص والإرفاق. والمجاهدةُ بالقلب صَوْنُه عن الخواطرِ الرديئةِ مثل
الغفلة، والعزمُ على المخالفات، وتذكرُ ما سَلَفَ أيام الفترة والبطالات. والمجاهدة
بالمال بالبذل والسخاء ثم بالجود والإيثار.
ويقال حق الجهاد الأخذ بالأشق، وتقديم الأشق على الأسهل - وإن كان في
الأَخَفِّ أيضاً حق .
ويقال حق الجهاد ألا يَفْتُرَ العبدُ عن مجاهدةِ النَّفْس لحظةً، قال قائلُهم:
فكلُ أرضٍ لي ثَغْر طرسوس
يا رَبِّ إِنَّ جهادي غيرُ مُنْقطِعٍ
قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ أَحْتَبَئِكُمْ﴾
يحتمل أنه يقول مِنْ حَقِّ اجتبائه إياكم أَنْ تُعَظِمُوا أَمْرَ مولاكم .
ويحتمل أن يقال هو الذي احتباكم، ولولا أنه اجتباكم لَمَا جَاهَدْتُم، فلاجتبائه
إياك وَفَقَكَ حتى جاهدتَ.
ويقال عَلَم ما كنت تفعله قبل أَنْ خَلَقَكَ ولم يمنعه ذلك مِنْ أَنْ يَجْتَبِيَكَ،
وكذلك إِنْ رأى ما فَعَلْتَ فلا يمنعه ذلك أَنْ يتجاوزَ عنك ولا يعاقبك.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الْذِينِ مِنْ حَجَّ﴾ .
الشرع مبناه على السهولة، والذي به تصل إلى رضوانه وتستوجِب جزيلَ فضله
وإحسانه، وتتخلّص به من أليم عقابه وامتحانه ـ يسيرٌ من الأمر لا يستغرق كُنْه

٣٣٤
تفسير سورة الحج
إمكانك؛ بمعنى أَنَّك إِنْ أَرَذْتَ فِعْلَه لَقَدَرْتَ عليه، وإنْ لم تِوصَفْ في الحال بأنَّك
مستطيعٌ ما ليس بموجودٍ فيك.
قوله جلّ ذكره: ﴿مِلَّةَ أَبِكُمْ إِزِيمٌ﴾ .
أي اتَّبِعوا والزَمُوا مِلَةَ أبيكم إبراهيم عليه السلام في البَذْلِ والسخاء والجود
والخلة والإحسان.
قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ سَنَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلٌ وَفِ هَذًا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ .
اللَّهُ هو الذي اجتباكم، وهو الذي بالإسلام والعرفان سَمَّاكم المسلمين. وقيل
إبراهيم هو الذي سماكم المسلمين بقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِيَّتِنَا أُمَّةُ مُسْلِمَةٌ لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].
قوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾، نَصَبَ الرسولَ بالشهادة علينا، وأمره
بالشفاعة لأمته، وإنما يشهد علينا بمقدار ما يُبْقى للشفاعة موضعاً ومحلاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِنَّ﴾.
وتلك الشهادة إنما نؤديها لله، ومَنْ كانت له شهادة عند أحد - وهو كريم - فلا
يجرح شاهده، بل يسعى بما يعود إلى تزكية شهوده.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَعْتَصِمُواْ بِلَّهِ هُوَ مَوْلَئِكٍُ فَنِعْمَ اَلْمَوْلَى
وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ .
أقيموا الصلاة وآتوا الزكاةَ بحكم الإتمام، ونعت الاستدامة، وجميل الاستقامة.
والاعتصامُ بالله التبري من الحول والقوة، والنهوض بعبادة الله بالله لله. ويقال
الاعتصام بالله التمسكُ بالكتاب والسنة. ويقال الاعتصامُ بالله حُسْنُ الاستقامة بدوام
الاستعانة .
﴿هُوَ مولنگ۶﴾: سیدکم وناصرکم والذي لا خلف عنه.
﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ نِعْمَ المولى: إخبارُ عن عظمته، ونعم النصير: إخبارُ
عن رحمته .
ويقال إن قال لأيوب: ﴿نِعْمَ الْعَبْدٌ﴾ [ص: ٤٤] ولسليمان: ﴿نِعْمَ الْعَبْدٌ﴾
[ص: ٣٠] فلقد قال لنا: ﴿نِعْمَ اَلْمَوْلَى وَعْمَ النَّصِيرُ﴾، ومدحه لِنفسه أعزُّ وأجلُ من
مدحه لك.
ويقال: ﴿نِعْمَ اٌلْمَوْلَى﴾: بَدَأَكَ بالمحبة قبل أنْ أحببتَه، وقبل أن عَرَفْتَه أو طَلَبْتَه أو
عَبدته .
﴿وَعْمَ النَّصِيرُ﴾: إذا انصرف عنكَ جمع مَنْ لَكَ فلا يدخل القبرَ معك أحدٌ كان
ناصِرَك، ولا عند السؤال أو عند الصراط .

السورة التي يذكر فيها المؤمنون
قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
الاسم اشتقاقه من السمو، وللمسمى بهذا الاسم استحقاقُ العلو، فالاسم اسم
السموُه من القِدَم، والحقُّ حقٌّ لعلوّه بحق القِدَم.
ويقال مَنْ عرف ((بسم الله)) سمت هِمَّتَهُ عن المرسومات، ومَنْ أَحبَّ بسم الله
صَفَتْ حالته عن مساكنة الموهومات .
اسمٌ مَنْ طَلَبَه نَسِيَ من الدارين أَرَبّه، ومَنْ عَرَفَه وَجَدَ بقلبه ما لا يعرِفِ سَبَه.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾ .
ظَفِرَ بِالْبُغْيَةِ وفاز بالطُّلْبَةِ مَنْ آمَنْ بالله .
و (الفَلَاحُ)»: الفوزُ بالمطلوبِ والظَّفَرُ بالمقصود.
والإيمانُ انتسامُ الحقِّ في السريرة، ومخامرةُ التصديقِ خلاصةً القلب،
واستمكانُ التحقيقِ من تأمور(١) الفؤاد.
والخشوعُ في الصلاة إطراقُ السِّرِّ على بِساطِ النَّجوى باستكمالٍ نَعْتِ الهيبة،
والذوبانِ تحت سلطان الكشف، والامتحاءِ عند غَلَبَاتِ التَّجلّي.
ويقال أَذْرَكَ ثَمَرَاتِ القُرْبِ وفَازَ بكمالِ الأنْسٍ مَنْ وَقَفَ على بساط النجوى
بنعت الهيبة، ومراعاةٍ آداب الحضرة. ولا يَكْمْلُ الأَنْسُ بلقاءِ المحبوب إلا عند فَقْدٍ
الرقيب. وأشدُّ الرقباء وأكثرهم تنغيصاً لأوان القرب النَّفْسُ؛ فلا راحةً للمُصَلِّي مع
حضورٍ نَفْسه، فإذا خنس عن نَفْسِه وشاهِدِهِ عَدِمَ إحساسَه بآفاتِ نَفْسِه، وطابَ له
العيشُ، وتَمَّتْ له النَّعْمَى، وتَجلَّتَ له البُشْرى، ووَجَدَ لذَّةَ الحياةِ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ عَنِ الّغْرِ مُعْرِضُونَ﴾.
ما يَشغْلُ عن الله فهو سَهْوٌ، وما لي لله فهو حَشْوٌ، وما ليس بمسموع من الله أو
بمعقولٍ مع الله فهو لَغْوٌ، وما هو غير الحق سبحانه فهو كُفْرٌ، والتعريجُ علَى شيءٍ من
هذا بُعْدٌ وهَجْرٌ.
(١) التامور: دم القلب وحبّته وحياته، وقيل: هو القلب نفسه. (لسان العرب ٣٣/٤ مادة: أمر).
٣٣٥

٣٣٦
تفسير سورة المؤمنون
ويقال ما ليس بتقريظِ الله ومَذْحِه من كلام خُلْقِه فكل ذلك لغو.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَِّيْنَ هُمْ لِلْزَّكَوَةِ فَعِلُونَ﴾ .
الزكاةُ الثَّمَاءُ، ومَنْ عَمَلُه للنماءِ فأمارةُ ذلك أن يكونَ بنقصانه في نفْسِه عن
شواهده ولا يبلغ العبدُ إلى كمالِ الوصفِ في العبودية إلا بذوبانه عن شاهده.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِفُونٌّ إلَّا عَلَ أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُهُمْ
فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ .
لفروجهم حافظون ابتغاءَ نَسْلٍ يقوم بحقُ اللَّهِ، ويقال ذلك إذا كان مقصودُه
التعففَ والتصاونَ عن مخالفاتِ الإثم.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ .
أي مَنْ جَاوزَ قَصْدَ إيثار الحقوق، وجَنَحَ إلى جانب استيفاء الحظوظ ... فقد
تَعَدَّى مَحَلَّ الأكابر، وخالف طريقتهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَنِهِمْ وَعَهْدِهِمْ زَعُونَ﴾ .
الأماناتُ مختلفةُ، وعند كلِّ أحدٍ أمانةٌ أخرى، فقومٌ عندهم الوظائفُ
بظواهرهم، وآخرون عندهم اللطائف في سرائرهم، ولقوم معاملاتُهم، ولآخرين
منازلاتهم، ولآخرين مواصلاتهم.
وكذلك عهودهم متفاوتة فمنهم مَنْ عاهده ألا يَعْبُدَ سواه، ومنهم مَنْ عَاهَده ألا
يشهدَ في الكونين سواه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَِّيْنَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِقُلُونَ﴾ .
لا تصادفهم الأوقات وهم غير مستعدين، ولا يدْعُوهم المُنَادِي وهم ليسوا
بالباب، فهم في الصف الأول بظواهرهم، وكذلك في الصف الأول بسرائرهمْ.
قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُنَّ الَّذِينَ يَرِثُونَ آلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
الإرث على حسب النَّسب، وفي استحقاق الفردوسِ بوصف الإرثِ لِنَسَبٍ
الإيمان في الأصل، ثم الطاعات في الفضل.
وكما في استحقاق الإرث تفاوتٌ في مقدار السهمان: بالفرض أو بالتعصيب -
فكذلك في الطاعات؛ فمنهم مَنْ هم في الفردوس بنفوسهم، وفي الأحوال اللطيفة
بقلوبهم، ثم هم خالدون بنفوسهم وقلوبهم جميعاً لا يبرحون عن منال نفوسهم ولا
( ... )(١) عن حالات قلوبهم.
(١) بياض في الأصل.

٣٣٧
تفسير سورة المؤمنون
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِسَنَ مِنِ سُلَلَةٍ مِن طِينٍ﴾ .
عَرَّفهم أصلَهم لئلا يُعْجَبُوا بِفْعلهم.
ويقال نَسَبَهُم لئلا يخرجوا عن حَدِهم، ولا يغلطوا في نفوسهم.
ويقال خَلَقَهم من سُلالَةٍ سُلَّتْ من كل بقعه؛ فمنهم مَنْ طينته من جَرْدَةٍ(١) أو من
سَبْخَةٍ أو من سَهْلٍ، أو من وَغْرٍ ... ولذلك اختلفت أخلاقهم.
ويقال بَسَطَ عُذْرَه عند الكافة؛ فإنَّ المخلوقَ من سلالة من طين ... ما الذي
يُنْتَظرُ منه؟!
ويقال خلقهم من سلالة من طين، والقَدْرُ للتربية لا للتربة .
ويقال خلقهم من سلالة ولكنَّ مَعْدِنْ المعرفةِ ومَرْتَعْ المحبةِ ومتعلقَّ العناية منه
لهم؛ قال تعالى: ﴿يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
ويقال خَلَقَهم، ثم من حالٍ إلى حالٍ نَقَلَهم، يُغَيِّر بهم ما شاء تغييره.
قوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُرَ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا اُلْعَلَقَةَ
مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا اَلْعِظَمَ لَحْمًا﴾ .
قطرةٌ أجزاؤُها متماثِلةٌ، ونُطْفَةٌ أبعاضُها متشاكِلة، ثم جعل بعضها لحماً وبعضَها
عَظْماً، وبعضَها شَعْراً، وبعضها ظُفْراً، وبعضها عَصَبَاً، وبعضها جِلْدَاً، وبعضها مُخّاً،
وبعضها عِزْقاً. ثم خَصَّ كُلِّ عضوٍ بهيئةٍ مخصوصةٍ، وكلَّ جُزْءٍ بكيفيةٍ معلومةٍ. ثم
الصفاتُ التي للإنسان خَلَقَها متفاوتةٌ، من السَّمْع واليَصَرِ والفِكْرِ والغَضَبِ والقدرةِ
والعلم والإرادةِ والشجاعةِ والحقد والجودِ والأوصافِ التي يتقاصر عنها الحَضْرُ
والعَدُّ.
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَاخَرْ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ اْخَلِفِينَ﴾ .
في التفاسير أنه صورة الوجه، ويحتمل ما تركب فيه من الحياة، واخْتُصَّ به
السَّمْع والبصر والعقل والتمييز، وما تفرَّد به بعضٌّ منهم بمزايا في الإلهام العام للعقل
وسائر الإدراكات.
ويقال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرَ﴾: وهو أَن ◌َيَّأهم لأحوالٍ عزيزة يُظْهِرها عليهم
بعد بلوغهم، إذا حصل لهم كما التمييز من فنون الأحوال؛ فلقوم تخصيصٌ بزينة
العبودية، ولقوم تحرُّرْ من رِقُ البشرية، ولآخرين تحقّقٌ بالصفاتِ الصّمدية بامتحائهم
عن الإحساس بما هم عليه وبه من الأحوال التي هي أوصاف البشرية.
(١) الجرد: من الأرض: ما لا نبات فيه (ج) أجارد.

٣٣٨
تفسير سورة المؤمنون
قوله جلّ ذكره: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ اْخَلِفِينَ﴾ .
خلق السمواتِ والأرضين بجملتها، والعرشَ والكرسيَّ، مع المخلوقات من
الجنة والنار بكليتها - ثم لمّا أخبر بذلك لم يعقبه بهذا التمدح الذي ذكره بعد نعت
خَلْقِه بني آدم تخصيصاً لهم وتمييزاً، وإفراداً لهم من بين المخلوقات.
ويقال إنْ لم يَقُلْ لَكَ إِنَّكَ أحسنُ المخلوقاتِ في هذه الآية فلقد قال في آية
أخرى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِىّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
ويقال إن لم تكن أنت أحسن المخلوقات وأحسن المخلوقين - ولم يُثْنِ عليك
بذلك فلقد أثنى على نفسه بقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ اْخَلِقِينَ﴾، وثناؤه على نفسه
وتمدحه بذلك أعزُّ وأجلُّ من أن يثني عليك.
ويقال لما ذكر نعتَك، وتاراتِ حالِكَ في ابتداء خَلْقَك، ولم يكن منك لسانُ
شكرٍ ينطق، ولا بيانُ مدح ينطلق ... نَابَ عنك في الثناء على نفسه، فقال: ﴿فَتَبَارََ
اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَسِّتُونَ﴾ .
أنشدوا:
القبر واللحد والثرى
آخر الأمر ما ترى
وأنشدوا :
ونحن بعد الموت في التقاضي
حياتُنا عندنا قروضٌ
كلٌ غريم بذاك راضي
لا بُدَّ مِنْ ردِّ ما اقترضنا
ويقال نعاك إلى نفسك بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُرْ بَعْدَ ذَلِكَ لَسِّتُونَ﴾ وكلُّ ما هو آتٍ
فقريب .
ويقال كسر على أهلِ الغفلة سطوةً غفلتهم، وقلَّ دونهم سيفَ صولتِهم بقوله:
ثم إنكم بعد ذلك لميتون، وللجمادِ مُضاهون، وعن المكنة والمقدرة والاستطاعة
والقوة لَمُبْعَدُون، وفي عِداد ما لا خَطَرَ له من الأمواتِ معدودون.
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ تُبْعَثُونَ﴾ .
فعند ذلك يتصل الحسابُ والعقابُ، والسؤالُ والعتابُ، ويتبين المقبولُ من
المردودِ، والموصولُ من المهجور.
ويومُ القيامة يومٌ خوَّفَ به العالَم حتى لو قيل للقيامة: ممن تخافين؟ لقالت من
القيامة. وفي القيامة ترى الناسَ سُكَارَى حَيَّارَى لا يعرفون أحوالَهم، ولا يتحققون بما

٣٣٩
تفسير سورة المؤمنون
تؤول إليه أمورهم، إلى أن يتبيَّنَ لكلِّ واحدٍ أَمْرُه؛ خَيْرُه وشَرّه: فيثقل بالخيرات
ميزانُه، أو يخف عن الطاعاتِ أو يخلو ديوانهُ. وما بين الموت والقيامة: فإِمَّا راحاتٌ
مُتَّصِلَة، أو آلام وآفاتٌ غير منفصلة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَغَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَيْعَ طَرَِّقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ﴾ .
الحقُّ - سبحانه - لا يستتر عن رؤيته مُذْرَكٌ، ولا تخفى عليه - من مخلوقاته -
خافية. وإنما الحُجُبُ على أبصارِ الخَلْقَ وبصائرهم؛ فالعادةُ جاريةٌ بأنه لا يخلق لنا
الإدراك لِمَا وراء الحُجُبِ. وكذلك إذا حلَّتْ الغفلةُ القلوبَ استولى عليها الذهول،
وانسدَّت بصائرها، وانتفت فهومها.
وفوقنا حُجُبٌ ظاهرة وباطنة؛ ففي الظاهر السمواتُ حجبٌ تحول بيننا وبين
المنازل العالية، وعلى القلوب أغشية وأغطية كالمُنية والشهوة، والإرادات الشاغلة،
والغفلات المتراكمة .
أمَّا المريدون فإذا أَظَلَّتْهُم سحائب الفَتْرَةِ، وسَكْنَ هيجانُ إرادتهم فذلك من
الطرائق التي عليهم.
وأما الزاهدون فإذا تحرّكَ بهم عِزْقُ الرغبة انْفَلَّتْ(١) قوة زهدهم، وضَعُفَتْ
دعائمُ صَبْرِهم، فَيَتَرَخَّصُون بالجنوح إلى بعضِ التأويلاتِ، فتعودُ رغباتهم قليلاً قليلاً،
وتَخْتُلُ رتَبَةُ عزوفهم، وتَنْهَدُّ دعائم زهدهم، وبداية ذلك من الطرائق التي خَلَقَ
فوقهم .
وأما العارفون فربما تِظِلُّهم في بعض أحايينهم وَقفةٌ في تصاعد سرِّهم إلى
ساحاتِ الحقائق، فيصيرون مُوقَفِين ريثما يتفضّلُ الحقُّ - سبحانه - عليهم بكفاية ذلك
فيجدون نفاذاً، ويرفع عنهم ما عاقهم من الطرائق.
وفي جميع هذا فإِنَّ الحقَّ سبحانه غيرُ غافلٍ عن الخلقِ، ولا تاركٍ للعِبادِ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَّةً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِ آلْأَرْضِّ وَإِنَّا عَلَى ذَهَارٍ بِه
لَقَدِرُونَ﴾ .
أنزل من السماءِ ماءَ المطر الذي هو سببُ حياةِ الأرضين، وذلك بقدرٍ معلوم.
ثم ... البلادُ مختلفةٌ في السَّقْي: فبعضها خِصْبٌ، وبعضها جَذْبٌ، وسَنةً يزيد وسَنَةً
ينقص، سنةً يفيض وسنةً يغيض .
كذلك أنزلنا من السماء ماء الرحمة فيحيي القلوب، وهي مختلفة في الشُّزب:
(١) الفَلَّ: الثلم في السيف. (اللسان ١١/ ٥٣٠ مادة: فلل).

٣٤٠
تفسير سورة المؤمنون
فمِنْ موسَّع عليه رزقه منه، ومِنْ مُضَيَّقٍ مُقَتَّرِ عليه. ومِن وقتٍ هو وقت سحِّ، ومنْ
وقتٍ هو وقت حَبْسٍ .
ويقال ماء هو صوب الرحمة يزيل به دَرنَ العُصاةِ وآثارَ زلّتِهم وأوضارَ عثرتِهم،
وماء هو سقي قلوبهم يزيل به عطّشَ تحيهم، ويحيي به موات أحوالهم؛ فَتَتْبُت في
رياض قلوبهم فنونُ أزهار البسط، وَصنوف أنوار الروح. وماءٌ هو شراب المحبة
فيخص به قلوباً بساحات القرب، فيزيل عنها به حشمة الوصف، ويسكن به قلوباً
فيعطلها عن التمييز، ويحملها على التجاسرِ ببذلِ الرُّوح؛ فإذا شربوا طَرِبوا، وإذا
طَرِبوا لم يُبالوا بما وَهَبوا.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُ بِه جَثَّتٍ مِّن ◌َّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ لَّكُمْ فِيَهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا
تَأْكُلُونَ﴾.
كما يحيي بماءِ السماءِ الغياضَ والرياض، ويصنّف فيها الأزهارَ والأنوارَ، وتثمر
الأشجارُ وتجري الأنهار ... فكذلك يَسْقِي القلوبَ بماءِ العرفان فتورق وتثمر بعدما
تزهر، ويؤتى أُكلّها: من طيب عيش، وكمالٍ بسطٍ، ثم وفورٍ هيبة ثم رَوْحِ أَنْسٍ،
ونتائجٍ تَجَلُ، وعوائد قُرْبٍ ... إلى ما تتقاصر العباراتُ عن شرحه، ولاً تطمع
الإشارات في حضره.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّ لَكُرْ فِ آلْأَنْعَِ لَعِبْرَةٌ تُنْفِيكُ مِمَا فِ بُعُونَهَا وَلَكُرُ فِيهَا مَنَفِعُ
كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾(١) .
الإشارات منه أنَّ الكدوراتِ الهاجمةَ لا عِبْرَةَ بها ولا مبالاة؛ فإنَّ اللَّبنَ الخالصَ
السائغَ يخرجُ من أخلاف الأنعام من بين ما تنطوي حواياها عليه من الوحشة، لكنه
صافٍ لم يؤثر فيه منها بحُكم الجِوار، وكذلك الصفاءُ يوجد أكثره من عين الكدورة؛
إذ الحقيقة لا يتعلق بها حقٌّ ولا باطل. ومَنْ أشرفَ على سِرِّ التوحيد تحقَّقَ بأنَّ ظهور
جميع الحدثان من التقدير، فتسقط عنه كلفة التمييز، فالأسرار عند ذلك تصفو،
والوقت لصاحبه لا يجفو.
﴿وَلِكُ فِيهَا مَنَفِعُ﴾: لازمةٌ لكم، ومتعدية منكم إلى كلٌ متصلٍ بكم:
إنِّي - على جَفَواتِها - بربِّها وبكلٌ مِتَّصِل بها مُتَوَسُلُ
قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَلَّهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ .
يحفظهم في الفينة في بحار القطرة، ويحفظهم في سفينة السلامة والعصمة في
(١) الآية (٢٠) لم ترد.