Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
تفسير سورة الحجر
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾.
العذاب الأليم هنا هو الفراق، ولا عذابَ فوق الفراق في الصعوبة والألم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَّيِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمًا﴾ .
أَلا عرِّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة، وقيامه بحقِّ الضيفان، وكان
الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمَّا سلموا من جانبهم وردًّ عليهم
وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه :
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَِلُونَ﴾ .
وَجلون أي خائفون، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة. ولمَّا
عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذا كانوا مجرمين. ولكن سكن
رَوْعُه عندما قالوا له:
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ لَا نَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ﴾ .
فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ للفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشْرين، وإِن كُنَّا
لغيرِكَ مُعَذِّبین.
نحن ﴿نبشرك بغلام عليم﴾: أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل
العلم، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب فقال:
﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِ عَلَى أَنْ مَّسَّنِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُّبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّتْنَكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُنُ مِّنَ
الْقَنِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَيْهِ: إِلَّ الظَّالُّونَ﴾ .
قال أبشرتموني وقد مسَّني الكِبَرُ؟ وإنَّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من
الدنيا بشيء. بماذا تبشروني وقد طَعَنْتُ في السنَّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟
قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة
ربه إلا من كان ضالاً .
قال: كيف أخطأ ظنكم فيّ فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟
فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يُصيبَه ضررٌ منهم سألهم عن
حالهم:
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَمَا خَطِبُّكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّا أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ إِلَّ
ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُتَبُّوهُمْ أَجْمَعِينَّ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَِينَ﴾.
قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟
قالوا: أُرسِلْنا لعذاب قوم لوط، ولننجيَ أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم في
الفساد، وكانت تدل على أضيافه، فاستوجبت العقوبة.

١٤٢
تفسير سورة الحجر
فلمَّا وافى المرسلون من آل لوطٍ أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر،
وتفرَّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمرٍ عظيم، قالوا: بل جئناكَ بما كان قومُك
يَشْكُونَ فيه مِنْ تعذيبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَسْرٍ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَلِ وَأَنَّبِعْ أَدْبَرَهُمْ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ
وَأَهْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ .
فأَسْرٍ بأهلك بعدما يمضي شيءٌ من الليل، وامش خلفهم، وقدّمهم عليك،
واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد لئلا يَرَوْا ما ينزل بقومهم من العذاب، وإنا
ننقذك وأهلَكَ إلا امرأتَك، فإِنا نعذبها لمشاركتها مع قومك في العصيان. ﴿ وَأَمْضُواْ
حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ فلكم السلامة ولقومكم العقوبة.
﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهٍ ذَلِكَ آلْأَمْرَ﴾ أي عَلَّمْناه وعَرَّفْناه: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْعُوٌ﴾ ؛ أي
أنهم مُهْلَكون ومُسْتَأْصَلُون بالعقوبة.
ثم لما نزل الملائكةُ بلوط عليه السلام قال لقومه إن هؤلاء أضيافي، فلا
تتعرضوا لهم فتفضحوني، واتقوا الله، وذروا مخالفة أمره ولا تخْجِلوني. فقال قومه:
ألم نَنْهَكَ عن أن تحمي أحداً، وأمرناك ألا تمنعَ مِنَّا أحداً؟ فقال: هؤلاء بناتي يعني
نساء أمتي. وقال قومٌ: أراد بناتِه من صلبه، عَرَضَهن عليهم لئلا يُلِمُّوا بتلك الغلطة
الفحشاء، فلم تنجع فيهم نصيحة، ولم يُقْلِعوا عن خبيثٍ قَصْدِهم.
فأخبره الملائكة ألا يخاف عليهم، وسكنوا من روعه حين أخبروه بحقيقة
أمرهم، وأنهم إنما أرسلوا للعقوبة(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿لَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .
أقسم بحياته تخصیصاً له في شرفه، وتفضیلاً له علی سائر البرية، فقال وحياتك ۔ یا
محمد - إنهم لفي ضلالتهم وسكرة غفلتهم يتردُّون، وإنهم عن شِرْكهم لا يُقْلِعون.
ويقال أقسم بحياته لأنه لم يكن في وقته حياة أشرف من حياته - إنهم في حُمَارٍ
شُكْرِهم، وغفلةٍ ضلالتهم لا يترقبون عقوبةً، ولا يخافون سوءاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن
سِجِيلٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَرْ لِلْمُتَوَِّينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِينَ﴾.
باتوا في حبور وسرور، وأصبحوا في محنة وثبور (٣)، وخرَّت عليهم سقوفُهم،
(١) الآيات من (٦١ - ٦٤) لم ترد.
(٣) الثبور: الهلاك.
(٢) الآيات من (٦٧ - ٧١) لم ترد.

١٤٣
تفسير سورة الحجر
وجعلنا مُدَتَهم ومنازٍلهم عاليَها سافِلَها، وأمطرنا عليهم من العقوبة ما لم يُبْقِ عيناً ولا
أَثَراً، إنَّ في ذلك لَعِبْرةً لمن اعتبر، ودلالةٌ ظاهرة لمن استبصر، ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾
لِمَنْ شاءَ أن يَعْتَبِرْ.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَرٍ لِلْمُنَّوَسّمِينَ﴾ .
جاء في التفسير ((المتفرسين))، والفراسةُ خاطرٌ يحصل من غير أن يعارضه ما
يخالفه عند ظهورٍ يرهانٍ عليه، فيخرج من القلب عين ما يقع لصاحب الفراسة. مشتق
من فريسة الأسد إذ لفريسته يقهر. والحق - سبحانه - يُطْلِعُ أولياءه على ما خفي على
غيرهم. وصاحب الفراسة لا يكون بشرط التفرس في جميع الأشياء وفي جميع
الأوقات؛ بل يجوز أن تُسَدَّ عليه عيونُ الفراسة في بعض الأوقات كالأنبياء عليهم
السلام؛ فَنِيُّنا - وَ له - كان يقول لعائشة - رضي الله عنها - في زمان الإفك: ((إِنْ كُنْتِ
فعلتِ فتوبى إلى الله)). وكإبراهيم ولوط - عليهما السلام - لم يعرفا الرسل.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن كَانَ أَصَْبُ الْأَيْكَةِ لَظَلِنَ فَنَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ وَلَقَدْ
كَذَّبَ أَمَْبُ اَلِْجْرِ الْمُرْسَلِينَ وَءَانَيْنَهُمْ مَلِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجَالِ بُيُوتًّا
◌َمِنِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ فَآ أَغْنَى عَنْهُم ◌َا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .
أصحاب الأيكة(٦) هم قوم شعيب، وكان شعيب - عليه السلام - مبعوثاً لهم
فكَذَّبوه، فانتقمنا منهم.
قوله: ﴿وَإِنَّهُمَا﴾ يعني مدين والأيكة ... ﴿لَإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾: أي بطريق واضح مَنْ
قصده ( ... ) (٢).
وكذلك أخبر أن أصحاب الحجر(٣) - وهم ثمود - كذبوا المرسلين إليهم، وأنهم
أعرضوا عن الآيات التي هي المعجزات كنافةٍ صالح وغيرها، وأنهم كانوا أخلدوا إلى
الأرضين وكانوا مُغْتَرِّين بطول إمهال الله إياهم من تأخير العقوبة عنهم، وكانوا يتخذون
من الجبال بيوناً، ويظنون أنهم على أنفسهم آمِنُون من الموت والعذاب.
ثم أخبر أنهم أَخَذَتْهم الصيحةُ على بغتةٍ، ولم تُغنِ عنهم حيلتُهم لمَّا حَلَّ
خَيْنُهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا يَبْنَهُمَآَ﴾.
(١) الأيكة: الشجر الكثير الملتف. وأصحاب الأيكة: قوم شعيب عليه السلام كانت مساكنهم كثيفة
الأشجار.
(٢) بياض في الأصل.
(٣) الحجر: اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام. (معجم البلدان ٢٢١/٢).

١٤٤
تفسير سورة الحجر
دلَّت الآيةُ على أنَّ أكسابَ العباد مخلوقةٌ لله لأنها بين السموات والأرض.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لََِّّةٌ﴾ .
﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: أي وأنا مُحقٌّ فيه ويقال ﴿بِالْحَقّ﴾: بالأمرِ العظيم الكائن إنْ
الساعة لآتيةٌ يعني القيامةَ.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأُصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِلَ﴾ .
يقال الصفح الجميل الذي تذكر الزَّلَّةُ فيه.
ويقال الصفح الجميل سحبُ ذيل الكَرَم على ما كان مِنْ غير عَقْدِ الزَّلَّةِ، بلا ذِكْرِ
لما سَلَفَ من الذنب، كما قيل:
تعالوا نصطلح ويكون مِنَّا
.) (١)
... )
ويقال الصفح الجميل الاعتذار عن الجُزْم بلا عدُ الذنوب من المجرم، والإقرار
بأن الذنب كان منك لا من العاصي، قال قائلهم:
(وتُذْنِبون فنسي ونعتذر)
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّقُ اٌلْعَلِيمُ﴾ .
﴿هُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ﴾ إذ لا يصح الفعل بوصف الانتظام والاتساق من غير عالِم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ .
أكثَرُ المفسرين على أنها سورة الفاتحة، وسميت مثاني لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة
ومرة بالمدينة، ولأنها شيء في كل صلاة يتكرر، من ((التثنية)) وهي التكرير، أو لأن بعضها
يضاف إلى الحق وبعضها يضاف إلى الخلق .. ومعنى هذا مذكور في كتب التفاسير.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَا تَمُذَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِّنْهُمْ﴾.
لم يُسَلَّمْ له إشباع النظر إلى زَهْرَةِ الدنيا وزينتِها .
ويقال غار على عينيه - وَل﴿ ــ أن يستعملَها في النظر إلى المخلوقات.
ويقال أَذَّبَه اللَّهُ - سبحانه - بهذا التأديب حتى لا يُعِيرَ طَرْفَه من حيث الاستئناس به.
ويقال أمره بحفظ الوفاء لأنه لمَّا لم يكن اليومَ سبيلٌ لأحد إلى رؤيته، فلا تمدن
عينيك إلى ملاحظة شيء من جملة ما خَوَّلْناهم، كما قال بعضهم:
لمَّا ثَيَقَّنْتُ أني لسْتُ أبصركم أغمضتُ عيني فلم أنظر إلى أحد
(١) بياض في الأصل.

١٤٥
تفسير سورة الحجر
ويقال شَتَّانَ بينه وبين موسى - عليه السلام! قال له: ﴿لَنْ تَرَِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَىَ
اَلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ونبينا - وَلَ ـ مَنَعَه من النظر إلى المخلوقات بوصفٍ هو
تمام النظر فقال: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيِّنْكَ﴾ [الحجر: ٨٨].
،
ويقال إذا لم يسلم له إشباع النظر بظاهره إلى الدنيا فكيف يسلم له السكون بقلبه
إلى غير الله؟!
ويقال لما أُمِرَ بِغَضٌ بَصَرِهِ عما يتمتّع به الكفارُ في الدنيا تَأَذَّبَ - عليه السلام - فلم
ينظر ليلةَ المعراج إلى شيءٍ مما رأى في الآخرة، فأثنى عليه الحقُّ بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا
◌َى﴾ [النجم: ١٧] وكان يقول لكل شيءٍ رآه: ((التحيات لله))(١) أي المُلْكُ لله.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَّهِمْ﴾ .
أدّبه حتى لا يتغير بصفة أحد، وهذه حال التمكين.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِينَ﴾ .
أي أَلْمِنْ لهم جانبَكَ. وكان عليه السلام إذا استعانت به الوليدة(٢) في الشافعة
إلى مواليها يمضي معها .. إلى غير ذلك من حسن خُلُقٍ - صلوات الله عليه - وكان في
الخبر إنه كان يخدم بتيه وكان في (مهنة) أهله. وتولَّى خدمة الوفد، وكان يقول؛
"سيدُ القومِ خادمُهم))(٣).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُلْ إَِّ أَنَا النَّذِيرُ الْمُينٌ﴾.
لمَّا لم يكن بنفسه وكان قائماً بحقه - سبحانه وتعالى - سَلّمَ له أن يقول: إني
وأنا. وفي الخبر: أن جابرً (٤) دَقَّ عليه الباب، فقال: مَنْ؟ قال: أنا .. فقال النبي
عليه السلام: ((أنا أنا» .. كأنه كرهها.
(١) أخرجه التبريزي في (مشكاة المصابيح ٩١٠)، والألباني في (السلسلة الصحيحة ٤٧٢/٣).
(٢) الوليدة: الجارية المولودة بين العرب. (اللسان ٤٦٩/٣ مادة: ولد).
(٣) أخرجه السيوطي في (الحاوي للفتاوى ١٠١/٢)، والتبريزي في (مشكاة المصابيح ٣٩٢٥) والمتقي
الهندي في (كنز العمال ١٧٥١٦ - ١٧٥١٨ - ١٧٥١٩ - ٢٤٨٣٤ - ٢٤٨٣٥)، والخطيب البغدادي
في (تاريخ بغداد ١٨٧/١٠)، والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ٩٥)
والعجلوني في (كشف الخفاء ١ / ٥٦١ - ٥٦٢).
(٤) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري السلمي (١٦ ق هـ - ٧٨ هـ = ٦٠٧ -
٦٩٧م صحابي، من المكثرين في الرواية عن النبي وَل# وروى عنه جماعة من الصحابة، له ولأبيه
صحبة غزا تسع عشرة غزوة. وكانت له في أواخر أيامه حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم.
روی له البخاري ومسلم وغيرهما ١٥٤٠ حديثاً. وله («مسند».
الأعلام ١٠٤/٢، والإصابة ٢١٣/١، وذيل المذيل ٢٢، وتهذيب الأسماء ١٤٢/١.

١٤٦
- تفسير سورة الحجر
ويقال: قُلْ لا حدّ لاستهلاكك فينا، سلَّمنا أن تقول: إني أنا، لما كنتَ بنا ولنا.
قوله جلّ ذكره: ﴿ كَمَآ أَنْنَا عَلَى الْمُقْتَسِينَ﴾.
أي قل إني أنا لكم مُنْذِرٌ بعذابٍ كالعذاب الذي عذَّبْنا به المقتسمين؛ وهم الذين
تقاسموا بالله لنبيّه في قصه صالح عليه السلام. وقيل هم من أهل الكتاب الذين
اقتسموا كتاب الله؛ فآمنوا ببعضِه وكفروا ببعضِه.
ويقال إني لكم نذير أخوفكم عقوبة المقتسمين الذين اقتسموا الجبال والطرق
بمكة في الموسم، وصدوا الناس. وكان الواحد منهم يقول لِمَنْ مَرَّ به: لا تُؤْمِنْ
بمحمدٍ فإنه ساحر، ويقول الآخر: إنه كاهن ويقول ثالث: إنه مجنون، فهم
بأقسامهم: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾(١).
ففرقوا القول فيه، فقال بعضهم إنه شعر، وقال بعضهم إنه سحر، وقال بعضهم
إنه كهانة ... إلى غير ذلك.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَوَرَبِّكَ لَتَشْعَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌّ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
العوام يسألهم عن تصحيح أعمالهم، والخواص يسألهم عن تصحيح أحوالهم.
ويقال يسأل قوماً عن حركات ظواهرهم، ويسأل آخرين عن خطرات سرائرهم.
ويسأل الصديقين عن تصحيح المعاني بفعالهم، ويسأل المدَّعين عن تصحيح الدعاوى
تعنیفاً لهم.
ويقال سماع هذه الآية يوجب لقوم أنْساً وسروراً حيث علموا أنه يكلمهم
ونُسْمِعُهُم خطابَه لاشتياقِهم إليه، ولا عَجَبََ في ذلك فالمخلوق يقول في مخلوق:
إذا ما انتهت أُخْدُوثَةٌ لَوْ تُعِيدُهَا(٢)
في الخَفِراتِ البيضِ وَذَّ جليسُها
فلا أسعدَ مِنْ بَشَرٍ يعرف أَنَّ مولاه غداً سيكلمه.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.
كُنْ بنا وقُلْ بنا، وإِذَا كنتَ بِنا ولَنَا فلا تجعلْ حِساباً لغيرنا، وصرّخ بما خاطبناك
به، وأَفْصِحْ عَمَّا نحن خصصناكَ به، وأغْلِنْ محبتنا لك:
فسبْخ باسم مَنْ تَهْوى ودَعْنامن الكُنى فلا خيرَ في اللَّذاتِ مِنْ بعدها سَتْرُ
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا كُفَيَكَ الْمُسْتَهْزِنَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ الَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَّ فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ ﴾ .
(١) عضين: (ج) عضة: القطعة. وعضة نقصانها الواو أو الهاء، وهي من الأسماء الناقصة، وأصلها
عضوة. (اللسان ٦٨/١٥ مادة: عضا).
(٢) الخفرات: (ج) الخفرة: الشديدة الحياء (اللسان ٢٥٣/٤ مادة: خفر).

١٤٧
تفسير سورة الحجر
الذين دَفَعْنَا عنكَ عاديةَ(١) شَرِّهم، ودَرَأْنا عنكَ سوءَ مكرهم، ونصرناك بموجب
عنايتنا بشأنك .. فلا عليكَ فيما يقولون أو يفعلون، فما العقبى إلا لَك بالنصر
والظفر .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَيِّحْ بِحَمْدِ رَيْكَ وَكُن مِّنَ
السَّجِدِينَ﴾.
وقال: ﴿يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ ولم يقل يضيق قلبك؛ لأنه كان في محل الشهود، ولا
راحة للمؤمن دون لقاء الله، ولا تكون مع اللقاء وحشة.
ويقال هَوَّنَ عليه ضيق الصدر بقوله: ﴿ولقد نعلم﴾ ويقال إن ضاق صدرُك
بسماع ما يقولون فيك من ذمِّكَ فارتفع(٢) بلسانك في رياض تسبيحنا، والثناء علينا،
فيكون ذلك سبباً لزوال ضيق صدرك؛ وسلوة لك بما تتذكر من جلال قدرنا
وتقدیسنا، واستحقاق عِزَّنا.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَّى يَأْنِيَكَ الْيَّقِينُ﴾.
قف على بساط العبودية معتنقاً للخدمة، إلى أَنْ تَجلس على بساط القربة،
وتطالَبَ بآداب الوصلة .
ويقال التزِمْ شرائطَ العبودية إلى أنْ تَرْقَى بل تُكْفَى بصفات الحرية .
ويقال في ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَّى يَأْنِيَكَ الْيَّقِينُ﴾(٣): إن أشرف خصالك قيامك بحقٌ
العبودية .
(١) يقال: دفعت عنك عادية فلان؛ أي: ظلمه وشره (ج) عوادٍ.
(٢) الصواب أن تكون: فارتع. قال القشيري برسالته عند حديثه عن الذكر: وفي الخبر المشهور عن
رسول الله ﴿ أنه قال: ((إذا رأيتم الجنة فارتعوا فيها، فقيل له: وما رياض الجنة؟ فقال: مجالس
الذكرا الحديث رواه أنس بن مالك وأخرجه الترمذي رقم ٣٥٠٥ في الدعوات باب رقم (٨٧)
وقال: إنه حديث حسن. (الرسالة القشيرية ص ٢٢٢).
(٣) قال القشيري برسالته عند حديثه عن العبودية: سمت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: العبادة
لمن له علم اليقين، والعبودية لمن له عين اليقين، والعبودة لمن له حق اليقين. (الرسالة القشيرية
ص١٩٧).

السورة التي يذكر فيها النحل
قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
ألف الوصل في ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ لم يكن لها في التحقيق أصل، جُلِبَتْ للحاجة إليها
للتوصل بها إلى النطق بالسَّاكن، وإذ وقع ذلك أنْفاً عنها أُسْقِطَتْ في الإدراج، ولكن
كان لها بقاءٌ في الخط وإنْ لم يكن لها ظهور في اللفظ، فلمَّا صارت إلى ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾
أسقطت من الخط كذلك .. وكذلك من ازداد صحبةً استأخر رتبةً.
ويقال أي استحقاق لواو عمرو حتى ثبتت في الخط؟ وأي استحقاق إلى الألف
في قولهم قتلوا وفعلوا؟ وأيُّ موجبٍ لحذف الألف من السموات؟
طاحت العِلَلُ في الفروق، وليس إلا اتفاق الوضع .. كذلك الإشارة في أرباب
الردّ والقول، قال تعالى ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧].
قوله جلّ ذكره: ﴿أَنَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعِْلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١].
صيغة أتى للماضي، والمراد منه الاستقبال لأنه بشأن ما كانوا يستعجلونه من أمر
الساعة، والمعنى ((سيأتي)) أمر القيامة، والكائناتُ كلُّها والحادثات بأَسْرِها من جملة أمره؛
أي حصل أمرُ تكوينه وهو أمر من أموره لأنه حاصلٌ بتقديره وتيسيره، وقَضَائه وتدبيره؛
فما يحصل من خير وشرِّ، ونفع وضرٌ، وحلو ومُرّ. فذلك من جملة أمره تعالى.
﴿فَلَا تَسْتَعِْلُوهُ﴾ وأصحاب التوحيد لا يستعجلون شيئاً باختيارهم لأنهم قد سقطت
عنهم الإرادات والمطالبات، وهم خامدون تحت جريان تصريف الأقدار؛ فليس لهم إيثار
ولا اختيار فلا يستعجلون أمراً، وإذا أَمَّلوا شيئاً، أو أُخْبِروا بحصول شيءٍ فلا استعجال لهم،
بل شأنهم التأنّي والثباتُ والسكونُ. وإذا بَدَا من التقدير حُكمٌ فلا استعجالَ لهم لما يَرِدُ
عليهم، بل يتقبلون مفاجأةً التقدير بوجهٍ ضاحك، ويستقبلون ما يبدو من الغيب من الردّ
والقبول، والمنع والفتوح بوصف الرضاء، ويحمدون الحق - سبحانه وتعالى - على ذلك.
﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: تعالى عما يشركون بربهم، والكفار لم ييسر
لهم حتى أَنّه لا سكّنَ لقلوبهم من حديثه .
قوله جلّ ذكره: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن ◌َشَآءُ مِنْ عِبَادِه ◌َنْ أَنْذِرُوَّا أَنَّهُ
لَاَ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَتَّقُونِ﴾ .
١٤٨

١٤٩
تفسير سورة النحل
ينزل الملائكة على الأنبياء - عليهم السلام - بالوحي والرسالة، وبالتعريف
والإلهام على أسرار أرباب التوحيد وهم المُحَدَّثُون. وإنزالُ الملائكةِ على قلوبهم غيرُ
مردودٍ لكنهم لا يُؤْمَرُون أن يتكلموا بذلك، ولا يكملون رسالةً إلى الخَلْق .
ويُراد بالروح الوحي والقرآن، وفي الجملة الروح ما هو سبب الحياة؛ إمَّا حياة
القلب أو حياة الدنيا.
قوله جلّ ذكره: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِآلْحَقَّ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ﴾ .
خَلَقَها بالحق، ويَحكمُ فيها بالحق، فهو مُحِقٍّ في خَلْقِها لأنَّ له ذلك، ويدخل
في ذلك أمرُه بتكليف الخَلْقِ، وما يَعْقُبُ ذلك التكليفَ من الحَشْرِ والنَّشْرِ، والثواب
والعقاب .
﴿وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: تقديساً وتشريفاً له عن أن يكون له شريك أو معه
مليك .
قوله جلّ ذكره: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ تُطّغَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُِّينٌ﴾ .
تَعرَّفَ إلى العقلاء بكمال قدرته حيث أخبر أنه قدر على تصوير الإنسان على ما
فيه من التركيب العجيب، والتأليف اللطيف؛ من نطفةٍ متماثلة الأجزاء، متشاكلة في
وقت الإنشاء، مختلفة الأعضاء وقت الإظهار والإبداء، والخروج من الخفاء. ثم
رَكَّبَ فيه من تمييز وعقل، ويَسَّرَ له النقطَ والفعل، والتدبير في الأمور، والاستيلاء
على الحيوانات على وجه التسخير .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَاُلْأَنْعَمَ خَلَقَهَأْ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ .
ذكَّرهم بما تفَّضل عليهم، وأخبرهم بما للحيوانات من النِّعم، وما لهم فيها من
وجوه الانتفاع في جميع الأحوال، كالخمِل وكالسفر عليها وقطع المسافات، والتوصُّل
على ظهورها إلى مآربهم، وما لِنَسْلِها ولدرِها من المنافع.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِحُونَ وَحِينَ تَتْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى
بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَدَلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِ آلْأَنفُسِنَّ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
الغنيُّ له جمال بماله، والفقير له استقلال بحاله .. وشنَّان ما هما! فالأغنياء
يتجملون بأنعامهم حين يريحون وحين يسرحون، والفقراء يستقبلون بمولاهم حين
يصبحون وحين يمسون. أولئك تحمل أثقالَهم جِمالُهم، وهؤلاء يحمل الحقُّ عن
قلوبِهِم أثقالَهم.
﴿لَمْ تَكُونُواْ بَلِفِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِِّ﴾: قومٌ أحوالهم مقاساة الشدائد؛ يَصِلُون
سيرهم بسُراهم، وقومٌ في حمل مولاهم؛ بعيدون عن كَدِّ التدبير، مستريحون بشهود
التقدير، راضون باختيار الحقّ في العسير واليسير.

١٥٠
تغير سورة النحل
قوله جلّ ذكره: ﴿وَاَلْخَيْلَ وَاَلْبِغَالَ وَاَلْحَمِيْرٌ لِتَرْكَبُهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
فالنفوس في حَمْلها كالدواب، والقلوب معتقة عن التعنّي(١) في الأسباب.
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: كما أن أهل الجنة من المؤمنين يجدون في الآخرة ما لا عين
رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بَشَرٍ فكذلك أرباب الحقائق يجدون - اليومَ -
ما لم يخطر قطُّ على بال، ولا قرأوا في كتاب، ولا تلقنوه من أستاذ، ولا إِحاطة بما أخبر
الحق أنه لا يعلم تفصيله سواه .. وكيف يعلم من أخبر الحقُّ - سبحانه - أنه لا يعلم؟.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ الشَبِيلِ وَمِنْهَا جَِّرٍّ وَلَوْ شَآءَ لَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
قومٌ هداهم السبيل، وعَرَّفَهِم الدليل، فصرفَ عن قلوبهم خواطر الشكُّ،
وعَصَمَهم عن الجُخدِ والشّرْك، وأَطْلَعَ في قلوبهم شمسَ العرفان، وأفردهم بنور
البيان. وآخرون أضلّهم وأغواهم، وعن شهود الحُجَج أعماهم، وفي سابقُ حكْمِه من
غير سببٍ أَذَلَّهم وقمعهم، ولو شاء لعرَّفهم وهداهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَءُ لَكُ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ
تُسِيمُونَ يُنَبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَبَةً
لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴾ .
أنزل المطر وجعل به سُقيا النبات، وأجرى العادة بأن يديمَ به الحياة، وينبت به
الأشجار، ويخرج الثمار، ويجري الأنهار.
ثم قال: ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَنَّفَكَّرُونَ﴾ ثم قال بعده بآيات: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ،
ثم قال بعده: ﴿لِّقَوْمٍ يَّذَّكَّرُونَ﴾. وعلى هذا الترتيب تحصل المعرفة؛ فأولاً التفكر ثم
العلم ثم التذكر، أولاً يضع النظر موضعه فإِذا لم يكن في نظره خَلَلٌ وجب له العلم لا
محالة، ولا فرق بين العلم والعقل في الحقيقة، ثم بعده استدامة النظر وهو التذكر.
ويقال إنما قال: ﴿لَآَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: على الجمع لأنه يحصل له كثير من
العلوم حتى يصير عارفاً، وكل جزء من العلم تحصل له آية ودليل، فللعالم حتى يكون
عارفاً بربِّه آياتٌ ودلائل، لأن دليل هذه المسألة خلاف دليل تلك المسألة؛ فبدليل
واحد يعلم وَجْهَ النظر، وبأدلة كثيرة يصير عارفاً بربه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ﴾.
الليل والنهار ظرفا الفعل، والناس في الأفعال مختلفون: فموفَّقٌ ومخذول؛
فالموفّق يجري وقته في طاعة ربه، والمخذول يجري وقته في متابعة هواه.
: (١) تعنّى: تعب تعباً شديداً. وتعنى الأمر: تكلفه على مشقة.

١٥١
تفسير سورة النحل
العابد، يكون في فَرْضٍ يقيمه أو نَفْلٍ يديمه، والعارف في ذكره وتحصيل أوراده
بما يعود على قلبه فيؤنسه، وأما أرباب التّوحيد فهم مُخْتَطَفُون عن الأحيان والأوقات
بغلبة ما يَرِدُ عليهم من الأحوال كما قيل:
كيف يدري بذاك مَنْ يَتَقَلَّى؟
لستُ أدري أطال لَيْلِي أم لا
ورعيت النجومَ كنت مُخِلًا
لو تَفَرَّغْتُ لاستطالة لَيْلِي
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَّرِّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتُ بِأَمْرِفِّهِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتٍ
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
هذا في الظاهر، وفي الباطن نجوم العلم وأقمار المعرفة وشموس التوحيد.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَنُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةٌ
لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ .
أقوامٌ خَلَقَ لهم في الأرض الرياضَ والغياض(١)، والدور والقصور، والمساكن
والمواطن، وفنون النّعم وصنوف القِسَم .. وآخرون لا يقع لهم طير على وكر، ولا
لهم في الأرض شِبْر؛ لا ديار تملكهم، ولا علاقة تُمْسِكُهُم - أولئك ساداتُ الناس
وضياء الحق .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًا وَتَسْتَخْرِجُوْ مِنْهُ
◌ِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
سخر البحر في الظاهر، وسهَّل ركوبه في الفُلْك، ويَسَّر الانتفاع بما يستخرج
منه من الحُلِيّ كاللؤلؤ والدُّرِ، وما يقْتَاتُ به من السمك وحيوان البحر.
ومن وجوه المعاني خلق صنوفاً من البحر، فقومٌ غَرْقَى في بحار الشغل وآخرون
في بحار الحزن، وآخرون في بحار اللهو. فالسلامةُ من بحر الشغل في ركوب سفينة
التوكل، والنجاة من بحر الحزن في ركوب سفينة الرضا، والسلامة من بحر اللهو في
ركوب سفينة الذكر، وأنشد بعضهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَأَلْقَى فِ اْلْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَرًا وَسُبُلَا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ .
الرواسي في الظاهر الجبال، وفي الإشارة الأولياء الذين هم غياث الخَلْق، بهم
يرحمهم، وبهم يغيثهم .. ومنهم أبدال ومنهم أوتاد ومنهم القطب. وفي الخبر:
(الشيخ في قومه كالنبي في أمته))(٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾
(١) الغياض: جمع غيضة وهي الشجر الملتف. (اللسان ٧/ ٢٠٢ مادة: غيض).
(٢) للحديث رواية أخرى: ((الشيخ في أهله كالنبي في أمته)». أخرجه المتقي الهندي في (كنز العمال
٤٢٦٣٢)، والعجلوني في (كشف الخفاء ٢٢/٢)، وعلي القاري في (الأسرار المرفوعة ٢٢٩)،
(أحاديث القصاص ٢٤).

١٥٢
تفسير سورة النحل
[الأنفال: ٣٣]، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَتُ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ
تَطَُّوهُمْ﴾، [الفتح: ٤٥]، وأنشد بعضهم:
واحسرتا من فراق قوم
هم المصابيح والأمن والمزن
قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَلَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
الكواكبُ نجومَ السماء ومنها رجومٌ للشياطين، والأولياء نجومٌ في الأرضِ.
وكذلك العلماء وهم أئمة في التوحيد وهم رجومٌ للكُفَّار والملحدين.
ويقال فرقٌ بين نجوم يهْتَدَى بها في فِجَاج الدنيا، ونجوم يُهْتَدَى بهم إلى الله
تعالی.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ .
تدل هذه الآية على نفي التشبيه بينه - سبحانه - وبين خَلْقِه. وصفاتُ القِدَم لله
مُستَحَقّة، وما هو من خصائصِ الحدثان وسِماتِ الخُلق يتقدَّس الحقُّ - سبحانه - عن
جميع ذلك. ولا تُشَبّه ذاتُ القديم بذواتِ المخلوقين، ولا صفاتُه بصفاتِهم، ولا
حُكمُه بحُكمِهم، وأصلُ كلِّ ضلالةٍ التشبيهُ، ومِنْ قُبْح ذلك وفسادِه أَنَّ كلَّ أحدٍ يتبرأُ
منه ويستنكِفُ من انتحاله.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن تَعُذُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَ اَللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
الموجوداتُ لا تحصوها لِتقاصُرٍ علومِكم عنها، وما هو من نِعمَ الدفع فلا نهاية
له. وهو غفور رحيم حيث يتجاوز عنكم إذا عجزتم عن شكره، ويرضى بمعرفتكم
( ..... )(١) لكم عن شكره.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
ما تُسِرُّون من الإخلاص وملاحظة الأشخاص .. فلا يخفى عليه حسبان، وما
تعلنون من الوفاق والشقاق، والإحسان والعصيان. والآيةُ توجِبُ تخويف أَربابٍ
الزَّلَّات، وتشريفَ أصحابِ الطاعات.
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ .
أخبر أن الأصنامَ لا يَصِحُّ منها الخُلقُ لكونها مخلوقةً، ودلَّت الآيةُ على أنَّ من
وُجِدَتْ له سِمَةُ الخُلق لا يصِحُ منه الخُلق، والَخْلقُ هو الإيجاد؛ ففي الآية دليلٌ على
خلقِ الأعمال.
فوله جلّ ذكره: ﴿أَنْوَتُّ غَيْرُ أَخْيَاْءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
(١) بياض في الأصل.

١٥٣
تفسير سورة النحل
لأنَّ مَنْ لَحِقَهُ وصفُ التكوين لا يصِحُ منه الإيجاد. وفي التحقيق كُلُّ مَنْ عَلقَ
قلبَه بشيءٍ، وتَوَهَّم منه خيراً أو شراً فقد أشرك بالله بظنّه، وإنما التوحيدُ تجريدُ القلبِ
عن حسبان شظيةٍ من النفي والإثبات من جميع المخلوقين والمخلوقات.
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِلَهُّكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبُونَ﴾ .
لا قَسِيمَ لِذَاتِه جوازاً أو وجوباً، ولا شبيهَ له ولا شريك .. ومَنْ لم يتحققْ بهذه
الجملة قطعاً، وبشهادة البراهين له تفصيلاً فهو في دَرَكَاتِ الشّرك واقعٌ، وعن حقائق
التوحيد بمعزل، قال تعالى في صفة الكفار: ﴿قُلُوبُهُم مُنكِرَةٌ وَهُم مُسْتَكْبُونَ﴾ أي في أَسْرٍ
الشِّرْكِ وغطاء الكفر، ثم ليس فيه اتصاف لطلب العرفان؛ لأنَّ العلةَ - لِمَنْ أراد المعرفة -
مُتاحة، وأدلة الخُلق لائحة .
قوله جل ذكره: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِزُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾
فيفضحهم ويبيِّنُ نفاقَهم، ويُعْلِنُ للمؤمنين كفرهم وشقاقهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكِْينَ﴾ .
دليل الخطاب أنه يحب المتواضعين المتخاشعين، ويكفيهم فضلاً بشارة الحق
لهم بمحبته لهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
لَحِقَهم شؤمُ تكذيبهم، فأَصرُّوا على إعراضهم عن النظر، وقَسَتْ قلوبُهم ولم
تجنح إلى الإقرار بالحق، فَلَبَّسُوا على من يسائلهم، وقالوا: هذا الذي جاء به محمد
من أكاذيب العجم(١). فَضلُوا وأَضَلوا.
قوله جلّ ذكره: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم
بِغَيّرِ عِلْمٍ أَلَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
لما سَعَوْا في الدنيا لغير الله لم تَصْفُ أعمالُهم، وفي الآخرة حَمَلُوا معهم
أوزارهم .. أولئك الذين خَسِروا في الدنيا والآخرة.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَدْ مَڪَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.
اتصفوا بالمكر فحاق بهم مَكْرُهم، ووقعوا فيما حفروه لغيرهم، واغتروا بطول
الإمهال، فأخذهم العذابُ من مأْمَنِهم، واشتغلوا بِلهوهِم فَنَغَّصَ عليهم أطيب تَيْشهم:
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَنَى اللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ
وَأَتَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ .
(١) العجم: من ليسوا عرباً، الواحد: عجمي نطق بالعربية أو لم ينطق.

١٥٤
تفسير سورة النحل
الذي وصف نفسه به في كتابه من الإتيان فمنعاه العقوبة، وذلك على عادة
العرب في التوسع في الخطاب.
وهو سبحانه يكشف الليلَ ببَذْره ثم يأخذ الماكر بما يليق بمَكْره، وفي معناه
قالوا :
مكْراً، كذا مَنْ يَأْمَنُ الأياما
وأَمِنْتُه فأَتَاحَ لي من مأُمَني
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ يُخْزِيِهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَلِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشْكَقُونَ
فِيِهِمَّ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالشُّهَ عَلَى الْكَفِينَ﴾.
في الدنيا عاجلُ بلائهم، وبين أيديهم آجِلُه. وحَسْرةُ المُفِلس تتضاعف إذا ما
حُوسِبَ، وشاهَدَ حاصِلَه .
﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ ... ﴾: يُسْمِعُ الكافرين قولَ المؤمنين، ويبيِّن للكافة
صِدْقَهم. ويقع الندمُ على جاهلهم. وأما اليومَ فعليهم بالصبر والتحمُّل، وعن قريب
ينكشف الغطاء، وأنشد بعضهم:
من الذُّلْ لم أَجْزَغْ ولم أَتَكلَّم
خليليَّ لو دارت على رأسِيّ الرَّحى
ولكنني أفصحتُ يومَ التكلّم
وأطرقتُ حتى قيل لا أعرفُ الجفا
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ تَنَّهُمُ الْمَتِكَةُ ظَالِمِيّ أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوْ السَّلَرَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن
سُوْءٍ بَلَىَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوَاْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَّا فَلَيْسَ مَثْوَ
الْمُتَكَّرِينَ ﴾ .
﴿ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾: بارتكاب المعاصي وهم الكفار.
﴿فَأَلَقَوْ السَّلَمَ﴾: انقادوا واستسلموا لحكم الله .
﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوَّغَ﴾: جحدوا وأنكروا ما عملوا من المخالفات.
﴿بَلَّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: هكذا قالت لهم الملائكة، ثم يقولون
لهم: ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَبَ ... ﴾: وكذلك الذين تقسو نفوسُهم بإعراضهم عن الطاعات إذا
نزَلَتْ بهم الوفاةُ يأخذون في الجزع وفي التضرع، ثم لا تطيبُ نفوسهم بأن يُقِرُّوا
بتفاصيل أعمالهم عند الناس، فيما يتعلق بإرضاء خصومهم لما أُخَلُّوا من معاملاتهم،
ثم الله يؤاخذهم بالكبير والصغير، والنقير والقطمير، ثم يبقون أبداً في وبال ما
أحقبوه، لأن شؤم ذلك يلحقَهم في أُخراهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَبْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِيِ
هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُنَّقِينَ﴾ .

١٥٥
تفسير سورة النحل
أما المسلمون فإذا وردوا عليهم، وسألوهم عن أحوال محمد - وَل، وعما أَنزل
اللَّهُ عليه، قالوا: دينه حقٌّ، واللَّهُ أَنزل عليه الحقَّ .. والذين أحسنوا في الدنيا يجِدُون
الخير في الآخرة.
ويقال في هذه الدنيا حسنة، وهي ما لهم من حلاوة الطاعة بصفاء الوقت ويصحُ أن
تكونَ تلك الحسنةُ زيادةً التوفيق لهم في الأعمال، وزيادةَ التوفيقِ لهم في الأحوال.
ويصح أن يقال تلك الحسنة أَنْ يُوَفِّقَهم بالاستقامة على ما هم عليه من الإحسان.
ويصح أن يقال تلك الحسنة أن يُبَلِّغهم منازلَ الأكابر والسادةِ.
قال تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِعَّةُ يَهْدُونَ بِأَتْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ﴾ [السجدة: ٢٤].
ويصح أن تكون تلك الحسنة ما يتعدَّى منهم إلى غيرهم من بركات إرشادهم
للمريدين، وما يجري على من اتبعهم مما أخذوه وتعلموه منهم، قال النبي وَار: ((لأن
يهتدي بهداك رجل خير لك من حمر النعم)) (١).
ثم قال: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾، لأن ما فيها يبقى، وليس فيها خطر الزوال.
ولأن في الدنيا مشاهدة وفي الآخرة معاينة.
قوله جلّ ذكره: ﴿جَنَّتُ عَدٍّ يَدْ خُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَِّ لَمْ فِيَهَا مَا يَشَآءُونَ
كَذَلِكَ يَجْزِى ◌َللَّهُ الْمُنَّقِينَ﴾ .
كما أن الإرادات والهِمَمَ تختلف في الدنيا فكذلك في الآخرة، وفي الخبر: ((مَنْ
كان بحالةٍ لَقِيَ الله بها)) فَمِنْ مريدٍ يكتفي من الجنة بورودها، ومن مريدٍ لا يكتفي من
الجنة دون شهود ربِّ الجنة.
ويقال إذا شاءوا أن يعودوا إلى ما فاتهم من قصورهم، وما وجدوا في ذلك من
صحبة اللَّعينِ في سائر أحوالهم وأمورهم يسلم لهم ذلك، ومن شاء أن تدومَ رؤيتُه،
ويتأبَّدَ سماعُ خطابه فلهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد، وهو ما لم يخطر ببال أحد.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ نَّهُمُ الْمَلَكَةُ ◌َتِيْنٌ يَقُولُونَ سَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
يقبض أرواحهم طيبةً. أو يقال: ﴿طَيِِّيٌّ﴾ حال.
والأسباب التي تطيب بها قلوبُهم وأرواحهُم مختلفة، فمنهم مَنْ طاب وقتُه لأنه
قد غُفِرتْ ذنوبُه، وسُتِرتْ عيوبه، ومنهم مَنْ طاب قلبُه لأنه سَلَّمَ عليه محبوبُه، ومنهم
من طاب قلبه لأنه لم يَفْتْه مطلوبه.
(١) أخرجه البخاري في (الصحيح ٥٨/٤ - ٢٧٣، ٢٣/٥ - ١٧١)، ومسلم في الصحيح (فضائل
الصحابة ب ٤ رقم ٣٤).

١٥٦
تفسير سورة النحل
ومنهم من طاب وقته لأنه يعود إلى ثوابه، ويصل إلى حُسْنِ مآبه .
ومنهم من يطيب قلبه لأنه أَمِنَ من زوال حالِه، وحظي بسلامة مآله، ومنهم من
يطيب قلبُه لأنه وصل إلى أفضاله، وآخر لأنه وصل إلى لطف جماله، وثالث لأنه
خُصَّ بكشف جلاله - قد عَلِمَ كلُّ أناسٍ مَشْرَبَهم .
ويقال: ﴿تَقَّهُمُ الْمَئِكَةُ﴾ طيبةً نفوسهم أي طاهرةً من التدنُّس بالمخالفات،
وطاهرةً قلوبُهم عن العلاقات، وأسرارهم عن الالتفات إلى شيء من المخلوقات.
قوله تعالى: ﴿سَلَمُ عَيْكُمُ ﴾ إِحْظَوْا بالجنة، منهم مَنْ يخاطبه بذلك المُلَكَ،
ومنهم مَنْ يُكَاشِفِه بذلك المَلِكُ.
قوله جلّ ذكره: ﴿هَلْ يَنُظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْنِيَهُمُ الْمَبِكَةُ أَوْ بَأْقَ أَمْرُ رَبِكَ كَذَلِكَ فَعَلَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فَأَصَابَهُمْ سَيْئَاتُ مَا عَمِلُواْ
وَمَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ .
القوم ينتظرون مجيءَ الْمَلَكِ لأنهم لم يعرفوه ولم يعتقدوا كونَه. ولكن لمَّا كانوا
يستعجلون معتقدين أن الرسلَ غيرُ صادقين، ولمَّا سلكوا مسلكَ أضرابهم من
المتقدمين - عوملوا بمثل ما لَقِي أسلافُهم، وما كان ذلك من الله ظلماً، لأنه يتصرف
في مُلْكه من غير حُكْمٍ حاكمٍ عليه .
. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ نَحْنُ وَلَّ
ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَِّ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾.
خَبِثَتْ قصودُهم فيما قالوا على وجه التكذيب والاستهزاء، وغَلَبَتْ على نطقهم
ظلمات جهلهم وجحدهم، وانكشف عدمُ صِدْقِهم في أحوالهم.
وقولهم: ﴿لَوْ شَآءَ اَللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ ... ﴾ يشبه قولهم: ﴿أَنْطْعِمُ مَنْ
لَّوْ بَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]. ولا خلاف أن الله لو شاء أن يطعمهم لكان ذلك.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِ أُمٍَّ زَّسُولًا أَيْنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتٌ
فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ فَسِبْرُواْ فِ اَلْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَبَ
عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
لم يُخْلِ زماناً من الشرع توضيحاً لحجته، ولكن فرَّقهم في سابقِ حُكْمِه؛ ففريقاً
هداهم، وفريقاً حَجَبَهم وأعماهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِن تَحْرِضِ عَلَى هُدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن
نَّهِرِنَ﴾.

١٥٧
تفسير سورة النحل
ألزمهم الوقوفَ على حدٌ العبودية في إرادة هدايتهم ومعرفتهم حقائق الربوبية
فقال: إنك وإنْ كنتَ بأمرنا لك حريصاً على هدايتهم؛ فإن من قَسَمْتُ له الضلالَ لا
يجري عليه غيرُ ما قَسمْتُ له.
ويقال من ألبستُه صدارَ الضلال لا تنزعه وسيلةٌ ولا شفاعة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمّ لَا يَبعَثُ اَللَّهُ مَن يَمُوتُّ بَى وَعْدًا عَلَيْهِ
حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
القَسَمُ يؤكِّد الخبرَ، ولكنَّ يمينَ الكاذب توجِب ضَعْفَ قوله؛ لأنه كلما زاد في
جحد الله ازداد القلبُ نفرةً من قوله :
قوله جلّ ذكره: ﴿لِيُبَيَِّ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ
كَذِبِينَ﴾ .
إذا بيَّن الله صِدْقَ ما ورد به الشرع في الآخرة بكشف الغيب زاد افتضاحُ أهل
التكذيب فيكون في ذلك زيادةٌ لهم في التعذيب.
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنَ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
فيكون بالسمع عِلْمُ تَعَلَّقِ قَوْلِه بما يفعله، وحَمَله قومٌ على أن معناه أنه لا يتعسَّرُ
عليه فعلُ شيءٍ أراده، فالآية على القولين جميعاً.
والذي لا يحتاج في فعله إلى مادة يخلق منها لا يفتقر إلى مدةٍ يقع الفعل فيها .
وتدل الآيةُ على أَنَّ قولَه ليس بمخلوق؛ إذ لو كان مخلوقاً لكان مقولاً له: كن،
وذلك القول يجب أن يكون مقولاً له بقولٍ آخر ... وهذا يؤدي إلى أن يتسلسل ما
يحصل إلى ما لا نهاية له .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى الَِّ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُوِّثَنَّهُمْ فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ
وَلَأَجْرُ الَْخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ .
مَنْ هَاجَرَ عن أوطان السوء - في الله - أبدل له اللَّهُ في جوار أوليائه ما يكون له
في جوارهم معونَةٌ على الزيادة في صفاء وقته. ومَنْ هَجَرَ أوطانَ الغفلة مَكَّنَهُ الله مِنْ
مشاهدِ الوصلة. ومَنْ فَارقَ مجالسة المخلوقين، وانقطع بقلبه إليه - سبحانه - باستدامة
ذكره - فكما في الخبر: ((أنا جليس من ذكرني)). وبدايةُ هؤلاء القوم نهايةُ أهل الجنة؛
ففي الخبر ((الفقراء الصابرون جلساءُ الله يوم القيامة)). ويقال القلبُ مظلومٌ من جهة
النَّفْس لما تدعوه إليه من شهواتها، فإذا هجرها أورث اللَّهُ القلبَ أوطانَ النَّفْس حتى
تنقادَ لما يطالِبُ به القلبُ من الطاعة؛ فبعد ما تكون أوطان الزَّلَّةِ بدواعي الشهوة تصير
أوطانَ الطاعة لسهولة أدائها .

١٥٨
تفسير سورة النحل
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَنَوَكَّلُونَ﴾ .
الصبرُ الوقوفُ بحسب جريان القضاء، والتوكل التوقي بالله بحُسْن الرجاء.
ويقال صبروا في الحال، وتوكلوا على الله في تحقيق الآمال.
ويقال الصبر تحسّي كاساتٍ المقدور، والتوكل الثقة في الله في استدفاع المحذور.
ويقال الصبرُ تجرُّعُ ما يُسْقَى، والتوكل الثقة بما يرجو.
ويقال إنما يقوَون على الصبر بما حققوا من التوكل .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَّ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَتِهِمْ فَتَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن
كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونٌ﴾ .
تعجبوا أن يكون من البَشَرِ رُسلا، فأخبر أنَّ الرسل كلهم كانوا من البشر، وأَنَّ
فيمن سبق مَنْ أَقَرَّ بذلك. ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ هم العلماء؛ والعلماء مختلفون: فالعلماءُ
بالأحكام إليهم الرجوعُ في الاستفتاء من قِبَل العوام فَمَنْ أُشْكِل عليه شيءٌ من أحكام
الأمر والنهي يرجع إلى الفقهاء في أحكام الله، ومن اشتبه عليه شيءٌ من علم السلوك
في طريق الله يرجع إلى العارفين بالله، فالفقيه يوقّع عن الله، والعارف ينطق - في آداب
الطلب وأحكام الإرادة وشرائط صحتها - عن الله، فهو كما قيل: أليس حقاً نطقت بين
الورى فاشتهرت، كاشفها يعلم ما منَّ عليها فجرت، فهي عناء به عينيه قد طهرت .
قوله جلّ ذكره: ﴿بَلْيَسَْتِ وَالزُّبْرِ وَأَنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ
وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ .
أي إن البيانَ إليك، فأنت الواسطة بيننا وبينهم، وأنت الأمين على وحينا.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخِْفَ الَهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ
الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَوْ بَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلِّهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَّهُمْ عَى تَخَوُفٍ فَإِنَّ
رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ .
العبدُ في جميع أحواله عُرْضَةٌ لِسِهام التقدير، فينبغي أن يستشعر الخوفَ في كلٌ
نَفَسٍ من الإصابة بها، وألَّا يأمنَ مَكْرَ الله في أي وقت، وأكثر الأسنة تعمل في الموطأةِ
نفوسُهم وقلوبُهم على ما عَوَّدَهم الحقُّ من عوائد المِنَّة، ولكن كما قيل:
يا راقدَ الليلِ مسروراً بأَوَّلِهِ إِنَّ الحوادثَ قد يَطْرُقْنَ أسحارا
قوله جلّ ذكره: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ الَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآيِ
سُبَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَخِرُونَ﴾ .
كل مخلوقٍ من عين أو أثر، مِنْ حَجَر أو مَدَرٍ أو غَبَرٍ فلله - من حيث البرهان -
ساجد، ومن حيث البيان على الوحدانية شاهد.

١٥٩
تفسير سورة النحل
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَآبَةٍ وَالْمَلَئِكَةُ وَهُمْ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ﴾ .
ذلك سجود شهادة لا سجود عبادة، فإذا امتَنَعَتْ عن إقامة الشهادة لقوم قالةٌ،
فقد شهد كل جزء منهم من حيث البرهان والدلالة.
قوله جلّ ذكره: ﴿ يَخَافُونَ رَهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ .
يخافون الله أن يُنزلَ عليهم عذاباً من فوق رؤوسهم.
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ لا يعصونه ولا يحيدون عن طاعته.
ويقال خيرُ شيء للعبد في الدنيا والآخرة الخوفُ؛ إذ يمنعه من الزَّلة ويحمله
على الطاعة .
قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَقَالَ اَللَّهُ لَا نَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ آَثْنَيْنِّ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِّةٌ فَإِنَىَ فَأَزْهَبُونِ
وَلَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ .
الحاجة إلى إثبات صانع واحد داعية، وما زاد على الواحد (فالا .... )(١) فيه
متساوية .
ويقال إثبات الواحد ضرورة، وقُدْرَةُ الاثنين محصورة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّهُ اَلْدِيْنُ وَاصِبًّاْ أَفَغَيّرَ اللَّهِ نَنَّقُونَ﴾ .
له الدين خالصاً وله الدين دائماً، وله الدينُ ثابتاً، فالطاعة له واجبة. فلا تتقوا
غيره، وأطيعوا شَرْعَه بخلاف هواكم، واعبدوه وَخْدَه، واستجيبوا له في المَسَرَّةِ
والمَضَرَّةِ .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا بِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ .
النعمة ما يُقَرِّبُ العبدَ من الحق، فأمَّا ما لا يوجِب النسيانَ والطغيان، والغفلةَ
والعصيانَ فَأَوْلَى أن يكون محبة.
ويقال ما للعبد فيه نفع، أو يحصل به للشر منع فهو على أصح القولين نعمة؛
سواء كان دينياً أو دنيوياً، فالعبد مأمورٌ بالشكر على كل حال. وأكثر الناس يشكرون
على نعم الإحسان، ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] على كل حال.
وفائدةُ الآيةِ قَطْعُ الأسرارِ عن الأغيار في حالتي اليُسْر والعُسْر، والثقة بأن الخير
والشر، والنفع والضر كلاهما من الله تعالى.
(١) بقية الكلمة بياض في الأصل.

١٦٠
تفسير سورة النحل
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ إِذَا مَشَكُمُ الْضُرُّ فَإِلَيْهِ تَجْتَرُونَ﴾ .
إذ ليس لكم سواه؛ فإذا أَظَلَّتْ العبدَ هواجمُ الاضطرار التجأ إلى الله في استدفاع
ما مَسَّه من البلاء ثم إذا مَنَّ الحقُّ عليه، وجاد عليه بكشف بلائه صار كَأَنْ لم يمسه
سوءٌ أو أصابه همّ كما قيل:
ولم يَكُ صعلوكاً إذا ما تَمَوَّلًا
كأنَّ الفتى لم يَعْرَ يوماً إذا اكتسی
وقال :
﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ أَلِضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنَكُمْ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ﴾
٠
الخطاب عام، وقوله: ﴿مِنْكُرُ﴾: لأنَّ القومَ منهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمَّ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
في هذا تهديد أي أنهم سوف يندمون حين لا تنفع لهم ندامةٌ، ويعتذرون حين
لا يُقْبَلُ لهم عُذْرٌ .. ومَنْ زَرَعَ شراً فلن يَخْصُدَ إلا جزاءَ عَمَلِهِ .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَهُمْ تَاللَّهِ لَتُشْتَلُنَّ عَمَّا كُتُمْ
تَفْتَرُونَ﴾ .
أي يجعلون لما لا يعلمون - وهي أصنامهم التي ليس لها استحقاق العلم -
نصيباً من أرزاقهم؛ فيقولون هذا لهم وهذا لشركائنا .
﴿قَالَِّ﴾ أقسم إنهم سيلْقَوْن عقوبةَ فِعْلِهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَتِ سُبْحَتَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ﴾.
من فَرْطِ جهلهم وصفوا المعبودَ بالولد، ثم زاد اللَّهُ في خذلانهم حتى قالوا:
الملائكة بنات الله. وكانوا يكرهون البنات، فرضوا لله بما لم يرضوا لأنفسهم.
ويلتحق بهؤلاء في استحقاق الذمُ كلُّ مَنْ آثر حَظَّ نَفْسِه على حقٌّ مولاه، فإِذا فعل مَالهُ
فيه نصيبٌ وغرضٌ كان مذمومَ الوصف، ملوماً على ما اختاره من الفعل .
ثم إنه عابهم على قبيح ما كانوا يفعلونه ويتصفون به من كراهةٍ أَنْ تُولَد لهم
الإناثُ فقال:
﴿وَإِذَا بُنِّرَ أَحَدُهُمْ بِلْأُنَ ظَلَ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَنَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوَّهِ مَا بُشْرَ بِّةٍ
أَيُّمْسِكُمُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى الْتُّرَبِ أَا سَآَ مَا يَحْلَكُمُونَ ﴾ .
اسولت عليهم رؤية الخلق، وملكتهم الحيرة، فَلحَقُوا على البنات مما يلحقهم
عند تزويجهن وتمكين البَغْلِ فيهن .. وهذه نتائج الإقامة في أوطان التفرقة، والغيبة
عن شهود الحقيقة .