Indexed OCR Text
Pages 1401-1420
١٤٠١ سورة ق: الآيات (١٦ - ١٨) أصعب من البدء، والآيات الدالة على هذا كثيرة جداً، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ﴾ [الروم: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَاً أَوَلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ﴾ [الإسراء: ٥١]، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد أوضحنا الآيات الدالة على براهين البعث التي يكثر الاستدلال عليه بها في القرآن، كخلق الناس أولاً، وخلق السماوات والأرض وما فيهما، وإحياء الأرض بعد موتها، وغير ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، في البقرة والنحل والحج والجاثية وغير ذلك، وأحلنا على ذلك مراراً كثيرة. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا نُوَسّوِسُ بِهِ، نَفْسٌُ﴾. وقد قدَّمنا الآيات الموضحة له في أول سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَقْتُوُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهٌ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾﴾ [هود]. قوله تعالى: ﴿إِذْ يَلَقَى الْمُّلَفِيَنِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّلِ فَقٌِّ ◌َ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ قوله ((إذ)): منصوب بقوله: ((أقرب))، أي نحن أقرب إليه من حبل رَقِبُ عِيدٌ (®)﴾. الوريد في الوقت الذي يتلقى فيه الملكان جميع ما يصدر منه، والمراد أن الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، في وقت كتابة الحفظة أعماله لا حاجة له لكتب الأعمال؛ لأنه عالم بها لا يخفى عليه منها شيء، وإنما أمر بكتابة الحفظة للأعمال لحكم أخرى كإقامة الحجة على العبد يوم القيامة، كما أوضحه بقوله: ﴿وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَةِ كِتَبًا يَلْقَهُ مَنْشُورًا (٣ آَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ [الإسراء]، ومفعول التلقي في الفعل الذي هو يتلقى، والوصف الْيَوْمَ عَكَ حَسِبًا. الذي هو المتلقيان محذوف تقديره؛ إذ يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإنسان فيكتبانه عليه. قال الزمخشري: والتلقي التلقن بالحفظ والكتابة، اهـ منه، والمعنى واضح؛ لأن الملك يتلقى عمل الإنسان عند صدوره منه فيكتبه عليه، والمتلقيان هما الملكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان، وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد أحدهما عن يمينه ومقعد الآخر عن شماله. والقعيد: قال بعضهم: معناه القاعد، والأظهر أن معناه المقاعد، وقد يكثر في العربية إطلاق الفعل وإرادة المفاعل، كالجليس بمعنى المجالس، والأكيل بمعنى المؤاكل، والنديم بمعنى المنادم، وقال بعضهم: القعيد هنا هو الملازم، وكل ملازم دائماً أو غالباً يقال له قعيد، ومنه قول متمم بن نويرة التميمي: قعيدك ألا تسمعيني ملامة ولا تتكئي فرح الفؤاد فييجعا . والمعنى عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وهو أسلوب عربي معروف، وأنشد له سيبويه في كتابه قول عمرو بن أحمر الباهلي: ١٤٠٢ - سورة ق: الآيات (١٦ - ١٨) بريئاً ومن أجل الطوى رماني رماني بأمر كنت منه ووالدي وقول قيس بن الخطيم الأنصاري: عندك راض والرأي مختلف نحن بما عندنا أنت بما وقول ضابئ بن الحارث البرجمي: فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب فقول ابن أحمر: كنت منه ووالدي بريئاً؛ أي كنت بريئاً منه وكان والدي بريئاً منه. وقوله ابن الخطيم : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض: أي نحن راضون وأنت راض. وقول ضابئ بن الحارث: فإني وقيار بها لغريب: يعني إني لغريب وقيار غريب، وهذا أسلوب عربي معروف. ودعوى أن قوله في الآية: قعيد هي الأولى أخرت وحذفت الثانية لدلالتها عليها؛ لا دليل عليه، ولا حاجة إليه كما ترى؛ لأن المحذوف إذا صحت الدلالة عليه بالأخير فلا حاجة إلى أن هذا الأخير أصله هو الأول، ولا دليل عليه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾؛ أي ما ينطق بنطق ولا يتكلم بكلام إلا لديه، أي إلا والحال أن عنده رقيباً؛ أي ملكاً مراقباً لأعماله حافظاً لها شاهداً عليها لا يفوته منها شيء. عتيد؛ أي حاضر ليس بغائب يكتب عليه ما يقول من خير وشر، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة يكتبون أعماله، جاء موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ ﴿أَمْ [الانفطار]. وقوله تعالى: يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ كِرَامًا كَئِبِينَ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَّا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَجْوَنُهُمَّ بَلَى وَرُسُلْنَا لَدَيْهِمْ يَكْثُبُونَ ﴾﴾ [الزخرف]. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمٍَّ جَائِيَّةٌ كُلُّ أُمٍَّ تُدْعَّ إِلَى كِنَبِهَا اَلْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٨َ هَذَا كِنَبُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ ( [٢٢٩) ﴾ [الجاثية]. وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: كَلَّأَّ سَنَكْنُبُ مَا يَقُولُ﴾ ... الآية [مريم: ٧٩]. وفي سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْعَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]، وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن القعيد الذي هو عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات، وأن صاحب الحسنات أمين على صاحب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: أمهله ولا تكتبها عليه لعله يتوب أو يستغفر؟ وبعضهم يقول: يمهله سبع ساعات، والعلم عند الله تعالى. تنبيه: اعلم أن العلماء اختلفوا في عمل العبد الجائز الذي لا ثواب ولا عقاب عليه، هل تكتبه الحفظة عليه أم لا؟ فقال بعضهم: يكتب عليه كل شيء حتى الأنين في المرض، وهذا هو ظاهر قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عَنِدٌ ﴾﴾. لأن قوله: ((من قول)) نكرة في سياق النفي زيدت قبلها لفظة ((من))، فهي نص صريح في العموم. سورة ق: الآيات (٢٢ - ٣٠) - ١٤٠٣ وقال بعض العلماء: لا يكتب من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب، وكلهم مجمعون على أنه لا جزاء إلا فيما فيه ثواب أو عقاب، فالذين يقولون: لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب، والذين يقولون يكتب الجميع، متفقون على إسقاط ما لا ثواب فيه ولا عقاب، إلا أن بعضهم يقولون لا يكتب أصلاً، وبعضهم يقولون: يكتب أولاً ثم يمحى. وزعم بعضهم أن محو ذلك، وإثبات ما فيه ثواب أو عقاب هو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ﴾ ... الآية [الرعد: ٣٩]. والذين قالوا: لا يكتب ما لا جزاء فيه. قالوا: إنّ في الآية نعتاً محذوفاً سوَّغ حذفه العلم به؛ لأنّ كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب، وتقدير النعت المحذوف، ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء. وقد قدَّمنا أن حذف النعت إذا دل عليه دليل أسلوب عربي معروف، وقدَّمنا أن منه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أي كل سفينة صحيحة لا عيب فيها، بدليل قوله: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيَبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] وقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوْهَا قَبْلَ يَوْمِ اٌلْقِيمَةِ﴾ ... الآية [الإسراء: ٥٨]؛ أي قرية ظالمة بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]، وأن من شواهده قول المرقش الأكبر: ورب أسيلة الخدين بكر مهفهفة لها فرع وجيد أي لها فرع فاحم وجيد طويل. وقول عبيد بن الأبرص: فعل ومن نائله نائل من قوله قول ومن فعله أي قول فصل، وفعل جمیل، ونائل جزل. قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كُتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنَكَ غِطَاءَ فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةَّ بَلْ هُمْ فِ شَّكِ مِنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ()﴾ [النمل]. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (®]). قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير نافع وشعبة عن عاصم: ((يوم نقول)) بالنون الدالة على العظمة، وقرأه نافع وشعبة ((يوم يقول)) بالياء، وعلى قراءتهما فالفاعل ضمير يعود إلى الله، واعلم أن الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ مِن ◌َزِيدٍ﴾؛ فيه للعلماء قولان معروفان؛ الأول: أن الاستفهام إنكاري كقوله تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]؛ أي ما يهلك إلا القوم الظالمون، وعلى هذا فمعنى ﴿هَلْ مِن ◌َزِيدٍ﴾؛ لا محل للزيادة لشدة امتلاء النار، واستدل بعضهم لهذا الوجه بآيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]. قال: فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين، وقد قدَّمنا ١٤٠٤ سورة ق: الآيتان (٣١ - ٣٦) الآيات الموضحة لهذا في سورة يّس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَ الْقَوْلُ عَ أَكْثَرِهِمْ﴾ ... الآية [يس: ٧]؛ لأن إقسامه تعالى في هذه الآية المدلول عليه بلام التوطئة في لأملأن على أنه يملأ جهنم من الجنة والناس، دليل على أنها لا بد أن تمتلئ؛ ولذا قالوا: إن معنى ﴿هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ﴾ لا مزيد، لأني قد امتلأت فليس في محل للمزيد، وأما القول الآخر، فهو أن المراد بالاستفهام في قول النار: ﴿هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ﴾؟ هو طلبها للزيادة، وأنها لا تزال كذلك حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط أي كفاني قد امتلأت، وهذا الأخير هو الأصح، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي وقال: ((أنّ جهنم لا تزال تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط))؛ لأن في هذا الحديث المتفق عليه التصريح بقولها قط قط، أي كفاني قد امتلأت، وأن قولها قبل ذلك هل من مزيد لطلب الزيادة، وهذا الحديث الصحيح من أحاديث الصفات، وقد قدَّمنا الكلام عليها مستوفىّ في سورة الأعراف والقتال، واعلم أن قول النار في هذه الآية: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾، قول حقيقي ينطقها الله به، فزعم بعض أهل العلم أنه كقول الحوض: امتلأ الحوض فقال قطـني مهلاً رويداً قد ملأت بطني وأنّ المراد بقولها ذلك هو ما يفهم من حالها خلاف التحقيق، وقد أوضحنا ذلك بأدلته في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِیرًا (٣)﴾ [الفرقان]. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾﴾. قوله: أزلفت أي قربت. وقوله غير بعيد: فيه معنى التوكيد لقوله: أزلفت، سواء أعربت غير بعيد بأنها حال أو ظرف، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من إزلاف الجنة للمتقين جاء في مواضع أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِرَتْ ﴿ وَإِذَا الْجَنَّةُ أَزْلِفَتْ (٣)﴾ [التكوير]، وقوله تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ ﴾ وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَارِينَ ﴾﴾ [الشعراء]. قال البغوي تخلفهُ في تفسير هذه الآية: غير بعيد ينظرون إليها قبل أن يدخلوها. قوله تعالى: ﴿لَمُ مَّا يَشَآءُونَ فِّا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ. قوله: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ فِيهًا﴾، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيَهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى اَللَّهُ الْمُنَّقِينَ﴾ [النحل: ٣١]. قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. قال بعض العلماء: المزيد النظر إلى وجه الله الكريم، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْفَ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]؛ لأنّ الحسنى الجنة، والزيادة النظر، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُ مِنْهُم بَطْشًا﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ اَلْأَوَّلِينَ (@)﴾. سورة ق: الآيات (٣٨ - ٤٤) - - ١٤٠٥ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِ سِنَّةِ أَيَّامِ وَمَا مَسَّنَا مِن ◌ُغُوپٍ قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وبيّنا هناك أنّ الله أوضح ذلك في فصلت في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]، وأوضحنا ذلك. واللغوب: التعب والإعياء من العمل. قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ ٣٩ اُلْغُرُوبِ ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره تعالى لنبيه و 98 بالصبر على ما يقوله الكفار والتسبيح بحمده - جلّ وعلا - أطراف النهار، قد ذكره الله في غير هذا الموضع كقوله تعالى في أخريات طه: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ مُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهاً وَمِنْ ءَنَآٍَ الَّيْلِ فَسَبِحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (٣)﴾ [طه]، وأمره له بالتسبيح بعد أمره له بالصبر على أذى الكفار فيه دليل على أن التسبيح يعينه الله به على الصبر المأمور به، والصلاة داخلة في التسبيح المذكور كما قدَّمنا إيضاح ذلك، وذكرنا فيه حديث نعيم بن همار في آخر الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩)﴾ [الحجر)، وبيّنا هنالك أن الله أمر بالاستعانة ﴿ فَسَبِخْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ بالصبر وبالصلاة كما قال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْةِ﴾ ... الآية [البقرة: ٤٥]. ١٤٣ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة يس، في الكلام على قوله تعالى: (٥)) ... [يس]. ﴿َنُفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ اُلْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَدِلُونَ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ اَلْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاءَا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾﴾ قرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير، وابن عامر: ((تشقق)) بتشديد الشين بإدغام إحدى التاءين فيها، وقرأ الباقون بتخفيف الشين لحذف إحدى التاءين. وقوله تعالى: ((سراعاً)): جمع سريع، وهو حال من الضمير المجرور في قوله: ((عنهم)) أي تشقق الأرض عنهم في حال كونهم مسرعين إلى الداعي وهو الملك الذي ينفخ في الصور، ويدعو الناس إلى الحساب والجزاء. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الناس يوم البعث يخروجون من قبورهم مسرعين إلى المحشر قاصدين نحو الداعي، جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله. [المعارج]، وقوله كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُونَ مِنَ الْأَبْدَاثِ سِرَاءًا كَأْنَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ( تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾﴾ [يس]. وقوله: ((ينسلون))؛ أي يسرعون، وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَهُمْ جَارٌ مُنْتَيْرٌ ﴿ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٧، ٨]، فقوله ((مهطعين))؛ أي مسرعين مادي أعناقهم على الأصح. ١٤٠٦ - سورة الذاريات: الآيات (١ - ٦) وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة يس، في الكلام على قوله: ﴿فَإِذَا هُم مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِحَبَّارٍ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَفَنَتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. قوله تعالى: ﴿فَذَكِرٌ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة فاطرٍ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوَنَ رَّهُم بِالْغَيْبٍ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ ... الآية [فاطر: ١٨]. براس الرحمن الرحيم سورة الذاريات فَالْمُقَسِّمَتِ أَمْرًاً ٣ فَلْجَرِيَتِ يُسْرًا قوله تعالى: ﴿وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًا ﴿﴿ فَالْحَمِلَتِ وَقْرًا ﴿ إَِّ تُعَدُونَ لَصَادِقٌ ﴾ وَإِنَّ الّذِينَ لَوَيْعٌ ﴾)﴾. أكثر أهل العلم على أنّ المراد بالذاريات الرياح. وهو الحق - إن شاء الله - ويدل عليه أن الذرو صفة مشهورة من صفات الرياح. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوهُ الرِيَخٌ﴾ [الكهف: ٤٥]، ومعنى تذروه: ترفعه وتفرقه، فهي تذرو التراب والمطر وغيرهما، ومنه قول ذي الرمة: ومنهل آجن قفر محاضره تذرو الرياح على جماته البعرا . ولا يخفى سقوط قول من قال: إن الذاريات النساء. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلْحَمِلَتِ وِقْرًا﴾، وقرأ أكثر أهل العلم على أنّ المراد بالحاملات وقراً: السحاب؛ أي المزن تحمل وقراً ثقلاً من الماء. ويدل على هذا القول تصريح الله - جلّ وعلا - بوصف السحاب بالثقال، وهو جمع ثقيلة؛ وذلك لثقل السحابة بوقر الماء الذي تحمله كقوله تعالى: ﴿وَيُنِشِئُ السَّحَابَ اُلِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢]، وهو جمع سحابة ثقيلة، وقوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقال بعضهم: المراد بالحاملات وقراً: السفن تحمل الأثقال من الناس وأمتعتهم، ولو قال قائل: إن الحاملات وقراً الرياح أيضاً لكان وجهه ظاهراً. ودلالة بعض الآيات عليه واضحة؛ لأنّ الله تعالى صرح بأنّ الرياح تحمل السحاب الثقال بالماء، وإذا كانت الرياح هي التي تحمل السحاب إلى حيث شاء الله، ١٤٠٧ سورة الذاريات: الآيات (١ - ٦) - فنسبة حمل ذلك الوقر إليها أظهر من نسبته إلى السحاب التي هي محمولة للرياح، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَّةٍ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ ... الآية [الأعراف: ٥٧]. فقوله تعالى: ﴿حَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]؛ أي حتى إذا حملت الرياح سحاباً ثقالاً، فالإقلال الحمل، وهو مسند إلى الريح، ودلالة هذا على أنّ الحاملات وقراً هي الرياح ظاهرة كما ترى، ويصح شمول الآية لجميع ذلك. وقد قدَّمنا مراراً أنّه هو الأجود في مثل ذلك، وبينا كلام أهل الأصول فيه، وكلامهم في حمل المشترك على معنييه أو معانيه، في أول سورة النور وغيرها . والقول بأن الحاملات وقراً: هي حوامل الأجنة من الإناث، ظاهر السقوط، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَالْخَرِيَتِ يُتْرًا ﴾﴾؛ أكثر أهل العلم على أن المراد بالجاريات يسراً: السفن تجري في البحر يسراً أي جرياً ذا يسر؛ أي سهولة. والأظهر أن هذا المصدر المنكر حال كما قدَّمنا نحوه مراراً؛ أي فالجاريات في حال كونها ميسرة مسخراً لها البحر، ويدل لِهَذَا القول كثرة إطلاق الوصف بالجري على السفن كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِى الْبَحْرِ﴾ ... الآية [الشورى: ٣٢]، وقوله: ﴿إِنَّا لَّا طَغَا الْمَآءُ حَمَلْنَّكُمْ فِ الْجَرِيَّةِ ﴾ [الحاقة]، وقوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكَ تَّجْرِى فِ الْبَحْرِ بِأَمْرِ،﴾ [الحج: ٦٥] وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ [الجاثية: ١٢]، إلى غير ذلك من الآيات، وقيل: الجاريات الرياح، وقيل غير ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَلْمُفَسِّمَتِ أَمْرًا ﴾﴾: هي الملائكة يرسلها الله في شؤون وأمور مختلفة؛ ولذا عبر عنها بالمقسمات، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَالْمُدََِّّتِ أَمْرًا [النازعات]، فمنهم من يرسل لتسخير المطر والريح، ومنهم من يرسل لكتابة الأعمال، ومنهم من يرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يرسل لإهلاك الأمم، كما وقع لقوم صالح. والتحقيق أن قوله: ((أمراً)) مفعول به للوصف الذي هو المقسمات، وهو مفرد أريد به الجمع . وقد أوضحنا أمثلة ذلك في القرآن العظيم وفي كلام العرب من تنكير المفرد كما هنا، وتعريفه وإضافته في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُخْرِئُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]، والمقسم عليه بهذه الأقسام هو قوله: ﴿إِنّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الِينَ لَوَفِعٌ ﴾﴾، والموجب لهذا هو شدة إنكار الكفار للبعث والجزاء. وقوله: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ﴾؛ ((ما))، فيه موصولة والعائد إلى الصلة محذوف، والوصف بمعنى المصدر، أي إن الذي توعدونه من الجزاء والحساب لصدق لا كذب فيه. وقال بعض العلماء: ((ما))، مصدرية، أي إنّ الوعد بالبعث والجزاء والحساب لصادق. وقال بعضهم: إن صيغة اسم الفاعل في (الصادق)) بمعنى اسم المفعول، أي إنّ ١ ١٤٠٨ سورة الذاريات: الآيات (٧ - ٩) الوعد أو الموعود به لمصدوق فيه لا مكذوب به، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]؛ أي مرضية وما تضمنته هذه الآية الكريمة من صدق ما يوعدونه جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]. وقوله: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤]. وقوله تعالى: ﴿لَّسَ لِوَقْعَنِهَا كَاذِبَةٌ ﴾﴾ [الواقعة]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. والمراد بالدين هنا الجزاء، أي وإن الجزاء يوم القيامة لواقع لا محالة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥]، أي جزاءهم بالعدل والإنصاف، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤ ثُمَّ يُجْزَنُهُ الْجَزَاءَ الْأَوْنَى ﴾﴾ [النجم]. وقد نزه الله نفسه عن كونه خلق الخلق لا لبعث وجزاء، وبين أن ذلك ظن الكفار، وهددهم على ذلك الظن السيئ بالويل من النار، قال تعالى منكراً على من ظن عدم البعث والجزاء، ومنزهاً نفسه عن أنه خلقهم عبئاً لا لبعث وجزاء: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا فَتَعَلَى اللَّهُ اَلْمَلِكُ الْحَقّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ ١٥ خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ الْكَرِيمِ ﴾ [المؤمنون). وقال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلَّا ذَلِكَ ظُنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيِلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ ﴾﴾ [ص]، في قوله في آية صَ هذه: باطلاً أي عبئاً لا لبحث وجزاء. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُّكِ ﴿ إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ تُخْتَلِفٍ ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَّنْ أُفِكَ قوله تعالى: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾؛ فيه للعلماء أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضاً، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الحبك جمع حبيكة أو حباك، وعليه فالمعنى ذات الحبك أي ذات الطرائق، فما يبدو على سطح الماء الساكن أو الرمل من الطرائق إذا ضربته الريح هو الحبك، وهو جمع حبيكة أو حباك، قالوا: ولبعد السماء لا ترى طرائقها المعبر عنها بالحبك، ومن هذا المعنى قول زهير: ريح خريق بضاحي مائه حبك مكلل بأصول النجم تنسجه وقول الراجز: طنفسة في وشيها حباك كأنما جللها الحواك وممن نقل عنه هذا القول: الكلبي والضحاك .. وقال بعض أهل العلم: ((ذات الحبك)) أي ذات الخلق الحسن المحكم، وممن قال به: ابن عباس وعكرمة وقتادة. وهذا الوجه يدل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوْتٍ فَأَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن خُطُورٍ (٣ ثُمَّ أَرْجِعِ الْبَرَ كََّنِ يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾﴾ [الملك] إلى غير ذلك من الآيات. ١٤٫٩ سورة الذاريات: الآيات (٧ - ٩) - .... وعلى هذا القول فالحبك مصدر؛ لأنّ كل عمل أتقنه عامله وأحسن صنعه، تقول فيه العرب: حبكه حبكاً بالفتح على القياس، والحُبُك بضمتين بمعناه. وقال بعض العلماء: ذات الحبك؛ أي الزينة. وممن روي عنه هذا: سعيد بن جبير والحسن، وعلى هذا القول، فالآية كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَّةَ الدُّنْيَا بِمَصَنِيحَ﴾ [الملك: ٥]، وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لذلك في قّ في الكلام على قوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَآِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا﴾ ... الآية [ق: ٦]. وقال بعض العلماء: ((ذات الحبك)) أي ذات الشدة، وهذا القول يدل له قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَا فَوَقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (3َ﴾﴾ [النبأ). والعرب تسمي شدة الخلق حبكاً، ومنه قيل للفرس الشديد الخلق: محبوك. ومنه قول امرئ القيس : لاحق الأطلين محبوك ممر قد غدا يحملني فى أنفه والآية تشمل الجميع، فكل الأقوال حق. والمقسم عليه في هذه الآية هو قوله تعالى: ﴿إِنَّكُرْ لَفِى قَوْلٍ تُخْتَلِفٍ ﴾﴾؛ أي إنكم أيها الكفار لفي قول مختلف في شأن النبي 18َ وشأن القرآن؛ لأن بعضهم يقول: هو شعر، وبعضهم يقول: سحر، وبعضهم يقول: كهانة، وبعضهم يقول: أساطير الأولين، وقول من قال: ((في قول مختلف))؛ أي لأن بعضهم مصدق، وبعضهم مكذب؛ خلاف التحقيق. ويدل على أن الاختلاف إنما هو بين المكذبين دون المصدقين. قوله تعالى في سورة (قَ): ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِ أَمْرٍ مَّرِيج ﴾﴾ [ق]؛ أي مختلط. وقال بعضهم: مختلف، والمعنى واحد. وقوله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾﴾؛ أظهر الأقوال فيه عندي ولا ينبغي العدول عنه في نظري، أن لفظة ((عن)) في الآية سببية كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِشَارِكِّ ◌َالِهَيْنَا عَن قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، أي بسبب قولك، ومن أجله، والضمير المجرور بعن راجع إلى القول المختلف، والمعنى: يؤفك أي يصرف عن الإيمان بالله ورسوله عنه، أي عن ذلك القول المختلف؛ أي بسببه من أفك أي من سبقت له الشقاوة في الأزل، فحرم الهدى وأفك عنه؛ لأنّ هذا القول المختلف يكذب بعضه بعضاً ويناقضه. ومن أوضح الأدلة على كذب القول وبطلانه اختلافه وتناقضه كما لا يخفى، فهذا القول المختلف الذي يحاول كفار مكة أن يصدوا به الناس عن الإسلام، الذي يقول فيه بعضهم: إنّ الرسول ساحر، وبعضهم يقول: شاعر، وبعضهم يقول: كذاب، ظاهر البطلان لتناقضه وتكذيب بعضه البعض، فلا يصرف عن الإسلام بسببه إلا من صرف، أي صرفه الله عن الحق لشقاوته في الأزل، فمن لم يكتب عليه في سابق علم الله الشقاوة والكفر لا يصرفه عن الحق قول ظاهر الكذب والبطلان لتناقضه . .. ١٤١٠ سورة الذاريات: الآيات (١٥ - ٢٢) بِفَاتِنِينَ. وهذا المعنى جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿مَا أَتُمْ عَلَيْهِ (١٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (٢)﴾ [الصافات]. ومعنى هذه الآية أن دين الكفار، الذي هو الشرك بالله وعبادة الأوثان، مع حرصهم على صد الناس عن دين الإسلام إليه ما هم بفاتنين، أي ليسوا بمضلين عليه أحداً لظهور فساده وبطلانه إلا من هو صال الجحيم، أي إلا من قدر الله عليه الشقاوة وأنه من أهل النار في سابق علمه، هذا هو الظاهر لنا في معنى هذه الآية الكريمة. وأكثر المفسرين على أن الضمير في قوله: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ راجع إلى النبي ◌َّ أو القرآن؛ أي يصرف عن الإيمان بالنبي أو القرآن، من أفك أي صرف عن الحق، وحرم الهدى لشدة ظهور الحق في صدق النبي صل ﴿، وأن القرآن منزل من الله، وهذا خلاف ظاهر السياق كما ترى. وقول من قال: يؤفك عنه؛ أي يصرف عن القول المختلف الباطل من أفك؛ أي من صرف عن الباطل إلى الحق، لا يخفى بعده وسقوطه. والذين قالوا هذا القول، يزعمون أن الإفك يطلق على الصرف عن الحق إلى الباطل، وعن الباطل إلى الحق، ويبعد هذا أن القرآن لم يرد فيه الإفك مراد به إلا الصرف عن الخير إلى الشر دون عكسه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴾﴾﴾. لا يخفى على من عنده علم بأصول الفقه أن هذه الآية الكريمة فيها الدلالة المعروفة عند أهل الأصول بدلالة الإيماء والتنبيه على أن سبب نيل هذه الجنات والعيون هو تقوى الله والسبب الشرعي هو العلة على الأصح، وكون التقوى سبب دخول الجنات الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ اُلْجَنَّةُ الَّتِى نُرِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (٣)﴾ [مريم]، وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَّمْ فِيَهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى اَللَّهُ الْمُنَّقِينَ﴾ [النحل: ٣١]. قوله تعالى: ﴿وَفِىِ الْأَرْضِ ءَايَتٌ لِلْمُوقِينَ (١٥) وَفِىّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُصِرُونَ (٣)﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الجاثية. قوله تعالى: ﴿وَفِ التََِّّ رِزْقُكُمْ وَمَا تُعَدُونَ .. اختلف العلماء في المراد بكون رزق الناس في السماء، فذهبت جماعة من أهل العلم أن المراد أن جميع أرزاقهم منشؤها من المطر وهو أنزل من السماء، ويكثر في القرآن إطلاق اسم الرزق على المطر، لهذا المعنى كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَخْلَفِ الَّتِلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ﴾ ... الآية [الجاثية: ٥]. وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة المؤمن. وإنزاله تعالى الرزق من السماء بإنزال المطر من أعظم آياته الدالة على عظمته وأنه المعبود وحده، ومن أعظم نعمه على خلقه في الدنيا؛ ولذلك كثر الامتنان به في القرآن على الخلق. ١٤١١ سورة الذاريات: الآيتان (٢٤ - ٢٥) وقال بعض أهل العلم: معنى قوله: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْفُّكُمٍ﴾؛ أنّ أرزاقكم مقدرة مكتوبة، والله - جلّ وعلا - يدبر أمر الأرض من السماء، كما قال تعالى: ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ ... الآية [السجدة: ٥]. قوله تعالى: ﴿وَمَا تُعَدُونَ﴾ (ما) في محل رفع عطف على قوله: ﴿رِزْقُكُمٍ﴾، والمراد بما يوعدون، قال بعض أهل العلم: الجنة؛ لأن الجنة فوق السماوات، فإطلاق كونها في السماء إطلاق عربي صحيح؛ لأن العرب تطلق السماء على كل ما علاك كما قيل: وإنما الفضل حيث الشمس والقمر وقد يسمى سماء كل مرتفع ولما حكى النابغة الجعدي شعره المشهور، قال فيه: وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا قال له وسلم: ((إلى أين يا أبي ليلى؟)) قال: إلى الجنة، قال: ((نعم إن شاء الله)). وقال بعض أهل العلم: وما توعدون من الخير والشر كله مقدر في السماء، كما بيناه في القول الثاني في المراد بالرزق في الآية، وهذا المعنى فيما يوعدون به أنسب لهذا القول الثاني في معنى الرزق. وقد وردت قصص تدل على أنه هو الذي يتبادر إلى ذهن السامع، فمن ذلك ما ذكره غير واحد عن سفيان الثوري أنه قال: قرأ واصل الأحدب هذه الآية: ﴿وَفِ السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٣)﴾ فقال: ألا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض، فدخل خربة يمكث ثلاثاً لا يصيب شيئاً، فلما أن كان في اليوم الثالث إذا هو بدوخلة من رطب، وكان له أخ أحسن منه نية، فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق بينهما الموت. ومن ذلك أيضاً: ما ذكره الزمخشري في تفسير هذه الآية قال: وعن الأصمعي قال: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له، فقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني أصمع. قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. فقال: اتل علي، فتلوت: ﴿وَالذَّرِيَتِ﴾؛ فلما بلغت قوله تعالى: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْفُّكُمٍ﴾ قال: حسبك. فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق فالتفت، فإذا أنا بالأعرابي قد نحل أصغر فسلّم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح، وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَطِقُونَ (٣)﴾؛ فصاح وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين، قائلاً ثلاثاً، وخرجت معها نفسه، انتهى. قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ اُلْمُكْرَمِينَ ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَهً﴾، إلى ١٤١٢ سورة الذاريات: الآيات (٣٧ - ٥٣) آخر القصة، قد قدَّمنا إيضاحه في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُّكْرَمِينَ ﴾ [الحجرا، الآيات. وفي سورة هود في القصة المذكورة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. قوله تعالى: ﴿وَتَكَا فِيهَآ ءَايَةٌ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣)﴾، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ تُقِيمٍ ٧٦ [الحجر]، وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْرِيحَ الْعَقِيَمَ ®﴾، قد قدَّمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة فصلت، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَتِهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦]. قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلَى اَلْهُدَى فَأَخَذَتَّهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ﴾ [فصلت: ١٧]. قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَيْنَهَا بِأَبْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (@)﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة قَ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا﴾ الآية [ق: ٦]. تنبيه: قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَيْتَهَا بِأَبَيْدٍ﴾، ليس من آيات الصفات المعروفة بهذا الاسم؛ لأن قوله بأيد ليس جمع يد: وإنما الأيد القوة، فوزن قوله هنا بأيد فعل، ووزن الأيدي أفعل، فالهمزة في قوله: بأيد في مكان الفاء والياء في مكان العين، والدال في مكان اللام. ولو كان قوله تعالى: بأيد جمع ید لكان وزنه أفعلا، فتكون الهمزة زائدة والياء في مكان الفاء، والدال في مكان العين والياء المحذوفة لكونه منقوصاً هي اللام. والأيد، والآد في لغة العرب بمعنى القوة، ورجل أيد قويّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُّدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]، أي قويناه به، فمن ظن أنها جمع يد في هذه الآية فقد غلط غلطاً فاحشاً، والمعنى: والسماء بنيناها بقوة. قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ مَآ أَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِر أَوْ مَجْنُنُ ﴿ أَنَوَاصَوْاْ بِّ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ ®)﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه ما أتى نبي قوماً إلا قالوا ساحر أو مجنون، ثم قال: أتواصوا به، ثم أضرب عن تواصيهم بذلك إضراب إيطال؛ لأنهم لم يجمعوا في زمن حتى يتواصوا فقال: ﴿بَلَّ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ؛ أي الموجب الذي جمعهم على اتفاقهم جميعاً على تكذيب الرسل ونسبتهم للسحر والجنون هو اتحاد في الطغيان الذي هو مجاوزة الحد في الكفر. وهذا يدل على أنهم إنما اتفقوا؛ لأن قلوب بعضهم تشبه قلوب بعض في الكفر والطغيان، فتشابهت مقالاتهم للرسل لأجل تشابه قلوبهم. ١٤١٣ سورة الذاريات: الآيات (٥٤ - ٥٦) . وقد أوضح تعالى هذا المعنى في سورة البقرة: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمٌ﴾ [البقرة: ١١٨]. ٦ قوله تعالى: ﴿فَوَلَ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ ﴾﴾، نفيه - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة للوم عن نبيه * يدل على أنه أدى الأمانة ونصح للأمة. وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَتََّمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة معلومة. قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَ تَنفَعُ الْمُؤْمِينَ (®)﴾. قد قدَّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنّ من أنواع البيان التي تضمنها أن يجعل الله شيئاً لحكم متعددة، فيذكر بعض حكمه في بعض المواضع، فإنا نذكر بقية حكمه، والآيات الدالة عليها، وقد قدَّمنا أمثلة ذلك. ومن ذلك القبيل هذه الآية الكريمة، فإنها تضمنت واحدة من حكم التذكير وهي رجاء انتفاع المذكر به؛ لأنه تعالى قال هنا: ﴿فَذَكِّرْ﴾ [ق: ٤٥]، ورتب عليه قوله: ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَ تَفَعُ الْمُؤْمِينَ﴾ . ومن حكم ذلك أيضاً خروج المذكر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد جمع الله هاتين الحكمتين في قوله: ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَيَّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤]. ومن حكم ذلك أيضاً النيابة عن الرسل في إقامة حجة الله على خلقه في أرضه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وقد بيّن هذه الحجة في آخر طه، في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّنْ قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّعَ ءَايَلِكَ﴾ ... الآية [طه: ١٣٤]. وأشار لها في القصص في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَّبِعَ ءَايَئِكَ وَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [القصص). وقد قدّمنا هذه الحكم في سورة المائدة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾﴾، اختلف العلماء في معنى قوله: ((ليعبدون))، فقال بعضهم: المعنى ما خلقتهم إلا ليعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقياء، فالحكمة المقصودة من إيجاد الخلق التي هي عبادة الله حاصلة بفعل السعداء منهم، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَلْنَا بِهَا قَوْمَا لَّيْسُواْ بِهَا ◌ِكَفِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، وهذا القول نقله ابن جرير عن زيد بن أسلم وسفيان. ١٤١٤ سورة الذاريات: الآيات (٥٤ - ٥٦) وغاية ما يلزم على هذا القول أنّه أطلق فيها المجموع وأراد بعضهم. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، ومن أوضحها قراءة حمزة والكسائي: ((فإن قتلوكم فاقتلوهم))، من القتل لا من القتال، وقد بينا هذا في مواضع متعددة، وذكرنا أن من شواهده العربية قول الشاعر: فسيف بني عبس وقد ضربوا به. نبا من يَدَيْ ورقاء عن رأس خالد فتراه نسب الضرب لبني عبس مع تصريحه أن الضارب الذي نبا بيده السيف عن رأس خالد يعني ابن جعفر الكلابي، هو ورقاء يعني ابن زهير العبسي. وقد قدَّمنا في الحجرات أن من ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ الآية [الحجرات: ١٤]. بدليل قوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿سَيُّدْيِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَتِّةٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩]. وقال بعض العلماء: معنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾؛ أي إلا ليقروا لي بالعبودية طوعاً أو كرهاً؛ لأنّ المؤمن يطيع باختياره والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه جبراً عليه، وهذا القول رواه ابن جرير عن ابن عباس واختاره، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَلِِّ يَسْجُدُ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا﴾ ... الآية [الرعد: ١٥]، والسجود والعبادة كلاهما خضوع وتذلل لله - جلّ وعلا -، وقد دلت الآية على أن بعضهم يفعل ذلك طوعاً وبعضهم يفعله كرهاً. وعن مجاهد أنّه قال: ﴿إِلَا لِيَعْبُدُونِ﴾؛ أي إلا ليعرفوني، واستدل بعضهم لهذا القول بقوله: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ونحو ذلك من الآيات، وهو كثير في القرآن، وقد أوضحنا كثرته فيه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِ هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. وقال بعض أهل العلم: وهو مروي عن مجاهد أيضاً، معنى قوله: ﴿إِلَا لِيَعْبُدُونِ﴾؛ أي إلا لآمرهم بعبادتي فيعبدني من وفقته منهم لعبادتي دون غيره، وعلى هذا القول، فإرادة عبادتهم المدلول عليها باللام في قوله: ((ليعبدون))، إرادة دينية شرعية وهي الملازمة للأمر، وهي عامة لجميع من أمرتهم الرسل لطاعة الله لا إرادة كونية قدرية؛ لأنها لو كانت كذلك لعبده جميع الإنس والجن، والواقع خلاف ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿قُلّ يَّأَيُّهَا الْكَفِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْيُدُونَ ﴿ وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾﴾ [الكافرون] إلى آخر السورة. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: التحقيق - إن شاء الله - في معنى هذه الآية الكريمة: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾؛ أي إلا لآمرهم بعبادتي وأبتليهم أي أختبرهم بالتكاليف ثم أجازيهم على أعمالهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وإنّما قلنا: إنّ هذا هو التحقيق في معنى الآية؛ لأنه تدل عليه آيات محكمات من كتاب الله، فقد صرح تعالى في آيات من كتابه أنه خلقهم ليبتليهم أيهم أحسن عملاً، وأنّه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم. قال تعالى في أول سورة هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَتَّامٍ وَكَانَ ١٤١٥ سورة الذاريات: الآيات (٥٤ - ٥٦) عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧]، ثم بيّن الحكمة في ذلك فقال: ﴿لِيَبْلُكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاٌ وَلَيِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوقُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [هود: ٧]. وقال تعالى في أول سورة الملك: ﴿الَّذِىِ خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِبْلُوَّكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَلَا﴾ [الملك: ٢]. وقال تعالى في أول الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةُ لَّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٣)﴾ ... الآية [الكهف]. فتصريحه - جلّ وعلا - في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق، هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملاً، يفسر قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. ومعلوم أنّ نتيجة العمل المقصودة منه لا تتم إلا بجزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؛ ولذا صرح تعالى بأنّ حكمة خلقهم أولاً وبعثهم ثانياً، هو جزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وذلك في قوله تعالى في أول يونس: ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْرِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤]، وقوله في النجم: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اْأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى (4)﴾ [النجم]. وقد أنكر تعالى على الإنسان حسبانه وظنه أنّه يترك سدى، أي مهملاً، لم يؤمر ولم ينه، وبيّن أنّه ما نقله من طور إلى طور حتى أوجده إلا ليبعثه بعد الموت؛ أي ويجازيه على عمله، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ آلْإِنَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَِّ ﴿٣ أَلَمْ يَكُ نُظْفَةً مِّنْ نَِّيِّ يُعْنَى (٣)﴾. إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُجْعِىَ الْوَقَى (٣)﴾ [القيامة]. والبراهين على البعث دالة على الجزاء، وقد نزه تعالى نفسه عن هذا الظن الذي ظنه الكفار به تعالى، وهو أنه لا يبعث الخلق ولا يجازيهم، منكراً ذلك عليهي في قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿ فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَآّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيِ ٣ ﴾ [المؤمنون]. وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في أول سورة الأحقاف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلِ تُسَنَّى﴾ [الأحقاف: ٣]. تنبيه: اعلم: أنّ الآيات الدالة على حكمة خلق الله السماوات والأرض وأهلهما وما بينهما قد يظن غير المتأمل أن بينهما اختلافاً، والواقع خلاف ذلك؛ لأنّ كلام الله لا يخالف بعضه بعضاً، وإيضاح ذلك أنّ الله - تبارك وتعالى - ذكر في بعض الآيات أن حكمة خلقه السماوات والأرض هي إعلام خلقه بأنه قادر على كل شيء، وأنّه محيط بكل شيء علماً، وذلك في قوله تعالى في آخر الطلاق: ﴿الَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ◌ِنَّعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا (٦)﴾ [الطلاق]. وذكر في مواضع كثيرة من كتابه أنّه خلق الخلق ليبين للناس كونه هو المعبود ١٤١٦ - سورة الذاريات : الآيات (٥٤ - ٥٦) وحده، كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٣)﴾ [البقرة]، ثم أقام البرهان على أنّه إله واحد بقوله بعده: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. إلى قوله: ﴿لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ولمّا قالٍ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، بين أنّ خلقهم برهان على أنّه المعبود وحده بقوله بعده: ﴿الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ... الآية [البقرة: ٢١]. والاستدلال على أنّ المعبود واحد بكونه هو الخالق كثير جداً في القرآن، وقد أوضحنا الآيات الدالة عليه في أول سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرًا ﴿ وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ الآية [الفرقان: ٢، ٣]، وفي سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَبَهَ اٌلْخَلْقُ عَلَيْهِمَّ قُلِ اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ الآية [الرعد: ١٦]، وفي غير ذلك من المواضع. وذكر في بعض الآيات أنّه خلق السماوات والأرض ليبتلي الناس، وذلك في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧ وذكر في بعض الآيات أنّه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم وذلك في قوله: ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ بَلْقِسْطِ﴾ ... الآية [يونس: ٤]، وذكر في آية الذاريات هذه أنّه ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه، فقد يظن غير العالم أنّ بین هذه الآيات اختلافاً مع أنّها لا اختلاف بينها؛ لأنّ الحكم المذكور فيها كلها راجع إلى شيء واحد، وهو معرفة الله وطاعته ومعرفة وعده ووعيده، فقوله: ﴿لِنَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ﴾ [الطلاق: ١٢]. وقوله: ﴿أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، راجع إلى شيء واحد هو العلم بالله؛ لأنّ من عرف الله أطاعه ووحدة. وهذا العلم يعلمهم الله إياه ويرسل لّهم الرسل بمقتضاه ليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حيي عن بينة، فالتكليف بعد العلم، والجزاء بعد التكليف، فظهر بهذا اتفاق الآيات لأنّ الجزاء لا بد له من تكليف، وهو الابتلاء المذكور في الآيات والتكليف لا بد له من علم؛ ولذا دل بعض الآيات على أنّ حكمة الخلق للمخلوقات هي العلم بالخالق، ودل بعضها على أنّها الابتلاء، ودل بعضها على أنّها الجزاء، وكل ذلك حق لا اختلاف فيه، وبعضه مرتب على بعض. وقد بيّنا معنى إلا ليعبدون في كتابنا («دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب» في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩]، وبيّنا هناك أن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَقُهُمْ﴾، أي ولأجل الاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم، وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنسِّ؟ [الأعراف: ١٧٩]، إرادة كونية قدرية، وأن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله: لِيَعْبُدُونِ ﴾، إرادة دينية شرعية. ١٤١٧ سورة الذاريات: الآيات (٥٧ - ٥٩). وبيّنا هناك أيضاً الأحاديث الدالة على أن الله خلق الخلق منقسماً إلى شقي وسعيد، وأنه كتبٍ ذلك وقدره قبل أن يخلقهم. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَّكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وقال: ﴿فَرِيْقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. والحاصل أنّ الله دعا جميع الناس على ألسنة رسله إلى الإيمان به وعبادته وحده وأمرهم بذلك، وأمره بذلك مستلزم للإرادة الدينية الشرعية، ثم إن الله - جلّ وعلا - يهدي من يشاء منهم ويضل من يشاء بإرادته الكونية القدرية، فيصيرون إلى ما سبق به العلم من شقاوة وسعادة، وبهذا تعلم وجه الجمع بين قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنسِ﴾، وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، وبين قوله: ﴿وَمَا خَلَفْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا ◌ِيَعْبُدُونِ (@)، وإنما ذكرنا أن الإرادة قد تكون دينية شرعية، وهي ملازمة للأمر والرضا، وقد تكون كونية قدرية وليست ملازمة لهما؛ لأن الله يأمر الجميع بالأفعال المرادة منهم ديناً، ويريد ذلك كوناً وقدراً من بعضهم دون بعض، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهَّ﴾ [النساء: ٦٤]، فقوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾؛ أي فيما جاء يه من عندنا؛ لأنه مطلوب مراد من المكلفين شرعاً وديناً، وقوله: بإذن الله، يدل على أنه لا يقع من ذلك إلا ما أراده الله كوناً وقدراً، والله - جلّ وعلا - يقول: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَيْمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمِ ] ﴾ [يونس]، والنبي ١٢٥ يقول: ((كلِّ ميسر لما خلق له)). والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (@)﴾، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمْ﴾ [الأنعام: ١٤]. ٥٩ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوْبًا مِثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَبِهِمْ فَلَا يَسْتَعِْلُونِ أصل الذنوب في لغة العرب الدلو، وعادة العرب أنهم يقتسمون ماء الآبار والقلب بالدلو، فيأخذ هذا منه ملء دلو، ويأخذ الآخر كذلك، ومن هنا أطلقوا اسم الذنوب، التي هي الدلو على النصيب. قال الراجز في اقتسامهم الماء بالدلو: فإن أبيتم فلنا القليب لنا ذنوب ولكم ذنوب ویروی : : له ذنوب ولنا ذنوب إنا إذا شاربنا شريب فإن أبى كان لنا القليب ومن إطلاق الذنوب على مطلق النصيب قول علقمة بن عبدة التميمي. وفي كل حي قد خبطت بنعمة وقیل عبيد: فحق لشأس من نداك ذنوب وقول أبي ذؤيب: ١٤١٨ - - سورة الطور: الآيات (١ - ٨) لكل بني أب منها ذنوب لعمرك والمنايا طارقات فالذنوب في البيتين النصيب، ومعنى الآية الكريمة، فإن للذين ظلموا بتكذيب النبي ﴿ ذنوباً، أي نصيباً من عذاب الله مثل ذنوب أصحابهم من الأمم الماضية من العذاب لما كذبوا رسلهم. وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَّا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوْ يَكْسِبُونَ (® فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا ﴾ [الزمر]. كَبُواْ وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَ يَسْتَعْسِلُونِ﴾؛ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُ﴾ [الرعد: ٦]، وفي سورة مريم، في الكلام على قوله: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمَّ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَذَّا (39)﴾ [مريما، وغير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿فَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُونَ ٦٠ · ما تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد الكفار بالويل من يوم القيامة لما ينالهم فيه من عذاب النار، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى في (ص): ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]. وقوله في (إبراهيم): ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢]. وقوله في (المرسلات): ﴿وَبِلٌ يَّمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (6)﴾ [المرسلات]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقد قدَّمنا أنّ كلمة ﴿وَيْلٌ﴾، قال فيها بعض أهل العلم: إنّها مصدر لا فعل له من لفظه، ومعناه الهلاك الشديد، وقيل: هو واد في جهنم تستعيذ من حره، والذي سوغ الابتداء بهذه النكرة أنّ فيها معنى الدعاء. براس الرحمن الرحيم سورة الطور قوله تعالى: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ ﴾ فِ رَقٍ مَّشُورٍ ( ﴿وَالطّور ، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَفِعٌ ﴿ مَا لَهُ مِن دَافِعٍ ٥ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُعِ هذه الأقسام التي أقسم الله بها تعالى في أول هذه السورة الكريمة أقسم ببعضها بخصوصه، وأقسم بجميعها في آية عامة لها ولغيرها . أما الذي أقسم به منها إقساماً خاصًّا فهو الطور، والكتاب المسطور، والسقف المرفوع، والأظهر أن الطور الجبل الذي كلم الله عليه موسى، وقد أقسم الله تعالى ﴾ [التین]. وَطُورٍ سِيِنَ بالطور في قوله: ﴿وَالِّينِ وَالزَُّونِ ) ١٤١٩ سورة الطور: الآيات (١٣ - ١٤). والأظهر أنّ الكتاب المسطور هو القرآن العظيم، وقد أكثر الله من الإقسام به في كتابه كقوله تعالى: ﴿حَمّ ﴾ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴾﴾ [الزخرف]. وقوله تعالى: ﴿يس وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ [يس]، وقيل: هو كتاب الأعمال، وقيل غير ذلك، والسقف المرفوع: هو السماء، وقد أقسم الله بها في كتابه في آيات متعددة كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ اَلْحُبُكِ ﴿٣﴾ [الذاريات]. وقوله: ﴿وَالسَّمَِّ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾﴾ [البروج]. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَهَا ﴾﴾ [الشمس]، والرق بفتح الراء كل ما يكتب فيه من صحيفة وغيرها، وقيل هو الجلد المرقق ليكتب فيه. وقوله: منشور أي مبسوط، ومنه قوله: ﴿كِتَبًا يَلْقَنهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]. وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ أَمْرِىءٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْنَ صُحُفًا مُنَشَّرَةً ٥٢ [المدثر]. والبيت المعمور: هو البيت المعروف في السماء المسمى بالضراح بضم الضاد، وقيل فيه معمور، لكثرة ما يغشاه من الملائكة المتعبدين، فقد جاء الحديث: ((أنه يزوره كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه بعدها)). وقوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ﴾﴾؛ فيه وجهان من التفسير للعلماء. أحدهما: أن المسجور هو الموقد ناراً، قالوا: وسيضطرم البحر يوم القيامة ناراً، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِ النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢]. والوجه الثاني: هو أنّ المسجور بمعنى المملوء؛ لأنه مملوء ماء، ومن إطلاق المسجور على المملوء قول لبيد بن ربيعة في معلقته: مسجورة متجاوراً قلامها فتوسطا عرض السرى وصدعا فقوله: مسجورة: أي عيناً مملوءة ماء، وقول النمر بن تولب العكلي: ترى حولها النبع والساسما إذا شاء طالع مسجورة وهذان الوجهان المذكوران في معنى المسجور هما أيضاً في قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ ﴾﴾ [التكوير]، وأما الآية العامة التي أقسم فيها تعالى بما يشمل جميع هذه الأقسام وغيرها، فهي قوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِمَا نُصِرُونَ ﴿ وَمَا لَا نُصِرُونَ (٣٩) ﴾ [الحاقة]؛ لأنّ الإقسام في هذه الآية عام في كل شيء. ٧﴾، قد قدَّمنا الآيات وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَقِعٌ الموضحة له في أول الذاريات، وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَقُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَقًّا ﴿ هَذِهِ النَّارُ اُلَتِ كُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾﴾، الدع في لغة العرب: الدفع بقوة وعنف، ومنه قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ الْبَتِيمَ ﴾﴾ [الماعون]، أي يدفعه عن حقه بقوة وعنف، وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين: أحدهما: أنّ الكفار يدفعون إلى النار بقوة وعنف يوم القيامة. وثانيهما: أنّهم يقال لهم يوم القيامة توبيخاً وتقريعاً: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَِّ كُتُم بِهَا ◌ُكَذِبُونَ ١٤٢٠ سورة الطور: الآيات (١٦ - ٢٣) وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات أخر، أما الأخير منهما، وهو كونهم يقال لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِى كُتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (٣)﴾؛ قد ذكره تعالى في آيات من كتابه كقوله في السجدة: ﴿كُلَّمَا أَرَدُوْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَاَ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]: وقوله في سبأ: ﴿فَالْيَّوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُرْ لِبَعْضِ نَّفْعًا وَلَ ضَرَّا وَنَقُولُ لِلَّذِيِنَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾﴾ [سبأ]. وقوله تعالى في المرسلات: ﴿أَنْطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ ٢٩ أَنَطَّلِّقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى ثَثِ شُعَبٍ ﴿ لَّا ظَلِلِ وَلَا يُغْنِى مِنَ اَللَّهَبِ ﴿ إِنَّهَا تَرْبِى بِشَرَدٍ (٣) ... الآية [المرسلات]، إلى غير ذلك من الآيات. الْقَضْرِ وأما الأول منهما وهو كونهم يدفعون إلى النار بقوة، فقد ذكره الله - جلّ وعلا - في آيات من كتابة كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ ﴾﴾ [الدخان]؛ أي جروه بقوة وعنف إلى وسط النار، والعتل في لغة العرب: الجر بعنف وقوة، ومنه قول الفرزدق: حتى ترد إلى عطية تعتل ليس الكرام بناحليك أباهم وقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِىِ وَالْأَقْدَلِ ﴾﴾ [الرحمن]؛ أي تجمع الزبانية بين ناصية الواحد منهم، أي مقدم شعر رأسه وقدمه، ثم تدفعه في النار بقوة وشدة. وقد بين - جلّ وعلا - أنّهم أيضاً يسحبون في النار على وجوههم في آيات من كتابه وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسََّ سَقَرَ (٨) كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿ إِذِ الْأَغْظَلُ فِىّ أَعْتَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ ﴾ فِ لَلْحَمِيمِ ثُمَّ فِ النَّارِ يُسْجَرُونَ ﴾﴾ [غافر]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ يُدُونَ﴾، بدل من قوله: يومئذ، في قوله تعالى قبله: ﴿فَویل یومیدٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (@)﴾ قوله تعالى: ﴿أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَاءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾، ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّ الكفار معذبون في النار لا محالة، سواء صبروا أو لم يصبروا، فلا ينفعهم في ذلك صبر ولا جزع، وقد أوضح هذا المعنى في قوله: ﴿قَالُواْ لَوْ هَدَنَنَا اَللَّهُ لَهَدَيْنَكُمْ سَوَاءٍ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبِّرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيْصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]. قوله تعالى: ﴿كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ . ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الناس، وقد بيّن تعالى في آيات أخر أنّ أصحاب اليمين خارجون من هذا العموم، وذلك في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَّهِنَةُ ٨َ إِلَّ أَعْجَبَ اَلْبِينِ ﴿٣ فِ جَنَّتٍ يَتََّّلُونَ جَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ﴾﴾ [المدثر]. ومن المعلوم أنّ التخصيص بيان، كما تقرر في الأصول. قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَهُمْ بِفَكِهَةٍ وَلَحْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾﴾، لم يذكر هنا شيء من صفات هذه الفاكهة ولا هذا اللحم إلا أنه مما يشتهون، وقد بيّن صفات هذه الفاكهة