Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
تفسير سورة آل عمران
وتخرج الميت من الحي حتى كأن شجرة البرم أورقت شوكاً وأزهرت شوكاً،
وكأن اليائس لم يجد خيراً، ولم يشم ريحاً، وتقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا
به أول مرة .
﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
حتى لا (كدر) ولا جُهْدَ ولا عَرَقَ جبينٍ، ولا تَعَبَ يمينٍ. لَيْلَهُ روخ وراحة،
ونهارُه طرب وبهجة، وساعاته كرامات، ولحظاته قُرُبات، وأجناس أفعاله على
التفصيل لا يحصرها لسان، ولا يأتي على استقصاء كنهها عبارة ولا بيان.
وفيما لوَّحنا من ذلك تنبيه على طريق كيفية الإفصاح عنه .
ويقال لما قال: ﴿وَتَنِعُ اَلْمُلْكَ مِمَن تَشَأَةٌ﴾ انكسر خُمَارُ كلّ ظانٌّ أنه مَلِكٌ لأنه
شاهد ملكه يعرض للزوال فَعَلِمَ أن التذلل إليه في استبقاء ملكه أولى من الإعجاب
والإدلال .
ويقال المَلِكُ في الحقيقة - مَنْ لا يشغله شيء بالالتفات إليه عن شهود من هو
المَلِكُ على الحقيقة.
قوله جل ذكره: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ﴾ .
من حقائق الإيمان الموالاةُ في الله والمعاداة في الله.
وأوْلى مَنْ تسومه الهجرانَ والإعراضَ عن الكفار - نَفْسُك؛ فإنها مجبولةٌ على
المجوسية حيث تقول: لي ومني وبي (١)، وقال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَدِلُواْ
الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣].
وإن الإيمان في هذه الطريقة عزيز، ومن لا إيمان له بهذه الطريقة من العوام -
وإن كانوا قد بلغوا من الزهد والجهد مبلغاً عظيماً - فليسوا بأهل لموالاتك، والشكل
بالشكل أليق.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَدَّةٌ
وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اَللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
صحبة الحق سبحانه وقربته لا تكون مقرونة بصحبة الأضداد وقربتهم - ألبتة .
﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: هذا خطاب للخواصِ من أهل المعرفة، فأمَّا الذين
نزلت رُثْبَتُهم عن هذا فقال لهم: ﴿وَأَتَّقُواْ التَّارَ أَلَِّيَ﴾ [آل عمران: ١٣١] وقال:
﴿وَأَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ .. ﴾ [البقرة: ٢٨١]. إلى غير ذلك من الآيات.
(١) انظر الرسالة القشيرية ص ٣٠٢.

١٤٢
تفسير سورة آل عمران
ويقال: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهٌ﴾ أن يكون عندكم أنكم وصلتم؛ فإن خفايا المكر
تعتري الأكابر، قال قائلهم:
وأمِنْتُه فأتاح لي من مأمني
مكراً، كذا مَنْ يأمن الأحبابا
ويقال: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَةٌ﴾ لأن يجري في وهم أحد أنه يصل إليه مخلوق،
أو يطأ بساطَ العِزْ قَدَمُ همة بشر، جلَّتْ الأحدية وعزَّت!
وإنَّ من ظن أنه أقربهم إليه ففي الحقيقة أنه أبعدهم عنه.
قوله جل ذكره: ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِ سُدُورِكُمْ أَوْ تُبُّدُوهُ بَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِّ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
لا يَعْزُبُ معلوم عن علمه، فلا تحتشم من نازلة بك تسوءك، فعن قريب سيأتيك
الغوث والإجابة، وعن قريب سيزول البلاء والمحنة، ويُعَجِّلُ المدَدَ والكفاية.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ أُخُضَّا وَمَا عَيِلَتْ مِن سُوْمٍ تَوَُّ
لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّا بَعِيدًاً﴾ .
وَدَّ أهل الطاعات أَنْ لو استكثروا منها، ووَدَّ أهل المخالفات أَنْ لو كبحوا
لجامهم عن الركض في ميادينهم، قال قائلهم:
وما كلٌّ مَنْ يُغْطَى المنى بِمُسَدَّدٍ
ولو إنني أُعْطِيتُ من دهري المُنَّى
وقلتُ لأيام أتيْن ألا ابعدي
لَقُلْتُ لأيامٍ مَضَيْن: ألا ارجعي
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُمْ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِأَلْعِبَادِ﴾.
الإشارة من قوله: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ للعارفين، ومن قوله ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ
بَلْعِبَادِ﴾ للمستأنفين، فهؤلاء أصحاب العنف والعنوة، وهؤلاء أصحاب التخفيف
والسهولة .
ويقال لمَّا قال: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَةٌ﴾ اقتضى أسماع هذا الخطاب تحويلهم
فقال مقروناً به ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ لتحقيق تأميلهم، وكذلك سُنَّتُه يطمعهم في عين ما
يروعهم .
ويقال أفناهم بقوله ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ثم أحياهم وأبقاهم بقوله ﴿وَاُلَهُ رَءُوفٌ
بِالْعِبَادِ﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اَللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَلَهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
﴿تُحِبُونَ اللَّهَ﴾ فرق، و﴿يُحْيِبْكُمُ اَللَّهُ﴾ جمع.

١٤٣
تفسير سورة آل عمران
﴿تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ مشوب بالعلة، و﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ بِلا عِلّة، بل هو حقيقة الوصلة.
ومحبة العبد لله حالة لطيفة يجدها من نفسه، وتحمله تلك الحالة على موافقة أمره
على الرضا دون الكراهية، وتقتضي منه تلك الحالة إيثاره - سبحانه - على كل شيء
وعلى كل أحد.
وشرطُ المحبةِ ألا يكون فيها حظّ بحال، فَمِنْ لم يَفْنَ عن حظوظه بالكلية فليس
له من المحبة شظيّة .
ومحبة الحق للعبد إرادته إحسانه إليه ولطفَه به، وهي إرادةُ فضلٍ مخصوص،
وتكون بمعنی ثنائه سبحانه عليه ومدحه له، وتكون بمعنى فضله المخصوص معه،
فعلى هذا تكون من صفات فعله.
ويقال شرط المحبة امتحاء كليتك عنك لاستهلاكك في محبوبك، قال قائلهم:
وتخرس حتى لا تجيب المناديا
وما الحبَّ حتى تنزف العين بالبكا
وهذا فرق بين الحبيب(١) والخليل؛ قال الخليل: ﴿فَمَنْ تَبِّعَنِى فَإِنَّهُ مِِّ﴾
[إبراهيم: ٣٦].
وقال الحبيبُ: ﴿فَتَِّعُونِ يُحْيِبْكُمُ اللّهُ﴾ .
فإن كان مُتَبعُ الخليل ((منه)) إفضالاً فإن متابعَ الحبيبِ محبوبُ الحقِّ سبحانه،
وكفى بذلك قربة وحالاً .
ويقال قطع أطماع الكافة أن يسلم لأحدٍ نفس إلا ومقتداهم وإمامهم سيد الأولين
والآخرين محمد ێ﴾ .
ويقال في هذه الآية إشارة إلى أن المحبة غير معلولة وليست باجتلاب طاعة، أو
التجرد عن آفة لأنه قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اَللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُرْ ذُنُوبَكُمْ﴾ بيَّن أنه يجوز أن يكون عبد له
فنون كثيرة ثم يحبُّ اللَّهَ ويحبُّه الله.
ويقال قال أولاً: ﴿يُحْيِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ثم قال: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ والواو تقتضي
الترتيب ليُعْلَمَ أَنَّ المحبةَ سابقةٌ على الغفران؛ أولاً يحبهم ويحبونه (وبعده) يغفر لهم
ويستغفرونه، فالمحبة توجِب الغفران لأن العفو يوجب المحبة.
والمحبة تشير إلى صفاء الأحوال ومنه حَبَبُ الأسنان(٢) وهو صفاؤها.
والمحبة توجب الاعتكاف بحضرة المحبوب في السر.
(١) المقصود بالحبيب سيدنا محمد ﴾﴾ .
(٢) جاءت: الإنسان وهي خطأ (انظر الرسالة القشيرية ص ٣٢٠).

١٤٤
تفسير سورة آل عمران
ويقال أحب البعير إذا استناخ فلا يبرح بالضرب.
والحبُّ حرفان حاء وباء، والإشارة من الحاء إلى الروح ومن الباء إلى البَدَن،
فالمُحِبُّ لْ يَدَّخِر عن محبوبه لا قلبَه ولا بَدَنَه .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَْ فَإِنِ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَفِينَ﴾
أمرهم بالطاعة ثم قال: ﴿فَإِن تَوَلَوْا﴾ أي قَضَّرُوا في الطاعة بأن خالفوا، ثم قال:
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾ لم يَقُلْ العاصين بل قال الكافرين، ودليل الخطاب أنه يجب
المؤمنين وإن كانوا عُصَاة .
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ
ذُرِيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضُِ وَاللّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ .
اتفق آدم وذريته في الطينة، وإنما الخصوصية بالاصطفاء الذي هو من قِبَلِه، لا
بالنَّسَب ولا بالسبب.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبٍ إِ نَّذَرْتُ لَكَ مَا فِ بَطْفِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيٌّ
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِ وَمَعْتُهَا أُنُقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَ
كَالْأُنثَّ وَإِنِ سَمَّيْتُهَا مَرْيَّمَ وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾.
المُحَرَّرُ الذي ليس في رِقْ شيء من المخلوقات، حرَّرَه الحق سبحانه في سابق
حكمه عن رق الاشتغال بجميع الوجوه والأحوال. فلمَّا نذرت أمُّ مريم ذلك،
ووضعتها أنثى خَجِلت، فلمَّا رأتها قالت ﴿رَبٍّ إِ وَضَعْتُهَا أُنْتَ﴾ وهي لا تصلح أن تكون
محرراً فقال تعالى: ﴿وَلَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ ولعمري ليس الذكر كالأنثى في الظاهر،
ولكن إذا تَقَبَّلَها الحقُّ - سبحانه وتعالى - طلع عنها كل أعجوبة.
ولما قالت ﴿إِنّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِ بَطْنِ مُحَرًَّا﴾ قالت ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّيٌ﴾ فاستجاب،
وظهرت آثار القبول عليها وعلى ابنها، ونجا بحديثها عَالَمٌ وَهَلَكَ بسببها عَالَمٌ،
ووقعت الفتنة لأجلهما في عَالَم.
قالت: ﴿وَإِنْ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّنَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَِ الرَّحِيمِ﴾ استجارت بالله
من أن يكون للشيطان في حديثها شيء بما هو الأسهل، لتمام ما هم به من أحكام القلوب.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَقَبَِّهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبًَا حَيًّا وَكَّلَهَا زَكِيَّأَ﴾ .
حيث بَلَّغَها فوق ما تَمَنَّتْ أمها، ويقال تقبَّلها بقبول حسنٍ حتى أفردها لطاعته،
وتولّاهَا بما تَولَّى به أولياءه، حتى أفضى جمع مَنْ في عصرها الْعَجَبَ من حُسْنٍ توليه
أمرها، وإن كانت بنتاً.

١٤٥
تفسير سورة آل عمران
ويقال القبولُ الحَسَنُ حُسْنُ تربيته لها مع علمه - سبحانه - بأنه يُقال فيه بسببها ما
يُقال، فلم يُبالِ بِقُبْح مقال الأعداء .
أجد الملامة في هواكٍ لذيذةً حُبَّاً لذكرك فليلمني اللُّوَمُ
وكما قيل :
ـاء فإني لا أُبـالـي
ليقل من شاء ما
ويقال القبول الحسن أَنْ ربّاها على نعت العصمة حتى كانت تقول: ﴿إِنّ أَعُوذُ
بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨].
﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ حتى استقامت على الطاعة، وآثرت رضاه - سبحانه - في
جميع الأوقات، وحتى كانت الثمرة منها مثل عيسى عليه السلام، وهذا هو النبات
الحسن، وكفلها زكريا. ومن القبول الحسن والنبات الحسن أَنْ جعل كافَلَها والقَيَّمَ
بأمرها وحفظها نبياً من الأنبياء مثل زكريا عليه السلام، وقد أوحى الله إلى داود عليه
السلام: إنْ رأيْتَ لي طالباً فَكُنْ له خادماً.
قوله جلّ ذكره: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَّكَِّا أَلْمِحْرَبَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْمُ أَنَ لَكٍ
هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الهِ إِنَّ اللّهَ يَزْزُقُ مَن يَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
مِنْ أمارات القبول الحسن أنها لم تكن توجد إلا في المحراب، ومن كان مسكنه
وموضعه الذي يتعبَّدُ فيه وهناك يوجد المحراب - فذلك عَبْدٌ عزيز.
ويقال مِنَ القبول الحسن أنه لم يطرح أمرَها كُلَّه وشُغْلُها على زكريا عليه
السلام: فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعهدها بطعام وَجَدَ عندها رزقاً لِيَعْلَمَ العاملون أن
الله - سبحانه - لا يُلْقِي شُغْلَ أوليائه على غير، ومن خدم ولياً من أوليائه كان هو في
رفق الولي لا إنه تكون عليه مشقة لأجل الأولياء. وفي هذا إشارة لمن يخدم الفقراء
أن يعلم أنه في رفق الفقراء.
ثم كان زكريا عليه السلام يقول: ﴿أَّ لَكِ هَذَا﴾؟ لأنه لم يكن يعتقد فيها
استحقاق تلك المنزلة، وكان يخاف أن غيره يغلبه وينتهز فرصة تعهدها ويسبقه بكفاية
شُغْلها، فكان يسأل ويقول: ﴿أَنَّ لَكِ هَذَا﴾ ومن أتاكِ به؟
وكانت مريم تقول: هو من عند الله لا من عند مخلوق، فيكون لزكريا فيه
راحتان: إحداهما شهود مقامها وكرامتها عند الله تعالى، والثانية أنه لم يغلبه أحد على
تعهدها، ولم يسبق به. قوله: ﴿كَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَّكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ فلفظة كلَّما للتكرار
وفي هذا إشارة: وهو أن زكريا عليه السلام لم يَذَرْ تَعهُدَها - وإنْ وجد عندها رزقاً -
بل كل يومٍ وكل وقتٍ كان يتفقد حالها لأن كرامات الأولياء ليست مما يجب أن يدوم

١٤٦
تفسير سورة آل عمران
ذلك قطعاً؛ فيجوز أن يُظهِرَ الله ذلك عليهم دائماً، ويجوز ألا يظهر، فما كان زكريا
عليه السلام يعتمد على ذلك فيترك تفقد حالها، ثم كان يُجَدِّدُ السؤال عنها بقوله:
﴿يَمَرْمُ أَّ لَكٍ هَذَا﴾؟ لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان
بالأمس، فإنه لا واجب على الله سبحانه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ إيضاح عن عين التوحيد، وأن رزقه
للعباد، وإحسانه إليهم بمقتضى مشيئته، دون أن يكون مُعَلَّلاً بطاعاتهم ووسيلة
عباداتهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيًّا رَّةٌ قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُنْكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةٌ إِنَّكَ
سَمِيعُ الدُّعَاِّ﴾ .
أي لما رأى كرامة الله سبحانه معها ازداد يقيناً على يقين، ورجاء على رجاء؛
فسأل الوَلَدَ على كبر سِنْه، وإجابته إلى ذلك كانت نقضاً للعادة.
ويقال إن زكريا عليه السلام سأل الولَدَ ليكونَ عوناً له على الطاعة، ووارثاً من
نَسْلِه في النبوة، ليكون قائماً بحقٌ الله، فلذلك استحق الإجابة؛ فإن السؤال إذا كان
لحقُ الحقِّ - لا لحظُّ النَّفْسِ - لا يكون له الرد.
وكان زكريا عليه السلام يرى الفاكهة الصيفية عند مريم في الشتاء، وفاكهة الشتاء
عندها في الصيف، فسأل الولد في حال الكِبَر ليكون آية ومعجزة.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَبِكَةُ وَهُوَ قَآٌْ يُصَلّى فِ اَلْمِحْرَابِ﴾ .
لما سأل السؤال، ولازم الباب أَتَتْهُ الإجابةُ .
وفيه إشارة إلى أن من له إلى الملوك حاجة فعليه بملازمة الباب إلى وقت الإجابة .
ويقال حكم الله - سبحانه - أنه إنما يقبل بالإجابة على من هو مُعَانِقٌ لخدمته،
فأمَّا مَنْ أعرض عن الطاعة ألقاه في ذُلُ الوحشة.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيْدًا وَحَصُورًا وَنَبِيَّنًا مِّنَ
الصَّلِحِينَ﴾.
قيل سمَّاه يحيى لحياة قلبه بالله، ولسان التفسير أنه حي به عقر أمه.
ويقال إنه سبب حياة من آمن به بقلبه.
قوله: مصدقاً بكلمة من الله: أن تصديقه بكلمة ((الله)) فيما تعبده به أو هو مكوَّن
بكلمة الله .
وقوله ﴿وَسَيِّدًا﴾: السيِّد من ليس في رق مخلوق، تحرَّر عن أسر هواه وعن كل

١٤٧
تفسير سورة آل عمران
مخلوق، ويقال السيد من تحقق بعلويته سبحانه، ويقال السيد من فاق أهل عصره،
وكذلك كان يحيى عليه السلام.
ويقال سيد لأنه لم يطلب لنفسه مقاماً، ولا شَاهَدَ لنفسه قَدْراً. ولما أخلص في
تواضعه لله بكل وجهٍ رقَّه على الجملة وجعله سيداً للجميع .
وقوله ﴿وَحَصُورًا﴾ أي مُعْتَقاً من الشهوات، مكفياً أحكام البشرية مع كونه من
جملة البشر. ويقال متوقياً عن المطالبات، مانعاً نفسه عن ذلك تعززاً وتقرباً، وقيل
منعته استئصالات بواده الحقائق عليه فلم يبق فيه فَضْلٌ لحظّ .
﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي مستحقاً لبلوغ رتبتهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ أَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَأَمْرَأَتِ عَافِرٌ قَالَ
كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ .
قيل كان بين سؤاله وبين الإجابة مدة طويلة ولذلك قال: أنَّى يكون لي غلام؟
ويحتمل أنه قال: بأي استحقاقٍ مني تكون له هذه الإجابة لولا فضلك؟
ويحتمل أنه قال أَنَّى يكون هذا: أَعَلَى وجهِ التبني أم على وجه التناسل؟ .
ويحتمل أنه يكون من امرأة أخرى سوى هذه التي طعنت في السن أو من جهة
التَّسرِّي بمملوكة؟ أمْ مِنْ هذه؟
فقيل له: لا بَلْ مِنْ هذه؛ فإنكما قاسيتما وحشة الانفراد معاً، فكذلك تكون
بشارة الولد لكما جميعاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبٍ أَجْعَل لِّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا
رَمْزَّ﴾ .
طلب الآية ليعلم الوقت الذي هو وقت الإجابة على التعيين لا لِشك له في أصل
الإجابة .
وجعل آية ولايته في إمساك لسانه عن المخلوقين مع انطلاقها مع الله بالتسبيح،
أي لا تمتنع عن خطابي فإني لا أمنع أوليائي من مناجاتي .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا﴾ .
بقلبك ولسانك في جميع أوقاتك.
﴿وَسَبْحْ بِالْعَشِّ وَاْإِنْكَرِ﴾.
في الصلاة الدائبة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَتِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنْكِ وَطَهَّرَكٍ وَأَصْطَفَتَكٍ عَلَى
نِسَآءِ الْعَلَمِينَ﴾.

١٤٨
تفسير سورة آل عمران
يجوز أن يكون هذا ابتداء خطاب من الملائكة على مريم من قِبَلِهم رفعاً بشأنها،
ويجوز أن تكون قد سمعت كلامهم وشاهدتهم، ويجوز أنها لم تشاهدهم وأنهم هتفوا بها:
إن الله اصطفاك بتفضليك، وإفرادكٍ من أشكالك وأندادك، وطَهَّرَكِ من الفحشاء والمعاصي
بجميل العصمة، وعن مباشرة الخلق، واصطفاك على نساء العالمين في وقتك.
وفائدة تكرار ذكر الاصطفاء: الأول اصطفاك بالكرامة والمنزلة وعلو الحالة
والثاني اصطفاكٍ بأَنْ حَمَلْتِ بعيسى عليه السلام من غير أب، ولم تشبهك امرأة - ولن
تشبَهك - إلى يوم القيامة، ولذلك قال ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَرْيَمُ أَقْنُبِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَزْكَعِى مَعَ الَّكِينَ﴾.
لازمي بساط العبادة، وداومي على الطاعة، ولا تُقَصِّرِي في استدامة الخدمة،
فكما أفردكِ الحقُّ بمقامك، كوني في عبادته أوحد زمانك.
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ
أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ .
أي هذه القصص نحن عرفناكها و(خا) طبناك بمعانيها، وإنْ قَصَصْنَا نحن عليك
هذا - فعزيزٌ خطابُنا، وأعزُّ وأتم مِنْ أَنْ لو كنتَ مشاهداً لها.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ اٌلْمَسِيحُ عِيسَى
أَبْنُ مَرْنَ وَجِيهًا فِىِ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَِّنَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّلِينَ﴾ .
لم يُبَشرها بنصيب لها في الدنيا ولا في الآخرة من حيث الحظوظ، ولكن بَشّرها
بما أثبت في ذلك من عظيم الآية، وكونه نبياً لله مؤيّداً بالمعجزة.
ويقال عرَّفها أن مَنْ وقع في تغليب القدرة، وانتهى عند حكمه يَلْقَى من عجائب
القدرة ما لا عهد به لأحد. ولقد عاشت مريم مدةً بجميل الصيت، والاشتهار بالعفة،
فشوَّش عليها ظاهر تلك الحال بما كان عند الناس بسبب استحقاق ملام، ولكن - في
التحقيق - ليس كما ظَنَّهُ الأغبياء الذين سكرت أبصارهم من شهود جريان التقدير.
وقيل إنه ( .... )(١) عَرَّفها ذلك بالتدريج والتفصيل، فأخبرها أن ذلك الولَدَ
يعيش حتى يُكلِّمَ الناس صبيًّا وكهلا، وأن كيد الأعداء لا يؤثر فيه.
وقيل كهلاً بعد نزوله من السماء.
ويقال ربط على قلبها بما عرَّفها أنه إذا لم ينطق لسانها بذكر براءة سَاحتها يُنْطِقُ
اللَّهُ عيسى عليه السلام بما يكون دلالة على صدقها وجلالتها.
(١) بياض في الأصل.

١٤٩
تفسير سورة آل عمران
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَتْ رَبٍ أَنَّى يَكُونُ بِى وَلَهٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَّ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءٍ﴾.
كما شاهدت طهور أشياء ناقضة للعادة في رزقنا فكذلك ننقض العادة في خلق
ولد من غير مسيس بشر .
قوله جل ذكره: ﴿إِذَا قَضَىَ أَمْرًا﴾.
أي أراد إمضاءً حُكُم.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بَهُ .
فلا يتعسر عليه إبداء ولا إنشاء.
ولمَا بسطوا فيها لسان الملامة أنطق الله عيسى عليه السلام وهو ابن يوم حتى قال :
﴿أَنِّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِئَايَةٍ مِنْ زَّيِّكُمْ﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنِيلَ وَرَسُولًا إِلَى بَنِيَ إِسْرَوِيلَ
أَنِى قَدْ جِثْتُكُم بِئَايَةٍ مِنْ زَّبِّكُمْ أَنَّ أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الْطِينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُنُ
طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِثُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَفَ وَأُخْىِ الْمَوْقَ بِذْنِ اللَّهِ وَأَنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُونَ وَمَا
تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِينَ ﴾ .
وتلك آياته الظاهرة، ودلالاته القاهرة الباهرة من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه(١)
والأبرص(٢)، والإخبار عما عملوه مُسرّين به، إلى غير ذلك من معجزاته. وأخبر أنه
مصدق لما تقدمه من الشرائع، ومختص بشريعةٍ تنخ بعض ما تقدمه، وأقرهم على
البعض - على ما نطق به تفصيل القرآن(٣).
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ الآية.
حين بلَّغهم الرسالة واختلفوا - فمنهم من صدَّقه ومنهم من كذّبه وهم الأكثرون -
عَلِمَ أن النبوة لا تنفك عن البلاء وتسليط الأعداء، فقطع عنهم قلبه، وصدق إلى الله
قصده، وقال لقومه: مَنْ أَنْصاري إلى الله ليساعدوني على التجرد لحقُّه والخلوص في
قصده؟ فقال مَنْ انبسطت عليهم آثار العناية، واستخلصوا بآثار التخصيص: نحن
أنصار الله، آمنا بالله، واشهد علينا بالصدق، وليس يشكل عليك شيءٌ مما نحن فيه.
قوله جلّ ذكره: ﴿رَبَّنَاَ ءَامَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَأَكْتُبْنَا مَعَ النَّهِينَ﴾.
وأما الباقون فجدُّوا في الشقاق، وبالغوا في العداوة، ودسُّوا له المكائد،
ومكروا ولكن أذاقهم الله وبال مكرهم، فتوهموا أنهم صلبوا عيسى عليه السلام
(١) الأكمه: من ولد أعمى أو من فقد بصره.
(٢) الأبرص: من ابتلي بالبرص (البرص: بياض يظهر في الجسد لعلة).
(٣) الآيتان ٥٠ و٥١ غير مذكورتين.

١٥٠
تفسير سورة آل عمران
وقتلوه، وذلك جهل منهم، ولَبْسٌ عليهم. فاللَّهُ - سبحانه - رفع عيسى عليه السلام
نبيَّه ووليّه، وحُقُّ الطردُ واللَّعنُّ على أعدائه، وهذا مَكْرُهُ بهم:
﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَلِكِينَ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَىَ إِ مُنَوَّفِيكَ﴾.
الإشارة فيه إني متوفيك عنك، وقابضك منك، ورافعك من نعوت البشرية،
ومطهرك من إرادتك بالكلية، حتى تكون مُصَرَّفاً بنا لنا، ولا يكون عليك من اختيارك
شيء، ويكون إسبال التولي عليك قائماً عليك. وبهذا الوصف كان يظهر على يده
إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة - جَلَّتْ.
ويقال طَهَّرَ قلبه عن مطالعة الأغيار، ومشاهدة الأمثال والآثار، في جميع
الأحوال والأطوار.
﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ .
بالنصرة والقهر والحجة .
ومتبعوه مَنْ لم يُبَدِّل دِينه ومَنْ هو على عقيدته في التوحيد - وهم المؤمنون،
فَهُمْ على الحقِّ، إلى يوم القيامة لهم النصرة، ثم إن الله سبحانه يحكم - يوم القيامة -
بينه وبين أعدائه. فأمّا الكفار ففي الجحيم وأمّا المؤمنون ففي النعيم.
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ﴾.
ذلك نتلوه عليك يا محمد، نعرفك معانيه بما نوحي إليك، لا بتكلفك ما تصل
إلى عِلْمِه، أو بِتَعلُّمِك من الأمثال، أو استنباطك ما تنزع من الاستدلال.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌ﴾ الآية .
خَصَّهما بتطهير الروح عن التناسخ في الأصلاب وأفرد آدم بصفّةِ البدء؛ وعيسى
عليه السلام بتخصيص نفخ الروح فيه على وجه الإعزاز، وهما وإن كانا كبيري الشأن
فيِقْصُ الحدثان والمخلوقية لازِمٌ لهما:
﴿ثُرَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿اُلْحَقُّ مِن رَّيِّكَ﴾ الآية.
﴿اَلْحَقُّ مِن رَّيِّكَ﴾ يا محمد، فلا تَشُكَّن في أنه - سبحانه - لا يماثله في الإيجاد
أَحَدٌ، ولا على إثبات بينه لمخلوق قدرة. والموجودات التي ( ... )(١)، وجودها عن
كتم العَدَم - من الله مبدؤها وإليه عَوْدُها.
(١) بياض في الأصل.

١٥١
تفسير سورة آل عمران
قوله جل ذكره: ﴿فَمَنْ حَآَكَ فِيهِ﴾ الآية.
يعني بعدما ظَهَرْتَ على صدق ما يُقال لك، وتَحقَّقَتْ بقلبك معرفة ما
خاطبناك، فلا تحتشم من حملهم على المباهلة، وِثقْ بأن لك القهر والنصرة، وأَنَّا
توليناك، وفي كنف قُربنا آويناك، ولو أنهم رغبوا في هذه المباهلة لأحرقت الأودية
عليهم نيراناً مؤججة، ولكن أخَّر الله - سبحانه ــ ذلك عنهم لعلمه بِمَنْ في
أصلابهم من المؤمنين .
والإشارة في هذه الآية لِمَنْ نزلت حالته عن أحوال الصديقين، فإنه إذا ظهرت
أنوارهم انخنست آثار هؤلاء فلا إقرار، ولا عنهم آثار.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ اَلْقَصَصُ الْحَقِّ﴾ .
لا يتسلط على شواهد التوحيد غبار شبهة، ولا يدرك سر حكمه وهم مخلوق،
ولا يدانيه معلوم يحصره الوجود، أو موهوم يصوره التقدير.
﴿فَإِنَ تَوَلَّوْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ .
فإن تولوا - يا محمد - فإنه لا ثَبَاتَ عند شعاع أنوارك لشبهة مُبْطِل.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بَلْمُفْسِدِينَ﴾ إمَّا يجتاحهم، أو يحلم حتى إذا استمكنَتْ ظنونُهم
يأخذهم بغتةً وهم لا يُنْصَرون.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْمٍ بَيْنَنَا وَبَيْتَكُمْ﴾ الآية.
هي كلمة التوحيدِ وإفرادِ الحق سبحانه في إنشاء الأشياء بالشهود.
وقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾: لا تطالع بِسِرِّكِ مخلوقاً. وكما لا يكون غيرُه
معبودَك فينبغي ألا يكون غيرُه مقصودَك ولا مشهودَك، وهذا هو اتِّقاء الشِرْك، وأنت
أول الأغيار الذين يجب ألا تشهدهم.
﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا﴾ ويظهر صدقُ هذا بترك المدح والذم لهم.
ونفي الشكوى والشك عنهم، وتنظيف السر عن حسبان ذرة من المحو والإثبات
منهم. قال رَلتر («أصدق كلمة قالتها العربُ قول لبيد)):
((ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل
وكل نعيم لا مَحالة زائل))(١)
فإنَّ الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأمَّا أهل البداية فالأمر مُضيَّقٌ عليهم
(١) أخرجه البخاري في (الصحيح ٤٣/٨)، ومسلم في (الصحيح الشعر المقدمة ٣)، وابن ماجه في
(السنن ٣٧٥٧)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٣٣٩/٢)، والتبريزي في (مشكاة المصابيح ٤٧٨٦)،
والبخاري في (التاريخ الكبير ٢٤٩/٧).

١٥٢
تفسير سورة آل عمران
في الوظائف والأوراد، فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب، لفراغهم بقلوبهم من
المعاني، فمن ظنَّ بخلاف هذا فقد غلط .
والإشارة من هذه الآية أيضاً في قوله جل ذكره:
﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىّ إِنََّهِيمَ﴾ الآية .
ضرب على خليله - صلوات الله - نقاب الضنَّة وحجاب الغيرة، فقطع سببه عن
جميعهم بعد ادعاء الكل فيه، وحَكَمَ بتعارض شُبُهَاتِهم، وكيف يكون إبراهيم - عليه
السلام - على دين مَنْ أتى بعده؟! إن هذا تناقضٌ من الظن.
ثم قال :
﴿مَكَأَنْتُمْ مَنُؤُلَاءٍ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ فَلِمَ تُعَابُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ، عِلَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
يعني ما كان في كتابكم له بيان، ويصح أن يكون لكم عليه برهان، فَخَصَّهُمْ في
ذلك إمَّا بحق وإما بباطل، فالذي ليس لكم ألبتة عليه دليل ولا لكم إلى معرفته سبيل
فكيف تصديتم للحكم فيه، وادعاء الإحاطة به؟!
قوله جلّ ذكره: ﴿مَا كَانَ إَِهِمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَعْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حِيفًا مُسْلِمًا﴾ .
الحنيف(١) المستقيم على الحق، والأحنف هو المستقيم في حلقة الرِّجْل،
ويسمى مائل القَدَم بذلك على التفاؤل وإبراهيم عليه السلام كان حنيفاً لا مائلاً عن
الحق، ولا زائغاً عن الشرع، ولا مُعَرِّجاً على شيء وفيه نصيب للنفس، فقد سَلَّم مَالَه
ونَفْسَه ووَلدَه، وما كان له به جملةً - إلى حكم الله وانتظار أمره.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنَهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَُّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَّهُ
وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
لما تفرقت الأهواء والبدع وصار كل حزب إلى خطأ آخر، بقي أهل الحقِّ في
كل عصر وكل حين ووقت على الحجة المثلى، فكانوا حزباً واحداً، فبعضهم أَوْلى
ببعض. وإبراهيم صاحب الحق، ومن دان بدينه - كمثل رسولنا وَّير وأمته - على الدين
الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام وهو توحيد الله سبحانه وتعالى.
﴿وَاللَّهُ وَإِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنهم تولَّوْا دينه، ووافقوا توحيده، وولاية الله إنما تكون
بالعَون والنصرة والتخصيص والقربة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَذَت ◌َطَّابِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُعِلُونَّكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ .
(١) الحنف: الاعوجاج، والاستقامة (ضدّ).

١٥٣
تفسير سورة آل عمران
من حلَّت به فتنة، وأصابته محنة، واستهوته غواية - رَضِي لجميع الناس ما حلَّ
به، فأهل الكتاب يريدون بالمؤمنين أن يزيغوا عن الحق، ولكن أبى الله إلا أن يتم
نوره، وأن يعودَ إليهم وبالُ فعلهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ .
قَبْلَ بعثه - وَ * - على صحة نبوته، فما الذي يحملكم على غيكم حتى جحدتم
ما علمتم؟
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ ◌ِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
تكتمون الحق في شأن محمد عليه السلام وأنتم تعلمون أنه النبي الصادق، وهل
هذا إلا حكم الخذلان وقضية الحرمان، ثم أخبر أنَّ منهم من ينافق في حالته، فیرید
أن يدفع عنه أذى المسلمين، ولا يخالف إخوانه من الكافرين، فتواصوا فيما بينهم
بموافقة الرسول عليه السلام والمسلمين جهراً، والخلوص في عقائدهم الفاسدة
بعضهم مع بعض سِرّاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَت ◌َّبِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَامِنُواْ بِلَّذِىّ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوَاْ ءَاخِرَهُ لَعَلَهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
فبين الله سبحانه أن نفاقهم كُشِف للمسلمينِ، وأن ذلك لا ينفعُهم أمَّا في الدنيا
فَلإِطْلاع الله نبيَّه عليه السلام والمؤمنين - عليه، وأمَّا في الآخرة فَلِفَقْدِ إخلاصهم فيه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾.
يحتمل أن يكون هذا ابتداء أمر من الله سبحانه للمسلمين، والإشارة فيه ألا
تعاشروا الأضداد، ولا تفشوا أسراركم للأجانب .
﴿قُلٌ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ أَلَّهِ﴾ .
فهو الذي يختص من يشاء بأنوار التعريف، ويختص من يشاء بالخذلان
والحرمان .
قوله جلّ ذكره: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
يختص من يشاء بفنون إنعامه، فالرحمة على هذا سبب لتخصيص النعمة لمن
أراده. ولا بُدَّ من إضمار فيحتمل أن يختص بالرحمة من يشاء فلا تجري الرحمة
مجرى السبب فالرحمة على هذا التأويل تكون بمعنى النبوة وتكون بمعنى الولاية .
وبمعنى العصمة وجميع أقسام الخيرات التي يختصُّ - بشيء منها - عبداً من
عباده، فيدخل تحت قوله: ﴿يَخْنَصُ بِرَحْمَتِهِ،﴾ أي بنعمته.

١٥٤
تفسير سورة آل عمران
فقومٌ اختصهم بنعمة الأخلاق وقوم اختصهم بنعمة الأرزاق، وقوم اختصهم
بنعمة العبادة وآخرين بنعمة الإرادة، وآخرين بتوفيق الظواهر وآخرين بعطاء
الأبشار، وآخرين بلقاء الأسرار، قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاً﴾
[إبراهيم: ٣٤].
ويقال لمَّا سمعوا قوله: ﴿يَخْنَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ﴾، علموا أن الوسائل ليست
بهادية(١)، وإنما الأمر بالابتداء والمشيئة.
ويقال: ﴿يَخْلَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ بالفهم عنه فيما يكاشفه به من الأسرار
ويلقيه إليه من فنون التعريفات .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن
تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لََّ يُؤَدِّوْءٍ إِلَيْكَ﴾ الآية .
أخبر أنهم - مع ضلالتهم وكفرهم - متفاوتون في أخلاقهم، فكُلُّهُمْ خَوَنَةٌ في
أمانة الدِّين، ولكنّ منهم من يرجع إلى سداد المعاملة، ثم وإن كانت معاملتهم
بالصدق فلا ينفعهم ذلك في إيجاب الثواب ولكن ينفعهم من حيث تخفيف العذاب؛
إذ الكفار مُطَالَبُون بتفصيل الشرائع، فإذا كانوا في كفرهم أقلّ ذنباً كانوا بالإضافة إلى
الأخسرين أقلَّ عذاباً، وإن كانت عقوبتهم أيضاً مؤيّدة.
ثم بيَّن أنه ليس الحكم إليهم حتى إذا :
﴿قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمِِّعَنَ سَبِيلٌ﴾ .
فلا تجري عليهم هذه الحالة، أو تنفعهم هذه القالة، بل الحكم لله تعالى.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَئِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِي
اَلَْخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اَللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلٌِ﴾ .
الذين آثروا هواهم على عُقباهم، وقدَّموا مناهم على موافقة مولاهم أولئك لا
نصيب لهم في الآخرة؛ فللاستمتاع بما اختاروا من العاجل خسروا في الدارين.
بقوا عن الحق، وما استمتعوا بحظّ، جَمَعَ عليهم فنون المِحَن ولكنهم لا يدرون
ما أصابهم، لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ثم مع هذا يُخَلِّدُهم
في العقوبة الأبدية .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ
(١) أصاب الرسول الكريم حين قال: ((إنه لن يدخل الجنة أحداً عمله ... )) أخرجه أحمد بن حنبل ٦/
١٢٥.

١٥٥
تفسير سورة آل عمران
وَمَا هُوَ مِنَ اُلْكِتَبٍ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
الإشارة من هذه الآية إلى المبطلين في الدعاوى في هذه الطريقة .
يزيّنون العبارات، ويطلقون ألسنتهم بما لا خَبَرَ في قلوبهم منه، ولا لهم بذلك
تحقيق، تلبيساً على الأغبياء والعوام وأهل البداية؛ يوهمون أن لهم تحقيق ما يقولونه
بألسنتهم. قال تعالى في صفة هؤلاء ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ اُلْكِتَبِ﴾،
كذلك أرباب التلبيس والتدليس، يُرَوِّجون قالتّهم على المستضعفين، فأمَّا أهل الحقائق
فأسرارهم عندهم مكشوفة .
قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي يعلمون أنهم
كاذبون، كذلك أهل الباطل والتلبيس في هذه الطريقة يتكلمون عن قلوب خَرِبةَ،
وأسرار محجوبة، نعوذ بالله من استحقاق المقت!
قوله جلّ ذكره: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَّهُ اَللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ
لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّىِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُنُوْ رَِّيْتِنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ
تَدْرُسُونَ﴾ .
أي ليس من صفة مَنْ اخترناه للنبوة واصطفيناه للولاية أن يدعو الخلق إلى
نفسه، أو يقول بإثبات نفسه وحظُه، لأن اختياره - سبحانه - إياهم للنبوة يتضمن
عصمتهم عَمَّا لا يجوز، فتجويز ذلك في وصفهم مُنافٍ لحالهم، وإنما دعاء الرسل
والأولياء - للخلق - إلى الله سبحانه وتعالى، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُنُواْ
رَبَّنِيْتَنَ﴾ أي إنما أشار بهم على الخُلق بأن يكونوا ربانيين، والربَّاني منسوبٌ إلى الرب
كما يقال فلان دقياني ولحياني ... وبابه.
وهم العلماء بالله الحلماء في الله القائمون بفنائهم عن غير الله، المستهلكة
حظوظهم، المستغرِقون في حقائق وجوده عن إحساسهم بأحوال أنفسهم، ينطقون بالله
ويسمعون بالله، وينظرون بالله، فهم بالله مَخوّ عمَّا سوى الله .
ويقال الرباني من ارتفع عنه ظِلَّ نفسه، وعاش في كنف ظلِّه - سبحانه.
ويقال الربّاني الذي لا يُثْبِتُ غير ربّه مُوَخَّداً، ولا يشهد ذرة من المحو والإثبات
لغيره أو مِنْ غيره.
ويقال الربّاني من هو مَحْقٌ في وجوده - سبحانه - ومحو عن شهوده، فالقائم
عنه غَيْرُه، والمُجْرِي لِمَا عليه سواه .
ويقال الربَّاني الذي لا تُؤَثِّرُ فيه تصاريف الأقدار على اختلافها .

١٥٦
تفسير سورة آل عمران
ويقال الربّاني الذي لا تُغَيِّره محنة ولا تَضُرُّه نِعْمة - فهو على حالة واحدة في
اختلاف الطوارق .
ويقال الربَّاني الذي لا يتأثر بورود واردٍ عليه، فَمَنْ استنطقته رقة قلبٍ، أو
اسْتَمَالَه هجومُ أمر، أو تفاوتت عنده أخطار حادث - فليس برباني.
ويقال إنَّ الربّاني هو الذي لا يبالي بشيء من الحوادث بقلبه وسِرّه، ومن كان لا
يقصر في شيء من الشرع بفعله .
﴿بِمَا كُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ مِنْ توالي إحساني إليكم،
وتضاعف نعمتي لديكم .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَأْمُّرَّكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابَا أَيَأْمُرُّكُمْ بِأَلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ
أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ .
أي لا تنسبون إليهم ذرة من الإثبات في الخير والشر.
ويقال يعرفكم حدَّ البشرية وحقَّ الربوبية .
ويقال يأمركم بتوفيرهم من حيث الأمر والشريعة، وتحقير قدر الخلق - بالإضافة
إلى الربوبية. ﴿أَيَأْمُؤَّكُمْ بِأَلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ أيأمركم بإثبات الخلق بعد شهود
الحق؟
ويقال: ((أيأمركم بمطالعة الأشكال، ونسبة الحدثان إلى الأمثال، بعد أن لاحت
في أسراركم أنوار التوحيد، وطلعت في قلوبكم شموس التفريد.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ﴾ الآية .
أخذ الله ميثاق محمد # على جميع الأنبياء عليهم السلام، كما أخذ ميثاقهم في
الإقرار بربوبيته - سبحانه، وهذا غاية التشريف للرسول عليه السلام، فقد قَرَنَ اسمه
باسم نفسه، وأثبت قَدْرَة كما أثبت قدر نفسه، فهو أوحد الكافة في الرتبة، ثم سَهَّلَ
سبيلَ الكافة في معرفة جلاله بما أظهر عليه من المعجزات .
﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
الإشارة فيه: فَمَنْ حادٍ عن سُنَّتِه، أو زاغ عن اتباع طريقته بعد ظهور دليله،
ووضوح معجزته فأولئك هم الذين خَبْثَتْ درجتهم، ووجب المقت عليهم لجحدهم،
وسقوطهم عن تعلُق العناية بهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ الَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ
طَوَعًا وَكَرْهًا﴾ .

١٥٧
تفسير سورة آل عمران
مَنْ لاحظه على غير الحقيقة، أو طالع سواه في توهم الأهلية(١) كَرَاءِ السراب ظنّه
ماءً فلَّما أتاه وجده هباءً. ومغاليط الحسبانات مُقَطِّعِةٌ مُشِكلَةٌ فَمَنْ حَلَّ بها نَزَلَ بوادٍ قَفْرٍ .
﴿وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهًا﴾ لإجراء حكم الإلهية على
وجه القهر عليهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَهَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىَّ إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ
وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالْنَُّونَ مِن رَّيِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ
وَنَحْنُ لَمُ مُسْلِمُونَ﴾ .
آمنا بالله لا بنفوسنا أو خَوْلنا أو قوتنا.
وآمنا بما أنزل علينا بالله، وأَنَّا لا نُفَرِّق بين أحد منهم - بالله سبحانه - لا بحولنا
واختيارنا، وجهدنا واكتسابنا، ولولا أنه عرَّفنا أنه مَنْ هو ما عرفنا وإلا فمتى عَلِمْنا ذلك (٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾.
مَنْ سَلَكَ غيرِ الْخمود تحت جريان حكمه سبيلاً زَلَّتَ قَدَمُه في وهدة(٣) من
المغاليط لا مدى لقعرها .
ويقال من توسَّل إليه بشيء دون الاعتصام به فخُسْرانه أكثر من رِبْجِه .
ويقال من لم يَفْنَ عن شهود الكل لم يصل إلى مَنْ به الكل.
ويقال مَنْ لم يَمْشِ تحت راية المصطفى ◌ّ المُعظّم في قَدْره، المُعَلَّى في
وصفه، لم يُقْبَلْ منه شيء ولا ذرة.
قوله جل ذكره: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوّأْ أَنَّ الرَّسُولَ
حَقٌ﴾ الآية .
مَنْ أبعده عن استحقاق الوصلة في سابق حكمه فمتى يقربه من بساط الخدمة
بفعله في وقته؟
ويقال: الذي أقصاه حكم (الأول) متى أدناه صدق العمل؟ والله غالب على أمره.
قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَبِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ .
(١) الأهلية للأمر: الصلاحية له .
(٢) هنا أجرى مقارنة بقول ذي النون المصري عندما سُئل: بماذا عرفت ربك؟ قال: عرفت ربي بربي
ولولا ربي لما عرفت ربي. (الرسالة القشيرية ص٣١٥).
(٣) الوهدة: الأرض المنخفضة كأنها حفرة. والهوة تكون في الأرض (ج) وهاد، ووهدٌ.

١٥٨
تفسير سورة آل عمران
أولئك قصارى حالهم ما سبق لهم من حكمه في ابتداء أمرهم، ابتداؤهم ردّ
القسمة، ووسائطهم الصدُّ عن الخدمة، ونهايتهم المصير إلى الطرد والمذلة .
﴿خَالِدِينَ فِيهَاً لَا يُغَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَ هُمْ يُنْظُرُونَ﴾.
خالدين في تلك المذلة لا يفتر عنهم العذاب لحظة، ولا يخفف دونهم الفراق
ساعة .
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أولئك هم الذين تداركتهم الرحمة، ولم يكونوا في شق السبق من تلك الجملة،
وإن كانوا في توهم الخلق من تلك الزمرة.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ اَلْضَلُونَ﴾ .
الإشارة منه: أن الذين رجعوا إلى أحوال أهل العادة بعد سلوكهم طريق الإرادة،
وآثروا الدنيا ومطاوعة الهوى على طلب الحق سبحانه وتعالى، ثم أنكروا على أهل
الطريقة، وازدادوا في وحشة ظلماتهم - لن تُقبلَ توبتهم، ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضََّاَلُونَ﴾ عن
طريق الحق فإنه لا يقبل الأمانة بعد ظهور الخيانة. وعقوبتهم أنهم على ممر الأيام لا
يزدادون إلا نفرة قلب عن الطريقة، ولا يتحسرون على ما فاتهم من صفاء الحالة. ولو
أنهم رجعوا عن إصرارهم لها لقُبِلت توبتهم، ولكن الحق سبحانه أجرى سنته مع
أصحاب الفترة في هذه الطريقة إذا رجعوا إلى أصول العادة ألا يتأسَّفوا على ما مضى
من أوقاتهم.
قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَّهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:
١١٠] وإن المرتدَّ عن الإسلام لأشدُّ عداوة للمسلمين من الكافر الأصلي، فكذلك
الراجع عن هذه الطريقة لأشد إنكاراً لها وأكثر إعراضاً عن أهلها من الأجنبيِّ عنها.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ قِلُ
اُلْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ أَقْتَدَى بِؤُ: أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلٌِّ وَمَا لَهُمْ مِنِ نَّضِينَ﴾ .
الإشارة منه: لِمنْ مات بعد فترته - وإن كانت له بداية حسنة - فلا يحشر في
الآخرة مع أهل هذه القصة، ولو تشفع له ألف عارف، بل من كمال المكر به أنه يلقى
شبهه في الآخرة على غيره حتى يتوهم معارفه من أهل المعرفة أنه هو - فلا يخطر ببال
أحد أنه ينبغي أن يشفع له .
قوله جلّ ذكره: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُونَ وَمَا نُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَ اللَّهَ بِهِ،
عَلِيمٌ﴾ .

١٥٩
تفسير سورة آل عمران
لمَّا كان وجود البرّ مطلوباً ذكر فيه ((مِنْ)) التي للتبعيض فقال: ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛
فَمِنْ أراد البر فلينفق مما يحبه أي البعض، وَمَنْ أراد البَارَّ فلينفقْ جميع ما يحبه. ومن
أنفق محبوبه من الدنيا وَجَدَ مطلوبه من الحق تعالى، ومن كان مربوطاً بحظوظ نفسه
لم يحظ بقرب ربّه .
ويقال إذا كنت لا تصل إلى البر إلا بإنفاق محبوبك فمتى تصل إلى البارّ وأنت
تؤثر عليه حظوظك. ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بٍ، عَلِيمٌ﴾ منهم من ينفق على
ملاحظة الجزاء والعوض، ومنهم من ينفق على مراقبة دفع البلاء والحَزّن، ومنهم من
ينفق اكتفاء بعلمه، قال قائلهم:
لتُذكَرَ يوماً - عند سلمى - شمائلُه
ويهتز للمعروف في طلب العلى
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىَ إِسْرَِّيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى
نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَنَّةُ قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَأَتْلُوهَآ إِن كُمْ صَدِقِينَ فَمَنِ اُفْتَرَُّ عَلَى اللَّهِ
اَلْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ الَِّمُونَ ﴾ .
الأصل في الأشياء ألا يشرع فيها بالتحليل والتحريم، فما لا يوجد فيه حدٍّ فذلك
من الحق - سبحانه - توسعة ورفقة إلى أن يحصل فيه أمر وشرع؛ فإنَّ الله - سبحانه -
وسَّعَ أحكام التكليف على أهل النهاية، فسبيلهم الأخذ بما هو الأسهل لتمام ما هم به
من أحكام القلوب، فإن الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأما أهل البداية فالأمر
مضيَّقٌ عليهم في الوظائف والأوراد؛ فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب لفراغهم
بقلوبهم من المعاني، فمن ظنّ بخلاف هذا فقد غلط .
والإشارة من هذه الآية أيضاً في قوله: ﴿فَمَنِ اُفْتَى عَلَى الَّهِ اَلْكَذِبَ﴾ إلى أحوال
أهل الدعاوى والمغاليط؛ فإنهم يخلون بنفوسهم فينسبون إلى الله - سبحانه -
هواجسها، والله بريء عنها. وعزيزٌ عبدٌ يفرق بين الخواطر والهواجس.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّه فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إَِّهِيَمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
مِلَةُ إبراهيم الخروج إلى الله بالكلية، والتسليم لحُكْمِه من غير أن تبقى بقية؛
فإثبات ذرة في الحسبان من الحدثان شِرْكٌ - في التحقيق.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَّذِى بِبَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ فِيهِ مَايَتُ
بَيْنَكُ مَّقَامُ إِزَهِيمٌ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَهِ سَبِيلًا وَمَن
كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ﴾ .
البيت حَجَرةٌ والعبد مَدَرَةٌ، فَرَبَطَ المدرة بالحجرة، فالمدر مع الحجر. وتعزّز
وتَقَدَّس من لم يزل.

١٥٩
تفسير سورة آل عمران
لمَّا كان وجود البرِّ مطلوباً ذكر فيه ((مِنْ)) التي للتبعيض فقال: ﴿مِنَّا تُحِبُّونَ﴾؛
فَمِنْ أراد البر فلينفق مما يحبه أي البعض، وَمَنْ أراد البَارَّ فلينفقْ جميع ما يحبه. ومن
أنفق محبوبه من الدنيا وَجَدَ مطلوبه من الحق تعالى، ومن كان مربوطاً بحظوظ نفسه
لم يحظ بقرب ربه .
ويقال إذا كنت لا تصل إلى البر إلا بإنفاق محبوبك فمتى تصل إلى البازّ وأنت
تؤثر عليه حظوظك. ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَ اللَّهَ بِهٍ، عَلِيمٌ﴾ منهم من ينفق على
ملاحظة الجزاء والعوض، ومنهم من ينفق على مراقبة دفع البلاء والحَزَن، ومنهم من
ينفق اكتفاء بعلمه، قال قائلهم:
ويهتز للمعروف في طلب العلى
لتُذكَرَ يوماً - عند سلمى - شمائلُه
قوله جل ذكره:
﴿ كُلُّ الَّعَامِ كَانَ حِلَّ لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَوِيلُ عَلَى
نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُكَّلَ التَّوْرَنَةُ قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَآ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ فَمَنِ أُخْتَّى عَلَ اَللَّهِ
اُلْكَذِبَ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَأُؤْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ .
الأصل في الأشياء ألا يشرع فيها بالتحليل والتحريم، فما لا يوجد فيه حدٌّ فذلك
من الحق - سبحانه - توسعة ورفقة إلى أن يحصل فيه أمر وشرع؛ فإنَّ الله - سبحانه -
وسَّعَ أحكام التكليف على أهل النهاية، فسبيلهم الأخذ بما هو الأسهل لتمام ما هم به
من أحكام القلوب، فإن الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأما أهل البداية فالأمر
مضيَّقٌ عليهم في الوظائف والأوراد؛ فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب لفراغهم
بقلوبهم من المعاني، فمن ظنّ بخلاف هذا فقد غلط.
والإشارة من هذه الآية أيضاً في قوله: ﴿فَمَنِ أَفْتَرَى عَلَ اَللَّهِ الْكَذِبَ﴾ إلى أحوال
أهل الدعاوى والمغاليط؛ فإنهم يخلون بنفوسهم فينسبون إلى الله - سبحانه -
هواجسها، والله بريء عنها. وعزيزٌ عبدٌ يفرق بين الخواطر والهواجس.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ صَدَقَ الَهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إَِهِيَمَ حَنِيفًّاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
مِلَةُ إبراهيم الخروج إلى الله بالكلية، والتسليم لحُكْمِه من غير أن تبقى بقية؛
فإثبات ذرة في الحسبان من الحدثان شِرْكٌ - في التحقيق.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ فِيهِ مَايَهُ﴾
بَيْنَكُ مَّقَامُ إِزَهِيمٌ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن
كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ﴾ .
البيت حَجَرَةٌ والعبد مَدَرَةٌ، فَرَبَطَ المدرة بالحجرة، فالمدر مع الحجر. وتعزّز
وتَقَدَّس من لم يزل.