Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ تفسير سورة الأنفال أي الذين صار نقضُ العهد لهم سجيةً؛ فلم يَذَرو! من استفراغ الوسع في جهلهم بقية . وإن من الكبائر التي لا غفران لها من هذه الطريق أن ينقض العبدُ عهداً، أو يترك عقداً التزمه بقلبه مع الله. أولئك الذين سقطوا عن ( .... ) (١) الله، فرفع عنهم ظلَّ العناية والعصمة . قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِى الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ . يريد إنْ صَادَقْتَ واحداً من هؤلاء الذين دأبُهم نقضُ العهد فاجعلهم عِبْرَةً لمن يأتي بعدهم لئلا يسلكوا طريقَهم فيستوجبوا عُقُوبِتَهُم. كذلك مَنْ فَسَخَ عقده مع الله بقلبه برجوعه إلى رُخَصِ التأويلات، وتزوله إلى السكون مع العادات يجعله الله نكالا لمن بعده، بحرمانه ما كان خوَّلَه، وتنغيصه عليه ما من حظوظه أَمَّلَه، فيفوته حق الله، ولا يكون له امتناع عما آثره على حق الله : ابتغى عوضاً لليلى فلم يجد تبدَّلت وتبدَّلنا واحسرتا لمن قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِمَّا تَخَافَ مِنْ قَوْرٍ خِيَانَةُ فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاْءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحُبُّ اٌلْحَآَيِنِينَ﴾ . يريد إذا تحقَّقْتَ بخيانة قوم منهم فَصَرِّح بأنه لا عهدَ بينك وبينهم، فإذا حصلت الخيانةُ زال سَمَتُ الأمانة، وخيانةُ كلُ أحدٍ على ما يليق بحاله، ومَنْ ضَنَّ بميسورٍ له فقد خانَ في عهده، وزاغ عن جده، وعقوبته مُعَجَّلة، فهو لا يحبُّه الله، وتكون عقوبته بإذلاله وإهانته . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ . كيف يعارِضُ الحقَّ أو ينازعه مَنْ فِي قَبْضَتِهِ تَقَلُّبُه، وبقدرته تَصُرُّفه، وبتصريفه إياه عَدَمه وثبوتُه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَّعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ زِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾. أعدوا لقتالِ الأعداءِ ما يبلغ وسعكم ذلك من قوة، وأَتَمُّهَا قوةٌ القلب باللّهِ، والناسُ فيها مختلفون: فواحِدٌ يَقْوَى قلبُه بموعود نَصْرِهِ، وآخرُ يَقْوى قَلْبُه بأَنَّ الحقَّ عالِمُ بحاله، وآخر يقوى قلبه لتحققه بأن يشهد من ربه، قال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ ◌ِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وآخر يقوى قلبُه بإيثار رضاء الله تعالى على مراد نفسه، وآخر يقوى قلبه برضاه بما يفعله مولاه به . (١) بياض في الأصل. ٤٠٢ تفسير سورة الأنفال ويقال أقوى محبة للعبد في مجاهدة العبد وتبرِّيه عن حاله وقوَّتِه . قوله جلّ ذكره: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ أَنَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَمَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمِّ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ﴾ . الإشارة فيه أنه لا يجاهد على رجاء غنيمة ينالها، أو لاشتفاء صدره من قضية حقد، بل قصده أن تكون كلمةُ الله هي العليا . قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَإِنَ جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْتَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ﴾. بعث الله نبيه - * - بالرحمة والشفقة على الخلق، وبمسالمة الكفار رَجَاء أن يُؤْمِنوا في المُسْتَأنف فإِنْ أَبَوْا فليس يخرج أحدٌ عن قبضة العِزَّة. ويقال العبوديةُ الوقوفُ حيثما وقفت؛ إِنْ أُمِرْتَ بالقتال فلا تُقَصِّرْ، وإنْ أُمِرْتَ بالمواعَدةِ فمرحباً بالمُسَالَمةِ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ في الحالين فإنه يختار لك ما فيه الخيرة، فيوفّقُك لِمَا فيه الأَوْلى، ويختار لك ما فيه من قِسمي الأمرِ - في الحربِ وفي الصُّلحِ - ما هو الأعلى. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَنْ يَخْدَعُوَكَ فَإِنَ حَسْبَكَ اللَّهَ هُوَ الَّذِىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾. أي إنْ لَبَّسُوا عليك، وراموا خِداعَك بطلب الصُّلح منك - وهم يستبطنون لك بخلاف ما يظهرونه - فإنَّ اللَّهَ كافِيكَ، فلا تَشْغِلْ قلبَك بغفلتك عن شرّ ما یکیدونك؛ فإني أعْلَمُ ما لا تعلم، وأقْدِر على ما لا تقدر. هو الذي بنصره أفْرِدَكَ، وبلطفِهِ أيَّدَكَ، وعن كل سوءٍ ونصيبٍ طَهَّرَك، وعن رقْ الأشياء جَرَّدَكَ، وفي جميع الأحوال كان لك. هو الذي أيَّدك بمن آمن بك من المؤمنين، وهو الذي ألَّف بين قلوبهم المختلفة فَجَمَعَها على الدَّينِ، وإيثارٍ رضاء الحق. ولو كان ذلك بِحَيلِ الخلق ما انتَظْمَتْ هذه الجملة، ولو أبلغتَ بكلِ ميسورٍ من الأفعال، وبذلتَ كُلَّ مَّستطاعٍ من المال - لَمَا وَصَلَتْ إليه. قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَّنِ أَتَبْعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أحسنُ التأويلات في هذه الآية أن تكون ((مَنْ)) في محل النَّصب؛ أي ومَنْ اتبعك من المؤمنين يكفيهم الله . ومن التأويلات في العربية أن تكون ((مَنْ)) في محل الرفع أي حسبُك مَنْ اتبعك من المؤمنين . ٤٠٣ تفسير سورة الأنفال وقد عُلِمَ أن استقلال الرسول - مَ﴿1 - كان بالله لا بمن سوى الله، وكلُّ مَنْ هو سوى الله فمحتاجٌ إلى نصرة الله، كما أن رسول الله محتاج إلى نصرة الله . قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾. المؤمن لا يزداد بنفسه ضعفاً إلَّا ازداد بقلبه قوةً، لأن الاستقلال بقوة النّفس نتيجةُ الغفلة، وقوةُ القلب بالله - سبحانه - على الحقيقة. قوله جلّ ذكره: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِثْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِثَنَيِّنَّ وَإِن يَكُنْ مِّنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِيُوَأْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْتَهُونَ الْتَنَّ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنَكُمْ وَعَلِمَ أَنَ فِيكُمْ ضَعْفَأْ فَإِن يَكُنْ مِنكُمْ مِئَةٌ صَاِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِتَنَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنَكُمْ أَلَّفٌ يَغْلِبُوْ أَلْغَيْنِ بِإِذْنٍ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَِّينَ﴾. هذا لهم، فأمَّا النبي - وَ ل ــ فهو بتوحيده كان مُؤمِّلاً بأَنْ يَثْبُتَ لجميع الكفار لكمال قوَّته بالله تعالى، قال عليه السلام: ((بِكَ أصول)»(١)، وفي تحريضه للمؤمنين على القتال كانت لهم قوة، وبأمر الله كانت لهم قوة؛ فقوة الصحابة كانت بالنبي - عليه الصلاة والسلام، وتحريضه إياهم وقوتهم بذلك كانت بالله وبأمره إياه ... وشتَّان ما هما! قوله: ﴿اَلْتَنَّ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾: والضَّعْفُ الذي علم فيهم كان ضَعْفَ الأشباح فخفّفَ عنهم، أما القلوبُ فلم يتداخلها الضعف فحُمِلَ من ممارسة القتال بالعذر المذكور في الكتاب. والعوام يحملون المشاقَّ بنفوسهم وجسومهم، والخواص بقلوبهم وهممهم، وقالوا: ((والقلبُ يحمِل ما لا يَحْمِلُ البَدَنُ)) وقال آخر. على النفوس جناياتٌ من الهِمَم وإنْ تَرَوْني أُعادیھا فلا عَجَبٌ قوله جلّ ذكره: ﴿مَا كَانَ لِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَّ يُشْخِبَ فِ الْأَرْضِّ نُرِيدُونَ عَرَضَ الذُّنْيَا وَلَهُ بُرِيدُ الْآَخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أي لا ينبغي لنبي من الأنبياء - عليهم السلام - أن يأخذ أسارى من أعدائه ثم يرضى بأن يأخذ منهم الفِداء، بل الواجب عليه أن يُثْخِنَ في الأرض أي يبالغ في قتل أعدائه - إذ يُقال أثخنه المرضُ إذا اشتدّ عليه. وقد أخذ النبي - وَل﴿ ـ يوم بدرٍ منهم الفِداء، وكان ذلك جائزاً لوجوب القول بعصمته، ولكن لو قاتلتم كان أولى. وأراد (بعَرَضِ الدنيا)) أخذ الفداء، والله جعل الفداء، والله جعل وضاء في أن يقاتلوهم، (١) أخرجه العقيلي في (الضعفاء ٢٩٩/٣). ٤٠٤ تفسير سورة الأنفال وحرمة الشرع خلاف رحمة الطبع؛ فشرطُ العبودية أن يؤثر العبدُ الله، وإذا كان الأمر بالغِلظة فكما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ الَّهِ﴾ [النور: ٢]. ﴿وَلَّهُ عَزِيزٌ﴾: بالانتقام من أعدائه ((حكيمُ)): في جميع ما يصنع من التمليك والإملاك، والتيسير والتدبير. قوله جلّ ذكره: ﴿لَّوْلَا كِنَبٌّ مِنَ اَللَّهِ سَبَقَ لَمَشَكُمْ فِيمَاً أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . لولا أن الله حكم في آزاله بإحلال الغنيمة لمحمد ﴿ ﴿ وأمته لَمَسَّكُم - لأَجْلِ ما أخذتُم من الفداء منهم يومَ بدر - عذابٌ عظيم، ولكن الله أباح لكم الغنيمة فأزال عنكم العقوبة . قوله جلّ ذكره: ﴿فَكُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِّبَأْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِمٌ﴾ . الحلال ما كان مأذوناً فيه، والحلالُ الطيِّبُ أنْ تعلم أن ذلك مِنْ قَبلِ الله فضلاً، وليس لَكَ مِنْ قَبَلِكَ استحقاقاً . ويقال الحلال الصافي ما لم يَنْسَ صاحبُه فيه معبوده(١). ويقال هو الذي لا يكون صاحبُه عن شهود ربّه - عند أخذه - غافلاً. قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا أَلنَُّ قُل لِّمَن فِيّ ◌َيْدِيكُمْ مِّنَ اُلْأَسْرَىِّ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِنَّاً أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . الذي يعْطَوْنه خيرٌ مما أُخِذَ منهم. ويحتمل أن يكون ما في الآخرة من حسن الثواب، ويحتمل أن يكون ما في الدنيا من جميل العِوّض. ويقال هو ما يوصلهم إليه من توفيق الطاعات، وحلاوة الإيمان، وهو خيرٌ مما أُخِذَ منهم. ويقال ما أعطاهم من الرضاء بما هم فيه من الفقر، بعدما كانوا أغنياءَ في حال الشُرْك . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن يُرِيِدُواْ خِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيهُ حَكِيمُ﴾. يريد إنَّ عادوا إلى قتالك بعدما مَنَنْتَ عليهم بالإطلاق وخانوا عَهْدَكَ، فالخيانة لهم دأب وطريقة، ثم إنَّا نُمَكِّنُكَ منهم ثانياً كما أمْكَنَّاكَ من أسْرهم أولاً، وقيل: وكانت الشّعْلُ لها حاضرة إِنَّ عَادَتْ العَقْرِبُّ قُدُنا لها تونه جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ◌َلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوّا أُوْلَكَ بَعْضُّهُمْ أَوْلِيَهُ بَعْضِّ ◌َالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُّهَاجِرُواْ مَا نَكُ مِن وَلَتِهِم مِّن شَيْءٍ ٦٠) انظر الرسالة القشيرية ص ١١٢. ٤٠٥ تفسير سورة الأنفال حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ أَسْتَصَرُّوَكُمْ فِ الذِينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْرٍ بَيْتَكُمْ رَبَيْنَهُمْ مِيثَنُّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . ذَكَرَ صفةَ المهاجرين مع الرسول - بَلهـ وصفتهم أنهم آمنوا ثم هاجروا مع الرسول صلوات الله عليه وسلامه، ثم ﴿وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ هؤلاء هم المهاجرون . أما الذين آووا فهم الأنصار؛ آووا الرسول - عليه السلام - والمؤمنين. فهذان الفريقان بعضهم أولياء بعض في النصرة والدين. وأما الذين آمنوا ولكن لم يهاجروا فليست لهم هذه الموالاة إلى أن يهاجروا، وإن استعانوا بكم فعليكم نصرهم. ﴿إِلَّا عَلَى قَوْيٍ﴾ وهم المُعاهِدون معكم. وكمالُ الهجرةِ مفارقَةُ الأخلاق الذميمة، وهجران النَّفْس في تَرْكِ إجابتها إلى ما تدعو إليه من شهواتها. ومن ذلك هجران إخوان السوء، والتباعد عن الأوطان التي باشر العبدُ فيها الزَّلة، ثم الهجرة من أوطان الحظوظ إلى أوطان رضاء الحق(١). وأما قوله ﴿وَاُلَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوا﴾ فهم الذين يؤثرون إخوانَهم على أَنْفُسِهم ولو كان بهم خصاصه، عَوَامُ هؤلاء في الأمور الدنيوية، وخواصُّهم في الكرائم في الآخرة، وخاصَّ الخاصِ في كل ما يصحُّ به الإثبات من سنّ الأحوال إلى ما لا يدرك الوهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِنَّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾ . قطَعَ العصمةَ بينهم وبين المؤمنين، فالمؤمنِ للأجانبِ مُجَانِبٌ، وللأقارب مقارِبٌ. والكَفَّارُ بعضهم لبعضهم، كما قيل: ((طيرُ السَماءِ على أَلَّافِها تقِعُ)). تسوله جل ذكره: ﴿وَلِّينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْعَامِ بَعْضُهُمْ أَوْنَى بِبَعْضِ فِي كِتَبِ اَللَّهْ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ . يريد مَنْ سَلْكَ مَسْلَكَهم في الحال، ومَنْ سيلحق بهم في الاستقبال وآتى الأحوال فالالفَةُ تجمعهم، والولاية تشملهم، فلهم من الله في العقبى جزيلُ الثواب، والنجاةُ من العذاب. ولهم في الدنيا الولاية والتناصُر، والمودة والتقارب، والله أعلم. ٢٠٠ قال القشيري برسانته مؤكداً على أهمية السفر: « ... والشبان الذين يخرجون إلى الحج من هؤلاء :أقوم من غير إشارة الشيوخ فهي بدلالات نشاط النفوس، فهم متوسمون بهذه الطريقة، وليس سفرهم همى أصل، والذي يدل على ذلك أنه لا يزداد سفرهم، إلا وتزداد تفوقة قلوبهم، فلو أنهم اوتحلوا من المهم بخطوة تكان أخطى لهم من الف سفرة ... م. (الرسالة القشيرية ص: ٢٨) ٣٨٥). السورة التي تذكر فيها التوبة جرَّد الله - سبحانه - هذه السورة عن ذكر ((بسم الله الرحمن الرحيم)) لِيُعْلَمَ أنه يَخُصُّ مَنْ يشاء وما يشاء بما يشاء، ويُفْرِدُ مَنْ يشاء وما يشاء بما يشاء، ليسٍ لِصُنْعِه سَبَبٌ، وليس له في أفعاله غَرَضٌ ولا أَرَبّ، واتَّضَحَ للكافة أن هذه الآية أُثْبِتَتْ في الكتاب لأنها مُنَزَّلَة، وبالأمر هنالك مُحَصَّلة. ومَنْ قال: إنه لم يذكر التسميةَ في هذه السورة لأنها مفتتحةٌ بالبراءة عن الكفار فهو - وإن كان وجهاً في الإشارة - فضعيفٌ، وفي التحقيق كالبعيد؛ لأنه افتتح سوراً من القرآن بذكر الكفار مثل: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [البينة: ١] وقوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَّةٍ ثُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] وقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] وقوله: ﴿قُلّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ... هذه كلها مفاتِحُ للسُّوَرِ .. وبسم الله الرحمن الرحيم مُثْبَتَةٌ في أوائلها - وإن كانت مُتَضَمِّنَةٌ ذِكرَ الكفار. على أنه يحتمل أن يقال إنها وإن كانت في ذكر الكفار فليس ذكر البراءة فيها صريحاً وإنْ تَضَمَّنَتْهُ تلويحاً، وهذه السورة أولها ذكر البراءة منهم قطعاً، فلم تُصَدَّرْ بِذِكْرِ الرحمة . ويقال إذا كان تجرُّدُ السورة عن هذه الآية يشير إلى أنها لذكر الفراق فبالحريّ أن يُخشى أنَّ تجردَ الصلاة عنها يمنع عن كمال الوصلة والاستحقاق. قوله جلّ ذكره: ﴿بَرَآءَّةٌ مِّنَ اللّهِ وَ رَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١٠]. الفراقُ شديدٌ، وأشدُّه ألا يَعْقُبَه وصال، وفراقُ المشركين كذلك لأنه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾ [النساء: ٤٨]. ويقال مَنْ مُنِيَ بفراق أحبائه فبئست صحبته. وقد كان بين الرسول عليه السلام وبين أولئك المشركين عهد، ولا شكَّ أتهم كانوا قد وطّنوا نفوسَهم عليه، فنزل الخبرُ من الغيب بغتةً، وأتاهم الإعلامُ بالفرقةِ فجأةً، فقال: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]، أي هذه براءة من الله ورسوله، كما قيل: فَبِتَّ بخيرٍ - والدُّنَى مطمئنةٌ وأصبحتَ يوماً والزمانُ تَقَلَّبَا وما أشدَّ الفُرقةَ - لا سيَّما إذا كانت بغتةً على غير تَرَقُّبٍ - قال تعالى: ٤٠٦ ٤٠٧ تفسير سورة التوبة ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْمَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرِّ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩] وأنشدوا: وكان سراجُ الوصلِ أزهر بيننا فهبَّتْ به ريحٌ من البَيْن فانطفا قوله جل ذكره: ﴿فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُمُ غَيْرُ مُعْجِى اَللَّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِى الْكَفِرِينَ﴾ . إِنْ قَطَعَ عنهم الوصلةَ فقد ضَرَبَ لهم مدةٌ على وجه المُهْلَةِ، فَأَمَّنْهُم في الحالِ ليتأهبوا لِتَحَمُّلِ مقاساةِ البراءةِ فيما يستقبلونه في المآلِ. والإشارةُ فيه: أنهم إِنْ أقلعوا في هذه المهلة عن الغَيِّ والضلال وجدوا في المآل ما فقدوا من الوصال، وإِنْ أَبَوْا إلا التمادي في تَرْكِ الخدمة والحرمة انقطع ما بينه وبينهم من العصمة . ثم قال: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِى اَللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِى الْكَفِينَ﴾ والإشارة فيه: إنْ أصررتم على قبيح آثاركم سعَيْتُم إلى هلاككم بِقَدَمِكُم. وندمتم في عاجلكم على سعيكم، وحَصُلْتُم في آجِلِكم على خسرانكم؛ وما خَسِرْتُم إلا في صفقتكم، وما ضَرَّ جُزْمُكم سواكم وأنشدوا: تبَدَّلَتْ وتبدَّلْنا واحسرتا مَنْ ابتغى عِوَضاً لليلى فلم يَجِدِ قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنٌّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِ الْأَكْبَرِ﴾. أي لِيَكُنْ إعلامٌ من الله ورسوله للناس بنقض عهدهم، وإعلانٌ عنهم بأنهم ما انقطعوا عن مألوفهم من الإهمال ومعهودهم، وقد برح الخفاء من اليوم بأنهم ليس لهم ولاءٌ، ولم يكن منهم بما عقدوا وفاءً، فَلْيَعَلَمْ الكافةُ أنهم أعداءً، وأنشدوا: أشاعوا لنا في الحيِّ أشنعَ قصةٍ وكانوا لنا سِلْماً فصاروا لنا حربا قوله جلّ ذكره: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينٌّ وَرَسُولُهُ﴾ . مَنْ رأى من الأغيار - شظيةً من الآثار، ولم يَرَ حصولَها بتصريفِ الأقدار فقد أشرك - في التحقيق - واستوجب هذه البراءة. ومَنْ لَاحَظَ الخُلقِ تَصَنَّعاً، أو طالَعَ نَفْسَه إعجاباً فقد جعل ما للَّهِ لغيرِ الله، وظنَّ ما الله لغير الله، فهو على خطرٍ من الشّرْكِ بالله. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِن تُّبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمٌّ وَإِن تَوَلَيْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اَللَّهِ وَبَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلٍِ﴾ . إنْ عادوا إلى البابِ لم يقطع رجاءهم، ومدَّ إلى حدٌ وضوحِ العُذْرِ إِرجاءَهم. وبيَّن أنهم إِنْ أَصَرُّوا على عُتُوُّهُم فإلى ما لا يُطِيقون من العذاب مِنْقَلبهُم، وفى النار مثواهم. ٤٠٨ تفسير سورة التوبة قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُطَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّّتِهِمّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾ . مِنْ وَفَّى الحقَّ في عقدِهِ فَزِدْه على حفظِ عهدهِ؛ إذ لا يستوي مَنْ وفَّه ومنْ جفاه. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَغَ الْأَشْهُرُ الْحُرُّمُ﴾ . يريد إذا انسلخ الحُرُمُ فاقتلوا مَنْ لا عهدَ له من المشركين، فإنَّهم - وإن لم يكن لهم عهد وكانوا حُرُماً ، جعل لهم الأمانَ في مدة هذه المُهلَة، ( .... )(١) فكرتم يأمر بترك قتال مَنْ أَبَى كيف يرضى بقطع وصال مَنْ أَتَى؟! قوله جلّ ذكره: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدَّتُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَآَفْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. أَمَرَهم بمعالجة جميع أنواع القتال مع الأعداء. وأَعْدَى عدوّك نَفْسُكَ التي بين جَنْبَيْك؛ فسبيلُ العبدِ في مباشرة الجهاد الأكبر مع النّفْس بالتضييق عليها بالمبالغة في جميع أنواع الرياضات، واستفراغ الوسع في القيام بصدق المعاملات. ومِنْ تلك الجملة ألا ينزلّ بساحات الرُّخَصِ والتأويلات، ويأخذَ بالأشقِّ في جميع الحالات. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوُا الزَّحْكَوَةَ فَخَلُّواْ سِلَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . حقيقة التوبة الرجوعُ بالكلية من غير أن تتركَ بقية. فإِذا أَسْلَم الكافرُ بعد شِرْكِه، ولم يُقَصِّرْ في واجبٍ عليه من قِسْمَى فِعْله وتَرْكِه، حَصَلَ الإذنُ في تَخْلِيَةِ سبيله وفكُه: لم تَجدْ عندنا لحقُ حدودا إن وَجَدْنا لِمَا ادْعَيْتَ شهوداً وكذلك النَّفْسُ إذا انخنست، وآثارُ البشرية إذا انْدَرَسَتْ، فلا حَرَجَ - في التحقيق - في المعاملات في أوان مراعاة الخطرات مع الله عند حصول المكاشفات. والجلوسُ مع الله أَوْلَى من القيام بباب الله تعالى، قال تعالى فيما ورد به الخبر: ((أنا جليس مَنْ ذكرني»(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَّهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . (١) بياض في الأصل. (٢) أخرجه العجلوني في (كشف الخفاء ٢٣٢/١)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٨٧/٦) والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ٢٤). ٤٠٩ تفسير سورة التوبة إِذا استجار المُشْرِكُ - اليومَ - فلا يُردُّ حتى يسمعَ كلامَ الله، فإِذا استجار المؤمنُ طول عمره من الفراق - متى يُمْنَعُ من سماع كلام الله؟ ومتى يكون في زمرة مَنْ يقال لهم: ﴿أَخَثُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. " وإذ قال - اليومَ - عن أعدائه: ﴿فَأَجِرْءُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ﴾ فإِنْ لم يؤمن بعد سماع كلامه نُهِيَ عن تعرضه حيث قال: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَّهُ﴾ - أترى أنه لا يُؤَمِّنُ أولياءَه - غداً - مِنْ فراقه، وقد عاشوا اليومَ على إيمانه ووفائه؟! كلا .. إنه يمتحنهم بذلك، قال تعالى: ﴿لَا يَخْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ فإذا كان هذا بِرَّه بِمَنْ لا يَعْلَم فكيف بِرُه بِمَنْ يعلم؟ ومتى نُضَيْعُ مَنْ يَنِيخُ بِبَابِنَا والمُعْرِضُون لهم نعيمُ وافِرٌ؟! قوله جلّ ذكره: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُّ عِنْدَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّ الَّذِينَ عَهَدُثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَِّ فَمَا أَسْتَقَدَمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. كيف يكون المُفْلِسُ من عرفانه كالمخلص في إيمانه؟ وكيف يكون المحجوبُ عن شهوده كالمستهلَكِ في وجوده؟ كيف يكون مَنْ يقول ((أنا)) كمن يقول ((أنت))؟ وأنشدوا: وأحبابُنا شئَّان: وافٍ وناقِصٌ ولا يستوي قطُّ مُحِبٌّ وباغِضُ قوله: ﴿فَمَا أَسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمَّ﴾، إِنْ تَمَسْكُوا بحبل وفائنا أحللناهم ولاءنا، وإِنْ زاغوا عن عهدنا أبليناهم بصدْنا، ثم لم يَرْبَحُوا في بُعْدِنا . ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: المُتَّقي الذي يستحق محبةَ مَنْ يُتَّقَى؛ وذلك حين يتقي محبَّةَ نَفْسِه، وذلك بِتَرْكِ حظّه والقيام بحقُ ربِّه. قوله جلّ ذكره: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّا وَلَا ◌ِمَّةُ يُرْضُونَكُمْ يَفْوَهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ﴾ . وَصَفَهم بلوم الطبع فقال: كيف يكونون محافظين على عهودهم مع ما أضمروه لكم من سوء الرضاء؟ فلو ظَفِرُوا بكم واستولوا عليكم لم يُراعوا لكم حُزْمةً، ولم يحفظوا لكم قرابةً أو ذِمَّةً . وفي هذا إشارة إلى أنَّ الكريمَ إذا ظَفِرَ غَفَرَ، وإذا قدر ما غَدَرَ، فيما أَسرَّ وَجَھَرَ . قوله: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَهِهِمْ وَتَأْبَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي لا عَجَبَ مِنْ طَبْعِهِمْ؛ فإنهم في ٤١٠ تفسير سورة التوبة حقٌّنا كذلك يفعلون: يُظْهِرُون لباسَ الإِيمان ويُضْمِرُون الكفر. وإنهم لذلك يعيشون معكم في زِيِّ الوفاق، ويستبطنون عين الشقاق وسوءَ النّفاق. قوله جلّ ذكره: ﴿أَشْتَرَوْاْ بِحَايَتِ الَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ: إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . مَنْ رَضِيَ مِنَ الله بغير الله أرخص في صفقته ثم إنه خسر في تجارته؛ فَلَا لَهُ - وهو عن الله - أثر استمتاع، ولا له ــ في دونه سبحانه - اقتناع؛ بَقِيَ عن الله، ولم يستمتع عن الله. وهذا هو الخسران المبين. قوله جلّ ذكره: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا ذِمَّةٌ وَأُوْلَهِكَ هُمُ الْمُعْتَّدُونَ﴾ . كيف يراعي حقَّ المؤمنين مَنْ لا يراعي حقَّ الله في الله؟ أخلاقُهم تَشَابهت في تَرْكِ الحُزْمة . قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الْضَلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَنَّكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . معناه: وإن قبلناهم وصَلُحُوا لولائنا فَلُحْمَةُ(١) النَّسَبِ في الدِّين بينكم وبينهم وشيجة(٢)، وإلا فليكن الأجانبُ مِنا على جانبٍ منكم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن تُكَثُواْ أَيْمَنَّهُم مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَيِلُواْ أَبِغَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ . إذا جنحوا إلى الغَدْرِ، ونكثوا ما قدَّموه من ضمان الوفاء بالعهد، وبسطوا ألسنتَهم فيكم باللوم فاقصدوا مَنْ رحى الفتنةِ عليه تدور، وغُصْنُ الشَّرِّ مِنْ أَضْلِه يَتَشَعَّبُ، وهم سادةُ الكفار وقادتُهم. وحقُّ القتالِ إعدادُ القوةِ جهراً، والتبرِّي عن الحول والقوة سِرّاً. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَا تُقَئِلُونَ قَوْمًّا نَكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ وَهَنُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَـ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمَّ قَالَهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن كُ مُؤْمِنِينَ﴾ . حَرَّضَهم على القتال - على ملاحظة أمرٍ الله بذلك - لا على مقتضى الانطواء على الحقد لأحد، فإِنَّ مَنْ غَضِبَ لنَفْسِه فمذمومُ الوصف، ومَنْ غَضِبَ لله فإنَّ نصرَ اللَّهِ قريبٌ. وقال: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾: فالخشية من الله بشير الوَصْلة، والخشية من غير الله نذير الفُرقة. وحقيقة الخشية نَفْضُ السِّرِّ عن ارتكاب الزَّجر ومخالفة الأمر. قوله جل ذكره: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفٍ (١) اللَّحمة: القرابة. (٢) الوشيجة: القرابة المشتبكة المتصلة (ج) وشائج. ٤١١ تفسير سورة التوبة صُدُوَرَ قَوْرٍ مُؤْمِينَبٌ وَيُذْهِبْ غَيّظَ قُلُوبِهِمُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . هوَّن عليهم كلفةَ المخاطرة بالمهجة بما وَعَدَهُم مِن الظّفَرِ والنصرة، فإنَّ شهودَ خِزْىٍ العدوْ مما يُهَوْنُ عليهم مقاساة السوء. والظّفَرُ بالأَرَب(١) يُذْهِبُ تَعَبَ الطَّلَب. وشفاءُ صدور المؤمنين على حسب مراتبهم في المقام والدرجات؛ فمنهم مَنْ شفاءُ صدره فِي قَهْرٍ عدوّه، ومنهم مَنْ شفاءُ صدرِه في نيْلِ مَرْجُوَّه. ومنهم مَنْ شفاء صدره في الظُّفَر بمطلوبه، ومنهم مَنْ شفاءُ صدرِه في لقاء محبوبه. ومنهم من شفاء صدره في درك مقصوده، ومنهم من شفاء صدره في البقاء بمعبوده. وكذلك ذهابُ غيظٍ قلوبهم تختلف أسبابه، وتتنوَّعُ أبوابُه، وفيما ذَكَرْنَا تلويح لِمَا تركنا. ﴿وَيَتُوبُ اَللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءٌ﴾ حتى يكون استقلاله بمحوّل الأحوال. قوله جل ذكره: ﴿أَرْ حَسِبْتُمْ أَنِ تُتْرَّكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ وَاللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . مَنْ ظَنَّ أنه يُقْنَعُ منه بالدعوى - دون التحقق بالمعنى - فهو على غَلَطٍ في حسبانه. والذي طالبهم به من حيث الأمر صِدْقُ المجاهدةِ في الله، وتَرْكُ الركون إلى غير الله، والتباعدُ عن مُساكَنَةِ أعداءِ الله .. ثِقةً بالله، واكتفاءً بالله، وتبرِياً من غير الله . وهذا الذي أمرهم به ألا يتخذوا من دون المؤمنين وليجةً(٢) فالمعنى فيه: ألا يُفْشُوا في الكفارِ أسرارَ المؤمنين. وأولُ مَنْ يهجره المسلمُ - لئلا تَطَّلِعَ على الأسرار - نَفْسُه التي هي أعدی عدوّه، وفي هذا المعنى قال قائلهم: كنابي إليكم بعد موتي بليلةٍ ولم أدرِ أَنّي بعد مَوْتِيَ أكتبُ ويقال: إن أبا يزيد(٣) - فيما أُخْبِرَ عنه - أنه قال للحقِّ في بعض أوقات مكاشفاته: كيف أطلبك؟ فقال له: فَارِقْ نَفْسَكَ . (١) الأرب: الحاجة والبغية والأمنية (ج) آراب. (٢) الوليجة: من تتخذه معتمداً عليه من غير أهلك. (ج) ولائج. (٣) هو طيفور بن عيسى البسطامي، أبو يزيد، ويقال: بأيزيد (١٨٨ - ٢٦١ هـ = ٨٠٤ - ٨٧٥م) زاهد مشهور له أخبار كثيرة. نسبة إلى بسطام أصله منها، ووفاته فيها، وفي المستشرقين من يرى أنه كان يقول بوحدة الوجود، وأنه ربما كان أول قائل بمذهب الغناء، ويُعرف أتباعه بالطيفورية أو البسطامية . الأعلام ٢٣٥/٣، وطبقات الصوفية ٦٧ - ٧٤، ووفيات الأعيان ٢٤٠/١، وميزان الاعتدال ١ / ٤٨١، وحلية ٣٣/١٠، والشعراني ٦٥/١، الرسالة القشيرية ص٣٩٥ - ٣٩٧. ٤١٢ تفسير سورة التوبة ويقال إن ذلك لا يتمُّ، بل لا تحصل منه شفيَّة إلا بكَيِّ عُرُوقِ الأطماع والمطالباتِ لِمَا في الدنيا ولِمَا في العُقبى ولِمَا في رؤية الحال والمقام - ولو بِذَرَّةٍ . والحريةُ عزيزةٌ ... قال قائلهم: أتمنى على الزمانِ مُحَالاً أَنْ ترى مُقْلَتَايَ طَلْعَةَ حُرٍ قوله جل ذكره: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفِ أُوْلَكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ . عمارةُ المساجد بإقامة العبادة فيها، والعبادةُ لا تُقْبَلُ إلا بالإخلاص، والمشرِكُ فاقِدُ الإخلاص، وشهادتُهم على أنفسهم بالكفر دعواهم حصول بعض الحدثان بتأثير الأسباب، فمن أثبت في عقده جوازَ ذَرَّة في العالم من غير تقديره - سبحانه - شارَكَ أربابَ الشّرْكِ في المعنى الذي لزمَتْهم به هذه السُّمة. قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِلَهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ . لا تكون عمارةُ المساجد إلا بتخريب أوطان البشرية، فالعابد يُعَمِّرها بتخريب أوطان شهوته، والزاهدُ يعمرها بتخريب أوطان مُثْيته، والعارف يعمرها بتخريب أوطان علاقته، والموَحِّدُ يعمرها بتخريب أوطان ملاحظته ومُسَاكنتِهِ. وكلُّ واحدٍ منهم واقفٌ في صفته؛ فلصاحب كلٌ موقفٍ منهم وصفٌ مخصوص . وكذلك رَثْبتَهُم في الإيمان مختلفة؛ فإِيمانٌ من حيث البرهان، وإيمان من حيث البيان، وإيمان من حيث العيان، وشتان ما هم! قال قائلهم: ليس الصحيحُ - إذا مشى - كالمُقْعَدِ لا تعرِضَنَّ بِذِكْرِنا في ذِكْرِهِم قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ الْحَجِ وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ اُلْآَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُنَ عِنْدَ الَهُ وَاللَّهُ لَا يَدِى الْقَوْمَ الظَِّينَ﴾ . ليس مَنْ قام بمعاملة ظاهره كمن استقام في مواصلة سرائره، ولا مَنْ اقتبس من سراج علومه كمن استبصر بشموس معارفه، ولا من نُصِبَ بالباب من حيث الخدمة كمن مُكْنَ من البِسَاط من حيث القربة وليس نعتْ مَنْ تَكلَّفُ نِفَاقاً كوصفٍ مَنْ تَحقَّقَ وِفَاقاً، بينهما بَوْنَ(١) بعيدً! قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَبَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَكَ هُ الْفَيْزُونَ﴾. (١) البون: مسافة ما بين الشيئين. يقال: بينهما بون بعيد؛ أي: بين درجتيهما أو بين اعتبارهما في الشرف . ٤١٣ تفسير سورة التوبة ﴿ءَامَنُواْ﴾ أي شاهدوا بأنوار بصائرهم حتى لم يبقَ في سماءِ يقينهم سحابُ رَيْبٍ، ولا في هواءِ معارفهم ضبابُ شك. ﴿وَهَاجَرُواْ﴾: فلم يُعَرْجُوا في أوطان التفرقة؛ فَتَمَحَّضَتْ (١) حركاتُهم وسكناتهم بالله لله . ﴿وَجَهَدُواْ﴾: لا على ملاحظة غَرَضٍ أو مطالعة ◌ِوَضٍ؛ فلم يَدَّخِرُوا لأنفسِهم - مِنْ ميسورهم - شيئاً إلا آثروا الحقَّ عليه؛ فَظَفِروا بالنعمة؛ في قيامهم بالحقَّ بعد فنائهم عن الخلق . قوله جلّ ذكره: ﴿يُبَشِرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَّمْ فِيَهَا نَعِيمٌ مُقِيمُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدَأْ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . البشارة من الله تعالى على قسمين: بشارة بواسطة المَلَكِ، عند التوفي: ﴿تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠]. وبشارة بلا واسطة بقول المَلَك، إذ يُبَشِّرهم ربُّهم برحمةٍ منه، وذلك عند الحساب. يبشرهم بلا واسطة بِحُسْنِ التولّي؛ فعاجِلُ بشارتهم بنعمة الله، وآجِل بشارتهم برحمة الله، وشتان ما هما! ويقال البشارة بالنعمة والجنة لأصحاب الإحسان، والبشارة بالرحمة لأرباب العصيان، فأصحاب الإحسان صَلُحَ أمرهم للشهرة فَأَظْهَرَ أَمَرَهُم للمَلَكِ حتى بَشَّروهم جَهْراً، وأهلُ العصيان صلح حالهم لِلسَتْرِ فتولَّى بشارتهم - مِنْ غير واسطة سِرَّاً. ويقال إِنْ كانت للمطيع بِشارةٌ بالاختصاص فإنَّ للعاصي بشارة بالخلاص. وإن كان للمطيع بشارة بالدرجات فإن للعاصي بشارة بالنجاة. ويقال إنَّ القلوبَ مجبولةٌ على محبة من يُبَشِّر بالخير؛ فأراد الحقُّ - سبحانه - أن تكون محبةُ العبد له ـ سبحانه ــ على الخصوص؛ فتولَّى بشارته بعزيز خطابه من غير واسطة، فقال: ﴿يُبَشِرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾ [التوبة: ٢١] وفي معناه أنشدوا: لولا تَمتُّعُ مُقْلتي بلقائه لوَهَبْتُها بُشْرَى بقرب إيابه ويقال بَشَّرَ العاصِيَ بِالرحمة، والمطيعَ بالرضوان، ثم الكافةَ بالجنة؛ تقدم العاصِيَّ في الذكر، وقدَّم المطيع بالبرٌ، فالذَّكر قوْلُه وهو قديم والبِرُّ طَوْلُه وهو عمهم وقولُه الذي لم يَزَلْ أَعَزُّ مِنْ طَوْلَه الذي حصَلَ. قَدَّم العصاة على المطيعين لأنَّ ضَغْفُ الضعيف أَوْلى بالرِّفق من القوي. (١) المحض من كل شيء: الخالص. ٤١٤ تفسير سورة التوبة ويقال قدَّم أمر العاصي بالرحمة حتى إذا كان يومُ العَرْضِ وحضورِ الجمعِ لا يفتضح العاصي . ويقال: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ﴾ يُعَرِّفُهم أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من تلك الدرجات بسعيهم وطاعتهم، ولكن برحمته - سبحانه - وصلوا إلى نعمته، قال رسول الله وَله: ((ما منكم من أحدٍ يُنَجْيه عمله. قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته))(١) . قوله: ﴿لَّمْ فِيَهَا نَعِيرٌ مُقِيمُ﴾: قومٌ نعيمُهم عطاءُ ربّهم على وصف التمام، وقومٌ نعيمُهم لقاءُ ربهم على نعت الدوام؛ فالعابدون لهم تمام عطائه، والعارفون لهم دوام لقائه . ثم قال: ﴿خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا﴾ والكناية في قوله ((فيها)) كما ترجع إلى الجنة تصلح أن ترجع إلى الحالة، سيما وقد ذكر الأجر بعدها؛ فكما لا يَقْطَعُ عطاءَه عنهم في الجنة لا يمنع عنهم لقاءَه متى شاءوا في الجنة، قال تعالى: ﴿لَّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] أي لا مقطوعةٌ عنهم نعمتُه، ولا ممنوعةٌ منهم رؤيتُه. قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَبَآءَكُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِن أَسْتَحَبُواْ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ وَمَن يَتَوْلَّهُم ◌ِنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَِّمُونَ﴾. مَنْ لم يَصْلُخْ بطاعته لربه لا تُسْتَخْلِصْه لصحبة نَفْسِك. ويقال من آثر على الله شيئاً يُبَارِكْ له فيه؛ فَيَبْقِى بذلك عن الله، ثم لا يُبْقِي ذلك معه، فإنْ استبقاه بجهده - كيف يستبقي حياته إذا أَذِنَ الله في ذهاب أَجَلِه؟ وفي معناه أنشدوا : مَنْ لم تَزُلْ نعمتُه قَبْلَهُ زَالَ مع النعمة بالموتِ قوله جلّ ذكره: ﴿قُلّ إِن كَانَ ءَابَآؤُّكُمْ وَأَيْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَكٌ وَعَشِيرَتُمْ وَأَمْوَلُ آقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَّيِْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ اَلْفَسِقِينَ﴾. ليس هذا تخييراً لهم، ولا إذْناً لهم، ولا إذْناً في إيثارِ الحظوظِ على الحقوقِ، ولكنه غاية التحذير والزَّجر عن إيثار شيءٍ من الحظوظ على الدِّين، (١) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٣٤٤/٢، ٥١٩)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٨/ ٤١٦، ٩ /١٨٤)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٥٣٩٧)، وابن حجر في (فتح الباري ١١٪ ٢٩٥)، وأبو نعيم (حلية الأولياء ٣٧٩/٨)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٣٦٣/٣). ٤١٥ تفسير سورة التوبة ومرورُ الأيامِ حَكَمٌ عَدْلٌ يَكْشِفُ في العاقبة عن أسرار التقدير، قال قائلهم: أَفَرَس تحتك أم حمار؟ سوف ترى إذا انجلى الغبارُ ويقال علامةُ الصدقِ في التوحيد قطعُ العلاقات، ومفارقهُ العادات، وهجران المعهودات والاكتفاءُ بالله في دوام الحالات. ويقال مَنْ كَسَدَتِ سوقُ دِينِهِ كَسَدَتْ أسواقُ حظوظه، وما لم تَخْلُ منك مَنَازِلُ الحظوظ لا تغْمُرُ بك مَشَاهِدُ الحقوق. قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ نَصَرَحِكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ . النصرة من الله تعالى في شهود القدرة، والمنصورُ مَنْ عَصَمه الله عزَّ وجلَّ عن التوهُّم والحسبان، ولم يَكِله إلى تدبيره في الأمور، وأثبته الحقُّ - سبحانه - في مقام الافتقار متبرياً عن الحَوْل والمُنَّة، مُتَحَقِّقاً بشهود تصاريف القدرة، يَأْخُذُ الحقُّ - سبحانه - بيدِه فيخرجه عن مهواة تدبيره. ويوقفه على وصف التصبُّر لقضاء تقديره. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَّمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَ تُغْنِ عَنَكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيَكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِينَ﴾. يعني نَصَرَكم يومَ حُنَيْنِ(١) حين تَفَرَّقَ أكثرُ الأصحاب، وافترت أنياب الكَرَّةِ عن نِقاب القَهْرِ فاضطربت القلوبُ، وخانت القوى أصحابَها، ولم تُغْنِ عنكم كَثْرتُكم، فاستخلص اللَّهُ أسرارَكم - عند صدق الرجوع إليه - بِحُسْنِ السكينةِ النازلة عليكم، فَقَلَبَ اللَّهُ الأمرَ على الأعداء، وخَفَقَتْ راياتُ النصرة، ووقعت الدائرةُ على الكفار، وارتدَّثْ الهزيمةُ عليهم فرجعوا صاغرين. قوله جلّ ذكرهٍ: ﴿ثُمَّ أَنَ الَهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ. وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَزَلَ جُنُودًا لَّوْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ﴾. السكينةُ ثَلَجُ القلب عند جريان حُكْم الربِّ بنعت الطمأنينة، وخمودُ آثار البشرية بالكلية، والرضاءُ بالبادي من الغيب من غير معارضةِ اختيارِ . ويقال السكينة القرار على بساط الشهود بشواهد الصحو، والتأدب بإقامة صفات العبودية من غير لحوق مشقة، وبلا تحرّكِ عِزْقٍ لمعارضةِ حُكْم. والسكينة المنزلةُ على ﴿اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ خمودُهم تحت جريان ما وَرَدَ من الغَيْبِ من غير كراهةٍ بنوازع البشرية، واختطافُ الحقَّ إياهم عنهم حتى لم تستفزهم رهبةٌ من مخلوق؛ فَسَكنَتْ عنهم كلُّ إرادةٍ واختيار. (١) يوم حُنَين: وهو اليوم الذي ذكره جل وعز في كتابه الكريم وهو قريب من مكة، وقيل: هو وادٍ قبل الطائف، وقيل: واد بجنب ذي المجاز. (معجم البلدان ٣١٣/٢). ٤١٦ تغير سورة التوبة ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّوْ تَرَوْهَا﴾ من وفور اليقين وزوائد الاستبصار. ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالتطوح في متاهات التفرقة، والسقوط في وهدة ضيق التدبير، ومِحِنَةِ الغَفْلةِ، والغَيْبَةِ عن شهود التقدير. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اَللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . ردهم من الجهل إلى حقائق العلم، ثم نَّقَلّهم من تلك المنازل إلى مشاهد اليقين، ثم رفَّاهم عن تلك الجملة بما لقَّاهم به من عين الجمع. قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ اَلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ . فقدوا طهارة الأسرار بماءٍ بالتوحيد؛ فبقوا في قذورات الظنون والأوهام، فَمُنِعُوا قُربانَ المساجدِ التي هي مشاهدُ القرب. وأمَّا المؤمنون فطهَّرَهم عن التدنُّس بشهود الأغيار، فطالعوا الحقَّ فَرْداً فيما يُبَيِنْهُ مِنَ الأمرِ ويُمضِيه من الحُكْم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةُ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ: إِن شَاءُ إِنَ اَللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . تَوَقُّعُ الأرزاقِ من الأسبابِ من قضايا انغلاق باب التوحيد، فَمَنْ لم يفْرِذ معبودَه بالقسمة بَقِيّ في فقرٍ مُسَرْمَدٍ . ويقال مَنْ أَنَاخَ بِعُقْوةٍ كَرَم مولاه، واستمطر سحَابَ جودِه أغناه عن كل سبب، وكفاه كلَّ تَعَبٍ، وقضى له كلَّ سُؤْلٍ وأرَب، وأعطاه من غير طلب. قوله جلّ ذكره: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِمُونَ مَا حَزَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ أَلْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعُْوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ . مَنْ استوجب الهوانَ لا ينْجِيكَ مِنْ شَرِّه غير ما يستحقه من الإذلال على صغره، ومَنْ دَاهَن عدوَّه فبالحريِّ أنْ يلقى سوءَه. وَمِنْ أشدِ الناسِ لَكَ عداوة، وأبعدهم عن الإيمان - نَفْسُكَ المجبولةُ على الشرّ فلا تُقْلِعُ إلَّا بذبحها بِمُذْيَةِ المجاهدات. وهي لا تؤمِن بالتقدير، ولا يزول شَكها قط، وكذلك تَخَلدُ إلى التدبير، ولا تسكن إلا بوجود المعلوم، ولا تقبل منك إلا كاذِبَ المواعيد، ولذلك قالوا: فإِنَّ صِدْقَ القول يذري بالأمل وأَكْذِبُ النَّفْسَ إذا حَدَّثْتَها قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَتِ أَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَهِّ ذَلِكَ قَوَّلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ﴾. ٢٠ ٤١٧ تفسير سورة التوبة لو كان هذا في تخاطب المخلوقين لكان عينَ الشكوى؛ والشكوى إلى الأحباب تشير إلى تحقق الوصلة . شكا إليهم ما حصل من قبيح أعمالهم، وكم بين مَنْ تشكو منه وبين مَنْ تشكو إليه !! قوله جلّ ذكره: ﴿يُضَهُونَ قَوّلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلَّ قَنَلَهُمُ اللَّهَ أَنَّ يُؤْفَكُونَ﴾ . الكفار قبلهم جحدوا الربوبية، وهؤلاء أقروا بالله، ثم لما أثبتوا له الوَلَدَ نقضوا ما أقروا به من التوحيد، فصاروا كالكفار قَبْلَهم. ويحتمل أن تكون مضاهاةُ قولهم في وصف المعبود بأنَّ عيسى ابنه وعزيراً ابنه كقولِ الكفار قَبْلَهم إنَّ الملائكةَ بناتُ الله . ويقال لمَّا وصفوا المعبود بما يتعالى عن قولهم لم ينفَعُهم صِدْقُهم في الإقرار بربوبيته مما أضافوا إليه من سوء القالة. وكلُّ مَنْ أطلق في وصفه ما يتقدَّسُ - سبحانه - عنه فهو للأعداء مُشَاكِلٌ في استحقاق الندم والتوبيخ . قوله جلّ ذكره: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَنَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنجَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُوْا إِلَهَا وَحِدًّاً لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُنَ﴾ . كما لا تجوز مجاوزة الحد في وَضْع القذْرِ لا تجوز مجاوزة الحد في رَفْع القَدْر، وفي الخبر: (أُمِرْنا أَنْ نُنْزِلَ الناسَ منازِلَهم»(١). فَمَنْ رأى من المخلوقين شظيةً من الإبداعِ أنْزَلَهم منزلةَ الأرباب، وذلك ــ في التحقيق - شِرْك، وما أخلص في التوحيد مَنْ لم يَرَ جميعَ الحادثات بصفاتها ( .... )(٢) من الله. ﴿وَمَا أُمِرُوْاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَا إِلَهَا وَاحِدًا﴾: فمن رفع في عقده مخلوقاً فوق قدره فقد أشرك بربُّه . قوله جلّ ذكره: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اَللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأْبَىَ اللَّهُ إِلَّ أَن يُتِسَ نُورَمُ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ﴾ . (١) أخرجه مسلم في صحيحه (المقدمة ٦)، والسيوطي في الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ٢١)، والعجلوني في (كشف الخفاء ٢٢٤/١، ٢٦٢/٢). (٢) بياض في الأصل. - ٤١٨ تفسير سورة التوبة من رام أن يستر شعاع الشمس بدخان يوجهه من نيرانه، أو عالج أن يمنع حكم السماء بحيلته، وتدبيره، أو يُسْقِطَ نجوم الفَلَكِ بسهام قوسِهِ - أظهرُ رُعونَته ثم لم يَخْظَ بمراده. كذلك مَنْ توهَّم أن سُنَّةَ التوحيد يعلوها وَهَجُ الشُّبَه فقد خاب في ظنّه، وافتضح في وهمه. قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الْذِينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اْلْمُشْرِكُونَ﴾ . أزاحَ العِلَل بما ألاح من الحُجَجِ، وأزال الشُّبَهَ بما أفصح من النهج؛ فشموسُ الحقُّ طالِعةٌ، وأدلة الشرع لامعة، كما قالوا: هي الشمسُ إلا للشمس غيبةً وهذا الذي نعنيه ليس يغيب قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَخْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بَلْبَطِلِ وَيَصُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . العالِمُ إذا ارتفق بأموال الناس ◌ِوَضاً عما يُعلْمُهم زالَتْ بركاتُ عِلْمِه، ولم يَطِبْ في طريق الزهد مَطْعَمُه . والعارِفُ إذا انتفع بخدمة المريد، أو ارتفق بشيءٍ من أحواله وأعماله زالت آثارٌ هِمَّتِهِ، ولم تُجْدِ في حكْم التوحيد حالتُه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَأَلْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِمِ﴾ . لهم في الآجلِ عقوبةٌ. والذين لا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة فلهم في العاجل حجبة. وقليلٌ مِنْ عبادهِ مَنْ سَلِمَ من الحجاب في مُحتَضَرِه والعقاب في مُنْتَظَرِهِ . قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِىِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَتُهُورُهُمِّ هَذَا مَا كَتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْثِرُونَ﴾ . لمَّا طلبوا الجاهَ عند الخلْقِ بمالِهم، وَبِخُلُوا بإخراج حقِّ الله عنه شَانَ وجوهُهم. ولمَّا أسندوا ظهورَهم إلى أموالهم. قال تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَنُهُورُهُمّ﴾ . ويقال: لمَّا (عبسوا) في وجوه العفاة وعقدوا حواجِبَهم وُضِعَتْ الكيَّةُ على تلك الجباه المقبوضة عند رؤية الفقراء، ولمَّا طَوَوْا كَشْحَهُم دون الفقراء - إذا جالسوهم - وَضَعَ المِكواةَ على جُنُوبِهِم . ٤١٩ تفسير سورة التوبة قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى ككِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ الشَمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الذِيْنُ الْقَيِّمْ﴾ . لمَّا عَلِم أنهم لا يُداوِمُون على مُلازَمَةِ القُرْبِ أَفْرَدَ بعضَ الشهور بالتفضيل، ليخُصُّوها باستكثار الطاعة فيها. فأمَّا الخواصُ مِنْ عبادِه فجميعُ الشهورِ لهم شعبانُ ورمضانُ، وكذلك جميع الأيام لهم جمعة، وجميع البقاع لهم مسجد ... وفي معناه أنشد بعضهم . وكلُّ أرضٍ لي ثَغْرُ طرسوس(١) يا ربُّ إنَّ جهادي غيرُ مُنْقَطِعٍ قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيِهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَئِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَيُِّونَكُمْ كَفَّةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾. قال للعوام: لا تَظْلِموا في بعض الشهور أَنْفُسَكُم، يعني بارتكاب الزَّلَّة. وأَمَّا الخواص فمأمورون ألا يَظْلِمُوا في جميع الشهور قلوبَهم باحتقاب الغفلة. ويقال: الظلم على النَّفْس أن يجعلَ العبدُ زمامَه بيد شهواته، فَتُورِدُه مَواطِنَ الهلاك . ويقال: الظلم على النَّفْس بخدمة المخلوقين بَدَل طاعة الحقُّ . ويقال: مَنْ ظَلَم على قلبه بالمضاجعات امْتُحِنَ بِعَدم الصفوة في مرور الأوقات. ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ﴾: ولا سِلاحَ أمضى على العدوٌ مِن تَبَرِّيكَ عن حَوْلِكَ وقُوُّتِك . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا النَِّيُِّ (٢) زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ يُضَلُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُونَهُم عَامًا وَيُحَرِمُونَمُ عَامًا لِيُوَاِئُواْ ◌ِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُسُِأَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوَّهُ أَعْمَلِهِزْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾. الدِّينُ ملاحظةُ الأمر ومجانَبَةُ الوِزر (٣) وتركُ التقدم بين يدي الله سبحانه - في جميعٍ أحكام الشرع، فالآجالُ في الطاعاتِ مضروبة، والتوفيقُ في عرفانه متْبَّع، والصلاح في الأمور بالإقامة على نعت العبودية؛ فالشهرُ ما سمَّاه الله شهراً، والعامُ والحوْلُ ما أَعْلَمَ الخَلْقَ أنه قَدْرُ ما بَيَّه شرعاً . (١) طرطوس: مدينة في تركيا (قيليقيا). كانت من العواصم. فتحها المأمون ٧٨٨ م. وفيها دُفن الرسالة القشيرية ص ٢٧٥. (٢) النسيء: تأخير حرمة المحرّم إلى صفر زمن الجاهلية لكي يُستباح القتال فيه. (٣) الوزر: الإثم والذنب. ٤٢٠ تفسير سورة التوبة قوله جلّ ذكره: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنْفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِّ أَرَضِيِتُم بِالْحَيَوْةِ الذُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوِ الذُّنْيَا فِى الْآَخِرَوَ إِلَّا قَلِيلُ﴾ . عاتبهم على تَركِ البدار عند توجيه الأمر، وانتهاز فُرْصَةِ الرُّخصَة . وأَمَرَهم بالجد في العزم، والقَصْدِ في الفعل؛ فالجنوحُ إلى التكاسل، والاسترواحُ إلى التثاقل أماراتُ ضعفِ الإيمان إذ الإيمان غريمٌ مُلازِمٌ لا يرضى من العبد بغير ممارسة الأشْوُ، وملابسة الأحْقُ. قوله: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾: وهل يَجْمُل بالعابدِ أَنْ يختارَ دنياه على عقُباه؟ وهل يحسُن بالعارف أَنْ يُؤْثِرَ هواه على رضا مولاه؟ وأنشدوا. مضَوْا وانصرفوا يا ليتهم قَفَلُوا أيجملُ بالأحبابِ ما قد فعلوا إنَّ غيبةً يوم للزاهد عن الباب تَعْدِل شهوراً، وغيبةُ لحظةٍ للعارف عن البساط تعدل دهوراً، وأنشدوا: أَكْثَرَ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ (١) الإلفُ لا يصْبِرُ عن إِلْفِه ما هكذا فِعْلُ مُحِبِيْنٍ وقد صبَرْنا عَنكُمُ ساعةً قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَّا تَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ . العذابُ الأليمُ إذا أعرض العَبْدُ عن الطاعةِ ألا يبعث وراءه من جنود التوفيق ما يردَّه إلى الباب . العذابُ الأليمُ أنْ يَسْلُبَه حلاوةَ النَّجوى إذا آب. العذابُ الأليمُ الصدودُ يومَ الورود، وقيل : واعدوني بالوصالِ - والوصالُ عَذْبٌ - ورَمَوني بالصُدودِ والصدُّ صعبُ العذابُ الأليمُ الوعيدُ بالفِراق، فأمَّا نَفْسُ الفِراق فهو تمامُ التَّلَفِ، وأنشدوا: وزَعَمْتَ أَنَّ البَيْنَ مِنْكَ غداً هَدِذ بذلك مَنْ يعيش غدا قوله: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يصرف ما كان مِنْ إقباله عليه إلى غيره من أشكاله، وليس كلَّ مَنْ حَفَرَ بئراً يشربُ مِنْ معِينها، وأنشدوا: وسِوَايَ في رَوْضِ التواصُل يَرْتَع تَسْقِي رَيَاحِينَ الحِفَاظِ مدامعي (١) الإلف: المألوف.