Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
تفسير سورة إبراهيم
قوله جلّ ذكره: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّمعَفَوُاْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا
فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ ... ﴾ .
لم يكونوا عن الحقِّ - سبحانه - متسترين حتى يظهروا له، ولكن معناه صارت
معارفهم ضرورية فحصلوا في مواطن لم يكن لغير الله فيها حكم، فصاروا كأنهم
ظهروا لله. فقال الضعفاء للذين استكبروا: ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ توهماً أن يرفعوا عنهم
شيئاً من العناء، فأجابهم المتكبرون: إنَّا جميعاً في العذاب مشتركون، ولو أمكننا أَنْ
ترفعَ عنكم من العذاب، وقدرنا على أن نهديَكُم إلى طريق النجاة لنجيناكم مما
شكوتم، وأجبناكم إلى ما سألتم، ولكنكم لستم اليوم لنا بمصرخين، ولا نحن لكم
بمغيثين، ولا لما تدعونا إليه بمستجيبين ...
فلا تلومونا ولوموا أنفسكم، ولات حين ملام! إنما ينفع لومُ النّفْس فيما تتعاطاه
من الإساءة في زمان المُهْلَةِ وأوقات التكليف؛ فإنَّ أبوابَ التوبةِ مفتوحة، ولكن لمن
لم ينزع روحه (١).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمَّ تِيِّئُهُمْ فِيَهَا سَلَمُ﴾ .
ذلك الذي مضى ذِكْرُ صفةُ الكفار والأعداء. وأمَّا المؤمنون والأولياء، فقال:
﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ والإيمان هو التصديق، ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ تحقيق التصديق.
ويدخل في جملة الأعمال الصالحة ما قلَّ أو كَثُرَ من وجوه الخيرات حتى القَذَر
تميطه (٢) عن الطريق .
و ﴿تَحِيَّنُهُمْ فِيَهَا سَلَمُ﴾ - وكذلك قال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَمِ﴾ [الأنعام:
١٢٧]، فالوصفُ العام والتحيةُ لهم من الله السلامُ.
ويقال إن أحوالهم متفاوتة في الرتبة؛ فقومُ سَلِمُوا من الاحتراق ثم من الفراق ثم
من العذاب ثم من الحجاب .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيَّفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةُ طَتِبَةُ كَشَجَرَقِ طَتِبَةٍ أَصْلُهَا
ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَآءِ تُؤْقٍ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَأُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيِئَةٍ أَجْتُثَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾ .
هذا مثل ضربه الله للإيمان والمعرفة به سبحانه، فشبهه بشجرة طيبة، وأصل
تلك الشجرة ثابت في الأرض وفروعها باسقة وثمراتها وافية. تؤتى أكلها كل وقت،
وينتفع بها أهلُها كل حين.
(١) الآية (٢٢) لم ترد.
(٢) أماطه : نحاه وأبعده.

١٢٢
تفسير سورة إبراهيم
وأصل تلك الشجرة المعرفة، والإيمان مُصَحَّحاً بالأدلة والبراهين. وفروعها
الأعمال الصالحة التي هي الفرائض ومجانبة المعاصي.
والواجب صيانة الشجرة مما يَضُرُّ بها مثل كشف القِشْر وقَطْع العِزْق وإملاق
الغصن وما جرى مجراه .
وأوراق تلك الشجرة القيام بآداب العبودية، وأزهارها الأخلاق الجميلة،
وثمارها حلاوة الطاعة ولذة الخدمة .
وكما أن الثمار تختلف في الطّعم والطبع والرائحة والصورة .. كذلك ثمرات
الطاعات ومعاني الأشياء التي يجدها العبدُ في قلبه تختلف من حلاوة الطاعة وهي
صفة العابدين، والبسط الذي يجده العبدُ في وقته وهو صفة العارفين، وراحةٍ في
الضمير وهو صفة المريدين، وأنْسٍ يناله في سِرُّه وهو صفة المحبين. وقلقٍ واهتياج
يجدهما ولا يعرف سببهما، ولا يجد سبيلاً إلا سكونه وهو صفة المشتاقين ... إلى ما
لا يفي بشرحه نطقٌ، ولا يستوفيه تكلّفُ قَوْلٍ. وذكرٍ من لوائح ولوامع، وطوارق
وشوارق، كما قيل:
فتُظْهِرُ كتمانا وتُخْبِرُ عن جمع
طوارق أنوار تلوح إذا بدت
ثم إن ثمراتِ الأشجار في السنة مرة، وثمرات هذه الشجرة في كل لحظة كذا
كذا مرة. وكما قال الله تعالى في ثواب الجنة: ﴿لََّ مَقْطُوْعَةٍ وَلَا مَمْنُعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]
كذا لطائف هذه الشجرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وقلوب أهل الحقائق عنها لا
مصروفة، ولا محجوبة، وهي في كل وقت ونَفّسٍ تبدو لهم غيرَ محجوبة.
وثمرات الشجرة أشرف الثمار، وأنوارها ألطف وأظرف الأنوار، وإشارات أهل
هذه القصة وألفاظهم في مراتبهم ومعانيهم كالرياحين والثّوْر.
ويقال الكلمة الطيبة هي الشهادة بالإلهية، وللرسول - وَله ـ بالنبوة. وإنما تكون
طيبة إذا صدرت عن سرِّ مخلص.
والشجرة الطيبة المعرفة، وأصلها ثابت في أرضٍ غير سبخةٍ، والأرض السبخة
قلب الكافر والمنافق، فالإيمان لا ينبت في قلبيهما كما أن الشجرة في الأرض السبخة
لا تنبت. ثم لا بدَّ للشجرة من الماء، وماء هذه الشجرة دوام العناية، وإنما تُورِقُ
بالكفاية، وتَتَوَرَّدُ بالهداية .
ويقال ماءُ هذه الشجرة ماءُ الندم والحياءِ والتلهفِ والحسرةِ والأمانة والخشوع
وإسبال الدموع.
ويقال ثمرات هذه الشجرة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم؛ فمنها التوكل

١٢٣
تفسير سورة إبراهيم
والتفويض والتسليم، والمحبة والشوق والرضا، والأحوال الصافية الوافية، والأخلاق
العالية الزكية .
ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيئة هي كلمة الكفر، وخبثُها ما صحبها من نجاسة
الشّرك، فَخُبْث الكلمة لصدورها عن قلبٍ هو مُسْتَقَرُّ الشِّرْكِ ومنبعه.
والشجرة الخبيثة هي الشّرْكُ اجتُثَ(١) من فوق الأرض؛ لأن الكفر متناقض
متضاد، ليس له أصل صحيح، ولا برهان موجب، ولا دليل كاشف، ولا علة
مقتضية، وإنما شُبَةٌ وأباطيل وضلال، تقتضي وساوس وتسويلاتٍ ما لها من قرار،
لأنها حاصلة من شُبَهٍ واهية وأصول فاسدة.
قوله جلّ ذكره: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فىِ الْخَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي
الْآَخِرَةِ وَيُضِلُ اللَّهُ الََّلِمِينَّ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ .
بالقول الثابت وهو البقاء على الاستقامة، وترك العوّج.
ويقال القول الثابت هو الشهادة الضرورية عن صفاء العقيدة وخلوص السريرة.
ويقال القول الثابت هو بنطق القلوب لا بذكر اللسان.
ويقال القول الثابت هو قول الله العزيز القديم الذي لا يجوز عليه الفناء والبطول
فهو بالثبوت أَوْلَى من قول العبد؛ لأن قولَ العبد أَثَرّ، والآثار لا يجوز عليها الثبوت
والبقاء وإنما يكون باقياً حُكْماً ثباتُ العبد لقول الله؛ وهو حكمه بالإيمان وأخباره أنه
مؤمن وتسميته بالإيمان. وقول الله لا يزول؛ ففي الدنيا يثبتُه حتى لا بِذْعَةَ تعتريه،
وفي الآخرة يثبتُه برسله من الملائكة، وفي القيام يثبتُه عند السؤال والمحاسبة وفي
الجنة يثبتُه لأنه لا يزول حمد العبد لله، ومعرفته به. وإذا تنوعت عليه الخواطر ورفع
إليه - سبحانه - دعاءَه ثَبَّتَه حتى لا يحيد عن النهج المستقيم والدين القويم.
ويقال إذا دَعَتْه الوساوسُ إلى متابعةِ الشيطان، وصيّرتْه الهواجسُ إلى موافقة
النَّفْس فالحق يثبته على موافقة رضاه.
ويقال إذا دَعَتْه دواعي المحبة من كل جنس كمحبة الدنيا، أو محبة الأولاد
والأقارب والأموال والأحباب أعانه الحقُّ على اختيار النجاة منها، فيترك الجميع، ولا
يتحسَّسُ إلا دواعيَ الحقْ - سبحانه كما قيل:
أبيْنا وقلنا: مطلبُ الحقِّ أَوَّلا
إذا ما دَعَتْنا حاجةٌ كي تردّنا
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ
الْبَوَارِ﴾ .
(١) الجث: القطع أو انتزاع الشجر من أصله.

١٢٤
تفسير سورة إبراهيم
وضعوا الكفران محل الشكر، فاستعملوا النعمة للكفر، بدلاً من استعمالها فيما
كان ينبغي لها من الشكر. واستعمال النعمة في المعصية من هذه الجملة، فأعضاءُ
العبد كلها نِعَمٌ من الله على العبد، فإذا استعمل العاصي بَدَنَه في الزَّلة بدلاً من أن
يستعملها في الطاعة فقد بَدَلَّ النعمة كفراً، وكذلك إذا أودع الغفلة قلبَه مكانَ المعرفة،
والعلاقة فيه مكان الانقطاع إليه، وعَلَّقَ قلبه بالأغيار بَدَلَ الثقة به، ولَطَّخَ لسانَه بذكر
المخلوقين ومَدْحِهِم بَدَلَ ذكرِ الله واشتغل بغير الله دون العناء في ذكره ... كلُّ هذا
تبديلُ نِعَم الله كفراً. وإذا كانَ العبدُ منقطعاً إلى الله، مكفياً من قِبَلِ الله .. وَجَدَ في
فراغه مع الله راحةً عن الخَلْقِ، ومن إقباله عليه - سبحانه - كفاية، فإذا رجع إلى
أسباب التفرقة، ووقع في بحار الاشتغال ومعاملة الخلق ومدحهم وذمهم فقد أحلّ
قومه دار البوار؛ على معنى إيقاعه قلبَه ونّفْسّه وجوارحَه في المذلة من الخَلْق،
والمضرة في الحال، وشأنه كما قيل :
ولم أَرَ قَبْلي مَنْ يُفَارِقُ جَنَّةً
ويقرع بالتطفيل بابَ جهنم
قوله جلّ ذكره: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِأْسَ الْقَرَارُ﴾.
وهي الجحيم المُعجَّل .. وعذابُها بها الفُرْقَة لا الحُرْقَة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُواْ عَن سَبِهِ. قُلْ تَمَثَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى
النَّارِ﴾ .
. رضوا بأن يكون معمولُهم معبودَهم، ومنحوتُهم مقصودَهم، فضلُوا عن نَهْجِ
الاستقامة، ونأوا عن مقر الكرامة وسيلقون غِبَّ ما صنعوا يوم القيامة كما قيل:
فعسى أن تَمَلَّهُم فتعود!
قد تركناكَ والذي تريد.
قل تمتعوا أياماً قليلة فأيامُ السرور قِصارٌ، ومُتَعُ الغفلة سريعة الانقضاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لِعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَا رَزَقْتَهُمْ سِرًّا
وَعَلَاِيَةٌ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَلُ﴾ .
جعل الله راحةَ العبدِ - اليومَ - بكمالها في الصلاة؛ فإِنَّها محلُّ المناجاة، قال
الرسول : ((أَرِخنا يا بلال بالصلاة))(١) والصلاة استفتاح باب الرزق، قال تعالى:
﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَِّ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَاً لَا نَسْتَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢].
(١) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٣٦٤/٥ - ٣٧١)، والطبراني في (المعجم الكبير ٦/ ٣٤٠) وابن
كثير في (التفسير ٤٥٦/٥)، والهيثمي في (مجمع الزوائد ١٤٥/١)، والخطيب البغدادي في (تاريخ
بغداد ١٠/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ١٦٥/١)، (تحذير الخواص
٣٣)، وعلي القاري في (الأسرار المرفوعة ١٦)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ١٣٧/٣).

١٢٥
تفسير سورة إبراهيم
وفي الصلاة يبث العبد أسرارَه مع الحق؛ فإذا كان لقاءُ الإخوان - كما قالوا -
مَسْلَاةً لهم فكيف بمناجاتك مع الله، ونشر قصتك بين يديه؟ كما قيل:
كيف أنت وكيف حالك؟
قُلْ لي بألسنة التَّنَفُّسِ
﴿وَيُنفِقُواْ مِمَا رَزَقْتَهُمْ﴾: أمرهم بإنفاق اللسان على ذكره، وإنفاق البَدَنِ على
طاعته، والوقتّ على شكره، والقلبَ على عرفانه، والروح على حبه، والسُرَّ على
مشاهدته .. ولا يكلّف الله نَفْسَاً إلا ما آتاها، وإنما يطالبك بأن تحضر إلى الباب، وتقف
على البساط بالشاهد الذي آتاك .. يقول العبد المسكين: لو كان لي نَفْسٌ أطوع من هذه
الأَتَيْتُ بها، ولو كان لي قلبٌ أشدُّ وفاءً من هذا لَجُذْتُ به، وكذلك بروحي وسِرُي، وقيل:
أعز من روحه شيئاً فداك به
يفديك بالروح صَبُّ لو أنَّ له
﴿مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا ◌ِخِلَلُ﴾: وفي هذا المعنى أنشدوا:
فارجعي قبل أن يُسدَّ الطريق
قلتُ للنَّفْسِ إنْ أردتِ رجوعاً
قوله جلّ ذكره: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ
بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْقُلْكَ لِتَجْرِىَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِةٍ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَدَرَ
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَأْبِبَيْنّ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ .
في الظاهر رفعَ السماءَ فأعلاها، والأرض من تحتها دحاها، وخلقَ فيها بحاراً،
وأجرى أنهاراً، وأنبت أشجاراً، وأثبت لها أنوار وأزهاراً، وأمطر من السماء ماء
مدراراً. وأخرج من الثمرات أصنافاً، ونوَّع لها أوصافاً، وأفرد لكلِّ منها طعماً
مخصوصاً، ولإدراكه وقتاً معلوماً .
وأمَّا في الباطن فسماءُ القلوب زَيَّنَها بمصابيح العقول، وأطلع فيها شمس
التوحيد، وقمر العرفان. ومَرج في القلوب بحري الخوف والرجاء، وجعل بينهما
برزخاً لا يبغيان؛ فلا الخوف يقلب الرجاء ولا الرجاء يقلب الخوف، كما جاز في
الخبر: ((لو وزنا لاعتدلا))(١) - هذا لعوام المؤمنين، فأمَّا للخواص فالقبض والبسط،
ولخاص الخاص فالهيبة والأُنْس والبقاء والفناء.
وسَخَّر لهم الفُلْكَ في هذه البحار ليعبروها بالسلامة، وهي فلك التوفيق
والعصمة، وسفينة الأنوار والحفظ. وكذلك ليالي الطلب للمريدين، وليالي الطرب
لأهل الأَنْس من المحبين، وليالي الحرب للتائبين، وكذلك نهار العارفين باستغنائهم
عن سراج العلم عند متوع نهار اليقين.
(١) للحديث رواية أخرى تقول: ((قال ( *: ((لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا)) أخرجه السيوطي
الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ١٣٣).

١٢٦
تفسير سورة إبراهيم
قوله جلّ ذكره: ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّنِ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُذُوا نِعْمَتَ الَهِ لَا تُخْصُوهَاً
إِنَّ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ .
ما سَمَتْ إليهِ هِمَمُكُم، وتعلَّق به سؤالُكُم، وخَطَر تحقيقُ ذلك ببالِكم، أنلناكم
فوق ما تُؤَمِّلُون، وأعطيناكٍم أكثر مما تَرْجُون، قال تعالى:
﴿أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبَ لَّكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وقرأ بعض القراء: ﴿مِّنِ كُلِّ مَا سَأَلْتُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤] فَيُنَوِّنُ قوله: كلٍ،
ويجعل ما سألتموه (ما) للنفي أي كل شيء مما لم تسألوه.
كذلك جاز أن يكون المعنى، قل يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني - وهذا
لأرباب الطاعات، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني - وهذا لأصحاب الزلات. عَلِمَ
قصور لسان العاصي وما يمنعه من الخجل وما يقبض على لسانه إذا تذكَّر ما عمله من
الزَّات، فأعطاه غفرانه، وكفاه حشمةَ السؤال، والتفضل؛ فقال: غفرتُ لكم قبل أن
تستغفروني.
ولكن متى يخطر على قلب العبد ما أهَّلَه الحق - سبحانه - من العرفان؟ وكيف
يكون ذلك الحديث؟ ... قَبْلَ أَنْ كان له إمكانٌ، أو معرفة وإحسان، أو طاعة أو
عصيان، أو عبادة وعرفان، أو كان له أعضاء وأركان، أو كان العبد شيخاً أو عيناً أو
أثراً .. لا بَلْ:
أتاني هواها قبل أَنْ أَغْرِفَ الهوى فصادف قلباً خالياً فَتَمكَّنًا
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن تَعُدُوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُصُوهَاْ إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ
كَفَّارٌ﴾ .
كيف يكون شكركم كفاء نِعَمِه .. ؟ وشكرُكُم نَزْرٌ يسير، وإنعامُه وافر غزير.
وكيف تكون قطرة الشكر بجوار بحار الإنعام؟
إنَّ نِعَمَه عُلُومُكُم عن تفصيلها متقاصرةٌ، وفُهُومُكُم عن تحصيلها متأخّرةٌ.
وإذا كان ما يدفع عن العبد من وجوه المحن وفنون البلايا من مقدوراته لا نهاية
له .. فكيف يأتي الحصر والإحصاء على ما لا يتناهى؟
وكما أن النَّفْعَ من نِعِمَه فالدفعُ أيضاً من نعمه.
ويقال إن التوفيق للشكر من جملة ما ينعم به الحقُّ على العبد فإذا أراد أن
يشكره لم يمكنه إلا بتوفيقٍ آخر فلا يبقى من النعم إلا ما يشكر عليه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَ إِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ وَيَِّىَ أَنْ تَّعْبُدَ
أَلْأَصْنَامَ رَبٍّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِىِ فَإِنَّهُ مِِّ﴾ .

١٢٧
تفسير سورة إبراهيم
كما سأل أن يجعل مكةً بلداً آمناً طلب أن يجعل قلبه محلاً آمناً؛ أي لا يكون
فيه شيءٌ إلا بالله. ﴿وَأَجْتُبْنِى وَيَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾: والصنم ما يعبد من دونه، قال
تعالى: ﴿أَفْرَءَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] فصنمُ كلِّ أحدٍ ما يشغله عن الله
تعالى من مالٍ ووَلَدٍ وجاهٍ وطاعة وعبادة.
ويقال إنه لمَّا بنى البيتَ استعان بالله أن يجرِّدَه من ملاحظة نفسه وفعله.
ويقال إنه ـ 1 - كان متردداً بين شهود فضل الله وشهود رفق نفسه، فلما لقي
من فضله وجوده قال من كمال بسطه: ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِيِّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّآلِينَ﴾ [الشعراء:
٨٦]. ولما نظر من حيث فقر نفسه قال: ﴿ وَأَجْتُبْنِ وَيَنِىَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.
ويقال شاهد غيره فقال: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ اَلْأَصْنَامَ﴾، وشاهد فضله
ورحمته ولطفه فقال: ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّآلِينَ﴾ [الشعراء: ٨٦].
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ تَّبِعَنِى فَإِنَُّ مِّى وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ زَحِيمٌ﴾ .
﴿فَإِنَُّ مِّىٍ﴾: أي موافق لي ومن أهل مِلَّتِي، ومن عصاني خالفني وعصاك.
قوله: ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: طلبٌ للرحمة بالإشارة، أي فارحمهم.
وقال: ﴿وَمَنْ عَصَانِ﴾ ... ولم يَقُلْ: مَنْ عصاك، وإنْ كان من عصاه فقد عصى
الله، ولكن اللفظ إنما لطلب الرحمة فيما كان نصيب من ترك حقه، ولم ينتصر لنفسه
بل قابلهم بالرحمة .
ويقال إن قولَ نبيناَ﴿ في هذا الباب أتمُّ في معنى العفو حيث قال: ((اللهم
اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)»، وإبراهيم - عليه السلام - عَرَّضَ وقال: ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ
زَحِيمٌ﴾.
ويقال لم يجزم السؤال لأنه بدعاء الأدب فقال: ﴿وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ
زَّحِيمٌ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿رَّاً إِّ أَسْكَنتُ مِن ذُرِيَّقِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا
لِيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ ◌ِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
أخبر عن صدق توكله وصدق تفويضه بقوله: ﴿إني أسكنت﴾ وإنما رأى الرِّفقَ
بهم في الجوارِ لا في المَبَارُ فقال: ﴿عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ ثم قال: ﴿لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ :
أي أسكنتُهم لإقامة حقُّكَ لِطَلَبِ حظوظهم.
ويقال اكتفى أن يكونوا في ظلال عنايته عن أن يكونوا في ظلال نعمته.
ثم قال: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَتَّهِمْ﴾ أي ليشتغلوا بعبادتك، وأقم
قومي - ما بقوا - بكفايتك، ﴿وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾: فإنَّ مَنْ قام بحقُ الله أقام اللَّهُ

١٢٨
تفسير سورة إبراهيم
بحقّه قَوْمَه، واستجاب اللَّهُ دعاءَه فيهم، وصارت القلوبُ من كل بَر وبحرٍ كالمجبولة
على محبة تلك النسبة، وأولئك المتصلين، وسكان ذلك البيت.
ويقال قوله: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧]: أي أسكنتُهم بهذا الوادي حتى
لا تتعلق بالأغيار قلوبُهم، ولا تشتغل بشَيْءٍ أفكارهم وأسرارُهم، فهم مطروحون
بَابِكَ، مصونون بحضرتك، مرتبطون بحُكْمِك؛ إنْ رَاعِيَتْهُم كَفَيْتَهُم وكانوا أَعَزَّ خَلْقِ
الله، وإنْ أقصيَتهم ونفيتهم كانوا أضعفَ وأذلَّ خَلْقِ الله .
قوله جل ذكره: ﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى الَّهِ مِنْ شَىْءٍ فِ اَلْأَرْضِ
وَلَا فِ السَّمَآءِ﴾ .
استأثرتَ بعلم الغيب فلا يَعْزُبُ عن علمك معلومٌ، وحالي لا تخفى عليك،
فهي كما عرفتَ، أنت تعلم سِرِّي وعَلَنِي .. ومَنْ عرف هذه الجملة استراح من طوارق
الأغيار، واستروح قلبُه عن تَرَجُم الأفكار، والتَّقَسُّم في كون الحوادث من الأغيار.
قوله جلّ ذكره: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِّ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَّ إِنَّ رَبِِّ
◌َسَمِيعُ الدُّعَلِ﴾.
أسعده بمنحه الولد على الكبر، ويلتحق ذلك بوجهٍ من المعجزات؛ فحمد
عليه. ولمَّا كان هذا القول عقيب سؤاله ما قدَّم من ذكر نعمته - سبحانه - عليه،
وأكرامه بأنواره، وهذا يكون بمعنى المَلقِ (١)، ويكون استدعاءَ نعمةٍ بنعمة، فكأنه
قال: كما أكرمتني بِهِبَة الوَلَدِ على الكِبَر؛ فَأَكْرِمْني بهذه الأشياء التي سألتُها.
ويقال الإشارة في هذا أنه قال: كما مَنَنْتَ عليَّ فوهبتني على الكِبَر هذه الأولاد
فَأَجْنِبْنَا أن نعبد الأصنام لتكونَ النعمةُ كاملةً. وفي قوله: ﴿إِنَّ رَبِِّ لَسَمِيعُ الدُّعَلِ﴾
[إبراهيم: ٣٩] .. إشارة إلى هذه الجملة.
قوله جلّ ذكره: ﴿رَبِّ لَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِنْ ذُرِّيَِّىّ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا
أُغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ .
في قوله: ﴿ربِّ اجعلني مقيم الصلاة .. ﴾ إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة،
فمعناه اجعل صلاتي، والجَعْلُ والخَلْقُ بمعنى، فإذا جعله مقيمَ الصلاة فمعناه أن
يجعل له صلاةٌ
وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَِّيّ﴾: أي اجعل منهم قوماً يُصَلُّون، لأنه أخبره في موضع آخر
بقوله: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤].
(١) العَلَق: الزيادة في التودد والدعاء والتضرع فوق ما ينبغي (اللسان ٣٤٧/١٠ مادة: ملق).

١٢٩
تفسير سورة إبراهيم
ثم قال: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِّدَنَّ﴾ وهذا قبل أن يعلم أنه لا يُؤْمِن.
ويقال إن إجابة الدعاءِ ابتداءُ فضلٍ منه. ولا ينبغي للعبد أن يَتَّكِلَ على دُعاءِ أحد
وإن كانْ عَلِيَّ الشأن، بل يجب أن يعلقَ العبد قلبه بالله؛ فلا دعاءَ أتمُّ منْ دعاءِ إبراهيم
عليه السلام، ولا عنايةَ أتمُّ من عنايته بشأن أبيه، ثم لم ينفعه ولا شفع الله له.
ويقال لا ينبغي للعبد أن يترك دعاءه أو يقطعَ رجاءَه في ألا يستجيبَ الله دعاءَه،
فإن إبراهيمَ الخليلَ عليه السلام دعا لأبويه فلم يُسْتَجَبْ له، ثم إنه لم يترك الدعاء،
وسأل حينما لم يُجَبْ فيه. فلا غضاضةَ على العبد ولا تناله مَذَلَّةٌ إِنْ لم يُجِبْهُ مولاه في
شيء؛ فإِنَّ الدعاءَ عبادةٌ لا بدَّ للعبد من فِعْلها، والإجابةُ من الحقِّ فضلٌ، وله أن يفعل
وله ألا يفعل .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَ اَللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.
هذا وعيدٌ للظالمين وتسلية للمظلومين؛ فالمظلوم إذا تحقَّق بأنه - سبحانه - عالِمٌ
بما يلاقيه من البلاء هانت على قلبه مقاساته، وحق عليه تحمله.
والظلم على وجوه؛ ظلمٌّ على النّفْس بوضع الزَّلَّةِ مكان الطاعة، وظلم على
القلب بتمكين الخواطر الردية منه، وظلم على الروح بجعلها لمحبة المخلوقين.
ويقال من جملة الظالمين الشيطانُ، فالعبدُ المؤمِنُ مظلومٌ من جهته، والحقُّ -
سبحانه - ينتصف له منه غداً، وذلك إنْ لم يَتَّبِعْهُ اليومَ، ودَفَعَه عن نفسه بالمجاهدة
وترك وساوسه .
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ مُهْطِعِينَ مُقْنِ ... ﴾.
وهذا للعوام من المؤمنين، علَّق قلوبهم بالانتقام منهم في المستأنف، وأمَّا
الخواص فإذا علموا أنه - سبحانه - عالِمٌ بهم وبحالهم فإنهم يعفون ويكتفون بذلك،
وأمَّا خواص الخواص فإذَّ علموا أنهم عبيده فإنهم لا يرضون بالعفو عن ظُلْمِهم حتى
يستغفرَ لهم، كما قال النبي - رَّلـ: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))، وفي معناه
أنشدوا :
وما رضوا بالعفو عن ذي زلة حتى أنالوا كفَّه وازدادوا
وأمَّا أصحاب التوحيد فإذ عَلِمُوا أنه المنشىءُ، وألا مخترعَ سواه فليس بينهم
وبين أحدٍ محاسبة، ولا مَعَ أحدٍ مُعَاتَبَة، ولا منه مطالبة، لأنهم يَعُدُّون إثباتَ الغيرِ في
الظن والحسبان شركاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِرْنَا إِلَ
أَجَلٍ فَرِيبٍ تُحِبْ دَعْوَتَكَ وَشَِّعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ نَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن
زَوَالٍ﴾ .

١٣٠
تفسير سورة إبراهيم
أفسدوا في أول أُمورهم، وقصَّروا في الواجب عليهم، ولم يكن للخَلَلِ في
أحوالهم جبران، ولا لعذرهم قبول لتصحَّ الحجة عليهم، فافتضح المجرم منهم،
وخاب الكافر، وحُقَّ الحكمُ عليهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ
فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ .
أحللنا بهم العقوبة، وأشهدناكم ذلك مما اعتبرتم، وجريتم على منهاجهم،
وفعلتم مثلَ فِعْلِهم، وبإمهالنا لكم اغتررتم .. فانْتَظِرُوا منَّا ما عاملناكم به جزاءً لكم
على ما أسلفتم.
ويقال إن معاشرةً أهل الهوى والفسق ومجاورتَهم مُشَارَكةٌ لهم في فِعْلِهم،
فيستقبلُ فاعلُ ذلك استقبالَهم، ومَنْ سَلَكُهُم ينخرط في التردِّي نحو وَهْدَةِ هلاكهِ
مِثْلَهم(١) .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَارِ﴾ .
أي لا تحسبنَّه يخلف رسله وعده؛ لأنه لا يخلف الوعد لصدقه في قوله، وله
أن يعذبهم بما وعدهم لحقّه في مُلْكِه، وهو ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يصل إليه أحد، وإن كان
ولياً. ﴿ذُو أَنِقَامِ﴾ لا يفوته أحد وإن كان ( .... )(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُّ وَبَرَزُواْ لَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
لا يختلف عَيْنُها وإنما تختلف صورتها، وكذلك إذا انكدرت النجوم، وانشقت
السماء يقال ما بدّل عينها وإنما بدَّل الأزمانَ والمكانَ على الناس باختلاف أحوالهم في
السرور والمحن؛ كَمَنْ صار من الرخاء إلى البلاء يقول: تغيَّر الزمانُ والوقتُ ...
وكذلك من صار من البلاء إلى الرخاء.
ويقال إن آدم لما قتل أحدُ ابنيه الآخرَ قال:
تغيرت البلادُ ومَنْ عليها
فوجهُ الأرضِ مُعْبَرٍّ قبيحُ
وفي هذه القصة من كان صاحب بسطٍ فَرُدَّ إلى حال القبض، ومن كان صاحب
أنسٍ فصار صاحب حجاب - يصحُّ أن يقال بدل له الأرض، قال بعضهم:
ولا البلاد بتلك التي كنت أعرفها
ما الناس بالناس الذي عههي بهم
وكذلك العبد المريد إذا وقعت له وقفة أو فترة كانت الشمس له كاشفة، وكانت
الأرض به راجفة، وكان النهار له ليلاً، وكان الليل له ويلا، وكما قيل:
(١) الآية (٤٦) لم ترد.
(٢) بياض في الأصل.

١٣١
تفسير سورة إبراهيم
بِطَلْقٍ ولا ماءُ الحياة ببارد
فما كانت الدنيا بسهل ولا الضحا
قوله جل ذكره: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ مُقَرَّنِينَ فِى الْأَصْفَادِ سَرَابِلُهُم مِّنْ قَطِرَانٍ
وَتَغْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ .
الأصفاد الأغلال. الأصفاد تجمعهم، والسلاسل تقيدهم، والقطران سرابيلهم،
والحميم شُرْبُهم، والنارُ محيطةٌ بهم .. وذلك جزاء مَنْ خَالَف إلهه.
قوله جلّ ذكره: ﴿هَذَا بَغْ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ، وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ
الأَلْتُبِ﴾ .
الحجج ظاهرة، والأمارات لائحة، والدواعي واضحة، والمهلة متسعة،
والرسول عليه السلام مُبَلْغ، والتمكين من القيام بحق التكليف مساعد. ولكنَّ القسمةَ
سابقةٌ، والتوفيقَ عن القيام ممنوعٌ، والربُّ - سبحانه - فعَّالٌ لما يريد، فَمَنْ اعتبر نجا،
ومن غفل تردّى. ولله الأمر من قبل ومن بعد، والله أعلم.

السورة التي يذكر فيها الحجر
سقطت ألف الوصل من كتابة بسم الله وليس لإسقاطها علة، وزيد في شكل
الباء من بسم الله وليس لزيادتها علة، ليُعْلَمَ أن الإثبات والإسقاط بلا علة؛ فلم يَقْبَلْ
من قَبِلَ لاستحقاق علة، ولا رَدَّ مَنْ رَدَّ لاستيجاب علة. فإِنْ قيل العِلَّةُ في إسقاط
الألف من بسم الله كثرةُ الاستعمال في كتابتها أُشْكِلَ بأن الباء من بسم الله زيد في
كتابتها وكثرة الاستعمال موجودة. فإن قيل العلة في زيادة شكل الباء بركة أفضالها
باسم الله أشكل بحذف ألف الوصل لأن الاتصال بها موجود، فلم يبقَ إلا أن الإثبات
والنفي ليس لها علة؛ يرفع من يشاء ويمنع من يشاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ﴾ .
أسمعهم هذه الحروف مُقَطَّعَةً على خلاف ما كانوا يسمعون الحروف المنظومة
في الخطاب، فأعرضوا عن كل شيءٍ وسمعوا لها. ونبههم القرآنُ إلى أن هذه التي
يسمعونها آياتُ الكتاب، فقال لهم لما حضرت ألبابُهم، واستعدت لسماع ما يقول
آذانُهم: ﴿تِلْكَ مَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ﴾ .
ووصف القرآن بأنه مبين؛ لأنه يُبَينُ للمؤمنين ما يسكن قلوبهم، وللمريدين ما
يقوي رجاءهم، وللمحسنين ما يهيج اشتياقهم، وللمشتاقين ما يثير لواعج أسرارهم،
ويبيِّن للمصطفى - وَ﴾ - تحقيقَ ما مَنَعَ غَيْرَه بعد سؤاله .. ألم تر إلى ربك قال لموسى
عليه السلام: ((لن تراني)) بعد سؤاله: ﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
قوله جلّ ذكره: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾.
إذا عرفوا حالهم وحال المسلمين يوم القيامة لعلموا كيف شقوا، وأي كأس رشفوا.
ويقال إذا صارت المعارفُ ضروريةً أحرقَتْ نفوسَ أقوام العقوبةُ، وقطّعَتْ
قلوبَهم الحَسْرَةُ .
ويقال لو عرفوا حالَهم وحالَ المؤمنين لَعَلِمُوا أن العقوبةَ بإِهلاكهم حاصلٌ لقوله
تعالى بعدئذ :

١٣٣
-
تفسير سورة الحجر
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَرَهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلِهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
قيمةُ كل امرىءٍ على حسب هِمَّتِهِ؛ فإذا كانت الهمةُ مقصورةً على الأكل والتمتع
بالصفة البهيمية لا يُحَاسَبُ، وعلى العقل لا يُطَالَبُ: فالتَّكليفُ يتبعه التشريف! وغداً
سوف يعلمون .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَا كِتَابٌ مَعْلُومُ مَّا نَسْبِقُ مِنْ أُمَةٍ أَجَلَهَا
وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ ﴾ .
الآجال معلومة، والأحوال مقسومة؛ والمشيئة في الكائنات ماضية، ولا تخفى
على الحق خافية .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ يَأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ .
الجنون معنى يوجب إسناد ما ينكشف للعقلاء من التحصيل على صاحبه، فلمَّا
كانوا بوصف التباس الحقائق عليهم فهم أَوْلَى بما وصوفه به، فهم كان في المَثَل:
رَمَتْنِي بِدَائِها وانْسَلَّت.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِنَا بِلْمَلَئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ مَا نُنَزِلُ الْمَلَتِكَةَ إِلَّا
بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذَّا مُنظَرِينَ﴾.
اقترحوا عليه الإتيان بالملائكة بعد ما أزيحت العلة عليهم بما أيَّد به معجزاتِه،
فيتوجب اللَّوْمُ عليهم لسوءٍ أَدَبِهِم. وأخبر الحقُّ - سبحانه - أنه أجرى عادته أنه إذا
أظهر الملائكةَ لأبصارِ بني آدم فيكون ذلك عند استبصارهم؛ لأنه تصير المعرفة
ضرورية. وفي المعلوم أنه لم يكن ذلك الوقتُ أَوَانَ هَلَاكِهم؛ لِعِلْمِه أنَّ في أصلابهم
مَنْ يُؤْمِنُ بالله سبحانه في المستأنف.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا تَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ .
أنزل التوراة وقد وَكَلَ حفظها إلى بني إسرائيل بما استحفظوا من كتاب الله،
فحرّفوا وبَذَّلوا، وأنزل الفرقان وأخبر أنه حافظة، وإنما يحفظه بقرائه؛ فقلوبُ القُرَّاءِ
خزائنُ كتابهِ، وهو لا يضيع كتابه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ شِيَعِ الْأَوَِّينَ وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَسُولٍ إِلَّا كَانُواْ
بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِ قُلُوبٍ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَقَدْ خَلَتْ سُنَّهُ الْأَوَِّينَ﴾ .
أخبر أنه كانت عادتهم التكذيب، وأنه أدام سُنَّته معهم في التعذيب. ثم قال :
كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِ قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾: وهم لا يؤمنون به لأنه أزاح قلوبهم عن شهود
الحقيقة، وسَدَّ - بالحرمان - عليهم سلوكَ الطريقة، وبيَّن أنه لو أراهم الآياتِ عياناً ما

١٣٤
تفسير سورة الحجر
ازدادوا إلا عتواً وطغياناً، وأن مَنْ سَبَقَ له الحُكْمُ بالشقاء فلا يزداد على ممر الأيام إلا
ما سَبَقَ به القضاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونٌّ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ
أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ نَسْحُورُونَ﴾ .
مَنْ عليه التقدير كان بأمر التكليف مدعوا، وبأمر التكوين مقضيا .. فمتى ينفع
فيه النصح؟ ومتى يكون للوعظ فيه مساغ؟ كلا .. إن البصيرةَ له مسدودةٌ،
و ( ... )(١) الخذلان بِقَدَمِه مشدودة، فهو يحمل النصيحة له على الوقيعة، والحقيقة
على الخديعة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِ السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيََّهَا لِلنَّظِرِينَ﴾ .
بروجاً أي نجوماً هي لها زينة، ثم تلك النجوم للشياطين رجوم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَحَفِظْتَهَا مِن كُلِّ شَيْطَانِ زَّجِيمٍ إِلَّا مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ
مُّبِينٌ﴾ .
إذا رام الشياطينُ أن يسترقوا السمعَ كانت النجومُ لها رجوماً.
كذلك للقلوب نجومٌ وهي المعارف وهي في الوقت ذاته رجوم على الشياطين؛
فلو دنا إبليسُ وجنودُه من قلب ولي من الأولياء أحرقَتْه بل محقَّتْه نجومُ عقلِه وأقمارُ
علمِه وشموسُ توحيدِه .
وكما أنَّ نجومَ السماءِ زينةٌ للناظرين إذا لاحظوها فقلوبُ العارفين إذا نظر إليها
ملائكة السماءِ لهي زينة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَلْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَتْنَا فِيهَا رَوَسِىَ﴾ .
النفوس أرض عبادة العابدين، وقلوبُ العارفين أرض المعرفة وأرواح المشتاقين
أرض المحبة، والخوف، والرجاء لها رواسٍ. وكذلك الرغبة والرهبة.
ويقال من الرواسي التي أثبتها في الأرض الأولياءُ فَبِهِمْ يثبت الناس إذا وَقَعَ بهم
الفزعُ ومن الرواسي العلماءُ الذين بهم قِوَامُ الشريعة؛ فعلماءُ الأصول هم قِوامُ أصلٍ
الدِّين، والفقهاء بهم نظامُ الشرع، قال بعضهم:
واحسرتا من فراق قوم هم المصابيحُ والأمنُ والمُزْنُ
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيَهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ قَوْزُونٍ﴾ .
كما أنبت فنوناً من النبات ذات أنوار(٢) أنبت في القلوب صنوفاً في الأنوار،
(١) بياض في الأصل.
(٢) أنوار: (ج) نور: الزهر أو الأبيض منه، الواحدة: نورة.

١٣٥
تفسير سورة الحجر
منها نور اليقين ونور العرفان، ونور الحضور ونور الشهود، ونور التوحيد .. إلى غير
ذلك من الأنوار .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِهَا مَعَنِشَ وَمَن ◌َّسْتُمْ لَهُ بِزَزِقِينَ﴾ .
سببُ عيشٍ كلٌّ مختلفٌ؛ فعْيْشُ المريدين من إقباله، وعيش العارفين التجمل
بأفضاله.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَآيِتُهُ وَمَا نُفَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾.
خزائنه في الحقيقة مقدوراته، وهو - سبحانه - قادر على كل ما هو مرسوم
بالحدوث .
ويقال خزائنه في الأرض قلوبُ العارفين بالله، وفي الخزانة جواهر في كل
صنف؛ فحقائقُ العقل جواهر وضعها في قلوب قوم، ولطائف العلم جواهر بدائع
المعرفة، وأسرار العارفين مواضع سِرّه، والنفوس خزائن توفيقه، والقلوب خزائن
تحقيقه، واللسان خزانةُ ذِكْرِه.
ويقال من عرف أن خزائن الأشياء عند الله تقاصرت خُطَاه عن التردد على منازل
الناس في طَلَبِ الإِرفاق منهم، وسعى في الآفاق في طلب الأرزاق منها، قاطعاً أَمَلَه
عن الخَلْقِ، مُفَرِداً قلبَه لله متجرِّداً عن التعلُّق بغير الله.
قوله ﴿وَمَا نُفَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾: عَرَفَ القِسْمَة منْ استراح عن كدِّ الطلب؛
فإِنَّ المعلومَ لا يتغير، والمقسوم لا يزيد ولا ينقص، وإذا لم يَجِبْ عليه شيءٌ لأحد
فبقدرته على إجابة العبد إلى طلبته لا يتوجب عليه شيء.
ويقال أراح قلوب الفقراء مِنْ تَحمُّلِ المِئَّةِ من الأغنياء مما يعطونهم، وأراح
الأغنياء من مطالبة الفقراء منهم شيئاً، فليس للفقير صَرْفُ القلب عن الله سبحانه إلى
مخلوقٍ واعتقادُ مِنَّةٍ لأحد، إذ المُلْكُ كله لله، والأمر بيد الله، ولا قادر على الإبداع
إلا الله .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيََّحَ لَوَقِحَ فَأَنْنَا مِنَ السَّمَاءِ مََّ﴾ ..
كما أن الرياحَ في الآفاق مُقَدِّمَاتُ المطر كذلك الآمال في القلوب، وما يقرب
العبد مما يتوارد على قلبه من مبشرات الخواطر، ونسيم النجاة في الطلب يحصل،
فيستروح القلب إليه قبل حصول المأمول من الكفاية واللطف.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَنْقَيْتَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَمُ بِخَزِنِينَ﴾ .
أسفاه إذا جعل له السُّقيا؛ كذلك يجعل الحق - سبحانه - لأوليائه ألطافاً معلومة
في أوقات محدودة! كما قال في وصف أهل الجنة: ﴿وَلَّمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بِكْرَةُ وَعَشِيًّا﴾
[مريم: ٦٢].

١٣٦
تفسير سورة الحجر
كذلك يجعل من شراب القلوب لِكُلُّ ورداً معلوماً، ثم قضايا ذلك تختلف :
فمِنْ شراب يُسْكِر، ومن شراب يُخْضِر، ومن شراب يزيل الإحساس، كما قيل:
وسُكْرُكَ من لحظي يبيح لك الشُّزبا
فصحوك من لفظى هو الصحو كله
ويقال إذا هبت رياح التوحيد على الأسرار كنست آثار البشرية، فلا للأغيار فيها
أثر، ولا عن الخلائق لهم خبر.
ويقال إذا هبَّت رياح القرب على قلوب العارفين عَطَّرَتْها بنفخات الأنس،
فَيَسْقَوْنَ في نسيمها على الدوام، وفي معناه أنشدوا:
ولا ثوبَ إِلا بُرْدَةَ وردائيا(١)
وهبَّتْ شمال آخر الليل قَرَّةٌ
إلى الحولِ حتى أصبح البُرْدُ باليا
وما زال بُزدِي لينا من ردائها
ويقال إذا هبَّت رياح العناية على أحوال عبد عادت مَسَاوِيه مناقِبَه ومثالبُه
محاسنه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ تُحِ، وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَرِثُونَ﴾ .
نحيي قلوبهم بالمشاهدة، ونميت نفوسهم بالمجاهدة.
ويقال نحييهم بأن نفْنِيَهمْ بالمشاهدة، ونميتَهم بأَنْ نأخذَهم عن شواهدهم.
ويقال يحيي المريدين بذكره، ويميت الغافلين بهجره.
ويقال يحيي قوماً بموافقة الأمر في الطاعات، ويميت قوماً بمتابعة الشهوات .
ويقال يحيي قوماً بأن يلاطفهم بلطف جماله، ويميت قوماً بأن يحجبهم عن
أفضاله .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ عَلِيْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمِنَا الْمُسْتَفِْينَ﴾.
العارفون مستقدمون بِهَمَمَهم، والعابدون مستقدمون بقَدَمهم، والتائبون بندمهم
وأقوام مستأخِرون بقدمهم وهم العُصاة، وآخرون مستأخرون بهمومهم وهم الراضون
بخسائس الحالات .
ويقال المستقدمون الذين يسارعون في الخيرات، والمستأخرون المتكاسلون عن
الخيرات .
ويقال المستقدمون الذين يستجيبون خواطرَ الحقُّ - من غير تَعريج إلى تفكر،
والمستأخِرون الذين يرجعون إلى الرُّخَصِ والتأويلات.
ويقال المستقدمون الذين يأتون على مراكب التوفيق، والمستأخرون الذين
تثبطهم مشقة الخذلان .
(١) الليلة القرة: الباردة .

١٣٧
تفسير سورة الحجر
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْثُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمُ عَلِيمٌ﴾ .
يبعث كلاً على الوصل الذي خرجوا من الدنيا عليه: فمن منفرد القلب بربه،
ومن مُتَطَوْحٍ في أودية التفرقة، ثم يحاسبهم على ما يستوجبونه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ تَسْنُونٍ وَالْجَانَ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن
ثَّارِ السَّمُومِ ﴾ .
ذَكَّرَهم بِخِسَّتِهِم لئلا يُعْجَبُوا بحالتهم.
ويقال القيمة في القُربةِ لا بالتُّربة؛ والنسب تربة ولكن النعتَ قربة.
﴿وَالْجَنَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾: وإذا انطفأت النار صارت رماداً لا يجيء
منها شيء، والطين إذا انكسر عاد به الماء إلى ما كان عليه، كذلك العدو لمَّا انطفأ ما
كان يلوح عليه من سراج الطاعة لم ينجبر بعده، وأمَّا آدم - عليه السلام فلمَّا اغْتَرَّ جَبَرَهُ
ماءُ العناية، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَجْنَهُ رَبُّهُ﴾ [طه: ١٢٢].
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِ خَلِقٌ بَشَرًا مِنِ صَلْصَلٍ مِنْ حَمَاٍ تَسْنُونٍ
فَإِذَا سَوَّيْشُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَنَجِدِينَ فَسَدَ اٌلْعَلَئِكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّ إِبْلِيسَ أَ
أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ ﴾ .
أظهرهم بهذا القول، وفي عين ما أظهرهم سَتَرهم.
ويقال ليست العِبْرَة بقوالبهم. إنما الاعتبار بالمعاني التي أودعها فيهم.
ويقال الملائكة لاحظوه بعين الخِلقة فاستصغروا قَدْرَه وحاله، ولهذا عَجِبوا من
أَمْرِ الله - سبحانه - لهم بالسجود له، فكشف لهم شظية مما اختَصَّه به فسجدوا له.
قوله: ﴿إِلَّ إِسَ أَ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَِّدِينَ﴾: وكذا أمرُ مَنْ حُجِبَ عن أحواله
ادَّعى الخَيْرَةَ وبَقِيَ فِي ظُلمة الخَيْرةِ .
ويقال بَخِلَ بسجدةٍ واحدةٍ، وقال: أَسْتَنْكِفْ أَنْ أسجد لغير الله. ثم من شقاوته
لا يبالي بكثرة معاصيهِ، فإنه لا يَعْصِي أحدٌ إلَّا وهو سببُ وسواسه، وداعيه إلى
الزَّلَّةِ .. وذلك هو عين الشّقوة وقضية الخذلان.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ يَدِْسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَِّدِينَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ
خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَمَلٍ مَسْنُونٍ قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اَلَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الَّذِينِ﴾.
سأله ومعلومٌ له حالُه، ولو ساعدته المعرفةُ لقال: قُلْ لي مالك؟ وما مَنَعَكَ؟
وَمَنْ مَنَعَكَ حتى أقول أنت .. حيث أَشْفَيْتني، وبقهرِك أَغْوَيْتَني، ولو رَحِمْتَنِي،
لَهَدَيْتَنِي وفي كنف عصمتك آويتني ... ولكنَّ الحرمانَ أدركه حتى قال: ﴿لَمْ أَكُنْ
لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ .

١٣٨
تفسير سورة الحجر
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبٍّ فَأَنْظِرْنِيّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِنُّ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ
اٌلْمَعْلُومِ ﴾ .
ولمَّا أبعده الحقُّ - سبحانه - عن معرفته، وأفرده باللعنة استنظره إلى يوم القيامة
والبعث، فأجابه. وظَنَّ اللَّعينُ أنه حصل في الخير مقصوده، ولم يعلم أنه أراد بذلك
تعذيبه عذاباً شديداً، فكأنه كان في الحقيقة مكراً - وإن كان في الحال في صورة إجابة
السؤال بما يُشْبِهُ اللطفَ والبِرَّ.
وبعض أهل الرجاء يقول: إن الحق - سبحانه - حينما يهين عدوّه لا يَرُدُّ دعاءَه
في الإمهال ولا يمنعه من الاستنظار؛ فالمؤمن - إذ أَمْرُهُ الاستغفارُ والسؤالُ بوصفٍ
الافتقارِ - أَوْلَى ألا يقنظَ مِنْ رحمتِّه، لأنَّ إنظارَ اللعين زيادةُ شقاءٍ له تحقيق عطاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ ◌ِّ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيَّنَنَّ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَهُمْ أَجْمَعِينٌّ﴾ .
الباء في: ﴿يِّ أَغْوَيْنَنِىِ﴾ باء القَسَم، ولم يكن إغواؤه إياه مما يجب أن يُقْسِم به
لولا فَرْطُ جَهْلِه. ثم هو في المعنى صحيح، لأنَّ الإغواء مما يتفرَّدُ بالحق بالقدرة
عليه، ولا يشاركه فيه أحد، ولكن اللَّعِينَ لا يعرف الله الحقيقة، إذ لو عَرَفَه لم يدعُ
إلى الضلال، لأنه لو قدر على إضلالٍ غيرِه لاستبقى على الهدايةِ نَفْسَه. وعند أهل
التحقيق إنه يقول جميع ذلك حَذْساً وهو لم يَعْرِفْ الله - على الحقيقة - قَطْ.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُغْلَصِينَ قَالَ هَذَا صِرَّطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيرٌ﴾ .
الإخلاصُ هو تصفيةُ الأعمالُ عن الغَيْن وعن الآفات المانعة من صالح
الأعمال. وقد عَلِمَ اللعينُ أنه لا سبيل له إليهم بالإغواء لمَّا تَحَقَّقَ من عناية الحقِّ
بشأنهم.
﴿قال هذا صراط عليَّ مستقيم﴾ تهديدٌ، كما تقول: افعل ما شِئْتَ .. وهذا
طريقي .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَتِهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَبَّعَكَ مِنَ الْغَارِينَ﴾.
السلطان الحجة، وهي لله على خَلْقه، وليس للعدوّ حجة على مخلوق، إذ لا
تَتَعدَّى مقدرتُه محلَّه، فلا تَسلَّطَ - في الحقيقة - لمخلوق بالتأثير فيه.
﴿إِنَّ عِبَادِى﴾: إذا سمى الله واحداً عبداً فهو من جملة الخواص، فإذا أضافه
إلى نفسه فهو خاص الخاص، وهم الذين محاهم عن شواهدهم، وحفظهم وصانهم
عن أسباب التفرقة وجرَّدهم عن حَوْلهم وقُوَّتِهم، وكان النائبَ عنهم في جميع
تصرفاتهم وحالاتهم، وحفظ عليهم آدابَ الشرع، وألبَسُهم صِدارَ الاختيار في أوان
أداء التكليف، وأخذهم عنهم باستهلاكهم في شهوده، واستغراقهم في وجوده .. فأيُّ
سبيلٍ للشيطان إليهم؟ وأي يدٍ للعدو عليهم؟

١٣٩
تفسير سورة الحجر
ومَنْ أشهدِ الحقُّ حقائقَ التوحيد، ورأى العالَمَ مُصَرَّفاً في قبضة التقدير، ولم
يكن نهباً للأغيار .. فمتى يكون لِلَّعين عليه تسلط، وفي معناه قالوا:
وعقلي فيك تهويسُ
جحودي فيك تقديسُ
ومَنْ في البيت إبليسُ
ـمن آدم إلَّاكَ
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِثُهُمْ أَجْمَعِينَ لَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ
تَقْسُومُ ﴾ .
اجتمعوا اليومَ في أصل الضلالة، ثم الكفر مِلَلْ مختلفةٌ، ثم يجتمعون غداً في
العقوبة وهم زُمَرّ مختلفون، لكلِّ ذَرَكَةٍ من دركات جهنم قوم مُخَصُّون .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُيُونٍ﴾ .
المتقي مَنْ وقَّه الله بفضله لا مَنْ اتَّقَى بَتَكلُّفِه، بل إنه ما اتقى بتكلفه إلَّا بعد أن
وقَّاه الحقُّ - سبحانه - بفضله. هم اليومَ في جنات ولها دَرَجات بعضها أرفعُ من
بعض، كما أنهم غداً في جئَّات ولها درجات بعضها فوق بعض.
اليوم لقوم درجةُ حلاوة الخدمة وتوفيق الطاعة، ولقوم درجة البسط والراحة،
ولآخرين درجة الرجاء والرغبة، ولآخرين درجة الأنسٍ والقربة، قد علم كلُّ أناسٍ
مشربَهم ولزم كلُّ قومٍ مذهبهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَدْخُلُوهَا بِسَلٍَ ◌َاِينَ﴾ .
معناه يقال لهم: ﴿أُدخلوها﴾، وأَجْمَلَ ذلك ولم يقل مَنْ الذي يقول لهم.
ويرى قومٌ أن المَلكَ يقول لهم: أدخلوها.
.ويقال إذا وافَوْا الجنة وقد قطعوا المسافة البعيدةَ، وقاسوا الأمورَ الشديدةَ، فَمِنْ
حقّهم أن يدخلوا الجنة، خاصةً وقد علموا أَنَّ الجنةَ مُباحةٌ لهم، ولعلهم لا يفقهون
حتى يقال لهم.
ويقال يحتمل أنهم لا يدخلونها بقول المَلَكِ حتى يقول الحقُّ: أدخلوها، كما
قالوا:
ولا أَلْبَسُ النَّعمى وغِيرُكِ مُلْبِسٌ ولا أَقْبَلُ الدنيا وغيرك واهبُ
قوله: ﴿يِسَلَمٍ ءَامِنِينَ﴾: بمعنى السلامة، وهي الأمان، فيأمنون أنهم لا يخرجون
منها .
ويقال كما لا يخرجون من الجنة لا يخرجون عما هم عليه من الحال؛ فالرؤية
لهم وما هم فيه من الأحوال الوافية - مديدةٌ.

١٤٠
تفسير سورة الحجر
قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾.
أمَرَ الخليل عليه السلام ببناء الكعبة وتطهيرها فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ﴾
[الحج: ٢٦]، وأَمَرَ جبريل عليه السلام حتى غَسَلَ قلبَ المصطفى - وَ - فَطَهَّرَه.
وتولَّى هو - سبحانه - بنفسه تطهيرَ قلوب العاصين، فقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ
غِلٍ﴾ [الحجر: ٤٧] وذلك رفقاً بهم، فقد يصنع الله بالضعيف ما يتعجَّبُ منه القوي،
ولو وكل تطهير قلوبهم إلى الملائكة لاشتهرت عيوبُهم، فتولَّى ذلك بنفسه رفقاً بهم.
ويقال قال: ﴿مَا فِ صُدُورِهِم﴾ ولم يقل ما في قلوبهم لأن القلوب في قبضته
يقلبها، وفي الخبر: ((قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن)»(١): يريد بذلك
قدرته، فاستعمل لفظ الإصبع لذلك توسعاً. وقيل بين إصبعين أي نعمتين.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَدِلِينَ﴾.
قابل بعضُهم بعضاً بالوجه، وحفظ كلُّ واحدٍ عن صاحبه سِرَّه وقلبَه، فالنفوس
متقابلة ولكنَّ القلوبَ غيرُ متقابلة؛ إذ لا يشتغل بعضهم ببعض، قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ
أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ،﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿لَا يَمَتُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَبِينَ﴾ .
أي لا يلحقهم تعبٌ؛ لا بنفوسهم ولا بقلوبهم. وإذا أرادوا أمراً لا يحتاجون إلى
أن ينتقلوا من مكانٍ إلى مكان، ولا تحار أبصارهم، ولا يلحقهم دَهَشٌ، ولا يتغير
عليهم حالٌ عما هم عليه من الأمر، ولا تشكل عليه صفة من صفات الحق.
﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَبِينَ﴾ أي لا يلحقهم ذلُّ الإخراج بل هم بدوام الوصال.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ نَبِئْ عِبَادِىّ أَذْ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
لمَّا ذَكَرَ حديثَ المتقين وما لهم من علوِّ المنزلة انكسرت قلوب العاصين،
فَتَدَارَك اللَّهُ قلوبهم، وقال النبيِّه - بَير - أخبر عبادي العاصين أني غفور رحيم، وأني
إنْ كنتُ الشكورَ الكريمَ بالمطيعين فأنا الغفورُ الرحيمُ بالعاصين.
ويقال مَنْ سَمِعَ قوله: ﴿أَنّ أَنَا﴾ بسمع التحقيق لا يبقى فيه مساعٌ لسماع المغفرة
والرحمة؛ لأنه يكون عندئد مُخْتَطَفاً عن شاهده، مُسْتَهَلكاً في أنيته .
(١) للحديث رواية أخرى: ((قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن)). أخرجه السيوطي في (الدر
المنشور ٨/٢، ٩)، وابن أبي عاصم في (السنة ٩٩/١)، والطبري في (التفسير ١٢٦/٣) وابن
عساكر في (تهذيب تاريخ دمشق ٦٥/٦)، والبيهقي في (الأسماء والصفات ٣٤١)، وابن عدي في
(الكامل في الضعفاء ٧/ ٢٥٥٧).
٣٠