Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ تفسير سورة البقرة وتنقسم إلى نعمة أبشار وظواهر، ونعمة أرواح وسرائر، فالأولى وجوه الراحات والثانية صنوف المشاهدات والمكاشفات. فمن النعم الباطنة عرفان القلوب ومحاب الأرواح ومشاهدات السرائر . فصل: ويقال أمَرَ بني إسرائيل بذكر النّعَم وأمَرَ أَمَّةً محمد ◌َّهِ بذكر المُنعِم، وفرق بين من يقال له: ﴿أَذْكُرْ نِعْمَتِ﴾ [المائدة: ١١٠] وبين من يقال له: ﴿فَأَذْكُرُونِيّ أَذْكُرَكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِنَىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ . عهدهُ - سبحانه - حفظ المعرفة وعهدنا اتصال المغفرة، عهده حفظ محابه وعهدنا لطف ثوابه، عهده حضور الباب وعهدنا جزيل المآب. أوفوا بعهدي بحفظ السر أوفِ بعهدكم بجميل البِر، أوفوا بعهدي الذي قبلتم يوم الميثاق أوفٍ بعهدكم الذي ضمنت لكم يوم التلاق، أوفوا بعهدي في ألا تؤثروا عليّ غيري أوف بعهدكم في ألا أمنع عنكم لطفي وخيري، أوفوا بعهدي برعاية ما أثبتُ فيكم من الودائع أوفِ بعهدكم بما أديم لكم من شوارق اللوامع وزواهر الطوالع (١)، أوفوا بعهدي بحفظ أسراري أوف بعهدكم بجميل مَبَارِي، أوفوا بعهدي باستدامة عرفاني أوفٍ بعهدكم في إدامة إحساني، أوفوا بعهدي في القيام بخدمتي أوفٍ بعهدكم في المِنَّةِ عليكم بقبولها منكم، أوفوا بعهدي في القيام بحسن المجاهدة والمعاملة أوف بعهدكم بدوام المواصلة والمشاهدة، أوفوا بعهدي بالتبري عن الحول والمُنَّة أوف بعهدكم بالإكرام بالطول والمِنَّة، أوفوا بعهدي بالتفضيل والتوكل أوفٍ بعهدكم بالكفاية والتفضل، أوفوا بعهدي بصدق المحبة أوفٍ بعهدكم بكمال القربة، أوفوا بعهدي اكتفوا مني بي أوفِ بعهدكم أرضي بكم عنكم، أوفوا بعهدي في دار الغيبة على بساط الخدمة بشدٌ نطاق الطاعة، وبذل الوسع والاستطاعة أوفِ بعهدكم في دار القربة على بساط الوصلة بإدامة الأنّس والرؤية وسماع الخطاب وتمام الزلفة، أوفوا بعهدي في المطالبات بترك الشهوات أوف بعهدكم بكفايتكم تلك المطالبات، أوفوا بعهدي بأن تقولوا أبداً: ربي ربي أوفٍ بعهدكم بأن أقول لكم عبدي عبدي. وإياي فارهبون، أي أَفْرِدُوني بالخشية لانفرادي بالقدرة على الإيجاد فلا تصح الخشية ممن ليس له ذرة ولا مِنَّة . (١) قال القشيري في حديثه عن اللوائح والطوالع واللوامع برسالته: اللوامع تسبق الطوالع في الظهور والطوالع أبقى وقتاً، وأقوى سلطاناً، وأدوم مكثاً، وأذهب للظلام، وأنفى للتهمة لكنها موقوفة على خطر الأفول ليست برفيعة الأوج، ولا بدائمة المكث وأوقات حصولها وشيكة الارتحال وأحوال أفولها طويلة الأذيال. (الرسالة القشيرية ص ٧٧). ٤٢ تفسير سورة البقرة قوله جلّ ذكره: ﴿وَءَامِنُواْ بِمَّا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِّهِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِطَابَِ ثَمَنَا قَلِيلًا وَإِنَّنَىَ فَاتَّقُونِ﴾ . الإشارة أن يقرن (العبد) إيمانه من حيث البيان بإيمانه من حيث البرهان، · وجمهور المؤمنين لهم إيمان برهان بشرط الاستدلال، وخواص المؤمنين لهم إيمان من حيث البيان بحق الإقبال، وأقبل الحق سبحانه عليهم فآمنوا بالله، وآخر أحوالهم الإيمان من حيث العيان، وذلك لخواص الخواص. ولا تكونوا أول كافرٍ به، ولا تَسُنُّوا الكفر سُنَّةً فإن وِزْرَ المبتدىء فیما یَسُنُّ أعظم من وزر المقتدي فيما يتابع . ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِقَابْتِى ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ لا تؤثروا على عظيم حقي خسيسَ حظُكم. ﴿وَإِيَّىَ فَأَنَّقُونِ﴾ كثيرٌ من يتقي عقوبته وعزيز من يهاب اطلاعه ورؤيته. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِلْبَطِلِ وَتَكْثُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . لا تتوهموا أن يلتئم لكم جمع الضدين، والكون في حالة واحدة في محلين، (فالعبد) إما مبسوط بحق أو مربوط بحظ، وأمّا حصول الأمْرَيْن فمحالٌ من الظن. ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾ تدنيس، ﴿ وَتَكْثُواْ الْحَقَّ﴾ تلبيس، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن حق الحق تقديس، وأنشدوا: عمرك الله، كيف يلتقيان؟! أيها المنكح الثريا سهيلا وسهيلٌ إذا استهل يماني! هي شامية إذا ما استهلت قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَانُواْ الزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ الَّكِينَ﴾ . احفظوا آداب الحضرة؛ فحفظ الآداب أتمُ في الخدمة من الخدمة، والإشارة في إيتاء الزكاة إلى زكاة الهِمَم كما تؤذَّى زكاةُ النِّعم، قال قائلهم: كلُّ شيءٍ له زكاةٌ تُودّى وزكاةُ الجمال رحمةٌ مثلى فيفيض من زوائد هممه ولطائف نظره على المُتَبِّعين والمربين بما ينتعشون به و ( ... ) (١)، ﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ الرَّكِينَ﴾: تقتدي بآثار السلف في الأحوال، وتجتنب سنن الانفراد فإن الكون في غمار الجمع أسلم من الامتياز من الكافة. قوله جلّ ذكره: ﴿أَتَأْمُونَ النَّاسَ بِلْبِرِ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَّكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبُّ أَفَلاَ تَّعْقِلُونَ﴾ . أتُحَرَّضون الناس على البِدار وترضَوْن بالتخلُّف؟ ويقال أتدعون الخلقَ إلينا (١) بياض في الأصل. ٤٣ تفسير سورة البقرة وتقعدون عنًّا؟ أتسرحون الوفود وتقصرون في الورود؟ أتنافسون الخلق وتنافرونهم بدقائق الأحوال وترضون بإفلاسكم عن ظواهرها؟ ويقال أتبصرون من الحق مثقالَ الذَّرِ ومقياسَ الحَبِّ وتساهمون لأنفسكم أمثال الرمال والجبال؟ قال قائلهم: وتبصر في العين مني القذى وفي عينك الجذع لا تبصر؟! ويقال أَتُسْقَوْنَ بِالنُّجُب(١) ولا تشربون بالنُّوَب؟ ﴿وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ﴾ ثم تعاندون بخفايا الدعاوى وتجحدون بما شام قلوبكم من فضيحات الخواطر وصريحات الزواجر . ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ إن ذلك ذميمٌ من الخِصال وقبيحٌ من الفِعال. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالضَلَوَةٍ وَإِنّهَا لَكِيْرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِينَ﴾. الصبر فطم النفس عن المألوفات، والصلاة التعرُّض لحصول المواصلات، فالصبر يشير إلى هجران الغَيْر، والصلاة تشير إلى دوام الوقوف بحضرة الغيب، وإن الاستعانة بهما لخصلة شديدة إلا على من تجلّى الحق لِسِرِّه فإِن في الخبر المنقول: ((إن الله تعالى إذا تجلّى لشيءٍ خشع له))(٢). وإذا تجلَّ الحق، خَفَّ وسَهُلَ ما توقَّى الخلق؛ لأن التوالي للطاعات يوجب التكليف بموجب مقاساة الكلفة، والتجلي بالمشاهدات - بحكم التحقيق - يوجب تمام الوصلة ودوام الزلفة . ويقال استعينوا بي على الصبر معي، واستعينوا بحفظي لكم على صلاتكم لي، حتى لا تستغرقكم واردات الكشف والهيبة، فلا تقدرون على إقامة الخدمة . وإن تخفيف سطوات الوجود على القلب في أوان الكشف حتى يقوى العبد على القيام بأحكام الفرق لِمَنَّةٌ عظيمة من الحق (٣). وأقسام الصبر كلها محمودة الصبر في الله، والصبر لله، والصبر بالله والصبر مع الله إلا صبراً واحداً وهو الصبر عن الله: والصبر يحسن في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم (٤) (١) النجب: الكريم الحسن، وربما كانت النخب: الشربة العظيمة أو الشربة من الخمر أو غيرها يشربها الرجل لصحة حبيب أو محتفّى به. (٢) أخرجه النسائي في (السنن ١٤٥/٣)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٣٣٣/٣)، والدارقطني في (السنن ٢ / ٦٥). (٣) انظر الرسالة القشيرية ص٦٦. (٤) رواية البيت في الرسالة القشيرية ص ١٨٤ : إلا عليك فـإنه لا يـجـمـل الصبر يجمل في المواطن كلها - ٤٤ تفسير سورة البقرة قوله جلّ بذكره: ﴿ الَّذِينَ يَكُّونَ أَنَهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ . الظن يُذكَر، ويقال المراد به اليقين، وهو الأظهر ها هنا. ويذكر ويراد به الحسبان فَمَنْ ظنّ ظن يقين فصاحب وصلة. ومن ظنّ ظن تخمين فصاحب فرقة. ومُلاقو ربهم، صيغة تصلح لماضي الزمان والحاضر وهم ملاقون ربهم في المستقبل. ولكن القوم لتحققهم بما يكون من أحكام الغيب صاروا كأن الوعدَ لهم تَقَرَّرَ، والغيب لهم حضور. قوله جلّ ذكره: ﴿يَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَِّىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اُلْعَلَمِينَ﴾ . أَشْهَدَ بني إسرائيل فضل أنفسهم فقال: ﴿وَأَنِي فَضَّلْتُّكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾. وأشهد المسلمين من أمة محمد ل# فضل نفسه فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اَللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ. فِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨]. فشتّان بين مَنْ مشهودُه فضلُ نفسه، وبين مَنْ مشهودُه فضل ربه؛ فشهود العبد فضل نفسه يوجب له الشكر وهو خطر الإعجاب، وشهود العبد فضل الحق - الذي هو جلاله في وصفه وجماله في استحقاق نعته - يقتضي الثناء وهو يوجب الإيجاب. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْرِى نَفْهُ، عَنْ نَفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ . العوام خوَّفهم بأفعاله فقال: ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا﴾ ((واتقوا النار)). والخواص خوَّفهم بصفاته فقال: ﴿وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اَللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِ شَأْنٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ [يونس: ٦١]. وخاص الخاص خوَّفهم بنفسه فقال: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسٌَ﴾ [آل عمران: ٢٨]. والعدل: الفداء. يوم القيامة لا تسمع الشفاعة إلا لمن أمر الحق بالشفاعة له، وأَذِنَ فيه، فهو الشفيع الأكبر - على التحقيق - وإن كان لا يطلق عليه لفظ الشفيع لعدم التوقيف. وفي معناه قيل : فكلُ خيرٍ لديه الحمد لله شكرا صار الحبيب شفيعاً إلى شفيع إليه والذين أصابتهم نكبة القسمة لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وما لهم من ناصرين، ٤٥ تفسير سورة البقرة فلا يُقْبَل منهم فداء، ولو افتدوا بملء السموات وملء الأرضين. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ نَّنَكُمْ مِنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَنَّارِ يَُّبِحُونَ أَبْنَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَةُ كُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَآءُ مِنِ زَيْكُمْ عَظِيمٌ﴾ . من صبر في الله على بلاء أعدائه عوَّضه الله صحبة أوليائه، وأتاح له جميل عطائه؛ فهؤلاء بنو إسرائيل صبروا على مقاساة الضر من فرعون وقومه فجعل منهم أنبياءهم، وجعلهم ملوكاً، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَّءُ مِّن رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: قيل نعمة عظيمة وقيل محنة شديدة. وفي الحقيقة ما كان من الله - في الظاهر - محنةً فهو - في الحقيقة لمن عرفه - نعمةٌ ومِنَّة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَنَكُمْ وَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾. تقاصرت بصائر بني إسرائيل فأراهم المعجزات عياناً، ونفذت بصائر هذه الأمة فكاشفهم بآياته سراً، وبذلك جرت سُنَّتُه سبحانه، وكل من كان أشحذَ بصيرةً كان الأمر عليه أغمض، والإشارات معه أوفر، قال ◌َله: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصاراً) (١) . وحين شاهدوا ظاهر تلك الآيات من فلق البحر وإغراق آل فرعون ـ دَاخَلَهُمْ ريبٌ؛ فقالوا: إنه لم يغرق حتى قذفهم البحر، فنظر بنو إسرائيل إليهم وهم مغرقون . وهذه الأمة لفظ تصديقهم لرسول الله وَ* وعلى آله، وقوة بصائرهم (أن) قال واحد من أفتاء(٢) الناس: «كأني بأهل الجنة يتزاورون وكأني بأهل النار يتعاوون وكأني أنظر عرش ربي بارزاً»(٣) فشتّان بين من يُعاين فيرتاب مع عيانه، وبين مَنْ يسمع فكالعيان حالُه من قوة إيمانه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى أَزْبَعِينَ لَّيْلَةً ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ◌َالِمُونَ﴾ . (١) أخرجه مسلم في صحيحه (المساجد ٧، ٨)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٢٠٥/٢، ٣١٤، ٤٤٢، ٥٠١)، وابن كثير في (التفسير ٧٢/٤)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ١١٣/٧)، والبيهقي في (دلائل النبوة ١٤/١)، وسعيد بن منصور في (السنن ٢٨٦٢)، وابن أبي شيبة في (المصنف ٤٨٠/١١)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٣٢٠٦٨)، والعجلوني في (كشف الخفاء ١٤/١ - ٣٠٨). (٢) أفتاء وفتاء: (ج) فتيّ: وهو الشاب من إنسان أو حيوان. (٣) أخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد ٥٧/١)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٣٨/٢ - ٢٨٠)، والعقيلي في (الضعفاء ٤/ ٤٥٥). ٤٦ تفسير سورة البقرة شتّان بين أمة وأمة؛ فأُمَّةُ موسى عليه السلام - غاب نبيُّهم عليه السلام أربعين يوماً فاتخذوا العِجْلَ معبودهم، ورضوا بأن يكون لهم بمثل العجل معبوداً، فقالوا: ﴿هَذََّ إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ﴾ [طه: ٨٨] وأمة محمد المصطفى وَّلـ مضى من وقت نبيِّهم سنون كثيرة فلو سمعوا واحداً يذكر في وصف معبودهم ما يوجب تشبيهاً لما أبْقَوْا على حشاشتهم(١) ولو كان في ذلك ذهاب أرواحهم. ويقال إن موسى - صلوات الله عليه - سلَّم أمته إلى أخيه فقال: اخلفني في قومي، وحين رجع وجدهم وقعوا في الفتنة، ونبيُّنا - صلوات الله علبه - توكّل على الله فلم يُشِرْ على أحَدٍ في أمر الأمة وكان يقول في آخر حاله: الرفيق الأعلى. فانظر كيف تولَّى الحق رعاية أمته في حفظ التوحيد عليهم. لعمري يُضَيُّعون حدودهم ولكن لا ينقضون توحيدهم. قوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنَكُمْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . سرعة العفو على عظيم الجُزْم تدل على حقارة قدرة المعفو عنه، يشهد لذلك قوله تعالى: (مخاطباً أمهاتِ المسلمين): ﴿من يأتِ منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب: ٣٠] هؤلاء بنو إسرائيل عبدوا العجل فقال الله تعالى: ﴿ُثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، وقال لهذه الأمة (يقصد أمة محمد وَلَه): ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَؤُ﴾ [الزلزلة: ٨]. قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ﴾ . فرقان هذه الأمة الذي اخْتَصُوا به نورٌ في قلوبهم، به يُفَرِّقون بين الحق والباطل، قال النبي ◌َّ﴿ لوابصة: ((استفتِ قلبك))(٢). وقال: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله))(٣) وقال الله تعالى: ﴿إِن تَكَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] وذلك الفرقان ميراث ما قدَّموه من الإحسان . (١) الحشاشة: رمق الحياة، وبقية الروح في المريض والجريح (ج) حشاشات. (٢) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ١٣١/١ - ١٦٠، ٤٢/٧ - ٦٠ - ٢٩٨)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٢٠/١). (٣) أخرجه الترمذي في (السنن ٣١٢٧) وأبو حنيفة في (المسند ١٨٩/١) وأبو نعيم في (حلية الأولياء ٩٤/٤، ١١٨/٦) والطبراني في (المعجم الكبير ١٢١/٨) (والبغوي ٣١/١٤) وابن كثير في (التفسير ٤٧٩/١، ٤٦١/٤)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٦/ ٥٤٤، ٢٥٩/٧) وابن حجر في (فتح الباري ٣٨٨/١٢)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٣٠٣٠) وابن حجر في (لسان الميزان ١١٥٤/٥) وصاحب ميزان الاعتدال (٨٠٩٨) والشوكاني في (الفوائد المجموعة ٢٤٣) وابن عراق في (تنزيه الشريعة ٣٠٥/٢) والعجلوني في (كشف الخفاء ٤٢/١) والسيوطي في (الدار المنثور ٤/ ١٠٣) والعقيلي في (الضعفاء ١٢٩/٤). ٤٧ تفسير سورة البقرة . قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَلَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِأَتِخَاذِ كُمُ اَلْمِجْلَ﴾ . أي ما أضررتم إلا بأنفسكم فيما ارتكبتم من ذنوبكم، فأمَّا الحق سبحانه فعزيز الوصف، لا يعود إلى عِزُه من ظلم الظالمين شيء، ومن وافق هواه واتَّبع مناه فَعِجْلُه ما علَّق به همَّه، وأفرد له قصده. قوله جل ذكره: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيُمْ﴾ . الإشارة إلى حقيقة التوبة بالخروج إلى الله بالكلية . قوله جل ذكره: ﴿فَقُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ . التوبة بقتل النفوس غير ( ... )(١) إلا أن بني إسرائيل كان لهم قتل أنفسهم جهراً، وهذه الأمة توبتهم بقتل أنفسهم في أنفسهم سراً، فأَوَّلُ قَدَم في القصد إلى الله الخروجُ عن النفس. فصل: ولقد توهم الناس أن توبة بني إسرائيل كانت أشق، ولا كما توهموا؛ فإن ذلك كان مقاساة القتل مرة واحدة، وأمّا أهل الخصوص من هذه (الأمة)(٢) ففي كل لحظة قتل، ولهذا: ليس من مات فاستراح بميتٍ إنما الميت ميت الأحياء وقتل النفس في الحقيقة التبري عن حولها وقوتها أو شهود شيءٍ منها، ورد دعواها إليها، وتشويش تدبيرها عليها، وتسليم الأمور إلى الحق - سبحانه - بجملتها، وانسلاخها من اختيارها وإرادتها، وانمحاء آثار البشرية عنها، فأمّا بقاء الرسوم والهياكل فلا خطرَ له ولا عبرةً به. قوله جل ذكره: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ بَارِيكُمْ فَنَابَ عَلَيْكُمْ إِنَُّ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. كونه لكم عنكم أتمّ من كونكم لأنفسكم: قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَقَّ نَ اَللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّحِقَةُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾ . التعرض بمطالعة الذات على غير نعمة إلهية إفصاحٌ بِتَرْكِ الحرمة، وذلك من أمارات البعد والشقوة. وإثبات نعت التولي بمكاشفات العزة مقروناً بملاطفات القربة من علامات الوصلة ودلالات السعادة . (١) بياض في الأصل. (٢) يقصد أنه محمد (*). ٤٨ تفسير سورة البقرة فلا جَرَمَ لما أطلقوا لسان الجهل بتقوية ترك الحشمة أخذتهم الرجفة والصعقة. قوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَكُم مِّنْ بَعْدٍ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . أعادهم إلى حال الإحساس بعد ما استوفتهم سطوات العذاب إملاء لهم بمقتضى الحكم، وإجراء للسنَّةِ في الصفح عن الجُزْمِ، ومن قضايا الكرم إسبالُ الستر على هناتِ الخَدَم. قوله جل ذكره: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىُّ كُلُوا مِن ◌َِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ . لمّا طرحهم في متاهات الغُربة لم يرضَ إلا بأن ظلَّلَهُم، وبلبسة الكفايات جَلْلَهُم، وعن تكلف التكسُّب أغناهم، ويجميل صنعه فيما احتاجوا إليه تولَّاهم؛ فلا شُعُورُهم كانت تَطُول، ولا أظفارهم كانت تنبت، ولا ثيابهم كانت تتسِخ، ولا شعاعٌ الشمس عليهم كان ينبسط. وكذلك سُنَّتُه لمن حال بينه وبين اختياره، يكون ما يختاره سبحانه له خيراً مما يختاره لنفسه. قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرِبَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْتُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِقَةُ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. ( ... )(١) بنو إسرائيل على تضييع ما كانوا يُؤْمَرون، حتى قالةٍ أُوصُوا يحفظها فَبَدّلوها، وحالةٍ من السجود أمروا بأن يدخلوا عليها فحوّلوها، وعَرَّضوا أنفسَهم لِسهام الغيب. ثم لم يطيقوا الإصابة بقَرْعِها، وتعرضوا المفاجآت العقوبة فلم يثبتوا عند صدمات وَقْعِها. قوله جل ذكره: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِلَ لَهُمْ فَأَزَّلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًّا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. لم يمكنهم أن يردوا باب السماء باحتيالهم، أو يصدوا مِنْ دونهم أسبابَ البلاء بما ركنوا إليه من أحوالهم، فزعوا من الندم لما عضّهم ناب الألم، وهيهات أن ينفعهم ذلك لأنه محال من الحسبان. ﴿﴿ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ. فَقُلْنَا أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْعَبَّ قوله جل ذكره: فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْنَا عَثْرَةٍ عَنَّا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أَنَاسِ نَفْرَيَهُّ كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ الّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ . إن الذي قدر على إخراج الماء من الصخرة الصمّاء كان قادراً على إروائهم بغير ماء ولكن لإظهار أثر المعجزة فيه، وإيصال محل الاستغاثة إليه، وليكون على موسى (١) بياض في الأصل. ٤٩ تفسير سورة البقرة عليه السلام - أيضاً في نقل الحجر - مع نفسه شغل، ولتكليفه أن يضرب بالعصا مقاساةُ نوعٍ من معالجةٍ ما أمضى حكمه عند استسقائه لقومه(١). ثم أراد الحق سبحانه أن يكون كل قوم جارياً على سُنَّةٍ، ملازماً لحَذّه، غير مُزَاحِم لصاحبه فأفرد لكل سبطة علامةً يعرفون بها مشربهم، فهؤلاء لا يَرِدُون مشرب الآخرين، والآخرون لا يَرِدُون مشرب الأولين. وحين كفاهم ما طلبوا أمرَهُم بالشكر، وحِفْظِ الأمرِ، وتَرْكِ اختيار الوِزر، فقال: ﴿وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ . والمناهل مختلفة، والمشارب متفاوتة، وكلُّ يَرِدَ مَشْرَبه فمشربٌ عَذْبٌ فُرات، ومشربٌ مِلْح أُجاج(٢)، ومشربٌ صافٍ زلال، ومشرب رتق أوشال(٣). وسائقُ كلِّ قوم يقودهم، ورائد كُلِّ طائفة يسوقهم؛ فالنفوس تَرِدُ مناهل المنى والشهوات، والقلوب ترد مشارب التقوى والطاعات، والأرواح ترد مناهل الكشف والمشاهدات، والأسرار ترد مناهل الحقائق بالاختطاف عن الكون والمرسومات، ثم عن الإحساس والصفات ثم بالاستهلاك في حقيقة الوجود والذات. قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْقُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَاءٍ وَاحِدٍ فَأَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَا تُلِتُ اٌلْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِنَّآبِهَا وَقُومِهَا وَعَدَسِهَا وَيَصَلِهَا قَالَ أَتَشْتَبْلُنَ الَّذِى هُوَ أَدْفَىْ بِلَّذِى هُوَ خَّ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُهُّ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّهُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَرٍ مِنَ الَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَبْرِ اَلْحَنيُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ . لم يرضَوْا بحسن اختياره لهم، ولم يصبروا على قيامه بتولي ما كان يَهُمُّهُم من كفاية مأكولهم وملبوسهم، فنزلوا في التحير إلى ما جرت عليه عاداتهم من أكل الخسيس من الطعام، والرضا بالدون من الحال، فردّهم إلى مقاساة الهوان، وربطهم بإدامة الخذلان، حتى سفكوا دماء الأنبياء وهتكوا حرمة الأمر بِقِلَّة الاستحياء، وتَرْكِ الاروعاء، فعاقبهم على قبيح فعالهم، وردّهم إلى ما اختاره لأنفسهم من خسائس أحوالهم، وحين لم تنجح فيهم النصيحة، أدركتهم النقمة والفضيحة. ويقال كان بنو إسرائيل متفرقي الهموم مُشَتَّتِي القصود؛ لم يرضوا لأنفسهم بطعام واحد، ولم يكتفوا في تدينهم بمعبود واحد، حتى قالوا لموسى عليه السلام - لمَّا رأوا قوماً يعبدون الصنم - يا موسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم (١) انظر مذهب القشيري في التوكل في الرسالة القشيرية ص ١٦٢، ١٧٣. (٢) الأجاج: الشديد الملوحة أو المرارة. (٣) الأوشال: (ج) الوشل: الماء القليل الذي يتحلب من صخرة أو جبل يقطر قليلاً قليلاً ولا يتصل قطره . ٥٠ تفسير سورة البقرة إله، وهكذا صفة أرباب التفرقة. والصبر مع الواحد شديد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذَّكَرْتَ رَبَّكَ فِ اَلْقُرََّانِ وَحْدَمُ وَلَّوْ عَلَىَ أَدْبَرِهِْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦]. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَدَرَى وَالضَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . اختلاف الطريق مع اتحاد الأصل لا يمنع من حسن القبول، فمن صدَّق الحق سبحانه في آياته، وآمن بما أخبر من حقه وصفاته، فتباين الشرع واختلاف وقوع الاسم غيرُ قادح في استحقاق الرضوان، لذلك قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ ثم قال: ﴿مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾. أي إذا اتفقوا في المعارف فالكُلُّ لهم حُسْنُ المآب، وجزيلُ الثواب. والمؤمن مَنْ كان في أمان الحق سبحانه، ومَنْ كان في أمانه - سبحانه وتعالى - فَبَالحريّ ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الُْلُوَرَ خُذُّواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَلَّقُونَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِرْ بَعْدٍ ذَلِكٌ فَلَوْلًا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾. أخذ سبحانه ميثاقَ جميع المُكَلَّفِين، ولكنَّ قوماً أجابوا طوعاً لأنه تعرَّف إليهم فوَحَّدوه وقوماً أجابوه كرهاً لأنه ستر عليهم فجحدوه، ولا حُجَّة أقوى من عيان ما رفع فوقهم من الطور - وهو الجبل - ولكن عَدِموا نورَ البصيرة، فلا ينفعهم عيانٌ البصر. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَيْتُم مِّنْ بَعْدٍ ذَلِكٌ﴾، أي رجعتم إلى العصيان بعد ما شاهدتم تلك الآيات بالعيان، ولولا حكمه بإمهاله، وحِلْمُه بأفضاله لعَاجلكُم بالعقوبة، وأحلَّ عليكم عظيمَ المصيبة ولخَسِرَتْ صفقتُكُم بالكُلْيَة. قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْ مِنْكُمْ فِ الشَّْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَّةً خَسِينَ﴾ . مسْخُ هذه الأمة حصل على القلوب، فكما أنهم لما تركوا الأمر واستهانوا بما أُلزموا به من الشرع - عجلت عقوبتهم بالخسف والمسخ وغير ذلك من ضروب ما ورد به النَّصُّ، فهذه الأمة مِنْ نَقْضِ العهدِ ورفض الحدِّ عوقبت بمسخ القلوب، وتبديل الأحوال، قال تعالى: ﴿وَنُقَذِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] وعقوبات القلوب أنكى من عقوبات النفوس، وفي معناه أنشدوا: لقيتُ ما ساءني وسَرَّه يا سائلي: كيف كنتَ بَعْده؟ أمِنت من الزمانِ مَكره(١) ما زلت أختال في وصالي حتى (١) هذا البيت مضطرب صحح ليستقيم المعنى والوزن. ٥١ تفسير سورة البقرة لم يُبْقِ مما شَهِدَت ذرَّه طال عليَّ الصدود حتى قوله جل ذكره: ﴿لَعَلْنَهَا نَكَلًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُثَّقِينَ﴾ . هكذا مَنْ مُنِيَ بالهجران، ووُسِمَ بالخذلان؛ صارت أحوالُه عِبْرة، وتجرَّع - مِنْ مُلاحَظته لحاله - عليه الحسرة، وصار، المسكين - بعد عِزّه لكلِّ خسيسٍ سُخْرَة. هكذا آثار سُخْطٍ الملوك وإعراض السادة عن الأصاغر: وقد أحدق الصبيان بي وتجمعوا عليَّ وأشلوا بالكلاب ورائيا قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، إِنَّ اللّهَ يَأْمُكُمْ أَنْ تَذْبَهُواْ بَقَرَهُ﴾ . كان الواجب عليهم استقبال الأمر بالاعتناق ولكنهم تعللوا ببقاء الأشكال توهماً بأن يكون لهم ( ... )(١) تُفضِي بالإخلاد إلى الاعتدال(٢) عن عهدة الإلزام فتضاعفت عليهم المشقة وحل بهم ما حَذِرُوه من الافتضاح. فصل: ولما قال: ﴿إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لَّا فَارِضٌّ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ أي ليست بِفَتِيَّةٍ ولا مُسِنَّة بل هي بين السِّئَّيْنِ. حصلت الإشارة أن الذي يصلح لهذه الطريقة مَنْ لا يستهويه نَزَقُ(٣) الشباب وسُكْره، ولم يُعَطِّلْه عجزُ المشيب وضعفُه، بل هو صاحٍ استفاق عن سُكْرِهِ، وبقيت له - بَعْدُ - نضارةٌ من عمره. قوله جل ذكره: ﴿صَغْرَآءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُ النَّظِرِينَ قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ أَّنَاَمَا هِىَ إِنَّ الْبَقَّرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَآءَ اَللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ . كما كان يأخذ لونها الأبصار فالإشارة منها أن من كان من أهل القصة يستغرق شاهدُه القلوبَ لِما أُلبس من رداء الجبروت، وأقيم به من شاهد الغيب حتى أن من لاحَظَه تناسى أحوال البشرية واستولى عليه ذكر الحق، كذا في الخبر المنقول: ((أولياء الله الذين إذا رأوا ذكر الله))(٤) ( ... )(٥). قوله جل ذكره: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَّةٌ لَّا ذَلُولُ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى أَلْرَّثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَّةَ فِيهَأَ قَالُواْ الْقَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ . كما أن تلك البقرة لم يُذلِلْها العملُ، ولم تُبْتَذَلْ في المكاسب، لا لونَ فيها يخالف عِظَمَ لَوْنِها فالإشارة منه أن أهل الولاية الذين لم يتبذلوا بالأغيار لتحصيل ما طلبوا من الأسباب، ولم يركنوا بقلوبهم إلى الأشكال والأمثال، ولم يتكلوا على (١) بياض في الأصل. (٣) الآية (٦٩) غير موجودة. (٥) بياض في الأصل. (٢) الاعتدال: الرجوع عن الشيء. (٤) أخرجه الألباني في (السلسلة الصحيحة ١٧٣٣). ٥٢ تفسير سورة البقرة الاختيار والاحتيال، وليسوا نهباً لمطالبات المنى، ولا صيداً في مخلب الدنيا، ولا حكمَ للشهوات عليهم، ولا سلطان للبشرية تَمَلَّكهم، ولم يسعَوْا قط في تحصيل مرادهم، ولم يشقوا لدرك بُغيتهم، وليس عليهم رقم الأغيار، ولا سِمَةُ الأسباب - فَهُمْ قائمون بالله، فانون عما سوى الله، بل هم محو، مُصْرِّفُهم الله. والغالب - على قلوبهم - الله . وكما أن معبودَهم الله كذلك مقصودهم الله . وكما أن مقصودهم الله كذلك مشهودهم الله، وموجودهم الله، بل هم محو بالله و ( ... )(١) عنهم الله، وأنشد قائلهم: زِمَامِيَ - ما عشنا معاً - وعناني إذا شئتِ أن أزْضَى وترضي وتملكي بأذني وانطقي بلساني إذن فارمُقي الدنيا بعيني واسمعي قوله جل ذكره: ﴿قَالُواْ الْتَنَ جِئْتَ بِالْحَقّ فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ . طلبوا الحيلة ما أمكنهم فلما ضاقت بهم الحِيّل استسلموا للحكم فتخلصوا من شدائد المطالبات، ولو أنهم فعلوا ما أمرِوا به لما تضاعفت عليهم المشاق. قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ قَلْتُمْ نَفْسًا فَأَذَّرَهْتُمْ فِيهَّا وَاللَّهُ مُخْرِجُ مَا كُنتُمْ تَكْتُونَ﴾ . الخائن خائف، ولخشية أن يظهر سرُّه يركن إلى التلبيس والتدليس، والإنكار والجحود ولا محالة ينكشف عوارُه، وتتضح أسرارُه، وتهتك عن شَيْنٍ فعله أستارُه. قال الله تعالى: ﴿وَاللّهُ مُخْرِجُ مَّا كُنتُمْ تَكْتُونَ﴾ . قوله جل ذكره: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبُهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحِىِ اللَّهُ الْمَوْقَى وَيُرِكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . أراد الله سبحانه أن يحيي ميتهم ليفضح بالشهادة على قاتله فأمر بقتل حيوان لهم فجعل سبب حياة مقتولهم قتل حيوان لهم، صارت الإشارة منه: أن من أراد حياة قلبه لا يصل إليه إلا بذبح نفسه؛ فمن ذبح نفسه بالمجاهدات حَيِيَ قلبُه بأنوار المشاهدات، وكذلك من أراد الله حياةَ ذِكْرِه في الأبدال أمات في الدنيا ذكره بالخمول . قوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَُّ مِنْهُ الْأَنْهَرُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخُجُ مِنْهُ أَلْمَةُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهِْطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهُ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . (١) بياض في الأصل. ٥٣ تفسير سورة البقرة بَيَّن أنهم - وإن شاهدوا عظيم الآيات وطالعوا واضح البينات - فحين لم تساعدهم العناية ولم يخلق الله (لهم) الهداية، لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة، ولم تبرز لهم من مكامن التقدير إلا شقوة (على شقوة، وشبَّه قلوبهم بالحجارة لأنها لا تنبت ولا تزكو، وكذلك قلوبهم لا تفهم، ولا تغنى. ثم بيَّن أنها أشد ( .... )(١) من الحجارة، فإنَّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار، ومنها ما تظهر عليه آثار خشية الله(٢)، وأمّا قلوبهم فخالية عن كل خير، وكيف لا وقد مُنِيَتْ بإعراض الحقُّ عنها، وخُصَّتْ بانتزاع الخيرات منها . قوله جل ذكره: ﴿﴿ أَفَطَمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدٍ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . أنبأهم عن إيمانهم، وذكر أنهم بعد سماع الخطاب من الله - سبحانه - حرَّفوا وبدّلوا فكيف يؤمنون لكم وإنما يسمعون بواسطة الرسالة، ومن لم يَبقَ على الإيمان بعد العيان فكيف يؤمن بالبرهان، والذي لم يصلح للحق لا يصلح لكم، ومن لم (يحتشم من الحق) فكيف يحتشر منكم؟. قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا لَّقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنًا وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآتُجُوكُمْ بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا نَعْقِلُونَ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ . تواصوا فيما بينهم بإنكار الحق، وإخفاء الحال على المسلمين، ولم يعلموا أن الله يُطْلِعُ رسولَه عليه السلام على أسرارهم، وأن نوراً أظهره الغيب لا ينطفىء بمزاولة الأغيار. وموافقةُ اللسانِ مع مخالفة العقيدة لا يزيد إلا زيادة الفُرقة. قوله جل ذكره: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّنُونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اَلَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ . أخبر أنهم متفاوتون في نقائص كفرهم، فقومٌ منهم أخَسُّ درجةً وأكثر جهلاً ركنوا إلى التقليد، ولم يملكهم استيلاء شبهة بل اغتروا بظنّ وتخمين، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها، دون معرفة معانيها. ومنهم مَنْ أكثرُ شأنه ما يتمناه في نفسه، ولا يساعده إمكان، ولا لظنونه قط تحقيق. ثم أخبر عن سوء عاقبتهم بقوله جل ذكره : (١) بياض في الأصل. (٢) هنا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله﴾ [الحشر: ٢١]. ٥٤ تفسير سورة البقرة ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا يَكْسِبُونَ﴾ . أي خَسِروا في الحال والمآل، والإشارة في هذه الآية لمن عَدِم الإخلاص في الصحبة في طريق الحق؛ يَنْضَمُّ إلى الأولياء ظاهراً ثم لا تَصْدُقُ له إرادة فهو مع أهل الغفلة مُصَاحِب، وله مع هذه الطريقة جانب، كلما دَعَتْهُ هواتف الحظوظ تَسَارَعَ إلى الإجابة طوعاً، وإذا قادته دواعي الحق - سبحانه - يتكلف شيئاً، فَبِثْسَتْ الحالة حين لم يخلص، وما أشد ندمه فيما اذَّخَرَ عن الله ثم لا يُفْلخ. قوله جل ذكره: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامَا تَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اَللَّهُ عَهْدَهٌُ أَمْ نَفُولُونَ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا تَّعْلَمُونَ﴾ . الإشارة في هذه الآية لمن مرت على قلبه دعاواه العريضة، وغلب عليه حسبانه، فحكم لنفسه - لفرط غفلته - بأنه من أهل القصة ويَخْلَدُ إلى هواجس مناه، فيحكم على الغيب بأنه يُتَجاوز عنه؛ نَسِيَ قبائح ما أسلفه، ويذكر مغاليط ما ظنَّه، فهو عَبْدُ نَفْسِه يغلب عليه حسن ظنه، وفي الحقيقة تعتريه نتائج غفلته ومكره، قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتْكُمُ الَّذِى ظَنَفْتُم بِرَيِّكُمْ أَرْدَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ اْخَسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]. قوله جل ذكره: ﴿بَلَى مَنْ كَبَ سَيِّئَةُ وَأَخَطَتْ بِهِ. خَطِيَتُهُ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ . الذي أحاطت به خطيئته هو الكافر - على لسان العلم. ولكنّ الإشارة منه إلى مَنْ سكن قلبُه على استغاثاته على وجه الدوام، فإن أصحاب الحقائق كالحب على المَقْلَى - في أوقات صحوهم، فَمَنْ سَكِنَ فَلِفَرْطِ عَزّتِه - لا يفترون(١). ومَنْ استند إلى طاعة يتوسَّلُ بها ويَظن أنه يقرب بها ينبغي أن يتباعد عن السكون إليها ومَنْ تَحَقَّقَ بالتوحيد علِمَ ألا وسيلة إليه إلا به. قوله جل ذكره: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّذِحَتِ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ . في الحال جنان الوصل (٢) (١) من الفترة انظر الرسالة القشيرية ص ٣٨١. (٢) بياض في الأصل. والآية (٨٣، ٨٤) لم يرد لهما ذكر. ٥٥ تفسير سورة البقرة قوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْخُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. ... أضرابكم وقرنائكم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، الإشارة فيه أن نصرتكم لإخوانكم على ما فيه بلاؤهم نصرة عليهم بما فيه شقاؤهم، فالأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو. قوله جل ذكره: ﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَكَرَى تُغَدِّدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍّ﴾ . أي كما تراعون - بالفداء عنهم - حقوقهم، فكذلك يُفْتَرَضُ عليكم كَفُّ أيديكم عنهم، وتَرْكُ إزعاجهم عن أوطانهم، فإذا قُمتم ببعض ما يجب عليكم فما الذي يقعدكم عن الباقي، حتى تقوموا به كما أُمِرْتُم؟ أما علمتم أن مَنْ فَرّقَ بين ما أُمِرَ به فآمن ببعضٍ وكَفَرَ ببعضٍ فقط حبط - بما ضيَّعه - أجرُ ما عَمِلَهُ. قوله جل ذكره: ﴿فَمَا جَزَّآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّ خِرِىٌ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَاً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَّ أَشَدِ الْعَذَّابِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . أي ظنوا أن ما فعلوه نَفَعهم، فانكشف لهم في الآخرة أن جميع ما فعلوه - لمّا مزجوه بالآفات وجرَّدُوه عن الصدق والإخلاص - غيرُ مقبولٍ منهم. والأُسَرَاء أصناف: فَمِنْ أسير غَرِقَ في بحار الهوى فإنقاذُه بأن تدلَّ على الهُدَى. ومِنْ أسيرٍ بقي في أيدي الوساوس فافتداؤه أن ترشده إلى اليقين بلوائح البراهين لتنقذَه من الشك والتخمين، وتخرجه عن ظلمات التقليد فيما تقوده إلى اليقين. ومن أسيرٍ تجده في أسر هواجسه استأسرته غاغة نفسه، فَفَكُّ أسْرِه بأن تدلَّه على شهود المِنن، بِتَبَرِّيه عن حسبانِ كلْ حَوْلٍ بِخِلْقٍ وغَيْر. ومن أسيرٍ تجده في ربيطة ذاته ففكُ أسره إنشاده إلى إقلاعه، وإنجاده على ارتداعه. ومن أسير تجده في أسر صفاته ففكُ أسره أن تدله على الحق بما يحل عليه من وثائق الكون، ومن أسيرٍ تجده في قبضة الحق فتخبره أنه ليس لأسرائهم فداء، ولا لقتلاهم عَوْد، ولا لربيطهم خلاص، ولا عنهم بُدُّ، ولا إليهم سبيل، ولا مِنْ دونهم حيلة، ولا معَ سِواهم راحة، ولا لحكمهم رَدُّ. قوله جل ذكره: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أَشْتَرُوا الْحَيَّوَةَ الدُّنْيَا بِاْآَخِرَةِ فَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ . إن الذين آثروا عليه شيئاً خسروا في الدنيا والآخرة كما قالوا: بلا جُزم ولا معنى أناسٌ أعرضوا عنَّا فإنَّا عنهم أغنى فإن كانوا قد استَغْنَوا ٥٦ تفسير سورة البقرة قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَّغَيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَنْتَمَ الْبَِّنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُمِنُ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَ أَنفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَغَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ﴾ . الإشارة: أوصلنا لهم الخطاب، وأردفنا رسولاً بعد رسول، والجميع دَعَوْا إلى واحد. ولكنهم أَصْغَوْا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قَبلُوه، وما استثقلته أهواؤهم جحدوه، فإذا كان الهوى صفتهم ثم عبدوه، صارت للمعبود صفات العابد، فلا جَرَمَ الويل لهم ثم الويل !. قوله جل ذكره: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا ◌ُلْفُأُ بَل لََّنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ . لو كان منهم شيء بمجرد الدعوى لهان وجود المعاني، ولكن عند مطالبات التحقيق تَفْتَرُّ أنيابُ المُتَلَيْسِين عن أسنانٍ شاحذة بل ( .... )(١) وقيل: إذا انسكبت دموعٌ في خدود تبيَّن مَنْ بكى ممن تباكى قوله جل ذكره: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبُ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَتَفْتِعُونَ عَلَى الَّذِينَ كَغَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم ◌َا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الَّهِ عَلَى الْكَفِينَ﴾. الإشارة فيه لمن عزم على الصفاء، ووعد من نفسه تحقيق الوفاء، ونشر أعلام النشاط عند البروز إلى القتال، تنادى بالنزال وصدق القتال - انهدم عند التفات الصفوف، وانجزل عن الجملة خشية هجوم المحذور، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [محمد: ٢١]. قوله جل ذكره: ﴿ِثَْمَا أَشْتَرَوْا بِهِ، أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًّا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِيِّ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِيدٌ﴾ . أنزلهم التحاسُد عن مقر العِزّ إلى حضيض الخزي(٢)، وسامهم ذُلَّ الصّغِرَ حين لم يَرْضُوا بمقتضى الحُكْم، فأضافوا استيجاب مقتٍ آنفٍ إلى استحقاقِ مقتٍ سالف. قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمُّ قُلْ فَلِمَ تَقْدُونَ أَنِيَآءَ اَلَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُتُم مُؤْمِنِينَ﴾ . الإشارة فيه: إذا قيل لهم حَقِّقوا ما أظهرتم من حكم الوفاق بتحقيق الحال (١) بياض في الأصل. (٢) الحضيض: ما سفل من الأرض. والخزي: الذل والهوان والفضيحة. ٥٧ تفسير سورة البقرة وإقامة البرهان سَمَحَتْ نفوسُهم ببعض ما التبس عندهم لما يوافق أهواءهم، ثم يكفرون بما وراء حظوظهم، ( .... )(١) بُعداً عن زمرة الخواص، غير معدودين في جملة أرباب الاختصاص. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَلَقَدْ جَآءَكُمْ تُوسَى بِالْبَهِنَتِ ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْمِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَلِمُونَ﴾ . أي دعاكم إلى التوحيد، وإفراد المعبود عن كل معبود ومحدود، ولكنكم لم تجنحوا إلا إلى عبادة ما يليق بكم من عِجْلٍ اتخذتموه، وصنم تمنيتموه. فرفع ذلك من بين أيديهم، ولكن بقيت آثاره في قلوبهم وقلوب أعقابهم، ولذلك يقول أكثرُ اليهود بالتشبيه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَّكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْقُلُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْمِجْلَ بِكُفْهِمْ قُلْ بِثْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ: إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. كرَّرَ الإخبار عن غُلُوُّهم في حُبِّ العجل، ونُبُوُهم عن قبول الحق، و ( ..... )(١) وتعريفهم معاجلتهم بالعقوبة على ما يسيئون من العمل، فلا النصحُ نَجَعَ فيهم، ولا العقوبةُ أوجبت إقلاعهم عن معاصيهم، ولا بالذم فيهم احتفلوا، ولا بموجب الأمر عملوا. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةُ مِنِ دُونِ أَلنَّاسِ فَتَمَنَّوَأُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَلَهُ عَلِيُمْ بِالظََّلِينَ ﴾ . من علامات الاشتياق تمنى الموت على بساط العوافي؛ فمن وَثِقَ بأن له الجنة قطعاً - فلا محالةَ - يشتاق إليها، ولمَّا لم يتمنوا الموت - وأخبر الله سبحانه أنهم لن يتمنوهُ أبداً - صار هذا التعريف معجزةً للرسول صلوات الله عليه وعلى آله إذا كان كما قال . وفي هذا بشارة للمؤمنين الذين يشتاقون إلى الموت أنهم مغفور لهم، ولا يرزقهم الاشتياق إلا وتحقق لهم الوصول إلى الجنة، وقديماً قيل: كفى للمقصر الحياء يوم اللقاء. قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَثَوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِمْ﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَنَجِدَ تَّهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْقٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَذُ أَحَدُهُمْ (١) بياض في الأصل. ٥٨ تفسير سورة البقرة لَوْ يُعَخَّرُ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُّ وَاللّهُ بَصِيْرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ . حُبُّ الحياة في الدنيا نتيجة الغفلة عن الله، وأشد منه غفلة أحبُّهم للبقاء في الدنيا .. وحالُ المؤمن من هذا على الضدّ. وأما أهل الغفلة وأصحاب التهتك فإنما حرصهم على الحياة لعلمهم بما فقدوا فيها من طاعتهم؛ فالعبد الآبق(١) لا يريد رجوعاً إلى سَيِّده. والانقلابُ إلى مَنْ هو خيرُهُ مَرجوٌ خيرٌ للمؤمنين من البقاء مع مَنْ شَرُّه غيرُ مأمون، ثم إن امتداد العمر مع يقين الموت (لا قيمة له) إذا فَاجَأُ الأمرُ وانقطع العُمْرُ. وكلُّ ما هو آتٍ فقريب، وإذا انقضت المُدَّةُ فلا مردّ لهجوم الأجل على أكتاف الأمل. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِحِبْرِلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدَى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَكَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ ﴾ . زعمت اليهود أن جبريل لا يأتي بالخير، وأنهم لا يحبونه، ولو كان ميكائيل لكانوا آمنوا به، فأكذبهم الحقُّ سبحانه فقال: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ لأنه لا يأتي بالخير فأي خير أعظم مما نزل به من القرآن؟! ثم قال إن مَنْ عادى جبريل وميكائيل فإِن الله عدو له؛ فإنَّ رسولَ الحبيبٍ إلى الحبيبِ العزيزِ المَوْرِد - كريمُ المنزلة، عظيم الشرف. وما ضرَّتْ جبريلَ - عليه السلام - عداوةُ الكفار، والحق سبحانه وتعالى وليُّه، ومَنْ عَادَى جبريلَ فالحقُّ عَدُوُّه، وما أَغْزِزِ بهذا الشرف وما أَجَلَّه! وما أكبر علوه! قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَّدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَسِقُونَ أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا تَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . لم يكفر بواضح آياته إلا من سُدَّتْ عن الإدراك بصائرُه، وسبقت من الله بالشقاوة قِسْمَتُه، ولا عقلَ لِمِنْ يجحدُ أنَّ النهارَ نهار، وكذلك لا وَضْلَ لمن لم تساعده من الحق أنوارٌ واستبصار. أوَ كُلَّما عاهدوا عهداً سابقُ التقدير لهم كان يشوِّش عليهم، وينقض عَهْدَهُم لاحِقُ التدبيرُ منهم، والله غالب على أمره. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَيِقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ تُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . (١) الآبق: الهارب من مالكه. ٥٩ تفسير سورة البقرة جحدوا رُسلّ الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر، وكذَّبوا رسلهم الذين أتوهم في الظاهر، فيا جهلاً ما فيه شظية من العرفان! ويا حرماناً قَارَنَه خِذلان! قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَئِنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ اَلسَّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْعَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَدُرُوتَ وَمَرُوتَّ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرٌّ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِّ وَيَنَعَلَُّونَ مَا يَضُرُهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَنَهُ مَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾ . مَنْ فرَّقَتْه الأهواء وقع في كل مطرح من مطارح الغفلة، فيستقبله كل جنس من قضايا الجهالة، ثم إن مَنْ طالت به الغيبة صار للناس عِبْرة، ولِمَنْ سلك طريقة فتنة، فمن اقتدى به في غيِّه انخرط في سِلْكِه، والتحق بجنسه، هكذا صفة هاروت وماروت(١) فيما استقبلهما، صارا للخلق فتنة بل عبرة، فمَنْ أصغى إلى قيلهما، ولم يعتبر بجهلهما تعلّق به بلاؤهما، وأصابه في الآخرة عناؤهما. والإشارة من قصتهما إلى مَنْ مآلَ في هذه الطريقة إلى تمويهٍ وتلبيس، وإظهار دعوى بتدليس، فهو يستهوي مَنْ اتّبعه، ويلقيه في جهنم بباطله، ( ..... )(٢). ومن تهتك بالجنوح إلى أباطيله تهتكت أستارُه، وظهر لذوي البصائر عوارُه. وإن هاروت وماروت لما اغتَّرا بحاصل ما اعتاداه من المعصية بَسَطًا لسان الملامة في عُصاة بني آدم، فَلِمَا رُكُب فيهما من نوازع الشهوات، ودواعي الفتن والآفات، اقتحما في العصيان، وظهر منهما ما انتشر ذِكْرُه على ألسنة القصاص، وهما مُنَكْسَان إلى يوم القيامة ولولا الرفق بهما وبشأنهما لَمَا انتهى في القيامة عذابُهما، ولكنَّ لطفَ الله مع الكافة كثيرٌّ. ولَمَّا قال الله تعالى: ﴿وَيَنَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمَّ﴾ عَلِم أهل التحصيل أن العلم بكل معلوم - وإن كان صفةً مدح - ففيه غيرُ مرغوبٍ فيه، بل هو مستعاذْ منه قال النبي ◌َّ: ((أعوذ بك من علم لا ينفعَ))(٣). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَبِتْرَ مَا شَرَوْا بِهِةٍ أَنفُسَهُمّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . لو علم المغبونُ ماذا أبقى وماذا أبلى لتقطعت أحشاؤه حسراتٍ، ولكن سيعلم: ﴿يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرَآَبِرُ﴾ [الطارق: ٩] الذي فاته من الكرائم. (١) هاروت وماروت: ملكان هبطا ببابل فعلما الناس السحر. (٢) , بياض في الأصل. (٣) أخرجه صاحب (ميزان الاعتدال ٤١١٩)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٢٧/١). ٦٠ تفسير سورة البقرة قوله جل ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اَلَّهِ خَبْرَّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . ولو آثروا الإقبالَ على الله على اشتغالهم عن الله، لحصَّلُوا ذُخْرَ الداريْن، ووصلوا إلى عِزَّ الكَوْنَيْن، ولكن كَبَسَتْهُمْ سطواتَ القهر، فأثبتَتْهم في مواطن الهجر. قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ وَإِنْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . قصودُ الأعداء في جميع أحوالهم - من أعمالهم وأقوالهم - قصودٌ خبيثة؛ فهم - على مناهجهم - يبنون فيما يأتون ويَذَرُون. فسبيلُ الأولياءِ الشَّحرزُ عن مشابهتهم، والأخذ في طريق غير طريقهم. قوله جلّ ذكره: ﴿َّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَشُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. كراهية الأعداء لانتظام صلاح الأولياء متصِلَةٌ مُستَدامةٌ، ولكن الحسود لا يسود، ولا يحصُل له مقصود. وخصائص الرحمة للأولياء كافية - وإنْ زَعَمَ مِنَ الأعداء أقَّاكْ أنه انهدمت من أوطان فرحهم أكناف وأطراف. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ مَا نَنسَحْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَأُ أَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ . النسخُ الإزالة أي ما ينقلك من حال إلى ما هي فوقها وأعلى منها، فغُصنُ وَصْلِك أبداً ناضر، ونجمُ عِزْكَ أبداً ظاهر، فلا ننسخُ من آثار العبادةِ شيئاً إلا وأبدلنا عنه أشياء من أنوار العبودية، ولا نسخنا من أنوار العبودية أشياء إلا أقمنا مكانها أشياء من أقمار العبودة(١). فأبداً سِرُك في الترقي، وقدرك في الزيادة بحسن التَّوَلِيِّ . وقيل ما رقَّكَ عن محل العبودية إلا سَلكَكَ بساحات الحرية، وما رَفَعَ شيئاً من صفات البشرية إلا أقامك بشاهدٍ من شواهد الألوهية. (١) قال القشيري في حديثه عن العبودية برسالته: العبادة للعوام من المؤمنين والعبودية للخواص والعبودية (الطاعة والاسترقاق) لخواص الخواص. العبادة لمن له علم اليقين، والعبودية لمن له عين اليقين، والعبودة لمن له حق اليقين، والعبادة لأصحاب المجاهدات، والعبودية لأرباب المكابدات، والعبودة صفة أهل المشاهدات. (للتوسع انظر الرسالة القشيرية ص ١٩٧).