Indexed OCR Text

Pages 1-20

٦
تَفْسَيْرُ الْقُشِيْرِى
المسَتّى
لطَائِفْ الإِشَارات
تأليفهُ
الإِمَّامُبِّ الْقَاسِعَبْ الكريم بُ ◌َوازنُ بنُ عَبدُ الملكُ
القشيريِ النَّسَابِوُِ الشَّافِعِى
المتوفى ٤٦٥ منه
وضعَ حَوَاشِيُهُ وَعَلّقْ عَلَيْه
عَبْدُاللّطيفٌ حَسَ عَبد الرحمن
الجزُ الأوّل
المُحْتَوى:
أُوّل سُورةِ الفَاتحة - آخِرِسُورة التّبة
DKD
دار الكتب العلمية
أسسها محمد علي بيضون سنة 1971
بيروت - لبنان

دار الكتب العلمية
أسسها محمد علي بيضون سنة 1971
C
بيروت - لبنان
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
OKI
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطبا.
Exclusive rights by @
Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be translated,
reproduced, distributed in any form or by any means,
or stored in a data base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Tous droits exclusivement réservés à C
Dar Al-Kotob Al-limiyah Beyrouth - Liban
Toute représentation, édition, traduction ou reproduction
même partielle, par tous procédés, en tous pays, faite
sans autorisation préalable signée par l'éditeur est illicite
et exposerait le contrevenant à des poursuites
judiciaires.
الطبعة الثانية
٢٠٠٧ م - ١٤٢٨ هـ
دار الكتب العلمية
أسسها محمد علي بيضون سنة 1971
بيروت - لبنان
Mohammad Ali Baydoun Publications Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
عرمون ، القبة
مبنى دار الكتب العلمية
هاتف: ٨١٠/١١/١٢ ٥٨٠٤ ٩٦١+
فاكس: ٨١٣ ٨٠٤ ٥ ٩٦١ +
ص.ب: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
رياض الصلح - بيروت ٢٢٩٠ ١١٠٧
Aramoun, al-Quebbah,
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg.
Tel : +961 5 804 810/11/12
Fax:+961 5 804813
P.o.Box: 11-9424 Beirut-lebanon
Riyad al-Soloh Beirut 1107 2290
http://www.al-ilmiyah.com
sales @al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com
ISBN 2-7451-2837-X (10 dig)
ISBN 978 -2-7451-2837-9 (13 dig)
90000
- --
-- -
9 782745 128379"
Title: Tafsir al-Qušayri
“Lațā'f al-'išārāt"
(The exegesis of the Holy coran)
classification: Exegesis of the coran
Author: Abdul-Karīm ben Hawazin al-Qušayri
Editor: Abdul-Lațif Hasan Abdul-Rahman
Publisher: Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Pages: 1408 (3volumes)
Year: 2007
Printed in: Lebanon
Edition: 2°
الكتاب: تفسير القشيري
المسمى : لطائف الإشارات
التصنيف: تفسير قرآن
المؤلف: الإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري
المحقق: عبد اللطيف حسن عبد الرحمن
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
عدد الصفحات: 1408 (3 أجزاء)
سنة الطباعة: 2007
بلد الطباعة: لبنان
الطبعة: الثانية

rtt v:
ترجمة المؤلف
هو الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن
طلحة بن محمد الاستوائي القشيري النيسابوري الشافعي، المحدّث
الصوفي. ولد سنة ٣٧٦هـ في شهر ربيع الأول في بلدة ((إستوا)) ونسبته
((القشيري)) إلى بني قشير بن كعب.
توفي أبوه وهو صغير، فرُبِّي يتيماً؛ ولكن النجابة ظهرت فيه من
صغره؛ فتثقف بالأدب والعربية، ولكنه لم يكن يعلم الحساب فذهب إلى
(نيسابور)) ليتعلم طرفاً من الحساب، حتى يتمكن من إدارة قرية له
بإستوا. وأرادت المقادير، أن يحضر درس أبي عليَّ الدقاق، فيرى
إخلاصاً ويرى تقوى، ويرى نوراً يرتسم على وجهه، ويشرق من كلماته
فينير قلوب السامعين ويجذبهم إلى الله. وكانت فطرة القشيري النقية على
استعداد تام لسلوك الطريق، ورأى الإمام أبو علي الدقّاق فيه النجابة،
فقبله في زمرة أخصائه، وزوجه ابنته، مع كثرة أقاربها .
وانتهى الأمر بالقشيري إلى أن أصبح - كما يقول عنه الإمام عبد
الغافر النيسابوري - «الإمام مطلقاً، الفقيه، المتكلم، الأصولي، المفسر،
الأديب، النحوي، الكاتب الشاعر، لسان عصره وسيد وقته، وسر الله
بين خلقه، مدار الحقيقة، وعين السعادة، وقطب السيادة، من جمع بين
الشريعة والحقيقة، كان يعرف الأصول على مذهب الأشعري والفروع
على مذهب الشافعي .. )).
ولقد ترجم له صاحب كتاب: ((دمية القصر)) أبو الحسن الباخرزي
فقال :
((جامع لأنواع المحاسن تنقاد له صعابها ذلل المراسن، فلو قرع
الصخر بصوت تحذيره لذاب، ولو ارتبط إبليس في مجلس تذكيره
لتاب، وله فصل الخطاب في فصل المنطق المستطاب، ماهر في التكلم
على مذهب الأشعري، خارج في إحاطته بالعلوم عن الحد البشري،
٣

٤
- ترجمة المؤلف
كلماته للمستفيدين فوائد وفرائد، وأعقاب منبره للعارفين وسائد. ثم إذا
عقد بين مشايخ الصوفية حَبْوَته، ورأوا قربته من الحق وحظوته، تضاءلوا
بين يديه، وتلاشوا بالإضافة إليه، وطواهم بساطه في حواشيه، وانقسموا
بين النظر والتفكير فيه. وله شعر يتوِّج به رؤوس معاليه، إذا ختمت به
أذناب أماليه)).
وقد توفي الإمام القشيري صبيحة يوم الأحد في السادس عشر من
شهر ربيع الأول عام ٤٦٥ هـ، بمدينة نيسابور، ودفن بجوار شيخه أبي
علي الدقّاق.
ومن تصانيفه التي ذكرها إسماعيل باشا البغدادي في هدية
العارفين :
- أربعون في الحديث.
- استفاضة المرادات .
- بلغة المقاصد.
- التخيير في علم التذكير في معاني اسم الله تعالى.
- التيسير في علم التفسير.
- عيون الأجوبة في فنون الأسئلة.
- الفصول في الأصول.
- كتاب المعراج.
- لطائف الإشارات في تفسير القرآن. وهو الكتاب الذي بين
أيدينا .
- المنتهى في نكت أولي النُّهَى.
- ناسخ الحديث ومنسوخه .
- نحو القلوب.
- حياة الأرواح والدليل إلى طريق الصلاح.
- شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة.
منثور الخطاب في شهود الألباب.

رَبِّ يَسُرْ
الحمد لله الذي شرح قلوب أوليائه بعرفانه، وأوضح نهج الحق
بلائح برهانه، لمن أراد طريقه، وأتاح البصيرة لمن ابتغى تحقيقه، وأنزل
الفرقان هدىً وتبياناً، على صفيّه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله -
معجزة وبياناً، وأودع صدور العلماء معرفته وتأويله، وأكرمهم بعلم
قصصه ونزوله ورزقهم الإيمان بمُحكَمِه ومتشابهه وناسخه، ووعده
ووعيده، وأكرم الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره
وأن (واره) لاستبصار ما ضمنَّه من دقيق إشاراته، وخفّي رموزه، بما
لوَّح لأسرارهم من مكنونات، فوقفوا بما خُصُّوا به من أنوار الغيب على
ما استتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم، والحق سبحانه
وتعالى يلهمهم بما به يكرمهم، فهم به عنه ناطقون وعن لطائفه مخبرون
وإليه يشيرون، وعنه يفصحون، والحُكْمُ إليه في جميع ما يأتون به
ويذرون .
قال الإمام جمال الإسلام أبو القاسم القشيري رحمه الله: وكتابنا
هذا يأتي على ذكر طرف من إشارات القرآن على لسان أهل المعرفة، إما
من معاني مقولهم، أو قضايا أصولهم، سلكنا فيه طريق الإقلا (ل) خشية
الملال، مستمدين من الله تعالى عوائد المِنَّة، متبرئين من الحول
والمنة (١) مستعصمين من الخطأ والخلل، مستوفقين لأصوب القول
والعمل، ملتمسين أن يصلى على سيدنا محمد صلى الله عليه و (سلْم)،
ليختم لنا بالحسنى بمنُّه وأفضاله. وتيسّر الأخذ في ابتداء هذا الكتاب في
شهور سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وعلى الله إتمامه إن شاء الله تعالى عز
وجلَّ.
(١) المُنَّة: القوة. جمع مُئن.

سورة فاتحة الكتاب
هذه السورة بدا (ية) الكتاب، ومفاتحة الأحباب بالخطاب والكتاب منه أجلُ
النُّعمى، وأُكْرَمُ الحسنى إذ هي ( ... )(١) وابتداء وفى معناه قيل:
أفديك بل أيام دهري كلها
تفدين أياماً ( ..... )(١)
ما كان قلبي للصبابة معهدا
شقياً لمعهدك الذي لو لم يكن
ولقد كان ** غير مُرتقِبٍ لهذا الشأن، وما كان هذا الحديث منه على بال،
وحينما نزل عليه جبريل صلوات الله عليه وسلامه أخذ في الفرار، وآثر التباعد لهذا
الأمر آوى ( ... )(١) قائلاً: ((دثروني دثروني، زملوني زمِّلوني))(٢) وكان يتحثَّث في
جِراء(٣)، ويخلو هنالك ( .... )(٤) فجأة، وصادفته القصة بغتةً كما قيل:
فصادف قلبي فارغاً فتمگَّنا
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
وكان صلوات الله عليه وسلم رَضِيَ بأن يقال له أجير خديجة ولكن (الحق سبحانه
وتعالى أراده لأن)(٥) يكون سيد الأولين والآخرين حيث قال: ﴿يَسّ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ﴾
[يس: ٢] (رفعه إلى) أشرف المنازل وإن لم يسم إليه بطرف التأميل سُنَّة منه تعالى وتقدس
( ... )(٦) إلا عند من تقاصرت الأوهام عن استحقاقه، ولذلك ما قصُّوا العَجَب من شأنه
( ... )(٦) يتيم أبي طالب من بين البريّة، ولقد كان صلوات الله عليه وسلم في سابق
(علمه) سبحانه وتعالى مُقدّماً على الكافة من أشكاله وأضرابه، وفي معناه قيل :
وكان في فقر من السيار
هـذا ( ... ) أطمار
(١) بياض في الأصل.
(٢) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٣٧٧/٣)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٣٥٥٢٨) والطبري
في (التاريخ ٣٠٤/٢)، وابن أبي شيبة في (المصنف ٧٤/٣/١٤)، وابن حجر في (الكاف الشاف
في تخريج أحاديث الكشاف ١٧٩).
(٣) تحثّث: تعبد ليالي كثيرة. حِراء: جبل بمكة يسمى جبل النور وفيه غار تعبد فيه النبي ول# قبيل البعثة
(ینون ولا ینون).
(٥) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.
(٤) بياض في الأصل.
(٦) بياض في الأصل .
٧

٨
تفسير سورة الفاتحة
من أخي ومن جاري
آثر عندي (بما لإكبار)
فإن صاحب الأمر مع الإكثار (١)
وصاحب الدرهم (والدينار)
ولقد كان ◌َّلية قبل النبوة حميد الشأن، (محمود) الذكر، ممدوح الاسم، أميناً
لكل واحد. وكانوا يسمونه محمداً الأمين، ولكن (الكافرين) ( ... )(٢) حالته، بدلوا
اسمه، وحرَّفوا وصفه، وهجَّنوا ذكره، فواحد كان يقول ساحر وآخر يقول ( ... )(٢)
وثالث یقول كاذب، ورابع يقول شاعر:
أشاعوا لنا في الحي أشنع قصة
وكانوا لنا سلماً فصاروا لنا حربا .
وهكذا صفة المُحِبِّ، لا ينفك عن الملام ولكن كما قيل:
حباً لذكرك فليلمني اللّوَمُ
أجد الملامة في هواك لذيذة
وماذا عليه من قبيح قالة (من) يقول، (والحق سبحانه يقول): ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ
يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَيِحْ بِحَمْدٍ رَيْكَ﴾ [الحجر: ٩٧] أي استمع إلى ما يقال فيك
بحسن الثناء علينا .
فصل: وتسمى هذه السورة أيضاً أم الكتاب، وأم الشيء أصله، وإمام كل شيء
مقدّمه. وهذه السورة لما تشتمل عليه من الأمر بالعبودية، والثناء على الله بجمال الربوبية،
ثم كمالها من الفضائل - لا تصح الفرائض إلا بها. وقوله وَلقر مخبراً عنه سبحانه وتعالى:
((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين))(٣) يعني قراءة هذه السورة، فصارت أمّ الكتاب،
وأصلاً لما تنبني عليه من لطائف الكرامات وبدائع التقريب والإيجاب.
قوله جل ذكره: ﴿نِسْمِ أَقَّهِ الََِّ الرَّجَمَةِ﴾.
الباء في بسم الله حرف التضمين؛ أي بالله ظهرت الحادثات، وبه وجدت
المخلوقات، فما من حادث مخلوق، وحاصل منسوق، من عين وأثر وغبر، وغيرٍ من
حجر ومدر، ونجم وشجر، ورسم وطلل، وحكم وعلل - إلا بالحق وجوده، والحق
مَلِكُه، ومن الحق بدؤه، وإلى الحق عوده، فبه وَجَدَ من وَحَّد، وبه جحد من الحد،
وبه عرف من اعترف، وبه تخلّف من اقترف.
(١) أبيات الشعر مضطربة بالأصل فأضيفت الكلمات التي بين الأقواس ليستقيم الوزن والمعنى بعض الشيء.
(٢) بياض في الأصل.
(٣) أخرجه الترمذي في (السنن ٢٩٥٣)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٣٧/٢، ٣٨، ٣٩، ٣٧٥)
والحميدي في (المسند ٩٧٣)، والربيع بن حبيب في (المسند ٤٦/١)، والمنذري في (الترغيب
والترهيب ٣٦٧/٢)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٣/ ١٥٠، ١٥١ - ١٨٤)، وابن عبد البر
في (التمهيد ٢٣٠/٢)، وابن الجوزي في (زاد المسير ٤١٣/٤)، والبيهقي في (الأسماء والصفات
٤٩، ٢١١) والسهمي في (تاريخ جرجان ١٨٥).

٩
تفسير سورة الفاتحة
وقال: ﴿بسم الله﴾ ولم يقل بالله على وجه التبرك بذكر اسمه عند قوم، وللفَرْقِ
بين هذا وبين القَسَم عند الآخرين، ولأن الاسم هو المسمى عند العلماء، ولاستصفاء
القلوب من العلائق ولاستخلاص الأسرار عن العوائق عند أهل العرفان، ليكون ورود
قوله ﴿الله﴾ على قلبٍ مُنقَّىَ وسرٍ مُصَفَّىَ. وقوم عند ذكر هذه الآية يتذكرون من الباء
(بره) بأوليائه ومن السين سره مع أصفيائه ومن الميم منته على أهل ولايته، فيعلمون
أنهم ببره عرفوا سرّه، وبمنته عليهم حفظوا أمره، وبه سبحانه وتعالى عرفوا قدره.
وقوم عند سماع بسم الله تذكروا بالباء براءة الله سبحانه وتعالى من كل سوء، وبالسين
سلامته سبحانه عن كل عيب، وبالميم مجده سبحانه بعز وصفه، وآخرون يذكرون
عند الباء بهاءه، وعند السين سناءه، وعند الميم ملكه، فلما أعاد الله سبحانه وتعالى
هذه الآية أعني بسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة وثبت أنها منها أردنا أن نذكر في
كل سورة من إشارات هذه الآية كلمات غير مكررة، وإشارات غير معادة، فلذلك
نستقصي القول ها هنا وبه الثقة.
قوله جل ذكره: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .
حقيقة الحمد الثناء على المحمود، بذكر نعوته الجليلة وأفعاله الجميلة، واللام
ها هنا للجنس، ومقتضاها الاستغراق؛ فجميع المحامد لله سبحانه إمّا وصفاً وإمَّا
خلقاً، فله الحمد لظهور سلطانه، وله الشكر لوفور إحسانه. والحمد لله لاستحقاقه
لجلاله وجماله، والشكر لله لجزيل نواله وعزيز أفضاله، فحمده سبحانه له هو من
صفات كماله وخَوْله، وحمد الخَلْق له على إنعامه وطولِه، وجلاله وجماله استحقاقه
لصفاتا لعلو، واستيجابه لنعوت العز والسمو، فله الوجود (قدرة)(١) القديم، وله الجود
الكريم، وله الثبوت الأحدي، والكون الصمدي، والبقاء الأزلي، والبهاء الأبدي،
والثناء الديمومي، وله السمع والبصر، والقضاء والقدر، والكلام والقول، والعزة
والطول، والرحمة والجود، والعين والوجه والجمال، والقدرة والجلال، وهو الواحد
المتعال، كبرياؤه رداؤه، وعلاؤه سناؤه، ومجده عزه، وكونه ذاته، وأزله أبده، وقدمه
سرمده، وحقه يقينه، وثبوته عينه، ودوامه بقاؤه، وقدره قضاؤه، وجلاله جماله،
ونهيه أمره، وغضبه رحمته، وإرادته مشيئته، وهو الملك بجبروته، والأحد في
ملكوته. تبارك الله سبحانه !! فسبحانه ما أعظم شأنه!
فصل: عَلمَ الحق سبحانه وتعالى شدة إرادة أوليائه بحمده وثنائه، وعجزَهم عن
القيام بحق مدحه على مقتضى عزه وسنائه فأخبرهم أنه حَمِد نفسه بما افتتح به خطابه
بقوله: ((الحمد لله) فانتعشوا بعد الذِّلة، وعاشوا بعد الخمود، واستقلت أسرارهم
(١) بياض في الأصل.

١٠
تفسير سورة الفاتحة
لكمال التعزز حيث سمعوا ثناء الحق عن الحق بخطاب الحق، فنطقوا ببيان الرمز على
قضية الأشكال. وقالوا:
ولعينها من عينها كحل
ولوجهها من وجهها قمر
هذا خطيب الأولين والآخرين، سيد الفصحاء، وإمام البلغاء، لمَّا سمع حمده
لنفسه، ومدحه سبحانه لحقُه، علم النبي أن تقاصر اللسان أليق به في هذه الحالة
فقال: ((لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك))(١).
لما ترنّم بالألحان داود
داود لو سمعت أذناه قالتها
ألحان داوذ من الخجل
غنت سعاد بصوتها فتخاذلت
فصل: وتتفاوت طبقات الحامدين لتباينهم في أحوالهم؛ فطائفة حمدوه على ما
نالوا من إنعامه وإكرامه من نوعي صفة نفعِه ودفعِه، وإزاحته وإتاحته، وما عقلوا عنه
من إحسانه بهم أكثره ما عرفوا من أفضاله معهم قال جل ذكره: ﴿وَإِن تَعُذُوا نِعْمَتَ اللهِ
لَا تُحْصُوهَاً﴾ [النحل: ١٨]، وطائفة حمدوه على ما لاح لقلوبهم من عجائب لطائفه،
وأودع سرائرهم من مكنونات بره، وكاشف أسرارهم به من خفي غيبه، وأفرد
أرواحهم به من بواده مواجده. وقوم حمدوه عند شهود ما كاشفهم به من صفات
القدم، ولم يردوا من ملاحظة العز والكرم إلى تصفح أقسام النعم، وتأمل خصائص
القِسّم، و(فرق بين) من يمدحه بعز جلاله وبين من يشكره على وجود أفضاله، كما
قال قائلهم:
ولكننا جئنا بلقياك نسعد
وما الفقر عن أرض العشيرة ساقنا
وقوم حمدوه مُسْتَهْلَكين عنهم فيما استنطقوا من عبارات تحميده، بما اصطلم
أسرارهم من حقائق توحيده، فهم به منه يعبِّرون، ومنه إليه يشيرون، يُجري عليهم
أحكام التصريف، وظواهرهم بنعت التفرقة مرعية، وأسرارهم مأخوذة بحكم جمع (٢)
الجمع، كما قالوا :
وكل معاني الغيب أنت لسانه
بيان بيان الحق أنت بيانه
(١) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٥٨/٦)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٧١/٢).
(٢) جاءت في الأصل (جميع الجمع) لكن القشيري قال في رسالته: بأن الاصطلاح الصوفي جمع
الجمع وهو درجة فوق الجمع ويختلف الناس في هذه الجملة حسب تباين أحوالهم وتفاوت
درجاتهم، فمن أثبت نفسه أثبت الخلق، ولكن شاهد الكل كان قائماً بالحق، فهذا هو جمع، وإذا
كان مختطفاً عن شهود الخلق مصطلحاً عن نفسه، مأخوذاً بالكلية عن الإحساس بكل ما ظهر
واستولى من سلطان الحقيقة فذاك جمع الجمع، وجمع الجمع الاستهلاك بالكلية، وفناء الإحساس
بما سوى الله عز وجل عند غلبات الحقيقة. (الرسالة القشيرية ص ٦٥، ٦٦).

١١
تفسير سورة الفاتحة
﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ
قوله جل ذكره :
الرب هو السيد، والعالمون جميع المخلوقات، واختصاص هذا الجمع بلفظ
العالمين لاشتماله على العقلاء والجمادات فهو مالك الأعيان ومُنشيها، ومُوجِد الرسوم
والدیار بما فيها .
ويدل اسم الرب أيضاً على تربية الخلق، فهو مُربٍ نفوس العابدين بالتأييد
ومربٍ قلوب الطالبين بالتسديد، ومرب أرواح العارفين بالتوحيد، وهو مربٍ الأشباح
بوجود النّعم، ومربِ الأرواح بشهود الكرم.
ويدل اسم الرب أيضاً على إصلاحه لأمور عباده من ربيت العديم أربه؛ فهو
مصلح أمور الزاهدين بجميل رعايته، ومصلح أمور العابدين بحسن كفايته، ومصلح
أمور الواجدين بقديم عنايته، أصلح أمور قوم فاستغنوا بعطائه، وأصلح أمور آخرين
فاشتاقوا للقائه، وثالث أصلح أمورهم فاستقاموا للقائه، قال قائلهم:
فلا أبالي أعاش الناس أم فقدوا
ما دام عزُّك مسعوداً طوالعه
قوله جل ذكره: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمة صفة أزلية وهي إرادة النعمة وهما اسمان
موضوعان للمبالغة ولا فضل بينهما عند أهل التحقيق.
وقيل الرحمن أشد مبالغة وأتم في الإفادة، وغير الحق سبحانه لا يسمى
بالرحمن على الإطلاق، والرحيم ينعت به غيره، وبرحمته عرف العبد أنه الرحمن،
ولولا رحمته لما عرف أحد أنه الرحمن، وإذا كانت الرحمة إرادة النعمة، أو نفس
النعمة كما هي عند قوم فالنعم في أنفسها مختلفة، ومراتبها متفاوتة فنعمة هي نعمة
الأشباح والظواهر، ونعمة هي نعمة الأرواح والسرائر.
وعلى طريقة من فرَّق بينهما فالرحمن خاص الاسم عام المعنى، والرحيم عام
الاسم خاص المعنى؛ فلأنه الرحمن رزق الجميع ما فيه راحة ظواهرهم، ولأنه الرحيم
وفق المؤمنين لما به حياة سرائرهم، فالرحمن بما روَّح، والرحيم بما لوَّح؛ فالترويح
بالمَبَارِّ، والتلويح بالأنوار: والرحمن بكشف تَجَلِّيه والرحيم بلطف تولِيه، والرحمن
بما أولى من الإيمان والرحيم بما أسدى من العرفان، والرحمن بما أعطى من العرفان
والرحيم بما تولَّى من الغفران، بل الرحمن، بما ينعم به من الغفران والرحيم بما يَمُنَّ به
من الرضوان، بل الرحمن بما يكتم به والرحيم بما ينعم به من الرؤية والعيان، بل
الرحمن بما يوفق، والرحيم بما تحقق، والتوفيق للمعاملات، والتحقيق للمواصلات،
فالمعاملات للقاصدين، والمواصلات للواجدين، والرحمن بما يصنع لهم والرحيم بما
يدفع عنهم؛ فالصنع بجميل الرعاية والدفع بحسن العناية .

١٢
تفسير سورة الفاتحة
قوله جل ذكره: ﴿ مِلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
المالك من له المُلك، ومُلك الحق سبحانه وتعالى قدرته على الإبداع، فالملك
مبالغة من المالك وهو سبحانه الملك المالك، وله المُلك. وكما لا إله إلا هو فلا
قادر على الإبداع إلا هو، فهو بإلهيته متوحد، وبملكه متفرد، ملك نفوس العابدين
فصرفها في خدمته، وملك قلوب العارفين فشرِّفها بمعرفته، وملك نفوس القاصدين
فتيَّمها، وملك قلوب الواجدين فهيَّمها. ملك أشباح منْ عبَدَه فلاطفها بنواله وأفضاله،
وملك أرواح مَنْ أحبهم ( .... )(١) فكاشفها بنعت جلاله، ووصف جماله. ملك
زمام أرباب التوحيد فصرفهم حيث شاء على ما شاء ووفّقهم حيث شاء على ما شاء
كما شاء، ولم يَكِلْهم إليهم لحظة، ولا مَلَكّهم من أمرهم مِنَّةٌ ولا خطرة، وكان لهم
عنهم، وأفناؤهم له منهم.
فصل: مَلَكَ قلوبَ العابدين إحسانُه فطمعوا في عطائه، وملك قلوب الموحدين
سلطانُه فقنعوا ببقائه. عرَّف أربابَ التوحيد أنه مالكهم فسقط عنهم اختيارهم، علموا
أن العبد لا ملك له، ومن لا ملك له لا حکم له، ومن لا حكم له لا اختيار له، فلا
لهم عن طاعته إعراض ولا على حكمه اعتراض، ولا في اختياره معارضة، ولا
لمخالفته تعرّض، ﴿ويوم الدين﴾. يومُ الجزاء والنشر، ويوم الحساب والحشر - الحق
سبحانه وتعالى يجزي كلاً بما يريد، فَمِنْ بين مقبولٍ يوم الحشر بفضله سبحانه وتعالى
لا بفعلهم، ومن بين مردودٍ بحكمه سبحانه وتعالى لا بِجُزْمِهم. فأمَّا الأعداء فيحاسبهم
ثم يعذبهم وأمَّا الأولياء فيعاتبهم ثم يقربهم:
قومٌ إذا ظفروا بنا
جادوا بعتق رقابنا
قوله جل ذكره: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِنَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
معناه نعبدك ونستعين بك. والابتداء بذكر المعبود أتمُّ من الابتداء بذكر صفته -
التي هي عبادته واستعانته، وهذه الصيغة أجزل في اللفظ، وأعذب في السمع.
والعبادة الإتيان بغاية ما في (بابها) من الخضوع، ويكون ذلك بموافقة الأمر، والوقوف
حيثما وقف الشرع.
والاستعانة طلب الإعانة من الحق.
والعبادة تشير إلى بذل الجهد والمُنَّة، والاستعانة تخبر عن استجلاب الطول
والمِنَّة، فبالعبادة يظهر شرف العبد، وبالاستعانة يحصل اللطف للعبد. في العبادة
وجود شرفه، وبالاستعانة أمان تلفه. والعبادة ظاهرها تذلل، وحقيقتها تعزز وتجمّل:
(١) بياض في الأصل.

١٣
تفسير سورة الفاتحة
وإذا تذللت الرقاب تقرباً مِنَّا إليك، فعزُّها في ذُلُّها
وفي معناه:
حين أسلّمْتَني لذالٍ ولام ألقيتني في عينٍ وزاي
فصل: العبادة نزهة القاصدين، ومستروح المريدين، ومربع الأنس للمحبين،
ومرتع البهجة للعارفين. بها قُرَّةُ أعينهم، وفيها مسرة قلوبهم، ومنها راحة أرواحهم.
وإليه أشار ◌َلفر بقوله: ((أرِحنا بها يا بلال))(١) ولقد قال مخلوق في مخلوق:
يا قوم ثاري عند أسمائي
يعرفه السامع والرائي
فإنه أصدق أسمائي
لا تدعني إلا بيا عبدها
والاستعانة إجلالك لنعوت كرمه، ونزلك بساحة جوده، وتسليمك إلى يد
حكمه، فتقصده بأمل فسيح، وتخطو إليه بخطو وسيع، وتأمل فيه برجاء قوي، وتثق
بكرم أزلي، وتنكل على اختيار سابق، وتعتصم بسبب جوده (غير ضعف).
قوله جل ذكره: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ﴾.
الهداية الإرشاد، وأصلها الإمالة، والمهديّ من عرف الحق سبحانه، وآثر
رضاه، وآمن به. والأمر في هذه الآية مضمر؛ فمعناه اهدنا بنا - والمؤمنون على
الهداية في الحال - فمعنى السؤال الاستدامة والاستزادة. والصراط المستقيم الطريق
الحق وهو ما عليه أهل التوحيد. ومعنى اهدنا أي مِلْ بنا إليك، وخُذْنا لك، وكن
علينا دليلنا، ويَسْز إليك سبيلنا، وأقم لنا هممنا، واجمع بك همومنا.
فصل: اقطع أسرارنا عن شهود الأغيار، ولوّح في قلوبنا طوالع الأنوار، وأفْرِذْ
قصودنا إليك عن دَنَس الآثار، ورقُنا عن منازل الطلب والاستدلال إلى جَمْع ساحات
القُرب والوصال.
فصل: حُلْ بيننا وبين مساكنة الأمثال والأشكال، بما تلاطفنا به من وجود
الوصال، وتكاشفنا به من شهود الجلال والجمال.
فصل: أزْشِذْنا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات، ويقع على وجه
التوحيد غبار الظنون وحسبان الإعلال.
(١) أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ٦/ ٣٤٠)، وابن كثير في (التفسير ٤٥٦/٥)، والهيثمي في
(مجمع الزوائد ١٤٥/١)، والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ٤٤٣/١٠، ٤٤٤)، والعراقي في
(المغني عن حمل الأسفار ١٦٥/١)، (وتحذير الخواص ٣٣)، وعلي القاري في (الأسرار المرفوعة
١٦)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ١٣٧/٣).

١٤
تفسير سورة الفاتحة
اهدنا الصراط المستقيم أي أزِلْ عنَّا ظلماتِ أحوالنا لنستضيء بأنوار قُدْسِك عن
التفيؤ بظلال طلبنا، وارفع عنا ظل جهدنا لنستبصر بنجوم جودك، فنجدك بك.
فصل: اهدنا الصراط المستقيم حتى لا يصحبنا قرين من نزغات الشيطان
ووساوسه، ورفيق من خطرات النفوس وهواجسها، أو يصدنا عن الوصول
تعريج في أوطان التقليد، أو يحول بيننا وبين الاستبصار ركون لي معتاد من
التلقين، وتستهوينا آفة من نشو أو هوادة، وظن أو عادة، وكلل أو ضعف
إرادة، وطمع مالٍ أو استزادة .
فصل: الصراط المستقيم ما عليه من الكتاب والسنة دليل، وليس للبدعة عليه
سلطان ولا إليه سبيل. الصراط المستقيم ما شهدت بصحته دلائل التوحيد، ونبهت
عليه شواهد التحقيق، الصراط المستقيم ما دَرَجَ عليه سَلَفُ الأمة، ونطقت بصوابه
دلائل العبرة. الصراط المستقيم ما باين الحظوظَ سالكُه، وفارق الحقوقَ قاصدُه.
الصراط المستقيم ما يُفْضِي بسالكه إلى ساحة التوحيد، ويُشْهِدُ صاحبه أثرَ العناية
والجود، لئلا يظنّه موجَبٌ (ببدل) المجهود.
قوله جل ذكره: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
يعني طريق من أنعمت عليهم بالهداية إلى الصراط المستقيم، وهم الأولياء
والأصفياء. ويقال طريق من (أفنيتهم) عنهم، وأقمتهم بك لك، حتى لم يقفوا في
الطريق، ولم تصدهم عنك خفايا المكر. ويقال صراط من أنعمت عليهم بالقيام
بحقوقك دون التعريج على استجلاب حظوظهم.
ويقال صراط من (طهرتهم) عن آثارهم حتى وصلوا إليك بك.
ويقال صراط من أنعمت عليهم حتى تحرروا من مكائد الشيطان، ومغاليط
النفوس ومخاييل الظنون، وحسبانات الوصول قبل خمود آثار البشر (ية).
ويقال صراط من أنعمت عليهم بالنظر والاستعانة بك، والتبري من الحول
والقوة، وشهود ما سبق لهم من السعادة في سابق الاختيار، والعلم بتوحيدك فيما
تُمضيه من المَسَار والمضار.
ويقال صراط الذين أنعمت عليهم بحفظ الأدب في أوقات الخدمة، واستشعار
نعت الهيبة .
ويقال صراط الذين أنعمت عليهم بأن حفظت عليهم آداب الشريعة
وأحكامها عند غلبات (بواده) الحقائق حتى لم يخرجوا عن حد العلم، ولم
يُخِلُّوا بشيء من أحكام الشريعة. ويقال صراط الذين أنعمت عليهم حتى لم

١٥
تفسير سورة الفاتحة
تطفىء شموسُ معارفهم أنوارَ ورعهم ولم يُضيّعُوا شيئاً من أحكام الشرع(١).
ويقال صراط الذين أنعمتَ عليهم بالعبودية عند ظهور سلطان الحقيقة.
قوله جل ذكره: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
المغضوب عليهم الذين صدمتهم هواجم الخذلان(٢). وأدركتهم مصائب
الحرمان، وركبتهم سطوة الرد، وغلبتهم بَوَاده الصد والطرد.
ويقال هم الذين لحقهم ذل الهوان، وأصابهم سوء الخسران، فشغلوا في الحال
باجتلاب الحظوظ - وهو في التحقيق (شقاء)؛ إذ يحسبون أنهم على شيء، وللحق
في شقائهم سر.
ويقال هم الذين أنِسُوا بنفحات التقريب زماناً ثم أظهر الحق سبحانه في بابهم
شانا؛ بُدْلوا بالوصول بعاداً، وطمعوا في القرب فلم يجدوا مراداً، أولئك الذين ضلّ
سعیُهم، وخاب ظنهم.
ويقال غير المغضوب عليهم بنسيان التوفيق، والتعامي عن رؤية التأييد. ولا
الضالين عن شهود سابق الاختيار، وجريان التصاريف والأقدار.
ويقال غير المغضوب عليهم بتضييعهم آداب الخدمة، وتقصيرهم في أداء شروط
الطاعة .
ويقال غير المغضوب عليهم هم الذين تقطعوا في مفاوز الغيبة، وتفرّقت بهم
الهموم في أودية وجوه الحسبان.
فصل: ويقول العبد عند قراءة هذه السورة آمين، والتأمين سُنَّة، ومعناه يا رب
افعل واستجب، وكأنه يستدعي بهذه القالة التوفيق للأعمال، والتحقيق للآمال، وتحط
رِجْلُه بساحات الافتقار، ويناجي حضرة الكرم بلسان الابتهال، ويتوسل (بتبريه) عن
الحول والطاقة والمُنَّة والاستطاعة إلى حضرة الجود. وإن أقوى وسيلة للفقير تعلقه
بدوام الاستعانة لتحققه بصدق الاستغاثة .
(١) إنّ القشيري يؤكد على الالتزام بآداب الشريعة مهما غلبت على العبد سطوة الانمحاء واستلبه سلطان
الفناء، وبهذا يجب أن نعرج على اصطلاح في مذهب القشيري وهو (الفرق الثاني) الثاني ويُعد هذا
حالة عزيزة وهو أن يرد عندها العبد إلى الصحو عند أوقات الفرائض ليجري عليه القيام بالفرائض
في أوقاتها فيكون رجوعاً لله بالله تعالى لا للعبد بالعيد. (الرسالة القشيرية ص٦٦).
(٢) يقول القشيري في رسالته: فمنهم من تفسيره البواده وتصرفه الهواجم، ومنهم من يكون فوق ما
يفجؤه حالاً وقوةً أولئك سادات القوم. (الرسالة القشيرية ص٧٨).

السورة التي تذكر فيها البقرة
قوله تعالى: ﴿يَسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحِيمَةِ﴾.
الاسم مشتق من السمو والسُّمَة، فسبيل من يذكر هذا الاسم أن يتسم بظاهره
بأنواع المجاهدات، ويسمو بهِمته إلى مَحَالُ المشاهدات. فمن عَدِم سمة المعاملات
على ظاهرة، وفَقَدَ سُمُوَّ الِهِمَّةِ للمواصلات بسرائره لم يَجِدْ لطائف الذكر عند قالته،
ولا كرائم القرب في صفاء حالته .
فصل: معنى الله: الذي له الإلهية، والإلهية استحقاق نعوت الجلال. فمعنى
بسم الله: باسم من تفرَّد بالقوة والقدرة. الرحمن الرحيم من توَخَّد في ابتداء الفضل
والنصرة. فسماع الإلهية يُوجِبُ الهيبة والاصطلام، وسماع الرحمة يوجِبُ القربة
والإكرام. وكُلُّ مَنْ لاطفه الحق سبحانه عند سماع هذه الآية ردّه بين صحو ومحو،
وبقاء وفناء، فإذا كاشفَةَ بنعت الإلهية أشهده جلاله، فحاله محو. وإذا كاشفه بنعت
الرحمة أشهده جماله فحاله صحو:
أغيب إذا شَهِدْتُك ثم أحيا فكم أحيا لديك وكم أبيدُ
قوله جل ذكره: ﴿الّرّ﴾.
هذه الحروف المقطعة في أوائل السورة من المتشابِه الذي لا يعلم تأويله إلا الله
- عند قوم، ويقولون لكل كتاب سر، وسر الله في القرآن هذه الحروف المقطعة.
وعند قوم إنها مفاتح أسمائه، فالألف من اسم ((الله))، واللام يدل على اسمه
((اللطيف)»، والميم يدل على اسمه ((المجيد)) و((الملك)).
وقيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها لأنها بسائط أسمائه وخطابه .
وقيل إنها أسماء السور.
وقيل الألف تدل على اسم ((الله)) واللام تدل على اسم ((جبريل)) والميم
تدل على اسم ((محمد) ، فهذا الكتاب نزل من الله على لسان جبريل إلى
محمد #.
والألِف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف في
١٦

١٧
تفسير سورة البقرة
الخط وسائر الحروف يتصل بها إلا حروف يسيرة، فينتبه العبد عند تأمل هذه الصفة
إلى احتياج الخلق بجملتهم إليه، واستغنائه عن الجميع .
ويقال يتذكر العبد المخلص مِنْ حالة الألف تَقَدُّسَ الحق سبحانه وتعالى عن
التخصص بالمكان؛ فإن سائر الحروف لها محل من الخلق أو الشفة أو اللسان إلى
غيره من المدارج غير الألف فإنها هويته، لا تضاف إلى محل.
ويقال الإشارة منها إلى انفراد العبد لله سبحانه وتعالى فيكون كالألف لا يتصل
بحرف، ولا يزول عن حالة الاستقامة والانتصاب بين يديه.
ويقال يطالب العبد في سره عند مخاطبته بالألف بانفراد القلب إلى الله تعالى،
وعند مخاطبته باللام بلين جانبه في (مَراعاة) حقه، وعند سماع الميم بموافقة أمره فيما
يكلفه .
ويقال اختص كل حرف بصيغة مخصوصة وانفردت الألف باستواء القامة،
والتميز عن الاتصال بشيء من أضرابها من الحروف، فجعل لها صدر الكتاب إشارة
إلى أن من تجرَّد عن الاتصال بالأمثال والأشغال حَظِي بالرتبة العليا، وفاز بالدرجة
القصوى، وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة التي هي غير مركبة، على سنة الأحباب
في ستر الحال، وإخفاء الأمر على الأجنبي من القصة - قال شاعرهم:
قلت لها قفي قالت قاف
لا تحسبي أَنَّا نسبنا لا يخاف
ولم يقل وقفت ستراً على الرقيب ولم يقل لا أقف مراعاة لقلب الحبيب بل:
((قالت قان)).
ويقال تكثر العبارات للعموم والرموز والإشارات للخصوص، أَسْمَعَ موسى
كلامَه في ألف موطن، وقال لنبيّنا محمد ﴿: أَلِفْ ... وقال عليه السلام: ((أوتيتُ
جوامع الكلِم فاختُصِرَ لي الكلامُ اختصاراً»(١) وقال بعضهم: قال لي مولاي: ما هذا
الدنّف؟ قلت: تهواني؟ قال: لام ألف.
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ لَا رَيْبُ فِهِ﴾.
قيل ذلك الكتاب أي هذا الكتاب، وقيل إشارة إلى ما تقدم إنزاله من الخطاب،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (المساجد ٧، ٨)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٢٥٠/٢، ٣١٤، ٤٤٢،
٥٠١)، وابن كثير في (التفسير ٧٢/٤)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ١١٣/٧) والبيهقي في
(دلائل النبوة ١٤/١)، وسعيد بن منصور في (السنن ٢٨٦٢)، وابن أبي شيبة في (المصنف ١١/
٤٨٠)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٣٢٠٦٨)، والعجلوني في (كشف الخفاء ١٤/١ - ٣٠٨).

١٨
تفسير سورة البقرة
وقيل ذلك الكتاب الذي وعدتُك إنزاله عليك يوم الميثاق.
لا ريب فيه، فهذا وقت إنزاله. وقيل ذلك الكتاب الذي كتبتُ فيه الرحمةً على
نفسي لأمتك - لا شك فيه، فتحقق بقولي.
وقيل الكتاب الذي هو سابق حكمي، وقدیم قضائي لمن حكمت له بالسعادة،
أو ختمت عليه بالشقاوة لا شك فيه.
وقيل (حكمي الذي أخبرت أن رحمتي سبقت على غضبي لا شك فيه).
وقيل إشارة إلى ما كتب في قلوب أوليائه من الإيمان والعرفان، والمحبة
والإحسان، وإن كتاب الأحباب عزيز على الأحباب، لا سيما عند فقد اللقاء، وبكتاب
الأحباب سلوتهم وأنسهم، وفيه شفاؤهم ورَوْحهم، وفي معناه أنشدوا:
وفيها شفاء للذي أنا كاتم
وكتبُكَ حولي لا تفارق مضجعي
وأنشدوا :
وشفى القلوب فنأن غایات المنی
ورد الكتاب بما أَقَرَّ عيوننا
قِسَماً وكان أجلهم حَظّاً أنا(١)
وتقاسم الناسُ المسرةً بينهم
قوله جلّ ذكره: ﴿هُدِّى لِلَّْقِينَ﴾.
أي بياناً وحجة، وضياء ومحجة، لمن وقاه الحق سبحانه وتعالى من ظلمات
الجهل، وبصَّره بأنوار العقل، واستخلصه بحقائق الوصل. وهذا الكتاب للأولياء
شفاء، وعلى الأعداء عمّى وبلاء. المُتَّقي من اتقى رؤية تقاه، ولم يستند إلى تقواه،
ولم يَرَ نجاته إلا بفضل مولاه.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾.
حقيقة الإيمان التصديق ثم التحقيق، وموجب الأمرين التوفيق. والتصديق
بالعقل والتحقيق ببذل الجهد، في حفظ العهد، ومراعاة الحد. فالمؤمنون هم الذين
صدَّقوا باعتقادهم ثم الذين صَدَقُوا في اجتهادهم.
وأمَّا الغيب فما يعلمه العبد مما خرج عن حد الاضطرار؛ فكل أمر ديني أدركه العبد
يضرب استدلال، ونوع فكر واستشهاد فالإيمان به غَيْبِيٌّ. فالرب سبحانه وتعالى غيب.
وما أخبر الحق عنه من الحشر والنشر، والثواب والمآب، والحساب والعذاب - غيب.
وقيل إنما يؤمن بالغيب من كان معه سراج الغيب، وأن من أيّدوا ببرهان العقول
(١) أبيات الشعر مضطربة فصححت قدر الإمكان.

١٩
تفسير سورة البقرة
آمنوا بدلالة العلم وإشارة اليقين، فأوْرَدَهم صدقُ الاستدلال ساحاتِ الاستبصار،
وأوصلهم صائبُ الاستشهاد إلى مراتب السكون؛ فإيمانهم بالغيب بمزاحمة علومهم
دواعي الريب. ومن كوشف بأنواع التعريف أسبل عليهم سجوف الأنوار، فأغناهم
بلوائح البيان عن كل فكر وروية، وطلب بخواطر ذكية، وردّ وردع لدواعٍ ردية،
فطلعت شموس أسرارهم فاستغنوا عن مصابيح استدلالهم، وفي معناه أنشدوا:
وظلامه في الناس ساري(١)
لَيْلِي من وجهك شمس الضحا
م ونحن في ضوء النهار(٢)
والناس في سدف الظلا
وأنشدوا:
فاستضاءت ومالها من غروب
طّلعت شمس من أحبَّك ليلاً
وشمس القلوب ليست تغيب(٣)
إن شمس النهار تغرب بالليل
ومن آمن بالغيب بشهود الغيب غاب في شهود الغيب فصار غيباً يغيب.
وأمَّا إقامة الصلاة فالقيام بأركانها وسننها ثم الغيبة عن شهودها برؤية مَنْ يُصَلَّى
له فيحفظ عليه أحكام الأمر بما يجري عليه منه، وهو عن ملاحظتها محو، فنفوسهم
مستقبلة القِبلة، وقلوبهم مستغرقة في حقائق الوصلة:
بوجھي وإن كان المُصَلَّی ورائیا
أراني إذا صَلَّيْت يَمَّمْت نحوها
اثنتين صليت الضحا أم ثمانيا؟
أصلي فلا أدري إذا ما قضيتها
وإن أصحاب العموم يجتهدون عند افتتاح الصلاة ليردوا قلوبهم إلى معرفة ما
يؤدون من الفرض، ولكن عن أودية الغفلة ما يرجعون. أما أهل الخصوص فيردون
قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون ولكن عن حقائق الوصلة ما يرجعون؛ فشتّان بين غائبٍ
يحضر أحكام الشرع ولكن عند أوطان الغفلة، وبين غائبٍ يرجع إلى أحكام الشرع
ولكن عند حقائق الوصلة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾.
الرزق ما تمكّن الإنسان من الانتفاع به، وعلى لسان التفسير أنهم ينفقون أموالهم
إمَّا نَفْلاً وإما فرضاً على موجب تفصيل العلم. وبيان الإشارة أنهم لا يدخرون عن الله
(١) رواية البيت في الرسالة القشيرية ص ٧٦:
ليلي بوجهك مشرق
وظلامه في الناس ساري
(٢) السدف: جمع السدفة: وهي الظلمة .
(٣) أبيات الشعر مضطربة صُححت بما يتلاءم مع الوزن والمعنى.

٢٠
تفسير سورة البقرة
سبحانه وتعالى شيئاً من ميسورهم؛ فينفقون نفوسهم في آداب العبودية، وينفقون
قلوبهم على دوام مشاهدة الربوبية. فإنفاق أصحاب الشريعة من حيث الأموال، وإنفاق
أرباب الحقيقة من حيث الأحوال، فهؤلاء يكتفي منهم عِشْرين بنصفٍ ومن المائتين
بِخَمس، وعلى هذا السَّنَن جميع الأموال يعتبر فيه النّصاب. وأمَّا أهل الحقائق فلو
جعلوا من جميع أحوالهم - لأنفسهم ولحظوظهم - لحظةً قامت عليهم القيامة.
فصل: الزاهدون أنفقوا في طريقة متابعة هواهم، فآثروا رضاء الله على مناهم،
والعابدون أنفقوا في سبيل الله وسعهم وقواهم، فلازموا سراً وعلنا نفوسهم.
والمريدون أنفقوا في سبيله ما يشغلهم عن ذكر مولاهم فلم يلتفتوا إلى شيء من
دنياهم وعقباهم. والعارفون أنفقوا في سبيل الله ما هو سوى مولاهم فقرَّبهم الحق
سبحانه وأجزاهم، ويحكم الإفراد به لقّاهم.
فصل: الأغنياء أنفقوا من نعمهم على عاقبتهم. والفقراء أنفقوا من هممهم على
مَنَابَتِهِمْ(١). ويقال العبد بقلبه وببدنه وبماله فبإيمانهم بالغيب قاموا بقلوبهم، وبصلاتهم
قاموا بنفوسهم، وبإنفاقهم قاموا بأموالهم، فاستحقوا خصائص القربة من معبودهم،
وحين قاموا لِحَقَّه بالكلية استوجبوا كمال الخصوصية.
قوله جل ذكره: ﴿ وَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنِ قَبْلِكَ وَبِآلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ .
إيمانهم بالغيب اقتضى إيمانهم بالقرآن، وبما أنزل الله من الكتب قبل القرآن،
ولكنه أعاد ذكر الإيمان ها هنا على جهة التخصيص والتأكيد، وتصديق الواسطة الخ
في بعض ما أخبر يوجب تصديقه في جميع ما أخبر، فإن دلالة صِدْقه تشهد على
الإطلاق دون التخصيص، وإنما أيقنوا بالآخرة لأنهم شهدوا على الغيب فإن حارثة (٢)
لما قال له رسول الله ﴾: ((كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمناً بالله حقاً، وكأني
بأهل الجنة يتزاورون وكأني بأهل النار يتعاؤون وكأني بعرش ربي بارزاً فقال رسول الله
﴿: أصبْتَ فالْزَمْ)»(٣).
(١) قال القشيري في حديثه عن التوبة: التوبة على ثلاثة أقسام أولها التوبة، وأوسطها الإنابة، وآخرها
الأوبة، فجعل التوبة بداية، والأوبة نهاية، والإنابة أوسطها، فكل من تاب لخوف العقوبة فهو
صاحب توبة، ومن تاب طمعاً في الثواب فهو صاحب إنابة ومن تاب مراعاة للأمر لا لرغبة في
الثواب أو رهبة في العقاب فهو صاحب أوبة. (الرسالة القشيرية ص ٩٤).
(٢) هو حارثة بن بدر بن حصين التميمي الفداني ( ... - ٦٤هـ =٠٠ - ٦٨٤°م) تابعي من أهل البصرة.
له أخبار في الفتوح وقصة مع عمر ومع علي ومع زياد، أقُر على قتال الخوارج في العراق فهزموه
بنهر تيرا فلما أرهقوه دخل سفينة بمن معه فغرقت بهم. (الأعلام ١٥٨/٢، والإصابة ٣٧١).
(٣) أخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد ٥٧/١)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٣٨/٢ - ٢٨٠)،
والعقيلي في (الضعفاء ٤/ ٤٥٥).