Indexed OCR Text

Pages 1461-1480

١٤٦١
سورة الواقعة: الآية (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًا ﴾﴾، في معناه لأهل العلم أوجه متقاربة، لا
يكذب بعضها بعضاً وكلها حق، وكلها يشهد له قرآن. وقد قدَّمنا في ترجمة هذا الكتاب
المبارك أنّ الآية الكريمة قد يكون فيها أوجه كلها حق وكلها يشهد له قرآن، فنذكر
جميع الأوجه وأدلتها القرآنية.
الوجه الأول: قال أكثر المفسرين: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًا ﴾﴾؛ أي فتت تفتيتاً حتى
صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن، ومنه قول لص من غطفان أراد أن يخبز دقيقاً
عنده فخاف أن يعجل عنه، فأمر صاحبيه أن يلتاه ليأكلوه دقيقاً ملتوتاً، وهو البسيسة:
١ - لا تخبزا خبزاً وبسا بساً
٢ - ولا تطيلا بمناخ حبسا
وهذا الوجه يشهد له قرآن كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَّجُّفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَتِبًا مَّهِيلًا
(٤) [المزمل: ١٤]، فقوله: ﴿كَتِيبًا مَّهِيلًا﴾؛ أي رملاً متهايلاً، ومنه قول امرئ القيس:
ويوماً على ظهر الكثيب تعذرت
علي وآلت حلفة لم تحلل
ومشابهة الدقيق المبسوس بالرمل المتهايل؛ واضحة، فقوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كِيبًا
مَّهِيلًا﴾ [المزمل: ١٥] مطابق في المعنى لتفسير ﴿وَبُتَّتِ الْجِبَالُ بَسَّا ﴾﴾ بأن بسها هو
تفتيتها وطحنها كما ترى.
وما دلت عليه هذه الآيات من أنها تسلب عنها قوة الحجرية وتتصف بعد الصلابة
والقوة باللين الشديد الذي هو كلين الدقيق، والرمل المتهايل يشهد له في الجملة
تشبيهها في بعض الآيات بالصوف المنفوش الذي هو العهن، كقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ
اَلْجِبَالُ كَأَلْمِهْنِ الْمَنْفُوشِ
تَكُونُ السَّمَآءُ كَلَمُهْلِ
﴿یوم
[القارعة]، وقوله تعالى:
وَتَكُونُ اَلْجِبَالُ كَأَلْعِهْنِ ﴾﴾ [المعارج]، وأصل العهن أخص من مطلق الصوف؛ لأنه
الصوف المصبوغ خاصة؛ ومنه قول زهير بن أبي سلمى في معلقته:
كأن فتاة العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم
وقال بعضهم: الجبال منها جدد بيض وحمر ومختلف ألوانها وغرابيب سود، فإذا
بست وفتتت يوم القيامة وطيرت في الجو أشبهت العهن إذا طيرته الريح في الهوى،
وهذا الوجه يدل عليه ترتيب كينونتها هباءً منبئاً بالفاء على قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ
بَسًا ﴾﴾، لأن الهباء هو ما ينزل من الكوة من شعاع الشمس إذا قابلتها: ﴿قُلْبَثًا﴾ أي
متفرقاً، ووصفها بالهباء المنبث أنسب لكون البس بمعنى التفتيت والطحن.
الوجه الثاني: أنّ معنى قوله: ﴿وَبُتَّتِ الْجِبَالُ بَسًا ﴾﴾؛ أي سيرت بين السماء
والأرض، وعلى هذا فالمراد ببسها سوقها وتسييرها من قول العرب: بسست الإبل
أبسها، بضم الباء وأبسستها أبسها بضم الهمزة وكسر الباء، لغتان بمعنى سقتها، ومنه
حديث: ((يخرج أقوام من المدينة إلى اليمن والشام، والعراق يبسون والمدينة خير لهم
لو كانوا يعلمون)).

١٤٦٢ -
سورة الواقعة: الآية (٧)
وهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾
0﴾ [الطور].
الآية [الكهف: ٤٧]، وقوله: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً
وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل، في الكلام على قوله: ﴿وَتَرَى
اْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةٌ وَهِىَ تَهُ مَرَ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨].
الوجه الثالث: أنّ معنى قوله: ﴿وَبُتَتِ الْجِبَالُ بَشًا ﴾﴾؛ نزعت من أماكنها
وقلعت. وقد أوضحنا أن هذا الوجه راجع للوجه الأول مع الإيضاح التام الأحوال
الجبال يوم القيامة، وأطوارها، بالآيات القرآنية وفي سورة طه في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَيَسْثَلُونَكَ عَنِ لِلْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِى نَسْفًا (®﴾ [طه]، وقوله تعالى في هذه الآية
الكريمة: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءُ مُثْبَثًا ﴾﴾. كقوله تعالى: ﴿وَسُيِرَتِ الْجَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (9)﴾ [النبأ]،
والهباء إذا انبث، أي تفرق، واضمحل وصار لا شيء، والسراب قد قال الله تعالى فيه:
﴿حَقََّ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩].
قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَجًا ثَلَاثَةُ ﴾﴾. أي صرتم أزواجاً ثلاثة، والعرب تطلق
كان بمعنى صار، ومنه ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّلِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] أي فتصيرا
من الظالمين.
ومنه قول الشاعر:
يتيهاء قفر والمطي كأنها
قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها
وقوله: أزواجاً: أي أصنافاً ثلاثة، ثم بيّن هذه الأزواج الثلاثة بقوله: ﴿فَأَصْحَبُ
﴿ وَأَصْحَبُ الْمَشْمَةِ مَا أَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ ﴿ وَالسَِّقُونَ السَِّقُونَ ﴿ أُوْلَكَ
اٌلْمَيْمَنَةِ مَّ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ
الْمُقَرَُّونَ ﴿﴿ فِ جَنَتِ النَّعِيمِ ﴾﴾؛ أما أصحاب الميمنة فهم أصحاب اليمين، كما
أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَأَصْحَبُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ ( فِ سِدْرٍ تَّخْضُودٍ
(٢٨)
﴾ ...
الآيات، وأصحاب المشأمة هم أصحاب الشمال كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿أَصْحَبُ
الشِّمَالِ فِى سَهُوٍ وَحَمِيمٍ ﴾﴾ ... الآيات.
قال بعض العلماء: قيل لهم أصحاب اليمين لأنّهم يؤتون كتبهم بأيمانهم. وقيل:
لأنّهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة. وقيل: لأنهم عن يمين أبيهم آدم، كما رآهم
النبي * كذلك ليلة الإسراء. وقيل: سموا أصحاب اليمين، وأصحاب الميمنة لأنهم
ميامين، أي مباركون على أنفسهم؛ لأنهم أطاعوا ربهم فدخلوا الجنة، واليمن: البركة.
وسمي الآخرون أصحاب الشمال، قيل: لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم. وقيل:
لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار، والعرب تسمي الشمال شؤماً، كما تسمي
اليمين يُمْناً، ومن هنا قيل لهم أصحاب المشأمة أو لأنهم مشائيم على أنفسهم:
فعصوا الله فأدخلهم النار، والمشائيم ضد الميامين، ومنه قول الشاعر:
ولا ناعب إلا ببين غرابها
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة

سورة الواقعة: الآيتان (١٣ - ١٤)
١٤٦٣
وبين - جلّ وعلا - أن السابقين هم المقربون، وذلك في قوله: ﴿وَالسَِّقُونَ السَّيِقُونَ
أُوْلَئِكَ الْمُقَرَُّونَ ﴾﴾، وهذه الأزواج الثلاثة المذكورة هي وجزاؤها في أول هذه
السورة الكريمة جاءت هي وجزاؤها أيضاً في آخرها، وذلك في قوله: ﴿فَمَّا إِن كَانَ مِنَ
اَلْمُقَرَّبِينَ
وَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِّ ﴿ فَسَلَهٌ لَّكَ مِنْ
فَرَوْمٌ وَرَتْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ
أَصْحَبِ اَلْيَمِينِ
﴿﴿ وَأَمََّ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِينُ ﴿ فَزْلٌ مِنْ حَميدٍ (4)
وَتَصْلِيَةُ
◌َِيمٍ (٤). والمكذبون هم أصحاب المشأمة وهم أصحاب الشمال.
وذكر تعالى بعض صفات أصحاب الميمنة والمشأمة في سورة البلد في قوله تعالى:
﴿فَقُّ رَقَبَةٍ ﴿ أَوْ إِطْعَهُ فِ يَوْرٍ ذِى مَسْفَبَةٍ ﴿ يَلِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴾﴾. إلى قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَلِنَا هُمْ أَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ ﴿ عَلَِمْ نَارٌ مُؤْصَدَّةُ (٣٥)﴾ [البلد].
أَصْحَبُ اَلْيَمَنَةِ
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَآ أَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَةِ﴾، وقوله: ﴿مَّ أَضْحَبُ
الَْشْثَمَةِ﴾، استفهام أريد به التعجب من شأن هؤلاء في السعادة، وشأن هؤلاء في
الشقاوة، والجملة فيهما مبتدأ وخبر، وهي خبر المبتدأ قبله، وهو ((أصحاب الميمنة)) في
الأول و((أصحاب المشأمة)» في الثاني.
وهذا الأسلوب يكثر في القرآن نحو: ﴿اَلْمَقَّةُ أَمَا الْخَفَّةُ ﴾﴾ [الحاقة]،
و﴿اَلْقَارِعَةُ ﴿ مَا الْقَارِعَةُ ﴾﴾ [القارعة]. والرابط في جملة الخبر في جميع الآيات
المذكورة هو إعادة لفظ المبتدأ في جملة الخبر كما لا يخفى، وقوله: والسابقون لم
يذكر فيه استفهام تعجب كما ذكره فيما قبله، ولكنه ذكر في مقابلة تكرير لفظ السابقين.
والأظهر في إعرابه أنّه مبتدأ وخبر على عادة العرب في تكريرهم اللفظ وقصدهم
الإخبار بالثاني عن الأول، يعنون أنّ اللفظ المخبر عنه هو المعروف خبره الذي لا
يحتاج إلى تعريف، ومنه قول أبي النجم:
... الله دري ما أجن صدري
أنا أبو النجم وشعري شعري
فقوله: وشعري شعري يعني شعري هو الذي بلغك خبره، وانتهى إليك وصفه.
قوله تعالى: ﴿ثُلٌَّ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴾ وَقَلِلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ ﴾﴾
وقوله: ثلة: خبر مبتدأ محذوف، والتقدير، هم ثلة، والثلة الجماعة من الناس،
وأصلها القطعة من الشيء وهي الثل، وهو الكسر.
وقال الزمخشري: والثلة من الثل، وهو الكسر، كما أن الأمة من الأمّ وهو
الشبح، كأنها جماعة كسرت من الناس، وقطعت منهم. اهـ منه.
واعلم: أنّ الثلة تشمل الجماعة الكثيرة، ومنه قول الشاعر:
فجاءت إليهم ثلة خندفية
بجيش كتيار من السيل مزيد
لأنّ قوله: تيار من السيل: يدل على كثرة هذا الجيش المعبر عنه بالثلة.

٧٤٦٤
سورة الواقعة: الآيتان (١٣ - ١٤)
وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الثلة من الأولين، وهذا القليل من الآخرين
المذكورين هنا، كمه اختلفوا في الثلتين المذكورتين في قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَثُلَّةٌ
مِّنَ الْآَخِرِينَ ﴾﴾. فقال بعض أهل العلم: كل هؤلاء المذكورين من هذه الأمة، وأن
المراد بالأولين منهم الصحابة.
وبعض العلماء يذكر معهم القرون المشهود لهم بالخير في قوله وَله: ((خير القرون
قرني ثم الذين يلونهم)) الحديث، والذين قالوا: هم كلهم من هذه الأمة، قالوا: إنما
المراد بالقليل، وثلة من الآخرين، وهم من بعد ذلك إلى قيام الساعة.
وقال بعض العلماء: المراد بالأولين في الموضعين الأمم الماضية قبل هذه الأمة،
والمراد بالآخرين فيهما هو هذه الأمة.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: ظاهر القرآن في هذا المقام: أن الأولين في
الموضعين في الأمم الماضية، والآخرين فيهما من هذه الأمة، وأن قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ
وَقَلِلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ ﴾﴾، في السابقين خاصة، وأن قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ
مِنَ الْأَوَّلِينَ
﴿ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ ﴾﴾؛ في أصحاب اليمين خاصة.
وإنما قلنا: إن هذا هو ظاهر القرآن في الأمور الثلاثة، التي هي شمول الآيات
لجميع الأمم، وكون قليل من الآخرين في خصوص السابقين، وكون ثلة من الآخرين
في خصوص أصحاب اليمين لأنه واضح من سياق الآيات.
أما شمول الآيات لجميع الأمم فقد دل عليه أول السورة؛ لأن قوله: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ
اُلْوَاقِعَةُ ﴾﴾، إلى قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءُ مُثْبَثًا (٦)﴾؛ لا شك أنه لا يخص أمة دون أمة،
وأن الجميع مستوون في الأهوال والحساب والجزاء.
فدل ذلك على أن قوله: ﴿وَكُمْ أَزْوَجًا ثَثَةُ ﴾﴾؛ عام في جميع أهل المحشر، فظهر
أن السابقين وأصحاب اليمين منهم من هو من الأمم السابقة، ومنهم من هو من هذه الأمة.
وعلى هذا، فظاهر القرآن أن السابقين من الأمم الماضية أكثر من السابقين من
هذه الأمة، وأن أصحاب اليمين من الأمم السابقة ليست أكثر من أصحاب اليمين من
هذه الأمة؛ لأنه عبر في السابقين من هذه الأمة، بقوله: ﴿وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ ﴾﴾، وعبر
٤٠
عن أصحاب اليمين من هذه الأمة: ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ
ولا غرابة في هذا؛ لأنّ الأمم الماضية أمم كثيرة. وفيها أنبياء كثيرة ورسل، فلا مانع
من أن يجتمع من سابقيها من لدن آدم إلى محمد يهز أكثر من سابقي هذه الأمة وحدها .
أما أصحاب اليمين من هذه الأمة فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين من
جميع الأمم؛ لأن الثلة تتناول العدد الكثير، وقد يكون أحد العددين الكثيرين أكثر من
الآخر، مع أنهما كلاهما کثیر.
ولهذا تعلم أنّ ما دل عليه ظاهر القرآن واختاره ابن جرير، لا ينافي ما جاء من
أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة.

١٤٦٥
سورة الواقعة: الآيتان (١٥ - ١٦)
فأما كون قوله: ﴿وَقَلِلٌ مِّنَ اْآَخِرِينَ ﴾﴾ دل ظاهر القرآن على أنه في خصوص
السابقين، فلأن الله قال: ﴿وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَُّونَ ﴿ فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ
،
ثم قال تعالى مخبراً عن هؤلاء السابقين المقربين ﴿ثُلَّهُ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَقَلِلٌ مِنَ الْأَخِرِينَ
وأما كون قوله: ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِينَ ﴾﴾؛ في خصوص أصحاب اليمين، فلأن الله
تعالى قال: ﴿َعَلْتَهُنَّ أَبْكَرًا (٣٦) عُرْبًا أَتْرَبًا ﴿ لِأَصْحَبِ أَلْيَمِينِ ﴿َ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ
١٣٩
وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ ﴾﴾، والمعنى هم أي أصحاب اليمين: ثلة من الأولين وثلة من
الآخرين، وهذا واضح كما ترى.
(1). السرر جمع
قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ قَّوْضُونَةٍ ﴿ مُتَّكِينَ عَلَيْهَا مُتَقَِلِينَ
سرير، وقد بيّن تعالى أن سررهم مرفوعة في قوله في الغاشية: ﴿سُرٌ مَّرْفُوعَةٌ ﴾ [الغاشية:
١٣]. وقوله تعالى: ﴿مَوْضُونَةٍ﴾؛ منسوجة بالذهب، وبعضهم يقول بقضبان الذهب مشبكة
بالدر والياقوت، وكل نسج أحكم ودوخل بعضه في بعض، تسميه العرب وضناً،
وتسمي المنسوج به موضوناً ووضيناً، ومنه الدرع الموضونة إذا أحكم نسجها ودوخل
بعض حلقاتها في بعض.
ومنه قول الأعشى :
ومن نسج داود موضونة
تساق مع الحي عيراً فعيرا
وقوله أيضاً:
لها قونس فوق جيب البدن
وبيضاء كالنهى موضونة
ومن هذا القبيل تسمية البطان الذي ينسج من السيور، مع إدخال بعضها في بعض وضيناً . .
ومنه قول الراجز:
معترضاً في بطنها جنينها.
إليك تعدو قلقاً وضينها
مخالفاً دين النصارى دينها
وهذه السرر المزينة، هي المعبر عنها بالأرائك في قوله: ﴿مُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَابِكِّ﴾
[الكهف: ٣١]. وقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِى ◌ِلَلٍ عَلَى الْأَرَابِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾﴾ [يس]. وقوله في
هذه الآية الكريمة: ﴿مُتُّكِينَ﴾؛ حال من الضمير في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾، والتقدير:
استقروا على سرر في حال كونهم متكئين عليها .
وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من كونهم على سرر متقابلين، أي
ينظر بعضهم إلى وجه بعض، كلهم يقابل الآخر بوجهه، جاء موضحاً في آيات أخر
كقوله تعالى في الحجر: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُتَفَِينَ ﴾
﴿﴿ فَكِّةٌ وَهُمْ تُكْرَمُونَ ﴾ فِ جَنَّتِ
[الحجر]. وقوله في الصافات: ﴿أُوْلَكَ لَمْ رِزْقٌ مَّعَلُومٌ
﴾ [الصافات].
٤٤)
النَّعِيمِ ٤ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَبِينَ

١٤٦٦ -
سورة الواقعة: الآيات (١٧ - ٣٨)
﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة
لا
قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ
الطور، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَنَّهُمْ لُؤْلٌ مَّكْنُونٌ (*)﴾ [الطور].
قوله تعالى: ﴿وَكَأْسِ مِّنِ قَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُِفُونَ (®)﴾ .
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى:
﴿ يَعُونَ فِيَهَا كَأْسَاً لَّا لَغْوٌ فِهَا وَلَا تَأْتِمُ (٣)﴾ [الطور]، وفي المائدة، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا اُلْفَتُ وَالْمَيْسِيرُ﴾ ... الآية [المائدة: ٩٠].
وَخْرِ طَيْرٍ مِّمَا يَشْتَهُونَ (٣)﴾. قد قدَّمنا
قوله تعالى: ﴿وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيُّونَ
الكلام عليه في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَهُمْ بِفَكِهَةٍ وَلَحْرٍ مَِّا
(٢)﴾ [الطور].
يَشْتَهُونَ
قوله تعالى: ﴿وَحُورُ عِينٌ ﴿ كَأَمْثَلِ الُؤْلُوِ الْمَكْتُونِ (٣)﴾. قد قدَّمنا الآيات
الموضحة له في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَُّمْ فِهَا أَزْوَجٌ
مُطَهَّرَةٌ﴾ ... الآية [النساء: ٥٧]، وفي الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ
(4)﴾ [الصافات]، وفي غير ذلك من المواضع.
قَصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَ وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَمَا سَلَمَا (®﴾. قد قدَّمنا
الكلام عليه بإيضاح في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا إِلَّا
سَلَمَّاً وَلَمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا (﴾﴾ [مريم]، وتكلمنا هناك على الاستثناء المنقطع
وذكرنا شواهده من القرآن وكلام العرب، وبيّنا كلام أهل العلم في حكمه شرعاً.
وَفَكِهَذِ كَثِيرَةِ ﴿ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا
:وَمَآءِ مَّسْكُوبٍ
قوله تعالى: ﴿وَظِلٍ تَّْدُورِ (
مَمْنُوعَةِ ﴾. أما قوله: ﴿وَظِلِ تَمْدُورِ (٣)﴾، فقد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة
النساء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]. وأما قوله:
﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ (٦)؛ فقد دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ
(ج)﴾ [الحجر].
مِّن مَِّ غَيّرِ ءَاسٍِ﴾ [محمد: ١٥]. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
وقوله: ﴿وَنَدَىّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآِّ﴾ الآية [الأعراف: ٥٠].
إلى غير ذلك من الآيات.
والمسكوب اسم مفعول سكب الماء ونحوه إذا صبه بكثرة، والمفسرون يقولون:
إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وأن الماء يصل إليهم أينما كانوا كيف شاءوا،
كما قال تعالى: ﴿عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اَللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرً ﴾﴾ [الإنسان]. وأما قوله:
الآية. فقد قدّمنا الآيات الموضحة له فى سورة الطور، في
﴿ وَفَكِهَذِ كَثِيرَةِ (
الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَهُم بِفَكِهَةٍ وَلَحْرٍ مِّمَا يَشْنَهُونَ (19)﴾ [الطور].
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَنْشَأْتَهُنَّ إِشَاءٍ ﴿٢٥ فَعَلْنَهُنَّ أَبْكَرًا (٦َ عُرْبًا أَتْابًا ﴿َ لِأَصْحَبِ الْيَمِينِ (
: الضمير في ((أنشأناهن)). قال بعض أهل العلم: هو راجع إلى مذكور، وقال بعض
العلماء: هو راجع إلى غير مذكور، إلا أنه دل عليه المقام.

١٤٦٧
سورة الواقعة: الآيات (١٧ - ٣٨) -
(٢٤)؛
فمن قال إنه راجع إلى مذكور، قال هو راجع إلى قوله: ﴿وَفُرُشِ مَّرْفُوعَةٍ
قال: لأن المراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة لباساً وإزاراً وفراشاً ونعلاً،
وعلى هذا فالمراد بالرفع في قوله: ﴿فَرْفُوعَةٍ﴾ [عبس: ١٤]، رفع المنزلة والمكانة.
ومن قال: إنه راجع إلى غير مذكور، قال: إنه راجع إلى نساء لم يذكرن، ولكن
ذكر الفرش دل عليهن؛ لأنهن يتكئن عليها مع أزواجهن.
وقال بعض العلماء: المراد بهن الحور العين، واستدل من قال ذلك بقوله: ﴿إنّ
أَنشَأْتَهُنَّ إِنْشَاءَ ةَ﴾﴾ لأنّ الإنشاء هو الاختراع والابتداع.
وقالت جماعة من أهل العلم: إنّ المراد بهن بنات آدم التي كن في الدنيا عجائز
شمطاً رمصاً، وجاءت في ذلك آثار مرفوعة عنه ◌َ لتر، وعلى هذا القول: فمعنى
أنشأناهن إنشاءً أي خلقناهن خلقاً جديداً .
وقوله تعالى: ﴿فَلْتَهُنَّ﴾؛ أي فصيرناهن أبكاراً، وهو جمع بكر، وهو ضد الثيب.
وقوله: ﴿عُرًْ﴾؛ قرأه عامة القراء السبعة غير حمزة وشعبة عن عاصم: ((عُرُباً))
بضم العين والراء، وقرأه حمزة وشعبة ((عُرْباً)) بسكون الراء، وهي لغة تميم، ومعنى
القراءتين واحد، وهو جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل، وهذا هو
قول الجمهور. وهو الصواب إن شاء الله.
ومنه قول لبيد:
ريا الروادف يعشى دونها البصر
وفي الخباء عروب غير فاحشة
وقوله تعالى: ﴿أَزَابًا﴾؛ جمع ترب بكسر التاء، والترب اللدة. وإيضاحه أن ترب
الإنسان ما ولد معه في وقت واحد، ومعناه في الآية: أن نساء أهل الجنة على سن
واحدة ليس فيهن شابة وعجوز، ولكنهن كلهن على سن واحدة في غاية الشباب.
وبعض العلماء يقول: إنهن ينشأن مستويات في السن على قدر بنات ثلاثة وثلاثين
سنة، وجاءت بذلك آثار مروية عن النبي ولو، وكون الأتراب بمعنى المستويات في
السن مشهور في كلام العرب.
ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
بين خمس كواعب أتراب
أبرزوها مثل المهاة تهادى
وهذه الأوصاف الثلاثة التي تضمنتها هذه الآية الكريمة من صفات نساء أهل
الجنة، جاءت موضحة في آيات أخر.
أما كونهن يوم القيامة أبكاراً، فقد أوضحه في سورة الرحمن في قوله تعالى: ﴿لَمْ
يَطْمِنْهُنَّ إِنْسُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآَنٌ﴾ [الرحمن: ٥٦]، في الموضعين لأن قوله: ﴿لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْسٌ
قَبْلَهُمْ وَلَا جَآَنٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، نص في عدم زوال بكارتهن، وأما كونهن عرباً أي

١٤٦٨
سورة الواقعة: الآيات (٤١ - ٤٧)
متحببات إلى أزواجهن، فقد دل عليه قوله في الصافات: ﴿وَعِندَهُمْ فَصِرَّتُ الطَّرْفِ
عِينٌ ﴾﴾ [الصافات]، لأن معناه أنهن قاصرات العيون على أزواجهن لا ينظرن إلى
غيرهم لشدة محبتهن لهم واقتناعهن بهم، كما قدَّمنا إيضاحه، ولا شك أن المرأة التي
"لا تنظر إلى غير زوجها متحببة إليه حسنة التبعل معه.
وقوله في صّ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَصِرَتُ اَلَّرْفِ أَنْزَابُ (69)﴾ [ص]، وقوله في الرحمن: ﴿فِنَّ
قَصِرَتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنسُِّ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ◌َ﴾﴾ [الرحمن]، وأما كونهن أتراباً فقد بينه
(@)﴾ [ص]، وفي سورة النبأ
تعالى في قوله في آية صّ هذه: ﴿وَعِندَهُمْ قَصِرَتُ الطَّرْفِ أَنْرَابٌ
وَكَوَاعِبَ أَثْرَبً (®﴾ [النبأ).
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَغَازًّا (٣) حَابِقَ وَأَعْنَبًا (َ
إِنَّا.
۵﴾؛ يتعلق بقوله:
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لِأَصْحَبِ اَلْيَمِينِ
أَنشَأْتَهُنَّ﴾، وقوله: ﴿ فَعَلْنَهُنَّ﴾ أي: أنشأناهن وصيرناهن أبكاراً لأصحاب اليمين.
وَظِلٍ مِّن
٤٢
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ ﴿٨ فِ سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (
يَحْنُومٍ (@)﴾. قد قدَّمنا معنى أصحاب الشمال في هذه السورة الكريمة، وأوضحنا معنى
السموم في الآيات القرآنية التي يذكر فيها في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى:
﴿فَمَ اَللّهُ عَلَيْنَا وَوَقَتْنَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴾﴾ [الطور: ٢٧].
وقد قدَّمنا صفات ظل أهل النار وظل أهل الجنة في سورة النساء، في الكلام
على قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]، وبينا هناك أن صفات ظل أهل
النار هي المذكورة في قوله هنا: ﴿وَظِلٍ مِّنْ يَحْنُمِ جَ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيرٍ﴾﴾، وقوله في
المرسلات: ﴿أَنطَلِّقُواْ إِلَى ظِلَّ ذِى ثَثِ شُعَبِ جَ لَّا ◌َلِلٍ وَلَا يُغْنِ مِنَ اَللَّهَبِ (4)﴾
وقوله: ﴿مِّن تخوم﴾؛ أي من دخان أسود شديد السواد، ووزن اليحموم يفعول،
وأصله من الحمم وهو الفحم، وقيل: من الحم، وهو الشحم المسود لاحتراقه بالنار.
قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴿ وَكَانُوْ يُصِرُونَ عَلَى الْحِنْثِ اَلْعَظِيمِ
٤٦
قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا
كُنَّا قَبْلُ فِىَ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ ... الآية [الطور: ٢٦، ٢٧].
قوله تعالى: ﴿وَكَانُوْ يَقُولُونَ أَبِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَيِنَّا لَمَبْعُونُونَ
لما ذكر - جلّ وعلا - ما أعد لأصحاب الشمال من العذاب، بيّن بعض أسبابه،
فذكر منها أنهم كانوا قبل ذلك في دار الدنيا مترفين أي متنعمين، وقد قدَّمنا أن القرآن
دل على أن الإتراف والتنعم والسرور في الدنيا من أسباب العذاب يوم القيامة؛ لأن
صاحبه معرض عن الله لا يؤمن به ولا برسله، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة،
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُرًا (٨) وَيَصْلَى سَعِيرًا ﴿﴿ إِنَّهُ كَنَ فِىْ أَهْلِهِ، مَسْرُورًا
[الانشقاق]، وقد أوضحنا هذا في الكلام على آية الطور المذكورة آنفاً .
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون إنكار البعث سبباً لدخول النار؛ لأن قوله

١٤٦٩
سورة الواقعة: الآيات (٤١ - ٤٧) -
تعالى لما ذكر أنهم في سموم وحميم وظل من يحموم، بين أن من أسباب ذلك أنهم
قالوا: ﴿أَهِذَا مِنْنَا وَّكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ ... الآية [الصافات: ٥٣]. جاء موضحاً في آيات كثيرة
كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبُ قَوْهُمْ أَهِذَا كُنَّا تُرَّبًا أَمَا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَكَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ وَأُوْلَكَ الْأَغْلَلُ فِىّ أَعْنَافِهِمٌ وَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾﴾ [الرعد].
وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِلسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١]. وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية
الكريمة من إنكارهم بعث آبائهم الأولين في قوله: ﴿أَوَ ءَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (®]﴾ [الصافات]،
وأنّه تعالى بيّن لهم أنّه يبعث الأولين والآخرين في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ
٤٩
لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِقَتِ يَوْمِ مَعْلُوم ﴾﴾؛ جاء موضحاً في غير هذا الموضع، فبينا فيه أنّ
البعث الذي أنكروا، سيتحقق في حال كونهم أذلاء صاغرين، وذلك في قوله تعالى في
الصافات: ﴿وَقَالُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينُ ﴿ أَِذَا مِنْنَا وَكُنَا نُرَبًا وَعَظَمَا أَوِنَّا لَمَبْعُونُونَ (١٣) أَوَ ءَابَاؤُنَا
﴾ [الصافات].
اَلْأَوَّلُونَ ﴿ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ﴿ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَجِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١)
وقوله: ﴿أَوَ ءَابَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ﴾، قرأه عامة القراء السبعة، غير ابن عامر وقالون عن
نافع: ((أَوَ آبَاؤُنا)) بفتح الواو على الاستفهام والعطف، وقد قدَّمنا مراراً أن همزة
الاستفهام إذا جاءت بعدها أداة عطف كالواو والفاء وثم نحو ((أَوَ آباؤنا))، ((أفأمن أهل
القرى))، ((أثم إذا ما وقع))، أن في ذلك وجهين لعلماء العربية والمفسرين.
الأول: منهما أنّ أداة العطف عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام على ما قبلها،
وهمزة الاستفهام متأخرة رتبة عن حرف العطف، ولكنها قدمت عليه لفظاً لا معنى؛ لأن
الأصل في الاستفهام التصدير به كما هو معلوم في محله.
والمعنى على هذا واضح وهو أنّهم أنكروا بعثهم أنفسهم بأداة الإنكار التي هي
الهمزة، وعطفوا على ذلك بالواو إنكارهم بعث آبائهم الأولين، بأداة الإنكار التي هي
الهمزة المقدمة عن محلها لفظاً لا رتبة، وهذا القول هو قول الأقدمين من علماء
العربية، واختاره أبو حيان في البحر المحيط وابن هشام في مغني اللبيب، وهو الذي
صرنا نميل إليه أخيراً بعد أن كنا نميل إلى غيره.
الوجه الثاني: هو أن همزة الاستفهام في محلها الأصلي، وأنها متعلقة بجملة
محذوفة، والجملة المصدرة بالاستفهام معطوفة على المحذوفة بحرف العطف الذي بعد
الهمزة، وهذا الوجه يميل إليه الزمخشري في أكثر المواضع من كشافه، وربما مال إلى غيره.
وعلى هذا القول، فالتقدير: أمبعوثون نحن وآباؤنا الأولون؟! وما ذكره
الزمخشري هنا من أن قوله: وآباؤنا، معطوف على واو الرفع في قوله: المبعوثون. وأنه
ساغ العطف على ضمير رفع متصل من غير توكيد بالضمير المنفصل لأجل الفصل
بالهمزة لا يصح، وقد رده عليه أبو حيان وابن هشام وغيرهما .

١٤٧٠
سورة الواقعة الآيات (٤١ - ٤٧)
وهذا الوجه الأخير مال إليه ابن مالك في الخلاصة في قوله:
· وعطفك الفعل على الفعل يصح
وحذف متبوع بدا هنا استبح.
وقرأ هذا الحرف قالون وابن عامر: ((أَوْ آباؤنا)» بسكون الواو، والذي يظهر لي
على قراءتهما ((أو)) بمعنى الواو العاطفة، وأن قوله: ((آباؤنا))، معطوف على محل
المنصوب الذي هو اسم إن؛ لأن عطف المرفوع على منصوب إن بعد ذكر خبرها جائز
بلا نزاع؛ لأنّ اسمها وإن كان منصوباً فأصله الرفع لأنه مبتدأ في الأصل، كما قال ابن
مالك في الخلاصة:
وجائز رفعك معطوفاً على
منصوب إن بعد أن تستكملا
وإنما قلنا إن ((أو)) بمعنى الواو؛ لأن إتيانها بمعنى الواو معروف في القرآن وفي
كلام العرب، فمنه في القرآن: ﴿فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا ﴾َ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴾﴾ [المرسلات]، لأنّ
الذكر الملقي للعذر، والنذر معاً لا لأحدهما؛ لأن المعنى أنها ألقت الذكر إعذاراً
وإنذاراً، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، أي ولا كفوراً،
وهو كثير في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معد يكرب:
.
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم
ما بين ملجم مهره أو سافع
فالمعنى ما بين الملجم مهره وسافع: أي آخذ بناصيته ليلجمه، وقول نابغة ذبيان:
إلى حمامتنا أو نصفه فقد
قالت ألا ليت ما هذا الحمام لنا
ستاً وستين لم تنقص ولم تزد
فحسبوه فألفوه كما زعمت
فقوله: أو نصفه؛ بمعنى ونصفه كما هو ظاهر من معنى البيتين المذكورين؛ لأن
مرادها أنها تمنت أن يكون الحمام المار بها هو ونصفه معه لها مع حمامتها التي معها،
ليكون الجميع مائة حمامة، فوجدوه ستاً وستين ونصفها ثلاث وثلاثون، فيكون
المجموع تسعاً وتسعين، والمروي في ذلك عنها أنها قالت:
إلى حمامتيه
ليت الحمام ليه
تم الحمام مايه
ونصفه قديه
وقول توبة بن الحمير:
لنفسي تقاها أو عليها فجورها
قد زعمت ليلى بأني فاجر
وقوله تعالى: ﴿أَبِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمًا أَمِنَا لَمَبْعُونُونَ﴾؛ أجمع عامة القراء على
إثبات همزة الاستفهام في قوله: أإذا متنا، وأثبتها أيضاً عامة السبعة غير نافع والكسائي
في قوله: أإنا، وقرأه نافع والكسائي إنا لمبعوثون، بهمزة واحدة مكسورة على الخبر،
كما عقده صاحب الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع بقوله:
فصير الثاني منه خبرا
فصل والإستفهام إن تكررا
مے

١٤٧١
سورة الواقعة: الآيتان (٤٩ - ٥٠)
. إلخ
واعكسه في النمل وفوق الروم
والقراءات في الهمزتين في ((أإذا)) و((أإنا)) معروفة، فنافع يسهل الهمزة الثانية بين
بين. ورواية قالون عنه هي إدخال ألف بين الهمزتين الأولى المحققة والثانية المسهلة.
ورواية قالون هذه عن نافع بالتسهيل والإدخال مطابقة لقراءة أبي عمرو، فأبو
عمرو وقالون عن نافع يسهلان ويدخلان، ورواية ورش عن نافع هي تسهيل الأخيرة
منهما بين بين من غير إدخال ألف. وهذه هي قراءة ابن كثير وورش؛ فابن كثير وورش
يسهلان ولا يدخلان.
وقرأ هشام عن ابن عامر بتحقيق الهمزتين، وبينهما ألف الإدخال.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر بتحقيق الهمزتين من غير
ألف الإدخال، هذه هي القراءات الصحيحة، في مثل أإذا وأإنا، ونحو ذلك في القرآن.
تنبيه: اعلم: وفقني الله وإياك أنّ ما جرى في الأقطار الإفريقية من إبدال الأخيرة
من هذه الهمزة المذكورة وأمثالها في القرآن هاء خالصة من أشنع المنكر وأعظم
الباطل، وهو انتهاك لحرمة القرآن العظيم وتعد لحدود الله، ولا يعذر فيه إلا الجاهل
الذي لا يدري، الذي يظن أن القراءة بالهاء الخالصة صحيحة، وإنما قلنا هذا لأن
إبدال الهمزة فيما ذكر هاء خالصة لم يروه أحد عن رسول الله وَلقر، ولم ينزل عليه به
جبريل البتة، ولم يرو عن صحابي ولم يقرأ به أحد من القراء، ولا يجوز بحال من
الأحوال، فالتجرؤ على الله بزيادة حرف في كتابه، وهو هذه الهاء التي لم ينزل بها
الملك من السماء البتة، هو كما ترى، وكون اللغة العربية قد سمع فيها إبدال الهمزة
هاء لا يسوغ التجرؤ على الله بإدخال حرف في كتابه لم يأذن بإدخاله الله ولا رسوله.
ودعوى أنّ العمل جرى بالقراءة بالهاء لا يعول عليها؛ لأن جريان العمل بالباطل
باطل، ولا أسوة في الباطل بإجماع المسلمين، وإنما الأسوة في الحق، والقراءة سنة
متبعة مروية عن رسول الله وَ﴾، وهذا لا خلاف فيه.
وقوله تعالى: ﴿مِنْنَا﴾، قرأه ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو وشعبة عن عاصم متنا
بضم الميم وقرأه نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ((مِتْنا)) بكسر الميم، وقد
قدَّمنا مسوغ كسر الميم لغة في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ
هَذَا﴾ [مريم: ٢٣].
٢٥٠﴾. لما
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ ﴿ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَوْمِ مَعْلُوم.
أنكر الكفار بعثهم وآباءهم الأولين في الآية المتقدمة، أمر الله نبيه وَله أن يخبرهم خبراً
مؤكداً بأن الأولين والآخرين كلهم مجموعون يوم القيامة للحساب والجزاء بعد بعثهم.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من بعث الأولين والآخرين وجمعهم يوم القيامة؛
جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَّوْمِ الْجَنَّعِ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابْنِ﴾ [التغابن: ٩]،

١٤٧٢
سورة الواقعة: الآيات (٥١ - ٥٧)
وقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧]. وقوله تعالى:
﴿رَبَّنََّ إِنَّكَ جَامِعُ اَلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيَةٍ﴾ ... الآية [آل عمران: ٩]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ
يَوْمٌ تَجِّمُوْعُ لَّهُ النَّاسُ﴾ [هود: ١٠٣]. وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ جَمَعْنَكُمْ وَالْأَوَّلِينَ
[المرسلات] وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِرٌ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
وقد قدَّمنا هذا موضحاً في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْتَهَا
مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ تَجِيبٍ (®)
لَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِّنِ زَقُومٍ (٨٧) فَالِئُونَ مِنْهَا
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ
الْبُطُونَ
قد قدّمنا إيضاح هذا
٥٥
فَشَرِيُونَ شُرْبَ الِمِ
، فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ لَلَسِيمِ (@)
وتفسيره في سورة الصافات، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ
﴾ [الصافات].
النزل بضمتين: هو رزق الضيف الذي
تعالى: ﴿هَذَا نُهُمْ يَوْمَ الِدِينِ
يقدم له عند نزوله إكراماً له، ومنه قوله: ﴿إِنَّ الَّيْنَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ كَانَتْ لَمْ جَنَّتُ
[الكهف]، وربما استعملت العرب النزل في ضد ذلك على سبيل
١٠٧
الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا
التهكم والاحتقار، وجاء القرآن باستعمال النزل فيما يقدم لأهل النار من العذاب كقوله
هنا في عذابهم المذكور في قولهم: ﴿لَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّنْ زَقُومٍ (49)﴾؛ إلى قوله: ﴿شُرْبَ
اَلِيمِ (®َ هَذَا نُزُقُمْ﴾؛ أي هذا العذاب المذكور هو ضيافتهم ورزقهم المقدم لهم عند
نزولهم في دارهم التي هي النار، كقوله تعالى للكافر الحقير الذليل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ
اَلْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾﴾ [الدخان].
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من إطلاق النزل على عذاب أهل النار، جاء
موضحاً في غير هذا الموضع كقوله في آخر هذه السورة الكريمة: ﴿فَتُلٌ مِنْ حَميِمٍ
وَتَصْلِيَةُ ◌َِيمٍ ﴾﴾، وقوله تعالى في آخر الكهف: ﴿إِنَّ أَعْنَدْنَا جَهَمَ لِلْكَفِنَ كُمْلاَ﴾
[الكهف: ٦٠٢]، ونظير ذلك من كلام العرب قول أبي السعد الضبي:
جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا
وقوله: ﴿يَوْمَ الْتِينِ﴾ أي يوم الجزاء كما تقدم مراراً.
قوله تعالى: ﴿فَحْنُ خَلَقْتَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّفُونَ (69)﴾. لما أنكر الكفار بعثهم وآباءهم
الأولين، وأمر الله رسوله أن يخبرهم أنه تعالى باعث جميع الأولين والآخرين، وذكر جزاء
منكري البعث بأكل الزقوم وشرب الحميم، أتبع ذلك بالبراهين القاطعة الدالة على البعث
فقال: نحن خلقناكم هذا الخلق الأول فلولا تصدقون، أي فهل لا تصدقون بالبعث الذي
هو الخلق الثاني؛ لأن إعادة الخلق لا يمكن أن تكون أصعب من ابتدائه كما لا يخفى.
وهذا البرهان على البعث بدلالة الخلق الأول على الخلق الثانى، جاء موضحا
آيات كثيرة جداً كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيَّةٍ﴾
فی

١٤٧٣
سورة الواقعة: الآيتان (٥٨ - ٥٩)
[الروم: ٢٧]، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدٍُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنََّ فَعِلِينَ﴾
[الأنبياء: ١٠٤]، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْتَكُمْ يَمِّن
تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيِهَا الَّذِىّ أَشَأَهَا أَوْلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]، وقوله
تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَّا قُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٌ﴾ [الإسراء: ٥١]، والآيات بمثل هذا
كثيرة معلومة، وقد ذكرناها بإيضاح وكثرة في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك في
سورة البقرة، والنحل، والحج، والجاثية، وغير ذلك من المواضع وأحلنا عليها كثيراً.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَوَلَا تُصَدِّقُونَ﴾، (لولا)) حرف تحضيض،
ومعناه الطلب بحث وشدة، فالآية تدل على شدة حث الله للكفار وحضه لهم على
التصديق بالبعث لظهور برهانه القاطع الذي هو خلقه لهم أولاً .
ج﴾. قد قدَّمنا
قوله تعالى: ﴿أَفَّهَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ﴿٨ ،َأَتُمُ تَخْلُقُونَهُ، أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ
قريباً كلام أهل العلم في همزة الاستفهام المتبوعة بأداة عطف، وذكرناه قبل هذا مراراً،
وقوله تعالى: ﴿أَفََّيْتُم مَّا تُمْنُونَ ﴾﴾، يعني أفرأيتم ما تصبونه من المني في أرحام
النساء، فلفظة ((ما)) موصولة، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد إلى الصفة
محذوف؛ لأنه منصوب بفعل، والتقدير: أفرأيتم ما تمنونه، والعرب تقول: أمنى النطفة
بصيغة الرباعي، يمنيها بضم حرف المضارعة، إذا أراقها في رحم المرأة، ومنه قوله
[النجم]، ومنى يمني بصيغة الثلاثي لغة صحيحة. إلا أن
تعالى: ﴿مِن تُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَ (4)
القراءة بها شاذة.
وممن قرأ: ((تُمْنُونَ)) بفتح التاء مضارع في الثلاثي المجرد، أبو السمال وابن
السميفع، وقوله تعالى: ﴿َأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ، أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ ﴾﴾، استفهام تقرير، فإنهم لا بد
أن يقولوا: أنتم الخالقون، فيقال لهم: إذا كنا خلقنا هذا الإنسان الخصيم المبين من تلك
النطفة التي تمنى في الرحم، فكيف تكذبون بقدرتنا على خلقه مرة أخرى، وأنتم تعلمون
أن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من الابتداء، والضمير المنصوب في ((تخلقونه)) عائد
إلى الموصول أي تخلقون ما تمنونه من النطف علقاً، ثم مضغا إلى آخر أطواره.
وهذا الذي تضمنته هذه الآية من البراهين القاطعة على كمال قدرة الله على البعث
وغيره، وعلى أنّه المعبود وحده، ببيان أطوار خلق الإنسان، جاء موضحاً في آيات
أخر، وقد قدَّمنا الكلام على ذلك مستوفىّ بالآيات القرآنية، وبينا ما يتعلق بكل طور من
أطواره من الأحكام الشرعية في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا
النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّنْ تُرَابٍ﴾ الآية [الحج: ٥].
وذكرنا أطوار خلق الإنسان في سورة الرحمن أيضاً، في الكلام على قوله تعالى:
﴿خَلَقَ الْإِسَنَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾﴾ [الرحمن]، وفي غير ذلك من المواضع. وبيّنا الآيات
الدالة على أطوار خلقه جملة وتفصيلاً في الحج.

١٤٧٤
سورة الواقعة: الآيتان (٦٠ - ٦١)
تنبيه: هذا البرهان الدال على البعث الذي هو خلق الإنسان من نطفة مني تمنى،
يجب على كل إنسان النظر فيه؛ لأنّ الله - جلّ وعلا - وجه صفة الأمر بالنظر فيه إلى
مني الإنسان، والأصل في صيغة الأمر على التحقيق الوجوب إلا لدليل صارف عنه،
﴾﴾ ... الآية
خُلِقَ مِن مَّآءِ دَافِقٍ
وذلك في قوله تعالى: ﴿فَيُظُرِ الْإِنسَانُ مِنَّ خُلِقَ (@)
[الطارق: ٦،٥]، وقد قدَّمنا شرحها في أول سورة النحل. وقرأ هذا الحرف نافع،
((أفرأيتم)) بتسهيل الهمزة بعد الراء بين بين.
والرواية المشهورة التي بها الأداء عن ورش عنه إبدال الهمزة ألفاً وإشباعها
لسكون الياء بعدها .
وقرأه الكسائي: ((أفرأيتم)) بحذف الهمزة، وقرأه باقي السبعة بتحقيق الهمزة.
وقوله تعالى: ﴿َأَثُمْ﴾؛ قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر في
إحدى الروايتين بتسهيل الهمزة الثانية، والرواية المشهورة التي بها الأداء عن ورش عن
نافع إبدال الثانية ألفاً مشبعاً مدها لسكون النون بعدها، وقرأه عاصم وحمزة والكسائي
وهشام عن ابن عامر في الرواية الأخرى بتحقيق الهمزتين، وقالون، وأبو عمرو وهشام
بألف الإدخال بين الهمزتين والباقون بدونها .
قوله تعالى: ﴿يَحْنُ قَدَرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
عَلَى أَن تُبَدِّلَ أَمْتَلَكُمْ وَنُنِشِئَكُمْ
٦٠
فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣)﴾. قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير ابن كثير، ((قَدَّرْنًا)) بتشديد
الدال، وقرأه ابن كثير بتخفيفها. وقد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنّ الآية
الكريمة قد يكون فيها وجهان أو أكثر من التفسير، ويكون كل ذلك صحيحاً، وكله
يشهد له قرآن، فنذكر الجميع وأدلته من القرآن، ومن ذلك هذه الآية الكريمة.
وإيضاح ذلك أن في قوله: ﴿قَدَّرْنَا﴾ وجهين من التفسير وفيما تتعلق به ﴿عَلَى أَن
تُبَدِّلَ﴾؛ وجهان أيضاً، فقال بعض العلماء، وهو اختيار ابن جرير أن قوله: ﴿قَدَّرْنَا بَيْتَكُمُ
الْمَوْتَ﴾؛ أي قدّرنا لموتكم آجالاً مختلفة وأعماراً متفاوتة؛ فمنكم من يموت صغيراً
ومنكم من يموت شاباً، ومنكم من يموت شيخاً.
وهذا المعنى دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ
أَشُنَّكُمْ وَمِنكُم مَن يُوَلَّى وَمِنكُمْ مَن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج: ٥]. وقوله تعالى:
﴿ُثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخَاً وَمِنْكُمْ مَن يُنَوَّ مِن قَبْلٌ وَلِئَبْلُغُواْ أَجَلًا مُسَنَّى
وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن ◌ُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِةٍ إِلَّا
فِي كِتَبٍ﴾ [فاطر: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١].
وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾؛ أي ما نحن بمغلوبين، والعرب تقول: سبقه على كذا أي
غلبه عليه وأعجزه عن إدراكه؛ أي وما نحن بمغلوبين على ما قدرنا من آجالكم وحددناه
من أعماركم، فلا يقدر أحد أن يقدم أجلاً أخرناه ولا يؤخر أجلاً قدَّمناه.

١٤٧٥
سورة الواقعة: الآيتان (٦٠ - ٦١)
وهذا المعنى دلت عليه آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُرُونَ سَاعَةٌ
وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرٌ﴾ الآية [نوح: ٤]،
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران: ١٤٥]
إلى غير ذلك من الآيات.
وعلى هذا القول، فقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تُبَذِّلَ أَمْتَلَكُمْ﴾؛ ليس متعلقاً بمسبوقين بل
بقوله تعالى: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾؛ والمعنى: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل
أمثالكم؛ أي نبدل من الذين ماتوا أمثالاً لهم نوجدهم.
وعلى هذا، فمعنى تبديل أمثالهم إيجاد آخرين من ذرية أولئك الذي ماتوا، وهذا
المعنى تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ
يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَغْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم ◌َا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ ◌َآخَرِنَ
[الأنعام]؛ إلى غير ذلك من الآيات.
وهذا التفسير هو اختيار ابن جرير، وقراءة «قَدَّرْنَا)) بالتشديد مناسبة لهذا الوجه،
وكذلك لفظة ((بينكم)).
الوجه الثاني: أنّ قدرنا بمعنى قضينا وكتبنا أي كتبنا الموت وقدرناه على جميع
الخلق، وهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا
وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ اٌلْوَّتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقوله
تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيّ الَّذِى لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وعلى هذا القول فقوله: ﴿عَلَىّ
أَنْ تُبَدِّلَ﴾: متعلق بمسبوقين أي ما نحن بمغلوبين والمعنى وما نحن بمغلوبين على أنّ
نبدل أمثالكم إن أهلكناکم لو شئنا فنحن قادرون على إهلاكکم، ولا يوجد أحد یغلبنا
ويمنعنا من خلق أمثالكم بدلاً منكم.
وهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا
﴾ [النساء]. وقوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ
اَلنَّاسُ وَيَأْتِ بِشَاخَيْنَّ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا
يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَغْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، وقوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
﴾ [إبراهيم]. وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَوْأْ
٢٠
وَيَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ ﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقد قدَّمنا هذا في سورة النساء.
في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [النساء: ١٣٣]. وقوله تعالى
في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فيه للعلماء أقوال متقاربة.
وقال بعضهم: ننشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من الصور والهيئات، كأنّ
ننشئكم قردة وخنازير، كما فعلنا ببعض المجرمين قبلكم.
وقال بعضهم: ننشئكم فيما لا تعلمونه من الصفات، فنغير صفاتكم ونجمل المؤمنين
ببياض الوجوه، ونقبح الكافرين بسواد الوجوه وزرقة العيون. إلى غير ذلك من الأقوال.

٠١٤٧٦ -
سورة الواقعة: الآيات (٦٣ - ٦٥)
ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الَّرِعُونَ ﴿ لَوْ نَشَآءُ
ـوله تعالى: ﴿أَفََّيْتُم ◌َا تَخُونَ
لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾﴾. تضمنت هذه الآية الكريمة برهاناً قاطعاً ثانياً على
البعث وامتناناً عظيماً على الخلق بخلق أرزاقهم لهم، فقوله تعالى: ﴿أَفََّيْثُ مَّا تَخُونَ
﴾، يعني أفرأيتم البذر الذي تجعلونه في الأرض بعد حرثها أي تحريكها وتسويتها
أأنتم تزرعونه، أي تجعلونه زرعاً، ثم تنمونه إلى أن يصير مدركاً صالحاً للأكل أم نحن
الزارعون له، ولا شك أنّ الجواب الذي لا جواب غيره هو أن يقال: أنت يا ربنا هو
الزارع المنبت، ونحن لا قدرة لنا على ذلك، فيقال لهم: كل عاقل يعلم أن من أنبت
هذا السنبل من هذا البذر الذي تعفن في باطن الأرض قادر على أن يبعثكم بعد موتكم.
وكون إنبات النبات بعد عدمه من براهين البعث، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله:
﴿وَمِنْ ءَايَلِهِ- أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِىَ أَحْيَاهَا لَمُحِى
اٌلْمَوْنَى﴾ [فصلت: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿فَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ
مَوْتِهَاْ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِىِ الْمَوْنَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ [الروم]، وقوله تعالى: ﴿حَّةَ إِذَا
أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَلْنَا بِهِ اَلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّعَزَّتِ كَذَلِكَ تُخْرِجُ
اَلْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧].
والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدَّمناها مستوفاة مع سائر آيات براهين
البعث في مواضع كثيرة في سورة البقرة والنحل والجاثية، وغير ذلك من المواضع،
وأحلنا عليها مراراً .
تنبيه: اعلم: أنّه يجب على كل إنسان أن ينظر في هذا البرهان الذي دلت عليه
هذه الآية الكريمة؛ لأن الله - جلّ وعلا - وجه في كتابه صيغة أمر صريحة عامة في كل
ما يصدق عليه مسمى الإنسان بالنظر في هذا البرهان العظيم المتضمن للامتنان لأعظم
النعم على الخلق، وللدلالة على عظم الله وقدرته على البعث وغيره، وشدة حاجة خلقه
إليه مع غناه عنهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلْظُرِ اَلْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴿ أَنَا صَبِّنَا الْعَّمَ صَبًّا (مَّ)
ثُمَّ شَفَقْنَا الْأَرْضَ شَقَّا ﴿َ فَأَبَتَ فِيهَا حَبّاً (َ وَعِنْبً وَقَضْبًا
٣٥
وَحَدَآئِقَ غُلَمَا
وَزَيْتُوْنَا وَنَخْلاً
وَفَكِهَةٌّ وَأَبََّ ﴿ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ (َ)﴾ [عبس].
والمعنى: انظر أيها الإنسان الضعيف إلى طعامك كالخبز الذي تأكله ولا غنى لك
عنه، من هو الذي خلق الماء الذي صار سبباً لإنباته هل يقدر أحد غير الله على خلق
الماء؟ أي إبرازه من أصل العدم إلى الوجود. ثم هب أن الماء خلق، هل يقدر أحد
غير الله أن ينزله على هذا الأسلوب الهائل العظيم الذي يسقي به الأرض من غير هدم
ولا غرق؟ ثم هب أن الماء نزل في الأرض، من هو الذي يقدر على شق الأرض عن
مسار الزرع؟ ثم هب أن الزرع طلع، فمن هو الذي يقدر على إخراج السنبل منه؟ ثم
هب أن السنبل خرج منه، فمن هو الذي يقدر على إنبات الحب فيه وتنميته حتى يدرك
صالحاً للأكل؟ ﴿ أَنْظُرُواْ إِلَى ثَمَرِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَتْحِدَّةٍ إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
٦

١٤٧٧
سورة الواقعة: الآيات (٦٨ - ٧٠) .
[الأنعام: ٩٩]، والمعنى: انظروا إلى الثمر وقت طلوعه ضعيفاً لا يصلح للأكل، وانظروا
إلى ينعه؛ أي انظروا إليه بعد أن صار يانعاً مدركاً صالحاً للأكل، تعلموا أن الذي رباه
ونماه حتى صار كما ترونه وقت ينعه قادر على كل شيء منعم عليكم عظيم الإنعام،
ولذا قال: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكُمْ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، فاللازم أن يتأمل الإنسان
وينظر في طعامه ويتدبر قوله تعالى: ﴿أَنَّ صَيِّنَ الْمَ صَبَّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ﴾
[عبس: ٢٥، ٢٦]، أي عن النبات شقاً إلى آخر ما بيناه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا﴾؛ يعني لو نشاء
تحطيم ذلك الزرع لجعلناه حطاماً؛ أي فتاتاً وهشيماً، ولكنا لم نفعل ذلك رحمة بكم،
ومفعول فعل المشيئة محذوف للاكتفاء عنه بجزاء الشرط، وتقديره كما ذكرنا .
.. وقوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. قال بعض العلماء: المعنى فظلتم تعجبون من تحطيم
زرعكم. وقال بعض العلماء: تفكهون بمعنى تندمون على ما خسرتم من الإنفاق عليه
كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَقَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٤٢]. وقال بعض العلماء:
تندمون على معصية الله التي كانت سبباً لتحطيم زرعكم، والأول من الوجهين في سبب
الندم هو الأظهر.
٦٩
ءَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَ نَحْنُ الْمُفِلُونَ
٦٨
قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ
٧٠
لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ
تضمنت هذه الآية الكريمة امتناناً عظيماً على خلقه بالماء الذي يشربونه، وذلك
أيضاً آية من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته وشدة حاجة خلقه إليه، والمعنى:
أفرأيتم الماء الذي تشربون الذي لا غنى لكم عنه لحظة، ولو أعدمناه لهلكتم جميعاً في
أقرب وقت: ﴿ءَأَنْتُمْ أَنْزَّلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ﴾﴾؟.
والجواب الذي لا جواب غيره هو أنت يا ربنا منزله من المزن، ونحن لا قدرة
لنا على ذلك. فيقال لهم: إذا كنتم في هذا القدر من شدة الحاجة إليه تعالى فلم
تكفرون به وتشربون ماءه وتأكلون رزقه وتعبدون غيره؟ وما تضمنته هذه الآية الكريمة من
الامتنان على الخلق بالماء وأنهم يلزمهم الإيمان بالله وطاعته شكراً لنعمة هذا الماء،
كما أشار له هنا بقوله: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾؛ جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله
تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَسْقَيْتَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُمْ بِخَزِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]، وقوله
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ
[النحل: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا ﴿﴿ لِنُحْعِىَ بِهِ بَلْدَةٌ مَّيْتًا وَنُشْقِيَهُ
مِنَا خَلَقْنَاً أَنْعَمَّا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. وقوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَكُم ◌ََّ فُرَاتًا﴾
[النحل: ١٠]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله هنا: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجًا﴾؛ أي لو
نشاء جعله أجاجاً لفعلنا، ولكن جعلناه عذباً فراتاً سائغاً شرابه، وقد قدَّمنا في سورة
الفرقان أن الماء الأجاج هو الجامع بين الملوحة والمرارة الشديدتين.

١٤٧٨ ــــ
سورة الواقعة: الآيات (٦٨ - ٧٠)
:.. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه تعالى لو شاء لجعل الماء غير صالح
للشراب، جاء معناه في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيَّكُمْ
بِمَآءٍ مَّعِينٍ ﴾﴾ [الملك]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءُ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِى الْأَرْضِّ وَإِنَّا
عَلَى ذَهَاٍ بِه لَقَدِرُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]، لأنّ الذهاب بالماء وجعله غوراً لم يصل إليه
وجعله أجاجاً، كل ذلك في المعنى سواء بجامع عدم تأتي شرب الماء، وهذه الآيات
المذكورة تدل على شدة حاجة الخلق إلى خالقهم كما ترى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾؛ يدل على أن جميع
الماء الساكن في الأرض النابع من العيون والآبار ونحو ذلك، أن أصله كله نازل من
المزن، وأن الله أسكنه في الأرض وخزنه فيها لخلقه.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَّهُ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِى الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ
اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَّاءِ مَآءَ فَسَلَكَهُ, يَكِيعَ فِىِ اْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]، وقد قدَّمنا هذا في سورة
الحجر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآَ فَلَسْقَيْتَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ
◌ِخَزِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]، وفي سورة سبأ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى
اَلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ ... الآية [سبأ: ٢].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾؛ ((فلولا)) بمعنى هلّا، وهي
حرف تحضيض، وهو الطلب بحث وحض، والمعنى أنهم يطلب منهم شكر هذا المنعم
العظيم بحث وحض.
واعلم: أنّ الشكر يطلق من العبد لربه ومن الرب لعبده.
فشكر العبد لربه ينحصر معناه في استعماله جميع نعمه فيما يرضيه تعالى، فشكر
نعمة العين ألا ينظر بها إلا إلى ما يرضي من خلقها وهكذا في جميع الجوارح، وشكر
نعمة المال أن يقيم فيه أوامر ربه ويكون مع ذلك شاكر القلب واللسان، وشكر العبد
لربه جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى هنا: ﴿فَلَوْلَا نَشْكُرُونَ﴾؛ وقوله تعالى: ﴿وَأَشْكُرُواْ
لِ وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وأما شكر الرب لعبده فهو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّنَا
لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ [فاطر: ٣٤] إلى غير ذلك من الآيات.
تنبيه لغوي: اعلم: أنّ مادة الشكر تتعدى إلى النعمة تارة، وإلى المنعم أخرى،
فإن عديت إلى النعمة تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر كقوله تعالى: ﴿رَبٍ أَوْزِعْنِيّ أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّىَ أَنْعَمْتَ عَّ﴾ ... الآية [النمل: ١٥٢]، وإن عديت إلى المنعم تعدت
إليه بحرف الجر الذي هو اللام كقولك: نحمد الله ونشكر له، ولم تأت في القرآن

١٤٧٩
سورة الواقعة: الآيات (٧١ - ٧٣) -
أَنِ
معداة إلا باللام، كقوله: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقوله: ﴿
اشْكُرْ لِ وَلَوَ لِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] وقوله: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِنَاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:
٢]. وقوله: ﴿فَبْثَغُوْ عِنْدَ اللَّهِ الْرِزْقَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُ، إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]،
إلى غير ذلك من الآيات.
وهذه هي اللغة الفصحى، وتعديتها للمفعول بدون اللام لغة لا لحن، ومن ذلك
قول أبي نخيلة:
وما كل من أوليته نعمة يقضى
شكرتك إن الشكر حبل من اتقى
وقول جميل بن معمر:
على عذبة الأنياب طيبة النشر
خليلي عوجا اليوم حتى تسلما
شكرتكما حتى أغيب في قبري
فإنكما إن عجتما لي ساعة
وهذه الآيات من سورة الواقعة قد دلت على أن اقتران جواب لو باللام، وعدم
اقترانه بها كلاهما سائغ؛ لأنه تعالى قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا﴾؛ باللام ثم قال:
﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْتَهُ أُجَاجًا﴾ بدونها .
قوله تعالى: ﴿أَفَرََّيْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُوُرُونَ ﴿٨ ءَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَّهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ
نَحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَتَعًا لِلْمُقْوِينَ
قوله تعالى: ﴿اَلَّتِى تُورُونَ﴾؛ أي توقدونها من قولهم: أورى النار إذا قدحها
وأوقدها، والمعنى: أفرأيتم النار التي توقدونها من الشجر أأنتم أنشأتم شجرتها التي
توقد منها، أي أوجدتموها من العدم؟
والجواب الذي لا جواب غيره: أنت يا ربنا هو الذي أنشأت شجرتها، ونحن لا
قدرة لنا بذلك، فيقال: كيف تنكرون البعث وأنتم تعلمون أن من أنشأ شجرة النار
وأخرجها منها قادر على كل شيء؟! وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون خلق النار
من أدلة البعث، جاء موضحاً في يس في قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيهُ ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُم مِنْهُ تُوقِدُونَ
﴾ [يس]. فقوله في آخر يس: ﴿تُوقِدُونَ﴾؛ هو معنى قوله في الواقعة: ﴿تُوُرُونَ﴾ ؛
وقوله في آية يس: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾؛ بعد قوله: ﴿يُحْبِيَهَا الَّذِىّ
أَنشَأَهَا أَوْلَ مَزَّةٍ﴾ دليل واضح على أن خلق النار من أدلة البعث.
وقوله هنا: ﴿وَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾؛ أي الشجرة التي توقد منها كالمرخ والعفار،
ومن أمثال العرب: في كل شجر نار، واستنجد المرخ والعفار؛ لأن المرخ والعفار هما
أكثر الشجر نصيباً في استخراج النار منهما، يأخذون قضيباً من المرخ ويحكون به عوداً
من العفار فتخرج من بينهما النار. ويقال كل شجر فيه نار إلا العناب.
وقوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْتَهَا تَذْكِرَةً﴾؛ أي نذكر الناس بها في دار الدنيا إذا أحسوا شدة

١٤٨٠
سورة الواقعة: الآيات (٧٥ - ٠٨
حرارتها؛ نار الآخرة التي هي أشد منها حراً لينزجروا عن الأعمال المقتضية لدخول
النار، وقد صح عنه ): أن حرارة نار الآخرة مضاعفة على حرارة نار الدنيا سبعين
مرة، فهي تفوقها بتسع وستين ضعفا كل واحد منها مثل حرارة نار الدنيا .
وقوله تعالى: ﴿وَمَتَعًا لِلْمُقْوِينَ﴾؛ أي منفعة للنازلين بالقواء من الأرض؛ وهو
الخلاء والفلاة التي ليس بها أحد، وهم المسافرون؛ لأنهم ينتفعون بالنار انتفاعاً عظيماً
في الاستدفاء بها والاستضاءة وإصلاح الزاد.
:. وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون اللفظ وارداً
للامتنان. وبه تعلم أنه لا يعتبر مفهوماً للمقوين؛ لأنه جيء به للامتنان أي وهي متاع
أيضاً لغير المقوين من الحاضرين بالعمران، وكل شيء خلا من الناس يقال له أقوى،
فالرجل إذا كان في الخلا قيل له: أقوى. والدار إذا خلت من أهلها قيل لها أقوت.
ومنه قول نابغة ذبيان :
أقوت وطال عليها سالف الأبد
يا دار مية بالعلياء فالسند
وقول عنترة :
حيت من طلل تقادم عهده
أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
وقيل: للمقوين: أي للجائعين، وقيل غير ذلك، والذي عليه الجمهور هو ما ذكرنا.
قوله تعالى: ﴿﴿° فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
قد قدَّمنا الكلام عليه في أول سورة النجم.
(٩٦
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمُوَ حَقُّ الْيَمِينِ ﴿ فَسَحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة، وأكد إخباره بأن هذا القرآن العظيم هو
حق اليقين، وأمر نبيه بعد ذلك بأن يسبح باسم ربه العظيم.
وهذا الذي تضمنته هذه الآية ذكره الله - جلّ وعلا - في آخر سورة الحاقة في قوله
في وصفه للقرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةُ عَلَى الْكَفِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِيِنِ ﴿﴿ فَيَحْ بِأْسِمِ رَيِّكَ
﴾ [الحاقة]، والحق هو اليقين.
الْعَظِيمِ (٥)
وقد قدَّمنا أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين أسلوب عربي، وذكرنا
كثرة وروده في القرآن وفي كلام العرب، ومنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ﴾
[يونس: ١٠٩]، والدار هي الآخرة، وقوله: ﴿وَمَكْرَ السَّبِيّ﴾ [فاطر: ٤٣]، والمكر هو
السيء بدليل قوله بعده: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
وقوله: ﴿مِنَّ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، والحبل هو الوريد، وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾
[البقرة: ١٨٥]، والشهر هو رمضان.
ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس: