Indexed OCR Text
Pages 1341-1360
١٣٤١ سورة الأحقاف: الآيات (١ - ٣). ونظير ذلك قوله تعالى في أول الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لََّّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾﴾ [الكهف]. وقوله تعالى في أول الملك: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَأْخَوَةَ لِيَبْلُوَّكُمْ أَبُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. ومما يوضح أنّه ما خلق السماوات والأرض إلا خلقاً متلبساً بالحق، قوله تعالى في آخر الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ أَلْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥َ مَآ أُرِدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (َ﴾﴾ [الذاريات]. سواء قلنا: إن معنى ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، أي لآمرهم بعبادتي فيعبدني السعداء منهم؛ لأن عبادتهم يحصل بها تعظيم الله وطاعته، والخضوع له كما قال تعالى: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا قَالَّذِينَ عِندَ رَيِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ﴾ (٨)﴾ [فصلت]. أو قلنا: إن معنى ﴿إِلَّ لِيَعْبُدُونِ﴾، أي إلا ليقروا لي بالعبودية، ويخضعوا ويذعنوا لعظمتي؛ لأنّ المؤمنين يفعلون ذلك طوعاً، والكفار يذعنون لقهره وسلطانه تعالى كرهاً. ومعلوم أن حكمة الابتلاء والتكليف لا تتم إلا بالجزاء على الأعمال. وقد بيّن تعالى أنّ من الحق الذي خلق السماوات والأرض خلقاً متلبساً به، جزاء الناس بأعمالهم، كقوله تعالى في النجم: ﴿وَلَّهِ مَا فِ السََّوَاتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ لِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسَتُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى (٣)﴾ [النجم]. فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾، أي هو خالقها ومن فيهما ﴿ِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُوا﴾ ... الآية [النجم: ٣١]. ويوضح ذلك قوله تعالى في يونس: ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُّ الْخُلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ لِيَجْرِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤]. ولما ظن الكفار أنّ الله خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، لا لحكمة تكليف وحساب وجزاء، هددهم بالويل من النار، بسبب ذلك الظن السيئ، في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ (٣)﴾ [ص). وقد نزه تعالى نفسه عن كونه خلق الخلق عبثاً، لا لتكليف وحساب وجزاء، وأنكر ذلك على من ظنه، في قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُجَعُونَ ﴿ فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيِ (٣)﴾ [المؤمنون]. فقوله: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ﴾، أي تنزه وتعاظم، وتقدس، عن أن يكون خلقهم لا لحكمة تكليف وبعث، وحساب وجزاء. وهذا الذي نزه تعالى عنه نفسه، نزهه عنه أولوا الألباب، كما قال تعالى: ﴿إِنّ ١٣٤٢ سورة الأحقاف: الآيات (١ - ٣) فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]، فقوله عنهم: ﴿سُبْحَنَكَ﴾ أي تنزيهاً لك، عن أن تكون خلقت هذا الخلق، باطلاً لا لحكمة تكليف، وبعث وحساب وجزاء. وقوله - جلّ وعلا - في آية الأحقاف هذه: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، يفهم منه أنّه لم يخلق ذلك باطلاً، ولا لعباً ولا عبثاً. وهذا المفهوم جاء موضحاً في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا﴾ [ص: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ ﴿َ مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩]. وقوله تعالى في آية الأحقاف هذه: ﴿وَأَجَلِ تُسَتَى﴾ معطوف على قوله: ﴿پِالْقِ﴾ ؛ أي ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بالحق، وبتقدير أجل مسمى، أي وقت معين محدد ينتهي إليه أمد السماوات والأرض، وهو يوم القيامة. كما صرح الله بذلك في أخريات الحجر في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَتْنَهُمَّ إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَنِيَةٌ﴾. [الحجر: ٨٥]. فقوله في الحجر: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَنِيَةٌ﴾ . بعد قوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِ﴾؛ يوضح معنى قوله في الأحقاف: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَنِّى﴾ .. وقد بين تعالى في آيات من كتابه أن السماوات والأرض أمداً ينتهي إليه أمرهما، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بَِمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَيِّ السّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. وقوله: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ﴿4﴾ [التكوير]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ اُلْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ الآية [المزمل: ١٤]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ﴾، ما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن الكفار معرضون عما أنذرتهم به الرسل جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى في البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة]. وقوله في يس: ﴿وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠. [يس]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ [الأنعام]؛ والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. والإعراض عن الشيء الصدود عنه؛ وعدم الإقبال إليه، قال بعض العلماء: وأصله من العرض بالضم؛ وهو الجانب؛ لأن المعرض عن الشيء يوليه بجانب عنقه؟ صاداً عنه. ٦ ١٣٤٣ سورة الأحقاف: الآية (٤) - والإنذار: الإعلام المقترن بتهديد؛ فكل إنذار إعلام وليس كل إعلام إنذاراً، وقد أوضحنا معاني الإنذار في أول سورة الأعراف. و ((ما)» في قوله: ﴿عَمَّا أُنْذِرُواْ﴾؛ قال بعض العلماء: هي موصولة؛ والعائد محذوف؛ أي الذين كفروا معرضون عن الذي أنذروه؛ أي خوفوه من عذاب يوم القيامة؛ وحذف العائد المنصوب بفعل أو وصف مضطرد كما هو معلوم. وقال بعض العلماء: هي مصدرية؛ أي والذين كفروا معرضون عن الإنذار، ولکلیهما وجه. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمُ مَا نَدْعُونَ مِن دُونِ الَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْلٌ فِىِ السَّمَوَتِّ أَنْنُونِي بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَوْ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُ صَدِقِينَ ﴾﴾ قد ذكرنا قريباً أنّ قوله: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّا إِلَّ بِلْقِ﴾، يتضمن البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلا الله؛ وأنّ العلامة الفارقة بين المعبود بحق؛ وبين غيره هي كونه خالقاً؛ وأول سورة الأحقاف هذه يزيد ذلك إيضاحاً؛ لأنه ذكر من صفات المعبود بحق أنّه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق؛ وذكر من المعبودات الأخرى التي عبادتها كفر مخلد في النار؛ أنها لا تخلق شيئاً . فقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمُ مَّا نَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي هذه المعبودات التي تعبدونها من دون الله، أروني ماذا خلقوا من الأرض. فقوله: ((أروني)) يراد بها التعجيز والمبالغة في عدم خلقهم شيئاً؛ وعلى أن ﴿ استفهامية ﴿وَذَا﴾ موصولة. فالمعنى أروني ما الذي خلقوه من الأرض؛ وعلى أن ﴿مَا﴾ و﴿ذَا﴾ بمنزلة كلمة واحدة يراد بها الاستفهام، فالمعنى: أروني أي شيء خلقوه من الأرض؟ وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن من لم يخلق شيئاً في الأرض ولم يكن له شرك في السماوات؛ لا يصح أن يكون معبوداً بحال جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى في فاطر: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَّكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ اُلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْلٌ فِ السَّمَوَتِ أَمْ ءَاتَيْنَهُمْ كِنَبًا﴾ [فاطر: ٤٠]. وقوله في لقمان: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِّ فَأَرُونِ مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهٍ﴾. وقوله في سبأ: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنْ دُونٍ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَيِّ وَلَا فِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ (®﴾ [سبأ]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة، وقد قدَّمنا طرفاً منها قريباً. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ أَثْنُونِ يِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا﴾، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ ءَانَيْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ [الزخرف]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ ١٣٤٤ سورة الأحقاف: الآيات (٦ - ٨) عَنْ دُعَبِهِمْ غَفِلُونَ ﴿ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَمْ أَعْدَاءَ﴾ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الجاثية، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُغْنِى عَنْهُمْ مَّا كَبُواْ شَيْئًا وَلَا مَا أَتَّخَذُواْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيٌَّ﴾. [الجاثية: ١٠]، وفي سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَالِهَةُ لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزَّا (٨)) [مريم]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَنُنَا بَيِنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ هَذَا سِخْرٌ ◌ُبِينُ (G). ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا قرئت عليهم آيات هذا القرآن العظيم الذي هو الحق ادعوا أنها سحر مبين واضح. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من افترائهم على القرآن أنه سحر وعلى النبي وَل أنه ساحر جاء موضحاً في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى في سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرُ سُِّينٌ﴾ [سبأ: ٤٣]. وقوله تعالى في الزخرف: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَفِرُونَ (٣)﴾ [الزخرف]. وقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا أَسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَقَتَأْتُنَ السَّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢ - ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوتُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [هود: ٧]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَقْتَنٌَّ قُلْ إِنِ أَفْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. ((أم)) هذه هي المنقطعة، وقد قدَّمنا أنها تأتي بمعنى الإضراب. وتأتي بمعنى همزة الإنكار، وتأتي بمعناهما معاً وهو الظاهر في هذه الآية الكريمة. فأم فيها على ذلك تفيد معنى الإضراب والإنكار معاً، فهو بمعنى دع هذا، واسمع قولهم المستنكر لظهور كذبهم فيه، أن محمداً افترى هذا القرآن، وقد كذبهم الله في هذه الدعوى في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَقْتَرَنَةٌ قُلْ فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ ... الآية [يونس: ٣٨]. وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيْتٍ﴾ [هود: ١٣]: وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ... الآية [يونس: ٣٧]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ إِنِ أَفْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ الَّهِ شَيْئًا﴾؛ أي إن كنت افتريت هذا القرآن على سبيل الفرض. والتقدير: عاجلني الله بعقوبته الشديدة، وأنتم لا تملكون لي منه شيئاً؛ أي لا تقدرون أن تدفعوا عني عذابه إن أراد أن يعذبني على الافتراء. فكيف أفتريه لكم، وأنتم لا تقدرون على دفع عذاب الله عني؟ وهذا المعنى: الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَ اْأَقَوِيلِ ﴿ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِأَلْيَمِينِ (٣) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِنَ ٤٦ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنَّهُ حَجِزِينَ (19)﴾ [الحاقة]. ١٣٤٥ سورة الأحقاف: الآية (٩) -. بيبـ كقوله في آية فقوله تعالى في آية الحاقة هذه: ﴿وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَقَاوِلِ الأحقاف: ﴿قُلْ إِنِ أَفْتَيْتُهُ﴾ : حـ وقوله في الحاقة: ﴿فَمَا مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنَّهُ حَجِزِينَ (٣)﴾ يوضح معنى قوله: ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾؛ لأن معنى قوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِينَ ﴾﴾، أنّهم لا يقدرون على أن يحجزوا عنه؛ أي يدفعوا عنه عقاب الله له بالقتل، لو تقول عليه بعض الأقاويل. وذلك هو معنى قوله: ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِىِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾؛ أي لا تقدرون على دفع ـه عني ... " ٠ ذنب. ونظير ذلك في المعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا إِنَّ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبَّنَ مَرْيَمَ وَأُمَهُمْ وَمَنَ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]. وما تضمنته آية الأحقاف هذه وآية الحاقة المبينة لها من أنه لو افترى على الله أو تقول عليه عاجله بالعذاب، وأنّه لا يقدر أحد على دفعه عنه، جاء معناه في بعض الآيات. كقوله تعالى في يونس: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا أَثْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَآ أَوْ بَدِّلَّهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيَّ أَنْ أَبَتِلَمُ مِنَ تِلْقَآٍَ نَفْسِىِّ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ إِىَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥]، أي إني أخاف إن عصيت ربي بالافتراء عليه بتبديل قرآنه أو الإتيان بقرآن غيره؛ عذاب يوم عظيم . وذكر الله تعالى مثل هذا عن بعض الرسل في آيات أخر كقوله عن صالح: ﴿قَالَ يَنَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِى وَءَاتَنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَصُرُفِ مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْنُهُ﴾ [هود: ٦٣]. وقوله تعالى عن نوح: ﴿وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِ مِنَ اَللَّهِ إِن ◌َرَتُهُمْ﴾ [هود: ٣٠]. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾. الأظهر في قوله: ﴿بِدْعًا﴾ أنّه فعل بمعنى المفعول فهو بمعنى مبتدع، والمبتدع هو الذي أبدع على غير مثال سابق. ومعنى الآية: قل لهم يا نبيَّ الله: ما كنت أول رسول أرسل إلى البشر، بل قد أرسل الله قبلي جميع الرسل إلى البشر، فلا وجه لاستبعادكم رسالتي، واستنكاركم إياها؛ لأنّ الله أرسل قبلي رسلاً كثيرة. وهذا المعنى: الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلَا إِلَى قَوْمِهِمِ نَاءُ وهُم بِالْبِيِّنَتِ﴾ ... الآية [الروم: ٤٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوجِ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ... الآية [النساء: ١٦٣]. وقوله تعالى: ﴿حمّ (١) عَسَقّ ﴿ كَذَلِكَ يُوحِىّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الشورى]. وقوله تعالى: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلِرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ ... الآية [فصلت: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ... الآية [آل ١٣٤٦ سورة الأحقاف: الآية (٩) عمران: ١٤٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىَ أَنَهُمْ نَصْرُؤَا﴾ ... الآية [الأنعام: ٣٤]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَ بِكُمْ﴾. التحقيق - إن شاء الله - أن معنى الآية الكريمة ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في دار الدنيا، فما أدري أأخرج من مسقط رأسي أو أقتل كما فعل ببعض الأنبياء، وما أدري ما ينالني من الحوادث والأمور في تحمل أعباء الرسالة. وما أدري ما يفعل بكم؟ أيخسف بكم، أو تنزل عليكم حجارة من السماء؟ ونحو ذلك، وهذا هو اختيار ابن جرير وغير واحد من المحققين. وهذا المعنى في هذه الآية دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوَّةُ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٨٨]. وقوله تعالى آمراً له وَلّ: ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَآئِنُ اللَّهِ وَلَ أَعْلَمُ اٌلْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠]. وبهذا تعلم أن ما يروى عن ابن عباس وأنس وغيرهما من أنّ المراد، ﴿وَمَّا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ﴾؛ أي في الآخرة فهو خلاف التحقيق، كما سترى إيضاحه - إن شاء الله -. فقد روي عن ابن عباس وأنس وقتادة والضحاك وعكرمة والحسن في أحد قوليه؛ أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾؛ فرح المشركون واليهود والمنافقون، وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بنا وأنه لا فضل له علينا، ولولا أنه ابتدع الذي يقوله، من عند نفسه، لأخبره الذي بعثه بما يفعل به. فنزلت: ﴿لِغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، فنسخت هذه الآية. وقالت الصحابة، هنيئاً لك يا رسول الله، لقد بين لك الله ما يفعل بك، فليت شعرنا ما هو فاعل بنا . الآية [الفتح: ٥]، فنزلت: ﴿لِدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَاُلْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾ .. ونزلت: ﴿وَبَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ﴾﴾ [الأحزاب]. فالظاهر أن هذا كله خلاف التحقيق، وأنّ النبي ◌َّ لا يجهل مصيره يوم القيامة لعصمته - صلوات الله وسلامه عليه - وقد قال له الله تعالى: ﴿وَلَلَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ اُلْأُولَى ﴾ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ ﴾﴾ [الضحى] وأن قوله: ﴿وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾؛ في أمور الدنيا كما قدَّمنا، فإن قيل: قد صح عن النبي ◌ّ من حديث أم العلاء الأنصارية ما يدل على أن قوله: ﴿مَا يُفْعَلُ بِى﴾؛ أي في الآخرة فإن حديثها في قصة وفاة عثمان بن مظعون ◌َظُه عندهم، ودخول رسول الله ◌َ لّ فيه، أنّها قالت: رحمة الله عليك، أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله بك تعني عثمان بن مظعون، فقال رسول الله وَ ﴾: ((وما يدريك أن الله أكرمه؟)) فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي! فقال رسول الله وسلم: ((أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي)) الحديث. ١٣٤٧ سورة الأحقاف: الآية (١٠) فالجواب هو ما ذكره الحافظ ابن كثير تخذفه، فقد قال في تفسيره هذه الآية الكريمة، بعد أن ساق حديث أم العلاء المذكور بالسند الذي رواه به أحمد تخذتُ انفرد به البخاري دون مسلم، وفي لفظ له: ((ما أدري وأنا رسول الله وَ ل﴿ ما يفعل به))، وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ بدليل قولها: فأحزنني ذلك، اهـ. محل الغرض منه، وهو الصواب - إن شاء الله - والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ﴾، جواب الشرط في هذه الآية محذوف. وأظهر الأقوال في تقديره: إن كان هذا القرآن من عند الله وكفرتم به، وجحدتموه فأنتم ضلال ظالمون. وكون جزاء الشرط في هذه الآية كونهم ضالين ظالمين يبينه قوله تعالى في آخر فصلت: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُ بِهِ، مَنْ أَضَلُ ﴾﴾ [فصلت]، وقوله في آية الأحقاف هذه: ﴿فَامَنَ وَأَسْتَكْبٌَّ مِتَنْ هُوَ فِى شِفَاقٍ بَعِيدٍ ١٠ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وقال أبو حيان في البحر: مفعولا ((أرأيتم)) محذوفان لدلالة المعنى عليهما. والتقدير: أرأيتم حالكم، إن كان كذا ألستم ظالمين. فالأول حالكم، والثاني ألستم ظالمين، وجواب الشرط محذوف؛ أي فقد ظلمتم. ولذلك جاء فعل الشرط ماضياً . وبعض العلماء يقول: إن ﴿أَرَءَيْتُمُ﴾ بمعنى أخبروني، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾. والتحقيق - إن شاء الله - أن هذه الآية الكريمة جارية على أسلوب عربي معروف، وهو إطلاق المثل على الذات نفسها، كقولهم: مثلك لا يفعل هذا، يعنون لا ينبغي لك أنت أن تفعله. وعلى هذا فالمعنى وشهد شاهد من بني إسرائيل على أن هذا القرآن، وحي منزل حقاً من عند الله، لا أنه شهد على شيءٍ آخر مماثل له، ولذا قال تعالى: ﴿فَامَنَ وَأَسْتَكْبَرٌّ﴾. ومما يوضح هذا، تكرر إطلاق المثل في القرآن مراداً به الذات كقوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَخْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ كَمَن مَّثَلُ فِ اَلَّلُمَتِ﴾ ... الآية [الأنعام: ١٢٢]. فقوله: ﴿كَمَنْ مَّثَلُهُ فِ الظُّلُمَتِ﴾؛ أي كمن هو نفسه في الظلمات، وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ [البقرة: ١٣٧]، أي فإن آمنوا بما آمنتم به لا بشيء آخر مماثل له على التحقيق. ويستأنس له بالقراءة المروية عن ابن عباس وابن مسعود (فإن آمنوا بما آمنتم به). والقول بأن لفظة ((ما)) في الآية مصدرية، وأن المراد تشبيه الإيمان بالإيمان، أي فإن آمنوا بإيمان مثل إيمانكم فقد اهتدوا، لا يخفى بعده. ١٣٤٨ سورة الأحقاف: الآية (١١) والشاهد فى الآية هو عبد الله بن سلام ظعنه كما قال الجمهور، وعليه فهذه الآية مدنية في سورة مكية. وقيل: إن الشاهد موسى بن عمران - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -، وقيل غير ذلك. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهٍ﴾ أظهر أقوال العلماء في هذه الآية الكريمة، أن الكافرين الذين قالوا للمؤمنين: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهٍ﴾، أنّهم كفار مكة، وأنّ مرادهم أن فقراء المسلمين، وضعفاءهم كبلال وعمار وصهيب وخباب ونحوهم، أحقر عند الله من أن يختار لهم الطريق التي فيها الخير. وأنّهم هم الذين لهم عند الله عظمة وجاه واستحقاق السبق لكل خير لزعمهم أنّ الله أكرمهم في الدنيا بالمال والجاه، وأن أولئك الفقراء لا مال لهم ولا جاه، وأنّ ذلك التفضيل في الدنيا يستلزم التفضيل في الآخرة. وهذا المعنى: الذي استظهرناه في هذه الآية الكريمة تدل عليه آيات كثيرة من كتاب الله، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. أما ادعاؤهم أن ما أعطوا من المال والأولاد والجاه في الدنيا، دليل على أنّهم سيعطون مثله في الآخرة، وتكذيب الله لهم في ذلك، فقد جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَيَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِذُّهُر ◌ِهِ، مِن ◌َّالٍ وَبَِّنٌّ ﴿ شَارِعُ لَهُمْ فِ الْخَيَْتَّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ (69)﴾ [المؤمنون]، وقوله تعالى: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَرَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ لَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨َ كَلََّّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَهُّذُ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَّا (﴾﴾ ... الآية [مريم]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ (٣٥)﴾ [سبأ]. مع قوله: ﴿وَمَا أَمْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ يِلَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَقَ﴾ ... بِمُعَذَّبِينَ الآية [سبأ: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلَيِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَّ فَنُنَبَِّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠]. وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَيِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِي لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِّنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]. وأما احتقار الكفار لضعفاء المؤمنين وفقرائهم، وزعمهم أنّهم أحقر عند الله، من أن يصيبهم بخير، وأنّ ما هم عليه لو كان خيراً لسبقهم إليه أصحاب الغنى والجاه والولد من الكفار، فقد دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى في الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّاً بَعْضَهُم بِبَعْضِ لِيَقُولُوَأْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيِّنْنَا﴾ [الأنعام: ٥٣]. فهمزة الإنكار في قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ يَبْنِناً﴾، تدل على إنكارهم أن الله يمن على أولئك الضعفاء بخير. ١٣٤٩ سورة الأحقاف: الآيتان (١٢ - ١٣) . وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمْ بِالشَّكِرِينَ إِثَايَقِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ ... الآية [الأنعام: ٥٣، ٥٤]. وقوله تعالى في الأعراف: ﴿وَنَادَىّ أَهَؤُلَاءِ ٤٨ أَعَْبُ اَلْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُ بِسِيمَهُمْ قَالُواْ مَآ أَغْفَ عَنكُمْ جَمْتُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ٤٩ الَّذِينَ أَفْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةً أَدْخُلُواْ الْنَّةً لَا خَوْفُ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف]. وقوله تعالى في صّ: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىْ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ أَّخَذْتَهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٣٣)﴾ [ص]. ٦٢ فقد قال غير واحد: إنّ الرجال الذين كانوا يعدونهم من الأشرار هم ضعفاء المسلمين الذين كانوا يسخرون منهم في دار الدنيا ويزعمون أنهم أحقر من أن ينالهم الله بخير ويدل له قوله: ﴿أَّخَذْنَهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [ص: ٦٣]، وسيسخر ضعفاء المسلمين في الجنة من الكفار الذين كانوا يسخرون منهم في الدنيا وهم في النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَغَمَنُونَ (٣٥)﴾. إلى قوله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَّبِكِ يَظُرُونَ (٢٥ هَلْ تُبَ الْكُفَّارُ مَا (يَا﴾ [المطففين]. وقوله تعالى: ﴿ُزُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ كَانُواْ يَفْعَلُونَ ءَامَنُواْ وَالَّذِيِنَ أَتَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَمَةِ﴾ ... الآية [البقرة: ٢١٢]. قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ . قد قدّمنا الآيات الموضحة في سورة الشعراء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِسَانٍ عَرَبِقٍ مُّبِينٍ (٤٥)﴾ [الشعراء]، وفي سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِبًّا غَيْرَ ذِى عِوَمٍ﴾ ... الآية [الزمر: ٢٨]. قوله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له مع بيان أنواع الإنذار في القرآن في أول سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ﴾ ... الآية [الأعراف: ٢]. وفي أول سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لُِّنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ... الآية [الكهف: ٢]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبَُّا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَمُواْ فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة فصلت، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ﴾ ... الآية [فصلت: ٣٠]. قوله تعالى: ﴿وَوَضَّيْنَا اَلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًا﴾، قرأ هذا الحرف، نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو (حُسْناً) بضم الحاء وسكون السين، وكذلك هو في مصاحفهم. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي: (إحساناً) بهمزة مكسورة وإسكان الحاء وألف بعد السين. وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذه الآية في سورة بني إسرائيل، في الكلام على ١٣٥٠ سورة الأحقاف: الآية (١٥) قوله تعالى: ﴿وَقُّضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوْ إِلَّ إِيَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. وقال أبو حيان في البحِر: قيل: ضمن ﴿وَوَصَّيْنَا﴾، معنى ألزمنا فيتعدى لاثنين فانتصب حسناً وإحساناً على المفعول الثاني لوصينا. وقيل: التقدير إيصاء ذا حسن أو ذا إحسان، ويجوز أن يكون حسناً بمعنى إحسان فيكون مفعولاً له، أي ووصيناه بها لإحساننا إليهما فيكون الإحسان من الله تعالى. وقيل: النصب على المصدر على تضمين معنى أحسنا بالوصية للإنسان بوالديه إحساناً اه منه، وكلها له وجه. قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُُّ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرُمَّاً﴾ قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر: (كَرْهاً) بفتح الكاف في الموضعين، وقرأه عاصم وحمزة والكسائي، وابن ذكوان، عن ابن عامرٍ: (كُرْهاً) بضم الكاف في الموضعين. وهما لغتان كالضُّعف والضَّعف. ومعنى حملته (كرهاً) أنها في حال حملها به تلاقي مشقة شديدة. ومن المعلوم ما تلاقيه الحامل من المشقة والضعف، إذا أثقلت وكبر الجنين في بطنها . ومعنى ((وضعته كرهاً)): أنها في حالة وضع الولد، تلاقي من ألم الطلق وكربه مشقة شديدة، كما هو معلوم. وهذه المشاق العظيمة التي تلاقيها الأم في حمل الولد ووضعه، لا شك أنها يعظم حقها بها، ويتحتم برها، والإحسان إليها كما لا يخفى. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من المشقة التي تعانيها الحامل، دلت عليه آية أخرى، وهي قوله تعالى في لقمان: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]، أي تهن به وهناً على وهن؛ أي ضعفاً على ضعف، لأن الحمل كلما تزايد وعظم في بطنها، ازدادت ضعفاً على ضعف. وقوله في آية الأحقاف هذه ((كرهاً)) في الموضعين مصدر منكر وهو حال؛ أي حملته ذات كره ووضعته ذات كره، وإتيان المصدر المنكر حالاً كثير كما أشار له في الخلاصة بقوله : بكثرة كبغتة زيد طلع ومصدر منكر حالاً يقع وقال بعضهم: ((كرهاً)) في الموضعين نعت لمصدر، أي حملته حملاً ذا كره، ووضعته وضعاً ذا كره، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلْمُ تَثُونَ شَهْرًا﴾ هذه الآية الكريمة؛ ليس فيها بانفرادها. تعرض لبيان أقل مدة الحمل، ولكنها بضميمة بعض الآيات الأخرى إليها يعلم أقل أمد ١٣٥١ سورة الأحقاف: الآيتان (١٧ - ١٨) الحمل؛ لأن هذه الآية الكريمة من سورة الأحقاف، صرحت بأن أمد الحمل والفصال معاً، ثلاثون شهراً . وقوله تعالى في لقمان: ﴿وَفِصَلُهُ فِ عَمَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]. وقوله في البقرة: ﴿وَأَلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، يبين أن أمد الفصال عامان وهما أربعة وعشرون شهراً، فإذا طرحتها من الثلاثين بقيت ستة أشهر، فتعين كونها أمداً للحمل، وهي أقله، ولا خلاف في ذلك بين العلماء. · ودلالة هذه الآيات على أن ستة أشهر أمد للحمل هي المعروفة عند علماء الأصول بدلالة الإشارة. وقد أوضحنا الكلام عليها، في مباحث الحج في سورة الحج، في مبحث أقوال أهل العلم، في حكم المبيت بمزدلفة، وأشرنا لهذا النوع من البيان في ترجمة هذا الكتاب المبارك. قوله تعالى: ﴿حٌَّ إِذَا يَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً﴾ قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّمُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وفي ترجمة هذا الكتاب المبارك. قوله تعالى: ﴿وَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُنِّ لَّكُمَا أَنْعِدَانِيّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اَللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. والتحقيق - إن شاء الله - أن (الذي) في قوله: ﴿وَاَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ﴾ بمعنى الذين، وأن الآية عامة في كل عاق لوالديه مكذب بالبعث. والدليل من القرآن على أن ((الذي))، بمعنى ((الذين))، وأن المراد به العموم، أن (الذي) في قوله: ﴿وَاَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ﴾ مبتدأ خبره قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّى عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ والإخبار عن لفظة الذي في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾؛ القول بصيغة الجمع، صريح في أن المراد بالذي العموم لا الإفراد؛ وخير ما يفسر به القرآن القرآن. وبهذا الدليل القرآني تعلم أن قول من قال في هذه الآية الكريمة إنها نازلة في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﴿يا، ليس بصحيح، كما جزمت عائشة ثا ببطلانه. وفي نفس آية الأحقاف هذه دليل آخر واضح على بطلانه، وهو أن الله صرح بأن الذين قالوا تلك المقالة حق عليهم القول، وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ اٌلْقَوْلُ مِنِِّ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ومعلوم أن عبد الرحمن بن أبي بكر ﴿ما أسلم وحسن إسلامه، وهو من خيار المسلمين وأفاضل الصحابة ١٣٥٢ - سورة الأحقاف: الآيتان (١٧ - ١٨) . وغاية ما في هذه الآية الكريمة هو إطلاق ((الذي)) وإرادة ((الذين))، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب؛ لأن لفظ ((الذي)) مفرد ومعناها عام لكل ما تشمله صلتها، وقد تقرر في علم الأصول أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم، كما أشار له في (مراقي السعود) بقوله: صيغة يكل أو الجميع ). وقد تلا الذي التي الفروع فمن إطلاق الذي وإرادة الذين في القرآن، هذه الآية الكريمة من سورة الأحقاف، وقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ... الآية [البقرة: ١٧]: أي كمثل الذين استوقدوا، بدليل قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَّكَّهُمْ فِ ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]، بصيغة الجمع في الضمائر الثلاثة التي هي ﴿بِثُورِهِمْ﴾، ﴿وَتَرَّكَّهُمْ﴾، والواو في ﴿لَّا يُصِرُونَ﴾. وقوله تعالى في البقرة أيضاً: ﴿كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِقَآءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي كالذين ينفقون بدليل قوله: ﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وقوله [الزمر]. وقوله في ٣٣ في الزمر: ﴿وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِةٍ أُوْلَبِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ التوبة: ﴿وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاصُواْ﴾ [التوبة: ٦٩]، أي كالذين خاضوا بناء على أنها موصولة لا مصدرية، ونظير ذلك من كلام العرب قول أشهب بن رميلة: هم القوم كل القوم يا أم خالد فإن الذي حانت بفلج دماؤهم وقول عديل بن الفرخ العجلي: غوایتهم غيي ورشدهم رشدي وبت أساقي القوم إخوتي الذي وقول الراجز: يا رب عبس لا تبارك في أحد في قائم منهم ولا في من قعد إلا الذي قاموا بإطراف المسد وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أُنٍ لَّكُمَا﴾، كلمة تضجر، وقائل ذلك عاق لوالديه غير مجتنب نهي الله في قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندََ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَ تَقُل لَُّمَا أُفٍ﴾ ... الآية [الإسراء: ٢٣]، وقوله: ﴿أَتَعِدَانِىّ﴾: فعل مضارع وعد، وحذف واوه في المضارع مطرد، كما ذكره في الخلاصة بقوله: فا أمر أو مضارع من كوعد احذف وفي كعدة ذاك اطبرد - والنون الأولی نون الرفع، والثانية نون الوقایة کما لا یخفی. وقرأ هذا الحرف أبو عمرو وابن عامر في رواية ابن ذكوان وعاصم وحمزة والكسائي: ((أتعدانني)) بنونين مكسورتين مخففتين وياء ساكنة، وقرأه هشام عن ابن عامر بنون مشددة مكسورة وبياء ساكنة، وقرأه نافع وابن كثير بنونين مكسورتين مخففتين وياء مفتوحة، والهمزة للإنكار. سورة الأحقاف: الآية (٢٠) ١٣٥٣ وقوله: ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي أبعث من قبري حياً بعد الموت. والمصدر المنسبك من ((أن)) وصلتها هو المفعول الثاني لتعدائني؛ يعني أتعداني الخروج من قبري حياً بعد الموت، والخال قد مضت القرون أي هلكت الأمم الأولى، ولم يحي منهم أحد، ولم يرجع بعد أن مات. وهما أي والداه يستغيثان الله أي يطلبانه أن يغيثهما بأن يهدي ولدهما إلى الحق والإقرار بالبعث، ويقولان لولدهما: ويلك آمن؛ أي بالله وبالبعث بعد الموت. · والمراد بقولهما ويلك: حثه على الإيمان إن وعد الله حق، أي وعده بالبعث بعد الموت حق لا شك فيه، فيقول ذلك الولد العاق المنكر للبعث: ﴿مَا هَذَا﴾ إن الذي تعدانني إياه من البعث بعد الموت ﴿إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ﴾. والأساطير جمع أسطورة. وقيل: جمع إسطارة، ومراده بها ما سطره الأولون، أي كتبوه من الأشياء التي لا حقيقة لها . وقوله: ﴿أُوْلَكَ﴾ ترجع الإشارة فيه إلى العاقين المكذبين بالبعث المذكورين في قوله: ﴿وَالَّذِى قَالَ لِوَلِدَيَّهِ أُنٍ لَّكُمَا﴾ ... الآية. وقوله: ﴿حَقَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي وجبت عليهم كلمة العذاب، وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة يس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ [يس]. .. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن منكري البعث يحق عليهم القول لكفرهم، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١]. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَنِكُمْ فِ حَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم بِهَا قَالْيَوْمَ تُجْزَوَنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُمْ تَسْتَكْثِرُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحِّ وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ معنى الآية الكريمة أنه يقال للكفار يوم يعرضون على النار: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَنِبَتِكُمْ﴾ . فقوله ((يعرضون على النار)): قال بعض العلماء: معناه يباشرون حرها كقول العرب: عرضهم على السيف إذا قتلهم به، وهو معنى معروف في كلام العرب. وقد ذكر تعالى مثل ما ذكر هنا في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَيْسَ هَذَا يِالْحَقٍّ﴾؛ وهذا يدل على أن المراد بالعرض مباشرة العذاب لقوله: ﴿قَالُواْ بَى وَرَيْنَاْ قَالَ فَذُوقُواْ أَلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِكَالٍ فِرْعَوْنَ سُوءُ اَلْعَذَابِ ® النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦] لأنه عرض عذاب. وقال بعض العلماء: معنى عرضهم على النار هو تقريبهم منها، والكشف لهم عنها، حتى يروها كما قال تعالى: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ ... الآية [الكهف: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَجَأْىّهَ يَوْمَيْلِ بِجَهَنَّمْ﴾ [الفجر: ٢٣]. ١٣٥٤ - سورة الأحقاف: الآية (٢٠) وقال بعض العلماء: في الكلام قلب، وهو مروي عن ابن عباس وغيره، قالوا: والمعنى ويوم تعرض النار على الذين كفروا. قالوا: وهو كقول العرب: عرضت الناقة على الحوض. يعنون عرضت الحوض على الناقة، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوَمَيِذٍ لِلْكَفِرِينَ عَرْضًا (®﴾ [الكهف]. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: هذا النوع الذي ذكروه من القلب في الآية، كقلب الفاعل مفعولاً، والمفعول فاعلاً ونحو ذلك، اختلف فيه علماء العربية، فمنعه البلاغيون إلا في التشبيه، فأجازوا قلب المشبه مشبهاً به والمشبه به مشبهاً بشرط أن يتضمن ذلك نكتة وسراً لطيفاً كما هو المعروف عندهم في مبحث التشبيه المقلوب. وأجازه كثير من علماء العربية، والذي يظهر لنا أنّه أسلوب عربي نطقت به العرب في لغتها، إلا أنه يحفظ ما سمع منه، ولا يقاس عليه، ومن أمثلته في التشبيه قول الراجز: كأن لون أرضه سماؤه ومنهل مغبرة أرجاؤه أي كأن سماءه لون أرضه، وقول الآخر: وجه الخليفة حين يمتدح وبدا الصباح كأن غرته لأن أصل المراد تشبيه وجه الخليفة بغرة الصباح، فقلب التشبيه ليوهم أن الفرع أقوى من الأصل في وجه الشبه. قالوا ومن أمثلته في القرآن: ﴿وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ اٌلْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦]؛ لأنّ العصبة من الرجال هي التي تنوء بالمفاتيح؛ أي تنهض بها بمشقة وجهد لكثرتها وثقلها، وقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَآءُ﴾ [القصص: ٦٦]، أي عموا عنها. ومن أمثلته في كلام العرب قول كعب بن زهير: كأن أوب ذراعيها إذا عرقت وقد تلفع بالقور العساقيل لأنّ معنى قوله: تلفع لبس اللفاع وهو اللحاف، والقور الحجارة العظام، والعساقيل: السراب. والكلام مقلوب، لأن القور هي التي تلتحق بالعساقيل لا العكس، كما أوضحه لبيد في معلقته بقوله: فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى واجتاب أردية السراب إكامها فصرح بأنّ الإكام التي هي الحجارة اجتابت؛ أي لبست أردية السراب. والأردية جمع رداء، وهذا النوع من القلب وإن أجازه بعضهم فلا ينبغي حمل الآية عليه؛ لأنه خلاف الظاهر، ولا دليل عليه يجب الرجوع إليه. وظاهر الآية جار على الأسلوب العربي الفصيح، كما أوضحه أبو حيان في البحر المحيط . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتِكُمْ فِ حَيَاتِكُ الذُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾، قرأه ابن كثير وابن عامر (أأذهبتم) بهمزتين وهما على أصولهما في ذلك. ١٣٥٥ سورة الأحقاف: الآية (٢٠). : فابن كثير يسهل الثانية بدون ألف إدخال بين الهمزتين. وهشام يحققها ويسهلها مع ألف الإدخال. وابن ذكوان يحققها من غير إدخال. وقرأه نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيَِّتِكُمْ﴾ بهمزة واحدة على الخبر من غير استفهام. واعلم أن للعلماء كلاماً كثيراً في هذه الآية قائلين: إنها تدل على أنه ينبغي التقشف والإقلال من التمتع بالمآكل والمشارب والملابس ونحو ذلك. وأن عمر بن الخطاب ظبه كان يفعل ذلك خوفاً منه أن يدخل في عموم من يقال لهم يوم القيامة: ﴿أَذْهَبْتُمْ ◌َتِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الذُّنْيَا﴾ ... الآية. والمفسرون يذكرون هنا آثاراً كثيرة في ذلك، وأحوال أهل الصفة وما لاقوه من شدة العيش. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: التحقيق - إن شاء الله - في معنى هذه الآية هو أنها في الكفار وليست في المؤمنين الذين يتمتعون باللذات التي أباحها الله لهم؛ لأنه تعالى ما أباحها لهم ليذهب بها حسناتهم. وإنما قلنا: إن هذا هو التحقيق؛ لأن الكتاب والسنة الصحيحة دالان عليه والله تعالى يقول: ﴿فَإِن تَزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الَّهِ وَالَّسُولِ﴾ ... الآية [النساء: ٥٩]. أما كون الآية في الكفار فقد صرح الله تعالى به في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَنِبَتِكُمْ﴾ ... الآية. والقرآن والسنة الصحيحة، قد دلا على أن الكافر إن عمل عملاً صالحاً مطابقاً للشرع، مخلصاً فيه لله، كالكافر الذي يبر والديه، ويصل الرحم ويقري الضيف، وينفس عن المكروب، ويعين المظلوم يبتغي بذلك وجه الله يثاب بعمله في دار الدنيا خاصة بالرزق والعافية ونحو ذلك، ولا نصيب له في الآخرة. فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَنَهَا نُوَفِّ إِلَتِهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فَِا لَا يُخَسُونَ أُوْلِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ إِلَّ التَّارُ وَحَبِطَ مَا ١٥ صَنَعُواْ فِيهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ [هود]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]. وقد قيد تعالى هذا الثواب الدنيوي المذكور في الآيات بمشيئته وإرادته، في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْمُومًا مَدْخُورًا (٣)﴾ [الإسراء]. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أنّس أن النبي وسلّم قال: ((إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزي بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها الله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها)) هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفي لفظ له عن رسول الله وَله: ((إنّ الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا، وأما المؤمن فإنّ الله يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته))، اهـ . ... ١٣٥٦ سورة الأحقاف: الآية (٢٠) فهذا الحديث الثابت عن النبي وَللتر فيه التصريح بأنّ الكافر يجازى بحسناته في الدنيا فقط، وأنّ المؤمن يجازى بحسناته في الدنيا والآخرة معاً، وبمقتضى ذلك يتعين تعييناً لا محيص عنه، أنّ الذي أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها هو الكافر؛ لأنّه لا يجزى بحسناته إلا في الدنيا خاصة. وأما المؤمن الذي يجزى بحسناته في الدنيا والآخرة معاً، فلم يذهب طيباته في الدنيا؛ لأن حسناته مدخرة له في الآخرة، مع أن الله تعالى يثيبه بها في الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَمًا ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] فجعل المخرج من الضيق له ورزقه من حيث لا يحتسب ثواباً في الدنيا وليس ينقص أجر تقواه في الآخرة. والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وعلى كل حال فالله - جلّ وعلا - أباح لعباده على لسان نبيه و الطيبات في الحياة الدنيا، وأجاز لهم التمتع بها، ومع ذلك جعلها خاصة بهم في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِ الَّتِىَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاُلْطَِّبَتِ مِنَ الْرِزْقِّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ اُلْقِيَمَةُ﴾ [الأعراف: ٣٢]. فدل هذا النص القرآني أن تمتع المؤمنين بالزينة والطيبات من الرزق في الحياة الدنيا لم يمنعهم من اختصاصهم بالتنعم بذلك يوم القيامة، وهو صريح في أنهم لم يذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا . ولا ينافي هذا أنّ من كان يعاني شدة الفقر في الدنيا كأصحاب الصفة، يكون لهم أجر زائد على ذلك؛ لأن المؤمنين يؤجرون بما يصيبهم في الدنيا من المصائب والشدائد، كما هو معلوم. والنصوص الدالة على أن الكافر هو الذي يذهب طيباته في الحياة الدنيا؛ لأنه يجزى في الدنيا فقط كالآيات المذكورة، وحديث أنس المذكور عند مسلم، قد قدَّمناها موضحة في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا [الإسراء]، وذكرنا هناك أسانيد سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا الحديث المذكور وألفاظه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ﴾؛ أي عذاب الهوان وهو الذل والصغار. وقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْثِرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحِّ وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ﴾، الباء في قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ﴾ سببية، و((ما)) مصدرية؛ أي تجزون عذاب الهون بسبب كونكم مستكبرين في الأرض، وكونكم فاسقين. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون الاستكبار في الأرض والفسق من أسباب عذاب الهون، وهو عذاب النار، جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله ١٣٥٧ سورة الأحقاف: الآيتان (٢١ - ٢٢). تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَنْوَّى لِلْمُتَكَبِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]. وقوله تعالى: ﴿وَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَأْوَنُهُمُ النَّارُ﴾ الآية [السجدة: ٢٠]. وقد قدَّمنا النتائج الوخيمة الناشئة عن التكبر في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ ... الآية [الأعراف: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ آلْحَقِّ﴾، مع أنه من المعلوم أنهم لا يستكبرون في الأرض إلا استكباراً متلبساً بغير الحق كقوله تعالى: ﴿وَلَا طٍَّ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ومعلوم أنه لا يطير إلا بجناحيه، وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، ومعلوم أنّهم لا يكتبونه إلا بأيديهم، ونحو ذلك من الآيات، وهو أسلوب عربي نزل به القرآن. قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنَذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ . أبهم - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أخا عاد ولم يعينه، ولكنّه بيّن في آيات أخرى أنه هود - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - كقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَاهُمْ هُودًا﴾. [الأعراف: ٦٥]، في سورة الأعراف، وسورة هود، وغير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن النبي هوداً نهى قومه أن يعبدوا غير الله، وأمرهم بعبادته تعالى وحده، وأنه خوفهم من عذاب الله، إن تمادوا في شركهم به، وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية جاءا موضحين في آيات أخر. أما الأول منهما: ففي قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]، في سورة الأعراف، وسورة هود، ونحو ذلك من الآيات. وأما خوفه عليهم العذاب العظيم فقد ذكره في الشعراء في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْ الَّذِىّ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ وَحَنَّتٍ وَعُونٍ (١٦) إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ أَمَذَّكُ بِأَنْعَمٍ وَبَنِينَ (٣) يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [الشعراء] وهو يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَلِتِنَا فَأَنْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (٢٢) ومعنى قوله تعالى: ﴿لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالَتْنَا﴾، أي لتصرفنا عن عبادتها إلى عبادة الله وحده، وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين: أحدهما: إنكار عاد على هود أنّه جاءهم، ليتركوا عبادة الأوثان ويعبدوا الله وحده. وثانيهما: أنّهم قالوا له: ائتنا بما تعدنا من العذاب وعجله لنا إن كنت صادقاً فيما تقول، عناداً منهم وعتواً. وهذان الأمران جاءا موضحين في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأعراف: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَّ فَأَنْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ اُلصَّدِقِينَ (٢٥)﴾ [الأعراف]. ١٣٥٨ - سورة الأحقاف: الآيات (٢٤ - ٢٦) قوله تعالى: ﴿وَأَبَلِغُّكُم مَّ أُرْسِلْتُ بِهِ﴾. ذكر - جلا وعلا - في هذه الآية الكريمة أن نبي الله هوداً قال لقومه: إنّه يبلغهم ما أرسل به إليهم؛ لأنّه ليس عليه إلا البلاغ، وهذا المعنى جاء مذكوراً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأعراف: ﴿قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَبِّ الْعَلَمِينَ ( أُبلِّغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِ وَأَنَاْ لَكُنْ نَاصِعُ أَمِينُ ﴾ [الأعراف]، وقوله تعالى في سورة هود: ﴿فَإِن تَوَلَّوْ فَقَدْ أَبْلَغْشُّكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ= إِلَيْكُمْ﴾ [هود: ٥٧]. قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُم بِهِّ رِيحٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَرَسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِيّ أَيَّامٍ تَّحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَنَّهُمْ فِيمَآ إِن تَكَّنَّكُمْ فِيهِ﴾، لفظة (إن) في هذه الآية الكريمة فيها للمفسرين ثلاثة أوجه؛ يدل استقراء القرآن على أنّ واحداً منها هو الحق، دون الاثنين الآخرين، قال بعض العلماء: ((إن)) شرطية وجزاء الشرط محذوف، والتقدير: إن مکناکم فيه طغیتم وبغیتم . وقال بعضهم: ((إن)) زائدة بعد ((ما)) الموصولة حملاً لـ((ما)) الموصولة على ((ما)) النافية؛ لأن ما النافية تزاد بعدها لفظة ((إن)) كما هو معلوم. كقول قتيلة بنت الحرث بن النضر العبدرية : أبلغ بها ميتاً بأن تحية ما إن تزال بها النجائب تخفق وقول دريد بن الصمة في الخنساء: كاليوم طالي أينق جرب ما إن رأيت ولا سمعت به فـ((إن)) زائدة بعد ((ما)) النافية في البيتين وهو كثير، وقد حملوا على ذلك ما الموصولة فقالوا: تزاد بعدها ((إن)) كآية الأحقاف هذه. وأنشد لذلك الأخفش: يرجى المرء ما إن لا يراه وتعرض دون أدناه الخطوب أي يرجى المرء الشيء الذي لا يراه، وإن زائدة، وهذان هما الوجهان اللذان لا تظهر صحة واحد منهما؛ لأنّ الأول منهما فيه حذف وتقدير. والثاني منهما فيه زيادة كلمة، وكل ذلك لا يصار إليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. أما الوجه الثالث الذي هو الصواب إن شاء الله، فهو أن لفظة ((إن)) نافيه بعد ((ما)) الموصولة؛ أي ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه من القوة في الأجسام، وكثرة الأموال والأولاد والعدد. وإنّما قلنا: إن القرآن يشهد لهذا القول لكثرة الآيات الدالة عليه، فإنّ الله - جل وعلا - في آيات كثيرة من كتابه يهدد كفار مكة بأن الأمم الماضية كانت أشد منهم بطشاً وقوة، ١٣٥٩ سورة الأحقاف: الآيات (٢٨ - ٣١) وأكثر منهم عدداً، وأموالاً، وأولاداً، فلما كذبوا الرسل، أهلكهم الله ليخافوا من تكذيب النبي ول* أن يهلكهم الله بسببه، كما أهلك الأمم التي هي أقوى منهم، كقوله تعالى في المؤمن: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ فَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى الْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (® (٨٢) ﴾ [غافر]. وقوله فيها أيضاً: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِ اْأَرْضِ فَيَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاتَارًا فِى الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ... الآية [غافر: ٢١]. وقوله تعالى في الروم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِ اُلْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ ... الآية [الروم: ٩]. وقد قدّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى: (٨)﴾ [الزخرف]. فَأَهْلَكَنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ اَلْأَوَّلِينَ قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَّهُمُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا ءَاِمَةَّ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمَّ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (3)﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الجاثية، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئًا وَلَا مَا أَّخَذُواْ مِن دُونِ الَّهِ أَوْلِيَ: وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠]. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ ﴿ قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ٣٠ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقٍ مُسْتَقِيمِ ذكر الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من سورة الأحقاف، أنّه صرف إلى النبيِ وَِّ ﴿نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ﴾، والنفر دون العشرة ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾، وأنهم لما حضروه، قال بعضهم لبعض: ﴿أَنْصِتُواْ﴾ أي اسكتوا مستمعين، وأنه لما قضي؛ أي انتهى النبي وَّ من قراءته ﴿وَلَّوْاْ﴾؛ أي رجعوا إلى قومهم من الجن في حال كونهم ﴿أُنْذِرِينَ﴾؛ أي مخوفين لهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا بالله، ويجيبوا داعيهُ محمداً وَّه، وأخبروا قومهم، أن هذا الكتاب الذي سمعوه يتلى، المنزل من بعد موسى ﴿يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ﴾، وهو ضد الباطل، ﴿وَإِلَى طَرِيقِ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي لا اعوجاج فيه. وقد دل القرآن العظيم أنّ استماع هؤلاء النفر من الجن، وقولهم ما قالوا عن القرآن كله وقع ولم يعلم به النبي ◌ّة، حتى أوحى الله ذلك إليه، كما قال تعالى في القصة بعينها، مع بيانها وبسطها، بتفصيل الأقوال التي قالتها الجن بعد استماعهم القرآن العظيم: ﴿قُلُّ أُوحِىَ إِلَىَ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَنَا عَجَمَا جَ يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَامَنَا بِهْ وَلَن نُشْرِكَ بِرَبِنَّا أَحَدًا ﴾﴾ [الجزا، إلى آخر الآيات. قوله تعالى: ﴿يَقَوْمَنَآ أَجِبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُِّّكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾. منطوق هذه الآية أنّ من أجاب داعي الله محمداً وَ ل﴿ وآمن به، وبما ٣٣٦٠ - سورة الأحقاف: الآيات (٣٣ _ ٣٥) جاء به من الحق غفر الله له ذنوبه، وأجاره من العذاب الأليم، ومفهومها، أعني مفهوم مخالفتها، المعروف بدليل الخطاب، أنّ من لم يجب داعي الله من الجن ولم يؤمن به لم يغفر له ولم يجره من عذاب أليم، بل يعذبه ويدخله النار، وهذا المفهوم جاء مصرحاً به مبيناً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَثَمَّتْ كَلِمَةُ رَيِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اُلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِىَ أُمَرٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِسِ فِ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]: وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ٩٤ ) وَحُدُ إِيْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٣٥)﴾ [الشعراء] إلى غير ذلك من الآيات. أما دخول المؤمنين، المجيبين داعي الله من الجن الجنة، فلم تتعرض له الآية الكريمة بإثبات ولا نفي، وقد دلت آية أخرى على أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة، وهي قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِِّ جَّكَانِ ﴿٨ فَأَِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ (1)﴾ [الرحمن]، وبه تعلم أن ما ذهب إليه بعض أهل العلم، قائلين إنّه يفهم من هذه الآية، من أنّ المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة، وأن جزاء إيمانهم وإجابتهم داعي الله، هو الغفران وإجارتهم من العذاب الأليم فقط، كما هو نص الآية، كله خلاف التحقيق. وقد أفاض الشيخ في الحديث عن هذه المسألة فليرجع من اراد الوقوف على كلامه فيها إلى الأصل. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحِِّّىَ الْمَوْقَى بَلَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (®﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذه الآية، وأنّها من الآيات الدالة على البعث في البقرة والنحل والجاثية، وغير ذلك من المواضع وأحلنا على ذلك مراراً، والباء في قوله: ﴿ِقَدِرٍ﴾؛ يسوغه أن النفي متناول لـ((أن)) فما بعدها، فهو في معنى أليس الله بقادر؟ ويوضح ذلك قوله بعد: بلى. مقرراً لقدرته على البعث وغيره. قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ . اختلف العلماء في المراد بأولي العزم من الرسل في هذه الآية الكريمة اختلافاً كثيراً، وأشهر الأقوال في ذلك أنهم خمسة، وهم الذين قدَّمنا ذكرهم في الأحزاب والشورى، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. · وعلى هذا القول فالرسل الذين أمر رسول الله و # أن يصبر كما صبروا أربعة فصار هو رَّ خامسهم. واعلم أن القول بأن المراد بأولي العزم جميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وأن لفظة ((من))، في قوله: ((من الرسل)) بيانية يظهر أنه خلاف التحقيق، كما دل على ذلك بعض الآيات القرآنية كقوله تعالى: ﴿فَاضِرْ لِحُكْمِ رَيِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْمُتِ﴾ ... الآية [القلم: ٤٨]، فأمر الله - جلّ وعلا - نبيه في آية القلم هذه بالصبر، ونهاه عن أن