Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ تفسير سورة البقرة وهذا عامر بن عبد القيس(١) يقول: ((لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً). وحقيقة اليقين التخلص عن تردد التخمين، والتقصي عن مجوزات الظنون . قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَِّكَ عَ هُدِّى مِنِ زَّيِّهِمْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِعُونَ﴾ يعني على بيان من ربهم ويقين وكشف وتحقيق، وذلك أنه تجلّى لقلوبهم أولاً بآياته ثم تجلّ لها بصفاته ثم تجلى لها بحقه وذاته . وقوم ﴿على هدىّ ربهم﴾ بدلائل العقول؛ وضعوها في موضعهما فوصلوا إلى حقائق العلوم، وقوم على بصيرة ملاطفات التقريب فبمشاهدة الرحمة والكرم وصلوا إلء بيان اليقين، وآخرون ظهرت الحقيقة لأسرارهم فشهدوا بالغيب حقيقة الصمدية، فوصلوا بحكم العرفان إلى عين الاستبصار. ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ الفلاح الظفر بالبُغية، والفوز الطلبة، ولقد نال القوم البقاء في مشهد اللقاء فظفروا بقهر الأعداء، وهي غاغة (٢) النفوس من هواجسها، ثم زلات القلوب من خواطرها(٣)، فوقفوا بالحق للحق بلا واسطة من عقل، أو رجوع إلی ذکر وفكر. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ من كان في غطاء وصفه محجوباً عن شهود حقه فالإشارة لنعته أنه سيان عنده قول من دلَّه على الحق، وقول من أعانه على استجلاب الحظ، بل هو إلى دواعي الغفلة أميل، وفي الإصغاء إليها أرغب. كيف لا؟ وهو بِكَيِّ الفرقة موسوم، وفي سجن الغيبة محبوس، وعن محل القربة ممنوع، لا يحصل منهم إيمان، لأنه ليس لهم من الحق أمان؛ فلمّا لم يؤمنوا لم يؤمنوا. حکم سبق من الله حتم، وقول له فصل، وإن القدرة لا تُعارَض، ومن زاحم الحق في القضية كبسته سطوات العزة، وقَصّمته بواده(٤) الحكم. (١) هو عامر بن عبد الله، المعروف بابن عبد قيس العنبري (٠٠٠ - نحو ٥٥ هـ =٠٠٠ - نحو ٦٧٥°م) تابعي من بني العنبر وهو أول من عرف بالنسك من عباد التابعين بالبصرة. هاجر إليها وتلقن القرآن من أبي موسى الأشعري، ثم قدم إلى البصرة وعلّم أهلها القرآن. توفي ببيت المقدس في خلافة معاوية. الأعلام ٢٥٢/٣ - ٢٥٣، وحلية ٨٧/٢، والعقد الفريد ٤١٤/٣. (٢) الغاغة: نبات يشبه الهربون. أو: الحبق. (اللسان ٤٤٤/٨). (٣) قال القشيري في رسالته: الخواطر خطابات ترد على الضمائر فإذا كان من قبل النفس قيل له: الهواجس، وإذا كان من الله سبحانه وكان إلقاؤه في القلب فهو خاطر حق. (الرسالة القشيرية ص ٨٣، ٨٤). (٤) قال القشيري في حديثه عن البواده: البواده ما يفجأ قلبك من الغيب على سبيل الوهلة إما بموجب فرح أو بموجب ترح. (الرسالة القشيرية ص٧٨). ٢٢ تفسير سورة البقرة ويقال إن الكافر لا يرعوي عن ضلالتهِ لِمَا سَبَق من شقاوته، وكذلك المربوط بأغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه، فهو لا يبصر رشده، ولا يسلك قصده. ويقال إن الذي بقي في ظلمات رعونته سواء عنده نصح المرشدين وتسويلات المُبْطِلين، لأن الله سبحانه وتعالى نزع عن أحواله بركاتِ الإنصاف، فلا يدرك بسمع القبول، ولا يُصغي إلى داعي الرشاد، كما قيل: وعلى النصوح نصيحتي وعليَّ عصيان النصوح ويقال من ضلَّ عن شهود المِنَّةِ عليه في سابق القسمة تَوَهَّمَ أن الأمر من حركاته وسَكَنَاته فاتَّكَلَ على أعماله، وتعامى عن شهود أفضاله. قوله جلّ ذكره: ﴿خَتَمَ اَلَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَ سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَّةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . الختم على الشيء يمنع ما ليس فيه أن يدخله وما فيه أن يخرج منه، وكذلك حَكَمَ الحقُّ سبحانه بألا يُفارقَ قلوبَ أعدائِه ما فيها من الجهالة والضلالة، ولا يدخلها شيء من البصيرة والهداية. على أسماع قلوبهم غطاء الخذلان، سُدَّت تلك المسامع عن إدراك خطاب الحق من حيث الإيمان، فوساوس الشيطان وهواجس النفوس شغلتها عن استماع خواطر الحق. وأمّا الخواص فخواطر العلوم وجولان تحقيقات المسائل في قلوبهم شغلت قلوبهم عن ورود أسرار الحق عليهم بلا واسطة، وإنما ذلك لخاص الخاص، لذا قال رسول الله وَلجر: ((لقد كان في الأمم مُحَدَّثُون فإن يكن في أمتي فعمر))(١) فهذا المحدَّث مخصوص من الخواص كما أن صاحب العلوم مخصوص من بين العوام. وعلى بصائر الأجانب غشاوة فلا يشهدون لا ببصر العلوم ولا ببصيرة الحقائق، ولهم عذاب عظيم لحسبانهم أنهم على شيء، وغفلتهم عما مُنُوا من المحنة (و ... )(٢) في الحال والمال، في العاجل فُرقَته، وفي الآجل حُرقته . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ . ثبتوا على نفاقهم، ودأبوا على أن يلبسوا على المسلمين، فهتَكَ الله أستارهم بقوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ كذا قيل: من تحلى بغير ما هو فيه فضح الامتحان ما يَذِّعِيه (١) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٥٩/٧)، والتبريزي في (مشكاة المصابيح ٦٠٢٦)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٢٣/٣). (٢) بياض في الأصل. ٢٣ تفسير سورة البقرة ولما تجردت أقوالهم عن المعاني كان وبال ما حصلوه منها أكثر من النفع الذي توهموه فيها، لأنه تعالى قال: ﴿إِنَّ الْتُفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ولولا نفاقهم لم يزدد عذابهم. ويقال لما عَدِموا صدق الأحوال لم ينفعهم صدق الأقوال، فإن الله تعالى قال: ﴿وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] فكانوا يقولون نشهد إنك لرسول الله، وكذلك من أظهر من نفسه ما لم يتحقق به افتضح عند أرباب التحقيق في الحال، وقيل: لستَ منها ولا قلامة ظفر أيها المدعي سليمى هواها أُلْصِقت في الهجاء ظلماً بعمرو إنما أنت في هواها كواوٍ قوله جلّ ذكره: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُونَ﴾ عاد وبال خداعهم والعقوبة عليه إلى أنفسهم فصاروا في التحقيق كأنهم خادعوا أنفسهم، فما استهانوا إلا بأقدارهم، وما اسْتَخَفُوا إلا بأنفسهم، وما ذاق وبالَ فعلهم سواهم، وما قطعوا إلا وتينّهم. ومن كان عالماً بحقائق المعلومات فمن رام خداعه إنما يخدع نفسه . والإشارة في هذه الآية أن من تناسى لطفه السابق وقال لي وبي ومني وأنا يقع في وهمه وظنه لك وبك ومنك وأنت، وهذا التوهم أصعب العقوبات(١) لأنه يرى سراباً فيظنه شراباً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوقّاه حسابه. قوله جلّ ذكره: ﴿فِ قُلُوبِهِم تََّمُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّأْ وَلَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيُّهُ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ . في قلوب المنافقين مرض الشك، ويزيدهم الله مرضاً بتوهمهم أنهم نجوا بما لبَّسوا على المسلمين، ثم لهم عذاب أليم مؤلم، يَخْلُص وجعه إليهم في المآل. (وفي) الإشارة يحصل لمن خلط قصده بحظّه، وشاب إرادته بهواه (أن) يتقدم في الإرادة بِقَدَم، ويتأخر بالحظوظ ومتابعة النّفْس بأخرى، فهو لا مريدٌ صادقٌ ولا عاقلٌ متثبت. ولوّ أن المنافقين أخلصوا في عقائدهم لأَمِنوا في الآخرة من العقوبة كما أَمِنوا في الدنيا من نحو بذل الجزية وغير ذلك مما هو صفة أهل الشرك والذمة، كذلك لو صدق المريد في إرادته لوصل بقلبه إلى حقائق الوصلة، ولأدركته بركات الصدق فيما رامه من الظفر بالبُغية، ولكن حاله كما قيل: فما ثبتنا فيثبت لنا عدل بلا حنف ولو خلصنا تخلصنا من المحن (١) قال القشيري في حديثه عن التوحيد: إسقاط الياءات فلا تقل: لي وبي ومني وإلي. (الرسالة القشيرية ص ٣٠٢). ٢٤ تفسير سورة البقرة وإن من سقمت عبادته حيل بينه وبين درجات الجنات، ومن سقمت إرادته حيل بينه وبين مواصلات القُرْبِ والمناجاة. وأمَّا من ركن إلى الدنيا واتَّبع الهوى فسكونُهم إلى دار الغرور سقم لقلوبهم، والزيادة في علتهم تكون بزيادة حرصهم؛ كلما وجدوا منها شيئاً - عَجَّلَ لهم العقوبة عليه - يتضاعف حرصهم على ما لم يجدوه. ثم من العقوبات العاجلة لهم تشتتُ همومهم ثم تَبَغض عيشهم فيبغون بها عن مولاهم، ولم يكن لهم استمتاع ولا راحة فيما آثروه من متابعة هواهم، وهذا جزاء من أعرض عن صحبة مولاه، وفي معناه قيل: تبدلت فتبدلنا واحسرتا لمن ابتغی عوضاً ليسلو فلم يجد والإشارة في العذاب الأليم بما كانوا يكذبون إنما هي الحسرة يوم الكشف إذا رأوا أشكالهم الذين صدقوا كيف وصلوا، ورأوا أنفسهم كيف خسروا. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَّا نُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوَاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُونَ﴾ . الإشارة منها: أنه إذا دعاهم واعظ في قلوبهم من خفي خواطرهم إلى ما فيه رشدهم تتبعوا رخص التأويل، ولبَّسوا على أنفسهم ما يشهد بقساوة قلوبهم، وحين جحدوا برهان الحق من خواطر قلوبهم نزع الله البركة من أحوالهم، وأبدلهم تصامُماً عن الحق، وابتلاهم بالاعتراض على الطريقة وسلبهم الإيمان بها. وكما أن المرتد أشد على المسلمين عداوة كذلك من رجع عن الإرادة إلى الدنيا والعادة فهو أشد الناس إنكاراً لهذه الطريقة، وأبعد من أهلها، وفي المَثّل: من اخترق كُدسه(١) تمنى أن يقع بجميع الناس ما أصابه . وإرفاق المرتدين عن طريق الإرادة - عند الصادقين منهم - غير مقبول كما أن رسول الله * لم يقبل زكاة ثعلبة. ويقال كفى لصاحب الكذب فضيحة بأن يقال له في وجهه كذبتَ، فهم لمَّا قالوا إنما نحن مصلحون، أكذبهم الحق سبحانه فقال: ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾: إنَّا نَعْلَمُهم فَتَفْضَحُهم. قوله عزّ ذكره: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُمْ ءَامِنُوا كَمَآ ءَامَنَ اَلنَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ النُّفَهَةُ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ التُّفَهَّةُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . الإشارة منها أن المنافقين لما دُعُوا إلى الحق وصفوا المسلمين بالسَّفَه، وكذلك (١) الكُذْس: العَرَمة من الطعام والتمر والدراهم ونحو ذلك، والجمع أكداس (لسان العرب ٦/ ١٩٢). ٢٥ تفسير سورة البقرة أصحاب الغنى إذا أُمِروا بِتَرْكِ الدنيا وصفوا أهل الرشد بالكسل والعجز، ويقولون إن الفقراء ليسوا على شيء، لأنه لا مال لهم ولا جاه ولا راحة ولا عيش، وفي الحقيقة هم الفقراء وهم أصحاب المحنة؛ وقعوا في الذل مخافة الذل، ومارسوا الهوان خشية الهوان، شيَّدوا القصور ولكن سكنوا القبور، زيَّنوا المهد ولكن أُدرجوا اللحد، ركضوا في ميدان الغفلة ولكن عثروا في أودية الحسرة، وعن قريب سيعلمون، ولكن حين لا ينفعهم علمهم، ولا يغني عنهم شيء. أَفَرَسٌ تَخْتَكَ أم حمارُ سوف ترى إذا انجلى الغبارُ قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَُّّهُمْ فِ كُفْيَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ . أراد المنافقون أن يجمعوا بين عِشرة الكفار وصحبة المسلمين، فإِذا برزوا للمسلمين قالوا نحن معكم، وإذا خَلَوْا بأضرابهم من الكفار أظهروا الإخلاص لهم، فأرادوا الجمع بين الأمْرَيْن فَنُفُوا عنهما. قال الله تعالى: ﴿مُّذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلاءِ وَلَّا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] وكذلك من رام أن يجمع بين طريق الإرادة وما عليه أهل العادة لا يلتئم ذلك، فالضدان لا يجتمعان، و («المُكَاتَبُ عَبدٌ ما بَقِيَ عليه درهم))(١)، وإذا ادلهم الليل من ها هنا أدبر النهار من ها هنا، ومن كان له في كل ناحية خليط، وفي زاوية من قلبه ربيط كان نهباً للطوارق، ينتابه كل قوم، وينزل في قلبه كل ( ... )(٢)، فقلبه أبداً خراب، لا يهنأ بعيش، ولا له في التحقيق رزق من قلبه، قال قائلهم: أراك بقية من قوم موسى فهم لا يصبرون على طعام ولما قال المنافقون: ﴿إنما نحن مستهزئون﴾ قال الله تعالى: ﴿الله يستهزىء بهم﴾ أي يجازيهم على استهزائهم، كذلك لما ألقى القوم أزِمَّتهم في أيدي الشهوات استهوتهم في أودية التفرقة، فلم يستقر لهم قدم على مقام فتطوحوا في متاهات الغيبة، وكما يمد المنافقين في طغيانهم يعمهون يطيل مدة هؤلاء في مخايل الأمل فيكونون عند اقتراب آجالهم أطول ما كانوا أملا، وأسوأ ما كانوا عملاً، ذلك جزاء ما عملوا، ووبال ما صنعوا. وتحسين أعمالهم القبيحة في أعينهم من أشد العقوبات لهم، ورضاؤهم بما فيه من الفترة(٣) أَجَلُّ مصيبة لهم. (١) أخرجه أبو داود (عتاق، ١)، والترمذي (بيوع ٣٥)، والموطأ (مكاتب ١، ٢). (٢) بياض في الأصل. (٣) انظر الرسالة القشيرية ص ٣٨١. ٢٦ تفسير سورة البقرة قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوَاْ اَلْضَّلَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تَجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ . الإشارة منها أن من بقي عن الحقوق بالبقاء في أوطان الحظوظ خسرت صفقتهم، وما ربحت تجارتهم. والذي رضي بالدنيا عن العقبى لفي خسران ظاهر. ومن آثر الدنيا أو العقبى على الحق تعالى لأشد خسرانا. وإذا كان المصاب بفوات النعيم مغبونا فالذي مُنِيَ بالبعاد عن المناجاة وانحاز بقلبه عن مولاه، وبقي في أسْرِ الشهوات، لا إلى قلبه رسول، ولا لروحه وصول، ولا معه مناجاة، ولا عليه إقبال، ولا في سرّه شهود - فهذا هو الْمُصَابُ والْمُمْتَحَن. وإن من فاته وقت فقد فاته ربه، فالأوقات لا خَلَفَ عنها ولا بَدَلَ منها، ولقد قال بعضهم : فبكى عليك الناظــ كنتَ السواد لمقلتي فعـلـيـك كـنـت أحـاذر من شاء بعدك فليمت قوله جلّ ذكره: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ اَلَّذِىِ أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَأَتْ مَا حَوْلَمُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَّكَّهُمْ فِ نُظُلُمَتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ . هذا مثل ضربه الله سبحانه للمنافقين بمن استوقد ناراً في ابتداء ليلته ثم أطفئت النيران فبقي صاحبها في الظلمة، كذلك المنافق ظهر عليه شيء من العوافي في الدنيا بظاهره ثم امْتُحِنُوا في الآخرة بأليم العقوبة، أو لاح شيء من إقرارهم ثم بقوا في ظلمة إنكارهم. والإشارة من هذه الآية لمن له بداية جميلة؛ يسلك طريق الإرادة، ويتعنّى مدة، ويقاسي بعد الشدّة شدة، ثم يرجع إلى الدنيا قبل الوصول إلى الحقيقة، ويعود إلى ما كان فيه من ظلمات البشرية. أورق عُودُه ثم لم يثمر، وأزهر غصنه ثم لم يدركه، وعجّل كسوف الفترة على أقمار حضوره، وردّته يد القهر بعد ما أحضره لسان اللطف، فوطن عن القرب قلبه، وغلّ من الطالبين نفسه، فكان كما قيل: وَجِسْبناً من الفراق أمِنًّا حين قرّ الهوى وقلنا سُرِزْنا فأبادوا من شملنا ما جمعنا بعث البَيْن رُسْل في خفاءٍ وكذلك تحصل الإشارة في هذه الآية لمن له أدنى شيء من المعاني فيظهر الدعاوى فوق ما هو به، فإذا انقطع عنه ( ... )(١) ماله من أحواله بقي في ظلمة دعاواه . (١) بياض في الأصل. ٢٧ تفسير سورة البقرة وكذلك الذي يركن إلى حطام الدنيا وزخرفها، فإِذا استتبت الأحوال وساعد الأمل وارتفع المراد - برز عليه الموت من مكامن المكر فيترك الكُل ويحمل الكَلَّ. قوله جلّ ذكره: ﴿هُمُ بُكْم عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ . صم عن سماع دواعي الحق بآذان قلوبهم، بكم عن مناجاة الحق بألسنة أسرارهم، عمي عن شهود جريان المقادير بعيون بصائرهم، فهم لا يرجعون عن تمادیھم في تهتکم، ولا یرتدعون عن انهماکھم في ضلالتهم. ويقال صم عن السماع بالحق، بكم عن النطق بالحق، وعمي عن مطالعة الخلق بالحق. لم يسبق لهم الحكم بالإقلاع، ولم تساعدهم القسمة بالارتداع. قوله جلّ ذكره: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُبَتٌ وَرَعْدٌ وَبْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِيَّ مَاذَانِم مِنَ الصََّوْعِقِ حَذّرَ الْمَوْتِ وَاللّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِينَ﴾. معنى قوله أو لإباحته ضرب مثلهم إمَّا بهذا وإما بذلك شبَّه القرآن بمطرٍ ينزل من السماء، وشبَّه ما في القرآن من الوعد والوعيد بما في المطر من الرعد والبرق، وشبه التجاءهم إلى الفرار عند سماع أصوات الرعد. كذلك الإشارة لأصحاب الغفلات إذا طرق أسماعَهم وعظُ الواعظين، أو لاحت لقلوبهم أنوار السعادة؛ ولو أقلعوا عمَّا هم فيه من الغفلة لَسَعِدُوا، لكنهم ركنوا إلى التشاغل بآمالهم الكاذبة، وأصروا على طريقتهم الفاسدة، وتعللوا بأعذار واهية، ويحلِفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم، ويسعون في الخطرِ بأيمانهم: سَتَرَ القبيحَ وأظهر الإحسانا إن الكريم إذا حباك بؤُدِّه مل الوصال وقال كان وكانا وكذا الملول إذا أراد قطيعةً قوله جلّ ذكره: ﴿يَكَدُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ . من تمام مثل المنافقين - كذلك أصحاب الغفلات - إذا حضروا مشاهد الوعظ، أو جنحت قلوبهم إلى الرقة، أو داخلهم شيء من الوهلة تَقْرُبُ أحوالهم من التوبة، وتقوى رغبتهم في الإنابة حتى إذا رجعوا إلى تدبرهم، وشاوروا إلى قرنائهم، أشار الأهل والولد عليهم بالعَوْدِ إلى دنياهم، وبسطوا فيهم لسان النصح، وهَذَّدُوهم بالضعف والعجز، فيضعف قصودُهم، وتسقط إرادتهم، وصاروا كما قيل: كَذِي الضنى عاد إلى نكسه إذا ارعوى، عاد إلى جهله وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ﴾ يعني سمع المنافقين الظاهر ٢٨ تفسير سورة البقرة وأبصارهم الظاهرة، كما أصمهم وأعماهم بالسر، فكذلك أرباب الغفلة، والقانعون من الإسلام بالظواهر - فالله تعالى قادر على سلبهم التوفيق فيما يستعملونَه من ظاهر الطاعات، كما سلبهم التحقيق فيما يستبطنونه من صفاء الحالات. قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ العبادة موافقة الأمر، وهي استفراغ الطاقة في مطالبات تحقيق الغيب، ويدخل فيه التوحيد بالقلب، والتجريد بالسر، والتفريد بالقصد، والخضوع بالنفس، والاستسلام للحكم. ويقال اعبدوه بالتجرد عن المحظورات، والتجلد في أداء الطاعات، ومقابلة الواجبات بالخشوع والاستكانة، والتجافي عن التعريج في منازل الكسل والاستهانة. قوله: ﴿لعلكم تتقون﴾: تقريب الأمر عليهم وتسهيله، ولقد وقفهم بهذه الكلمة - أعني لعلَّ - على حد الخوف والرجاء. وحقيقة التقوى التحرز والوفاء (بالطاعة)(١) عن متوعدات العقاب. قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءٍ وَأَنْزَّلَ مِنَ الشَّمَاءِ مَآء فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّعْرَتِ رِزْقًا لَّكُمّ فَلَا تَّجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . تعرَّف إليهم بذكر ما مَنَّ به عليهم من خَلْقِ السماء لهم سقفاً مرفوعاً، وإنشاء الأرض لهم فرشاً موضوعاً، وإخراج النبات لهم بالمطر رزقاً مجموعاً. ويقال أعتقهم عن مِنَّة الأمثال بما أزاح لهم من العلة فيما لا بُدَّ منه، فكافيهم السماء لهم غطاءً، والأرض وطاءً، والمباحات رزقاً، والطاعة حرفةً، والعبادة شغلاً، والذكر مؤنساً، والرب وكيلاً - فلا تجعلوا لله أنداداً، ولا تُعلِّقوا قلوبكم بالأغيار في طلب ما تحتاجون إليه؛ فإن الحق سبحانه وتعالى مُتَوَحدٌ بالإبداع، لا مُحْدِثَ سواه، فإذا توهمتم أن شيئاً من الحادثات من نفع أو ضرر، أو خيرٍ أو شر يحدث من مخلوق كان ذلك - في التحقيق شركاً . وقوله عز وجل: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن من له حاجة في نفسه لا يَضْلُحُ أن تَرفَع حاجتك إليه. وتعلّقُ المحتاج بالمحتاج، واعتماد الضعيف على الضعيف يزيد في الفقر، ولا يزيل هو أجم الضُر. (١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق وضعت استناداً إلى قول القشيري في حديثه عن التقوى بالرسالة ص ١٠٥: وحقيقة الإتقاء التحرز بطاعة الله من عقوبته. ٢٩ تفسير سورة البقرة قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَأَتَّقُواْ اَلنَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِجَارَةُ أُعِدَتْ لِلْكَفِرِينَ ﴾ . لبّس على بصائر الأجانب حتى لم يشهدوا حبيبه صلوات الله عليه، فتاهوا في أدوية الظنون لما فقدوا نور العناية، فلم يزدد الرسول عليهم إتياناً بالآيات، وإظهاراً من المعجزات إلا ازدادوا ريباً على ريب وشَكًا على شك، وهكذا سبيل من أعرض عن الحق سبحانه، لا يزيده ضياء الحجج إلا عمّى عن الحقيقة؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِ اَلْأَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وليبلغ عليهم في إلزام الحجة عرّفهم عجزهم عن معارضة ما آتاهم من معجزة القرآن الذي قهر الأنام من أولهم إلى آخرهم، وقدَّر عليهم أنهم لو تظاهروا فيما بينهم، واعتضدوا بأشكالهم، واستفرغوا كُنْه طاقتهم واحتيالهم لم يقدروا على الإتيان بسورة مثل سورة القرآن. ثم قال: ﴿فَإِن ثَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ وأخبر أنهم قطعاً لا يقدرون على ذلك ولا يفعلون فقال: ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ فكان كما قال - فانظروا لأنفسكم، واحذروا الشّرْكَ الذي يوجب لكم عقوبة النار التي من سطوتها بحيث وقودها الناس والحجارة، فإِذا كانت تلك النار التي لا تثبت لها الحجارة مع صلابتها ( )(١) فكيف يطيقها الناس مع ضعفهم، وحين أشرفت قلوب المؤمنين على غاية الإشفاق من سماع ذكر النار تداركها بحكم التثبيت فقال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ ففي ذلك بشارة للمؤمنين. وهذه سُنَّةٌ من الحق سبحانه: إذا خوَّف أعداءه بَشَر مع ذلك أولياءه. وكما أنَّ كيد الكافرين يضمحل في مقابلة معجزات الرسل عليهم السلام فكذلك دعاوى المُلْبِسين تتلاشى عند ظهور أنوار الصديقين، وأمارةُ المُبْطِل في دعواه رجوعٌ الزجر منه إلى القلوب، وعلامة الصادق في معناه وقوع القهر منه على القلوب. وعزيزٌ من فصّل وميَّز بين رجوع الزجر وبين وقوع القهر. قوله جلّ ذكره: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ أَنَّ لَمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَئِّ﴾ . هذه البشارة بالجنان تتضمن تعريفاً بنعم مؤجلة لعموم المؤمنين على الوصف الذي يُشْرَح بلسان التفسير. ويشير إلى البشارةَ للخواص بنعم مُعَجِّلة مضافة إلى تلك النعم يتيحـ (ـها) الله لهم على التخصيص، فتلك المؤجلة جنان المثوبة وهذه جنان القُربَة، وتلك رياض النزهة وهذه رياض الزُلفة(٢)، بل تلك حدائق الأفضال وهذه (١) بياض في الأصل. (٢) الزلفة: وهو ماء شرقي سميراء. ٣٠ تفسير سورة البقرة حقائق الوصال، وتلك رفع الدرجات وهذه روح المناجاة، وتلك قضية جوده، هذه الاشتعال بوجوده، وتلك راحة الأبشار وهذه نزهة الأسرار، وتلك لطف العطاء للظواهر وهذه كشف الغطاء عن السرائر، وتلك لطف نواله وأفضاله وهذه كشف جماله و جلاله . قوله جلّ ذكره: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَقَ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنتُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً وَلَهُمْ فِيهَاَ أَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ . كما أن أهل الجنة تتجدد عليهم النعم في كل وقت، فالثاني عندهم - على ما يظنون - كالأول، فإِذا ذاقوه وجدوه فوق ما تقدّم - فكذلك أهل الحقائق: أحوالهم في السرائر أبداً في الترقي، فإِذا رُقيّ أحدهم عن محلّه توهَّم أن الذي سيلقاه في هذا النَّفَس مثل ما تقدم فإِذا ذاقه وجده فوق ذلك بأضعاف، كما قال قائلهم: ما زلت أنزل من ودادك منزلاً تتحيَّرُ الألباب دون نزوله قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِىءٍ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَأَ﴾ . الاستحياء من الله تعالى بمعنى التَرْك، فإِذا وصف نفسه بأنه يستحي من شيء فمعناه أنه لا يفعل ذلك وإذا قيل لا يستحي فمعناه لا يبالي بفعل ذلك. والخَلْقُ في التحقيق - بالإضافة إلى وجود الحق - أقلّ من ذرةٍ من الهباء في الهواء، لأن هذا استهلاك محدود في محدود، فِسيَّان - في قدرته - العرش والبعوضة، فلا خُلْقٌ العرش أشق وأعسر، ولا خَلْق البعوضة أخف عليه وأيسر، فإِنه سبحانه مُتَقَدِّسٌ عن لحوق العُسْرِ والْيُسْرِ. فإذا كان الأمر بذلك الوصف، فلا يستحي أن يضرب بالبعوضة مثلاً كما لا يستحي أن يضرب بالعرش - فما دونه - مثلاً. وقيل إن جهة ضرب المثل بالبعوضة أنها إذا جاعت فَرَّت وطارت، وإذا شبعت تشققت فَتَلِفَتْ - كذلك ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْغَيُّ أَنْ رَّءَاءُ أَسْتَقْوَ﴾ [العلق: ٦]. وقيل ما فوقها يعني الذباب، وجهة الإشارة فيه إلى وقاحته، حتى أنه ليعود عند البلاغ في الذب، ولو كان ذلك في الأسد لم ينجُ منه أحد من الخَلْقِ، ولكنه لمَّا خَلَق القوة في الأسد خلق فيه تنافراً من الناس، ولما خلق الوقاحة في الذباب خلق فيه الضعف، تنبيهاً منه سبحانه على كمال حكمته، ونفاذ قدرته . قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَلْحَقُّ مِنْ زَّبِّهِمّ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. ٣١ تفسير سورة البقرة فأمّا من فتحت أبصار سرائره فلا ينظر إلى الأغيار والآثار إلا بنظر الاعتبار، ولا يزداد إلا نفاذ الاستبصار، وأمَّا الذين سكرت أبصارهم بحكم الغفلة فلا يزيدهم ضربُ الأمثال إلا زيادة الجهل والإشكال والأنكال(١). قبوله جلّ ذكره: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ. كَثِيَأْ وَمَا يُضِلُ بِهِعَ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ . هذا الكتاب لقوم شفاء ورحمة، ولآخرينٍ شقاء وفتنة. فمن تعرَّف إليه يوم الميثاق بأنوار العناية حين سمعوا قوله: ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] تذكَّروا عند ورود الواسطة - صلوات الله عليه وعلى آله - قديم عهده، وسابقَ وُدِّه فازدادوا بصيرة على بصّيرة، ومَنْ رَسَمَهُ بِذُلُ القطيعة، وأنطقه ذلك اليوم عن الحسبان والرهبة ما ازدادوا عند حصول الدعوة النبوية إلا جُحداً على جُحد، وما خفي عليهم اليوم صادق الدلالة، إلا لِمَا تقدم لهم سابقُ الضلالة. لذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ، إِلَّا الْفَسِفِينَ﴾. قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْتَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ، أَنْ يُؤْصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ . الإشارة فيه إلى حال من سلك طريق الإرادة، ثم رجع إلى ما هو عليه أهل العادة، قال بتَرْكِ نفسه ثم لم يَصْدُق حين عزم الأمر، ونزل من إشارة الحقيقة إلى رخص الشريعة(٢)، وكما أنَّ من سلك الطريق بنفسه - ما دام يبقى درهم في كيسه - فغيرُ محمودٍ رجوعُه فكذلك من قصد بقلبه - ما دام يبقى نَفَسٌ من روحه - فغير مَرْضيّ رجوعهُ : وجدوا المنية منهلا معلولا إن الأُلی ماتوا علی دین الھدی ويقطعون ما أمر الله به أن يُوصَل: وصل أسباب الحق بقطع أسباب الخَلْق، ولا يتم وصل مَالَهُ إلا بقطع ما لَكَ، فإذا كان الأمر بالعكس كان الحال بالضد. ومما أُمِرَ العبد بوصله: حفظه دِمام أهل هذه الطريقة، والإنفاق على تحصيل (١) الأنكال: القيود الشديدة (مفرده) النكل. (٢) قال القشيري في رسالته: إذا أحكم المريد بينه وبين الله تعالى عقده، فيجب أن يحصل من علم الشريعة إما بالتحقيق وإما بالسؤال عن الأئمة ما يؤدي به فرضه، وإن اختلفت عليه فتاوى الفقهاء يأخذ بالأحوط، ويقصد دائماً الخروج من الخلاف، فإن الرخص في الشريعة للمستضعفين وأصحاب الحوائج والأشغال، وهؤلاء ليس لهم شغل سوى القيام بحقه سبحانه. ولهذا قيل: إذا انحط الفقير عن درجة الحقيقة إلى رخصة الشريعة فقد فسخ عقده مع الله تعالى، ونقض عهده فيما بينه وبين الله تعالى. (الرسالة القشيرية ص ٣٨٠). ٣٢ تفسير سورة البقرة ذلك بصدق الهمم لا يبذل النّعَم، فهممهم على اتصال أسباب هذه الطريقة وانتظام أحوالها موقوفة، وقلوبهم إلى توقع الحراسة من الله تعالى لأهلها مصروفة .. وفساد هذه الطريقة في الأرض: أما مّن لهم حواشي أحوالهم، وإطراق أمورهم فيتشاغلون عن إرشادٍ مريدٍ بكلامهم، وإشحاذِ قاصدٍ بهممهم؛ وذلك مما لا يرضى به الحق سبحانه منهم . ومِنْ نَقْضِ العهد أيضاً أن يحيد سِرُّك لحظةً عن شهوده، ومِنْ قَطْع ما أُمِزْتَ بِوَصْلِهِ أن يتخلل أوقاتك نَفَسِ لحظّك دون القيام بحقه، ومِنْ فسادِكَ في الأرض ساعة تجري عليك ولم تَرَهُ فيها. أَلَّا إن ذلك هو الخسران المبين، والمحنة العظمة، والرؤية الكبرى . قوله جلّ ذكره: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . هذه كلمة تعجيب وتعظيم لما فيه العبد، أي لا ينبغي مع ظهور الآيات أن يجنح إلى الكفر قلبُه. ويقال تعرَّف إلى الخُلق بلوائح دلالاته، ولوامع آياته. فقال: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ يعني نطفة، أجزاؤها متساوية، ﴿فَأَخْيَكُمْ﴾: بَشَراً اختصّ بعض أجزاء النطفة بكونه عظماً، وبعضها بكونه لحماً، وبعضها بكونه شَغْراً، وبعضها بكونه جِداً .. إلى غير ذلك. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بأن يجعلكم عظاماً ورفاتاً، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بأن يحشركم بعدما صرتم أمواتاً، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي إلى ما سبق به حكم من السعادة والشقاوة. ويقال: ﴿كُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ بجهلكم عنّا، ثم ﴿فَأَخْيَكُمْ﴾ بمعرفتكم بنا، ((ثم يميتكم)) عن - شواهدكم، ((ثم يحييكم)) به بأن يأخذكم عنكم، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَمُونَ﴾ أي بحفظ أحكام الشرع بإجراء الحق(١). ويقال ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَتًا﴾ لبقاء نفوسكم فأحياكم بفناء نفوسكم ثم يميتكم عنكم عن شهود ذلك لئلا تلاحظوه فيفسد عليكم، ثم يحييكم بأن يأخذكم عنكم ثم إليه ترجعون بتقلبكم في قبضته سبحانه وتعالى. ويقال يحبس عليهم الأحوال؛ فلا حياة بالدوام ولا فناء بالكلية، كلّما قالوا هذه حياة - وبيناهم كذلك - إذ أدال عليهم فأفناهم، فإذا صاروا إلى الفناء أثبتهم وأبقاهم، (١) انظر هامش (١) من الصفحة ١٥. ٣٣ تفسير سورة البقرة فهم أبداً بين نفي وإثبات، وبين بقاء وفناءً، وبين صحو ومحو .. كذلك جرت سنته سبحانه معهم. قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ . سخر لهم جميع المخلوقات على معنى حصول انتفاعهم بكل شيء منها، فعلى الأرض يستقرون وتحت السماء يسكنون، وبالنجم يهتدون، وبكل مخلوق بوجه آخر ينتفعون، لا بل ما من عين وأثر فكروا فيه إلا وكمال قدرته وظهور ربوبيته به يعرفون. ويقال مَهَّدَ لهم سبيل العرفان، ونبَّهَهُم إلى ما خصَّهم به من الإحسان، ثم علمهم علوَّ الهمة حيث استخلص لنفسه أعمالهم وأحوالهم فقال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت: ٣٧]. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ اُسْتَوَ إِلَّى أَلسَّمَآءِ فَسَوَّنُهُنَّ سَبْعَ سَمَنَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ . فالأكوان بقدرته استوت، لا أن الحق سبحانه بذاته - على مخلوق - استوى، وأَنَّى بذلك! والأحدية والصمدية حقه وما توهموه من جواز التخصيص بمكان فمحال ما توهموه، إذ المكان به استوى، لا الحق سبحانه على مكانٍ بذاته استوى. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الذِّمَاءَ وَحْنُ نُسَبْحُ بِحَيْدَِكَ وَنُقَدّسُ لَكُّ قَالَ إِنِّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾. هذا ابتداء إظهار سِرّه في آدم وذريته. أَمَرَ حتى سلَّ من كل بقعة طينة ثم أمر بأن يخمر طينه أربعين صباحاً، وكل واحد من الملائكة يفضي العَجَبَ: ما حكم هذه الطينة؟ فلمَّا ركب صورته لم يكونوا رأوا مثلها في بديع الصنعة وعجيب الحكمة، فحين قال: ﴿إِنّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ﴾ تَرَجَّمَتْ الظنون، وتقسَّمت القلوب، وتجنّت الأقاويل، وكان كما قيل: عليك من الورى وقع اختياري وكم أبصرتُ من حسن ولكن ويقال إن الله سبحانه وتعالى خلق ما خلق من الأشياء ولم يَقُلْ في شأن شيء منه ما قال في حديث آدم حيث قال: ﴿إِنّ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فظاهر هذا الخطاب يشبه المشاورة لو كان من المخلوقين. والحق سبحانه وتعالى خلق الجنان بما فيها، والعرش بما هو عليه من انتظام الأجزاء وكمال الصورة، ولم يقل إني خالق عرشاً أو جنة أو مُلَكاً، وإنما قال تشريفاً وتخصيصاً لآدم إني جاعل في الأرض خليفة . فصل: ولم يكن قول الملائكة: ﴿أَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ على وجبه الاعتراض على التقدير ولكن على جهة الاستفهام، فإن حَمْلَ الخطاب على ما يُوجِب ٣٤ تفسير سورة البقرة تنزيه الملائكة أَوْلى لأنهم معصومون .. قال تعالى: ﴿لَّا يَعْصُونَ أَللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]. ويقال استخرج الحق سبحانه منهم ما استكنَّ في قلوبهم من استعظام طاعاتهم . والملاحظة إلى أفعالهم بهذا الخطاب؛ فأفصحوا عن خفايا أسرارهم بقولهم: ﴿وَغَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾. ثم إن الحق سبحانه عرَّفهم أن الفضيلة بالعلم أتمُّ من الفضيلة بالفعل، فهم كانوا أكثر فعلاً وأقدمه، وآدم كان أكثر علماً وأوفره، فظهرت فضيلته ومرتبته . ويقال لم يقل الحق سبحانه أنتم لا تفسدون فيها ولا تسفكون الدماء بل قال: ﴿ إِنّ ◌َأَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾، مِنْ غفراني لهم. ويقال: في تسبيحهم إظهارُ فعلهم واشتهار خصائصهم وفضلهم، ومن غفرانه لمعاصي بني آدم إظهار كرمه سبحانه ورحمته، والحق سبحانه غني عن طاعات كل مطيع، فلئن ظهر بتسبيحهم استحقاق تمدحهم ثبت بالغفران استحقاق تمدح الخالق سبحانه . ويقال إني أعلم ما لا تعلمون من صفاء عقائد المؤمنين منهم في محبتنا، وذكاء سرائرهم في حفظ عهودنا وإن تدنّس بالعصيان ظاهرهم، كما قيل: جاءت محاسنُه بأَلْفِ شفيع وإذا الحبيب أتى بذنب واحدٍ ويقال إني أعلم ما لا تعلمون من محبتي لهم، وأنتم تظهرون أحوالكم، وأنا أخفي عليهم أسراري فيهم، وفي معناه أنشدوا: عندي ولا ضرك مغتاب ما حطّك الواشون عن رتبة عليك عندي بالذي عابوا (١) كأنهم أثْنَوْا - ولم يعلموا - ويقال إني أعلم ما لا تعلمون من انكسار قلوبهم وإن ارتكبوا قبيح أفعالهم، وصولةً قلوبكم عند إظهار تسبيحكم وتقديسكم، فأنتم في رتبة وفاقكم وفي عصمة أفعالكم، وفي تجميل تسبيحكم، وهم مُتْكّرون عن شواهدهم، متذللون بقلوبهم، وإن الانكسار قلوب العباد عندنا لذماماً قوياً. ويقال أي خطر لتسبيحكم لولا فضلي، وأي ضرر من ذنوبهم إذا كان عفوي؟ ويقال لبّسْتُكم طاعتكم ولبستهم رحمتي، فأنتم في صدار(٢) طاعتكم وفي حُلَّةٍ (١) أبيات الشعر مضطربة صُححت قدر الإمكان. (٢) الصَّدار: ثوب بلا كُمَّين يغطى به الصدر أو هو قميص صغير يغطي الصدر. ٣٥ تفسير سورة البقرة تقديسكم وتسبيحكم، وهم في تغمد عفوي وفي ستر رحمتي ألبستهم ثوب كَرَمي، وجللتهم رداء عفوي. ويقال إن أسعدتكم عصمتي فلقد أدركتهم رحمتي. وإيصال عصمتي بكم عنده وجودكم وتعلّق رحمتي بهم في أزلي. ويقال: لئن كان مُحسِنكم عتيق العصمة فإن مجرمَهُم غريق الرحمة . ويقال: اتكالهم عليَّ زكّى أحوالهم فألجأهم إلى الاعتراف بالجهالة حتى يتبرأوا عن المعارف إلا بمقدار ما منّ به الحق عليهم فقالوا: ﴿سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَّا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَأَ﴾. قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَضَهُمْ عَلَى الْمَلَبِكَةِ فَقَالَ أَنْخُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ . عموم قوله الأسماء يقتضي الاستغراق، واقتران قوله سبحانه بكُلها يوجب الشمول والتحقيق، وكما علّمه أسماء المخلوقات كلها - على ما نطق به تفسير ابن عباس(١) وغيره - علَّمه أسماء الحق سبحانه، ولكن إنما أظهر لهم محل تخصصه في علمه أسماء المخلوقات وبذلك المقدار بأن رجحانه عليهم، فأما انفراده بمعرفة أسمائه - سبحانه - فذلك سِرِّ لم يَطَّلِع عليه مَلَكْ مُقَرَّب. ومن ليس له رتبة مساواة آدم في معرفة أسماء المخلوقات فأي طمع في مداناته في أسماء الحق، ووقوفه على أسرار الغيب؟ وإذا كان التخصيص بمعرفة أسماء المخلوقات يتقضى أن يصحَّ (به سجود) الملائكة فما الظن بالتخصيص بمعرفة أسماء الحق سبحانه؟ ما الذي يُوجَبُ لِمَنْ أُكْرِمَ به؟ ويقال خصوصية الملائكة بالتسبيح والتقديس وهذه طاعات تليق بالمخلوقين؛ فإنَّ الطاعةَ سِمَةُ العبيد ولا تتعداهم، والعلم في الجملة صفة مدح يجب في نعت الحق سبحانه واجباً لا يصحُّ لغيره، فالذي يُكْرِمهُ بما يتصف هو سبحانه (بيانه وإن كان للمساواة أتم من الكرام بما يكون مخلوقاً على جنس المخلوقات). ويقال أكرمه في السر بما علَّمه ثم بيَّن تخصيصه يوم الجهر وقدَّمه. ويقال قوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ ثم: حرف تراخ ومهلة .. إمّا على آدم؛ فإنه أمهله من الوقت ما تقرر ذلك في قلبه، وتحقق المعلوم له بحقه ثم حينئذٍ استخبره عما تحقّق به واستيقنه. وإمّا (١) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبو العباس (٣ق هـ - ٦٨هـ = ٦١٩ - ٦٨٧م) حبر الأمة الصحابي الجليل، ولد بمكة ونشأ في بدء عصر النبوة. لازم رسول الله # وروى عنه الأحاديث الصحيحة، وشهد مع علي الجمل وصفين وكف بصره آخر عمر فسكن الطائف، وتوفي بها. له في الصحيحين وغيرهما ١٦٦٠ حديثاً ويُنسب إليه كتاب في ((تفسير القرآن)». الأعلام ٥٩/٤، والإصابة ت٤٧٧٢، وصفة الصفوة ٣١٤/١، والرسالة القشيرية ص ٤٢. ٣٦ تفسير سورة البقرة على الملائكة؛ فقال لهم على وجه الوهلة: ((أنبئوني)) فلمَّا لم يتقدم لهم تعريف تحيّروا، ولمَّا تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر، ونطق وأفلح، إظهاراً لعنايته السابقة - سبحانه - بشأنه . وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ فيه إشارة إلى أنهم تَعَرَّضوا لدعوى الخصوصية، والفضيلة والمزية على آدم، فعرَّفهم أن الفضل ليس بتقديم تسبيحهم لكنه في قديم تخصيصه. ولمَّا عَلِمَ الحقُّ سبحانه تَقَاصُرَ علومهم عن معرفة أسماء المخلوقات ثم كلَّفهم الإِنباء عنها صار فيه أوضح دلالة على أنَّ الأمر أمرهُ، والحكمَ حُكمُه، فَلَهُ تكليف المستطيع، ردّاً على من تَوَهَّمَ أن أحكام الحق سبحانه مُعَلَّلَة باستحسان أرباب الغفلة بما يدعونه من قضايا العقول، لا بل له أن يلزم ما يشاء لمن يشاء، الحَسَنُ ما حكم بتحسينه والقبيح ما حكم بتقبيحه. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَمْتَنَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قدَّموا الثناء على ذكر ما اعتذروا به، ونزَّهوا حقيقة حُكْمِه عن أن يكون يَعرِض وهم المعترضون، يعني لا علم لنا بما سألتنا عنه، ولا يتوجَّه عليكَ لوم في تكليف العاجز بما علمتَ أنه غير مستطيع له، إنك أنت العليم الحكيم أي ما تفعله فهو حقٌّ صِدْقٌ ليس لأحد عليكَ حكمٌ، ولا منك سَفّةٌ وقبح. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ يَكَادَمُ أَنْبِهُمْ بِأَسْمَيِّ فَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَنْمَّيْهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُمْ تَكْتُونَ﴾ . من آثار العناية بآدم عليه السلام أنَّه لمَّا قال للملائكة: ((أنبئوني» دَاخَلَهُم من هيبة الخطاب ما أخذهم عنهم، لا سيما حين طالَبَهم بإنبائهم إياه ما لم تُحِطُ به علومهم. ولما كان حديث آدم عليه السلام ردَّه في الإنباء إليهم فقال: ﴿أَنْبِهُم بِأَنَِّمّ﴾ ومخاطبة آدم عليه السلام الملائكة لم يوجب له الاستغراق في الهيبة. فلما أخبرهم آدم عليه السلام بأسماء ما تقاصرت عنها علومهم ظهرت فضيلته عليهم فقال: ﴿أَلَمْ أَقُّل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ اٌلَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني ما تقاصرت عنه علوم الخَلْق، وأعلم ما تبدون من الطاعات، وتكتمون من اعتقاد الخيرية على آدم عليه السلام والصلاة. فصل: ولمَّا أراد الحق سبحانه أن يُنَجِيَ آدَمَ عصمهِ، وعلَّمه، وأظهر عليه آثار الرعاية حتى أخبر بما أخبر به، وحين أراد إمضاء حكمه فيه أدخل عليه النسيان حتى نَسِيَ في الحضرة عهده، وجاوز حدَّه، فقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنًا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] فالوقت الذي ساعدته العناية تقدم على الجملة بالعلم والإِحسان، والوقت الذي أمضى عليه الحكم ردّه إلى حال النسيان والعصيان، ٣٧ تفسير سورة البقرة كذا أحكام الحق سبحانه فيما تجري وتمضي، ذلَّ بحكمه العبيد، وهو فعَّال لما يريد. فصل: ولمَّا توهموا حصول تفضيلهم بتسبيحهم وتقديسهم عرَّفهم أن بساط العز مقدس عن التجمل بطاعة مطيع أو التدنس بزلة جاحد عنيد، فَرَدُّهم إلى السجود لآدم أَظهِرَ الغَنَاء عن كل وفاق وخلاف . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ اُلْكَفِينَ﴾ . السجود لا يكون عبادة لِعَيْنِهِ ولكن لموافقة أمره سبحانه، فكأن سجودهم لآدم عبادةٌ لله؛ لأنه كان بأمره، وتعظيماً لآدم لأنه أمرهم به تشريفاً لشأنه، فكأن ذلك النوع خضوعٌ له ولكن لا يسمى عبادة، لأن حقيقة العبادة نهاية الخضوع وذلك لا يصحُ لغيره سبحانه . ويقال بَيَّن أن تقدُّسَه - سبحانه - بجلاله لا بأفعالهم، وأن التَجمُّلَ بتقديسهم وتسبيحهم عائدٌ إليهم، فهو الذي يجل من أَجَلَّه بإجلاله لا بأفعالهم، ويعز من أعزّ قدره سبحانه بإعزازه، جَلَّ عن إجلال الخلق قدْرُه، وعزّ عن إعزاز الخَلْقِ ذِكْرُه . قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْليسَ﴾ أبى بقلبه، واستكبر عن السجود بنفسه، وكان من الكافرين في سابق حكمه وعلمه. ولقد كان إبليس مدةً في دلال طاعته بختال في صدار موافقته، سلَّموا له رتبة التقدم، واعتقدوا فيه استحقاق التخصيص، فصار أمره كما قيل : وكان سراج الموصل أزهر بيننا فهبَّت به ريحٌ من البيْن فانطفا كان يحسب لنفسه استيجاب الخيرية، ويحسب استحقاق الزلفة والخصوصية : فيات بخير والدني مطمئنة وأصبح يوماً والزمان تقلبا فلا سالِفَ طاعةٍ نَفَعَه، ولا آنِفَ رجعةٍ رفعه، ولا شفاعةَ شفيعٍ أدركته، ولا سابقَ عنايةٍ أَمْسكته. ومن غَلَبَه القضاء لا ينفعه العناء. ولقد حصلت من آدم هفوة بشرية، فتداركتة رحمة أحدية، وأما إبليس فأدركته شقوة أزلية، وغلبته قسمة وقضية. خاب رجاؤه، وضلَّ عناؤه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُلْتَا يَدَمُ أَشْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ اْلَّلِينَ﴾ . أَسْكَنَه الجنةَ ولكن أثبت مع دخوله شجرة المحنة، ولولا سابق التقدير لكان ٣٨ تفسير سورة البقرة . يبدل تلك الشجرة بالنضارة ذبولاً، وبالخضرة يبساً، وبالوجود فقدا، وكانت لا تصل يد آدم إلى الأوراق ليخصفها على نفسه - ويقع منه ما يقع. ولو تطاولت تلك الشجرة حتى كانت لا تصل إليها يده حين مدَّها لم يقع في شأنه كل ذلك التشويش ولكن بدا من التقدير ما سبق به الحكم. ولا مكانَ أفضل من الجنة، ولا بَشَرَ أكيس من آدم، ولا ناصح يقابل قولة إشارة الحق عليه، ولا غريبة (منه) قبل ارتكابه ما ارتكب، ولا عزيمة أشد من عزيمته - ولكنَّ القدرةَ لا تُكابَرَ، والحُكْمَ لا يُعارض. ويقال لما قال له: ﴿أَشْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ كان فيه إشارة إلى أن الذي يليق بالخَلْقِ السكون إلى الخَلْق، والقيام باستجلاب الحظ، وآدم عليه السلام وَحْدَه كان بكل خير وكل عافية، فلمَّا جاء الشكلُ والزوجُ ظهرت أنياب الفتنة، وانفتح باب المحنة؛ فحين سَاكَنَ حواء أطاعها فيما أشارت عليه بالأكل، فوقع فيما وقع، ولقد قيل : صبوةٌ إنسان بإنسان داءٌ قديمٌ في بني آدم فصل: وكلُّ ما منع منه ابن آدم توفرت دواعيه إلى الاقتراب منه. فهذا آدم عليه السلام أبيحت له الجنة بجملتها ونُهِيَ عن شجرة واحدة، فليس في المنقول أنه مدَّ يده إلى شيء من جملة ما أبيح، وكان عِيلَ صبره حتى واقع ما نُهِيَ عنه - هكذا صفة الخَلْقِ. فصل: وإنما نبَّه على عاقبة دخول آدم الجنة من ارتكابه ما يوجب خروجه منها حين قال: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِ اٌلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فإذا أخبر أنه جاعله خليفته في الأرض كيف يمكن بقاؤه في الجنة؟ ويقال أصبح آدم عليه السلام محمود الملائكة، مسجود الكافة، على رأسه تاج الوصلة، وعلى وسطه نطاق القُرَبة، وفي جيده ( ... )(١) الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة، ولا شخص مثله في الرفعة، يتوالى عليه النداء في كل لحظة يا آدم يا آدم. فلم يُمْسِ حتى نُزِعَ عنه لباسهُ، وسُلِبَ استئناسه، والملائكة يدفعونه بعنف أن اخرجْ بغير مُكْثٍ: وأَمِنْتُهُ فأتاح لي من مَأْمني مكراً، كذا من يأمن الأحبابا ولمّا تاه آدم عليه السلام في مِشيته لم يلبث إلا ساعة حتى خرج بألف ألف عتاب، وكان كما قيل : لله دَرُّهُمُ من فِتْيةٍ بَكرُوا مثلَ الملوكِ وراحوا كالمساكين (١) بياض في الأصل. ٣٩ تفسير سورة البقرة فصل: نهاه عن قرب الشجرة بأمره، وألقاه فيما نهاه عنه بقهره، ولبَّس عليه ما أخفاه فیه من سِرِه. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَزَّلَهُمَا الشَّيْطِنُ عَنْهَا فَأَخَجَهُمَا مِنَا كَنَا فِيهِ﴾ . أزلَّهما أي حَمَلَهما على الزَّلة، وفي التحقيق: ما صَرَّفَتْهُما إلا القدرة، وما كان تقلبهما إلا في القضية، أخرجهما عما كانا فيه من الرتبة والدرجة جهراً، ولكن ما ازداد ـ في حكم الحق سبحانه - شأنُهما إلا رفعةً وقدراً. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُلْنَا أَهْرِطُواْ بَعْضُكُمْ ◌َِعْضٍ عَدُوٌّ﴾ . أوقع العداوة بينهما وبين الشيطان، ولكن كان سبحانه مع آدم (وحرب وهو معهم محالهم بالظفر). فصل: لم يكن للشيطان من الخطر ما يكون لعداوته إثبات، فإن خصوصية الحق سبحانه عزيزة قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَئِسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]. فصل: لو كان لإبليس سلطان على غواية غيره لكان له إمكانٌ في هداية نفسه، وكيف يكون ذلك؟ والتفرد بالإبداع لكل شيء من خصائص نعته سبحانه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَكُمْ فِ اْأَرْضِ مُسْنَقَرٌ وَمَتَهُ إِلَ حٍِ﴾ . مشهد الأشباح ومألفها أقطار الأرض، ومعهد الأرواح ومرتعها رداء العرش، ولفظ الرداء استعارة وتوسع فكيف يكون للهمم بالحِذثان تَعَلَّق، ولصعود القصود إلى الحقائق على الأغيار وقوع . قوله جلّ ذكره: ﴿فَلََّ ءَادَمُ مِنْ زَيِّهِ، كَلِمَةٍ فَذَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النَّبُ الرَّحِيمُ﴾. جرت على لسان آدم مع الحق - سبحانه - كلماتٌ، وأسمع الحقُّ - سبحانه - أَدَمَ كلماتٍ، وأنشدوا : وإذا خِفْنا من الرقباء عينا تكلمت السرائر في القلوب وأجمل الحقُّ سبحانه القولَ في ذلك إجمالاً ليُبْقي القصة مستورة، أو ليكون للاحتمال والظنون مساغ، ولما يحتمله الحال من التأويل مطرح (١). ويحتمل أن تكون كلمات آدم عليه السلام اعتذاراً وتنصلا، وكلمات الحق سبحانه قبولاً وتفضلاً. وعلى لسان التفسير أن فوله تعالى له: أفراراً منا يا آدم؟ كذلك قوله عليه السلام: ﴿رَبَّنَا طَلَتْنَآَ أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣٠] وقوله: أمخرجي أنت من الجنة؟ فقال: نعم، فقال أتردني إليها؟ فقال: نعم. ." (١) المطرح: الموضع يطرح فيه شيء. ٤٠ تفسير سورة البقرة ويقال حين أمر بخروجه من الجنة جعل ما أسمعه إياه من عزيز خطابه زاداً، لیکون له تذكرة وعتاداً: وأذكر ايام الحمى ثم انْثَني على على كبدي من خشية أن تَقطَّعا ومخاطبات الأحباب لا تحتمل الشرح، ولا يحيط الأجانب بها علماً، وعلى طريق الإشارة لا على معنى التفسير والتأويل، والحكم على الغيب بأنه كان كذلك وأراد به الحق سبحانه ذلك يحتمل في حال الأحباب عند المفارقة، وأوقات الوداع أن يقال إذا خرجت من عندي فلا تنسَ عهدي، وإن تَقَاصَر عنك يوماً خبري فإياك أن تؤثر عليّ غيري، ومن المحتمل أيضاً أن يقال إن فاتني وصولك فلا يتأخّرَنَّ عني رسولُك. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْنَا أَهْرِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِى هُدَى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . سوء الأدب على البساط يوجب الرد إلى الباب، فلما أساء آدم عليه السلام الأدب في عين القربة قال الله تعالى: ﴿أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْتَغَرٌ﴾ بعد أن كان لكم في محل القربة قرار ومتاع إلى حين، يستمتعون يسيراً ولكن (في) آخرهم يعودون إلى الفقر، وأنشدوا: إذا افتقروا عادوا إلى الفقر حسبة وإن أيسروا عادوا سراعاً إلى الفقر وحين أخرجه من الجنة وأنزله إلى الأرض بَشَّره بأنه يردّه إلى حاله لو جنح بقلبه إلى الرجوع فقال: ﴿فَإِنَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّ هُدَى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِقَايَتِنَّا أُوْلَكَ أَضْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ . والذين قابلوا النعمة بغير الشكر، وغفلوا عن التصديق والتحقيق فلهم عذاب أليم مؤجل، وفراق معجَّل. قوله جلّ ذكره: ﴿يَبَفِىّ إِسْرَّهِلَ أَذْكُرُوا نِعْمَتِىَ أَلَِّى أَنْتُ عَلَيْكُمْ﴾ . حقيقة النعمة على لسان العلماء لذة خالصة عن الشوائب، وما يوجب مثلها فهي أيضاً عندهم نعمة، وعند أهل الحقيقة النعمة ما أشهدك المُنْعم أو ما ذكرَّك بالمنعم أو ما أوصلك إلى المنعم أو ما لم يحجبك عن المنعم. :