Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
تفسير سورة المائدة
قوله: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالَّيْبُ﴾: الخبيث ما اكتسبه الغافل عن الله تعالى
في حالة اكتسابه، والطيب ما اكتسبه على شهود الحق.
ويقال الخبيث ما لم يُخْرَجْ منه حقُّ الله تعالى، والطيب ما أُخْرجَ منه حقه -
سبحانه. ويقال الخبيث ما ادخرتَه لنفسك، والطيب ما قدَّمتَه لأمره.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن
تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمُّ عَفَاَ اَللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِمٌ﴾ .
إذا أسبل عليكم ستر اللطف فلا تتعرضوا لعلم أُخْفِيَ عنكم، فيتنغَص
(بالتج ... )(١) - عليكم - عَيْشُكم.
ويقال لا تتعرضوا للوقوف على محل الأكابر - حيث لا تستوجبون ذلك -
فيسوءكم تقاصرُ رتبتك .
ويقال إذا بدا من الإعراض علم فاطلبوا له عندكم وجهاً من التفال ولا تطلبوا
أسرار الباري، واركنوا إلى روح المنى في استدفاع ما ظلكم ولا تبحثوا عن سر ذلك،
وراعوا الأمر مجملاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَفِينَ﴾.
يعني توهّم قوم أنهم محرورن عن التأثر فيما يصادفهم في فجاءة التقدير، وذلك
منهم ظَنٌّ، كما يقول بعضهم :
تبيَّن يومَ البَيْنِ أنَّ اعتزامَه
على الصير من إحدى الظنون الكواذب
قوله جلّ ذكره: ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَآَيِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَلٍَّ وَلَكِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ .
هذه أحكامٌ ابتدعوها، فردّهم الحقُّ - سبحانه - عن الابتداع، وأمَرهم بحسن
الاتِّباع، وأخبر أنَّ ما صدر من عاداتهم لا يُعَدُّ من جملة عبادتهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا
وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَّأْ أَوَلَوْ كَنَ ءَابَّاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ .
إذا هتفت بهم دواعي الحقِّ بالجنوح إلى وصف الصدق صَدَّهم عن الإجابة ما
مرنوا عليه من سهولة التقليد، وإن أسلافهم الذين وافقوهم لم يكونوا إلّا في ضلال.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمَّ إِلَى
اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَيِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
(١) بقية الكلمة بياض في الأصل.

٢٨٢
تفسير سورة المائدة
يكفي للفقير أن يمشيّ وقد جُبِرَ بعضُ كَسْرِه، فأمَّا إذا ادَّعى التقدم أو الطمع في
إنجادٍ منْ سواه فمحال من الحدث والظن.
ويقال من يفرغ إلى غيره يتشاغل عن نفسه، ومن اشتغل بنفسه لم يتفرَّغ إلى
غيره .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ
أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِ الْأَرْضِ فَأَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْنِّ
تَخْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ فَيُقْسِمَانِ بِلَّهِ إِنْ أَرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ، ثَمَنَّا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ وَلَا نَكْتُ
شَهَئِدَةَ اللَّهِ إِنَّ إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ فَإِنْ عُثِّرَ عَلَى أَنَّهُمَا أَسْتَحَقًّا إِثْمًا فَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ
أَسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ فَيُفْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنْنَآ أَحَقٌّ مِن شَهْدَتِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ
الظَّالِمِينَ ذَلِكَ أَدْفَ أَن يَأْتُواْ بِالشََّهْدَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَعْمَّ بَعْدَ أَيْمَنِهِمَّ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُواْ
وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .
حكم هذه الآية كان ثابتاً في الشرع ونُسخ، وفي بيان التفسير تفصيلُه.
والنسخُ هو الإزالة، وذلك جائزٌ في العبادات.
ومعنى النسخ يوجد في سلوك المريدين؛ فهم في الابتداء فَرْضُهم القيام
بالظواهر من حيث المجاهدات، فإذا لاح لهم من أحوال القلوب شيء آلت أحوالهم
إلى مراعاة القلوب فتسقط عنهم أوراد الظاهر، فهو كالنسخ من حيث الصورة.
قال تعالى: ﴿مَا نَنَحْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً﴾ [البقرة: ١٠٦].
واتصافهم بمراعاة القلوب أتمُّ بتأديبهم بأحكام المعاملات.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَّ إِنَّكَ أَنْتَ
عَلَّمُ الْغُيُوبٍ﴾ .
يكاشفهم بنعت الجلال فتنخنس فهومُهم وعلومُهم حتى ينطقوا بالبراءة عن
التحقيق ويقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَآ﴾، وهكذا تكون الحالة غداً: مَنْ قال لشيءٍ، أو مَالَ
لشيءٍ مما يكون نعتاً بمخلوق فعند ظهور وابل التعزُّز تتلاشى الجملة، فالملائكة
يقولون: ((ما عبدناك حق عبادتك)) والأنبياء يقولن: ﴿لَا عِلْمَ لَنّاً).
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَلِدَتِكَ إِذْ
أَيَّدُثُّكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِ اَلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَالتَّوْرَةَ وَالْإِنِلِّ وَإِذْ تَمْلُقُ مِنَ الْعِينِ كَهَيْئَةِ الَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ لَيْرًا بِإِذْنِّ وَتُبِعُ
اُلْأَكْمَةَ وَالْأَبْرَسَ بِإِذْنِّ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْنَ بِإِذْنِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِّ إِسْرَِّيلَ عَنْكَ إِذْ
جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِخْرٌّ ◌ُبِينٌ﴾.

٢٨٣
تفسير سورة المائدة
التذكيرُ بوجوه النعم يستخرج خلاصة الحُب والهيمان في المذكور وكلُّ وقتٍ
للأحباب يمضي يصير لهم حديثاً يتلى من بعدهم: إما عليهم وإمَّا عنهم.
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِْنَ أَنّ ءَامِنُواْ بِ وَبِرَسُولِى قَالُواْ ءَامَنًا وَأَشْهَدْ
بِأَتَنَا مُسْلِمُونَ﴾ .
وإنما خصَّهم بالوحي إلهاماً وإكراماً لانبساط ضياء عيسى عليهم (١)، وفي الأثر:
((هُمُ القومُ لا يَشْقَى بهم جليسُ))(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا
مَآَبِدَةُ مِنَ السَّمَاِ قَالَ أَثَّقُواْ الَهَ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ قَالُواْ فُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَنَظَمَيْنَّ قُلُوبُنَا
وَنَعْلَمَ أَن قَدّ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّهِدِينَ﴾ .
طلبوا المائدةَ لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة،
فَعُذِرُوا وأجيبوا إليها؛ إذ كان مرادُهم حصولَ اليقين وزيادةَ البصيرة.
ويقال كلٌ يطلب سُؤْله على حسب ضرورته وحالته، فمنهم من كان سكونه في
مائدة من الطعام يجدها، ومنهم من يكون سكونه في (فائدة) من الموارد يَرِدُها،
وعزيز منهم من يجد الفناء عن برهان يتأمله، أو بيان دليل يطلبه .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ الَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا
عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَّةً مِنْكٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَِّقِينَ﴾.
شَتَّان بين أمة طلب لهم نبيُّهم سكوناً بإنزال المائدة عليهم، وبين أمة بدأهم -
سبحانه بإنزال السكينة عليهم، من غير سؤال أحد، قال الله تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَنْزَلَ
السَّكِنَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنَ لِّزْدَادُواْ إِيمَنَا مَعَ إِيمَنِمْ﴾ [الفتح: ٤].
وقال في صفتهم: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
وفَرْقٌ بين مَنْ زيادةُ إيمانه بآياته التي تتلى عليهم وبين من يكون سكونهم إلى
کرامات وعطايا تُبَاحُ لهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ اَللَّهُ إِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنَّ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّآ
أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ﴾ .
أجابه إلى سؤاله لهم، ولكن توعدهم بأليم العقاب لو خالفوا بعده لِيَعْلَمَ السالكون
أَنَّ المراد إذا حصل، وأَنْ الكرامة إذا تحققت ــ فالخطر أشدُّ والحالُ من الآفة أقربُ،
(١) هذا شبيه بفكرة القشيري في الولاية. (انظر الرسالة في حديثه عنها ص٢٥٩ - ٢٦٣).
(٢) أخرجه الترمذي (دعوات ١٢٩)، وأحمد بن حنبل ٢، ٢٥٢، ٣٥٩، ٣٨٣.

٢٨٤
تفسير سورة المائدة
وكلما كانت الرتبة أعلى كانت الآفة أخفى، ومحن الأكابر إذا حلَّت جلَّت.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اَلَّخِذُونِ وَأَبِىَ إِلَهَيْنِ
مِن دُونِ اَللَّهِ قَالَ سُبْحَتَكَ مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَتَّ إِن كُتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا
فِى نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكْ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُدِ﴾.
المراد من هذا السؤال إظهار براءة ساحته عما نسب إليه من الدعاء إلى القول
بالتثليث(١)، فهذا ليس خطاب تعنيف بل هو سؤال تشريف.
ثم إن عيسى - عليه السلام - حفظ أدب الخطاب فلم يُزَكُ نَفْسَه، بل بدأ بالثناء
على الحق - سبحانه - فقال: تنزيهاً لك! إنني أنزهك عما لا يليق بوصفك.
ثم قال: ﴿مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِ بِحَنِيّ﴾ أي إني إن كنت مخصوصاً مِنْ
قِبَلِكَ بالرسالة - وشرط النبوة العصمة - فكيف يجوز أن أفعل ما لا يجوز لي؟
ثم إني ﴿إِن كُنتُ قُلْتُمُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾: كان واثقاً بأن الحقَّ - سبحانه - عليم بنزاهته
من تلك القالة .
﴿َتَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى﴾: أي علمك محيطٌ بكل معلوم.
﴿وَلَّ أَهْلَمُ مَا فِىِ نَفْسِكْ﴾ أي لا أطلع على غيبك إلا بقدر ما تُعَرِّفُني بإعلامك.
﴿إِنَّكَ أَنَتَ عَلَّمُ اٌلْغُيُوبِ﴾ الذي لا يخرج معلوم عن علمك، ولا مقدور عن حكمك.
قوله جلّ ذكره: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَآ أَمَرَبِ بِهِ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبٍ وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ
شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ فَلَا تَفَيْتَنِى كُنْتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمَّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَِهُ﴾ .
ما دعوتُهم إلا لعبادتك، وما أمرتهم إلا لتوحيدك وتقديسك، وما دمت حياً
فيهم كنت ( .... )(٢) على هذه الجملة، فلما فارقتُهم كان تصرفهم في قبضتك على
مقتضى مشيئتك، فأنت أعلم بما كانوا عليه من وَصْفَي وفاقهم وخلافهم، ويُعَمَتَيْ
اقتصادهم وإسرافهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادٌُّ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرِبِزُ الْحَكِيمُ﴾.
بيَّن أن حكم المولى في عبيده نافذ بحكم إطلاق ملكه، فقال إن تعذبهم يحسن
منك تعذيبهم وكان ذلك لأنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم أي
المُعِز لهم بمغفرتك لهم.
(١) التثليث: ما كوّن من ثلاثة، ومنه الثالوث الأقدس رمزاً للأقانيم الثلاثة عند النصارى الأب والابن
وروح القدس .
(٢) بياض في الأصل.

٢٨٥
تفسير سورة المائدة
ويقال أنت العزيز الحكيم الذي لا يضركَ كُفْرُهم.
ويقال ﴿اٌلْعَزِيزُ﴾ القادر على الانتقام منهم فالعفو (عند) القدرة سِمَةُ الكرم، وعند
العجز أمارةُ الذُّل.
ويقال إن تغفر لهم فإنك أعزُّ من أن تتجمل بطاعة مطيع أو تنتقص بِزِلَّةِ عاصٍ.
وقوله ﴿اَلْكِيمُ﴾ ردُّ على من قال: غفران الشركِ ليس بصحيحَ في الحكمة.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ اللَّهُ هَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَثَّتٌ تَخْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِينَ فِهَا أَبْدًا﴾ .
مَنْ تعجّل ميراثَ صدقه في دنياه من قبولٍ حصل له من الناس، أو رياسةٍ عقدت
له، له أو نفع وصل إليه من جاهٍ أو مالٍ. فلا شيء له في آجله من صواب صدقه، لأن
الحقَّ - سبحانه - نص بأنَّ يومَ القيامة ينفع فيه الصادقين صدقهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهَ ذَلِكَ أَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
ورضاءُ الحق - سبحانه - إثباتُ مَحَلٌ لهم، وثناؤه عليهم ومدحُه لهم،
وتخصيصهم بأفضاله وفنون نواله. ورضاؤهم عن الحق - سبحانه في الآخرة وصولهم
إلى مناهم؛ فهو الفوز العظيم والنجاة الكبرى .
قوله جل ذكره: ﴿لِّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ .
تَمَدَّحَ لحقُّ - سبحانه - بقدرته القديمة الشاملة لجميع المقدورات، الصالحة
لإيجاد المصنوعات، ولم يتجمل بإضافة غيرٍ إلى نفسه من اسمٍ أو أثرٍ، أو عينٍ أو
طلل .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
من الإبعاد والإسعاد، والصد والرد، والدفع والنفع، والقمع والمنع.

السورة التي تذكر فيها الأنعام
باسمه استنارت القلوب واستقلَّت، وباسمه زالت الكروب واضمحلت،
وبرحمته عرفت الأرواح وارتاحت، وبا ( ... )(١) انْخَتَست(٢) العقولُ فطاحت.
ويقال باسم الله نال كلُّ مُؤْمِّلٌ مأموله، وبرحمة الله وجد كل واجد وصوله.
قوله جلّ ذكره: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الْقُلْمَتِ وَالنُّورِّ ثُمَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .
بدأ الله - سبحانه - بالثناء على نفسه، فحمد نفسه بثنائه الأزليّ وأخبر عن سنائه
الصمدي، وعلائه الأحدي فقال: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .
وقوله عز وجل: ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ((فالذي)) إشارة و ﴿ خَلَقَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ عبارة. استقلت الأسرارُ بسماع ((الذي)) لتحققها بوجوده، ودوامها
لشهوده، واحتاجت القلوب عند سماع ((الذي)) إلى سماع الصلة لأن ((الذي)) من
الأسماء الموصولة بكوْنِ القلوب تحت ستر الغيب فقال: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضَ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلَ الْقُلْمَتِ وَالنُّورِّ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .
خَلَقَ ظلمةَ الليل وضياء النهار، ووحشةً الكفر والشرك، ونور العرفان
والاستبصار.
ويقال جَعَلَ الظلماتِ نصيبَ قوم لا لجُزْمِ سَلَفَ، والنورَ نصيبَ قومٍ لا
لاستحقاقٍ سبق، ولکنه حُكْمٌ به جری قضاؤه.
ويقال جعل ظلماتِ العصيان محنةً قوم، ونور العرفان نزهةَ قوم.
قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَوَ أَجَلٌَّ وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندٍَّ ثُمَّ أَنْتُمْ
تَمْتَرُونَ﴾ .
(١) بياض في الأصل.
(٢) الانخناس: التأخر والتخلف.
٢٨٦

٢٨٧
تفسير سورة الأنعام
أثبت الأصل من الطين وأدعها عجائب (السير) وأظهر عليها ما لم يظهر على
مخلوق، فالعِبْرةُ بالوَصْلِ لا بالأصل؛ فالوَصْلُ قُرْبَةٌ والأصل تُزبةٌ، الأصل من حيث
النُّطفة والقطرة، والوصل من حيث القربة والنَّصرة.
قوله ﴿ثُمَّ قَضَّ أَجَلَّاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندٌَ﴾: جعل للامتحان أجلاً، ثم جعل للامتنان
أجلاً، فَأَجَلُ الامتحان في الدنيا، وأَجَلُ الامتنان في العُقبى.
ويقال ضَرَبَ للطلب أجلاً وهو وقت المهلة، ثم عقبه بأجل بعده وهو وقت
الوصلة؛ فالمهلة لها مدّى ومنتهى، والوصلة بلا مدّى ولا منتهى؛ فوقتُ الوجودِ له
ابتداء وهو حين تطلع شموس التوحيد ثم يتسرمد فلا غروب لها بعد الطلوع.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا
تَكْسِبُونَ﴾ .
وهو الذي هو معبودُ مَنْ في السماء، مقصود مَنْ في الأرض، وهو الموجود
قبل كل سماءٍ وفضاء، وظلام وضياء، وشمس وقمر، وعين وأثر، وغيْر وغَبَر.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا تَأْنِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِنْ ءَايَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ .
أي لا يزيدهم كشفاً ولطفاً إلا قابلوهُ جحداً وكفراً، ولا يُولِيهم إقبالاً إلا قابلوه
بإعراض، ولا يلقاهم بَسْطاً إلَّا ( .... )(١) بانقباض.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَقَدْ كُذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيِهِمْ أَنْبَوُاْ مَا كَانُواْ بِ،
يَسْتَهْزِءُونَ﴾ .
إنهم أَصَرُّوا على الخلافِ مستكبرين، وعن قريب يقاسون وبالَ أمرهم،
ویذوقون غِبَّ جُخدِهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ يَوْأ ◌َمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرٍّ مَّكَّنَّهُمْ فِىِ اَلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَّنَ
◌َّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَمَلَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَعْنِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ
بَعْدِهِمْ قَرْنَا ءَاخَرِينَ﴾ .
يعني مَنْ تَقَدَّمَهُم كانوا أشدَّ تمكناً في إمهالنا، وأكثر نصيباً - في الظاهر - من
أقوالنا؛ سهَّلنا لهم أسبابَ المعاش، ووسَّعنا عليهم أبواب الانتعاش، فحين وَطَّنُوا
على كواذب المنى قلوبَهم، وأدركوا من الدنيا محبوبهم ومطلوبَهم فتحنا عليهم من
مكامن التقدير، وأبرزنا لهم من غوامض الأمور ما فزعوا عليه من النَّدَم، وذاقوا دونه
طعم الألم. ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين، وأورثناهم مساكنهم، وأسكناهم
(١) بياض في الأصل.

٢٨٨
تفسير سورة الأنعام
أماكنهم، فلَّما انخرطوا - في الغيّ - عن سلكهم، ألحقناهم في الإهلاك بهم، سُنَّةً منا
في الانتقام قضيناها على أعدائنا، وعادةً في الإكرام أجريناها لأوليائنا.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ نَّلْنَاَ عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَمَسُوهُ بِأَيْدِيِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَاً
إِلَّا سِحْرٌ مِيرٌ﴾.
يُخْبِرُ عِن كمالٍ قدرته في إبداء ما يريده بعد ما قَضَى لهم الضلالَ، فلو أشهدهم
كُلَّ دليل، وأَوْضَحَ لهم كل سبيل ما ازدادوا إلّا تمادياً في الضلال والنفرة، وانهماكاً
في الجهل والغيّ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾ .
بيَّنَ أَنَّ العبرة بالقسمة دون الاعتبار بالحجة، وما يغني السراج عند مَنْ فَقَدَ
البصر؟ كذلك ما تغني الحجَجُ عند مَنْ عدم عناية الأزل؟.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَبَسْنَا عَلَيْهِمِ مَا يَلْبِسُونَ﴾ .
مَنْ لم يُقَدِّسْ سِرَّه لَبَّسَ عليه أَمْرَه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدِ أُسْنُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا
كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ﴾ .
أي سَبَقَكَ - يا محمد - مَنْ كُذْب به كما كُذْبْتَ، فحقَّ لهم نصرنا، فانتقمنا ممن
ناوعهم، فعاد إليهم وبالُ كيدهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِى الْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
قُلْ دوخوا في الأرض، وسيحوا (١) في سيركم فيها من الطول والعَرْضِ، ثم
انظروا هل أقْلَتَ من حكمنا أحدٌ، وهل وجد من دونَ أمرنا مُلْتَحداً(٢)؟ .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لِّمَن ◌َّا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُل لِلَّهَ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ
◌َيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
سَلْهُم هل في الدار ديار؟ وهل للكونِ - في التحقيق - عند الحق مقدار؟ فإنْ
بقوا عن جوابٍ يَشْفِي، فَقُلْ: الله في الربوبية يكفي.
قوله: ﴿ كَنَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ﴾: أخبرَ وحَكَمَ وأرادَ على حسب ما عَلِمَ، فَمَنْ
تَعلَّقَ بنجاته عِلْمُه سَبَقَ بدرجاته حُكْمُه، ومَنْ عَلمِهَ في آزاله أنه يَشْقَى فبقدر شقائه في
البلاء يبقى.
(١) ساح فلان في الأرض: ذهب في الأرض أو سار فيها.
(٢) التحد إلى الحصن أو الصديق: لجأ إليه أو اعتمد عليه. والمُلتحد: الملجأ.

٢٨٩
تفسير سورة الأنعام
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى الَّلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
الحادثاتُ للَّهِ مِلْكاً، وباللَّهِ ظهوراً، ومِنْ اللَّهِ بدءاً، وإلى اللَّهِ رجوعاً. وهو
﴿السَّمِيعُ﴾ لأنين المشتاقين، ﴿ٌلْعَلِيمُ﴾ بحنين الواجدين.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَّخِذُ وَلِنَّا فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾.
أَبَعْدَ ما أكرمني بجميل ولايته أتولى غيره؟ وبعد ما وَقَعَ عليَّ ضياءُ عنايته أنظرُ
في الدارين إلى أحد؟ إنَّ هذا محالٌ في الظنّ والتقدير .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا بُطْعَمْ﴾ .
له نعتْ الكَرَمِ فلذلك يُطْعِمُ، وله حقُّ القِدَم فلذلك لا يُطْعَمْ.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلّ إِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
أي إنِّي بعجزي متحقق، ومن عذاب ربي مُشْفِقٍ، وبمتابعة أمره مُتَخَلْقٌ .
قوله جلّ ذكره: ﴿َّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾.
من أدركه سابقُ عنايته صَرَفَ عنه لاحِقَ عقوبته .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوِّ وَإِن يَسَْسْكَ بِخَيْرٍ
فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
إنَّه مَنْ ينجيك من البلاء، ومن يُلقيك في العناء. وإذ المتفرِّد بالإبلاغ واحد
فالأغيارُ كلُّهم أفعاله؛ وإن الإيجاد لا يَضْلُحُ من الأفعال.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ اْحَكِيمُ الْخِيرُ﴾ .
عَلَتْ رُتبةُ الأحدية صفةَ البشرية، فهذا لم يزل لم يكن فحصل. ومتى يكون بقاء
للحدثان مع وضوح سلطان التوحيد؟ .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَعُّ شَىْءٍ أَكْبُ شَدَةٌ قُلِ اللّهُ شَهِيْ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ
لِأُنْذِرَّكُم ◌ِ، وَمَنْ يَلَغَّ أَبِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الَلَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَنَّ قُل لَّا أَشْهَدْ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَُِ وَإِنَِّى
برٌِّ مِمَا تُشْرِكُونَ﴾ .
غلَبَتْ شهادة الحق - سبحانه - كلَّ شهادة، فهم إذا أقبلوا يشهدون فلا تحيط
بحقائقِ الشيء علومُهم، والحقُّ - سبحانه - هو الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ، ثم أخبره -
وَّ أنه مبعوثٌ إلى الكافة ومَنْ سيوجد إلى يوم القيامة.
قوله جلّ ذكره: ﴿اَلَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَمُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ
فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
أحاط علمُهم بصدقِ المصطفى - وَّةَ - في نُبُوَّتِه، ولكن أدركتهم الشقاوة الأزلية

٢٩٠
تفسير سورة الأنعام
*
فعقدت ألسنتهم عن الإقرار به؛ فجحدوه جهراً، وعلموا صِدْقَه سِرَّاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ أَخْلَهُ مِقَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهَّةٍ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ﴾ .
شؤم الخذلان بلغ بالنكاية فيهم ما جرَّهم إلى الإصرار على الكذب على الله
تعالى، ثم لم يستحيوا من اطلاعه، ولم يخشوا من عذابه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ تَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُواْ أَيْنَ شُرَكَا ؤُكُمُ الَّذِينَ كُمْ
تَزْعُمُونَ﴾ .
يجمعهم ليوم الحشر والنشر، لكنه يفرقهم في الحكم والأمر، فالبعث يجمعهم
ولكن الحكم يفرقهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْعَدُهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنََّ مُشْرِكِينَ﴾ .
هذا الذي أخبر عنهم غايةُ التمرد؛ حيث جحدوا ما كَذبُوا فيه وأقسموا عليه،
ولو كان لهم بالله عِلمٌ بأنه يعلم سِرَّهم ونجواهم، ولا يخفى عليه شيءٌ من أُولَاهم
وعُقباهم، لكن الجهل الغالب عليهم استنطقهم بما فيه فضائحهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَتُرَ كَيْفَ كَذَّبُواْ عَلَ أَنْفُسِهِمّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
هذه كلمة تعجب؛ يعني إنَّ قصتهم منها ما هو محلُّ التعجب لأمثالكم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَسْتَمِعُ إلَيْكٌّ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةُ أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ءَاذَائِهِمْ
وَقْرَأَ﴾ .
بيَّنَ أن السمعَ - في الحقيقة - سمعُ القبول، وذلك عن عين اليقين يصدر، فأما
سَمْعُ الظاهر فلا عِبْرَة به .
ويقال مَنْ ابتلاه الحقُّ بقلبٍ مطبق، ووضع فوق بصيرته غطاء التلبيس لم يزذه
ذلك إلا نفرة على نفرة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن يَرَوّأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَاْ حََّ إِذَا جَاءُ وَ يُجَدِلُونَكَ يَقُولُ اَلَّذِينَ
كَغَرُواْ إِنْ هَذَا إِلََّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ .
يعني مَنْ أَقصَته القسمة الأزلية لم تنعشه الحيلة الأبدية.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْقَوْنَ عَنَّةً وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَتْعُرُونَ﴾ .
في هذه الآية إشارة صعبة (لمن) يدعو إلى الحق جهراً ثم لا يأتي بذلك سراً.
ويقال خالَفَتْ أحوالُهم قضايا أقوالهم، وجرى إجرامُهم مجرى مَنْ ألقوا حِبالَهم
على غاربهم، وكذلك من أبعده عن القسمة لم يقربه فعلُه.

٢٩١
تفسير سورة الأنعام
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى الَّارِ فَقَالُواْ يَيْلَنَا نُرَّهُ وَلَا نُكَذِّبَ ثَايَتِ رَبِنَا وَنَّكُونَ
مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾ .
يعني حين ينجز للعبد ما وعده له من القربة يشغل من شاء بنوع من العلة حتى
لا يطلع أحد على محل الأسرار.
قوله جلّ ذكره: ﴿بَلْ بَدَا لَهُم ◌َا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلٌّ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَهُمْ
لَكَذِبُونَ وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَ الذُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .
غداً يوم تنتهك الأستار، وتظهر الأسرار - فكم من مُجَلَّل بثوب تقواه، ويَحْكُم
له معارفُه بأنه زاهدٌ في دنياه، راغب في عقباه، محبٌ لمولاه، مُفَارِقٌ لهواه، فَيُكْشَفُ
الأمر عن خلاف ما فهموه، ويفتضح عندهم بغير ما ظنوه.
وكم من متهتك ستر بما أظهر عليه! ظنَّ الكلُّ أنه خليع العذار هيِّن الأعلال،
مشوش الأسرار، فظهر لذوي البصائر جوهره، وبدت عن خفايا الستر حقيقته.
ثم قال: ﴿وَلَوَ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أخبر عما علم أنه لا يكون أنه لو كان كيف
كان يكون؛ فقال لو رُدَّ أهل العقوبة إلى دنياهم لعادوا إلى جحدهم وإنكارهم،
وكذلك لو رُدَّ أهل الصفاء والوفاء إلى دنياهم لعادوا إلى حسن أعمالهم.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِهِمَّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقّ قَالُواْ بَ وَرَبِنَاْ قَالَ
فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَّكْفُرُونَ﴾ .
يا حسرة عليهم من موقف الخجل، محل مقاساة الوَجَل، وتذكر تقصير العمل!
فهم واقفون على أقدام الحسرة، يقرعون أسنان الندز حين لا ندم ينفعهم، ولا
شكوى تُسْمَعُ منهم، ولا رحمة تنزل عليهم.
وحين يقول لهم: أليس هذا بالحق؟ يُقِرُّون كارهين، ويصرخون بالتبري عن كل
غَيْر.
قوله جلّ ذكره: ﴿قّدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَِّ اَللَّهِ حَتَّى إِذَا جَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ
يَحَسْرَلَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيَهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ وَمَا أَلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا
لَسِبُ وَلَهْوٌّ وَلَلَذَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ فَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَّ فَإِنَّهُمْ لَا
يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِعَايَتِ الَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ .
خسران وأي خسران! لم يخسروا مالاً، ولا مقاماً ولا حالاً، ولكن كما قيل:
لفرقِه مَنْ أفنيتُ فى ذكره عمري
لعمري لئن أنزفتُ دمعي فإنه
المصيبة لهم والحسرة على غيرهم، ومَنْ لم يَعْرِفُ جلالَ قدره متى تأسَّف على
ما يفوته من حديثه وأمره؟!

٢٩٢
تفسير سورة الأنعام
وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ﴾: ما كان للنفس فيه حظ ونصيب اليوم
فهو من الدنيا، وما كان من الدنيا فإنه ــ لا محالة - يُلهيك عن مولاك، وما يشغلك
عن الحق ركونُه فغيرُ مباركٍ قُرْبُهُ .
قوله: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْرُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَّ ◌َهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِثَايَتِ اللَّهِ
يَجْحَدُونَ﴾: هذه تعزية للرسول - مخ لل - وتسلية. أي قد نعلم ما قالوا فيك وهم إنما
قالوا ذلك بسَبِنَا ولأَجْلِنا. ولقد كُنْتَ عظيمَ الجاه فيهم قبل أن أوقعنا عليكَ هذا
الرقم؛ وكانوا يسمونك محمداً الأمين، فإنْ أصابَكَ ما يصيبك فَلأَجْلِ حديثنا، وغيرُ
ضائعٍ لك هذا عندنا، وحالُكَ فينا كما قيل:
أشاعوا لنا في الحيّ أشنع قصةٍ
وكانوا لنا سِلما فصاروا لنا حربا
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِبُواْ وَأُوذُواْ حََّ أَنَهُمْ
نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نََِّّ الْمُرْسَلِينَ﴾.
يعني إنَّ مَنْ سَلَكَ سبيلَنا صبر على ما أصابه من حديثنا، فلا خَسِرَتْ فينا
صفقتُه، ولا خَفِيَتْ علينا حالتُه، وما قَابَلَ حُكْمَنَا مَنْ عَرَفَنَا إلا بالمُهج، وما حملوا ما
لقوا فينا إلا على الحدق :
إنَّ الأُلى ماتوا على دين الهوى
وجدوا المنيةً منهلاً معسولا
قوله جلّ ذكره: ﴿وَ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعَرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَّعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِى الْأَرْضِ
أَوْ سُلَّمَا فِ السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِتَابَّةٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾ .
لفرط شفقته - * - استقصى في التماسِ الرحمة من الله لهم، وحمل على قلبه
العزيز بسبب ما عَلِمَ من سوء أحوالهم ما أثَّر فيه من فنون الأحزان. فعرَّفه أنهم
مُبْعَدُون عن التقريب، منكوبون بسالف القسمة.
ولو أراد الحقُّ - سبحانه - لخَفَّفَ عنهم، ولو شاء أن يهديهم لكان لهم مقيل في
الصدور، ومثوى على النشاط، ولكن مَنْ كَبَسَتْهُ العِزَّةُ لم تُنْعِشْه الحيلة .
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ إِنََّا يَسْتَجِيبُ اَلَِّينَ يَسْمَعُونُ وَالْمَوْنَ يَبْعُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ .
مَنْ فقد الاستماع في سرائره عَدِمَ توفيقَ الاتِباعِ بظاهره، والاختيارُ السابقُ في
معلومه - سبحانه - غالبٌ . .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزْلَ عَلَيْهِ مَايَةٌ مِّن رَّيِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً
وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
استزادوا من المعجزات وقد حصل من ذلك ما يذبح العذر، ولم يعلموا أن الله

٢٩٣
تفسير سورة الأنعام
المانع لهم فلولا ما ( ... )(١) من بصائرهم لما تواهموا من عدم دلائلهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا مِنْ دَآَبٍَّ فِ الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِحَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُّ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا
فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ .
يعني تساوت المخلوقات، وتماثلت المصنوعات في الحاجة إلى المُنْشِىء: في
حال الإبداع ثم في حال البقاء، وكذلك جميع الصفات النفسية والنعوت الذاتية توقفت
عن الإيجاد والاختيار، فما من شيء من عينٍ وأثر، ورسم وطلل .. إلا وهو على
وحدانيته شاهِدٌ، وعلى كون أنه مخلوق .. دليلٌ ظاهرٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا صُرٌ وَبُّكْمٌ فِي الْقُّلُمَتِّ مَن يَلِ اَللَّهُ يُصْدِلَةً وَمَن
يَشَأْ يَجْعَلَهُ عَلَى صِرَاطٍ تُسْتَقِيمٍ﴾ .
الذين فاتتهم العناية الأزلية سَدَّ الحرمانُ أسماعَهم، وغَشَّى الخذلان أبصارَهم.
والإرادة لا تُعارَض، والمشيئةُ لا تَزَاحَم، والحقُّ - سبحانه - في جميع الأحوالِ
غالبٌ .
قوله جل ذكره: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنَّكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ
إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ بَلْ إِنَّاهُ نَّدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ .
إذا مَسَّكم الضُرُّ، ونَابَكُم أمرٌ فمِمَّنْ ترومون كَشْفَه؟ ومَنْ الذي تؤملون نُطْفَهِ؟
أمخلوقاً شرقياً أم شخصاً غربياً؟ أم مَلَكاً سماوياً أم عبداً أرضياً؟
ثم قال: ﴿بَلّ إِنَّاهُ تَدْعُونَ﴾: أي إنكم - إنْ تذللتم بنفوسكم أو فكرتم طويلاً
بقلوبكم ــ لن تجدوا من دونه أحداً، ولا عن حكمه مُلْتَحَداً، فتعودون إليه في
استكشاف الضر، واستلطاف الخير والبر، كما قيل:
ويرجعني إليك - وإن تناءث
دياري عنكَ - معرفةُ الرجال
فعسى إِنْ خَبَرْتَه أَنْ تعودا
وقد تركناك للذي تريد
فإذا جرَّبْتَ الكُل، وذُقْتَ الحُلْوَ والمُرَّ، أفضى بك الضُرُّ إلى بابه، فإذا رجعت
بنعت الانكسار، وشواهد الذل والاضطرار، فإنه يفعل ما يريد: إِنْ شاء أتاح اليُسر
وأزال العُسر، وإن شاء ضاعف الضُر وعوَّض الأجر، وإن شاء ترك الحال على ما
(قبل) السؤال والابتهال .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآَ إِلَىْ أُمَبِ مِّنِ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَاِ وَالضَّرِّ لَعَلَّهُمْ
بَضَرَّعُونَ﴾ .
(١) بياض في الأصل.

٢٩٤
تفسير سورة الأنعام
يخبر عن سالف سنته في أبداء الأمم وما أوجب لمن أطاعه منهم من النعم
والكرم، وما أحلَّ بمن خالفه من الألم وفنون النّقَم.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَوْلاَ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَّهُمُ
الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبَوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى
إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾ .
يعني أنهم لما أَظَلَّهُم البلاء، فلو رجعوا بجميل التضرع وحسن الابتهال والتملق
لكشفنا عنهم المحن، ولأتحنا لهم المنن، ولكن صدَّهم الخذلان عن العقبى فأصروا
على تمردهم، فَقَسَتْ قلوبُهم وتضاعفت أسباب شقوتهم.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ يخبر عن خَفِيَ مكره بهم، وكيف أنه
استدرجهم، ثم أذاقهم وبالَ أمرهم فقال: لما طالتْ عن الحضرة غيبتُهم، ولم تنجح
مواعظُنا فيهم سَهَّلْنَا لهم أسبابَ العوافي وصبينا عليهم عزالي(١) النّعم، وفتحنا لهم
أبواب الرفاهية، فلما استمكن الرجاءُ من قلوبهم أخذناهم بغتةً وعذبنَاهم فجأة،
وأذقناهم حسرةً فإذا هم من الرحمة قانطون، ولِمَا خامر قلوبَهم - من أسباب الوحشة
عن الاستراحة بدوام المناجاة - آيسون .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبٍ الْعَلَمِينَ﴾ .
فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى لم يبقَ منهم عين ولا أثر، ولم يَرِدْ حديث منهم أو
خبر، والله - سبحانه وتعالى - بنعت العِزِّ واستحقاق الجلال لا عن فَقْدِهم له
استيحاش، ولا بوجودهم استرواح أو استبشار.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَّكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ وَخَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَنْ إِلَهُ غَيْرُ
الَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْآَيَتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ .
عَرَّفهم محلَّ عجزهم، وحقيقة حاجتهم إلى القدرة القديمة لدوام فقرهم.
وحذَّرهم فقال: إنْ لم يُدِمْ عليهم نعمة أسماعهم وأبصارهم، ولم يوجِبْ لهم ما
ألبسهم من العوافي - بكل وجهٍ في كل لحظة ــ فمن الذي يهب ما سلبه، أو يضع ما
منعه، أو يعيد ما نفاه، أو يَرُدُّ ما أبداه؟ كلا ... بل هو الله تعالى.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَنْكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةٌ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّ اُلْقَوْمُ
الثَّالِمُونَ﴾ .
يقول إِنْ عجَّلَ موعودَه لكم من العقاب أفترون أن غيرَ المستوجِب يُبْتَلَى؟ أو أن
(١) العزالى: يقال: أرسلت السماء عزاليها: كثر مطرها على المثل (اللسان ٤٤٣/١١).

٢٩٥
تفسير سورة الأنعام
المستحِقَّ له يجد من دونه مهرباً ومَنْجَى؟ إِنَّ هذا محالٌ من الظن.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِِّينَ وَمُنذِرِينٌّ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفُ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .
يعني ليس أمرنا لهم إلا بالتزام ما فيه نجاتهم، ثم بجميل الوعد لهم، ومفارقة
ما فيه هلاكهم، ثم بأليم العقوبة في الآجل ما يحل من خلافهم.
فَمَنْ آمن وصدَّق أنجزنا له الوعد، ومَنْ كفر وجحد عارضنا عليه الأمر، وأدخلنا
عليه الضُّر.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ ◌ِدِى خَآِنُ اَلَهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِى
مَلَكٌ إِنْ أَتَِّعُ إِلَّا مَا يُوحَىَ إِلَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِّ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾.
يعني قل لهم إني لا أتخطى خطي، ولا أتعدَّى حدِّي، ولا أُثْبِتُ من ذات نفسي
شيئاً، وإنما يقال لي أَبلَّغْتَ؟ وأقول: أَجَلَ، أَوْصَلْتُ.
ثم قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: هل يتشاكل الضوءُ والظلام؟ وهل
يتماثل الجُحْدُ والتوحيد؟ كلا ... لا يكون ذلك.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمٌ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِ، وَلِيٌّ
وَلَا شَفِيٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ .
الإنذارُ إعلامٌ بمواضع الخوف، وإنما خص الخائفين بالإنذار كما خصَّ المتقين
بإضافة الهدى إليهم حيث قال: ﴿هُدَّى لِلْمَثَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] لأن الانتفاع والاتِّباع
بالتقوى، والإنذار اختص بهم.
ويقال: الخوف ها هنا العلم، وإنما يخاف من علم، فأمَّا القلوب التي هي
تحت غطاء الجهل فلا تباشرها طوارقُ الخوف .
قوله: ﴿مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيْعٌ﴾ [السجدة: ٤] يعني كما أنه لا ناصر لهم من
الأغيار فلا معتمدَ لهم من أفعالهم، ولا مستندَ من أحوالهم، ولا يؤمنون شيئاً سوى
صرف العناية وخصائص الرحمة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَظِرُكِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٍّ مَا عَلَيْكَ
مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ اُلَّالِمِينَ﴾.
هذه وصية له ــ ◌َّ ـ في باب الفقراء والمستضعفين، وذلك لما قَصَرُوا لسان
المعارضه عن استدفاع ما كانوا بصدده من أمر إخلاء الرسول - صلوات الله عليه
وسلامه - مجلسه منهم، وسكنوا متضرعين بقلوبهم بين يدي الله أرادَ أنْ يُبَيْن له أَثرَ
حُسْنِ الابتهال فتولَّى - سبحانه - خصيمتهم.

٢٩٦
تفسير سورة الأنعام
وقال: ﴿وَلَا تَظْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَرةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾: لا تنظر يا
محمد إلى خِرقتهم على ظاهرهم وانظر إلى حرقتهم في سرائرهم.
ويقال كانوا مستورين بحالتهم فشهرهم بأن أظهر قصتهم، ولولا أنه - سبحانه -
قال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ فشهد لهم بالإرادة وإلا فمن يتجاسر أن يقول إن شخصاً مخلوقاً
يريد الحق سبحانه؟
ويقال إذا كانت الإرادة لا تتعلق - فى التحقيق - إلا بالحدوث، وحقيقة الصمدية
متقدسة عن الاتصاف بالحدثان، فمن المعلوم أن هذه الإرادة ليست بمعنى المشيئة،
ولا كاشتقاق أهل اللغة لها (١).
فيقال تكلم الناس في الإرادة: وأكثر تحقيقها أنها احتياج يحصل في القلوب
يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله؛ فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا
يجد من دون وصوله إليه - سبحانه - سكوناً ولا قراراً، كما قال قائلهم:
لا أسداً أخشى ولا ذيبا (٢)
ثم قطعتُ الليلَ في مَهْمَةٍ
يغلبني شوقي فأطوي السُّری
ولم يَزَلْ ذو الشوق مغلوبا
ويقال تقيَّدت دعوتهم بالغداة والعشيّ لأنها من الأعمال الظاهرة، والأعمالُ
الظاهرة مؤقتة، ودامت إرادتهم فاستغرقت جميع أوقاتهم لأنها من الأحوال الباطنة،
والأحوال الباطنة مسرمدة غير مؤقتة، فقال: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَرةِ وَالْعَشِّ﴾ ثم قال:
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَمٌ﴾ أي مريدين وجهه فهي في موضع الحال.
ويقال أصبحوا ولا سؤال لهم من دنياهم، ولا مطالبة من عقباهم، ولا همَّ
سوى حديث مولاهم، فلما تجردوا لله تمحضت عناية الحق لهم، فتولَّى حديثهم
وقال: ولا تطردهم - يا محمد - ثم قال: ما عليك من حسابهم من شيء؛ فالفقير
خفيف الظهر لا يكون منه على أحد كثير مؤنة؛ قال تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن
شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ﴾ لا تطالب بحسابهم ولا يطالبون بحسابك، بل كلٌّ
يتولى الحقُّ - سبحانه - حسابَه؛ فإن كان أمره خيراً فهو ملاقيه، وإن كان شراً فهو
مقاسيه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِنأُ
أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمُ بِالشَّكِرِينَ﴾ .
أمَّ الفاضل فَلْيشكر، وأمَّا المَفضول فليْصِرْ.
(١) انظر الرسالة القشيرية ص ٢٠١ في حديث القشيري عن الإرادة.
(٢) المهمة: المفازة البعيدة (ج) مهامه .

٢٩٧
تفسير سورة الأنعام
ويقال سبيل المفضول على لسان المحبة الشكر، ولا يتقاصر شكره عن شكر
الفاضل، قال قائلهم في معناه:
أتاني منكِ سبُّكِ لي فَسُبْي
أليس جَرَى بفيكِ اسمي؟ فَحَسْبِي
وقال آخر :
وإِنَّ فؤاداً بِعْتُه - لَكَّ شاكرٌ
وإِنَّ دَمَاً أجريتُه - لَكَ حامدُ
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا جَآءَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِشَايَِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ .
أحلَّه محل الأكابر والسَّادة، فإن السلام من شأن الجائي إلا في صفة الأكابر؛
فإن الجائي أو الآتي يسكت لهيبة المأتي حتى يبتدىء ذلك المقصودُ بالسؤال، فعند
ذلك يجيب الآتي .
ويقال إذا قاسوا تعبَ المجيء فأزِلْ عنهم المشقةَ بأن قُلْ: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ .
ويقال السلام هو السلامة أي فَقُلْ لهم سلام عليكم؛ سَلِمْتُمْ في الحال عن
الفُرقة وفي المآل عن الحُرْقة .
قوله جلّ ذكره: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾
إِنْ وَكَلَ بك من كتب عليك الزلة فقد تولَّى بنفسه لك كتابة الرحمة.
ويقال كتب بمعنى حَكَّمَ، وإنه ما حكم إلا بما علم.
ويقال كتابته لك أزلية، وكتابته عليك وقتية، والوقتية لا تبْطِلُ الأزلية .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ
غَفُورٌ رَّخِيمٌ﴾ .
يعني مَنْ تعاطى شيئاً من أعمال الجُهَّال ثم سوَّف في الرجوع والأوبة قابلناه،
يعني مَنْ تعاطى شيئاً بحسن الإمهال وجميل الأفضال، فإذا عاد بتوبة وحسرة أقبلنا
عليه بِكُلٌ لطف وقبول.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِلُ الْآَيَتِ وَلِتَسْتَِّينَ سِلُ الْمُجْرِمِينَ﴾.
نزيل الإشكال، ونُفْصِحُ طريق الاستدلال، ونُطْلِعُ شموسَ التوحيد، ونمد أهله
بحسن التأييد، ونَسِمُ قلوبَ الأعداء بوسم الخذلان، ونذيقهم شؤمَ الحرمان لئلا يبقى
لأحدٍ عذرٌ، ولا في الطريق إشكال .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلّ إِنِِّ نُِّيْثُ أَنْ أَعْبُدَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لَّ أَنَّعُ أَهْوَاءَ كُمّ
قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
يعني صرَّح بالاعتراف بجميل ما خصصناكَ به من وجوه العصمة والنعمة،

٢٩٨
تفسير سورة الأنعام
وأخبرهم أنك في كنف الإيواء مُتقلّب، وفي قبضة (الصون) مُصَرَّفٌ؛ فلا للهوى
عليك سلطان، ولا لك من محل التحقيق تباعد أو عن الحضور غيبة.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّ وَكَذَّبْتُم بِهٍ، مَا عِندِى مَا تَسْتَعِْلُونَ بِّ"
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا بِِّ يَقُضُ الْحَقّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾ .
قلْ إنَّ الله - سبحانه - لم يغادرني في قطر الطلب والتباس التحيَّر، وأغناني عن
(كَدٌ) الاستدلال، وَروَّحَني بشموس الحقيقة. ولئن بقيتم في ظلمة الالتباس فليس لي
قدرة على إزالة ما مُننيتم به من التحير، ونفي ما امْتِخنتُم به من الجهالة والتردد.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعِْلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِالَِّمِينَ ﴾ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْدِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ
مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ◌ُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاِسٍ إِلَّا فِ كِنٍَّ مُِّينٍ﴾ .
لو قدرتُ على إبداء ما طلبتم من إقامة البراهين لأجبتكم إلى كل ما اقترحتم
عليَّ - شفقةً عليكم، لكن المتفرّد بالحكم لا يُعَارَضُ فيما يريد.
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: المفتاح ما به يرتفع الغَلْقُ، والذي يحصل مقصود كلّ
أحد، وهو قدرة الحق - سبحانه؛ فإنَّ التأثير لها في الإيجاد، والموصوفُ بقدرةٍ
الإيجاد هو الله .
.ويقال أراد بهذا شمول علمه، أي هو المتفرّد بالإحاطة بكل معلوم، وقطعاً لا
يُسأل عن شيء، ولا يخفى عليه شيءٍ.
ويقال عندك مفاتح الغيب وعنده مفاتح الغيب فإنْ آمنتَ بغيبه مدَّ الشمس على
غيبك .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يَتَوَفََّكُمْ بِلَيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُمِكُمْ فِهِ
لِيُغْضَى أَجَلٌ مُسَمَّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَّرْجِعُكُمْ ثُمَ يُنَيِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
إنه يتوفَّى الأنفس في حال النوم وفي حال الوفاة، وكما أنه لا يعاقبك بالليل فإنه
لا يعذبك - إذا توقَّك ــ على ما جرحت بالنهار مع علمه بأفعالك، فبالحريِّ ألا يعذِّبَك
عداً - إذا توفَّاك ــ على ما علمه من قبيح أحوالك.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُرْبِلُ عَلَيْكُمْ حَفَفَظَةٌ حََّ إِذَا جَلَّ أَحَدَكُمُ
أَلْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّعُونَ﴾ .
فوق عباده بالقهر والرفعة، وفوقهم بالقدرة على أن يُعَذِّبهم من فوقهم بإنزال
العقوبة عليهم والسخطة .

٢٩٩
تفسير سورة الأنعام
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ رُدُّوَأْ إِلَى الَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ اْتَكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَسِينَ﴾ .
ردَّهم إلى نفسه. وما غابوا عن القبضة.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلّ مَن يُنَّحِّيَكُم مِّنِ ظُنْتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَمُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّبِنْ أَنَجَنَا
مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ .
تذكير النعمة يوجب الزيادة في المحبة، فإنه إذا عرف جميلاً أسداه تمكَّن من
قلبه الحبُّ.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَِّكُمْ مِنْهَا وَمِن كُلِ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .
المتفرِّدُ بالقدرة على إيجادكم اللَّهُ، والذي هو (الخَلَفَ) عما يفوتكم اللَّهُ،
والذي حكَمَ بنجاتكم اللَّهُ، والذي يأخذ بأيديكم كلما عَرْتم اللَّهُ.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِّكُمْ أَوْ مِن ◌َحْتِ أَرْجُلِّكُمْ أَوْ
يَلْيَكُمْ شِيَعًا﴾ .
إذا أراد الله هلاك قوم أمر البلاء حتى يحيط بهم سرادقه(١) كما يحيط بالكفار
غداً إذا أدركتهم العقوبة، وخرج بعضهم على بعض؛ حتى يتبرأ التابع من المتبوع،
والمتبوع من التابع.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضَِّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ .
لا طعمَ أرداً للإنسان من طعم الإنسان: إن شِئْتَ من الولاية والمحبة، وإن
شئت في العداوة والبغضة؛ فَمَنْ مُنِي بالبغضة مع أشكاله تنغَّصَ عليه عَيْشُه في الدنيا،
ومَنْ مُنِيَ بمحبة أمثاله تكَّدر عليه حالُه مع المولى، ومن صانَه عن الخُلق فهو
المحفوظ (المعاني).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقٌّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَكَرٍ مُسْتَغَرٌ
وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
يعني قل لهم إنما على تبليغ الرسالة، فأمَّا تحقيق الوصلة بالوجود والحال فَمِنْ
خصائص القدرة وأحكام المشيئة الأزلية .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَّ ءَئِنَا فَأَعْرِ عَنْهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ﴾
لا توافقهم في الحالة، ولا ترد عليهم ببسط القالة. ذَرْهُم ووحشتَھم بِحُسْنٍ
الإعراض عنهم، والبعد عن الإصغاء إلى تهاويشهم بحُسْنِ الانقباض.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِمَّا يُنِيَنَّكَ الشَّيْطَئِنُ فَلَ نَفْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ﴾.
(١) السُّرادق: ما يُمد فوق صحن الدار وهو ستر الدار.

٣٠٠
تفسير سورة الأنعام
أي إنْ بَدَرَ منك، تغافلٌ فتداركْتَه بحسن التذكر وجميل التَّنَبُّه، فاجتهِدْ ألا (تزل)
في تلك الغلطة قدمُك ثانيةً لئلا تقاسي أليمَ العقوبة مِنّا.
قوله جلّ ذكسره: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى
لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ .
أي من كان نقيَّ (الثوب) عن ارتكاب الإجرام يُعْزّل يوم نشره عن ملاقاة تلك
الآلام.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُوْ دِيْتَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيّاً
وَذَكِّرْ بِهِ، أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اَلَِّ وَإِنَّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ
كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَكَ الَّذِينَ أُبِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ
بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ .
أي كِلْهم وما اختاروه فإِنَّا أَعْتَدْنَا لهم (من خفيّ المكر ما إذا أحللناه بهم كسرنا
عليهم) خُمار الوهم والغلظة .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اَللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُ عَلَ أَعْقَايِنَا بَعْدَ
إِذْ هَدَنَ اللَّهُ كَلَّذِى اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَطِينُ فِى الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ: إِلَى الْهُدَى أَنْتِنَاْ قُلّ
إِنَّ هُدَى أَِّ هُوَ أَلْهُدَىْ وَأُمْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَِّينَ﴾.
أي كان الكفار يدعون المسلمين إلى الرجوع عن الدين والعود إلى الشرك، فقال
لهم الله: قل لهم - يا محمد -: أَنُؤْثِرُ الضلالَ على الهدى بعد طلوع شمس البرهان؟
ونَدَعُ الطريقة المُثْلى بعد ظهور البيان؟ ونترك عِقوةَ الجَنَّةِ وقد نزلناها؟ ونطلب
الجحيم مثوَى بعد ما كُفِيناها؟ إنَّ هذا بعيدٌ من المعقول، محالٌ من الظنون.
وكيف يساعد أتباعُ الشيطانِ مَنْ وَجَدَ الخلاصَ من صحبتهم، وأبصر الغيَّ من
صفتهم؟
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الضَلَوَةَ وَأَثَّقُوءٍ وَهُوَ الَّذِىّ إِلَيْهِ غُهْشَرُونَ﴾.
أي أَمَرَنا بملازمة محل المناجاة لأن اللسان إِنْ تعَّود نجوى السلطان متى ينطق
(بمكالمه) الآخَسٌ؟!
قوله جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن
فَيَكُونٌ قَوْلُ الْحَُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَغُ فِ الصُّورِّ عَلِمُ الْغَيْبٍ وَالشَّهَدَةٍ وَهُوَ لْمَكِيمُ
الْخَيرُ﴾.
يعني أنه لا يعترض على قدرته - سبحانه - حدوث مقصود، ولا يتقاصر حكمه
عن تصريف موجود.