Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ تفسير سورة الكهف ولو قرع باب كَرمِه في الدنيا - حين وقَعتْ له الفترةُ - لأشكاه(١) عند ضرورته، وأنجاه من ورطته .. ولكنه رُبِط بالخذلان، ولُيُسَ عليه الأمرُ بحُكْمٍ الاستدراج. قوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِتَةٌ يَنَصُرُونَهُ﴾: مَنْ اشْتَهَرَ أمرُهُ بِسُخْطِ السلطانِ عليه لم ينظر إليه أحدٌ من الجُنْدِ والرعية، كذلك مَنْ وَسمَه الحقُّ بكيِّ الهَجْر لم يَرْثِ له مَلَكٌ ولا نبيٌّ، ولم يَخْمِه صديقٌ ولا وليٍّ . قوله جلّ ذكره: ﴿هُنَالِكَ الْوَيَةُ لِّهِ الْحَقِيَّ هُوَ خَيْرٌ نَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . هو الحقُّ المتفرْدُ بنعتِ ملكوته، لا يشرك في جلال سلطانه من الحدثان أحداً، وإذا بدا من سلطان الحقيقة شظية فلا دعوى ولا معنى لبشر، ولا وزن فيما هنالك لحدثان ولا خطر، كلًّا .. بل هو الله الخلّاق الواحد القهار. هنالك الولاية لله أي القدرة - والواو هنا بالكسر. وهنالك الولاية الله أي النصرة - والواو هنا بالفتح. قوله جل ذكره: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَ الْحَيَوِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَلَطَ بِ نَبَاثُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمَا نَذْرُوهُ الرَِّجُّ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ . مِنْ وَطَّنَ النَّفْسَ على الدنيا وبهجتها غَرتْه بأمانيها، وخدعته بالأطماع فيها. ثم إنها تُخْفى الصَّابَ في شرابها، والحنظل(٢) في عَسَلها، والسرابَ في مآربها؛ تَعِدُ ولا تفي بِعِدَاتِها، وتُوفِي آفاتُها على خيراتها .. نِعِمُها مشوبةً بِنِقَمِها، وبؤسُها مصحوبٌ بمأنوسها، وبلاؤها في ضمن عطائها. المغرورُ مَنْ اغتَرَّ بها، والمغبونُ مَنْ انخدع فيها . قوله جل ذكره: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَأْ﴾ . مَنْ اعتضد بعتاده، واغترَّ بأولاده، ونَسِيَ مولاه في أوان غَفَلَاتِهِ .. خَسِرَ في حاله، ونَدِمْ على ما فاته في مآله. ويقال زينةُ أهل الغفلة في الدنيا بالمال والبنين، وزينة أهل الوصلة بالأعمال واليقين .. فهؤلاء رُتَبُهم لظواهرهم .. وهؤلاء زينتهم لعبوديته، وافتخارهم بمعرفة ربوبيته . ويقال ما كان للنَّفْس فيه حُظُّ فهو من زينة الحياة الدنيا، ويدخل في ذلك الجاهُ وقبول المدح، وكذلك تدخل فيه جميع المألوفات والمعهودات على اختلافها وتفاوتها . (١) أشكى فلاناً: قبل شكواه. (٢) الحنظل: نبات عشبي بري حوليّ معترش من فصيلة القرعيات، ثمرته في حجم البرتقالة ولونها، فيها لب شديد المرارة. كان ولا يزال يُستعمل في الطب. ويُزرع في الحدائق الطبية . ٢٢٢ تفسير سورة الكهف ويقال ما كان للإنسان فيه شِرْبٌ ونصيبٌ فهو معلول: إن شئت في عاجله وإن شئت في آجله . قوله جلّ ذكره: ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرُّ أَمَلًا﴾ . وهي الأعمال التي بشواهد الإخلاص والصدق. ويقال ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ﴾: ما كان خالصاً لله تعالى غيرَ مُشوب بطمعٍ، ولا مصحوبٍ بِغَرَضٍ. ويقال ﴿ وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾: ما يلوح في السرائر من تحلية العبد بالنعوت، ويفوح نَشْرُه في سماءِ الملكوت. ويقال هي التي سبقت من الغيب لهم بالقربة وشريف الزلفة . ويقال هي ضياءُ شموس التوحيد المستكِنُ في السرائر مما لا يتعرَّضُ لكسوف الحجبة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرَهُمْ فَلَمْ تُغَادِّرَ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ . كما تُسيَّرُ جبالُ الأرض يوم القيامة فإنها تُفْتَلَع بموت الأبدال(١) الذين يديم بهم الحقُّ - اليومَ - إمساك الأرض، فهؤلاء السادة - في الحقيقة - أوتادُ العالَم. قوله: ﴿فَ تُغَادِرٌ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: الإشارة منه أنه ما من أحد إلا ويُسْقَى كأسَ المنية، ولا يغادر الحقُّ أحداً اليوم على البسيطة إلا وينخرط عن نظامه، وإِنَّ شَرَفَهم في الدرجات في تَوَقِيهم عن مساكنة الدنيا. قوله جلّ ذكره: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًا﴾ . يقيم كُلَّ واحدٍ يومَ العَرْضِ في شاهد مخصوص، ويُلْبِسُ كُلاَّ ما يُؤَهِّله له؛ فَمِنْ لباس تقوى، ومن قميصٍ هوى، ومن صِدَارٍ وَجْدٍ، ومن صُدْرَةِ محبة، ومن رداءٍ شوقٍ، ومن حُلَّة وُصْلَة . ويقال يجرّدهم عن كلٍ صفة إلا ما عليه نظرهم يوم القيامة. وينادِي المنادي على أجسادهم: هذا الذي أَتَّى وَوَجَدَ، وهذا الذي أَبَى وَجَحَدَ. وهذا الذي خالَفَ فَأَصَرَّ، وهذا الذي أنعمنا عليه فَشَكَرَ، وهذا الذي أَحْسَنًا إليه فَذَكَرَ. وهذا الذي أسقيناه شرابَنا، ورزقناه محابَّنا، وشَوَّقناه إلى لقائنا، ولَقَّيْنَاه خصائص رِعَائِنا. هــ وهذا الذي وَسَمْناه بِحَجبتنا، وحرمناه وُجُوهَ قربتنا. وألبسناه نطاق فراقنا، ومنعناه، توفيق وفاقنا، وهذا، وهذا ... وقال لي شُغْضَباً: مَنْ أنت يا رجلُ؟ واخجلتي من وقوفي وَسْطَ دارِهِمُ! (١) الأبدال: (عند الصوفية) إحدى طبقاتها، يزعمون أنه إذا مات بدل من الأبدال حل محله آخر. ٢٢٣ تفسير سورة الكهف قوله جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ جِئْتُهُوْنَا كَمَا خَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّهُم بَلْ زَعَمْتُمْ أَّن ◌َّجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ . جئتمونا بلا شفيعٍ ولا ناصر، ولا مُعينٍ ولا مُظاهِر. قوم يُقال لهم: سلامٌ عليكم ... كيف أنتم؟ وكيف وَجَدْتُم مقيلَكم؟ وكم إلى لقائنا اشتقتم! وقوم يُقال لهم: ما صنعتُم، وما ضَيَّعْتُم؟ ما قدَّمتُم، وما أخرتم؟ ما أعلنتم، وما أسررتُم؟ قُلْ لي بألسنةِ التنفّسِ(١) كيف أنت وكيف حالك؟ ويقال يجيب بعضهم عند السؤال فيُفْصِحون عن مكنون قلوبهم، ويشرحون ما هم به من أحوالٍ مع محبوبهم، وآخرون تملكهم الحيرة وتُسْكِتُهم الدهشة، فلا لهم بيان، ولا ينطق عنهم لسان. وآخرون كما قيل: قالت سکینةُ من هذا فقلت لها: أنا الذي أنتِ من أعدائه زَعمُوا قوله جلّ ذكره: ﴿وَوُضِعَ الْكِنَبُ فَرَى الْمُجْرِمِنَ مُشْفِفِينَ مِمَّا فِيهِ﴾. إنما يصيبهم ما كُتِبَ في الكتاب الأول وهو المحفوظ، لا ما في الكتاب الذي هو كتاب أعمالهم نَسَخَه ما في اللوح المحفوظ . ويقال إنْ عامَلَ عبداً بما في الكتاب الذي أثبته المَلَكُ عليه فكثيرٌ من عباده يعاملهم بما في كتاب المَلِكِ - سبحانه، وفرقٌ بين من يُعَامَل بما في كتاب الحقُّ من الرحمة. والشفقة وبين مَنْ يحاسبه بما كَتَبَ عليه المَلَكُ من الزَّلة . ويقال إذا حسابهم في القيامة يتصور لهم كأنهم في الحال، ما فارقوا الزَّلَة، وإن كانت مباشرةُ الزَّلةِ قد مَضَت عليها سنون كثيرة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَقُولُونَ ◌َوَيْلَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَأْ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ . يملك الحزنُ قلبَه لأنه يعلم أنه يرى في عمله سيئةً فهو في موضع الخجل لتقصيره. وإن رأى حسنةً فهو في موضع الخجل أيضاً لِقِلَّةٍ توقيره؛ فَخَجْلَةُ أَهلِ الصدقِ عند شهود حسناتهم توفي وتزيد على خجلة أهل الغفلة إذا عثروا على زَلَّاتهم. ويقال أصحابُ الطاعةِ إذا وجدوا ما قدَّموا من العبادات فمآلهم السرور والبهجة وحياة القلب والراحة، وأمَّا أصحاب المخالفات فإنما يجدون فيما قدَّموا (١) التنفس: تنفس نفساً طويلاً من تعب أو كرب. ٢٢٤ تفسير سورة الكهف مجاوزة الحدِّ ونقضَ العهْدِ، وما في هذا الباب من الزّلة وسوء القصد. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ أَسْجُدُوْ لِلَدَمَ فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبٌِّ﴾ . أَظْهَرَ للملائكة شَظِيَّة مما استخلص به آدم فسجدوا بتيسيرٍ من الله - سبحانه، وسَكَّرَ بَصَرَ اللعين فما شهد منه غير الْعَيْنِ ففسق عن أمر ربه، ولا صدق في قوله: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهٌ﴾ لمَا فَسَقَ عن الأمر، ولكن أَدركته الشقَّارة الأصيلة فلم تنفعه الوسيلة بالحيلة . قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَّهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِفْسَ لِلَّالِمِينَ بدلًا﴾ . في الآية إشارة إلى أَنَّ مَنْ يُفْرِذه بالولاية فلا يقتفي غَيْرَه ولا يخافُ غيرَه. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿°مَّ أَشْهَدِتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِينَ عَضُدًا﴾ . أكذب المنجمين(١) والأطباء الذين يتكلمون في الهيئات والطبائع بقوله: ﴿مّ أَشْهَدُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾: وبَيَّنَ أن ما يقولونه من إيجاب الطبائع لهذه الكائنات لا أصلَ له في التحقيق. ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ اٌلْمُضِلِينَ عَضُدًا﴾: أي لم أجعل للذين يُضِلُّون الناسَ عن دينهم بِشُبَهِهِمْ في القول بالطبائع حجةً، ولم أعطهم لتصحيح ما يقولونه برهاناً. ويقال إذا تقاصرت علونمُ الخَلق عن العلم بأنفسهم فكيف تحيط علومُهم بحقائق الصمدية، واستحقاقِه لنعوته إلا بمقدار ما يخصّهم به من التعريف على ما يليق برتبة كل أحد بما جعله له أهلاً؟ ويقال أخبر أَنَّ علومَهم تتقاصر عن الإحاطة بجميع أوصافهم وجميع أحوالهم وعن كُلِّ ما في الكون، ولا سبيلَ لهم إلى ذلك؛ ولا حاجةَ بهم إلى الوقوفَ على ما قَصَرَتْ علومُهم عنه، إذ لا يتعلّق بذلك شيء من الأمور الدينية. فالإشارة في هذا أن يَصْرِفُوا عنايتَهم إلى طلب العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإنه لا بُدَّ لهم - بحكم الديانة - من التحقق بها؛ إذ الواجبُ على العابد معرفة معبوده بما يزيل التردد عن قلبه في تفاصيل مسائل الصفات والأحكام . (١) جمع المنجّم: الناظر في النجوم بحسب مواقيتها وسيرها في طلوعها وغروبها ويستطلع من ذلك أحوال الكون . ٢٢٥ تفسير سورة الكهف قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾ . عِلمَ الحقُّ - سبحانه - أَنَّ الأصنامَ لا تغني ولا تنفع ولا تضر، ولكن يعرِّفهم في العاقبة بما يُصَيِّر معارفَهم ضرورية حَسْماً لأوهام القوم؛ حيث توهموا أنَّ عبادتهم للأصنام فيها نوع تقرب إلى الله على وجه التعظيم له كما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِيُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. فإذا تحققوا بذلك صدقوا في الندم، وكان استيلاء الحسرة عليهم، وذلك من أشد العقوبات لهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُّوَاِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ . إذا صارت الأوهامُ منقطعةً، والمعارفُ ضروريةً، والنارُ مُعَاينَةً استيقنوا أنهم واقعون في النار، فلا يُسْمَعُ لهم عُذْرٌ، ولا تنفع لهم حيلةٌ، ولا تُقْبَلُ فيهم شفاعة، ولا يؤخذ منهم فداء ولا عدل .. لقد استمكنت الخيبةُ، وغَلَبَ اليأسُ، وحَصَلَ القنوط، وهذا هو العذاب الأكبر. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ صَرَّقْنَا فِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثٍَّّ وَكَانَ آلْإِنْسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ . أوضح للكافة الحججَ، ولكن لَبَّسَ على قوم النهج فوقعوا في العِوَج. ﴿وَكَنَ آلْإِنْسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ الجَدَلُ في الله محمود مع أعدائه، والجدل مع الله شِرْكٌ لأنه صَرْفٌ إلى مخالفةٍ تُوهِمُ أن أحداً يعارض التقدير، وتجويزُ ذلك انسلاخُ عن الدِّين. ومن أمارات السعادة للمؤمن فَتْحُ بابِ العملِ عليه، وإِغلاقُ بابِ الجدل دونه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّآ أَنْ تَأْنَهُمْ سُنَّهُ الْأَوَِّينَ أَوْ بَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ . لا عُذْرَ لهم إذا لجأوا إلى ما تعاطوه من العصيان وتزكِ المبادرة إلى المأمور، ولا توفيقَ يساعدهم فيخرجهم عن حوار الداعي إلى عزم الفعل، فَهُمْ - وإن لم يكونوا بنعت الاستطاعة على ما ليسوا يفعلونه - ليسوا عاجزين عن ذلك؛ ولكنهم بحيث لو أن العبد منهم أراد ما أُمِرَ به لَتَأَبَّى منه ذلك، وتعذّر عليه؛ ففي الحال ليس بقادرٍ على ما ليس يفعله ولا هو عاجزٌ عنه، وهذا يسميه القوم حال التخلية وهي واسطة بين القدرة والعجز. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَبَُّدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ◌ِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ أَقِّ وَأَنَّخَذُوَأْ مَقِ وَمَا أُنْذِرُواْ هُوَا﴾ . صف د ٢٢٦ تفسير سورة الكهف أرسل الرسل - عليهم السلام - تترى، وأَيَّدَهم بالحجج والبراهين، وأمرهم بالإنذار والتخويف، والتشريف في عين التكليف، وتضمين ذلك بالتحقيق، ولكن سَعِدَ قومٌ باتباعهم، وشَقِيَ آخرون بخلافهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ أَظْلُ مِمَن ذُكْرَ بَِايَتِ رَبِهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَأُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوُ وَفِىّ ءَاذَانِمْ وَقْرَاً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوَاْ إِذَا أَبَدًا﴾ . لا أحدَ أظلمٌ مِمَّنْ ذُكِر ووُعِظَ بما لوَّح له من الآيات، وبما شاهده وعرفه من أمرٍ أُصْلِحَ أو شُغْلٍ كُفِيَ أو دعاءٍ أُجِيب له، أو سوء أدبِ حصل منه، فأُدُّبَ بما يكون تنبيهاً له، أو حصلت منه طاعة وكوفىء في العاجل إمَّا بمعنى وَجَدَه في قلبه من بَسْطٍ أو حلاوةٍ أو أُنْسٍ، وإما بكفاية شُغْلٍ أو إصلاح أمرٍ .. ثم إذا استقبله أمرٌ نَسِيَ ما عُومل به، أو أعرض عن تَذَكُرٍه، ونُّسِيَ ما قَدَّمَتْ يداه من خيره وشرِّه، فوجدَ في الوقت موجبه .. ومَنْ كانت هذه صِفَتُه جعل على قلبه ستراً وغفلة وقسوة حتى تنقطع عنه بركاتُ ما وُهِبَه . ويقال مَنْ أظلم ممن يستقبله أمرٌ مجازاةً لما أسلفه من تَرْكِ أَرَبِهِ فَيَتَّهِمُ رَبَّه، ويشكو مِما يلاقيه، وَيْنّسى حُزْمة الذي بسببه أصابه ما أصابه؟ وكما قيل: حتى إذا فاتَ أمرٌ عَاتَبَ القَدَرَا وعاجزُ الرأيٍ مِضياعٌ لِفُرصته قوله جلّ ذكره: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَدِذُ هُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا﴾ . ﴿اَلْغَفُورُ﴾: لأنه ذو الرحمة، ورحمته الأزلية أو جَبَتْ المغفرةَ لهم. ويقال ﴿اَلْغَفُورُ﴾: للعاصين من عباده، و﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بجميعهم فَيُصلح أحوالَ کافتهم. ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾: لعجَّل لهم العذابَ؛ أي عَامَلَهم بما استوجبوه من عصيانهم، فعجَّلَ لهم العقوبة، لكنه يؤخرها لمقتضى حكمته، ثم في العاقبة يفعل ما یفعل على قضية إرادته وحكمه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىْ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ . لمَّا لم يشكروا النّعم ولم يصبروا في المحن عَجَّلنا لهم العقوبة . ويقال لمَّا غَفَلُوا عن شهود التقدير، وحُرِمُوا رَوْحِ الرضا وَكَلْناهم إلى ظُلُماتٍ تدبيرهم، فطاحوا في أودية غفلاتهم. ٢٢٧ تفسير سورة الكهف قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَآ أَبْرَحُ حََّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُّبًا فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَبًا ﴾ . لما صَحَّتْ صحبة يوشع مع موسى عليهما السلام استحقَّ اسم الفتوة، ولذا قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ﴾ وهو اسم كرامة لا اسم علامة. جعل دخول السمك الماء علامة لوجود الخضر هنالك، ثم أدخل النسيان عليهما ليكون أبلغَ في الآية، وأَبْعَدَ من اختيار البَشّر. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنَّهُ مَاِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ . كان موسى في هذا السّفرِ مُتَحَمِّلاً، فقد كان سَفَر تأديب واحتمالٍ مشقةٍ، لأنه ذهب لاستكثار العلم. وحالُ طلب العلم حالُ تأديبٍ ووقتُ تُحمِّلٍ للمشقة، ولهذا لَحِقَهُ الجوعُ، فقال: ﴿لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ . وحين صام في مدة انتظار سماع الكلام من الله صبر ثلاثين يوماً، ولم يلحقه الجوعُ ولا المشقةُ، لأن ذهابَه في هذا السفر كان إلى الله، فكان محمولاً . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَّنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَبِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ وَأَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ عَمَا قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَيْخَّ فَأَرْتَذَا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ . طال عليهما السفر لأنهما احتاجا إلى الانصرافِ إلى مكانهما، ثم قال يوشع: ﴿وَمَّآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرُهُ﴾: الله - سبحانه - أَدْخَلَ عليه النسيانَ ليكونَ الصَّيْدُ من تكلفِه، ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَيَغْ﴾: يعني دخول السمك الماء وكان مشوياً؛ فصار ذلك معجزة له، فلما انتهيا إلى الموضع الذي دخل السمك فيه الماء لَقِيًا الخضر. قوله جلّ ذكره: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَاْ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ . إذا سَمَّى الله إنساناً بأنه عَبْدُه جَعَلَه من جملة الخواص؛ فإذا قال: ((عبدي)) جعله من خاص الخواص. ﴿مَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا﴾: أي صار مرحوماً من قِبَلِنا بتلك الرحمة التي خصصناه بها من عندنا، فيكون الخضر بتلك الرحمة مرحوماً، ويكون بها راحماً على عبادنا . ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَّا عِلْمًا﴾: قيل العلم من لدن الله ما يتحصل بطريق الإلهام دون التكلف بالتّطَلُّب. ويقال ما يُعَرِّف به الحقُّ - سبحانه - الخواصَ من عباده. ويقال ما يعرِّف به الحق أولياءه فيما فيه صلاح عباده. ٢٢٨ تفسير سورة الكهف وقيل هو ما لا يعود منه نَفْعٌ إلى صاحبه، بل يكون نفعُه لعباده مِمَّا فيه حقُّ الله - سبحانه . ويقال هو ما لا يَجِد صاحبُه سبيلاً إلى جحده، وكان دليلاً على صحة ما يجده قطعاً، فلو سألته عن برهانه لم يجد عليه دليلاً؛ فأقوى العلوم أبعدها من الدليل. قوله جلّ ذكره: ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَِّعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ . تَلَطَّفَ في الخطاب حيث سَلَكَ طريق الاستئذان، ثم صَرَّح بمقصوده من الصحبة بقوله: ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا﴾. إ ويقال إن الذي خُصِّ به الخضرُ من العلم لم يكن تَعَلَمْه من أستاذ ولا من شخص، فما لم يكن بتعليم أحد إياه .. متى كان يعلمه غيره؟ قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْزَ قَالَ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَّ أَعْضِى لَكَ أَمْرً ﴾ . سؤال بذلك العطف وجوابٌ بهذا العطف! ثم ندارك قلبَه بقوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطَ بِهِ، خُبْرً﴾؟، فأجابه موسى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِيّ ... ﴾ وعد من نفس موسى بشيئين: الصبر، وبأن لا يعصيّه فيما يأمر به، فأمَّا الصبر فَقَرَنَه بالاستنشاء بمشيئة الله فقال: ﴿سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ فصبر حتى وُجِدَ صابراً، فلم يقبض على يدي الخضر فيما كان منه من الفعل، والثاني قوله: ﴿وَلَّ أَعْضِى لَكَ أَمْرًا﴾: أطلقه ولم يُقْرِنْه بالاستنشاء، فما استنشأ لِأَجْله لم يخالفه فيه، وما أطلقه وقع فيه الخُلْفُ .. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَّكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ . فإنه ليس للمريد أن يقول: ((لا)) لشيخه، ولا التلميذ لأستاذه، ولا العاميّ للعالمِ المفتي فيما يفتي ويحكم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَنطَلَقَا حَتََّ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ . لما ركبوا الفُلْكَ خرقها وكان ذلك إبقاءً على صاحبها لئلا يرغبَ في السفينةِ المخروقةِ المَلِكُ الطامعُ في السفن. وقوله: ﴿لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ أي لتؤديَ عاقبةُ هذا الأمر إلى غَرَقِ أهلها؛ لأنه علم أنه لم يكن قَصَدَ إغراقَ أهلِ السفينةِ . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنََّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ . ٢٢٩ تفسير سورة الكهف -- أي أنت تنظر إلى هذا من حيث العلم، وإِنّا نُجْزِيه من حيث الحُكُم. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُدْرًا﴾ . طالبَه بما هو شرط العلم حيث قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾؛ لأن الناسيّ لا يدخل تحت التكليف، وأَيَّدَ ذلك بما قَرَنَ به قوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ فالمُتَمَكْنُ من حقه التكليف، ومَنْ لا يصحُّ منه الفعلُ والتَّرْكُ لا يتوجه ( ) (١) والناس من جملتهم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَانْطَلَقَا حَتََّ إِذَا لَقِيَا ◌ُلَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَثَلْتُ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ . كان بِخُلُقِ العلم واجباً على موسى - عليه السلام - قَصْرُه حيث يرى في الظاهر ظُلْماً، ولكن فيما عرف من حال الخضر من حقه التوقف ريثما يعلم أنه ألَمَّ بمحظورٍ أو مُباحٍ، ففي ذلك الوقت كان قلب العادة. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ قَالَ أَلَّ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ . كرَّر قوله: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ... ) لأنه واقف بشرط العلم، وأمَّا في محل الكشف فَشَرَطَ عليه موسى عليه السلام فقال: قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَنْ شَىٍْ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِبْنِّ قَدْ بَغْتَ مِن لَّدُنِ عُذْرًا﴾ . بلغ عصيانه ثلاثاً؛ والثلاثةُ آخِرُ حَدُ القِلَّةِ وأَوَّلٌ حَدِّ الكثرة، فلم يَجِدْ الْمُسَامَحَةَ بعد ذلك. قوله جلّ ذكره: ﴿فَنَطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَفَامَةٌ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ . كان واجباً في ملتهم على أهل القرية إطعامهما، ولم يعلم موسى أنه لا جدوى من النكير عليهم؛ ولو كان أَغْضَى على ذلك منهم لكان أحسن. فلمَّا أقام الخضر جدارهم ولم يطلب عليه أجراً لم يقل موسى إنك قُمْتَ بمحظور، ولكنه قال له: ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي إن لم تأخذ بسببك فلو أخذت بسببنا لكان أَخْذُكَ خيراً لنا من تركك ذلك، ولئن وَجَبَ حقُّهم فَلِمَ أخللتَ بحقنا؟ ويقال إِنَّ سَفَرَه ذلك كان سفرَ تأديب فَرُدَّ إلى تَحَمُّلِ المشقة، وإِلَّ فهو حين سقى لبنات شعيب فإِنَّ ما أصابه من التعبِ وما كان فيه من الجوع كان أكثر، ولكنه (١) بياض في الأصل. ٢٣٠ تفسير سورة الكهف كان في ذلك الوقت محمولاً وفي هذا الوقت مُتَحَمِّلاً. فلما قال موسى هذا قال له الخضر : فوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبِِّكَ سَأُنْفِتُكَ بِنَّأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع ◌َلَّهِ صَبْرًا﴾. أي بعد هذا فلا صحبة بيننا. ويقال قال الخضر إِنَّك نبيٍّ .. وإنما أؤاخذك بما قُلْتَ، فأنت شَرَطْتَ هذا الشرط؛ وقلتَ: إِنْ سألتُك عن شيء بعدها فلا تصاحبني؛ وإنما أعاملك بقولك. ويقال لمّا لم يصبر موسى معه في تَرْكُ السؤال لم يصبر الخضرُ أيضاً معه في إدامة الصحبة فاختار الفراق. ويقال ما دام موسى عليه السلام سأله لأجل الغير - في أمر السفينة التي كانت للمساكين، وقَتْلِ النَّفْس بغير حق - لم يفارقه الخضر، فلمَّا صار في الثالثة إلى القول فيما كان فيه حَظَّ لنفسَه من طلب الطعام ابْتُلِيَ بالفرقة، فقال الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَنْكَّ﴾. ويقال كما أن موسى - عليه السلام - كان يحب صحبة الخضر لما له في ذلك من غرض الاستزادة من العلم فإن الخضر كان يحب تَرْكَ صحبة موسى عليه السلام إيثاراً للخلوة بالله عن المخلوقين. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَئِكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِبَهَا وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ . لما فارق الخضرُ موسى عليه السلام لم يُرِدْ أَنْ يبقى في قلبٍ موسى شِبْهُ اعتراضٍ؛ فأَزَالَ عن قلبه ذلك بما أوضح له من الحال، وكشف له أنَّ السِّرَّ في قصده من خَزَّقِ السفينة سلامتُها ويقاؤُها لأهلها حيث لن يطمعَ فيها المَلِكُ الغاصبُ، فبقَاءُ السفينةِ لأهلها - وهي معيبةٌ - كان خيراً لهم من سلامتها وهي مغصوبة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَهُ مُؤْمِنَّيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُّحْمًا ﴾ . بَيِّن له أَنَّ قَتْلَ الغلامِ لمَّا سَبَقَ به العلمُ مضى من الله الحُكْمُ أنَّ في بقائه فتنةٌ لوالديه، وفي إبدال الخَلَفِ عنه سعادةً لهما. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِفُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَّهُ كَغْ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوُهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَهُمَا وَيَسْتَخْرِمَا كَنزَهُمَا رَحْمَةٌ مِّن زَيْكَْ وَمَا فَعَلْهُ عَنْ أَمْرِىَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَنْطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا﴾(١). (١) الآيات من (٨٣ حتى ٨٩) لم ترد. ٢٣١ تفسير سورة الكهف أَما تسوية الجدار فلاستبقاءٍ كنز الغلامين وترك طلب الرفق من الخَلق . قوله جلّ ذكره: ﴿حَتَّىَ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ أَّْ نَجْعَل لَّهُم ◌ِن دُونِهَا سِْرمَ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خبرً﴾ . أقوامٌ هم أهل مطلع الشمس الغالب عليهم طولُ نهارهم، وآخرون كانوا من أهل مغرب الشمس الغالب عليهم استتار شمسهم .. كذلك الناس في طلوع شمس التوحيد: منهم الغالب عليهم طلوع شموسهم، والحضور نعتهم والشهود وصفهم والتوحيد حقّهم، وآخرون لهم من شموس التوحيد النصيب الأقل والقسط الأرذل . قوله جلّ ذكره: ﴿حََّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّذَّيْنِ وَجَّدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَولًا قَالُوْ يَذَا الْغَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَيْنَهُ سَنَّا قَالَ مَا مَكَّتِى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِينُونِ بِفُوَّةٍ أَبْعَلْ بَيْكُرُ وَبَتْهُمْ رَدْمًا ﴾ . أي ما كانوا يهتدون إلا إلى لسانٍ أنفسهم، وما كانوا يفقهون فقهَ غيرِهم فلجؤوا إلى عَبَرَاتهم(١) في شرح قصتهم، ورفعوا إليه - في باب ياجوج وماجوج - مظلمتَهم، وضمنوا له خراجاً يدفعونه إليه، فأجابهم إلى سؤلهم، وحقَّق لهم بُغْيَتَهم، ولم يأخذ منهم ما ضمنوا له من الجباية، لمَّا رأى أنَّ من الواجبِ عليه حق الحماية على حسب المُكْنَة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأُوِ زُبِرَ الْحَدِيدِ حََّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّلَغَيْنِ قَالَ أَنفُغُواْ حَقََّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُرِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ فِظْرًا﴾ . استعان بهم في الذي احتاج إليه منهم من الإمداد بما قال: ﴿مَاتُونِ زُبِرَ لَلْحَدِيدِ﴾ فلمَّا فعلوا ما أمرهم به، ونفخوا فيه النار جعل السد بين الصدفين أي جانبي الجبل. ثم أخبر أنه إنما يبقى ذلك إلى أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ له في الخروج، وتندفعَ عن الناس عادية ( ... )(٢) إلى الوقت المضروب لهم في التقدير. وبعد ذلك يكون مِنْ شأنهم ما يريد الله. وبيَّنَ - سبحانه - أَنَّ خروجهم من وراء سَدْهم مِنْ أشراط الساعة . قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعُْهُمْ فِى غِطٍَُّ عَن ذِكْرِى وَكَانُوْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْمًا﴾(٣) . نظروا بأعين رؤوسهم لأنهم فقدوا نظر القلب من حيث الاعتبار والاستدلال، (١) العبرات: (ج) العبرة: الدمعة قبل أن تفيض. (٢) بياض في الأصل. (٣) الآيات من (٩٧ حتى ١٠٠) لم ترد. ٢٣٢ تفسير سورة الكهف ولم يكن لهم سمع الإجابة لِمَا فقدوا من التوفيق، فتوجه عليهم التكليف ولم يساعدهم التعريف . قوله: ﴿وَكَانُوْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾: لأنهم فقدوا من قِبَلهِ - سبحانه - الإسماع؛ فلم يستطيعوا لهم القبول . قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنْ يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِيِّ أَوْلِيَ، إِنَّا أَعْنَدْنَا جَهَمَ لِلَكَفِنَ نُلاً﴾ . أي توهموا أنه ينفعهم ما فعلوه حسب ظنهم، واعتقدوا في أصنامهم استحقاق التعظيم، وكانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْغَ﴾ [الزمر: ٣]، يَحْسَبُونَ أَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ هَلْ تُنََّّكُمْ بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْمَةِ الدُّنْيَا﴾. ضلَّ سعيُهم لأنهم عَمِلُوا لغيرِ اللَّهِ. وما كان لغيرِ الله فلا ينفع . ويقال الذين ضلَّ سعيُهم هم الذين قَرَنُوا أعمالَهم بالرياء، ووصفوا أحوالَهم بالإعجاب، وأبطلوا إحسانهم بالملاحظات أو بالمَنِّ. ويقال هم الذين يُلاحِظُون أعمالهم وما مِنْهُم بعينِ الاستكثار. قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُمْ يَخْسَبُونَ أَنَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ . لم يكونوا أصحاب التحقيق، فعَمِلوا من غير عِلْم، ولم يكونوا على وثيقة (١). قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَّابِهِ، ◌َبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَ نُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾ . عموا عن شهود الحقيقة فبقوا في ظلمة الجحد، فتفرَّقَتْ بهم الأوهام والظنون، ولم يكونوا على بصيرة، ولم تستقرِ قلوبُهم على عقيدة مقطوع بها؛ فليس لهم في الآخرة وزنٌ ولا خَطَرٌ، اليومَ هم كالأَنْعام، وغداً واقعون ساقطونَ ( ... )(٢) الأقدام. قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ جَاؤُهُ جَهَنَُّ بِمَا كَفَرُواْ وَتَّخَذُوَأْ مَيَنِى وَرُلِى هُزُوًا﴾ . هم اليومَ في عقوبة الجحد، وغداً في عقوبه الردّ. اليوم هم في ذُلِّ الفراق، وغداً في أليم الاحتراق. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحْتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اَلْفِرْدَوْسِ نُوْلًا﴾. لهم جنات مُعَجَّلة سراً، ولهم جنان مؤجلة جهراً . (١) الوثيقة: ما يُحكم به الأمر (ج) وثائق. (٢) بياض في الأصل. ٢٣٣ - تفسير سورة الکھف اليوم جنان الوصل وغداً جنان الفضل. اليوم جنان العرفان وغداً جنان الرضوان. قوله جلّ ذكره: ﴿خَلِينَ فِهَا لَا يَبْغُونَ عَنَّهَا حَوَلًا﴾. عرَّفنا - سبحانه - أن ما يخوّله لهم غداً يكون على الدوام، فهم لا ينفكون عن أفضالهم، ولا يخرجون عن أحوالهم؛ فهم أبداً في الجنة، ولا إخراج لهم منها. وأبداً لهم الرؤية، ولا حجاب لهم عنها (١). قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّي لَنَهِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْقَدَ كَلِمَتُ رَبِ وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا﴾ . أي لا تُعَدُّ معاني كلمات الله لأنه لا نهاية لها؛ فإِنَّ متعلقاتِ الصفةِ القديمةِ لا نهاية لها؛ كمعلوماتِ الحق - سبحانه - ومقدوراته وسائر متعلقات صفاته . والذي هو مخلوقٌ لا يَسْتَوْفِي ما هو غير مُتَنَاءٍ - وإنْ كَثُرَ ذلك. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلَكُمْ يُوحَى إِلَّ أَنَّا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وٌَِّ﴾ . أَخْبِزْ أَنَّكَ لهم من حيث الصورة والجنسية مُشاكِلٌ، والفَرْقُ بينكَ وبينهم تخصيصُ الله - سبحانه - إياكَ بالرسالة، وتَركِه إياهم في الجهالة . ويقال: قل اختصاصي بما لي من (الاصطفاء)(٢)، وإن كنا - أنا وأنتم - في الصورة أكفاء. قوله جلّ ذكره: ﴿فَنْ كَانَ يَرْحُوْ لِقَاءَ رَيْهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةٍ رَبِّ أَحَدَأُ﴾ . حَمْلُ الرجاءِ في هذه الآية على خوف العقوبة ورجاء المثوبة حَسَنٌ، ولكنَّ تَرْكَ هذا على ظاهره أَوْلَى؛ فالمؤمنون قاطبةً يرجون لقاء الله. والعارف بالله - سبحانه - يرجو لقاء الله والنظر إليه . والعمل الصالح الذي بوجوده يصل إلى لقائه هو صَبْرُه على لواعج اشتياقه، وأَنْ يُخلِصَ في عمله. ﴿وَلَا يُثْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِِّ﴾: أي لا يُلاحِظُ عَمَلَه، ولا يستكثر طاعته، ويتبرأ من حَوْلِه وقُوَّتِه . ويقال العمل الصالح هنا اعتقاد وجود الصراط ورؤيته وانتظار وقته. (١) قال القشيري برسالته عند حديثه عن رؤية الله بالأبصار: فإن قيل: فهل تجوز رؤية الله بالأبصار في الدنيا على جهة الكرامة؟ فالجواب عنه: أن الأقوى فيه أنه لا يجوز لحصول الإجماع عليه. ولقد سمعت الإمام أبا بكر بن فورك يروي عن أبي موسى الأشعري أنه قال في ذلك قولان، وذلك في كتاب (الرؤية الكبير). (الرسالة القشيرية ص ٣٦٠). (٢) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. سورة مريم عليها السلام قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. بسم الله، اسم عزيز مَنْ عَبَدَه وَاصَلَ جِهَادَه، ومَنْ طَلَبَه وَذَّعَ وِسادَه، ومُنْ عَرَفَه أنكر أحبابَه. ومَنْ يَسَّر له أوقفه على محبته. مَنْ ذكره نَسِيَ اسِمّه، ومن شَهِدَه فَقَدَ عقلَه ولُبَّه. اسم عزيز جُبِلَتْ القلوبُ على محبته، وكل قلب ليس يوقفه على محبته، فليس بحيلةٍ يصل . اسمُ ما اتصفت أشباحُ الأبرارِ إلا بعبادته، وما اعتكفت أرواحُ الأحرار إلا بمشاهدته . اسم عزيز مَنْ عَرَفَه اعترف أنه وراء ما وصفه. قوله جل ذكره: ﴿كهيعص﴾. تعريفٌ للأحباب بأسرار معاني الخطاب، حروف خَصَّ الحقِّ المخاطب بها بفهم معانيها، وإذا كان للأخيار سماعُها وذِكْرُها، فللرسولِ - عليه السلام - فَهْمُها وسِرُّها . ويقال أشار بالكاف إلى أنه الكافي في الإنعام والانتقام، والرفع والوضع على ما سبق به القضاء والحُكم. ويقال في الكاف تعريفٌ بكونه مع أوليائه، وتخويفٌ بخّفي مَكْرِه في بلائه. ويقال في الكاف إشارة إلى كتابته الرحمة على نَفْسِه قبل كتابة الملائكة الزَّلَّةَ على عباده. والهاءُ تشير إلى هدايته المؤمنين إلى عرفانه، وتعريف خواصه باستحقاق جلال سلطانه، وما له من الحق بحكم إحسانه. والياء إشارة إلى يُسْر نِعَمِه بعد عُسْرٍ مِحَنِه. وإلى يده المبسوطة بالرحمة للمؤمنين من عباده . ١ ٢٣٤ ٢٣٥ تفسير سورة مريم . والعين تشير إلى عِلْمِه بأحوالِ عَبْدِهِ في سِرُه وجَهْرِهِ، وقُلْه وكُثْرِهِ، وحالِهِ ومَآلِهِ، وقدرٍ طاقته وحق فاقته . وفي الصاد إلى أنه الصادق في وعده. قوله جل ذكره: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيًّا﴾ . تخصيصه إياه بإجابته في سؤال وَلَدِه، وما أراد أن يتصل بأعقابه من تخصيص القربة له ولجميع أهله . قوله جل ذكره: ﴿إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَاءُ خَفِيًا﴾ . وإنما ذلك لئلا يَطّلعَ أحدٌ على سِرِّ حاله فأخفى نداءه عن الأجانب وقد أمكنه أن يخفيه عن نفسه بالتعامي عن شهود محاسنه، والاعتقاد بالسُّوء في نفسه، ثم أخفى سِرَّهُ عن الخلق لئلا يقعَ لأحدٍ إشرافٌ على حاله، ولئلا يَشْمَتَ بمقالته أعداؤه. قوله جل ذكره: ﴿قَالَ رَبٍ إِنِّى وَهَنَ اٌلْعَظِّمُ مِنِ وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ . أي لَقِيتُ بضعفي عن خدمتك ما لا أحِبُّه؛ فطعنتُ في السنُ، ولا قوةً بعد المشيب؛ فَهَبْ لي ولداً ينوب عني في عبادتك. قوله جل ذكره: ﴿وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَبِكَ رَبٍ شَقِيًّا﴾. أي إني أسألك واثقاً بإجابتك؛ لعلمي بأني لا أشْقَى بدعائِك فإنَّك تحِبُّ أن تُسأل . ويقال إنك عوَّدتني إجابة الدعاء، ولم ترُدَّني في سالف أيامي إذا دعوْتُك. قوله جلّ ذكره: ﴿وَ إِنِّ خِفْتُ الْمَوَالِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ أَمْرَأَنِ عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن لَّدُنِكَ وَلِيًّا يَرِثُنِىِ وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِّ وَأَجْعَلْهُ رَبٍ رَضِيًّا﴾ . إني خِفْتُ أَنْ تذهبَ النبوة من أهل بيتي، وتنتقل إلى بني أعمامي فهبْ لي وَلَّداً يعبدك، ويكون من نّسلِي ومن أهلي. وهو لم يرِذ الولدَ بشهوةِ الدنيا وأَخْذِ الحظوظِ منها، وإنما طلبَ الولدَ ليقومَ بحقِّ الله، وفي قوله: ﴿يَرِثُنِ﴾ دليلٌ على أنه كما سأل الولدَ سأل بِقاء ولده؛ فقال: ولداً يكون وارثاً لي؛ أي يبقى بَعْدِي، ويرث من آل يعقوب النبوةَ وتبليغ الرسالة. واجعله ربِّ رضياً: رَضِي فعيل بمعنى مفعول أي ترضى عنه فيكون مَرْضِيّاً لك. ويحتمل أن يكون مبالغة من الفاعل أي راضياً منك، وراضياً بتقديرك. قوله جلّ ذكره: ﴿يَزَكْرِيََّ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَيٍ اسْمُهُمْ يَمْيَى لَمْ تَْعَل لَُّ مِن قَبَلُ سَمِيًّا﴾ . ٢٣٦ تفسير سورة مريم أي استجبنا لدعائِك، ونرزقك ولداً ذكَرَاً اسمُه يحيى؛ تحيا به عُقْرَةُ أُمُّه، ويحيا به نَسَبُكُ، يحيا به ذكْرُك، وما سألَته من أن يكون نائباً عنك؛ فيحيا به محلُّ العبادة والنبوة في بيتك. ﴿لَمْ تَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾: انفراده - عليه السلام - بالتسمية يدل على انفراده بالفضيلة؛ أي لم يكن له سَمِيٍّ قَبْله؛ فلا أحَدَ كُفْوّ له في استجماع أوصاف فَضْله. ويقال لم تجعل له من قبل نظيراً؛ لأنه لم يكن أحد لا ذنب له قَبْلَ النبوة ولا بعدها غيره . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبٍ أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَنِ عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ اُلْكِبَرِ عِنِيًّاً﴾. سأل الوَلدَ فلمَّا أُجِيب قال أَنَّى يكون لي غلام؟ ومعنى ذلك ــ على ما جاء في التفسير - أن بين سؤاله الولد وبين الإجابة مدةً طويلة؛ فكأنه سأل الولد في ابتداء حال سِنْه، واستجيبت دعوتُه بعد ما تناهى في سِنّه، فلذلك قال: ﴿أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ﴾؟. ويقال أراد أن يعرف ممن يكون هذا الولد .. أمِنْ هذه المرأة وهي عاقر أم من امرأة أخرى أتزوج بها مملوكة أستفرشها؟ فالسؤال إنما كان لتعيين مَنْ منها يكون الولد. فقال تعالى : قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَبِّنَّ﴾. معناه إجابة الولد لك فيها معجزة ودلالة في هذا الوقت الذي فيه حسب مستقرٌ العادة ولادة مثل هذه المرأة دلالةٌ ومعجزةً لك على قومك، فتكون للإجابة بالولد مِنْ وَجْهِ معجزةً؛ وَمَن وجهٍ راحةٌ وكرامةٌ . قوله جل ذكره: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَّمْ تَكُ شَيْئًا﴾. دلَّت الآية على أن المعدومَ ليس بشيءٍ، لأنه نفي أن یکون قبل خلْقِه له كان شيئاً . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبٍّ أَجْعَل لِيْ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّ تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ . أراد علامةً على علوق المرأة بالولد؛ ولم يُرِد علامةٌ يَسْتَدِلُّ بها على صِدْق ما يقال له. فأخبره تعالى: ((أُنْبِتُكَ علامةَ وقت إجابتك .. إِنَّ لسانك لا ينطق معهم بالمخاطبة - ولو اجتهدت كُلَّ الجهد - ثلاثةَ أيام، وعليك أن تخاطبني، وأن تقرأ الكتب المُنَزَّلَةَ التي كانت في وقتك. فكان لا ينطق لسانه إذا أراد أن يُكلِّمَهم، وإذا أراد أن يقرأَ الكتب أو يسبحَ اللَّهَ انطلق مع الله لسانُه)». ٢٣٧ تفسير سورة مريم قوله جلّ ذكره: ﴿َجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَنِيًّا﴾ . أي فلمَّا خرج عليهم عرَّفهم - من طريق الإشارة - أنَّ اللسانَ الذي كان يخاطبهم به ليس الآن منطلقاً . قوله جل ذكره: ﴿يَحْبَى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًَّا وَحَنَانَا مِن لَُّنَا وَزَكَوَةٌ وَكَانَ تَقِيًّا﴾ . أي قلنا له يا يحيى خذ الكتاب بقوة مِنَّا، خَصَصْنَاكَ بها .. لا قوةَ يدٍ ولكن قوة قلبٍ، وذلك خيرٌ خَصَّه اللَّهُ تعالى به وهو النبوة. ودلَّت الآية على أنه كان من الله له كتاب. ﴿وَءَاتِيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾ أي النبوة، بَعَثَه اللَّهُ بها إلى قومه، وأوحى إليه وهو صبيّ . ويقال الحُكْمُ بالصوابِ والحقِّ بين الناس . ويقال الحكم هو إحكام الفعل على وجه الأمر. قوله ﴿وَحَتَانًا مِن لَُّنَّا ... ﴾ أي آتيناه رحمةٌ من عندنا، وطهارةً وتوفيقاً المجلوبات التقوى وتحقيقاً لموهوباتها؛ فإن التقوى على قسمين: مجموع ومجلوب يتوصَّلُ إليه العبدُ بِتَكَلَّفِهُ وتَعَلَّمِه، وموضوعٍ من الله تعالى وموهوبٍ منه يصلّ إليه العبدُ پبذله سبحانه ويفضله. قوله جلّ ذكره: ﴿وَبَرَّا بِوَلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ . ﴿براً بوالديه﴾ كأمر الله - سبحانه - له بذلك لا لمودَّةِ البَشَرِ وموجِبٍ عادة الإنسانية. ولم يكن متمرداً عن الحق، جاحداً لربوبيته . قوله جلّ ذكره: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ . أي له مِنَّا أمان يوم القيامة، ويوم ولادته في البداية، ويوم وفاته في النهاية، وهو أن يصونَه عن الزَيْغِ والعِوَجِ في العقيدة بما يُشْهِدُه على الدوام من حقيقة الإلهية. وكذلك هو في القيامة له منه - سبحانه - الأمان؛ فهو في الدنيا معصومٌ عن الزَّلَّة، محفوظٌ عن الآفة. وفي الآخرة معصومٌ عن البلاء والمحنة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذَّكُرْ فِي الْكِتَبِ مَرْتَمَ إِذِ أَنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِمَابًا فَأَرْسَلْنَآَ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوًِّا﴾ . اعتزلت عنهم لتحصيلٍ يطهرها، فاستترت عن أبصارهم. ٢٣٨ تفسير سورة مريم فلمَّا أبصرت جبريلَ في صورةِ إنسانٍ لم تتوقعه أَحَسَّتْ في نفسها رُغباً، ولم تكن لها حيلةً إلا تخويفه بالله، ورجوعها إلى الله. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنتَ تَّقِيًّا﴾ . قالت مريمُ لجبريل - وهي لم تعرفه - إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ممن يجب أن يُخَافَ ويُتَقَّى منه؛ أي إنْ كنتَ تَقْصِد السوءَ. ومعنى قولها ﴿ِالرَّحْمَنِ﴾ ولم تقل: ((بالله)) - أي بالذي يرحمني فيحفظني منك. ويقال يحتمل أن يكون معناه: إن كنتَ تعرف الله وتكون متقياً مخالفة أمره فإنِّي أعوذ بالله منك وأحذر عقوبته . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَأْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَحِكِيًّا﴾. تعرَّف جبريلُ إليها بما سكَّن رَوْعَها، وقَرَنَ مقالته بالتبشير لها بعيسى عليه السلام . قوله جل ذكره: ﴿قَالَتْ أَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَُ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكٍ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَلِنَجْعَلَهُ: ءَايَةٌ لِلنَّاسِ وَرَحْمَةٌ مِّنَّأْ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾. قالت أنى يكونُ لي وَلَدٌ ولم أُلِمَ بِزَلَّةٍ ولا فاحشةٍ؟ فقال جبريل - عليه السلام -: الأمرُ كما قلتُ لَكِ؛ فلا يتعصى ذلك على الله تعالى؛ إذ هو أَقْدَرُ أَنْ يجعل هذا الوَلدَ دلالةٌ على كمال قدرته، ويكون هذا الولدُ رحمةً منه - سبحانه - لِمَنْ آمَنّ، وسَبَبَ جهلٍ للآخرين . قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ فَحَمَلَتْهُ فَأَنْتَبَذَتْ بِهِ، مَكَنَا قَصِيًّا﴾. لمَّا ظهر بها الحَمْلُ، وعَلِمَتْ أَنَّ الناسَ يستبعدون ذلك، ولم تَثِقْ بأحدٍ تُفْشِي إليه سِرَّها .. مَضَتْ إلى مكانٍ بعيد عن الخَلْقِ. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى ◌ِذْعِ النَّغَْةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِىِ مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَّنْسِيًّا﴾ . أَلْجَأَها وَجَعُ الولادةِ إلى الاعتماد إلى جِذْع النخلة. ولمَّا أَخذها الطَلْقُ، ودَاخَلَها الخَجَلُ مِنْ قومِها نَطَقَتْ بلسانِ العَجزِ، وقالت: ﴿يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ هَذَا﴾. ويقال يحتمل أنها قالتها إشفاقاً من قومها، لأنها عَلِمَتْ أَنَّهم سيبسطون لسانَ الملامةِ فيها بلسانِ الفُجْر؛ وينسبونها إلى الفحشاء. ويقال قالتها شفقةً على قومها لئلا تُصِيبَهم بِسببها عقوبةٌ. ويقال قالت: ﴿ يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ هَذَا﴾ حتى لم أسمع مَنْ قال في الله تعالى بسببي إن عيسى ابن الله وابن مريم، وإن مريمَ زوجتُه ... تعالى الله عن ذلك عُلُوَّاً كبيراً! ٢٣٩ تفسير سورة مريم ويقال ﴿يَلَيْتَنِ مِثُّ قَبْلَ هَذَا﴾: في الوقت الذي كنتُ مرفوقاً بي، ولم تستقبلني هذه الخشونةُ في الحالةِ التي لَحِقَتِْي. ويقال ﴿يَلَيْتَنِ مِثُّ قَبْلَ هَذَا﴾: في الوقت الذي لم يكن قلبي متعلقاً بسبب. قوله جلّ ذكره: ﴿فَنَادَتِهَا مِن تَخِهَا ◌َلَّا تَخْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيبًا﴾(١). في التفسير أن المَعْنِيَّ بقوله ﴿مِن تَخِها﴾: جبريلُ عليه السلام، وقيل عيسى عليه السلام. والمقصودُ منه تسكينُ ما كان بها من الوحشة، والبشارة بعيسى عليه السلام، أي يرزقك الله ولداً سرياً. قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُزِىَ إِلَيْكِ يِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ . وكان جِذْعاً يابساً أخرج اللَّهُ تعالى منه في الوقتِ الثمرةَ، وهي الرُّطبُ الجنيُّ، وكان في ذلك آية ودلالة لها؛ فالذي قدر على فعل مثل هذا قادر على خلق عيسى - عليه السلام - من غير أبٍ. ويقال عندما كانت مُجَرَّدَةً بلا علاقة، فقد كان زكريا - عليه السلام - يَجِدُ عندها رزقاً من غير أن أُمِرَتْ بتكلف، فلمَّا جاءَتْ علاقةُ الولدِ أُمِرَتْ بهزّ النخلةِ اليابسةِ - وهي في أضعف حالها؛ زمان قرب عهدها بوضع الولد، لِيُعْلَمَ أَنَّ العلاقةَ توجِبُ العناءَ والمشقة . ويقال بل أُمِرَتْ بهزّ النخلة اليابسة، وكان تمكنُها من ذلك أوضحَ دلالة على صدقها في حالها . ويقال لمّا لم يكن لها في هذه الحالة مَنْ يقوم بتعهدها تولَّى الله تعالى كفايتها؛ لِيَعْلَمَ العالمون أنه لا يضيع خواصَّ عِبادِه في وقت حاجتهم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَكُلِى وَأَشْرِى وَقَرِى عَيْئًا فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِيٍّ إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِمَ اَلْيَوْمَ إِنِيًّا﴾. كفاها أسبابَ ما احتاجت إليه مِنْ أَكْلِهَا وشُربِها، وسَكَّنَ من خوفها، وطيِّبَ قلبَها. ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾: فلا تخاطبيهم وعرِّفيهم - بالإشارة - أنَّكِ نَذَرْتِ للرحمن الصمتَ مع الخَلْقِ، وتَرْكَ المخاطبةِ معهم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلْ قَالُواْ يَمَرِيَمُ لَقَدْ ◌ِثْتٍ شَيْئًا فَرِيًا بَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوءِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُِّ يَفِيََّ﴾ . بسط قومُها فيها لسانَ الملامةِ لما رَأَوْها قد وَلَدَتْ - وظاهرُ الحالِ كان معهم - (١) السّري: الجدول، أو النهر الصغير. ٢٤٠ تفسير سورة مريم فقالوا لها على سبيل الملامة: يا مَنْ كنا نَعُدُّكِ في الصلاح بمنزلة هارون المعروف بالسداد والصلاح .. مِنْ أين لكِ هذه الحالة الشنعاء؟ ويقال كان أخوها اسمه هارون. ويقال كان هارون رجلاً فاسقاً في قومهم، فقالوا: يا شبيهته في الفساد .. ما هذا الولد؟ ويقال كان هارون رجلاً صالحاً فيهم فقالوا: يا أخت هارون، ويا مَنْ في حسابنا وظنتًا ما كان أبواكِ فيهما سوء ولا فساد .. كيف أتيتِ بهذه الكبيرة الفظيعة؟! قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ . في الظاهر أشارت إلى الولد، وفي الباطن أشارت إلى الله، فأخذهم ما قرب وما بعد وقالوا: كيف نكلْم مَنْ هو أهل بأن يُنَوَّم في المهد؟! فـ (كان)) ها هنا في اللفظ صلة ... وحملوا ذلك منها على الاستهانة بفعلتها. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَّذِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنَى نِيًّا﴾. لما قالوا ذلك أنطق اللَّهُ عيسى حتى قال: ﴿إِنِّ عَبْدُ اللَّهِ﴾، فظهرت براءةُ ساحتِها بكلام عيسى قبل أن يتكلم مثلُه. وجرى على لسانه حتى قال: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ﴾؛ ليُقَال للنصارى إِنْ صَدَقَ عيسى أنه عبدُ الله بطل قولُكم إِنه ثالث ثلاثة، وإِن كذب فالذي يكذب لا يكون ابناً لله، وإنما يكون عبداً لله، وإذا لم يكن عَبْدَ هواه، ولا في أَسْرٍ شيءٍ سواه فمَنْ تحرر مِنْ غيره فهو في الحقيقة عَبْدُه. ﴿ءَاتَنِىَ أَلْكِتَبَ﴾ : أي سيؤتيني الكتاب أو آتاني في سابق حكمه. ﴿وَجَعَلَنِى نِيًّا﴾ بفضله. وفي الآية ردّ على من يقول إن النبوة تُسْتَحقُّ بكثرة الطاعة لأنه قال ذلك في حال ولادته؛ ولم تَكُنْ منه بَعْدُ عبادةٌ وأخبر أن الله جعله نبياً . قوله جُلّ ذكره: ﴿وَجَعَلَغِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَفِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرَّ بِوَلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَّارًا شَفِيًّا﴾ . ٠ أي نافعاً للخلق يرشدهم إلى أمور دينهم، ويمنعهم من ارتكاب الزَّلَةِ التي فيها هلاكهم، ومَنْ استضاء بنوره نجا .. فهذه بركاتُه التي كانت تصل إلى الخلق. ومَنْ بركاتِه إغاثةُ الملهوف، وإعانةُ الضعيف، ونصرة المظلوم، ومواساة الفقير، وإِرشاد الضال، والنصيحة للخَلْق، وكفُّ الأذى عنهم وحَمْلُ الأذى منهم. ﴿وَبَرَّا بِوَالِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَّارًا شَفِيًّا﴾ أي لم يجعلني غيرَ قابلٍ للنصيحة. ويقال ﴿شَفِيًّا﴾: أي متكبراً متجبراً. ويقال مختوماً بكُفْرٍ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَبَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ .