Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
تفسير سورة التوبة
قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى
أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَنَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ .
مِنْ عزيزِ تلك النصرة أنه لم يستأنِسْ بثانية الذي كان معه بل رد الصُّدِّيقَ إلى
الله، ونهاه عن مساكنته إياه، فقالَ: ((ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟))(١).
قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
ويقال من تلك النصرة إبقاؤه إياه في كشوفاته في تلك الحالة، ولولا نصرتُه
لتلاشى تحت سطواتٍ كَشْفِه .
ويقال كان - عليه السلام - أَمانَ أهل الأرض على الحقيقة، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وجعله - في الظاهر - في
أمان العنكبوت حين نَسَجَ خَيْطَه على باب الغار فَخَلَّصَه من كيدهم.
ويقال لو دخل هذا الغار لا تشقَّ نسيج العنكبوت ... فيا عجباً كيف سَتَّرَ قصةً
حبيبه - صلوات الله عليه وعلى آله وسلم؟ !.
ويقال صحيحٌ ما قالوا: للبقاع دول، فما خَطَرَ ببالِ أحدٍ أنَّ تلك الغار تصير
مأوى ذلك السيد _ مَ﴾! ولكنه يختص بقسمته ما يشاء ﴿يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءً﴾
[البقرة: ١٠٥].
ويقال ليست الغِيران كلها مأوى الحيَّاتِ، فمنها ما هو مأوى الأحباب. ويقال
علقت قلوب قوم بالعرش فطلبوا الحق منه، وهو تعالى يقول :
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فهو سبحانه - وإن تقدَّس عن كل
مكان - ولكن في هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد، وأنشدوا:
لا تطلب العرش إن المجد في الغار
يا طالبَ الله في العرشِ الرفيعِ به
وفي الآية دليل على تحقيق صحبة الصدِّيق - رضي الله عنه - حيث سمّاه الله
سبحانه صاحبه، وعَدَّه ثانِيه، في الإيمان ثانيه، وفي الغار ثانيه ثم في القبر ضجیعه،
وفي الجنة يكون رفيقه .
(١) أخرجه البخاري في (الصحيح ٥/ ٤، ٦، ٨٣)، ومسلم في الصحيح (فضائل الصحابة ب١ رقم ١)
وأحمد بن حنبل في (المسند ٤/١)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين"٦٨/٧)، وابن أبي شيبة
في (المصنف ٣٣٣/١٤)، وابن حجر في (فتح الباري ٣٢٥/٨)، وابن أبي عاصم في (السنة ٢٠/
٥٧٦) وأبو نعيم في (تاريخ أصفهان ١٤٩/١)، وابن الجوزي في (زاد المسير ٤٤٠/٣)، وصاحب
(الأذكار النووية ٢٤٥)، والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ٤٣٥/٥، ٤٣٤/١١، ١٣٤/١٢)
وابن حبان في (المجروحين ٢٩٥/١).

٤٢٢
تفسير سورة التوبة
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾.
الكناية في الهاء من ((عليه)» تعود إلى الرسول عليه السلام، ويحتمل أن تكون
عائدةً إلى الصديق رضي الله عنه، فإن حُمِلَتْ على الصديق تكون خصوصية له من بين
المؤمنين على الانفراد، فقد قال عز وجلّ لجميع المؤمنين: ﴿هو الذي أنزل السكينة
في قلوب المؤمنين﴾ [الفتح: ٤].
وقال للصديق - على التخصيص - فأنزل الله سكينته عليه، كما قال النبي بمصر:
((إن الله يتجلّى للناس عامة ويتجلّى لأبي بكر خاصة)).
وإنما كان حزنُ الصديقِ ذلك اليوم لأجل الرسول - 8# - إشفاقاً عليه .. لا
لأجْلِ نَفْسِه. ثم إنه - عليه السلام - نفي حزنه وسلّاه بأن قال: ﴿لَا تَحْزَنُ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَا﴾، وحُزْنٌ لا يذهب إلا لِمَعِيَّة الحقُّ لا يكون إلَّا ((لحقُ الحق))(١).
قوله جل ذكره: ﴿ وَأَيَدَهُ بِجُنُوٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
اُلُّغْلَىِّ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَأْ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
يريد به النبي {8#. وتلك الجنودُ وفودُ زوائد اليقين على أسراره بتجلّي
الكشوفات .
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى﴾ بإظهار حُجج دينه، وتمهيد سُبُل
حقّه ويقينه؛ فراياتُ الحقُّ إلى الأبدِ عالية، وتمويهات الباطل واهية، وحِزْبُ الحقِّ
منصورون، ووفد الباطل مقهورون .
ويقال لما خلا الصديق بالرسول عليه السلام في الغار، وأشرقت على سِرِّه أنوار
صحبة الرسول عليه السلام، ووقع عليه شعاعُ أنواره، واشتاق إلى الله تعالى لفَقْدٍ
قراره - أزال عنه لواعِجه(٢) بما أخبره مِنْ قُرْبه - سبحانه - فاستبدل بالقلق سكوناً،
وبالشوق أُنْساً، وأنزل عليه من السكينة ما كاشفه به من شهود الهيبة .
ويقال كان الرسول - * - ثاني اثنين في الظاهر بشبه ولكن كان مُسْتَهْلَكَ
الشاهد في الواحِد بِسِرُه.
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ١٩/١٢)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٩/
٥٨٢) والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٣٠٥/٤)، والفتني في (تذكرة الموضوعات ١٩٣)،
وعلي القاري في (الأسرار المرفوعة ٤٧٦)، والسيوطي في (اللآلئ المصنوعة ١٤٨/١، ١٤٤/٢)،
والعجلوني في (كشف الخفاء ٢٨٥/١، ٥٨٣/٢)، وابن عدي في (الكامل في الضعفاء ١٨٥٨/٥)
وابن الجوزي في (الموضوعات ٣٠٦/١ - ٣٠٧).
(٢) اللواعج: (ج) اللاعج: الهوى المحرق.

٤٢٣
تفسير سورة التوبة
قوله جلّ ذكره: ﴿أَنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَِهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
أمرهم بالقيام بحقه، والبدار إلى أداء أمره في جميع أحوالهم.
((خفافاً)) يعني في حال حضور قلوبكم، فلا يمسُّكم نَصَبُ المجاهدات.
((وثقالا)) إذا رُدِذْتُم إليك في مقاساة تعب المكابدات. فإنَّ البيعةَ أُخِذَتْ عليكم
في ( ... )(١) و( ... ) (١).
ويقال ((خفافا)) إذا تحررتم من رِقُ المطالبات والاختيار، ((وثقالا)) إذا كان على
قلوبكم ثقل الحاجات، وأنتم تؤمّلُون قضاءَ الحقِّ مآرِبَكم.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًّا قَاصِدًا لََّتْبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَيْهِمُ الشُفَّةُ
ج
وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أُسْتَطَعْنَا ◌َرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ .
يريد به المتخلفين عنه في غزوة ((تبوك)»(٢)، بيَّنَ سبحانه أنه لو كانت المسافةُ قريبةٌ،
والأمرُ هيِّناً لَمَا تخلَّفوا عنك؛ لأنَّ مَنْ كان غيرَ متحقّقٍ في قَصْدِه كان غيرَ بالغ في جهده،
يعيش على حَرْفٍ، ويتصرَّف بحرف، فإِنْ أصابه خيرٌ اطمأنَّ به وإنْ أصابَتْه فتنةٌ انقلبَ على
وجهه. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوَ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرً لَّهُمْ﴾ [محمد: ٢١].
فإذا رأيتَ المريدَ يتبعُ الرُّخَصَ ويَجْنَحُ إلى الكسل، ويتعلَّلُ بالتأويلاتِ .. فاعلَمْ
أنه مُنْصَرِفٌ عن الطريق، متخلّفٌ عن السلوك، وأنشدوا:
وكذا الْمَلُولُ إذا أراد قطيعةً مَلَّ الوصال وقال: كان وكانا
ومَنْ جَدَّ في الطلب لم يُعَرِّج في أوطان الفشل، ويواصل السير والسُّرى، ولا
يحتشم من مقاساة الكدِّ والعناء، وأنشدوا:
ثم قطعتُ الليلَ في مهمهٍ
لا أسداً أخشى ولا ذئبا
ولم يَزَلْ ذو الشوقِ مغلوبا
يغلبني شوقي فأطوي الشُّرى
قوله: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِلَّهِ لَوِ أَسْتَطَعْنَا لَجْنَا مَعَكُمْ رِبْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٢]:
يمين المتعلّلِ والمُتَأَوَّلِ يمينٌ فاجرةٌ تشهد بكذبها عيون الفراسة، وتنفر منها القلوب،
فلا تجد من القلوب محلاً .
(١) بياض في الأصل.
(٢) تبوك: موضع بين وادي القُرى والشام، وقيل: تبوك بين الحجر وأول الشام على أربع مراحل من
الحجر نحو نصف طريق الشام، وهو حصن به عين ونخل وحائط نسب إلى النبي وَ ل9. وبه كانت
آخر غزوات الرسول # سنة تسع للهجرة. (معجم البلدان ١٤/٢، ١٥).

٤٢٤
تفسير سورة التوبة
قوله جلّ ذكره: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَّكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
وَتَعْلَمَ اُلْكَذِبِنَ﴾ .
لم يكن منه ◌َّ خرْقُ حَدُ أو تعاطي محظورٍ، وإنما نذر منه ترك ما هو الأَوْلى.
قَدَّم الله ذِكْرَ العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب بقوله: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ .
أو مِنْ جواز الزَّلة على الأنبياء - عليهم السلام - إذ لم يكن ذلك في تبليغ أمر أو
تمهيد شرع بقول قائله: أنشدوا بالعفو قبل أن وقف للعذر وكذا سُنَّة الأحباب مع
الأحباب، قال قائلهم:
عندي ولا ضَرَّكُ مُغْتَابُ
ما حطّك الواشون عن رتبة
عليكَ عندي بالذي عابوا
كأنهم أَثْنَوْا - ولم يعلموا .
ويقال حسناتُ الأعداء - وإن كان حسنات - فكالمردودة، وسيئات الأحباب -
وإن كانت سيئات - فكالمغفورة:
وله شفيعٌ في الفؤاد مُشَفْع
مَنْ ذا يؤاخِذُ مَنْ يحبُّ بِذَنْبِهِ
قوله جلّ ذكره: ﴿لَا يَسْتَخْذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَهِدُواْ
بِأَقْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ﴾.
المخلصُ في عقده غيرُ مُؤثِرٍ شيئاً على أمره، ولا يدُخر مستطاعاً في استفراغ
وُسْعِه، وبَذْلِ جُهْدِه، ومقاساة كَدِّه، واستعمال جِدِه.
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَنْذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ
فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَتَرَّدَّدُونَ﴾ .
مَنْ رامٍ عن عهدة الإلزام خروجاً انتهز للتأخير والتخلّف فرصةٌ لِعَدمِ إيمانه
وتصديقه، ولاستمكان الريبة في قلبه وسِرّه. أولئك الذين يتقلبون في ريبهم،
ويترددون في شگھم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوِجَ لَأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾ .
أي لو صدقوا في الطاعة لاستجابوا ببذل الوسع والطاقة، ولكن سَقِمَتْ
" إرادتُهم، فحصلت دون الخروج بَلادَتُهم، وكذلك قيل:
لو صحَّ منكَ الهوى أُزْشِدْتَ للحِیَلِ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ أَنْعَانَهُمْ فَتَبَّطَّهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ الْقَاحِدِينَ﴾.
أُلْزَمّهم الخروجَ من حيث التكليف، ولكن ثبَّتهم في بيوتهم بالخذلان؛
قبالإلزام .

٤٢٥
تفسير سورة التوبة
قوله جلّ ذكره: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُ مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَ وْضَعُواْ ◌ِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ
اُلْفِتْنَةَ وَفِيَكُنْ سَنَّعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْفَِّمِينَ﴾.
أخبر عن سابق علمه بهم، وذكر ما علم أنه لا يكون أَنْ لو كان كيف يكون،
فقال: ولو ساعدوكم في الخروج لكان ما يلحقكم من سوء سيرتهم في الفتنة بينكم،
والنميمة فيكم، والسعي فيما يسوؤكم أكثر مما نالكم بتخلّفِهم من نقصان عددكم.
ومَنْ ضرِرُه أكثرُ من نفعِه فَعَدَمَهُ خيرٌ مِنْ وجودِهِ، ومَنْ لا يحصل منه شيء غيرُ شرورهٍ
فتخَلْفُه أَنْفَعُ مِنْ حضوره .
قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدِ آبْتَغَوْ أَلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَآءَ الْحَقُّ
وَهَرَ أَمْهُ اَللَّهِ وَهُمْ كَرِهُونَ﴾ .
إِنَّهم وإِنْ أظهروا وِفاقَكم فقد استبطنوا نِفاقكم؛ أعلنوا أنهم يؤازرونكم ولكن
راموا بكيدِهم تشويشَ أموركم، حتى كَشَفَ اللَّهُ عوراتِهم، وفَضَحَهم، حتى تَحَذَّرْتُم
منهم بما تحققتم من أسرارهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ أَثْذَن ◌ِ وَلَا نَفْتِنَّ أَلَا فِ اَلْفِتْنَةِ سَنَطُوأَ
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَّفِرِينَ﴾ .
أبرزوا قبيحَ فِعالِهِم في مَعْرِض التخرج، وراموا أَنْ يُلَبِسُوا على الرسول - صلى
الله وسلم وعلى آله - وعلى المسلمين خبث سيرتهم وسريرتهم، فَبَيَّنَ الله أَنَّ الذين
( ... )(١) بزعمهم سقطوا فيه بفعلهم، وكذلك المتجلّدُ بما يهواه متطوح في وادي
بلواه، وسَيَلْقَى في الآخرة من الهَوَان ما يَغْنِي عن الحاجة إلى البرهان.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ
أَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ قَهُمْ فَرِحُونَ﴾ .
هكذا صفة الحسود، يتصاعد أنينُ قلبه عند شهود الحسنى، ولا يَسُرُّ قلبَه غيرُ
حلولٍ البلوى، ولا دواءَ لجروح الحسود؛ فإنه لا يرضى بغير زوال النعمة ولذا قالوا:
إلا عداوةَ مَنْ عاداك من حَسَدٍ
كلُّ العداوةِ قد تُرجَى إمائَتُها
وإنْ اللَّهَ تعالى عَجَّلَ عقوبةَ الحاسد، وذلك: حزنُ قلبِه بسلامة محسوده؛
فالنعمة للمحسود نقد والوحشة للحاسد نقد.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَئِنَأْ وَعَلَ اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
(١) بياض في الأصل.

٤٢٦
تفسير سورة التوبة
المؤمن لا تلحقُه شماتهُ عدوّه لأنه ليس يرى إلا مُرادَ وليِّه، فهو يتحقق أنَّ ما
ينالُه مرادُ مولاه فيسقطُ عن قلبِهِ ما يهواه، ويستقبله بروح رضاه فَيَغْذُبُ عنده ما كان
يَضْعُبُ مِنْ بلواه، وفي معناه أنشدوا:
إنْ كان سَرَّكُمُ ما قال حاسدُنا فما لِجُرْح - إذا أَرْضَاكُم - أَلَمُ.
ويقال شَهودُ جريانِ التقدير يخفف على العبد تَعَبِّ كلُ عسير.
قوله ﴿هُوَ مَوْلَئِنَأَ﴾: تعريف للعبد أن له - سبحانه - أن يفعل ما يريد، لأنه
تصرفُ مالكِ الأعيانِ في مُلْكِه، فهو يُبْدِي ويُجْرِي ما يريد بحقٌ حُكْمِه .
ثم قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: وأولُ التوكلِ الثقةُ بوعده، ثم الرضا
باختياره، ثم نسيانُ أمورِك بما يغْلِبُ على قلبك من أذكاره.
ويقال التوكل سكونُ السِّرْ عند حلول الأمر ونهاية التفويض، وفيها يتساوى
الحلوُّ والمرُّ، والنعمةُ والمحنةُ.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ هَلْ تَرََّّصُونَ بِنَّا إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَبَيْنِّ وَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنَ
يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ، أَوْ بِأَيْدِينَآ فَتَرََّهُوْاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَيِّصُونَ﴾ .
بَيِّنَ اللَّهُ في هذه الآيةِ الفَرْقَ بين المؤمنين وبين الكفار، فقال قُلْ للذين
ينتظرون: أيها الكفار إن كان من شأن المؤمنين وقوعُ الدائرة عليهم في
القتال، أو أنَّ القَتْلَ ينالهُم فأيُّ واحدٍ من الأمْرَيْن ينالهم فهو لهم من الله
نعمة! لأَنَّا إِنْ ظَفِرْنا بكم فَنَصْرٌ وغنيمة، وعِزُّ الدِّين ورفعة، وإنْ قُتَلْنَا فشهادةٌ
ورحمة، ورضوانٌ من الله وزُلْفَى (١). وإنْ كان الذي يصيبنا في الدنيا هزيمة
ونكبةٌ، فذلك مُوجِبٌ للأجْرِ والمثوبة، فإذاً لن يستقبِلَنا إلا ما هو حُسْنَى
ونعمة .
وأمَّا أنتم، فإنْ ظَفِرْناً بكم فتعجيلُ لذُلْكم ومحنة، وإن قُتِلْتُم فعقوبةٌ من اللَّهِ
وسخطة، وإن كانت اليد لكم في الحال فخذلانٌ من اللَّهِ، وسببُ عذابٍ وزيادةُ نقمة.
ويقال: ﴿هَلْ تَرَُّونَ بِنَّ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ أمَّا قيامُ بحقّ الله في الحال
فنكون بوصف الرضاء وهو - في التحقيق - الجنَّةُ الكبرى، وإمَّا وصولٌ إلى الله تعالى
في المآل بوصف الشهادة، ووجدان الزلفى في العقبى وهو الكرامة العظمى.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَنْفِقُواْ مَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا
فَاسِقِينَ﴾ .
(١) الزُّلفى: المنزلة والدرجة والقُربة.

٤٢٧
تفسير سورة التوبة
المردودُ لا يقبلُ منه توصّل، ولا يُغَيِّرِ حُكمُ شقاوته بتكثير التكلّف والتعمل.
ويقال تقُرُّبُ العدوِّ يوجِبُ زيادةَ المقت له، وتحبُّبُ الحبيب يقتضي زيادةً
العطف عليه، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَنتُ﴾ [الفرقان: ٧٠].
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَدْتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ
وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الضَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.
فقدوا الإخلاص في أموالهم فعدموا الاختصاص في أحوالهم، وحُرِموا الخلاصَ
في عاجلهم وفي مآلهم.
قوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾: مَنْ أَطَاعَ من حيث العادة - مِنْ
غَيْرِ أن تحملَه عليها لوعةُ الإرادة - لم يَجِدْ لطاعته راحةً وزيادة.
ويقال مَنْ لَاحِظَ الخَلْقَ في الجهر من أعماله، ورَكْنَ إلى الكسلِ في السُّرِّ من
أحواله فقد وُسِمَ بالخذلان، وِخُتِمَ بالحرمان، وهذه هي أمارة الفرقة والقطيعة، قال
تعالى: ﴿وَمَكَّرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤].
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَ تُمْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِهَذِّبَهُم بِهَا فِی
اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ﴾ .
بَيَّنَ أن ما حسبوه نعمة واعْتَدُّوه من الله مِنَّةٌ فهو - في التحقيق - مِخْنَةٌ، وسببُ
شقاءٍ وفُرْقة، وإنما دَسَّ التقديرُ لهم سُمومَ الصَّابِ، فيما استلذوه من الشرابِ؛
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِذُهُرُ بِهِ، مِن قَالٍ وَبَنِنٌّ شَارِعُ لَمْ فِ اٌلْخَيْرَتَّ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦].
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُمْ يِّنْكُ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾
[التوبة: ٥٦].
التَّقَرَّبُ بِالأَيْمانِ الفاجرةِ لا يوجِبُ للقلوب إلا بُعْداً عن القُبول.
ويقال إنَّ إظهارَ التلبيس لا ( ... )(١) الأسرارَ بَرَدِّ السكون، ولا يَشْفِي البصائر
بِرَدِّ الثقة واليقين .. فما لا يكون فلا يكون بحيلةٍ أبداً، وما هو كائنٌ سيكون ..
قوله جلّ ذكره: ﴿لَوْ تَجِدُونَ مَلْجَنَا أَوْ مَغَرَةٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوْلَوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَعُونَ﴾ .
إن المماذِق(٢) في الخُلَّة ينسلُّ عن سِلْكِها بأضعف خلَّة، وإنْ وَجَدَ مهرباً آوَى
إليه، ويأمل أن ينال فرصةً ما يتعللُ بها عند ذلك.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْعُواْ مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَّوْا مِنْهَا.
إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ .
(١) بياض في الأصل.
(٢) مَذَق الوُدَّ: لم يُخلصه.

٤٢٨
تفسير سورة التوبة
أولئك أصحابُ الأطماع؛ يتملقون في الظاهر ما دامت الأرفاقُ واصلةً إليهم،
فإنْ انقطَعَتْ انقلبوا كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة.
ويقال مَنْ كان رضاؤه بوجدان سبب، وسُخْطُه في عدم ما يوصِّله إلى نصيبه فهو
ليس من أهل الولاء، إنما هو قائمٌ بحظُّه، غيرُ صالحٍ للصحبة، وأمَّ المتحقّقُ فكما قيل:
وسَارَ سِوَايَ في طلب المعاشِ
فَسِرْتُ إليكَ في طلبٍ المعالي
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُمُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ
سَيُؤْتِنَا ◌َللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ﴾.
لو وقفوا مع الله بِسِرْ الرضا لأَتَّتْهُم فنونُ العطاء وتحقيقات المنى، ولحفظوا مع
الله - عند الوجدان - مالهم من الأدب، من غير معاناة تَعبٍ، ولا مُقاساة نَصَبٍ ..
ولكنهم عَرَّجُوا في أوطانِ الطمع فوقعوا في الذُّلِّ والحَرب.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا الَّدَقَتُ لِلْغُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَاَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِى
أُلِقَابٍ﴾ .
تكلّم الفقهاءُ في صفةِ الفقيرِ، والفرق بينه وبين المسكين لما احتاجوا إليه في
قسمة الزكاة المفروضة .. فأبو حنيفة(١) رحمة الله عليه - يقول: المسكينُ الذي لا
شيءَ له. والفقيرُ الذي له بُلْغَةٌ من العيش.
ويقول الشافعي رحمة الله عليه: الفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له
بُلْغَةٌ من العيش - أي بالعكس.
وأهل المعرفة اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال بالأول، ومنهم من قال بالقول
الثاني، واختلافهم ليس كاختلاف الفقهاء؛ وذلك لأن كلَّ واحدٍ منهم أشار إلى ما هو
حاله ووقته ووجوده وشربه ومقامه. فَمِنْ أهل المعرفة مَنْ رأى أَنَّ أَخْذَ الزكاةِ
المفروضة أَوْلى، قالوا إلى الله تعالى جعل ذلك مِلْكا للفقير، فهو أَحَلُّ له مما يُتَطَّوَعُ
به علیه .
(١) هو النعمان بن ثابت، التيمي بالولاء الكوفي (٨٠ - ١٥٠ هـ = ٦٩٩ - ٧٦٧م) أبو حنيفة، إمام
الحنفية، الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة. قيل: أصله من أبناء فارس
ولد ونشأ بالكوفة. وكان بيع الخز ويطلب العلم في صباه، ثم انقطع للإفتاء والتدريس وأراده
عمر بن هبيرة على القضاء فامتنع ورعاً، وأراده المنصور العباسي بعد ذلك على القضاء ببغداد فأبى
فحبسه إلى أن مات. له ((مسند)) في الحديث، و((المخارج)) في الفقه، و((الفقه الأكبر)) وغير ذلك.
توفي ببغداد وأخباره كثيرة.
(الأعلام ٣٦/٨، وتاريخ بغداد ٣٢٣/١٣ -٤٢٣، وابن خلكان ١٦٣/٢، والنجوم الزاهرة ١٢/٢
والبداية والنهاية ١٠/ ١٠٧).

٤٢٩
تفسير سورة التوبة
ومنهم من قال: الزكاة المفروضة مستحقة لأقوام، ورأوا الإيثار على الإخوان
أولى من أن يزاحموا أرباب السهمان - مع احتياجهم أخذ الزكاة - وقالوا: نحن آثرنا
الفَقْرَ اختياراً .. فَلِمَ نأخذ الزكاة المفروضة؟
ثم على مقتضى أصولهم في الجملة - لا في أخذ الزكاة - للفقر مراتب:
أوَّلُها الحاجةُ ثم الفقرُ ثم المسكنةُ؛ فذو الحاجة مَنْ يرضى بدنياه وتسدُّ الدنيا
فقرَه، والفقير مَنْ يكتفي بعقباه وتجبُرُ الجنة فقرُه. والمسكين مَنْ لا يرضى بغير
مولاه؛ لا إلى الدنيا يلتفت، ولا بالآخرة يشتغل، ولا بغير مولاه يكتفي؛ قال رسول
الله ﴾ ((اللهم أحيني مسكيناً وأمتني سكيناً، واحشرني في زمرة المساكين))(١) وقال
وَ ر ((أعوذ بك من الفقر))(٢) لأن عليه بقية؛ فهو ببقيته محجوبٌ عن ربِّه.
ويحسن أن يقال إن الفقر الذي استعاذ منه ألا يكون له منه شىء، والمسكنة
المطلوبة أن تكون له بُلْغَةٌ ليتفرَّغَ بوجود تلك البلغة إلى العبادة؛ لأنه إذا لم تكن له
بلغة شَغَلَه فَقْرُه عن أداء حقٌه، ولذلك استعاذ منه.
وقوم سَمَتْ هِمَمْهُم عن هذا الاعتبار - وهذا أَوْلى بأصولهم - فالفقير الصادق
عندهم مَنْ لا سماءَ تُظِله ولا أرضَ تُقِلُّه ولا معلومَ يشغله، فهو عبدٌ بالله لله، يردُّه إلى
التمييز في أوان العبودية، وفي غير هذا الوقت فهو مُصطَّلَم (٣) عن شواهده، واقِفٌ
بربِّه، مُنْشَقٌّ عن جملته .
ويقال الفَقيرُ من كُسِرَتْ فقاره - هذا في العربية.
والفقير - عندهم - مَنْ سَقَطَ اختياره، وتعطلت عنه دياره، واندرست -
(١) أخرجه الترمذي في (السنن ٢٣٥٢)، وابن ماجه في (السنن ٤١٢٦)، والبيهقي في (السنن الكبرى
١٢/٧)، والحاكم في المستدرك ٣٢٢/٤)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ١٦٥٩٢ - ١٦٥٩٣ -
١٦٦٦٨ - ١٦٦٦٩)، والقرطبي في (التفسير ١٦٩/٨)، والهيثمي في (مجمع الزوائد ٢٦٢/١٠)،
والشوكاني في (الفوائد المجموعة ٢٤٠)، والعجلوني في (كشف الخفا ٢٠٦/١)، وابن عراق في
(تنزيه الشريعة ٣٠٤/٢)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٨٩/٦، ١٥٢/٨، ٢٧٢/٩)
وصاحب (ميزان الاعتدال ١٠٥٦٠)، والفتني في (تذكرة الموضوعات ٥٩)، والخطيب البغدادي في
(تاريخ بغداد ١١١/٤)، والألباني في (إرواء الغليل ٣٥٨/٣، ٢٧٢/٦)، والتبريزي في (مشكاة
المصابيح ٥١٤٥ - ٥٢٤٤)، والبخاري في (التاريخ الكبير ١٩٤/٧، ٧٥/٩)، وابن حجر في (فتح
الباري ٢٧٤/١١)، والسيوطي (اللآلىء المصنوعة ١٧٤/٢)، والعراقي في (المغني عن حمل
الأسفار ٢٠٦/٢، ٢٢٩/٣، ١٨٩/٤)، والسيوطي في (جمع الجوامع ٩٧٠٢، ٩٧٠٣، ٩٧٠٤)،
وابن كثير في (البداية والنهاية ٥٨/٦)، وابن الجوزي في (الموضوعات ١٤١/٣، ١٤٢) والسيوطي
الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ٤٤).
(٢) أخرجه النسائي (استعاذة ١٤، ١٦)، وأحمد بن حنبل ٣٠٥/٢، ٣٢٥، ٣٥٤.
(٣) اصطلم: استؤصل.

٤٣٠
تفسير سورة التوبة
لاستيلاء مَنْ اصْطَلمَه - آثارُه، فكأنه لم تبقَ منه إلا أخبارُه، وأنشدوا:
أَمَّا الرسومُ فَخَبَّرتْ أنهم رحلوا قريباً
ويقال المسكين هو الذي أسكنه حالُه بباب مقصوده، لا يبرح عن سُنَّتِه، فهو
مُعْتَكِفٌ بقلبه، ولا يغفل لحظةً عن ربِّه.
وأمَّا ﴿ وَاَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ فعلى لسان العلم: مَنْ يتولى جمع الزكاة على شرائطها
المعلومة. وعلى لسان الإشارة: أَوْلَى الناس بالتصاون عن أخذ الزكاة مَنْ صَدَقَّ في
أعماله لله، فإنهم لا يرجون على أعمالهم عِوَضاً، ولا يتطلبون في مقابلة أحوالهم
عَرَضًا، وأنشدوا:
قبيح هوى يُرجى عليه ثواب
وما أنا بالباغي على الحب رِشْوَةٌ
وأمّا المؤلّفةُ قلوبهم - على لسان العلم - فمَنْ يُسْتَمَالُ قلبه بنوع إرفاقٍ معه،
ليتوفّر في الدين نشاطُه؛ فلهم من الزكاة سهمٌ استعطافاً لهم، وبيان ذلك مشهورٌ في
مسائل الفقه .
وحاشا أن يكون في القوم مَنْ يكون حضورُه بسبب طَمَع أو لنَيْل ثوابٍ أو لرؤية
مقام أو لاطلاع حال .. فذلك في صفة العوام، فأما الخواص فكما قالوا.
وعن الهوى والإنْسِ والأحباب
من لم يكن بك فانياً عن حظه
ما كان مفترقاً من الأسباب
أو تيمته صبابة جمعت له
لِمَثَالٍ حظُّ أو الحُسْنِ مِآَبٍ
فلأنَّ بين المراتب واقفٌ
قوله جلّ ذكره: ﴿وَفِ أَلِقَابٍ﴾.
وهم على لسان العلم: المكاتبُون، وشرحه في مسائل الفقه معلوم.
وهؤلاء لا يتحررون ولهم تعريج على سبب، أو لهم في الدنيا والعقبى أرب،
فهم لا يستفزُّهم طلب، فَمَنْ كان به بقية من هذه الجملة فهو عبدٌ لم يتحرر، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله: «المكاتَبُ عَبْدٌ ما بقي عليه درهم))(١) وأنشد
بعضهم :
أتمنى على الزمان مُحَالاً أَنْ ترى مقلتاي طَلْعَةً حُرْ
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَالْغَرِمِينَ﴾ .
وهم على لسان العلم: مَنْ عليهم دَيْنٌ في غير معصية .
(١) أخرجه أبو داود (عتاق، ١)، والترمذي (بيوع ٣٥)، والموطأ (مكاتب ١، ٢).

٤٣١
تفسير سورة التوبة
وهؤلاء القوم لا يقضى عنهم ما لزمهم امتلاك الحق، ولهذا قيل المعرفة غريم
لا يُقْضَی دَیْنُه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
وعلى لسان العلم: مَنْ سلك سبيلَ الله وَجبَ له في الزكاة سهمٌ على ما جاء
بيانُه في مسائل الفقه .
وفي هذه الطريقة: مَنْ سلك سبيلَ الله تتوجَّبُ عليه المطالبات؛ فيبذل أولاً مالَه
ثم جاهَه ثم نَفْسه ثم روحَه .. وهذه أول قَدَمٍ في الطريق .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَبْنِ السَّيِلِّ﴾.
وهو على لسان العلم: مَنْ وقع في الغُربة، وفارَقَ وطَنه على أوصاف
مخصوصة .
وعند القوم: إذا تَغَرَّبَ العبدُ عن مألوفات أوطانِه فهو في قِرَى (١) الحقِّ؛ فالجوعُ
طعامُه، والخلوةُ مجلسُه، والمحبةُ شرابُه، والأنْسُ شهوده، والحقُّ - تعالى -
مشهودُه. قال تعالى: ﴿وَسَقَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]: لقوم وَعْدٌ في
الجنة، ولآخرين نَقْدٌ في الوقت؛ اليوم شرابُ المحابِّ وغداً شراب الثواب، وفي
معناه أنشدوا :
وأعمى سقيناه ثلاثاً فأَبْصَرًا
وَمُقعدٍ قوم قد مشی من شرابنا
أَدِرْنا عليه الكأسَ ييوماً فأخبرا
وأخرسَ لمّ ينطِقْ ثلاثين حِجَّةً
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِقَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنَّ﴾ .
عين العداوة بالمساوىء مُؤَكَّلَة، وعين الرضا عن المعايب كليلة.
بسطوا اللائمة في رسول الله ◌َو فعابوه بما هو أمارة كرمه، ودلالة فضله،
فقالوا: إنه بحسن خُلُقِه يسمع ما يقال له، فقال عليه السلام: ((المؤمِن غِرٌّ كريم
والمنافق خَبٍّ لئيم)»(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلّ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
وقيل: مَنْ العاقلُ؟ قالوا: الفَطِنُ المُتَغَافِل. وفي معناه أنشدوا:
وإذا الكريمُ أتيْتَه بخديعةٍ
ولقِيتَه فيما ترومُ يُسارِعْ
(١) القِرى: ما يقدّم إلى الضيف.
(٢) أخرجه أبو داود (أدب، ٥)، والترمذي (برّ ٤١)، وأحمد بن حنبل ٢٩٤/٢.

٤٣٢
تفسير سورة التوبة
فاعلمُ بأنّكَ لم تُخادِغْ جاهلاً إنَّ الكريمَ - بفضله - يستخادع
قوله جلّ ذكره: ﴿يَخْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن
كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
أخبر أنَّ من تزيَّن للخَلْقِ، وتقرَّب إليهم وأَدامَ رضاهم، واتَّبَعَ في ذلك هواهم،
فإن اللَّهَ سبحانه يُسْقِط به عن الخَلْق جاهَهُم، ويُشِينُهم فيما توهَمَّوا أنه يزينهم، والذي
لا يَضِيعُ ما كان الله، فأمَّا ما كان لغير الله فَوَبَالٌ لِمَنْ أصابه، ومُحالٌ مَا طَلَبَه.
ويقال إنَّ الخَلْق لا يصدقونك وإنْ حَلَفْت لهم، والحقُّ يَقْبَلُكَ وإِنْ تخَلَّفْتَ عنه؛
فالاشتغالُ بالخلقِ محنةٌ أنت غيرُ مأجورٍ عليها، والإقبالُ على الحقّ نعمةٌ أنت مشكورٌ
عليها. والمغبونُ مَنْ تَرَكَ ما يُشْكَرُ عليه ونُؤثِر ما لا يؤجرُ عليه.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوْاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اَللَّهَ وَرَسُولَمُ فَأَنََّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدًا
فِيَهَأَ ذَلِكَ الْخِزْىُ اَلْعَظِيمُ﴾.
مَنْ كَفْرَ بالله وأشرك في توحيده بإثباتٍ موهوم استحق ما هو حقٍّ لله: تعَجَّلُ
عقوبته في الحال بالفُرقة، وفي المآلِ بالخلود في الحرّقة .
فليس كلُّ مَنْ مُنِي بمصيبة يعلم ما ناله من المحنة، وأنشدوا:
ويكْثُر باكٍ ومُسْتَرْجِعٍ
غَداً يَتَفَرَّقُ أهلُ الهوى
قوله جل ذكره: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُغَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ ثُنِتُهُمْ بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ قُلٍ
أَسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَّرُونَ﴾.
ظَنُوا أَنَّ الحقَّ - سبحانه - لا يفضحهم، فَدَلَّسُوا عليكم، وأنكروا ما انطوت عليه
سرائرهم، فأرخى الله - سبحانه - عنانَ إمهالهم، ثم هتك الستر عن نفاقهم؛ فَفَضَحَهم
عند أهل التحقيق، فتقنعوا بِخِمار الخجل، وكشف لأهل التحقيق مكامنَ الاعتبار.
ونعوذ بالله من عقوبة أهل الاغترار! ﴿وَمَكَرُواْ وَمَعَرَ اللَّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [آل
عمران: ٥٤].
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوُضُ وَتَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ
وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ .
مَنْ اسْتَهانَ بالدِّين، ولم يَخْتَشِمْ مِنْ تَرْكِ حُرمةِ الإسلام جعله الله في الحال
نكالاً، وسامَه في الآخرة صِغَراً وإذلالا، والحقُّ - سبحانه - لا يرضى دون أن يذيق
العُتَاةَ بَأْسَه، ويَسْقِيَ كُلّ - على ما يستوجبه - كأسَه.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَغَرْتُ بَعْدَ إِمَنِكُمْ إِن نَعْفُ عَنْ طَلَيْفَتْرٍ مِّنْكُمْ
تُعَذِّبْ طَانِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾.

٤٣٣
تفسير سورة التوبة
جَرَّدَ العفوَ والعذابَ من عِلَّة الجُزْمِ، وسببَ الفِعْلِ مِنْ حُجّةَ العبد؛ حيث أَحالَ
الأمر على المشيئة .. إذ لو كان الموجِبَُ لعفوِه أو تعذيبِه صفةً العبد لَسَوَّى بينهم عند
تساويهم في الوصف، فَلَمَّا اشتركوا في الكفر بعد الإيمان، وعفا عن بعضهم وعذَّب
بعضَهم ذَلَّ على أنه يفعل ما يشاء، ويختصُّ من يشاء بما يشاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿اَلْمُتَفِقُونَ وَالْمُنَّفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ .
المؤمِنُ بالمؤمِنِ يَتَقَوَّى، والمنافقُ بالمنافق يتعاضد، وطيور السماء على أُلَّافِها
تَفَعُ. فالمنافِقُ لصاحبه أسٌّ(١) به قوامه، وأصلٌ به قيامه؛ يُعِينُه على فساده، ويُعَمِّي
عليه طريقَ رشادِه .
والمومِنُ ينصر المؤمنَ ويُبَصِّره عيوبَه، ويُبِغْضُ لديه ويُقَبِّحُ - في عينه - ذنوبه،
وهو على السدادِ يُنْجِدُه، وعن الفسادِ يُبْعِده.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ .
عن طلب الحوائج من الله تعالى.
قوله جلّ ذكره: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ .
جازاهم على نسيانهم، فسمَّى جزاءَ النسيانِ نسياناً .. تركوا طاعتَه، وآثروا
مُخالَفَته، فَتَرَكْهُم وما اختاره لأنفسهم، قال تعالى: ﴿وَرَّكَهُمْ فِ تُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾
[البقرة: ١٧].
قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَّفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَأْ هِىَ
حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَّهُمُ اللَّهٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ .
وَعَدَهم النارَ في الآخرة، ولهم العذابُ المقيمُ في الحاضرة، فمؤجَّلُ عذابِهم
الحُرِقَةُ، ومُعَجَّلُه الفُرقةُ .
قوله جلّ ذكره: ﴿كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْكُمْ فُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا
فَأُسْتَمْتَعُواْ بِخَلَقِهِمْ فَأَسْتَمْتَعْتُم بِخَلَفِكُ كَمَا أَسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِعَلَئِهِمْ وَخُضْتُمْ
كَلَّذِى خَاضُواْ أُولَئِكَ خَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ وَأُوْلَّْكَ هُمُ اَلْخَسِرُونَ﴾.
يقال: سلكتم طريقَ مَنْ قَبْلَكم من الكفار وأهل النفاق وقد كافأناهم. ويقال
الذين تقدموكم زادوا عليكم فكافأناهم كما نكافىء أهل الشقاق والنفاق؛ في كثرة
المدَّةِ وقوةِ العُدَّةِ، والاستمتاع في الدنيا، والاغترار بالانخراط في سِلْك الهوى ..
(١) الأُس: الأساس: أي: أصل البناء (ج) أساس.
١

٤٣٤
تفسير سورة التوبة
ولكن لم تَدُمْ في الراحة مُدَّتُهم، ولم تُغْنِ عنهم يومَ الشِدَّةِ عُدَّتُهم، وعما قريبٍ يَلْحَقُ
بِكُم ما لَحِقَ بالذين هم قبلكم.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَّ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمٍ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمٍ
إِنَزَهِيمَ وَأَصْحَدَبٍ مَذْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَتِّ أَنَهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَِّنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .
ألم يَنْتَهِ إليهم خبرُ القرون الماضية، ونبأُ الأمم الخالية كيف ذَمَّرْنا عليهم
جَمْعَهُم، وكيف بَدَّدْنا شمْلَهم؟ قَضَيْنَا فيهم بالعَدْل، وحَكَمْنَا باستئصالِ الكُلُّ، فلم يَبْقَ
منهم نافعُ نار، ولم يحصلوا إلَّا على عارٍ وشنار (١).
قوله جل ذكره: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَئِكَ سَيْحَمُهُمُ الَّهُ إِنَّ
اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
يُعين بعضُهم بعضاً على الطاعات، ويتواصَوْن بينهم بترك المحظورات؛ فَتَحَابُّهم
في الله، وقيامُهم بحقُ الله، وصحبتُهم لله، وعداوتُهم لأجْلِ الله؛ تركوا حظوظَهم لحقِّ
الله؛ وآثروا على هواهم رِضاءَ الله. أولئك الذين عَصَمَهم اللَّهُ في الحالِ، وسيرحمهم
في المآل .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَدَ اللَّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَثَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ
فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةُ فِى جَّتِ عَلْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ الَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾.
وَعَدَهُم جميعاً الجنةَ، ومساكنَ طيبة، ولا يطيب المَسْكَنُ إلا برؤيةٍ
المحبوبِ، وكلُّ مُحِبٍ يطيب مَسْكَنُه برؤية محبوبه، ولكنهم مختلفون في الهمم؛
فَمِنْ مربوطٍ بحظّ مردودٍ إلى الخَلْقِ، ومِنْ مجذوب بحقٌ موصول بالحق، وفي
الجملة كما يقال :
إذا غِبْتُمُ عنها ونحن حضورُ!
أجيرانَنَا ما أوحشَ الدارَ بَغْدَكُم
ويقال قومٌ يطيب مسكنُهم بوجودٍ عَطّائِهِ، وقومٌ يطيب مسكنُهم بشهود لقائه،
وأنشدوا:
وإنّي لأَهْوى الدارَ لا يستقرُّ لي بها الودُّ إلا أَنَّها من دِيارِکا
ثم قال: ﴿وَيِضْوَنٌّ ◌ِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: وأمارةُ أهلِ الرضوانِ وجدانُ طَعْمِه؛ فهم
في روح الأَنْسِ، وروح الأنْسِ لا يتقاصر عن راحة دار القُدْس بل هو أتمُّ وأعظم.
(١) الشّنار: أقبح العيب أو العار.

٤٣٥
تفسير سورة التوبة
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَُِّّّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنِهُمْ جَهَنَّةٌ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
دعا نَبِيُّنا - وَّهِ - كافةَ الخَلْقِ إلى حُسْنِ الخُلُق.
قال لموسى عليه السلام: ﴿فَقُولًا لَهُ قَوْلاً لَيْنَا﴾ [طه: ٤٤].
وقال لنبيِّنا - وَلَه -: ﴿واغلُظْ عليهم﴾ [التحريم: ٩] ويقال إنما هذا بعد إظهار
الحجج، وبعد أزاح عُذْرَهُم بأيام المهلة؛ ففي الأول أَمَرَه بالرّفق حيث قال: ﴿إِنَّمَآ
أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]، فلما أصروا واستكبروا أَمَرَه بالغِلظة عليهم. والمجاهدة
أولها اللسان لشرح البرهان، وإيضاح الحجج والبيان، ثم إنْ حَصَلَ من العدوّ جُخْدٌ
بعد إزاحة العذر، فبالوعيد والزجر، ثم إنْ لم ينجع الكلامُ ولم ينفع الملامُ فالقتالُ
والحربُ وبَذْلُ الوسعِ في الجهاد.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ
إِسْلَمِهِمْ﴾ .
تَسَتَروا بأَيْمانِهِم فَهِتَكَ اللَّهُ أستارهم وكشف أسرارهم.
قوله: ﴿وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾: وهي طَعْنُهُم في نُبِوَّةِ رسوله الله - بَ -. وكلُّ
مَنْ وَصَفَ المعبودَ بصفاتِ الخَلْق أو أضاف إلى الخلق ما هو من خصائص نعت الحقِّ
فقد قال كلمة الكفر.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهَقُواْ بِمَا لَّمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوْ إِلَّ أَنْ أَغْتَنْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن
فَضْلِهِ﴾.
أي أظهروا من شعار الكفر ما دَلَّ على جُخدِهم بقلوبهم بعد ما كانوا يُظْهِرون
الموافقة والاستسلامَ، وهِمُوا بما لم ينالوا من قتلٍ لرسول الله وَّر، وما سوَّلت أنفسهم
أنه يُخْرِجِ الأَعَزُّ منها الأزلَّ، وغير ذلك.
يقال تمنوا زوالَ دولةِ الإسلام فأبى اللَّهُ إلا إعلاء أمْرِها.
ثم قال: ﴿وَمَا نَقَمُوْا إِلَّ أَنْ أَغْتَنْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ﴾: أي ما عابوه إلا بما هو أَجَلّ
خصاله، فلم يحصلوا من ذلك إلا على ظهور شأنهم للكافة بما لا عذر لهم فيه .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَهُّ وَإِن يَتَوَلَّوْاْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِىِ الدُّنْيَا
وَاَلْآَخِرَةِ وَمَا لَمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَإِّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ .
وأقوى أركان التوبة حلُّ عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بجميع حقِّ الأمر
على وجه الاستقصاء.

٤٣٦
تفسير سورة التوبة
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيْنْ ءَتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَتَكُونَنَّ
مِنَ الصَّلِحِينَ فَلَمَّآ ءَاتَنُهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَّلَّواْ وَّهُمْ تُعْرِضُونَ﴾ .
منهم مَنْ أَكْدَ العَقْدَ مع الله، ثم نَقَضَه، فَلَحِقَه شُؤْمُ ذلك؛ فَبَقِي خالداً في نِفاقِه.
ويقال تطلَّبَ إحسانَ ربِّه، وتقرَّبَ إليه بإبرام عهده فلمَّا حقَّق اللَّهُ مسؤولَه
واستجاب مأموله، فَسخَ ما أبرمه، وانسلخ عما التزمه، واستولى عليه البُخْلُ، فَضَنَّ
بإخراج حقه، فَلَحِقَه شؤمُ نِفاقِهِ، بأنَ بَقِيَ إلى الأبد في أَسْرِهِ.
وحدُّ البخل - على لسان العلم - مَنْعُ الواجب. وبُخْلِ كلِّ أحدٍ على ما يليق
بحاله، وكلُّ مَنْ آثر شيئاً من دون رضاء ربِّه فقد اتصف ببخله، فَمَنْ يَبْخَلْ بماله تَزِلْ
عنه البركةُ حتى يؤول إلى وارثٍ أو يزول بحارث. ومَنْ يبخلْ بنَفْسِه ويتقاعس عن
طاعته تفارقه الصحةُ حتى لا يستمتع بحيائه. والذي يبخل بروحِه عنه يُعاقَبُ بالخذلان
حتی تکون حیاتُه سبباً لشقائه.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْرِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ
وَيِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ .
أعقبهم ببخلهم نفاقاً في قلوبهم، ويصحُّ أعقبهم الله نفاقاً في قلوبهم، وفي
الجملة: مَنْ نَّقَضَّ عهده في نفسه رفض الودَّ من أصله، وكلُّ من أظهر في الجملة
خيراً واستبطن شراً فقد نافق بقسطه. والمنافق في الصف الأخير في دنياه، وفي الدَركِ
الأسفل من النار في عقباه.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَّمَّ يَعْلَمُوْ أَنَ اَللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّهُ
اَلْغُيُوبِ﴾ .
خوَّفَهم بعلمه كما خوَّفهم بفعله في أكثر من موضع من كتابه .
و ﴿سِرَّهُمْ﴾ ما لا يطلع عليه غير الله.
و ﴿وَنَجْوَهُمْ﴾ ما يتسارون بعضهم مع بعض. ويحتمل أن يكونَ ما لنفوسهم
عليه إشرافٌ من خواطرهم(١) .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَلَوْعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ
(١) قال القشيري في رسالته عند حديثه عن السر: يُحتمل أن الأسرار لطيفة مودعة في القالب الإنساني
كالأرواح، وأصولهم تقتضي أنها محل المشاهدة، كما أن الأرواح محل للمحبة والقلوب محل
للمعارف، وقالوا: السر مالك عليه إشراف، وسرّ السّ ما لا إطلاع عليه لغير الحق ويطلق لفظ السر
على ما يكون مصوناً مكتوماً بين العبد والحق سبحانه في الأحوال، وعليه يحمل قول من قال:
أسرارنا بكر لم يفتضها وهم واهم. (الرسالة القشيرية ص٨٨).

٤٣٧
تفسير سورة التوبة
وَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا مُهْدَهْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
عابوا الذين قَصُرَتْ أيديهم عن الإكثار في الصَدَقة وجادوا بما وصَلَتْ إليه
أيديهم، فَشَكَرَ اللَّهُ سَعْيَ مَنْ أخلصَ في صدقته بعدما عَلمَ صِدْقَه فيها. وقليلُ أهلٍ
الإخلاص أفضلُ مِنْ كثيرِ أهلِ النفاقِ .
ولمَّا أوجدوا المسلمين بسخريتهم وَصَفَ اللَّهُ - سبحانه وتعالى - نفْسَه بما
يستحيل في وصفه - على التحقيق - هو السخرية بأحدٍ .. تطيباً لقلوبٍ أوليائه، فقد
تقدَّس عن ذلك لعِزَّة ربوبيته .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَّةً فَنْ يَغْفِرَ
اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالَهِ وَرَسُولِهِ، وَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ﴾.
خَتَمَ القضايا بأنَّه لا يغفر لأهل الشِرْكِ والنفاق، فلا تنفعهم الوسائل، ولا ينتعش
منهم الساقط .
ويقال: مَنْ غَلَبَتْه شِقْوتنا لم ينفعه تضرعه ودعوته .
ويقال: صريعُ القدرة لا يُنْعِشُه الجُهد والحيلة .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَهِدُواْ
بِأَمْوَلِمْ وَأَقُتِهِمْ فِ سَبِيلِ الَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنْفِرُواْ فِى الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرََّ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ .
استحوذ عليهم سرورُهم بتخلفهم، ولم يعلموا أن ثبورَهم في تأخرهم وما آثروه
من راحة نفوسهم على أداء حق الله، والخروج في صحبة رسول الله - وَّلغيره، فنزع الله
الراحةَ بما عاقَبَهم، وسَيَضْلَوْنَ سعيراً في الآخرة بما قدَّموه من نفاقهم، وسوف
یتحسرُّون ولات حینَ تحسُّر .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَيَضْحَكُوْ قَلِيلً وَلْيَكُوا كَثِيرًا جَزَّاءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾:
بَدَّل الله مَسَرَّتهم بِحَسْرةٍ، وفَرْحَتَهم بتَرْحَةٍ، وراحتهم بِعَبْرَةٍ، حتى يكثر بكاؤهم
في العُقبى كما كثر ضحكُهم في الدنيا، وذلك جزاءُ مَنْ كَفَرَ بربُّه.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اَللَّهُ إِلَى طَيِفَةٍ مِنْهُمْ فَأَسْتَقْذَنُوَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَخْرُجُواْ
مَعِىَ أَبَدًا وَلَن نُقَتِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَنَّةٍ فَأَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ﴾ .
يقول: بعدما ظهرت خيانَتُهم، وتقرر كذبهم ونفاقهم، لا تَنْخَدِعْ بتملقهم، ولا
تَثِقْ بقولهم، ولا تُمَكُنْهم مِنْ صُحبتك فيما يُظْهِرونه مِنْ وفاقك. فإذا وَهَنَ سِلْكُ العهدِ
فلا يَحْتَمِلُ بَعْدَهُ الشَّدَّ، وإذا اتسع الخَرْقُ لا ينفع بَعْدَهُ الرَّفْعُ.
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ: إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَمَانُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .

٤٣٨
تفسير سورة التوبة
ليس بعد التَّبَرِّي التولي، ولا بعد الفراق الوفاق، ولا بعد الحجبة قربة. مضى
لهم من الزمان ما كان لأملهم فيه فسحة، أو لرجائهم مساغ، أو لظنّهم تحقيق، ولكن
سَبَقَ لهم القضاءُ بالشقاوة، ونعوذ بالله مِنْ سوء الخاتمة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تُمْجِبْكَ أَمَّوَهُمْ وَأَوْلَدُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِ الدُّنْيَا
وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ﴾ .
يقول لا تحسبنَّ تمكينَ أهل النّفاق مِنْ تنفيذ مرادهم، وتكثيرَ أموالهم إسداءً
معروف مِنَّا إليهم، أو إسباغَ إنعام مِنْ لَدُنَّا عليهم، إنما ذلك مَكْرُ بهم، واستدراجُ
لهم، وإمهالُ لا إهمال. وسيلقون غِبه (١) عن قريب.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَآ أُنْزِلَتْ سُورَةً أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَِهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ أَسْتَقْذَنَكَ أُوْلُواْ
اُلْطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ اَلْقَاعِدِينَ﴾.
إذا تَوَجَّه عليهم الأمرُ بالجهاد، واشتدَّ عليهم حكمُ الإلزام، تعلَّلوا إلى السَّعَةِ،
وركنوا إلى اختيار الدَّغةَ واحتالوا في موجِباتِ الشَّخَلْفِ، أولئك الذين خَصَّهم
بخذلانه، وصَرَفَ قلوبهم عن ابتغاء رضوانه.
قوله جلّ ذكره: ﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا
يَفْقَهُونَ﴾ .
بَعُدُوا عن بِساط العبادة فاستطابوا الدّعة، ورضوا بالتعريج في منازل الفرقة، ولو
أنهم رجعوا إلى الله تعالى بِصِدقِ النَّدم لقَابَلهُم بالفضل والكرم، ولكنْ القضاءَ غَالِبٌ،
والتكلفَ ساقطٌ .
قوله جلّ ذكره: ﴿لَكِنِّ الرَّسُولُ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهٍُ جَهَدُواْ بِأَقْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
وَأُوْلَئِكَ لَمُ الْخَبْرَثٌّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
ليس مَنْ أَقْبَلَ كمَنْ أعرض وصُدَّ، ولا مَنْ قُبِلَ أَمْرُه كَمَنْ رُدَّ، ولا من وحَّدَ كمن
جَحَد، ولا من عَبَدَ كَمن عَنَدَ، ولا مَنْ أَتَّى كمن أَبَى ... فلا جَرَمَ رَبِحَتْ تِجَارَتُهم،
وجَلتْ رُثبّتُهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَعَذَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَأْ ذَلِكَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ﴾ .
تشير الآية إلى أن راحاتِهم موعودة، وإِنْ كانت الأتعابُ في الحال موجودةً
مشهودة .
(١) الغِبُّ: العاقبة.

٤٣٩
تفسير سورة التوبة
ويقال صادِقُ يقينهم بالثوابِ يُهُوِّن عليهم مقاساةً ما يلقونه - في الوقت - من الأتعاب.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَّةَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَمْ وَقَعَدَ أَلَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ
وَرَسُولَهْ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وهم أصحاب الأعذار - في قول أهل التفسير - طلبوا الإذنَّ في التأخرِ عن
رسول الله - * - في غزوة تبوك فسقط عنهم اللَّوْمُ.
أما الذين تأخروا بغير عُذْرٍ فقد توجَّه عليهم اللوم، وهو لهم في المستقبل الوعيد.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا
يُفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيٍّ وَاللَّهُ غَفُورٌ زَحِيمٌ﴾ .
قيمةُ الفقرِ تظهر عند سقوط الأمر، ولو لم يكن في القلة خيرٌ إلا هذا لكفي لها
بهذا فضيلة؛ بقوا في أوطانهم ولم يتوجَّه عليهم بالجهادِ أمرٌ، ولا بمفارقة المنزل
امتحان. واكتفى منهم بنصيحة القلب، واعتقادٍ أَنْ لو قدروا لخرجوا.
وأصحابُ الأموال امتُحِنوا - اليومَ - بِجَمْعِهَا ثم بِخْفِظِها، ثم مَلَكَتْهُم محنتُها
حتى شقَّتْ عليهم الغيبةُ عنها، ثم توجَّه اللومُ عليهم في تَرْكِ إِنفاقها، ثم ما يعقبه -
غداً من الحسابِ والعذاب يربو على الجميع.
وإِنَّما رفع الحَرَجَ عن أولئك بشرطٍ وهو قوله: ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهٍ﴾ فإِذا لم
يوجد هذا الشرطَ فالحرجُ غيرُ مرتفعٍ عنهم.
قوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾: المُحْسِنُ الذي لا تكون للشرع منه مطالبة
لا في حقِّ الله ولا في حقُّ الخَلْقِ.
ويقال هو الذي يعلم أَنَّ الحادثاتِ كلَّها من الله تعالى.
ويقال هو الذي يقوم بحقوقٍ ما نِيط به أَمْرُه؛ فلو كان طيرٌ في حكمه وقَصَّرَ في
عَلَفِه - لم يكن محسناً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوَكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْلُكُمْ
عَلَيَّهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ حَزَّنَا أَلَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ .
منَعَهم الفقرُ عن الحَرَاك فالتمسوا من الرسول - 1883 - أن يحملهم معه ويهيئ
أسبابَهم، ولم يكن في الحال للرسول عليه السلام سَعَةٌ ليوافقَ سُؤْلَهم، وفي حالة
ضيق صدره - ﴿﴿ - خَلَفَ إنه لا يَحْمِلُهم، ثم رآهم ◌َّ ه يتأهبون للخروج، وقالوا في
ذلك، فقال عليه السلام: ((إنما يحملكم الله))(١).
(١) أخرجه السيوطي في (الدر المنثور ١٤/٦).

٤٤٠
تغير سورة التوبة
فلمَّا رَدَّهم الرسِولِ - وَ ل هـ عن الإجابة في أن يحملهم رجعوا عنه بوصف الخيبة
كما قال تعالى: ﴿تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ﴾ كما قال قائلهم:
حَلَّ ودمعي مرافِقٌ لشهيقي
قال لي مَنْ أُحِبُّ والبيْن قد
قلتُ: أبكي عليك طول الطريق
ما تُرى في الطريقِ تصنع بعدي؟
قوله: ﴿حَزَّنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ شقَّ عليهم أنْ يكونَ على قلب الرسول -
وَ﴿ - بسببهم شُغْلٌ فَتَمَنَّوْا أن لو أُزِيجَ هذا الشغلُ، لا ميلاً إلى الدنيا ولكن لئلا تعودَ
إِلى قلبه - عليه السلام - مِنْ قِبَلِهم كراهةٌ، ولهذا قيل:
مَنْ عَفَّ خَفَّ على الصديقِ لِقاؤه وأخو الحوائجِ مُمْجِجُ مَمْلولُ
ثم إنَّ الحقَّ - سبحانه - لمَّا عَلِمَ ذلك منهم، وتمحضت قلوبُهم للتعلق بالله،
وِخَلَتْ عقائدُهم عن مُساكنةٍ مخلوقٍ تَدَارَكَ اللَّهُ أحوالَهم؛ فأمر اللَّهُ رسولَه عليه السلام
أَنْ يَخْمِلَهم .. بذلك جَرَتْ سُنَّتُه، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾
[الشورى: ٢٨].
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَنْذِبُونَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾.
يريد السبيل بالعقوبة والملامة على الذين يتأخرون عنك في الخروج إلى الجهاد
ولهم الأَهبة والمُكْنَة، وتساعدهم على الخروج الاستطاعةُ والقدرةُ؛ فإِذا استأذنوك
للخروج وأظهروا لم يَصْدقُوا، فهم مُسْتَوجِبُون للنكير عليهم، لأنَّ مَنْ صَدَّقَ في الولاء
لا يحتشم من مقاساةِ العناء، والذي هو فِي الؤلاءِ مما ذِقْ وللصدِّقِ مفَارِقٌ يتعلَّلُ بما
لا أصل له، لأنه حُرِمَ الخلوصَ فيما هو أَهْلٌ له، وكذا قيل:
إنَّ الملولَ إذا أراد قطيعةٌ مَلَّ الوصَالَ وقال كان وكانا
قوله جلّ ذكره: ﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ .
قيل في التفسير: مع النساء في البيوت .
والإسلام يثني على الشجاعة، وفي الخبر: ((إن الله تعالى يحب الشجاعة، ولو
على قتل حية))(١)، وفى معناه أنشدوا:
كُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا
وعلى المُخْصَنَاتِ جرَّ الذّيولِ(٢)
ومَنْ استوطن مركبَ الكسلٍ، واكتسى لِياسَ الفَشَلِ، ورَكَنَ إلى مخاريق الحِيّل -
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في (قضاء الحوائج ٤٤).
(٢) المُخصنات: (ج) المحصنة: الحُرّة أو العفيفة أو المتزوجة.